← Адаб

Адаб · id 10710

رسائل المقريزي

المقريزي

Полный текст (348 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فقال رسول الله ﷺ : أنا وهم لم نزل في الجاهلية شيئا واحدا وكانوا معنا في الشّعب. كذا وشبّك أصابعه «١» . وكان من حديث الشّعب على ما ذكر محمد بن إسحاق «٢» وموسى بن عقبة «٣» فذكر ابن إسحاق أن النبى ﷺ لما قضى على الذى بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه وأبوا أن يسلموه، فهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه، إلا أنهم اتقوا أن يشتدوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه فلما فعل ذلك بنو هاشم وبنو المطلب، وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد ﷺ معهم، أجمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا. قال ابن عقبة: واجتمعت قريش ومكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله، واجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا، فلما عرفت قريش أن القوم منعوا رسول الله ﷺ اجتمع المشركون مع قريش، واجتمع رأيهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلون من بنى هاشم أبدا صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركون طعاما يقدم مكة إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ . وذكر ابن إسحاق القصة في دخولهم الشعب وما بلغوا من الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهتهم لصحيفتهم المظلّة.

стр. 37

قال موسى بن عقبة: فلما كان بعد ثلاث سنين تلاوم رجال من بنى عبد مناف، ومن بنى قصى ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من هاشم ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستحقوا بالحق واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من العذر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم التى المكر فيها برسول الله ﷺ الأرضة «١» فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق فلم تترك اسما لله إلا لحسته وبقى ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، وأطلع الله رسوله ﷺ على الذى صنع بصيحيفتهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبى طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبنى، وانطلق يمشى بعصابة من بنى المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل «٢» من قريش، فلما رأوهم عامدين جماعتهم ليعطوهم رسول الله ﷺ فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التى تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم فوضوعوها بينهم وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطعه بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه حظرا لهلكة قومكم وعشيرتكم. فقال أبو طالب: ما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخى قد أخبرنى ولم يكذبنى أن الله برىء من هذه الصحيفة التى في أيديكم، ومحا كل اسم له فيها، وترك فيها عدوكم وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلّمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان ما قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم، قالوا: رضينا بالذى تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق الصدوق قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذى قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا «٣» وعادوا أشّر مما كانوا عليه من كفرهم والشدة

стр. 38

على رسول الله ﷺ والمسلمين، والقيام بما تعاهدوا عليه، فقال أولئك النفر من بنى عبد المطلب: إن أولى بالكذب غيرنا، فكيف ترون وإنا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت «١» والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهى في أيديكم طمس الله ما فيها من اسم له، وما كان من بقى تركه أفنحن السحرة أم أنتم، فقال النفر من بنى عبد مناف وبنى قصى ورجال من قريش، ولدتهم نساء من بنى هاشم، منهم: أبو البخترى، ومطعم بن عدى، وزهير بن أمية بن المغيرة بن زمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو، وكانت الصحيفة عنده وفي رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن براء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل. قال موسى بن عقبة: ولما أفسد الله صحيفة مكرهم خرج رسول الله ﷺ ورهطه فعاشوا وخالطوا الناس «٢» . فانظر- رحمك الله- كيف لم يجعل رسول الله ﷺ القرابة في النسب وحدها قرابة معتبرة في أحكام الله ما لم تقترن بها القرابة الدينية، فإنه كما قد رأينا أخرج بنى أمية من ذى القربى مع كونهم بنى أبيه عبد مناف بن قصى لما كان من عداوتهم له في دين الله تعالى وتكذيبهم لما جاء به من النبوة والرسالة، وكيف جعل بنى المطلب بن عبد مناف من ذى القربى؛ لأجل مسالمتهم له في الجاهلية وتسرعهم إلى مناصرته ومؤازرته وموالاته ومعاضدته، قال الأعشى: لا تطلبن الرد من متباعد ... ولا تنامن ذى بغضة إن يقرب فإن القريب من يقرب نفسه ... لعمر أبيك لا من تنسب فإذا أقرب الوسائل المودة وأبعد النسب العقوق، وقد قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «٣» فقاربت ولاية الإسلام بين الغرباء، وتأمل ذلك يظهر لك منه إحداهما: أن القرابة بقرابة الدين لا بقرابة الطين، والثانية: أن مجرد القرابة ليس بشىء، وقد قيل: أقرب الوسائل المودة وأبعد النسب البغضة، قال القائل:

стр. 39

إن القرابة لا تقرب قاطعا ... وأرى المودة أكبر الأنساب ثم إنى أقول: يا عجب، كيف يستحق خلافة رسول الله ﷺ «١» على أمته شرعا من لم يجعل الله له حقا في سهم ذى القربى، أم كيف يقيم دين الله من قاتل رسول الله ﷺ ونابذه وكابده وبذل جهده في قتله. وليت بنو أمية الخلافة، عدلوا وأنصفوا، بل حادوا في الحكم «٢» وتعسفوا واستأثروا بالفىء «٣» كله، وحرموه بنى هاشم جملة، وزادوا في العتو والتعدى حتى قالوا: إنما ذو القربى قرابة الخليفة منهم، حتى قرروا عند أهل الشام أنه لا قرابة لرسول الله ﷺ يرثونه إلا بنى أمية، فلما قام بالأمر أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس المنعوت بالسفاح «٤» ، وقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلائف بنى أمية وأزال دولتهم، دخل عليه مشيخة من أهل الشام فقالوا: والله ما علمنا أنه لرسول الله ﷺ قرابة إلا بنى أمية حتى وليتم، فقال إبراهيم بن مهاجر (شعرا) : أيها الناس اسمعوا أخيركم ... عجبا زاد على كل عجب عجبا من عبد شمس إنهم ... فتحوا للناس أبواب الكذب ورثوا أحمد فيها زعموا ... دون عباس وعبد المطلب كذبوا والله ما نعلمه ... يحرز الميراث إلا من قرب

стр. 40

وحتى صعد الحجاج بن يوسف يوما أعواد منبره وقال على رؤوس الأشهاد: أرسولك أفضل من خليفتك، يعرض بأن عبد الملك بن مروان بن الحكم أفضل من رسول الله ﷺ فلما سمعه جبّله بن «١» .... قال: لله علىّ أن لا أصلى خلفه أبدا، وأنا رأيت من يجاهده مجاهدة، ولقد اقتدى بعدو الله الحجاج في كفره ابن شقى الحميرى، فإنه قام مجلس هشام بن عبد الملك وقال: أمير المؤمنين خليفة الله وهو أكرم على الله من رسوله، فأنت خليفة ومحمد رسول الله، وحتى أن يوسف ابن عمر عامل هشام قال في خطبته يوم الجمعة: إن أول من فتح للناس باب الفتنة وسفك الدماء على وصاحبه الزنجى- يعنى: عمار بن ياسر رضى الله عنهما، فهكذا كما ترى وإلى الله المشتكى. وقد خرّج الحاكم من حديث سعيد عن أبى إسحاق عن عمرو ذى مرّ عن على ابن أبى طالب رضى الله عنه في قوله : وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ «٢» قال: هما الأفجران من قريش وبنى المغيرة، فأما بنو المغيرة فقد قطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين «٣» . قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وسئل على رضى الله عنه عن بنى أمية وبنى هاشم فقال: هم أكثر وأنكر وأمكر، ونحن أنصح وأصبح وأسمح. وقال أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا حشرج «٤» بن نباته قال: حدثنى سعيد بن

стр. 41

جهمان «١» ، قلت لسفينة «٢» : إن بنى أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من أشر ملوك، وأول الملوك: معاوية «٣» . فصل: وما زلت طوال الأعوام الكثيرة أعمل فكرى في هذا وأشباهه على مدة يطول ذكرها، وأذاكر به من أدركت من مشيخة العلم، ومن لقيت من حملة الآثار ونقلة الأخبار، فلا أجد في عمرى سوى رجلين: إما رجل عراه ما عرانى، وساءه ما قد دهانى، فهو يحذو في المقال حذوى ويشكو من الألم شكوى، وإما رجل يرتع في ميدان تقليده ويجول في عرصات تهوره وتفنيده فلا يزيدنى على التهويل والهدر التطويل إلى أن اتضح لى والحمد لله وحده سبب أخذ بنى أمية الخلافة ومنعها بنى هشام؛ وذلك أن أعجب الأمور لا تزال أبدا تالية بصدورها، والأسافل من كل شىء تابعة لأعاليها، وكل أمر كان خافيا إذا انكشف سببه زال التعجب منه، وما بعد على من بعد سبب. أخذ بنو أمية الخلافة وتقدمهم فيها على بنى هاشم إلا من أجل الإعراض عن الاعتناء بتعرف أوائل ذلك، وقلة البحث عن غوامضه، وأن الشىء لم يوضع في موضعه، وإنما سلك فيه الكافة إلا قليلا مذهب التعصب، والواجب على العاقل بعد معرفة ما خفى عن السبب الإذعان والتسليم وترك الاعتراض. فماذا بعد الحق إلا الضلال، وذلك أنه لا خلاف بين أئمة الحديث ونقّاد الأخبار وعلماء السير والآثار، أن رسول الله ﷺ توفى وعامله على مكة أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد «٤» بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى الأموى، أحد من أسلم يوم فتح مكة، وأنه لم يزل على مكة منذ فتحها الله على رسوله صلى الله عليه وسلّم

стр. 42

عام ثمان من الهجرة إلى أن توفاه «١» الله ، فأقر أبو بكر الصديق رضى الله عنه عتابا حتى ماتا في يوم واحد «٢» . وكان ﷺ قد قسّم اليمن بين خمسة رجال، خالد بن سعيد «٣» على صنعاء، والمهاجر بن أمية «٤» على جنده، وزياد بن لبيد على حضر موت، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبو موسى الأشعرى على زبيد ورمع وعدن، وكان عامل رسول الله ﷺ على صنعاء اليمن كما تقدم: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، بعثه ﷺ إليها سنة عشر من الهجرة فتوفى رسول الله ﷺ وخالد على اليمن، وكان أبان بن سعيد بن العاص «٥» ابن أمية على البحرين: برّها وبحرها منذ عزل العلاء بن الحضرمى «٦» حليف بنى أمية، وقيل: بل مات رسول الله ﷺ والعلاء على البحرين، وكان عمرو بن سعيد ابن العاص بن أمية على تيماء وخيبر وتبوك وفدك،

стр. 43

فلما توفى رسول الله ﷺ رجع خالد بن سعيد وأبان وعمرو عن عمالتهم، فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: ما لكم رجعتم عن عمالتكم، ما أحد أحق بالعمل من عمّال رسول الله ﷺ منكم، ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا: نحن بنو أبى حيحة «١» لا نعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ أبدا، ثم مضوا إلى الشام وقاتلوا فقتلوا في مغازيها «٢» ، ويقال: ما فتحت بالشام كورة «٣» من كور الشام إلا وجد عندها رجل من بنى سعيد ابن العاص ميتا، وكان أبو سفيان بن حرب بن أمية على نجران، فمات رسول الله ﷺ وهو عليها، وقيل: بل كان على نجران لما توّفى رسول الله ﷺ : عمرو بن حزم ابن زيد بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك ابن النجار الأنصارى «٤» . وروى الواقدى «٥» ، عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز ﵀، أنه قال: توفى رسول الله ﷺ وأربعة من بنى أمية عمّاله: عتاب بن أسيد على مكة، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين، وخالد ابن سعيد على صنعاء، وأبو سفيان بن حرب على نجران «٦» . قال الواقدى: أصحابنا يجمعون على أن رسول الله ﷺ قبض وأبو سفيان حاضر، وقال ابن الكلبى «٧» : كان أبو سفيان غائبا، فلما قدم قال: كيف رضيتم يا بنى عبد مناف أن يلى أمركم غيركم «٨» ، وقوم يقولون: إن رسول الله ﷺ ولّى

стр. 44

أبا سفيان صدقات خولان ونخلة، وولى يزيد بن أبى سفيان «١» على نجران، والله أعلم. وكان حرش سعيد بن القشب الأسدى حليف بنى أمية فمات رسول الله ﷺ وهو عليها، وكان المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم المخزومى أخو أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها صدقات كنده والصدف، ثم ولاه أبو بكر الصديق رضى الله عنه اليمن، وكان عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد ابن سهم السهمى «٢» حين وفاة رسول الله ﷺ على عمان بعدما بعثه النبى ﷺ على سريّة نحو الشام إلى إخوال أبيه العاص بن وائل من بلىّ يدعوهم إلى الإسلام ويستفزهم إلى الجهاد، ثم أمره رسول الله ﷺ بجليس فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه فصلوا خلفه، ثم عمل عمرو بن العاص بعد رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما. وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص «٣» بن بشر بن عبد دهمان الثقفى، ومات رسول الله ﷺ وهو عليها. فإذا كان رسول الله ﷺ قد أسس هذا الأساس وأظهر بنى أمية لجميع الناس بتوليهم أعماله «٤» فيما فتح الله عليه من البلاد كيف لا يقوى ظنهم

стр. 45

ولا ينبسط رجاهم، ولا يمتد في الولاية أملهم، أم كيف لا يضعف أمل بنى هاشم، وينقبض رجاهم ويقصر أملهم، وكبيرهم العباس بن عبد المطلب وابن أخيه على بن أبى طالب رضى الله عنهما، يريد أحدهما استعلام رسول الله ﷺ في مرض موته عن هذا الأمر هل هو فيهم أم في غيرهم، ويأبى الآخر ذلك كما خرّج البخارى من حديث الزهرى قال: «أخبرنى عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى أن عبد الله بن عباس رضى الله عنه، أخبره أن على بن أبى طالب رضى الله عنه خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذى توفى فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده العباس بن المطلب رضى الله عنه وقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا «١» ، وإنى لأرى رسول الله ﷺ يتوفى في وجعه هذا، إنى لأعرف وجوه بنى عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فنسأله في من هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا، فقال على: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإنى والله لا أسألها من رسول الله ﷺ » «٢» ، رواه محمد بن إسحاق عن الزهرى، إلا أنه لم يذكر ما قال في العصا، وزاد في آخره: فتوفى رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم «٣» ، وفي رواية: وخلا العباس بعلى رضى الله عنهما، فقال له: هل تعلم أن رسول الله ﷺ أوصى إلى غيرك بشىء؟ فقال على: اللهم لا. خرج العباس على بغله حتى أتى عسكر أسامة بن زيد، فلقى أبا بكر وعمر وغيرهما فقال: هل أوصاكم رسول الله ﷺ بشىء؟ قالوا: لا، فرجع إلى على فقال: إن رسول الله ﷺ مقبوض فامدد يدك أبايعك، فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ﷺ ويبايعك أهل بيتك، فإن مثل هذا الأمر لا يؤخر، فقال: يرحمك الله، ومن يطلب هذا الأمر غيرنا يا عم؟! وفي رواية أن العباس قال لعلى رضى الله عنهما: هلم يدك أبايعك. فقال:

стр. 46

إن لى برسول الله شغلا، ومن ذاك الذى ينازعنا في هذا الأمر؟! «١» ، ورواية البخارى أثبت «٢» . وقال ابن سعد «٣» : أنبأنا محمد بن عمر، حدثنى محمد بن عبد الله بن أخى الزهرى، يقول: حدثتنى فاطمة بنت الحسن، قال: لما توفى رسول الله ﷺ ، قال العباس يا على: قم حتى أبايعك ومن حضر، فإن هذا الأمر إذا كان لم يرد مثله والأمر في أيدينا، فقال علّى: وأحد يطمع فيه غيرنا؟! فقال العباس: أظن والله سيكون. فلما بويع لأبى بكر رضى الله عنه ورجعوا إلى المسجد سمع علىّ التكبير فقال: ما هذا؟ فقال العباس: ما ورد مثل هذا قط، هذا ما دعوتك إليه فأبيت. قال على: أيكون هذا؟ فقال العباس: ما ورد «٤» مثل هذا قطّ «٥» . وقال محمد بن عمر، قد خرج أبو بكر رضى الله عنه من عند النبى ﷺ حين توفى، وتخلّف عنده علىّ والعباس، هذه المقالة خرّجها عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى بمعناه «٦» . قال عبد الرزاق: وكان معمر يقول لنا: أيهما كان أصوب عندكم رأيا؟ فنقول: العباس، فيأبى، ثم قال: لو أن عليا سأله عنها فأعطاه أياها فمنعه الناس كانوا قد كفروا، قال عبد الرزاق: فحدثنا به ابن عيينة فقال: قال الشعبى: لو أن عليا سأله عنها كان خيرا له من ماله وولده «٧» . وروى إسماعيل بن [أبى] «٨» خالد «٩» ............... ............... ....

стр. 47

عن الشعبى «١» قال: قال العباس لعلى رضى الله عنهما حين مرض النبى ﷺ : إنى أكاد أعرف في وجه رسول الله ﷺ الموت، فانطلق بنا إليه نسأله من يستخلف منا آنذاك، وإلا أوصى بنا، فقال على للعباس كلمة فيها جفاء، فلما قبض النبى ﷺ قال العباس لعلى: ابسط يدك فلنبايعك، فقبض يده، قال الشعبى: لو أن عليا أطاع العباس كان خيرا من حمر النعم «٢» ، وقد رويت مع هذا الحديث أحاديث أخر إن كانت صحيحة فلا سبيل إلى ردها، وإن كانت «٣» مفتعلة فقد صارت داعية إلى هذا الأمر الذى وقع النزاع [فيه] «٤» وطال الخصام عليه. منها: ما رواه ابن الكلبى عن الحكم بن هشام الثقفى قال: مات عبيد الله بن جحش عن أم حبيبة بنت أبى سفيان، وكانت معه بأرض الحبشة فخطبها النبى ﷺ إلى النجاشى فدعا القرشيين، فقال: من أولادكم بأمر هذه المرأة؟ فقال خالد بن سعيد بن العاص: أنا أولاهم بها. قال «٥» : فزوج نبيكم. قال: فزوجه ومهر عنه النجاشى أربعمائة دينار. وحملت إلى النبى ﷺ ومعهما الحكم بن أبي العباس فجعل النبى ﷺ يكثر النظر إليه، فقيل: يا رسول الله إنك لتكثر النظر إلى هذا الشاب، فقال: أليس ابن المخزومية؟ قالوا: بلى! قال: إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلا كان الأمر فيهم، وكان مروان بن الحكم إذا جرى بينه وبين معاوية بن أبى سفيان كلام قال لمعاوية: إنى والله لأبو عشيرة وأخو عشيرة وما بقى ألا عشرة حتى يكون إلا فيّ، فيقول معاوية. أخذها والله من عين صافية. فهذا الحديث كما نسمع «٦» .

стр. 48

وقد روى أبو بكر بن أبى شيبة من حديث عبد الملك بن عمير «١» قال: قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة مذ قال رسول الله ﷺ : إن ملكت يا معاوية فأحسن «٢» ، وقال وكيع: ثنا الأعمش عن أبى صالح قال: كان الحادى يحدو بعثمان رضى الله عنه ويقول: إن الأمير بعده علىّ، وفي الزبير خلف. فقال كعب الأحبار: بل هو صاحب البغلة الشهباء «٣» يعنى معاوية، فلقاه فقال: يا أبا إسحاق ما يقول هذا وهاهنا علىّ والزبير وأصحاب محمد ﷺ ، قال: أنت صاحبها «٤» . وقد جاء من طرق عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: رأيت في النوم بنى الحكم أو بنى أبي العاص وآخرون على منبرى كما تتروا القردة قال: فما رؤى النبى ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى توفى «٥» . وعن سعيد بن المسيب قال: رأى النبى ﷺ بنى أمية على منابرهم فساءه ذلك، فأوحى إليه إنما هى دنيا هى دنيا اعطوها فقّرت عينه، وهى قوله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ «٦» يعنى: بلاء للناس «٧» .

стр. 49

وقد روى أن رجلا قام إلى الحسن بن على رضى الله عنهما فقال: يا مسوّد وجه المؤمنين. فقال: لا تؤنبنى، رحمك الله، فإن رسول الله ﷺ قد رأى بنى أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «١» والكوثر نهر في الجنة؛ ونزلت إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ «٢» يعنى تملّك بنو أمية فحسب ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص «٣» . وعن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى رضى الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا «٤» وعباد الله خولا «٥» ومال الله دولا «٦» » «٧» . قال الزبير بن بكار: قال عمى مصعب عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة أو غير عبد الله واحد، ثنيه محمد بن الضحاك الخزامى عن أبيه أن عمرو بن عثمان بن عفان اشتكى، وكان العوّاد يدخلون عليه فيخرجون ويتخلف مروان بن الحكم عنده فيطيل، فأنكرت رملة بنت معاوية ذلك- وهي امرأة عمرو بن عثمان فخرقت كوّة واستمعت على مروان فإذا هو يقول لعمرو: ما أخذ هؤلاء الخلافة إلا باسم أبيك فما يمنعك أن تنهض بحقك، فنحن أكثر منهم رجالا، منا فلان ومنهم

стр. 50

فلان، ومنا فلان ومنهم فلان، حتى عدّد رجالا ثم قال: ومنا فلان وهو فضل وفلان وهو فضل وفلان وهو فضل، حتى يعدد فضول رجال بنى أبي العاص على بنى حرب، فلما برأ عمرو وتجهز للحج وتجهزت رملة في جهازه، فلما تجهز وخرج عمرو إلى الحج فخرجت رملة إلى أبيها فقدمت عليه الشام، فقال لها معاوية: واسوأتاه وما للحرّة تطلق! طلقك عمرو؟ فأخبرته الخبر، وقالت: وما زال يعد رجال بنى أبي العاصى على بنى حرب حتى ابنى عثمان وخالد ابنى عمرو، فتمنيت أنهما ماتا، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم (شعرا) : أواضع رجل فوق أخرى تعدّنا ... عديد الحصى ما إن تزال تكاثر وأمكم تزخر توما لبعلها ... وأم أخيكم نزره الولد عاقر واشهد يا مروان أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا، ودين الله دخلا، وعباد الله خولا، فكتب إليه مروان: أما بعد يا معاوية، فإنى أبو عشرة وعم عشرة والسلام «١» . وروى عن معاوية أنه قال لعبد الله بن عباس رضى الله عنهما: أنشدك الله يا ابن عباس، أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا- يعنى: مروان بن الحكم، فقال: أبو الجبابرة الأربعة، فقال ابن عباس: اللهم نعم «٢» . وقد اقتدى برسول الله ﷺ في ولاية الأعمال: أبو بكر الصديق رضى الله عنه فإنه لما استخلف بعد رسول الله ﷺ ، وارتدت العرب قطع رضى الله عنه البعوث، وعقد أحد عشر لواء «٣» على أحد عشر جندا، فعقد لخالد بن الوليد «٤» المخزومى

стр. 51

وبعثه لقتال طلحة بن خويلد الأسدى، ثم مالك بن نويرة، وعقد لعكرمة بن أبى جهل «١» المخزومى، وبعثه لقتال مسيلمة بن ثمامة بن المطرح بن ربيعة بن الحارث «٢» ، وعقد للمهاجر ابن أبى أمية المخزومى وبعثه لقتال جنود الأسود بن كعب بن عوف العنسى ومعونة الأبناء على قيس «٣» بن المكشوح، وعقد الخالد بن سعيد بن العاص ابن أمية وبعثه إلى مشارف الشام، وعقد لعمرو بن العاص وبعثه إلى قضاعة، وعقد لحذيفة بن محصن العلقانى- من علقان- ابن شرحبيل بن عمرو بن مالك بن يزيد بن ذى الكلاع وبعثه إلى «دبا» وهى مدينة قديمة من مدن عمان، وعقد لعرفجة بن هرثمة وبعثه إلى مهرة، وبعث شرحبيل بن حسنة «٤» فى أثر عكرمة بن أبى جهل، فإذا فرغ باليمامة لحق بقضاعة، وعقد لطرفة بن حاجب «٥» وبعثه إلى بنى سليم ومن معهم من هوازن، وعقد لسويد بن مقرن بن عائد المزنى «٦» ، وبعثه إلى عامل تهامة اليمن، وعقد للعلاء بن الحضرمى وبعثه إلى البحرين، فلحق كل أمير بجنده حتى انقضت حروب الردة، فبعث أبو بكر رضى الله عنه خالد بن الوليد لفتح العراق وأردفه بغيلان بن غنم بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال ابن وهب الفهرى وأمدها بالقعقاع بن عمرو، ووجه الجنود إلى الشام، فبعث خالد ابن سعيد بن العاص وأردفه بذى الكلاع، وعكرمة بن أبى جهل، وعمرو بن

стр. 52

العاص، والوليد بن عتبة، وعقد ليزيد بن أبى سفيان بن حرب على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه، وجهزه عوضا عن خالد بن الوليد، وعقد لأبى عبيدة ابن الجراح «١» وبعثه إلى حمص، وأمد يزيد بن أبى سفيان بأخيه معاوية بن أبى سفيان ومعه جيش، فنزل أبو عبيدة الجابية، وترك يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل بن حسنة الأردن، وقيل: بصرى، ونزل عمرو بن العاص القربات. ولما مات أبو بكر رضى الله عنه واستخلف من بعده عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كانت عماله على مكة: نافع بن عبد الحارث الخزاعى، وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص بن أمية ثم سفيان بن عبد الله الثقفى «٢» ، وعلى اليمن: يعلى بن منية «٣» ، وعلى عمان واليمامة: حذيفة بن محصن، وعلى البحرين: العلاء بن الحضرمى، ثم عثمان بن أبى العاص، وعلى الكوفة: سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، ثم المغيرة بن أبى شعبة «٤» رضى الله عنه، ثم عمار ابن ياسر «٥» رضى الله عنه، ثم أبو موسى الأشعرى «٦» رضى

стр. 53

الله عنه، وعلى الشام: أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه، ثم يزيد بن أبى سفيان رضى الله عنهما، وعلى الجزيرة: عياض بن غنم «١» رضى الله عنه، وعلى مصر: عمرو بن العاص رضى الله عنه. فانظر كيف لم يكن في عمال أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أحد من بنى هاشم، فهذا وشبهه هو الذى حدّ أنياب بنى أمية وفتح أبوابهم، وأنزع كأسهم، وقتل أمراءهم، حتى لقد وقف أبو سفيان بن حرب على قبر حمزة رضى الله عنه فقال: رحمك الله أبا عمارة، لقد قاتلتنا على مرّ صار إلينا. وروى أن الأمر لما أفضى إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه أتى أبو سفيان قبر حمزة رضى الله عنه فوكزه برجله ثم قال: يا حمزة، إن الأمر الذى كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم وكنا أحق به منهم «٢» . قال مؤلفه: وما هى إلا الدنيا، وإن الدين لعارض فيها والعاجلة محبوبة، وبهذا ارتفعت رؤوس وضعفت نفوس، فإن دلائل الأمور تسبق وتباشير الخير تعرف ولله في خلقه قضاء يمضيه ويأبى الله أن يتم شىء من أمر الدنيا إلا ويعتريه النقص. [فصل: في اختصاص بني هاشم بالدعوة والنبوة والكتاب على سائرهم من بين قريش] (فصل:) لما كانت بنو هاشم من بين قريش كلها قد اختصها الله سبحانه بهذا الأمر- أعنى: الدعوة إلى الله تعالى والنبوّة والكتاب، فحازت بذلك الشرف الباقى، وكانت أحوال الدنيا من الخلافة والملك ونحوه زائلة؛ لهذا زواها الله عنهم تنبيها على شرفهم وعلّو مقدارهم، فإن ذلك هو خيره الله لنبيه محمد ﷺ ، كما قد ثبت أنه ﷺ لما خيّر اختار أن يكون نبيا عبدا ولم يختر أن يكون نبيا ملكا «٣» ،

стр. 54

وسأل مثل ذلك لآله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عمارة بن زرعة عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» «١» . وروى أبو عيسى الترمذى من حديث عبد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة رضى الله عنه، عن النبى ﷺ قال: «عرض علّى ربى ليجعل لى بطحاء «٢» مكّة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما، وقال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» قال الترمذى: هذا حديث حسن «٣» . وخرج البخارى من حديث ابن أبى ليلى، حدثنا على رضى الله عنه أن فاطمة ﵍ اشتكت ما تلقى من الرحى مما يطحن، فبلغها أن رسول الله ﷺ أتى بسبى، فأتته تسأله خادما فلم توافقه، فذكرت عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم، فقال: على مكانكما، حتى وجدت برد قدميه على صدرى، فقال: أدلكما على خير مما سألتما: إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتمانى. وأخرجه مسلم أيضا «٤» . ولأبى داود من حديث أبي الورد عن على بن أعبد قال: قال لى على- رضى الله عنه: ألا أحدثك عنى وعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت من أحب أهله إليه، قلت: بلى، قال: فإنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثر في نحرها، وكنست البيت حتى أغبرّت ثيابها، فأتى النبى ﷺ خدم، فقلت: لو أتيت أباك فسألتيه خادما، فأتته فوجدت عنده أحداثا،

стр. 55

فرجعت فأتاها من الغد فقال: ما كان حالك، فسكتت، فقلت: أنا أحدثك يا رسول الله، جرت الرحى حتى أثرت في يدها، وحملت القربة حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما تقيها حرّ ما هى فيه، فقال: اتقى الله يا فاطمة وأدّى فريضة ربك واعملى عمل أهلك، فإذا أخذت مضجعك فسبحى ثلاثا وثلاثين واحمدى ثلاثا وثلاثين وكبرى أربعا وثلاثين فهى خير لك من خادم، قالت: رضيت عن الله وعن رسوله «١» . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عامر بن سعد عن أبيه عن النبى ﷺ أنه قال: «إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلىّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه» «٢» . وفي رواية «فو الله إنى لأعطى الرجل وأدع الرجل، والذى أدع أحب إلىّ من الذى أعطى، ولكنى أعطى أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير» «٣» . ومن حديث أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى ﷺ «إنى أعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم» «٤» ، وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن جنادة حدثه أن أبا سالم الحبشانى حدثه عن أبى ذر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: كيف ترى جعيلا «٥» قال: قلت: [مسكينا] «٦» كشكلة من الناس، قال:

стр. 56

كيف ترى فلانا، قال: قلت: سيدا من سادات الناس، قال: فجعيل خير من ملء الأرض أو ألف، ونحو ذلك من فلان قال: قلت: يا رسول الله ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع قال: «إنه رأس قومه، وأنا أتألفهم به» «١» ، قال جامعه: وهذا على بن أبى طالب رضى الله عنه، كان يعلم أن رسول الله ﷺ يربأ «٢» ببنى هاشم عن ولاية الأعمال. كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن مالك عن ابن شهاب أن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، حدّثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا، والله لو بعثنا هذين الغلامين (قال لى وللفضل بن العباس) إلى رسول الله ﷺ فكلّماه فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدى الناس وأصابا مما يصيب الناس، قال: فبينما هما فى ذلك، جاء على بن أبى طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك فقال: لا تفعلا فو الله ما هو بفاعل، فانتحاه «٣» ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة «٤» منك، فو الله لقد نلت صهر رسول الله ﷺ ، فما نفسناه عليك. قال على- رضى الله عنه: أرسلوهما، فانطلقنا واضطجع، فلما صلّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا، قال: أخرجا ما تصرّرانه «٥» ، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش،

стр. 57

قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرأ الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتأمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدى إليك كما يؤدى الناس ونصيب كما يصيبون. فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، وجعلت زينب تلمع «١» إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه، قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغى لآل محمد، إنما هى أوساخ الناس «٢» ادعوا لى محمية (وكان على الخمس) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فجاءه فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس، فأنكحه، وقال لنوفل: أنكح هذا الغلام ابنتك لى، فأنكحنى، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا «٣» . فهذا- أعزك الله- وإن كان إنما فيه منع بنى هاشم من تناول الصدقة لأنها محرمة عليهم، فإن رسول الله ﷺ إنما كانت أعماله التى يستعمل عليها عماله على قسمين: إما للحرب، أو على الصدقات، فمنع رسول الله ﷺ بنى هاشم من العمل على الصدقة بنصيب العامل وهو الصحيح: أنهم لا يستعملون عليها تنزيها لهم ولبنى المطلب عن أوساخ الناس لكرامتهم، وقد كان غير واحد من فضلاء الصحابة رضى الله عنهم يعلمون أن البيت أرفع قدرا عند الله من أن يبتليهم بعمال الدنيا، منهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، لما خرج الحسين بن على رضى الله عنهما يريد العراق وقد كتب إليه شيعتهم بالبيعة وحثوه على مسيرة إليهم ليقوم بأمر الأمة، بدل يزيد بن معاوية، لحقه عبد الله على مسيرة ليلتين، وقال: أين تريد؟ قال: العراق. قال: لا تأتهم هذه. قال الحسين: هذه كتبهم وبيعتهم «٤» ، فقال

стр. 58

ابن عمر: إن الله- خيّر نبيه ﷺ بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا وإنك بضعة من رسول الله ﷺ ، والله لا يليها أحد منكم وما صرفها الله عنكم إلا للذى هو خير لكم فارجع، فأبى الحسين، وقال: هذه كتبهم وبيعتهم فاعتنقه عبد الله بن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل فكان كما قال ابن عمر «١» ، وكذلك قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما للحسين: والله يابن أخى ما كان الله ليجمع لكم بين النبوة والخلافة «٢» ، وهذا من فقههما، وقد أشار الحسن بن على رضى الله عنهما إلى ذلك في خطبته لما ترك الخلافة التى صارت إليه بعد أبيه وتنزه عنها وترّفع عن منازعة معاوية رضى الله عنه، فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسين فيخطب الناس ظنا منه أنه يعى، فخطب معاوية ثم أشار إلى الحسن أن يخطب فقام وحمد الله، ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول وإن الله قال لنبيه ﷺ : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ «٣» . فلما قالها، قال معاوية: اجلس ونقدها على عمرو وقال هذا من رأيك «٤» فصدق الحسن رضى الله عنه فيما قال. [فصل: في بيان السر في خروج الخلافة بعد رسول الله ص عن على بن أبى طالب ع إلى أبى بكر وعمر ثم عثمان] (فصل:) ذهب بعضهم إلى أن السر في خروج الخلافة بعد رسول الله ﷺ عن على بن أبى طالب إلى أبى بكر وعمر ثم عثمان، أن عليا لما ولىّ الخلافة حينئذ- وهو أبو الحسين- لأوشك أن يقول قائل، ويتخيل متخيل، أنه ملك متوارث لا يكون إلا في آل البيت كما يزعمه الرافضة «٥» ، فصان الله العقائد من هذه الشبهة كما صانها من شبهة قول القائل عن النبى ﷺ هو رجل يطلب ملك أبيه وهو معنى

стр. 59

حسن، ولهذا السر جعل ﷺ الخلافة العامة في قريش ولم يخص بها أهل بيته ولا بنى هاشم حتى لا يتخيل أنه ملك متوارث والله أعلم. وقد ظهر لى أن ولاية رسول الله ﷺ لبنى أمية الأعمال كانت إشارة منه ﷺ أن الأمر سيصير إليهم، ولى بحمد الله في هذا النحو خير سلف وأجل قدوة. منهم: سعيد بن المسيب ﵀، قد ثبت في الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه في حديث جلوس رسول الله ﷺ على بئر أريس «١» ودخول أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وجلوسهما عن يمينه وشماله معه ﷺ في القف، ودخول عثمان بن عفان رضى الله عنه وجلوسه تجاههم «٢» من الشق الآخر، وإن سعيد بن المسيب قال: فتأولت ذلك قبورهم، اجتمعت هاهنا وانفرد قبر عثمان رضى الله عنه «٣» . وثبت من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ نحر في حجته التى يقال لها: حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة «٤» «٥» فكان في نحره هذا العدد من البدن إشارة إلى أن مدة حياته ﷺ ثلاث وستون سنة. وثبت من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحقّ الناس علىّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ألا خلّة الإسلام، لا تبقين خوخة في المسجد إلا خوخة أبى بكر» «٦» . فكان أمر رسول الله ﷺ بإبقاء خوخة أبى بكر رضى الله عنه في المسجد مع منع الناس كلهم من ذلك، إشارة ودليل على خلافته بعد رسول الله ﷺ ، وأن ذلك من رسول الله ﷺ تنبيه للناس إلى المسجد كما كان يصير إمام المسلمين ويخرج

стр. 60

من بيته إلى المسجد كما كان رسول الله ﷺ يخرج، ذكره أبو بطال. وقد جعل جمهور الصحابة رضى الله عنهم استخلاف رسول الله ﷺ أبا بكر رضى الله عنه فى الصلاة وهو مريض دليلا وإشارة إلى أنه الخليفة من بعد رسول الله ﷺ ، وقالوا: قد رضيه رسول الله ﷺ لديننا فلا نرضاه لدنيانا؟ «١» . وثبت في الصحيح من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان عمر رضى الله عنه يدخلنى مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم يدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله، فقال: إنه ممن قد علمتهم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعانى معهم، وما رأيته دعانى يومئذ إلا ليريهم منى، فقال: ما تقولون في إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً «٢» ، حتى ختم السورة؟ فقال: أمرنا أن نحمد ونستغفر إذا جاء نصرنا وفتح علينا. وقال بعضهم: لا ندرى، ولم يقل بعضهم شيئا. فقال لى: يا ابن عباس، أكذا هو؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ ، أعلمه الله له يقول: إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، فذلك علامة أجلك، نسبح بحمد ربك ونستغفره، إنه كان توابا. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم «٣» ، فهذا فهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين وهم القدوة وهم الأسوة ووفقنا الله لاتبّاعهم. [فصل: في الاعتراض على أخذ بنى العباس بن المطلب بن هاشم الخلافة نيفا على خمسمائة وعشرين سنة] (فصل:) إياك والاعتراض على ما تقدم أخذ بنى العباس بن المطلب بن هاشم الخلافة، وأقاموا خلفاء نيفا على خمسمائة وعشرين سنة، فإن الخلافة إنما صارت إليهم بعد ما ضعف أمر الدين، وتخلخلت أركانه، وتداول الناس أمر الأمة بالغلبة، ونقذها حينئذ بنو العباس بأيدى العجم أهل خراسان، ونالوها بالقوة ومناهضة الدول وتناولوا العز كيف كان في وصل أمر الأمة أهل العدالة والطهارة، ولا وليهم ذو الزهادة والعبادة، ولأساسهم أرباب الورع والأمانة، بل استحالت الخلافة كسروية وقيصرية بحيث إن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس لما وجّه

стр. 61

أبا مسلم الخراسانى «١» بخراسان ووصّاهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال له: إنك رجل منا أهل البيت، احفظ وصيتى، انظر هذا الحى من اليمن فأكرمهم واسكن بين ظهورهم فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم وإنهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، اقتل من شككت فيه، وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتممه فاقتله «٢» ، فأين- أعزك الله- هذه الوصية من وصايا الخلفاء الراشدين لعمّالهم، وتالله لو توجه أبو مسلم إلى أرض الحرب ليغزو أهل الشرك، بالله لما جاز أن يوصى بهذا، فكيف؟ وإنما توجه إلى دار السلام وقتال أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من العرب لينزع من أيديهم ما فتحه آباؤهم من أرض الشرك ليتخذ مال الله دولا وعبيده خولا، فعمل أبو مسلم بوصية الإمام حتى غلب على ممالك خراسان وتحطمت عساكره إلى العراق، فيقال: إنه قتل ستمائة ألف «٣» إنسان وصار في الناس بالعسف والجبرية لمرسى سيرته، إنه لما قوى أقره وصار في عسكر، ودخل مرو في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومائة، واستولى عليها، أراد الغدر بنصر بن سيار «٤» ، وقد أنسه وبسطه وضمن له أن يكف عنه ويقوم بشأنه عند الإمام، فبعث إليه لاهز بن قريط وسليمان بن كثير وعمران بن إسماعيل وداود بن كراز، يعلمه أن كتابا أتاه من الإمام يعده فيه ويمنّيه ويضمن له الكرامة، ويقول له: إنى أريد مشافهته وأقرأ كتاب الإمام عليه، يريد بذلك أنه إذا أتاه قبض عليه، فلما أتته الرسل تلا تلاهز قول

стр. 62

الله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ «١» فتنبه نصر على ما أراد من تحذيره فقال: أنا صائر معكم إلى الأمير أبى مسلم، ودخل بستانا له، كأنه يريد أن يلبس ثيابه ويركب دابته وهرب إلى الرى، وسأل أبو مسلم عنه فأخبره بتلاوة لاهز له الآية فقال: فاضربا عنقه، فضربت عنق لاهز. وكان سليمان بن كثير الخزاعى أحد نقباء الدعوة فقتله أبو مسلم؛ لأنه كره سيرته، وأخذ عنقود عنب، فقال: اللهم سوّد وجه أبى مسلم كما سودت هذا العنقود واسقنى دمه، وقال أيضا: حفرنا نهرا بأيدينا فجاء غيرنا فأجرى فيه الماء- يعنى: أبا مسلم. وقتل زياد بن صالح من أجل أنه بلغه عنه أنه يقول: إنما بايعنا على إقامه العدل وإحياء السنن وهذا جائر ظالم يسير بسير الجبابرة، وكان مخالفا وكان لزياد بلاء حسن في إقامة الدولة، فلم يرع له ذلك فغضب عيسى بن ماهان مولى خزاعة، لقتل زياد، ودعى لحرب أبى مسلم سرا، فاحتال عليه بأن دس على بعض ثقاته بقتله فكتب إليه: إنى رسول أمير المؤمنين- يعنى: السفاح، قد قدم على الأمير بخلع.... «٢» وللأولياء قصر إلينا لتشركنا في أمرنا فقدم عليه فأخذه وأدخله جوالق وضربه بالخشب حتى قتل. وكان أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة القوارى بخراسان وكان صديقا لأبى مسلم يلاعبه الشطرنج ويؤانسه، وكان ذا اقتداء بخراسان، فلما ظهرت الدعوة قدم على أبى مسلم وقال (شعرا) : قل للأمير أمين الإمام ... وصيّ وصيّ وصيّ وصيّ أتيتك لا طالبا حاجة ... وما لي في أرضكم من كفي وكان أبو مسلم يبّره ويكرمه، ثم أمر بقتله. فقيل له: صديقك وأنيسك، فقال: رأيته ذا همة وأبهة فقتلته مخافة أن يحدث حدثا، وكان لا يقعد على الأرض إذا قعدت على السرير، ولقد كان على كريما وكنت له محبا فعيّر أبو جعفر المنصور أبا مسلم بقتله فيما عيّره به لما عزم على قتله، وكان أبو مسلم يخدم يونس بن مسلم فابتاعه منه بكير بن ماهان بأربعمائة درهم، وبعث به إلى إبراهيم الإمام، فلما ملك أبو مسلم مرو، قدم عليه ابن عاصم فأكرمه غاية الإكرام، ثم دسّ إليه رجلا

стр. 63

فقال، سله عن حاله عندى ولم أكرمه، فسأله فقال: كنت قهرمانا «١» له ناصحا، فقال أبو مسلم: أبيت إلا كرما، فقال: يا ابن الخنا «٢» أردت أن أقول: إنك كنت لى خادما فتقتلنى، فبالله أسلكك لو لم أقلب المعنى ما كنت فاعلا، قال: قد والله كنت قدرت موضع خشيتك، قال: أكان هذا جزائى، قال: ومن جازيناه بجزائه وضعت سيفى فلم يبق بر ولا فاجر إلا قتلته. ومثل هذا كثير وما زال يسعى جهده حتى أزال بنى أمية، وأقيم عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح «٣» فبعث عمه عبد الله بن على «٤» لقتال مروان بن محمد، فقتله وبطش في أهل الشام بطش الجبارين، وصارت من الجور سيرة لم يسرها أحد قبله؛ وذلك أنه لما عزم مروان بالزاب وغلب على بلاد الشام، وقتل أهل دمشق وهدم سورها وسار إلى فلسطين نادى وهو على نهر فطرس في بنى أمية بالأمان واجتمعوا إليه فعجلت الخراسانية إليهم بالعمد فقتلوهم، وقتل عبد الله جماعة منهم ومن أتباعهم، وأمر بنبش قبر معاوية بن أبى سفيان فما وجد منه إلا خطا، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجد منه سلاميات «٥» رجله، ووجد من عبد الملك بعض شؤون رأسه، ولم يوجد من الوليد وسليمان بنى عبد الملك إلا رفات، ووجد هشاما صحيحا إلا شيئا من أنفه وشيئا من صدغه «٦» ، فضرب عدة سياط «٧» وصلب،

стр. 64

ووجدت جمجمة مسلمة بن عبد الملك فاتخذت عرضا حتى تناثرت، ولم يعرض لعمر بن عبد العزيز وجمع ما وجد في القبور فأحرقه، وخطب عبدة بنت عبد الله ابن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، زوجه هشام بن عبد الملك بن مروان، فأبت عليه التزويج فأمر ببقر بطنها وتقتل «١» ، وجعلت حين أتى بها لبقر بطنها تنشد (شعرا) : فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا فهذه سيرة عبد الله بن على «٢» وولى السفاح ابن أخيه: إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على سنة ثلاث وثلاثين ومائة، و [أما] الموصل فدخلها في اثنى عشر ألفا، فأول ما بدأ به أن دعا أهل الموصل فقتل منهم اثنى عشر وجزءا، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فنادى من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه فأقام الرجال على أبواب الجامع، وقتل الناس فيه قتلا ذريعا تجاوز فيه الحد وأسرف فى المقدار فيقال: إنه قتل أحد عشر ألف إنسان ممن له خاتم سوى من ليس في يده خاتم وهم عدد كثير جدا بحيث لم ينج من رجال الموصل مع كثرتهم إلا نحو أربعمائة رجل، صدموا الجند فأخرجوا لهم، فلما كان الليل سمع صراخ النساء اللاتى قتل رجالهن فأمر من الغد بقتلهن، فأقام رجاله ثلاثة أيام يقتلون النساء والصبيان، وكان في عسكره قائد ومعه أربعة آلاف زنجى، فأخذوا النساء قهرا، فلما فرغ إبراهيم من قتل الناس في اليوم الثالث، ركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف مسلولة، فأخذت امرأة بلجام دابته، فأراد أصحابه قتلها، فكفهم عنها، فقالت له: ألست من بنى هاشم، ألست ابن عم رسول الله ﷺ ، أما تأنف العربيات المسلمات أن ينكحن الزنوج؟ فلم يجبها وبعث معها من بلّغها مأمنها، ثم

стр. 65

جمع من الغد الزنوج للعطاء وقتلهم عن آخرهم، ثم أمر أن لا يترك في الموصل ديك إلا ذبح ولا كلب إلا عقر، فنفذ ذلك فكانت هذه فعلة لم يسمع بأقبح منها إلا ما كان من السفاح فإن زوجته أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية قالت له: يا أمير المؤمنين لأى شىء استعرض ابن أخيك أهل الموصل بالسيف، فقال لها: وحياتك لا ما أدرى ولم يكن عنده من إنكار هذا الأمر القطب سوى هذا، ولعمرى لقد فاق فرعون في فساده، وأربى عليه في عتوه وعناده، وابن السفاح بما فعله ابن أخيه قد صار يسوء أمة محمد ﷺ من العذاب أشد وأقبح ما كان فرعون يسوء بنى إسرائيل به، فكيف بها إذا ضمت مع ما حكاه البلاذرى «١» ، قال: كان أبو العباس السفاح يسمع الغناء، فإذا قال للمغنى: أحسنت، لم ينصرف من عنده إلا بجائزة وكسوة، فقيل له: إن الخلافة جليلة، فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ فاحتجبت عنهم، وكانت صلاته قائمة لهم. فأين هذا من الهدى النبوى وسير أئمة الهدى، فما أبعده عن هداهم، ولله درّ القائل: نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء «٢» أبعد منزل وأما أبو جعفر: عبد الله محمد المنصور «٣» فإنه تزيا بنى الأكاسرة، وجعل أبناء فارس رجالا دولتهم كبنى يرمك، وبنى نوبخت «٤» وأحدث تقبيل الأرض، وتحجب عن الرعية وترفع عليهم بحيث إن عقال بن شيبة قال له: احمد الله، فقد حزت هدى الخلفاء. فغضب المنصور، وقال: كبرت يا عقال وكبر كلامك. ففطن وقال: أجل، لقد أحزن سهلى واضطرب نقلى، وأنكرت أهلى، ولا أقوم هذا المقام بعد يومى. فلم يعش المنصور بعد ذلك إلا شهرين وأياما، وحتى أن الربيع حاجبه ضرب

стр. 66

رجلا شمّت «١» المنصور عند العطسة، فلما اشتكى ذلك إلى المنصور قال: أصاب الرجل السنة وأخطأ الأدب. فأين قول أبى جعفر من حديث النبوة الناطقة والإمامة الصادقة؟! والله ما الأدب كله إلا في السنة النبوية، فإنها هى الجامعة للأدب النبوى والأمر الإلهى، لكنه غلب على القوم الجبروت، ودخلت النفرة في أنوفهم، وظهر الخسران بينهم فسموا موائد العجم أدبا وقدموها على السنة التى هى ثمرة النبوة فزادهم ذلك جفاء وقسوة، حتى أن أبا جعفر كان بايع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن «٢» على بن أبى طالب ليلة تشاور بنى هاشم فيمن يعقدون له الإمامة، وذلك حين اضطربت بنو أمية، فلما أقيم أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح في الخلافة وعهد بها عند وفاته لأخيه أبى جعفر عبد الله بن محمد المنصور وقام من بعده بالأمر، أهمه أمر محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم، وألح على أبيهما عبد الله بن الحسن أن يحضرهما إليه لما حج، وكان قد شردهما خوف جوره، ثم حبس عبد الله وعدّه من بنى حسن ومعهم محمد الديباج «٣» ابن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان، وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت أبى عبد الله الحسين ابن على بن أبى طالب، وجعل القيود والأغلال في أرجلهم، وأركبهم محامل «٤» بغير وطاء، وسار بهم كذلك من المدينة النبوية وطنهم ووطن آبائهم حتى قدموا عليه وهو بالربذة «٥» ، فأمر بالديباج فانشقت عنه ثيابه وضرب خمسين ومائة سوط،

стр. 67

فأصاب سوط منها في وجهه، فقال: ويحك اكفف عن وجهى فإن له حرمة رسول الله ﷺ ، فقال المنصور للجلاد: الرأس الرأس فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا، فأصاب إحدى عينيه سوط منها، فسالت على خده، ثم قتله، ومضى ببنى حسن إلى الكوفة فسجنهم «١» بقصر ابن هبيرة، وأحضر محمد بن إبراهيم بن حسن وأقامه ثم بنى عليه أسطوانة وهو حى وتركه حتى مات جوعا وعطشا، ثم قتل أكثر من معه من بنى حسن، وكان إبراهيم القمر بن الحسن بن الحسن بن على ابن أبى طالب رضى الله عنهم فيمن حمل مصفدا بالحديد من المدينة إلى الأنبار، فكان يقول لأخويه عبد الله والحسن: أعوذ بالله من مناطهر منايا ما تمنينا ذهاب سلطان بنى أمية، واستبشرنا بسلطان بنى العباس، ولم يكن قد انتهت بنا الحال إلى ما نحن عليه، وقد قتل أبو جعفر أيضا إسماعيل الديباج بن إبراهيم القمر ومحمد بن إبراهيم فدفنه حيا، وكان لأبى القاسم الرسى بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج ضيعة بالمدينة يقال لها: الرّس، فلم يسمح له أبو جعفر بالمقام بها حتى طلبه، ففرّ إلى السند وقال (شعرا) : لم يروه ما أراقا لبقى دمّنا ... فى كل أرض ولم يقصر من الطلب وليس يشفى غليلا في حشاه سوى ... أن لا يرى فوقها أبناء ليت بنى وكتب صاحب السند إلى أبى جعفر أنه في خان بالمولتين مكتوبا يقول القاسم ابن إبراهيم طباطبا العلوى: انتهيت إلى هذا الموضع بعد أن انتقلت الدم من المشى، وقد قلت شعرا: عسى منهل يصفو فترى طميه ... أطال صداها المشرب المتكدر عسى جابر العظم الكسير بلطفه ... سيرتاح للعظم الكسير فيجبر عسى صور أسا لها الجرح ... سيبعثها عدل يجىء فتظهر عسى الله لا تيأس من الله إنه ... ييأس منه ما يعز ويعسر فكتب إليه: قد فهمت كتابك وأنا وعلى وأهله كما قيل يحاول إذلال العزيز، لأنه بدأنا بظلم واستمرت مرائره واستحلف ريطة امرأة ابنه محمد المهدى ألا تفتح بيتا عرضه عليها إلا مع المهدى بعد وفاته، ففتحه مع المهدى، فإذا فيه من قتل من

стр. 68

الطالبين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وفيهم أطفال، فأمر المهدى فحفرت لهم حفرة ودفنوا فيها. فأين هذا الجور والفساد عن عدل الشريعة المحمدية وسيرة أئمة الهدى، وأين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة القريبة من رحمة النبوة، وتالله ما هذا من الدين في شىء، بل هو من باب قول الله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ «١» . وكان أبو الجهم بن عطية مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وأعظمهم غنى، وهو الذى أخرج أبا العباس السفاح من موضعه الذى أخفاه فيه أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال «٢» وحرسه، وقام بأمره حتى بويع بالخلافة، فكان أبو العباس يعرف له ذلك، وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه، فلما استخلف أبو جعفر المنصور وجار فى أحكامه، قال أبو الجهم: ما على هذا بايعناه، إنما بايعناهم على العدل، فأسرها أبو جعفر في نفسه ودعاه ذات يوم فجلس عنده ثم سقاه شربة من سويق «٣» لوز وقعت في جوفه هاج به وجع، فتوهم أنه قد سم، فوثب، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم، قال: إلى حيث أرسلتنى. ومات بعد يوم أو يومين فقال (شعرا) : أحذر سويق اللوز لا تشربنه ... فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم وأما غدره بأبى مسلم فغير خاف على رواة الأخبار، وكان أشد ما يحقده عليه كتابه إليه: أما بعد، فإنى اتخذت أخاك إماما وكان في قرابته برسول الله ﷺ ، ومحله من العلم على ما كان ثم استخف بالقرآن وحرّفه طمعا في قليل من الدنيا، قد نعاه الله لأهله، ومثلت له ضلالته على صورة العدل فأمرنى أن أجرد السيف

стр. 69

وآخذ بالظنة «١» ، ولا أقبل معذرة وأن أسقم البرىء وأبرئ السقيم، وأثر أهل الدين في دينهم، وأوطأنى في غيركم من أهل بيتكم العتوة «٢» بالإفك والعدوان، ثم إن الله بحمده ونعمته استنقذنى بالتوبة وكره إلى الحومة، فإن يعرف فقد عرف ذلك منه، وإن يعاقب فبذنوبى وما الله بظلام للعبيد. فكتب إليه أبو جعفر: قد فهمت كتابك أيها المدّل على أهل بيته بطاعته ونصرته ومحاماته وجميل بلائه، فقال: فلا يريك الله في طاعتنا إلا ما تحب، فراجع أحسن نيتك وعملك ولا يدعونك ما أنكرته إلى التجنى، فإن الغيظ ربما تعدى في العول فأخبر بما لا يعلم والله ولى توفيقك وتسديدك، فأقدم رحمك [الله] «٣» مبسوط اليد في أمرنا محكما فيما هويت الحكم فيه، ولا تشمت الأعداء بك وبنا إن شاء الله تعالى «٤» . فقدم عليه فقتله. فانظر- أعزك الله- إلى كتاب أبى مسلم يفصح لك عن سيرة القوم، ولن تجد أخبر بهم منه، ثم انظر إلى كتاب أبى جعفر جوابا له كيف لم ينكر عليه ما رماهم به ولا كذّبه في دعواه، ذلك يحقق عندك صدقه ولا يوحشنك هذا من أخبارهم بل ضمه إلى وصية إبراهيم الإمام تجدهما خرجا من آل واحد، وكان عبد الله بن ذؤابة وهو المقفع «٥» قد كتب لعبد الله بن على أمانا حين أجاب أبو جعفر إلى أمانه، فكان فيه: فإن عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين، لم يف بما جعل لعبد الله بن على، فقد خلع نفسه والناس في حل وسعة من نقض بيعته، فأنكر أبو جعفر ذلك وأكبره واشتد غيظه على ابن المقفع. وكتب إلى سفيان بن معاوية «٦» عامله على البصرة: اكفنى ابن المقفع. ويقال:

стр. 70

إنه شافهه بذلك عند توديعه إياه، فجاءه ابن المقفع يوما فأدخله حجرة، ثم سجر له تنورا ألقاه فيه وهو يصيح: يا أعوان الظلمة، وقيل: إنه ألقى في بئر وأطبق عليه حجر. وقيل: حماما، فلم يزل فيه حتى مات، وقيل: دقت عنقه وقطّع عضوا عضوا وألقيت أعضاؤه في النار، وهو يراها ويصيح صياحا شديدا، وقيل: فى بئر النورة في الحمام وأطبق عليه صخرة فمات «١» . وشكا بنو على بن عبد الله ما صنع سفيان بابن المقفع إلى أبى جعفر المنصور، فأمر بحمل سفيان إليه، فلما جىء به وجاء عيسى بن على وغيره ليشهدوا عليه أن ابن المقفع دخل داره فلم يخرج، وصرفت دوابه، وغلمانه يصرخون وينعونه وجاء عيسى بتاجرين يثبتون الشهادة على قتله، فقال لهم المنصور: أرأيتكم إن أخرجت ابن المقفع إليكم، ماذا تقولون؟ فانكسروا على الشهادة، وكف عيسى عن الطلب بدم ابن المقفع، وكان سديف بن ميمون مولى آل المهلب مائلا إلى أبى جعفر، فلما استخلف وصله بألف دينار، ثم اتصل بمحمد وإبراهيم ابنى عبد الله بن حسن حتى قتلا، فاختفى حتى أمنه عبد الله بن على والى المدينة، فلما قدمها أبو جعفر جد فى طلبه حتى ظفر به فجعله في جوالق، وضرب حتى كسر، ثم رمى به في بئر وبه رمق حتى مات. فهذا وأمثاله من سيرته خلاف سنن الهدى، وكان الفضل بن الربيع يمنع عائد الخليفة أن يسأل عن شىء يقتضى جوابا ويقول: اجعلوا عيادتكم دعاء، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير بالكرامة، وإن أردت السؤال عن حاله فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فإن المسألة توجب الجواب، وإن لم يجبك اشتد عليك وإن أجابك اشتد عليه. وكانت الخلفاء إذا عطست شمتت، فعطس هارون «٢» الرشيد فشمته، فقال له الفضل: لا تعد، أتكلف أمير المؤمنين ردا وجوابا،

стр. 71

فجروا على ذلك فيما بعد. وهذا المأمون «١» عبد الله بن هارون الرشيد قد أثر في الإسلام أقبح أثر، وهو أنه عرّب كتب الفلسفة حتى كاد بها أهل الزيغ والإلحاد للإسلام وأهله، وحمل مع ذلك الناس كافة على القول بخلق القرآن، وامتحنهم فيه أشد محنة، وأكثر من شراء الأتراك وتغالى في أثمانهم، حتى كان يشترى المملوك منهم بمائتى ألف درهم، وافتدى به أخوه أبو إسحاق المعتصم «٢» ، فاشتد على الناس فى امتحانهم بالقول بخلق القرآن، وانتهك أعراضهم وبرح بالضرب الشديد أبشارهم، وأخرج العرب- قوم رسول الله ﷺ الذين أقام الله بهم دين الإسلام- من الديوان، وأسقط عطاءهم فسقط فلم يفرض لهم بعده عطاء، وأقام بدلهم من الترك «٣» ، وخلع لباس العرب وزيهم ولبس التاج وتزيا بزى العجم الذين بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بقتلهم وقتالهم، فزالت به وعلى يديه الدولة العربية، وتحكم منذ عهده وأيام دولته الأتراك الذين أنذر رسول الله ﷺ بقتالهم، فغلبوا من بعده على الممالك، وسلطهم على ابنه جعفر المتوكل فقتلوه ثم قتلوا ابنه المستعين وتلاعبوا بدين الله وتغلبوا على الأطراف كلها، وفعل المتوكل جعفر بن المعتصم «٤» فى خلافته من الانهماك في الترف المنهى عنه ما يقبح مثله من آحاد الرعية، وجهر بالسوء من القول في أمير المؤمنين على بن أبى طالب «٥» رضى الله عنه، حتى قتله الله بيد أعوانه- وهو أنه كتب إلى الآفاق بأن لا يقبل علوى ضيعة ولا يركب فرسا

стр. 72

ولا يسافر إلى طرف من الأطراف، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، ومن كان بينه وبين واحد من الطالبين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه، ولم يطالبه ببينة، وقرئ هذا الكتاب على منبر مصر، فيالله هل سمع في أخبار الجائرين أهل العناد والشقاق بمثل ما أمر به هذا الجائر!! لا جرم أن الله أخذه ولم يمهله فكانت دولته ستة أشهر. وما زالت أمور الإسلام تتلاشى والدولة تضعف إلى أن انتقل الملك والدولة فى آخر أيام المتقى إبراهيم بن جعفر المقتدر «١» ، وأول أيام خلافة المستكفى عبد الله ابن المكتفى «٢» من بنى العباس إلى بنى بويه «٣» الديلم، فلم يبق بيد بنى العباس من الخلافة إلا اسمها فقط من غير تصرف في ملك بحيث صار الخليفة منهم في يد الدولة البويهية ثم في الدولة السلجوقية إنما هو كان رئيس الإسلام إلا أنه لا ملك ولا حاكم تتحكم فيه الديلم، ومع الأتراك، منذ استولى معز الدولة أحمد بن بويه ببغداد في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة تحت الحكم إلى أن قتلوا عن آخرهم وسبى حريمهم وهدمت قصورهم، وهلكت رعاياهم على يد عبد الله هولاكو وكانوا هم السبب في ذلك كما قد ذكر في سيرة الناصر أحمد بن المستضىء، وقد ثبت في الصحيح من حديث معاوية رضى الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين» «٤» .

стр. 73

وروى وكيع عن كامل أبي العلاء عن حبيب عن أبى ثابت عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضى الله عنه قال: قام رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر قريش إن هذا الأمر لا يزال فيكم حتى تحدثوا أعمالا تخرجكم منه فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شر خلقه فليحتوكم «١» كما يلتحى القضيب» وهو حديث مرسل «٢» . وعبيد الله هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو عبد الله الهذلى المدنى الأعمى أحد الفقهاء السبق، ومات سنة تسع وتسعين «٣» والله أعلم بالصواب. [فصل: اتفق في الخلافة الإسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذاة بالقذاة] (فصل:) وقد اتفق في الخلافة الإسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذاة بالقذاة «٤» ، وذلك أن العرب كلها ترجع إلى قحطان «٥» وعدنان «٦» فيقال لسائر قحطان: اليمن، ويقال لسائر بنى عدنان: المضرية والنزارية وهى قيس. والعرب كلها على ست طبقات: شعوب، وقبائل، وعمائر، وبطون، وأفخاذ، وفصائل، وما بينهما من الآباء يعرفها أهلها. قال الله جلت قدرته: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا «٧» . فالشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو أكبر من القبيلة، وقيل: الشعب هو الحى العظيم مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج سموا بذلك لتشعبهم واجتماعهم كتشعب أغصان الشجر، وقيل: الشعب القبيلة نفسها، وقد غلبت الشعوب بلفظ

стр. 74

الجمع على جيل العجم حتى قيل: المحتقر أمر العرب شعوبى. والقبائل جمع قبيلة من الناس بنو أب واحد، وهو دون الشعب، كبكر من ربيعة وتميم من مضر. وقيل: القبيلة الجماعة التى تكون من واحد، ويقال لكل جمع على شىء واحد: قبيل. قال الله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ «١» . والشعب: القبيلة من قبائل الشجر وهى أغصانها. وقيل: من قبائل الرأس وهى أطباق الأربع، وقيل: لأن العمائر تقابلت عليها، والعمائر واحدة عمارة، وهى أصغر من القبيلة. وقيل: العمارة هى الحى العظيم الذى يقوم بنفسه، فدودان بن أسد عمارة. قال: الشعب يجمع القبائل، والعمارة تجمع البطون، والبطون واحدها: بطن، وهو دون القبيلة، وفخذ الرجل حيّه من أقرب عشيرته ورهطه الأدنون، وقيل: الفصيلة أقرب أب الرجل إليه فكأنه قبيلة، وقريش بطن، وقصّى عمارة، وهاشم فخذه، وبنو العباس فصيلة. وكما أن الله تعالى جعل العرب شعوبا وقبائل، فقد جعل بنى إسرائيل أسباطا، فالسبط من بنى إسرائيل كالقبيلة من العرب. وبنو إسرائيل ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم اثنا عشر سبطا، وهم: يوسف النبى، وبنيامين، وكاد، ويهوذا، ونفتالى، وزبولون، وشمعون، ورؤوبين، ويساخار، ولاوى، ودار، وياشر. وكل ولد من هؤلاء الاثنى عشر يقال له: سبط. ومنهم كلهم سائر بنى إسرائيل. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن موسى صلوات الله عليه وسلامه هو موسى بن عمران بن فاهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام فهو من سبط لاوى، فلما مات لم يخلفه في بنى إسرائيل أحد من سبط لاوى الذين هم قرابته القريبة، وإنما خلفه يوشع ﵇، وهو من سبط أفرايم بن يوسف ﵇، وهو بعيد من سبط لاوى؛ وذلك أن يوشع بن نون بن اليشع بن صيهود بن لهذان بن تالح بن راشد بن بريعا بن أفرايم بن يوسف النبى بن يعقوب

стр. 75

عليهما السلام. وهكذا وقع في الإسلام، فإن رسول الله ﷺ سيد بنى هاشم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بلا خلاف في ذلك «١» . ولما توفى رسول الله ﷺ لم يخلفه في أمته أحد من بنى هاشم الذين هم أقرب العرب إليه، بل خلفه أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وهو من بنى تميم بن مرة بن كعب، فإنه أبو بكر عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة. فانظر كيف كان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ في البعد من جذم رسول الله ﷺ كبعد يوشع من أصل موسى ﵉، فإن أبا بكر رضى الله عنه إنما يلتقى مع رسول الله في مرة بن كعب بن لؤى بعد عدة آباء، وكذلك يوشع إنما يلتقى مع موسى في يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ بعد عدة آباء، كما أنه قام بأمر بنى إسرائيل بعد يوشع خليفة قومه جماعة مختلفو الأنساب بعضهم من سبط يهوذا، وبعضهم من سبط بنيامين، وبعضهم من سبط منشا بن يوسف ﵇، وبعضهم من سبط غان، وبعضهم من سبط ذان، كذلك قام في الخلافة بعد أبى بكر رضى الله عنه، جماعة مختلفة أنسابهم بعضهم من بنى عدى وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدى بن كعب، وبعضهم من بنى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص، وبعضهم من بنى هاشم وهو على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى وابنه الحسن بن على بن أبى طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وبعضهم من بنى حرب بن أمية بن عبد شمس وهم معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما صخر بن حرب بن أمية وابنه يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وبعضهم من بنى أسد بن عبد العزّى بن قصى بن كلاب وهو عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما ابن العوام بن أسد بن عبد العزى، وبعضهم من بنى الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وبنوه. وكما أن بنى إسرائيل استقر أمرهم بعد من ذكرنا في يهود كذلك استقرت
следующие страницы →