Полный текст (348 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة رسائل المقريزي
تقى الدين المقريزى
«١» أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد بن أبي الحسن بن عبد الصمد بن تميم، التقى، أبو العباس بن العلاء ابن المحيوى الحسينى العبيدى البعلى الأصل، القاهرى، سبط ابن الصائغ، ويعرف بابن المقريزى- وهى نسبة لحارة فى بعلبك تعرف بحارة المقارزة.
وكان أصله من بعلبك، وجدّه من كبار المحدثين، فتحول ولده إلى القاهرة وولى بها بعض الوظائف المتعلقة بالقضاء، وكتب التوقيع فى ديوان الإنشاء وأنجب صاحب الترجمة.
وقال شيخنا: إنه رأى بخطه ما يدّل على تعيينه في سنة ست وستين وذلك بالقاهرة، ونشأ بها نشأة حسنة، فحفظ القرآن وسمع من جده لأمه الشمس بن الصائغ الحنفى «٢» .
شيوخه:
سمع من جده لأمه كما ذكرنا آنفا، والبرهان الآمدى، والعزّ بن الكويك، والنجم بن رزين، والشمس بن الخشاب، والتنوخى، وابن أبى الشيخة، وابن أبى المجد، والبلقينى والعراقى والهيثمى والقرسيسى وغيرهم.
وحج فسمع بمكة من النشاورى والأميوطى، والشمس بن سكر، وأبي الفضل النويرى القاضى، وسعد الدين الإسفرايينى، وأبى العباس بن عبد المعطى وجماعة.
وقد أجاز له: الإسنوى والأذرعى وأبو البقاء السبكى، وعلى بن يوسف الزرندى وآخرون.
стр. 2
ومن الشام: الحافظ أبو بكر بن المحب وأبو العباس بن العز وناصر الدين محمد ابن محمد بن داود.
مؤلفاته:
كان المقريزى غزير الإنتاج والمادة العلمية فتارة تراه كيميائيا، وتاره تراه مؤرخا كما فى إمتاع الأسماع، والتنازع والتخاصم، وتارة تراه روحيا كما فى حث النفوس، فهو متنوع التصانيف، وهذه جملة غير يسيرة من مؤلفاته.
١- درر العقود الفريدة فى تراجم الأعيان المفيدة (ذكر فيه من عاصره) .
٢- إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأخوال والحفدة والمتاع.
٣- عقد جواهر الإسفاط فى ملوك مصر والفسطاط.
٤- البيان والإعراب عمن فى أرض مصر من قبائل الأعراب.
٥- الإلمام فيمن تأخر بأرض الحبشة من ملوك الإسلام.
٦- الطرفة الغريبة فى أخبار حضر موت العجيبة.
٧- معرفة ما يجب لآل البيت النبوى من الحق على من عداهم.
٨- إتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء.
٩- السلوك بمعرفة دول الملوك.
١٠- التاريخ الكبير المقفّى.
١١- الإشارة والكلام ببناء الكعبة البيت الحرام.
١٢- التنازع والتخاصم بين بنى أمية وبنى هاشم.
١٣- شذور العقود أو النقود القديمة الإسلامية.
١٤- الضوء السارى فى معرفة خبر تميم الدارى.
١٥- الأوزان والأكيال الشرعية.
١٦- إزالة التعب والعنى فى معرفة الحال فى الغنى.
١٧- حصول الإنعام والمير فى سؤال خاتمه الخير.
١٨- المقاصد السنية فى معرفة الأجسام المعدنية.
стр. 3
١٩- تجريد التوحيد.
٢٠- مجمع الفرائد ومنبع الفوائد.
٢١- شارع النجاة.
٢٢- الإيماء فى حل لغز الماء.
٢٣- إغاثة الأمة بكشف الغمّة.
٢٤- الخبر عن البشر.
٢٥- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار.
٢٦- الذهب المسبوك فى ذكر من حج من الملوك.
٢٧- العقود فى تاريخ العهود.
٢٨- البيان المفيد فى الفرق بين التوحيد والتلحيد.
٢٩- جنى الأزهار من الروض المعطار.
صفاته وسلوكه:
كان حسن المذاكرة بالتاريخ، لكنه قليل المعرفة بالمتقدمين؛ ولذلك يكثر له فيهم وقوع التحريف والسقط وربما صحف فى المتون، وكان كثير الاستحضار للوقائع القديمة فى الجاهلية.
أما الوقائع الإسلامية ومعرفة الرجال وأسمائهم والجرح والتعديل والمراتب والسير وغير ذلك من أسرار التاريخ ومحاسنه فغير ماهر فيه.
وكانت له معرفة قليلة بالفقه والحديث والنحو واطلاع على أقوال السلف، وإلمام بمذهب أهل الكتاب، حتى كان يتردد إليه أفاضلهم للاستفاده منه.
وكان حسن الخلق، كثير التواضع، كريم العهد، عالى الهمة لمن يقصده، وكان محبا للمذاكرة والمداومة على التهجد والأوراد، وكان حسن الصلاة مزيدا فيها من الطمأنينة.
وكانت الأكابر تجله: إما مداراة له، وخوفا من قلمه، أو لحسن مذاكراته.
وكان مولعا بالتاريخ فجمع منه شيئا كثيرا، وصنّف فيه كتبا، وكان حسن الصحبة حلو المحاضرة.
стр. 4
ومع كل هذا كان مشتغلا بضرب الرمل، وقد تولى الحسبة بالقاهرة فى آخر أيام الظاهر برقوق.
وقد توفى ﵀ فى عصر الخميس سادس عشر من رمضان سنة خمس وأربعين بالقاهرة بعد مرض طويل وكان عن عمر يناهز الثمانين.
ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بحوش الصوفية البيبرسية- ﵀.
وصف المخطوطات:
وصلتنا مجموعة من رسائل المقريزى على ميكروفيلم رقم ٤٦٥٧ من المكتبة الوطنية بباريس L La Bibliothe que National de France LL وهى نسخة مكتوبة بالخط النسخى المعتاد، مسطرتها فى الغالب ٢٤ سطرا، فى كل سطر من ثمانى إلى عشر كلمات.
وبعد تفريغ الميكرو فيلم على الورق تمهيدا لتحقيقه، فوجئنا بأن بعض الرسائل مطموس تماما فى بعض صحائفه، والبعض الآخر ساقط منه كلمات من الوسط وهو ما يخل بسياق الكلام وبمضمونه.
وحيث إن هذه الرسائل يصعب الحصول عليها جميعها للمقارنة مثلما يفعل فى أى مخطوطة، فقد نحيّنا المخطوطات المشوّهة واستعنا ببعض رسائل المقريزى المطبوعة للتوثيق ومراجعة النص الأصلى عليها.
وقمنا بعمل الآتى:
١- رد كل آية إلى اسم سورتها وإثبات رقم الآية.
٢- تخريج الأحاديث، وكانت هناك فى بعض المخطوطات نصوص لأحاديث ليس لها لفظ مشابه فخرجناها تخريجا محكما.
٣- تخريج البلدان والأصقاع والنواحى.
٤- ترجمة الأعلام والمشاهير ممن ذكرهم فى رسائله.
٥- تفسير المعجم من غريب اللغة من معاجم اللغة العربية، كالقاموس المحيط واللسان والمعجم العربى الأساس ومختار الصحاح والمخصص وخلافه.
٦- إصلاح الإسقاطات والتنبيه على المحو والطمس فى موضعه.
стр. 5
مقدمات
تحتل رسائل المقريزى مكانة مرموقة بين المخطوطات، خاصة التاريخية منها، وهى مجموعة رسائل متنوعة الموضوعات، غزيرة المادة العلمية فى بعضها، ضئيلة فى أخريات منها.
والمقريزى عالم جليل، تارة تراه مؤرخا عندما يتناول موضوعا مثل «التنازع بين بنى أمية وبنى هاشم، وتارة تراه كيميائيا عندما يكتب عن الأجسام المعدنية والفلزات، وتراه فى الباقيات فقيها محدثا.
وقد عكف بعض العلماء الأجلّاء على تحقيق بعض رسائله الصغيرة، ولكن فى اعتقادى أنه لم يتناولها أحد حتى الآن كاملة كمجموعة، وقد أعاننا الله على تحقيق جزء كبير منها- هو الذى بين يدى القارئ- والله أسأله أن يتمم لنا تحقيق الباقى إن شاء الله.
والرسائل التى قمنا بتحقيقها مجموعها حوالى أربع عشرة رسالة، مختلفة الموضوعات، سهلة التناول، جيدة الصياغة، اللهم إلا بعض الإسقاطات والتصحيفات التى سننوّه عليها فى مواضعها، وهذه الرسائل بالترتيب هى: - ١- التنازع والتخاصم بين بنى أميّة وبنى هاشم، وهو يتناول النزاع القبلى بين القبيلتين، وكيف أن رسول الله ﷺ قد ملّك بنى أمية على مكة والمدينة وحضر موت وجعل لهم السيطرة والغلبة ويسرد- فى أسلوب شائق- ما فعله أبو العباس السفاح مؤسس دولة بنى العباس من انتهاكاته للحرمات وسطوته وجبروته.
٢- أما الرسالة الثانية فهى تجريد التوحيد، وفيها يتناول الفروق بين الشرك والتوحيد، ويأتى بأنواع الشرك مثل: الشرك فى الألفاظ، والسجود لغير الله، وشرك القدرّية، والشرك فى الربوبية، ويسوق أقوال كل من القدرية والجبرية فى الحكمة والتعليل.
٣- والثالثة: البيان والإعراب عمّن فى أرض مصر من قبائل الأعراب، يتعرض فى هذه الرسالة عن البطون والأفخاذ والعشائر والقبائل والفصائل، ويسرد لأسماء بعض القبائل العربية التى ما زالت لهم ضياع وأموال حتى الآن فى شتى
стр. 6
محافظات مصر من شمالها إلى جنوبها، ويحكى بطريقة تاريخية رائعة عن كيفية قدومهم من الجزيرة العربية إلى الوطن العربى عامة ومصر خاصة.
٤- والرابعة: هى النقود القديمة الإسلامية، وقد سبق المقريزى فى تناول هذا الموضوع العلّامة البلاذرى برسالة أسماها: «النقود» ، ويتعرض المقريزى للنقود القديمة التى كانت تستعمل فى صدر الإسلام وأيام الخلافة الإسلامية والعباسية.
ويفرقّ بين الدرهم البغلى والدرهم الجواز، وبين معانى كل من كلمة النصّ والأوقية والرطل والدانق والقيراط، ويحكى أن كل خليفة من الخلفاء كان يضرب نوعا من النقود مثل سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه، عندما ضرب درهما نقش عليه: «الله اكبر» .
ونقش معاوية دنانير، نقش عليها تمثالا متقلدا سيفا.
٥- الخامسة: رسالة فى فضل آل البيت على من عداهم رضى الله عنهم أجمعين، وساق أدلته جميعا من كتاب الله وأحاديث رسول الله، كما أنه عقد مقارنة بين نصوص القرآن الكريم وتفسيرها فى أكثر من مرجع كالقرطبى وابن عطية.
٦- السادسة: رسالة المقاصد السنّية فى معرفة الأجسام المعدنية، وههنا يبدو لنا المقريزى كعالم كيميائى بحت، فهو يشرح الأجسام المتولدة ويقسمها بين نامية وغير نامية.
كما أنه شرح أقسام المعادن التى تتولد من الأبخرة والأدخنة المحبوسة فى الأرض.
وفى آخر فصل يتحدث عن الفلزات كالزئبق والكبريت والفضة والنحاس وطريقة تكوين كل معدن منهم فى الأرض.
٧- السابعة: رسالة عن الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام.
فى هذه الرسالة إشارات لطيفة عن ألفاظ البطريق، وهى رتبة من الرتب الكهنوتية لدى النصارى، ولفظ الحطى وهى بلغة الأحباش تعنى: السلطان.
ويتعرض لبعض الفرق كاليعقوبية، والملكانية.
٨- الثامنة: رسالة قصيرة عن حرص النفوس على بقاء الذكر.
стр. 7
٩- التاسعة: عن حسن الخاتمة.
١٠- العاشرة: رسالة عن حل لغز الماء.
١١- الحادية عشرة: نحل عبر النحل، وهى رسالة ممتازة وجديرة بالدراسة وقد نما إلى علمى مؤخرا أن أحد المحققين قام بتحقيقها بمفردها.
وهذه الرسالة يشرح فيها المقريزى النحلة طبيا، وأوصافها، وأسماءها، وأنواع العسل، وفوائده الطبية، وباختصار كل ما يهم القائمين على تشريح النحل ومنتجاته.
والله أسأل أن يجعله فى ميزان حسناتنا إنه نعم الوكيل.
وأشكر شكرا خاصا للأستاذ الحاج/ عاطف محمود مصطفى، مدير دار الحديث على تبنيه هذا العمل وإخراجه إلى النور، بارك الله لنا فيه، آمين.
المحققان رمضان محمد على البدرى واحمد مصطفى أحمد قاسم الطهطاوى
стр. 8
التنازع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم (١)
стр. 9
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المعطى ما شاء لمن شاء، لا مانع لعطائه ولا راد لمراده وقضائه، أحمده بما هو أهله من المحامد، وأشكره على فضله المتزايد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا معاند، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيّه وخليله، اللهم صلّ عليه وعلى آله وأصحابه ومحبيه وأهل طاعته وسلم وشرّف وكرّم.
أما بعد، فإنى كثيرا ما كنت أتعجب من تطاول بنى أمية «١» إلى الخلافة مع بعدهم من جذم رسول الله ﷺ ، وقرب بنى هاشم وأقول: كيف حدّثتهم أنفسهم بذلك، وأين بنو أمية وبنو مروان بن الحكم من يد رسول الله ﷺ ولعينه «٢» من هذا الحديث مع تحكم العداوة من بنى أمية وبنى هاشم فى أيام جاهليتها، ثم شدة عداوة بنى أمية لرسول الله ﷺ ومبالغتهم فى أذاه وتماديهم على تكذيبه فيما جاء به منذ بعثه الله بالهدى ودين الحق إلى أن فتح مكة، شرّفها الله تعالى، فدخل من دخل منهم فى الإسلام كما هو معروف مشهور.
وأردد قول القائل:
وكم من بعيد الدار نال مراده ... وآخر دانى الدّار وهو بعيد
فلعمرى لا بعد أبعد مما كان بين بنى أمية وبين هذا الأمر؛ إذ ليس لبنى أمية سبب إلى الخلافة ولا بينهم وبينها نسب إلا أن يقولوا: إنا من قريش فيساوون فى
стр. 10
هذا الاسم قريش الظواهر، لأن قوله ﷺ : «الأئمة من قريش» «١» واقع على كل قرشى، ومع ذلك فأسباب الخلافة معروفة وما يدّعيه كل جيل معلوم، وإلى كل ذلك قد ذهبت الناس، فمنهم من ادعاها لعلى بن أبى طالب، رضى الله عنه، باجتماع القرابة والسابقة والوصية بزعمهم، فإن كان الأمر ذلك، فليس لبنى أمية فى شىء من ذلك دعوى عند أحد من أهل القبلة، وإن كانت إنما تنال الخلافة بالوراثة، وتستحق بالقرابة، وتستوجب بحق العصبة، فليس لبنى أمية فى ذلك متعلق عند أحد من المسلمين.
وإن كانت لا تنال إلا بالسابقة فليس لهم فى السابقة قديم عهد مذكور ولا يوم مشهور، بل لو كانوا إذ لم تكن لهم سابقة، ولم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة، ولم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشد المنع كان أهون وكان الأمر عليهم أيسر.
فقد عرفنا كيف كان أبو سفيان «٢» فى عداوته للنبى ﷺ وفى محاربته وفى إجلابه عليه وغزوه إيّاه، وعرفنا إسلامه كيف أسلم، وخلاصه كيف خلص، على أنه إنما أسلم على يدى العباس «٣» رضى الله عنه، والعباس هو الذى منع الناس من قتله «٤» وجاءه............... ............... .......
стр. 11
رديفا «١» إلى النبى ﷺ ، وسأل أن يشرّفه وأن يكرمه وبنيه به، وتلك يد بيضاء، ونعمة غراء، ومقام مشهور، وخير نمير منكور، فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا عليا «٢» وسمّوا الحسن «٣» ............... ................
стр. 12
وقتلوا الحسين «١» وحملوا النساء «٢» على الأقتاب «٣» وكشفوا عن عورة على بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه كما يصنع بذرارى «٤» المشركين إذا دخلت ديارهم عنوة، وبعث معاوية بن أبى سفيان إلى اليمن بشر بن أرطاة فقتل ابنى عبيد الله ابن عباس وهما غلامان لم يبلغا الحلم، فقالت أمهما عائشة بنت عبد الله بن عبد الدار بن الدبان ترثيهما:
يا من أحسّ ببنىّ اللذين هما ... كالدرّتين تشفى عنهما الصدف
انجى على ودجى طفلى مرهقة ... مطرورة وعظيم الإثم يعترف
стр. 13
وقتلوا لصلب على بن أبى طالب رضى الله عنه تسعة، ولصلب عقيل بن أبى طالب رضى الله عنه تسعة، ولذلك قالت نائحتهم:
عين جودى بعبرة وعويل ... واندبى إن ندبت آل الرسول
تسعة منهم لصلب على ... قد أصيبوا وتسعة لعقيل
هذا وهم يزعمون أن عقيلا «١» أعان معاوية على علىّ، فإن كانوا كاذبين فما أولاهم بالكذب، وإن كانوا صادقين فما حاذوه خيرا قد ضربوا عنق مسلم بن عقيل «٢» صبرا وقتلوا معه هانئ «٣» بن عروة؛ لأنه آواه ونصره، قال الشاعر:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظرى ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل
ترى بطلا قد هشّم السيف رأسه ... وآخر يرمى من طمار قتيل «٤»
وأكلت هند «٥» كبد حمزة «٦» ،
فمنهم............... ...............
стр. 14
آكلة الأكباد «١» ، ومنهم كهف النفاق «٢» ، ونقروا «٣» بين نحيتى الحسين رضى الله عنه ونبشوا زيدا «٤» ............... ............... .........
стр. 15
وصلبوه «١» وألقوا رأسه في عرضة الدار تطؤه الأقدام وتنقر دماغه الدجاج حتى قال الفرس:
اطرد الديك عن ذؤابة «٢» زيد ... طال ما كان لاقطه الدجاج
وقال شاعر بنى أمية:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ... ولم تر مهديا على الجذع يصلب
وقتلوا على بن عبد الله بن العباس «٣» بالسياط مرتين على أن يزّوج ابنة عمه الجعفرية التى كانت عند عبد الملك بن مروان «٤» ، وعلى أن يحلّوه قتل سليط، وسمّوا أبا هاشم بن محمد بن على، وضرب سليمان بن حبيب بن المهلب أبا جعفر المنصور «٥» بالسياط قبل الخلافة.
وقتل مروان الحمار «٦» ............... ............... ........
стр. 16
الإمام إبراهيم «١» بن محمد بن على، أدخل رأسه في جراب نورة «٢» حتى مات، وقتلوا يوم الحرة «٣» عون بن عبد الله بن جعفر، وقتلوا يوم الطف مع الحسين أبا بكر بن عبد الله بن جعفر، وقتلوا يوم الحرّة الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبى لهب، وعبد الرحمن بن العباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
ومع ذلك فإن عبد الملك بن مروان أبو الخلف من بنى مروان أغرق الناس في الكفر «٤» لأن جده لأبيه............... ............... ..........
стр. 17
الحكم بن أبي العاص «١» لعين رسول الله ﷺ وطريده، وجده لأمه معاوية «٢» بن المغيرة بن أبي العاص، طرده رسول الله ﷺ ثم قتله على «٣» وعمار صبرا، ولا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالإيمان وأقدمهم فيه.
هذا وبنو أمية قد هدموا الكعبة «٤» وجعلوا الرسول دون الخليفة «٥» وختموا في
стр. 18
أعناق أصحابه «١» وغيّر أوقات الصلاة، ونقشوا أكّف المسلمين، ومنهم من أكل وشرب على منبر رسول الله ﷺ ونهبت الحرم ووطئت المسلمات في دار «٢» الإسلام بالبقيع في أيامه، وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكر ملوك بنى أمية قال: كان عبد الملك جبّارا لا يبالى ما صنع، وكان الوليد «٣» مجنونا، وكان سليمان «٤» همه بطنه وفرجه، وكان عمر «٥» عور بين عميان، فإن قيل: عدل، قيل: إن من
стр. 19
عدله أن لا يقبلها ممن لم يكن لها أهلا ويتولاها بغير استحقاق «١» وكان رجلهم هشام «٢» . وقد صدق أبو جعفر وكان يقال لهشام: الأحول السرّاق؛ لأنه ما زال يدخل عطاء الجند شهرا في شهر حتى أخذ لنفسه مقدار أرزاق سنة، فلذلك قالوا الأحول السراق، وقال خاله إبراهيم بن هشام المخزومى: ما رأيت من هشام خطأ قط إلا مرتين فإن الحادى «٣» حدا به مرة فقال:
إن عليك أيها البختى «٤» ... أكرم من تمشى به المطى
فقال: صدق قولك، وقال مرة وأيدّه لأشكون سليمان بن عبد الملك يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وهذا ضعف شديد وجهل عظيم، وكان هشام يقول: والله إنى لأستحيى من الله أن أعطى رجلا أكثر من أربعة آلاف درهم. وقدم هشام ابنه سعيد على حمص فرمى بالنسب، فكتب أبو الجعد الطائى إلى هشام مع يحيى وأعطاه فرسا على أن يبلغ الكتاب وفيه:
أبلغ لديك أمير المؤمنين فقد ... أمددتنا بأمير ليس عتيدا
طورا يخالف عمرا في خليلته ... وعند رابحة يبغى الأمر والدينا
فعزله وقال: يابن الخبيثة تزنى وأنت ابن أمير المؤمنين، أعجزت أن تفجر فجور قريش قبل هذا، وأظنه قال: لا يلى لى عملا أبدا. وحسبك من عبد الملك بن مروان قيامه على منبر الخلافة وهو يقول: «ما أنا بالخليفة المستضعف ولا بالخليفة المداهن «٥» ولا بالخليفة المأفون «٦» » «٧» ، وهؤلاء هم سلقته وأئمته وبشفعتهم
стр. 20
قام ذلك المقام، وبتأسيسهم وتقديمهم نال تلك الرئاسة، ولولا العادة المتقدمة والأجناد المجندة، والصفائح «١» القائمة لكان أبعد خلق الله من ذلك المقام، فالمستضعف عنده، عثمان بن عفان رضى الله عنه، والمداهن عنده معاوية رضى الله عنه، والمأفون عنده يزيد بن معاوية، والضعيف لا يكون خليفة؛ لأنه الذى ينال القوى منه عند انتشار الأمر عليه، والمداهن لا يكون إماما ولا يوثق منه بعقد ولا بوفاء عهد، ولا بضمير صحيح ولا بعيب كريم، والمأفون لا يكون إماما وهذا الكلام «٢» نقض لسلطانه، وعداوة لأهله، وإفساد لقلوب شيعته، وقرة عين عدّوه، وعجز في رأيه، فإنه لم يقدر على إظهار قوته إلا بأن يظهر عجز أئمته، وقد كانت المنافرة لا تزال بين بنى هاشم وبنى عبد شمس، بحيث إنه يقال: إن هاشما وعبد شمس ولدا توأمين، خرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم وقد لصقت إصبع أحدهما بجبهة الآخر، فلما نزعت دمى المكان، فقيل: سيكون بينهما وولديهما دم فكان كذلك.
وقيل: إن عبد شمس وهاشما كانا يوم ولدا ... «٣» وكانت جباههما ملصقة بعضها ببعض فأخذ السيف ففرّق بين جباههما بالسيف، فقال بعض العرب: ألا فرّق ذلك بالدرهم، فإنه لا يزال السيف بينهم في أولادهم إلى الأبد فكانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف وأخيه، وإن هاشما كانت إليه الرفادة «٤» التى سنّها جده قصى «٥» بن كلاب بن مرة مع السقاية «٦» ؛ وذلك أن أخاه عبد شمس كان يسافر وقلّ ما يقيم بمكة، وكان رجلا مقلا وله ولد كثير، فاصطلحت قريش على أن ولىّ هاشم
стр. 21
السقاية والرفادة، وكان هاشم رجلا موسرا فكان إذا حضر موسم الحج قام في قريش فقال: «يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وإنكم يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خصكم الله بذلك وأكرمكم حفظه منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزواره فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر «١» كالقداح وقد أزحفوا وتقلوا وقملوا وأرسلوا فأقرّوهم وأغنوهم وأعينوهم» «٢» .
فكانت قريش ترافل «٣» على ذلك حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشىء اليسير على قدرهم فيضمه هاشم إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس فأعجز كمله، وكان هاشم يخرج في كل سنة مالا كثيرا، وكان قوم من قريش يترافدون، فكانوا أهل يسار، فكان كل إنسان منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية «٤» ، فكان هاشم يأمر بخياض من أدم «٥» فتجعل في موضع زمزم من قبل أن تحفر «٦» زمزم ثم يسقى فيها من البيار التى بمكة فيشرب الحاج، وكان يطعمهم أول ما يطعمهم قبل التروية «٧» بيوم بمكة ويطعمهم بمنى وبعرفة (وكان) «٨» يثرد «٩» لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق «١٠» والتمر، ويحمل إليهم الماء حتى تنفرق الناس لبلادهم.
стр. 22
وكان هاشم يسمى عمرا، وإنما قيل له هاشم لهشمه الثريد «١» ، وهو أول من أطعم الثريد بمكة، وكان أمية بن عبد شمس ذا مال فتكلف أن يفعل كما فعل هاشم من إطعام قريش، فعجز عن ذلك فشمت به ناس من قريش وعابوه لتقصيره، فغضب ونافر «٢» هاشما على خمسين ناقة سود الحدق وتنحر بمكة وعلى جلاء عشر سنين وجعلا بينهما الكاهن الخزاعى عبد عمرو بن الحمق وكان منزله عسفان، وخرج من أمية أبو هممة حبيب بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك الفهرى فقال: الكاهن والقمر الباهر والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغابر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر أول منه وآخر وأبو هممة بذلك خابر، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر وخرج أمية إلى الشام فأقام به عشر سنين، فكان هذا أول عداوة وقعت في بنى هاشم وبنى أمية، ولم يكن أمية في نفسه هناك وإنما رفعه أبوه وبنوه وكان مصفوفا، وكان صاحب عمار، يدل على ذلك قول ثقيل بن عبد العزّى جد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين تنافر إليه حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم، فنفر عبد المطلب وتعجب من إقدامه عليه وقال:
أبوك معاهر وأبو غف ... وذاد الفيل عن بلد حرام
وذلك أن أمية كان يعرض لامرأة من بنى زهرة فضربه رجل منهم ضربة بالسيف، وأراد بنو أميّة ومن تابعهم إخراج زهرة من مكة، فقام دونهم قيس بن عدى السهمى، وكانوا أخواله، وكان منيع الجانب شديد العارض «٣» ، حمّى الأنف، أبى النفس فقام دونهم وصاح: أصبح ليل، فذهبت مثلا، ونادى: ألا أن الظاعن «٤» مقيم، ففى هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة:
مهلا أمية إن البغى مملكة ... لا يكسبنك يوما سدّه ذكره
يتدركوا إليه والشمس طالعة ... يصب في الكأس منه.... «٥»
стр. 23
وصنع أمية في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من العرب، زوّج ابنه عمرو بن أمية امرأته في حياة منه.... «١» فى الإسلام هم الذين أولدوا نساء آبائهم واستنكحوهن من بعد موتهن، وأما أن تزوجها في حياته وبنى عليها وهو يراه، فإن هذا لم يكن قط، وأمية قد جاوز هذا المعنى ولم يرض بهذا المقدار حتى نزل عنها وزوجها منه، وأبو معيط بن أبى عمرو بن أمية قد زاد في المقت درجتين، ثم نافر حرب بن أمية عبد المطلب بن هاشم، فما زال أمية يغزى حتى قتل وأخذ ماله فى خبر طويل، وتمادت العداوة بين البيتين حتى قام سيد بنى هاشم أبو القاسم محمد ﷺ ابن عبد المطلب بن هاشم رسول الله ﷺ بمكة يدعو قريشا إلى توحيد الله جلت قدرته، وترك ما كانت تعبد من دون الله، فانتدب لعداوته ﷺ جماعة من بنى أمية منهم: أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية حتى هلك على كفره بالله فى أول سنة من الهجرة أو في سنة اثنتين وهو يحاد الله ورسوله، ومنهم: عقبة ابن أبى معيط «٢» أبان بن عمرو بن أمية وكان أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ ، وأدى إلى أن قاتل يوم بدر فأتى به إلى رسول الله ﷺ وقد أرشر فأمر بضرب عنقه، فجعل يقول: يا ويلتى علام أقتل من بين هؤلاء، فقال رسول الله ﷺ :
«لعداوتك لله ولرسوله» ، فقال: يا محمد، منك أفضل، فاجعلنى كرجل من هؤلاء من قومى وقومك يا محمد، من للصبية، قال: «النار» «٣» وضرب عنقه.
وقيل: إن رسول الله ﷺ أمر به فصلب فكان أول مصلوب «٤» فى الإسلام.
стр. 24
وقال عطاء بن الشعبى: إن رسول الله ﷺ قال لعقبة بن أبى معيط يوم بدر:
«والله لأقتلنك» ، فقيل: أقتلته من بين قريش؟ قال: «نعم إنه وطئ على عنقى وأنا ساجد «١» فما رفعت حتى ظننت أن عينى قد سقطتا.
وجاء يوما وأنا ساجد بسلا «٢» شاة فألقاه على رأسى «٣» فأنا قاتله» «٤» ومنهم:
الحكم بن العاص بن أمية، وكان عارا في الإسلام، وكان مؤذيا لرسول الله ﷺ بمكة يشتمه ويسمعه ما يكره، فلما كان فتح مكة أظهر الإسلام خوفا من القتل فلم يحسن إسلامه، وكان مغموصا «٥» عليه في دينه، ثم قدم المدينة فنزل على عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية رضى الله عنه وكان يطالع الأعراب والكفار بأخبار رسول الله ﷺ ، وبينا رسول الله ﷺ يمشى ذات يوم مشى الحكم خلفه فجعل يختلج «٦» بأنفه وفمه كأنه يحاكى رسول الله ﷺ ويتفكك ويتحايل، فالتفت رسول الله ﷺ فرآه، فقال له: «كن كذلك» «٧» . فما زال بقية عمره على ذلك، واطلع يوما على رسول الله ﷺ وهو في حجرة بعض نسائه فخرج إليه بعثرة، فقال: من هذا؟ لو أدركته لفقأت عينه «٨» .
стр. 25
وقال زهير بن محمد عن صالح بن أبي صالح قال: حدثنى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا مع النبى ﷺ فمرّ الحكم بن أبي العاص، فقال النبى ﷺ :
«ويل لأمتى مما في صلب هذا» «١» ، ثم إن النبى ﷺ : «لعنه وما ولد» «٢» وغرّبه عن المدينة «٣» ، فلم يزل خارجا عنها بقية حياة رسول الله ﷺ وخلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فلما استخلف عثمان رضوان الله عنه، ردّه إلى المدينة وولده، فكان ذلك مما أنكره الناس على عثمان، وكان أعظم الناس شؤما على عثمان وأنهم جعلوا إدخاله المدينة بعد إطراد النبى ﷺ إياه وبعد امتناع أبي بكر «٤» وعمر رضى الله عنهما من ذلك أكبر الحجج «٥» على عثمان رضى الله عنه، ومات في خلافته فضرب على قبره فسطاط «٦» ، وقد قالت عائشة رضى الله عنها لمروان بن الحكم:
стр. 26
أشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه «١» .
وقال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت لمروان بن الحكم:
إن اللعين أباك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يضحى خميص «٢» البطن من عمل التقى ... ويظل من عمل الخبيث بطينا
وكان الحكم هذا يقال له: طريد رسول الله ﷺ ولعينه، وهو والد مروان «٣» ابن الحكم الذى صارت إليه الخلافة بالغلبة وتوارثها بنوه من بعده، وكان رجلا لا فقه له، ولا يعرف بالزهد ولا برواية الآثار «٤» ولا بصحبته، ولا بعد علمه، وإنما ولى رستاقا «٥» من رساتيق درا بجرد «٦» لابن عبد مر، ثم ولى البحرين لمعاوية، وقد كان أصحابه ومن تابعه ليبايع ابن الزبير حتى عبيد الله بن زياد، وقال يوم مرج راهط والروس تنبذ عن كواهلها (شعرا) :
стр. 27
وما لهم غير حبس النفوس ... أى غلامى قريش غلب
وهذا كلام من لا يستحق أن يلى ربعا من الأرباع أو خمسا من الأخماس، فكان مروان أول من شق عصا الإسلام بغير تأويل، وقال لخالد بن يزيد بن معاوية وأم خالد عنده: «اسكت يا ابن الرطبة «١» » ، فكان حنقه في هذه الكلمة وكتب عبد الملك بن مروان إلى محمد بن الحنفية «٢» ، فلما نظر إلى عنوان الصحيفة استرجع وقال: انطلقا والعنا رسول الله ﷺ على سائر الناس، والذى نفسى بيده إنها لأمور لا يقر قرارها.
ومنهم: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية أحد من عادى الله ورسوله إلى أن قتل ببدر كافرا «٣» ، قتله حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، وعتبة هذا هو أبو هند بنت عتبة التى لاكت كبد «٤» حمزة رضى الله عنه واتخذت مما قطعت منه مسكين «٥» ومعضدين «٦» وخدمتين «٧» «٨» ، وأعطت وحشيا قاتل حمزه حليا كان عليها من ورق «٩» وجدع وخواتيم ورق كانت في أصابع رجليها، كل ذلك شماتة بحمزة رضى الله عنه من أجل أنه قتل أباها عتبة رأس الكفر في يوم بدر، وقيل:
بل قتل عبيدة بن الحارث بن المطلب وأنشدت هند (شعرا) «١٠» :
стр. 28
عينى جودى «١» بدمع سرب ... على خير خندق «٢» لم ينقلب
تداعى به رهطه نصرة «٣» ... بنو هاشم وبنو المطلب
وقيل: إن عليا لما فرغ من الوليد بن عتبة واجتمع مع عبيدة على عتبة فقتلاه «٤» ، وهند هذه أمر رسول الله ﷺ يوم فتح مكة بقتلها فأسلمت، ولما حضرت مع النساء تبايع بيعة الإسلام كان مما قال لهن رسول الله ﷺ ولا تقتلن أولادكن فقالت: ربيناهن صغارا وقتلتهن كبارا «٥» ؛ وهى أم معاوية بن أبى سفيان الذى قاتل على بن أبى طالب رضى الله عنه، وأخذ الخلافة من الحسين بن على رضى الله عنهما واستلحق زياد بن سمية مرزيته واستخلف على الأمة ابنه يزيد «٦» القرود ويزيد الخمور «٧» .
ومنهم: الوليد بن عتبة بن ربيعة وقتل ببدر كافرا، قتله علّى رضى الله عنه، والوليد هذا هو خال معاوية.
ومنهم: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس عم هند أم معاوية، وكان يجتمع مع قريش فيما يكيد رسول الله ﷺ من الأذى، وقتله الله يوم بدر فيمن قتل من أعدائه.
стр. 29
ومنهم: أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية وقائد الأحزاب الذى قاتل رسول الله ﷺ يوم أحد، وقتل من خيار أصحابه سبعين بين مهاجرى وأنصارى، وكتب إليه «باسمك اللهم أحلف باللات والعزّى وإساف ونائلة وهبل، لقد سرت إليك، أريد استئصالكم، فأراك قد اعتصمت بالخندق، فكرهت لقاءنا، ولك منى كيوم أحد، وبعث بالكتاب مع أبى أسامة الحيثمى فقرأه على النبى ﷺ وقال: قد أتانى كتابك، وقد نما عزك بأحمق بنى غالب وسفيههم بالله الغرور، وسيحول الله بينك وبين ما تريد ويجعل لنا العاقبة، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وإساف ونائلة وهبل يا سفيف بنى غالب، ولم يزل يحادد الله ورسوله حتى سار رسول الله ﷺ لفتح مكة، فأتى به العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه رسول الله ﷺ وقد أردفه؛ وذلك أنه كان صديقه ونديمه في الجاهلية، فلما دخل على رسول الله ﷺ أن يؤمنه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال له: ويلك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال: بأبى أنت وأمى ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئا، فقال: يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله؟ فقال: بأبى أنت وأمى، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه ففى النفس منها شىء. فقال له العباس: ويلك، اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك، فشهد وأسلم «١» . فهذا حديث إسلامه كما ترى واختلف فى حسن إسلامه فقيل: إنه شهد حنينا مع رسول الله ﷺ ، وكانت الأزلام «٢» معه يستقسم بها، وكان كهفا للمنافقين «٣» ، وأنه كان في الجاهلية زنديقا، وفي خبر عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما أنه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت، قال أبو سفيان: إيه بنى الأصفر فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان (شعرا) :
وبنو الأصفر ملوك الروم ... لم يبق منهم ملك مذكور
فحدث به ابن الزبير وقال: قاتله الله ... يأبى الإنفاقا أولسنا خيرا له من بنى الأصفر «٤» ،............... ............... ............... ....
стр. 30
وذكر عبد الرزاق «١» عن ابن المبارك «٢» عن مالك بن مغول «٣» عن ابن أبى بجير «٤» قال: لما بويع لأبى بكر الصديق رضى الله عنه، جاء أبو سفيان إلى على رضى الله عنه فقال: أغلبكم على هذا الأمر أقل بيت في قريش، أما والله لأملأنها خيما ورجالا إن شئت، فقال على رضى الله عنه، ما زلت عدوا للإسلام وأهله، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا.
إنا رأينا أبا بكر لها أهلا، وذكر المدائنى «٥» عن أبى زكريا العجلانى عن أبى حازم «٦» عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: حج أبو بكر رضى الله عنه ومعه أبو سفيان، فرفع صوته على أبى سفيان. فقال أبو قحافة: اخفض صوتك يا أبا بكر عن ابن حرب. فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا أبا سفيان، إن الله بنى بالإسلام بيوتا كانت غير مبنية. وبيت أبى سفيان مما هدم، فليت شعرى بعد هذا بأى وجه
стр. 31
يبنى بيت أبى سفيان بعد ما هدمه الله.
وروى عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان رضى الله عنه حين صارت الخلافة إليه بعد تيم وعدى فأدارها كالكرة، وفي رواية فترقفوها ترقف الكرة، واجعل أوتادها بنى أمية فإنما هو الملك ولا أدرى ما جنّة ولا نار «١» ، فصاح به عثمان رضى الله عنه: قم عنى فعل الله بك وفعل، وأبو سفيان هذا هو أبو معاوية، ولم يزل بعد إسلامه بعد هو وابنه معاوية من المؤلّفة.
ومنهم: معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية «٢» وهو الذى جذع أنف حمزة رضى الله عنه ومثّل به فيمن مثّل، فلما انهزم يوم أحد دخل على عثمان بن عفان رضى الله عنه ليخبره وكان رسول الله ﷺ قد أمر بطلبه فأخرج من دار عثمان وأتى به رسول الله ﷺ فوهبه لعثمان رضى الله عنه، وأقسم لئن وجد بعد ثلاث بالمدينة وما حولها ليقتلن، فخيّره عثمان وسار في اليوم الرابع، فقال رسول الله ﷺ :
«إن معاوية أصبح قريبا لم ينفذ فاطلبوه واقتلوه» فأصابوه، فأخذه زيد بن حارثة وعمار ابن ياسر فقتلاه «٣» ، وقيل: بل قتله على رضى الله عنه.
ومعاوية هذا هو أبو عائشة أم عبد الملك بن مروان، فعبد الملك بن مروان أغرق الناس في الكفر، لأن أحد أبويه الحكم بن أبي العاص لعين رسول الله ﷺ وطريده، والآخر معاوية بن المغيرة.
ومنهم: حمّالة الحطب، واسمها: أم جميل بنت حرب بن أميّة، كانت تحمل
стр. 32
أغصان العضاه «١» والشوك فتطرحها على طريق رسول الله ﷺ ، قاله الضحاك «٢» عن ابن عباس «٣» ، وقال مجاهد: حمّالة النميمة «٤» ، تحطّب على ظهرها، وإيّاها عنى الله تعالى بقوله في سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
قيل: عنى أن في جيدها سلسلة من نار أى من سلاسل جهنم. والجيد: العنق.
ولما نزلت سورة «٥» تبت يدى أبى لهب ... إلى آخرها، قالت امرأة أبى لهب:
قد هجانى محمد، والله لأهجونه، فقالت مما قلنا: وديعة أبينا وأمره عصينا «٦» وأخذت فهرا «٧» لتضربه به فأغشى الله عليها «٨» عنه وردّها بغيظها ولم تزل على كفرها حتى هلكت، وما أحد من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم إلا وقد بذل جهده في عداوة رسول الله ﷺ وبالغ في أذى من اتبعه وآمن به، ونالوا منهم من ألسنتهم وأنواع العذاب حتى فروا منهم مهاجرين إلى بلاد الحبشة، ثم إلى المدينة، وأغلقت أبوابهم بمكة، فباع أبو سفيان بن حرب بعض دورهم، وقضى من ثمنها دينا عليه، وهمّوا بقتل رسول الله ﷺ غير مرة، وتناظروا في أمره ليخرجوه من مكة أو يقيدوه
стр. 33
ويحبسوه حتى يهلك أو يندبوا لقتله من كل قبيلة رجلا حتى يتفرق دمه في القبائل وبالغ كل واحد منهم في ذلك بنفسه وماله وأهله وعشيرته، ونصب لرسول الله ﷺ الحبائل بكل طريق سرا وجهرا ليقتلوه، فلما أذن الله له في الهجرة وخرج من مكة، ومعه صاحبه أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى غار ثور وجعلوا لمن جاء بهما أو قتلهما ديتهما، ويقال: يعلو المائة بعير، ونادوا بذلك في أسفل مكة وأعلاها، كل ذلك حسدا منهم لرسول الله ﷺ وبغيا، ويأبى الله إلا تأييد رسول الله ﷺ وإعلاء كلمته حتى صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وظهر أمر الله وهم كارهون، كما ذكرت ذلك في كتاب «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأخوال والحفدة والمتاع» ﷺ ، ولله درّ القائل (شعرا) :
عبد شمس قد أضمرت كبنى ها ... شم حربا يشيب منه الوليد
فابن حرب للمصطفى وابن هند ... لعلى وللحسين يزيد
وما الأمر إلا كما قال القائل الأخطل (شعرا) :
إن العداوة تلقاها وإن قدمت ... كالعرق يكمن أحيانا وينتشر
وأقول: هذا رسول الله ﷺ قد أبعد بنى أمية عنه وأخرجهم من ذوى «١» قرباه؛ لما أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى- ﵀ فى كتاب فرض الخمس من الجامع الصحيح فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، عن عقيل عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان رضى الله عنه، إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بنى المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : إنما بنو عبد المطلب وبنو هاشم شىء واحد «٢» .
стр. 34
وقال الليث: حدثنى يونس وزاد: قال جبير: ولم يقسم النبى ﷺ لبنى عبد شمس ولا لبنى نوفل، قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم:
عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
وذكره البخارى في مناقب قريش «١» وقال في غزوة خيبر «٢» : حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قال: أتيت أنا وعثمان إلى النبى ﷺ فقلنا: أعطيت بنى المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك، فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد. قال جبير: ولم يقسم النبى ﷺ لبنى عبد شمس وبنى نوفل شيئا.
وقد خرّج أبو داود «٣» ﵀ هذا الحديث من طريق الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: حدثنى جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ لم يقسم لبنى عبد شمس ولا لبنى نوفل شيئا من الخمس كما قسّم لبنى هاشم ولبنى المطلب، قال: وكان أبو بكر رضى الله عنه يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن يعطى قربى رسول الله ﷺ كما كان يعطيهم رسول الله ﷺ .
وكان عمر رضى الله عنه يعطيهم، ومن كان بعده منه. واعلم أن قوله عن أبى بكر رضى الله عنه أنه لم يكن يعطى ذوى القربى كما كان النبى ﷺ يعطيهم، إنما هو مما كان ﷺ يعود به عليهم من سهمهم.
وكانت حاجة المسلمين أيام أبى بكر أشد، [لا] «٤» لأنه رضى الله عنه منعهم الحق المفروض لهم الذى سماه الله تعالى ورسوله ﷺ لهم، فقد أعاذه الله من ذلك.
وخرج أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهرى عن سعيد بن المسيب، قال: أخبرنى جبير بن مطعم قال: فلما كان يوم خيبر وضع رسول الله ﷺ سهم ذى القربى في بنى هاشم وبنى المطلب، وترك بنى نوفل «٥» وبنى عبد شمس،
стр. 35
فانطلقت أنا وعثمان رضى الله عنه حتى أتينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا تنكر فضلهم للموضع الذى وضع الله به منهم، فما بال إخواننا بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شىء واحد وشبك بين أصابعه «١» .
وخرّجه إسحاق بن راهويه عن الزهرى عن ابن المسيب عن جبير، مثل ما تقدم وفيه قال: فقسم رسول الله ﷺ خمس الخمس من القمح والتمر والنوى.
وقال الحسن بن صالح عن السدّى، فى ذى القربى: هم بنو عبد المطلب وخرّج النسائى من حديث سفيان عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد عن قول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
«٢» قال: هذا مفتاح كلام الله ولله الدنيا والآخرة «٣» .
قال: اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله ﷺ : سهم الرسول وسهم ذى القربى، فقال قائل: سهم الرسول للخليفة من بعده «٤» ، وقال قائل: سهم ذى القربى لقرابة الرسول «٥» ، وقال قائل: سهم ذى القربى لقرابة الخليفة فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدّة في سبيل الله فكان ذلك في خلافة أبى بكر رضى الله عنه.
وقد روى من بعض طرق ابن إسحاق عن الزهرى عن ابن المسيب، أن عثمان وجبير بن مطعم رضى الله عنهما كلّما رسول الله ﷺ في سهم ذى القربى فقالا:
قسمته بين بنى هاشم وبنى المطلب بن عبد مناف، ونحن وبنو المطلب إليكم سوى
стр. 36
فقال رسول الله ﷺ : أنا وهم لم نزل في الجاهلية شيئا واحدا وكانوا معنا في الشّعب. كذا وشبّك أصابعه «١» .
وكان من حديث الشّعب على ما ذكر محمد بن إسحاق «٢» وموسى بن عقبة «٣» فذكر ابن إسحاق أن النبى ﷺ لما قضى على الذى بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه وأبوا أن يسلموه، فهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه، إلا أنهم اتقوا أن يشتدوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه فلما فعل ذلك بنو هاشم وبنو المطلب، وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد ﷺ معهم، أجمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا.
قال ابن عقبة: واجتمعت قريش ومكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله، واجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا، فلما عرفت قريش أن القوم منعوا رسول الله ﷺ اجتمع المشركون مع قريش، واجتمع رأيهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلون من بنى هاشم أبدا صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركون طعاما يقدم مكة إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ . وذكر ابن إسحاق القصة في دخولهم الشعب وما بلغوا من الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهتهم لصحيفتهم المظلّة.
стр. 37
قال موسى بن عقبة: فلما كان بعد ثلاث سنين تلاوم رجال من بنى عبد مناف، ومن بنى قصى ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من هاشم ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستحقوا بالحق واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من العذر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم التى المكر فيها برسول الله ﷺ الأرضة «١» فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق فلم تترك اسما لله إلا لحسته وبقى ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، وأطلع الله رسوله ﷺ على الذى صنع بصيحيفتهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبى طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبنى، وانطلق يمشى بعصابة من بنى المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل «٢» من قريش، فلما رأوهم عامدين جماعتهم ليعطوهم رسول الله ﷺ فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التى تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم فوضوعوها بينهم وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطعه بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه حظرا لهلكة قومكم وعشيرتكم.
فقال أبو طالب: ما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخى قد أخبرنى ولم يكذبنى أن الله برىء من هذه الصحيفة التى في أيديكم، ومحا كل اسم له فيها، وترك فيها عدوكم وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلّمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان ما قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم، قالوا: رضينا بالذى تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق الصدوق قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذى قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا «٣» وعادوا أشّر مما كانوا عليه من كفرهم والشدة
стр. 38
على رسول الله ﷺ والمسلمين، والقيام بما تعاهدوا عليه، فقال أولئك النفر من بنى عبد المطلب: إن أولى بالكذب غيرنا، فكيف ترون وإنا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت «١» والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهى في أيديكم طمس الله ما فيها من اسم له، وما كان من بقى تركه أفنحن السحرة أم أنتم، فقال النفر من بنى عبد مناف وبنى قصى ورجال من قريش، ولدتهم نساء من بنى هاشم، منهم: أبو البخترى، ومطعم بن عدى، وزهير بن أمية بن المغيرة بن زمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو، وكانت الصحيفة عنده وفي رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن براء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل.
قال موسى بن عقبة: ولما أفسد الله صحيفة مكرهم خرج رسول الله ﷺ ورهطه فعاشوا وخالطوا الناس «٢» .
فانظر- رحمك الله- كيف لم يجعل رسول الله ﷺ القرابة في النسب وحدها قرابة معتبرة في أحكام الله ما لم تقترن بها القرابة الدينية، فإنه كما قد رأينا أخرج بنى أمية من ذى القربى مع كونهم بنى أبيه عبد مناف بن قصى لما كان من عداوتهم له في دين الله تعالى وتكذيبهم لما جاء به من النبوة والرسالة، وكيف جعل بنى المطلب بن عبد مناف من ذى القربى؛ لأجل مسالمتهم له في الجاهلية وتسرعهم إلى مناصرته ومؤازرته وموالاته ومعاضدته، قال الأعشى:
لا تطلبن الرد من متباعد ... ولا تنامن ذى بغضة إن يقرب
فإن القريب من يقرب نفسه ... لعمر أبيك لا من تنسب
فإذا أقرب الوسائل المودة وأبعد النسب العقوق، وقد قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
«٣» فقاربت ولاية الإسلام بين الغرباء، وتأمل ذلك يظهر لك منه إحداهما:
أن القرابة بقرابة الدين لا بقرابة الطين، والثانية: أن مجرد القرابة ليس بشىء، وقد قيل: أقرب الوسائل المودة وأبعد النسب البغضة، قال القائل:
стр. 39
إن القرابة لا تقرب قاطعا ... وأرى المودة أكبر الأنساب
ثم إنى أقول: يا عجب، كيف يستحق خلافة رسول الله ﷺ «١» على أمته شرعا من لم يجعل الله له حقا في سهم ذى القربى، أم كيف يقيم دين الله من قاتل رسول الله ﷺ ونابذه وكابده وبذل جهده في قتله. وليت بنو أمية الخلافة، عدلوا وأنصفوا، بل حادوا في الحكم «٢» وتعسفوا واستأثروا بالفىء «٣» كله، وحرموه بنى هاشم جملة، وزادوا في العتو والتعدى حتى قالوا: إنما ذو القربى قرابة الخليفة منهم، حتى قرروا عند أهل الشام أنه لا قرابة لرسول الله ﷺ يرثونه إلا بنى أمية، فلما قام بالأمر أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس المنعوت بالسفاح «٤» ، وقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلائف بنى أمية وأزال دولتهم، دخل عليه مشيخة من أهل الشام فقالوا: والله ما علمنا أنه لرسول الله ﷺ قرابة إلا بنى أمية حتى وليتم، فقال إبراهيم بن مهاجر (شعرا) :
أيها الناس اسمعوا أخيركم ... عجبا زاد على كل عجب
عجبا من عبد شمس إنهم ... فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيها زعموا ... دون عباس وعبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمه ... يحرز الميراث إلا من قرب
стр. 40
وحتى صعد الحجاج بن يوسف يوما أعواد منبره وقال على رؤوس الأشهاد:
أرسولك أفضل من خليفتك، يعرض بأن عبد الملك بن مروان بن الحكم أفضل من رسول الله ﷺ فلما سمعه جبّله بن «١» .... قال: لله علىّ أن لا أصلى خلفه أبدا، وأنا رأيت من يجاهده مجاهدة، ولقد اقتدى بعدو الله الحجاج في كفره ابن شقى الحميرى، فإنه قام مجلس هشام بن عبد الملك وقال: أمير المؤمنين خليفة الله وهو أكرم على الله من رسوله، فأنت خليفة ومحمد رسول الله، وحتى أن يوسف ابن عمر عامل هشام قال في خطبته يوم الجمعة: إن أول من فتح للناس باب الفتنة وسفك الدماء على وصاحبه الزنجى- يعنى: عمار بن ياسر رضى الله عنهما، فهكذا كما ترى وإلى الله المشتكى.
وقد خرّج الحاكم من حديث سعيد عن أبى إسحاق عن عمرو ذى مرّ عن على ابن أبى طالب رضى الله عنه في قوله : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
«٢» قال: هما الأفجران من قريش وبنى المغيرة، فأما بنو المغيرة فقد قطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين «٣» .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وسئل على رضى الله عنه عن بنى أمية وبنى هاشم فقال: هم أكثر وأنكر وأمكر، ونحن أنصح وأصبح وأسمح.
وقال أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا حشرج «٤» بن نباته قال: حدثنى سعيد بن
следующие страницы →