← Адаб

Адаб · id 10710

رسائل المقريزي

المقريزي

Полный текст (348 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فجروا على ذلك فيما بعد. وهذا المأمون «١» عبد الله بن هارون الرشيد قد أثر في الإسلام أقبح أثر، وهو أنه عرّب كتب الفلسفة حتى كاد بها أهل الزيغ والإلحاد للإسلام وأهله، وحمل مع ذلك الناس كافة على القول بخلق القرآن، وامتحنهم فيه أشد محنة، وأكثر من شراء الأتراك وتغالى في أثمانهم، حتى كان يشترى المملوك منهم بمائتى ألف درهم، وافتدى به أخوه أبو إسحاق المعتصم «٢» ، فاشتد على الناس فى امتحانهم بالقول بخلق القرآن، وانتهك أعراضهم وبرح بالضرب الشديد أبشارهم، وأخرج العرب- قوم رسول الله ﷺ الذين أقام الله بهم دين الإسلام- من الديوان، وأسقط عطاءهم فسقط فلم يفرض لهم بعده عطاء، وأقام بدلهم من الترك «٣» ، وخلع لباس العرب وزيهم ولبس التاج وتزيا بزى العجم الذين بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بقتلهم وقتالهم، فزالت به وعلى يديه الدولة العربية، وتحكم منذ عهده وأيام دولته الأتراك الذين أنذر رسول الله ﷺ بقتالهم، فغلبوا من بعده على الممالك، وسلطهم على ابنه جعفر المتوكل فقتلوه ثم قتلوا ابنه المستعين وتلاعبوا بدين الله وتغلبوا على الأطراف كلها، وفعل المتوكل جعفر بن المعتصم «٤» فى خلافته من الانهماك في الترف المنهى عنه ما يقبح مثله من آحاد الرعية، وجهر بالسوء من القول في أمير المؤمنين على بن أبى طالب «٥» رضى الله عنه، حتى قتله الله بيد أعوانه- وهو أنه كتب إلى الآفاق بأن لا يقبل علوى ضيعة ولا يركب فرسا

стр. 72

ولا يسافر إلى طرف من الأطراف، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، ومن كان بينه وبين واحد من الطالبين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه، ولم يطالبه ببينة، وقرئ هذا الكتاب على منبر مصر، فيالله هل سمع في أخبار الجائرين أهل العناد والشقاق بمثل ما أمر به هذا الجائر!! لا جرم أن الله أخذه ولم يمهله فكانت دولته ستة أشهر. وما زالت أمور الإسلام تتلاشى والدولة تضعف إلى أن انتقل الملك والدولة فى آخر أيام المتقى إبراهيم بن جعفر المقتدر «١» ، وأول أيام خلافة المستكفى عبد الله ابن المكتفى «٢» من بنى العباس إلى بنى بويه «٣» الديلم، فلم يبق بيد بنى العباس من الخلافة إلا اسمها فقط من غير تصرف في ملك بحيث صار الخليفة منهم في يد الدولة البويهية ثم في الدولة السلجوقية إنما هو كان رئيس الإسلام إلا أنه لا ملك ولا حاكم تتحكم فيه الديلم، ومع الأتراك، منذ استولى معز الدولة أحمد بن بويه ببغداد في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة تحت الحكم إلى أن قتلوا عن آخرهم وسبى حريمهم وهدمت قصورهم، وهلكت رعاياهم على يد عبد الله هولاكو وكانوا هم السبب في ذلك كما قد ذكر في سيرة الناصر أحمد بن المستضىء، وقد ثبت في الصحيح من حديث معاوية رضى الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين» «٤» .

стр. 73

وروى وكيع عن كامل أبي العلاء عن حبيب عن أبى ثابت عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضى الله عنه قال: قام رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر قريش إن هذا الأمر لا يزال فيكم حتى تحدثوا أعمالا تخرجكم منه فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شر خلقه فليحتوكم «١» كما يلتحى القضيب» وهو حديث مرسل «٢» . وعبيد الله هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو عبد الله الهذلى المدنى الأعمى أحد الفقهاء السبق، ومات سنة تسع وتسعين «٣» والله أعلم بالصواب. [فصل: اتفق في الخلافة الإسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذاة بالقذاة] (فصل:) وقد اتفق في الخلافة الإسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذاة بالقذاة «٤» ، وذلك أن العرب كلها ترجع إلى قحطان «٥» وعدنان «٦» فيقال لسائر قحطان: اليمن، ويقال لسائر بنى عدنان: المضرية والنزارية وهى قيس. والعرب كلها على ست طبقات: شعوب، وقبائل، وعمائر، وبطون، وأفخاذ، وفصائل، وما بينهما من الآباء يعرفها أهلها. قال الله جلت قدرته: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا «٧» . فالشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو أكبر من القبيلة، وقيل: الشعب هو الحى العظيم مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج سموا بذلك لتشعبهم واجتماعهم كتشعب أغصان الشجر، وقيل: الشعب القبيلة نفسها، وقد غلبت الشعوب بلفظ

стр. 74

الجمع على جيل العجم حتى قيل: المحتقر أمر العرب شعوبى. والقبائل جمع قبيلة من الناس بنو أب واحد، وهو دون الشعب، كبكر من ربيعة وتميم من مضر. وقيل: القبيلة الجماعة التى تكون من واحد، ويقال لكل جمع على شىء واحد: قبيل. قال الله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ «١» . والشعب: القبيلة من قبائل الشجر وهى أغصانها. وقيل: من قبائل الرأس وهى أطباق الأربع، وقيل: لأن العمائر تقابلت عليها، والعمائر واحدة عمارة، وهى أصغر من القبيلة. وقيل: العمارة هى الحى العظيم الذى يقوم بنفسه، فدودان بن أسد عمارة. قال: الشعب يجمع القبائل، والعمارة تجمع البطون، والبطون واحدها: بطن، وهو دون القبيلة، وفخذ الرجل حيّه من أقرب عشيرته ورهطه الأدنون، وقيل: الفصيلة أقرب أب الرجل إليه فكأنه قبيلة، وقريش بطن، وقصّى عمارة، وهاشم فخذه، وبنو العباس فصيلة. وكما أن الله تعالى جعل العرب شعوبا وقبائل، فقد جعل بنى إسرائيل أسباطا، فالسبط من بنى إسرائيل كالقبيلة من العرب. وبنو إسرائيل ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم اثنا عشر سبطا، وهم: يوسف النبى، وبنيامين، وكاد، ويهوذا، ونفتالى، وزبولون، وشمعون، ورؤوبين، ويساخار، ولاوى، ودار، وياشر. وكل ولد من هؤلاء الاثنى عشر يقال له: سبط. ومنهم كلهم سائر بنى إسرائيل. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن موسى صلوات الله عليه وسلامه هو موسى بن عمران بن فاهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام فهو من سبط لاوى، فلما مات لم يخلفه في بنى إسرائيل أحد من سبط لاوى الذين هم قرابته القريبة، وإنما خلفه يوشع ﵇، وهو من سبط أفرايم بن يوسف ﵇، وهو بعيد من سبط لاوى؛ وذلك أن يوشع بن نون بن اليشع بن صيهود بن لهذان بن تالح بن راشد بن بريعا بن أفرايم بن يوسف النبى بن يعقوب

стр. 75

عليهما السلام. وهكذا وقع في الإسلام، فإن رسول الله ﷺ سيد بنى هاشم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بلا خلاف في ذلك «١» . ولما توفى رسول الله ﷺ لم يخلفه في أمته أحد من بنى هاشم الذين هم أقرب العرب إليه، بل خلفه أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وهو من بنى تميم بن مرة بن كعب، فإنه أبو بكر عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة. فانظر كيف كان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ في البعد من جذم رسول الله ﷺ كبعد يوشع من أصل موسى ﵉، فإن أبا بكر رضى الله عنه إنما يلتقى مع رسول الله في مرة بن كعب بن لؤى بعد عدة آباء، وكذلك يوشع إنما يلتقى مع موسى في يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ بعد عدة آباء، كما أنه قام بأمر بنى إسرائيل بعد يوشع خليفة قومه جماعة مختلفو الأنساب بعضهم من سبط يهوذا، وبعضهم من سبط بنيامين، وبعضهم من سبط منشا بن يوسف ﵇، وبعضهم من سبط غان، وبعضهم من سبط ذان، كذلك قام في الخلافة بعد أبى بكر رضى الله عنه، جماعة مختلفة أنسابهم بعضهم من بنى عدى وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدى بن كعب، وبعضهم من بنى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص، وبعضهم من بنى هاشم وهو على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى وابنه الحسن بن على بن أبى طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وبعضهم من بنى حرب بن أمية بن عبد شمس وهم معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما صخر بن حرب بن أمية وابنه يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وبعضهم من بنى أسد بن عبد العزّى بن قصى بن كلاب وهو عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما ابن العوام بن أسد بن عبد العزى، وبعضهم من بنى الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وبنوه. وكما أن بنى إسرائيل استقر أمرهم بعد من ذكرنا في يهود كذلك استقرت

стр. 76

الخلافة بعد من ذكرنا في بنى العباس، وكما أن يهوذا عم موسى ﵇ كذلك العباس بن عبد المطلب بن هاشم هو عم رسول الله ﷺ . وكما أن يهوذا قدّمه يعقوب على إخوته وبشره ومدحه كذلك العباس رضى الله عنه كان رسول الله ﷺ يجله ويكرمه ويثنى عليه. وكما أن أمر بنى إسرائيل افترق في دولة بنى يهوذا وصاروا بعد موت سليمان بن داود ﵉ فرقتين: فرقة بالقدس مع ابنه رجيعم بن سليمان ﵇ وهو يهوذا وسبط بنيامين، وفرقة بشمرون مع بربعام ابن نياط وهم بقية الأسباط، كذلك لما صارت الخلافة في بنى العباس افترق أمراء الأمة فصار في الأنبار ثم في بغداد بنو العباس وفي الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم وبنوه من بعده فلم تدخل الأندلس تحت طاعة بنى العباس، كما أنه تدخل شمرون تحت حكم سبط يهوذا. وكما أن مدينة القدس التى هى دار ملك يهوذا كانت تدعى أورشليم ومعناه: «دار السلام» ، كذلك بغداد دار ملك بنى العباس، كان يقال لها: دار السلام. وكما أن دولة بربعام من بعده بشمرون التى عرفت اليوم بنابلس انقرضت قبل دولة بنى يهوذا بالقدس، فإنها لم تقم غير مائتين وإحدى وستين سنة، فكذلك دولة بنى أمية بالأندلس فإنها انقرضت قبل انقراض دولة بنى العباس، فكانت مدتهم مائتين وسبع وستين سنة. وكما أن دولة بنى يهوذا بالقدس أقامت من عهد داود ﵇ وهو أول من ملك منهم إلى أن انقرضت نحوا من خمسمائة سنة، فإنها قامت أربعمائة وعشر سنين، كذلك بنو العباس أقامت خلافتهم منذ أبي العباس عبد الله السفاح أول قائم منهم إلى أن انقرضت أيامهم خمسمائة وأربعا وعشرين سنة. وكما أن دولة بنى يهوذا انقرضت على يد بختنصر، فإنه سار إليهم من بلاد المشرق وقاتلهم وهدم مدينة القدس دار ملكهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم، فكذلك زالت دولة بنى العباس على يد هولاكو لما قدم إلى بغداد من بلاد المشرق فقتل الرجال وسبى النساء. وكما أن أمر بنى إسرائيل لم يجمع بعد زوال دولتهم لواحد يقوم بدينهم، كذلك أمة محمد ﷺ لم تجتمع بعد انقراض خلافة بنى العباس لواحد، بل صار فى كل قطر ملك. وكما عاد لبنى إسرائيل- بعد إزالة بختنصر دولتهم- ملك كانوا فيه تحت يد اليونان وغيرهم مدة عمارة بيت المقدس بعد عودهم من الجالية، كذلك أقام الأتراك ملوك مصر رجلا من بنى العباس وجعلوه خليفة وليس له أمر

стр. 77

ولا نهى ولا نفوذ كلمة. وكما أن بنى إسرائيل قوم موسى ﵇ قطعهم الله فى الأرض، إنما كذلك قريش قوم رسول الله ﷺ تفرقوا في أقطار الأرض وصاروا رعية ورعايا ليس لهم ملك ولا دولة. وكما أن أنساب بنى إسرائيل جهلت بأسرها إلا بعض بنى يهوذا، فإن نسبهم متصل بداود ﵇، كذلك قريش جهلت فى هذه الأيام أنساب جميع بطونها إلا ما كان من بنى حسن وحسين، فإن أنساب كثير منهم متصلة إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه. فانظر- أعزك الله- كيف تشابه أمر هذه الأمة المحمدية بأمر الأمة الموسوية، وقد أنذر بذلك رسول الله، وكان هذا من أعلام نبوته لما بينته في كتاب «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأخوال والحفدة والمتاع ﷺ » . [فصل: مطابقة السنن الكونية في الأمة الإسلامية لماسبقها من الشعوب والأمم من اليهو والنصارى وغيرهم] (فصل:) ثبت في غير موضع من الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن» هذا لفظ مسلم، ولفظ البخارى «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذارع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن» هذا لفظ مسلم، ولفظ البخارى «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ... » الحديث «١» بمثله. وفي لفظ له: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟. قال: فمن؟. ولبقىّ بن مخلد «٢» من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان من قبلكم باعا بباع وذراعا بذارع وشبرا بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم معهم. قالوا: يا رسول الله، اليهود

стр. 78

والنصارى؟ قال: فمن؟» «١» . والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. تم

стр. 79

تجريد التوحيد المفيد

стр. 80

( «تجريد التوحيد المفيد» ) «بسم الله الرحمن الرحيم» الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذا كتاب جمّ الفوائد، بديع الفرائد، ينتفع به من أراد الله والدار الآخرة، سميته: كتاب تجريد التوحيد المفيد. والله أسأل العون على العمل به بمنه. اعلم أن الله هو رب كل شىء ومالكه وإلهه فالرب مصدر: ربّ يربّ ربا فهو رابّ «١» : فمعنى قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ* رابّ العالمين، فإن الرب هو الخالق الموجد لعباده، القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا. والإلهية «٢» كون العباد يتخذونه سبحانه محبوبا مألوها ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات «٣» والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل ونحو هذه الأشياء، فإن التوحيد حقيقة أن ترى الأمور كلها من الله تعالى تقطع الالفتات «٤» إلى الأسباب والوسائط فلا ترى الخير والشر إلا منه تعالى، وهذا المقام يثمر التوكل

стр. 81

وترك شكاية الخلق «١» وترك لومهم والرضا عن الله والتسليم لحكمه. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الربوبية منه تعالى لعباده، والتأله من عباده له سبحانه، كما أن الرحمة هى الوصلة بينهم وبينه- واعلم أن أنفس الأعمال وأجلها قدرا توحيد الله تعالى، غير أن التوحيد له قشران: الأول: أن تقول بلسانك: لا إله إلا الله، ويسمى هذا القول توحيدا، وهو مناقض للتثليث الذى تعتقده النصارى، وهذا التوحيد يصدر أيضا من المنافق الذى يخالف سره جهره. والقشر الثانى: ألا يكون في القلب مخالفة ولا إنكار لمفهوم هذا القول، بل يشتمل القلب على اعتقاد ذلك والتصديق به، وهذا توحيد عامة الناس. لباب التوحيد وجوهره: ولباب التوحيد أن يرى الأمور كلها من الله تعالى ثم يقطع الالتفات عن الوسائط وأن يعبده سبحانه عبادة يقرّه بها، ولا يعبد غيره. ويخرج عن هذا التوحيد اتباع الهوى، فكل من اتبع هواه فقد اتخذ هواه معبوده، قال تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ «٢» وإذا تأملت عرفت أنّ عابد الصنم لم يعبده، إنما عبد هواه، وهو ميل نفسه إلى دين آبائه، فيتبع ذلك الميل، وميل النفس إلى المألوفات أحد المعانى التى يعبّر عنها بالهوى. ويخرج عن هذا التوحيد السخط على الخلق والالتفات إليهم، فإن من يرى الكل من الله كيف يسخط على غيره أو يأمل سواه، وهذا التوحيد مقام الصديقين. ولا ريب أنّ توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله «٣» ، وإنما أنكروا

стр. 82

توحيد الإلهية والمحبة كما قد حكى الله تعالى عنهم في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ «١» فلما سووا؟؟ غيره به في هذا التوحيد كانوا مشركين كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ «٢» . وقد علم الله تعالى عباده كيفية مباينة الشرك في توحيد الإلهية، وأنه تعالى [حقيق] بإفراده وليا وحكما وربا فقال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا «٣» وقال: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً «٤» ، وقال: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا «٥» فلا ولى ولا حكم ولا رب إلا الله الذى من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحد ربوبيته، فتوحيد الربوبية هو الذى اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين؛ ولهذا كانت كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، ولو قال: لا ربّ إلا الله، لما أجزأه عند المحققين. فتوحيد الألوهية هو المطلوب من العباد؛ ولهذا كان أصل الله: الإله، كما هو قول سيبويه «٦» ، وهو الصحيح وهو قول جمهور أصحابه إلا من شذ منهم «٧» . وبهذا الاعتبار الذى قررنا به الإله وأنه المحبوب لاجتماع صفات الكمال فيه كان الله هو الاسم الجامع لجميع معانى الأسماء الحسنى والصفات العليا وهو الذى ينكره المشركون، ويحتجّ الربّ عليهم بتوحيدهم ربوبيته على توحيد ألوهيته كما قال تعالى: ِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ... «٨» .

стр. 83

وكلما ذكر تعالى في آياته جملة من الجمل قال عقبها: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ* ، فأبان بذلك أن المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات «١» توحيد الإلهية لا الربوبية على أن منهم من أشرك في ربوبيته «٢» كما يأتى بعد ذلك إن شاء الله تعالى. وبالجملة فهو تعالى يحتج على منكرى الإلهية بإثباتهم الربوبية، والملك هو الآمر الناهى الذى لا يخلق خلقا بمقتضى ربوبيته ويتركهم سدى معطلين لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون فإن الملك هو الآمر الناهى المعطى المانع الضار النافع المثيب المعاقب؛ ولذلك جاءت الاستعاذة «٣» فى سورة الناس وسورة الفلق بالأسماء الحسنى الثلاثة: الرب والملك والإله، فإنه لما قال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «٤» كان فيه إثبات أنه خالقهم وفاطرهم، فبقى أن يقال: لما خلقهم هل كلفهم وأمرهم ونهاهم؟ قيل: نعم، فجاء مَلِكِ النَّاسِ فأثبت الخلق والأمر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «٥» ، فلما قيل ذلك قيل: فإذا كان ربا موجدا وملكا مكلّفا، فهل يحب ويرغب إليه ويكون التوجه إليه غاية الخلق والأمر؟ قيل: إِلهِ النَّاسِ أى مألوههم ومحبوبهم الذى لا يتوجه العبد المخلوق المكلف العابد إلا له، فجاءت الإلهية خاتمة وغاية، وما قبلها كالتوطئة لها، وهاتان السورتان أعظم عوذة «٦» فى القرآن، وجاءت الاستعاذة بهما وقت الحاجة إلى ذلك، وهو حين سحر النبى ﷺ ، وخيّل له أنه يفعل

стр. 84

الشىء وما فعله «١» ، وأقام على ذلك أربعين يوما كما في الصحيح «٢» ، وكانت عقد السحر إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله المعوذتين إحدى عشرة آية فانحلت بكل آية عقدة «٣» ، وتعلقت الاستعاذة في أوائل القرآن باسمه الإله، وهو المعبود وحده لاجتماع صفات الكمال فيه، ومناجاة العبد لهذا الإله الكامل ذى الأسماء الحسنى والصفات العليا المرغوب إليه في أن يعيذ عبده الذى يناجيه بكلامه من الشيطان الحائل بينه وبين مناجاة ربه، ثم استحب التعلق باسم الإله في جميع المواطن التى يقال فيها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن اسم الله هو الغاية للأسماء؛ ولهذا كان كل اسم بعده لا يتصرف إلا به، فتقول: الله هو السلام المؤمن، فالجلالة تعرف غيرها، وغيرها لا يعرفها، والذين أشركوا به تعالى في الربوبية منهم من أثبت معه خالقا وإن لم يقولوا: إنه مكافئ له، وهم المشركون ومن ضاهاهم من القدرية «٤» ، وربوبيته سبحانه للعالم الربوبية الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوالهم؛ لأنها تقتضى ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال. وحقيقة قول القدرية المجوسية أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان ولا تتناولها ربوبيته، إذ كيف يتناول ما لا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه.

стр. 85

«أنواع الشرك الواقع في الأمم» : وشرك الأمم نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى «١» ويشفعون لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله [و] «٢» كرامته لهم قرب وكرامة كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته. والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله وتنص على أنهم أعداء الله تعالى. وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله. «الإشراك في المحبة» : وأصل الشرك في محبة غير الله تعالى، قال تعالى: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ «٣» فأخبر أنه من أحب مع الله شيئا غيره كما يحبه فقد اتخذه ندا من دونه، وهذا على أصح القولين «٤» فى الآية أنهم يحبونهم كما يحبون الله، وهذا هو العدل المذكور في قوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ «٥» ، والمعنى على أصح............... ............... .....

стр. 86

القولين «١» أنهم يعدلون به غيره في العبادة فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة، وكذلك قول المشركين في النار لأصنامهم تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ «٢» ومعلوم قطعا أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونه ربهم وخالقهم، فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله تعالى وحده هو ربهم وخالقهم، وأن الأرض ومن فيها له وحده، وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه سبحانه هو الذى بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه، وإنما كانت هذه التسوية بينهم وبين الله تعالى في المحبة والعبادة «٣» . «صرف العبادة إلى غير الله شرك أكبر» : فمن أحب غير الله تعالى وخافه ورجاه وذلّ له كما يحب الله ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذى لا يغفره الله، فكيف بمن كان غير الله آثر عنده وأحب إليه وأخوف عنده، وهو في مرضاته أشد سعيا منه في مرضاة الله، فإذا كان المسوى بين الله وبين غيره في ذلك مشركا، فما الظن بهذا؟ فعياذا بالله من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام كانسلاخ الحية من قشرها، وهو يظن أنه مسلم موحد فهذا أحد أنواع الشرك. «كثرة الأدلة على توحيده تعالى» : والأدلة الدالة على أنه تعالى يجب أن يكون وحده هو المألوه يبطل هذا الشرك ويدحض حجج أهله، وهو أكثر من أن يحيط به إلا الله، بل كل ما خلقه الله تعالى فهو آية شاهدة بتوحيده، وكذلك كل ما أمر به فخلقه وأمره، وما فطر عليه عباده وركبه فيهم من العقول شاهد بأن الله الذى لا إله إلا هو، وأن كل شىء معبود سواه باطل، وأنه هو الحق المبين تقدس وتعالى. (شعر) وواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شىء له آية ... تدل على أنه واحد

стр. 87

«الشرك في الربوبية» : والنوع الثانى من الشرك: الشرك به تعالى في الربوبية كشرك من جعل معه خالقا آخر، كالمجوس وغيرهم الذين يقولون بأن للعالم ربين: أحدهما خالق الخير ويقولون له بلسان الفارسية: «يزدان» ، والآخر خالق الشر ويقول له المجوس بلسانهم: «أهرمن» ، وكالفلاسفة ومن تبعهم الذين يقولون بأنه لم يصدر عنه إلا واحد بسيط وأن مصدر المخلوقات كلها عن العقول والنفوس، وأن مصدر هذا العالم عن العقل الفعال فهو رب كل ما تحته ومدبره، وهذا شر من شرك عباد الأصنام والمجوس والنصارى، وهو أخبث شرك في العالم؛ إذ يتضمن من التعطيل وجحد الإلهية والربوبية واستناد الخلق إلى غيره ما لم يتضمنه شرك أمة من الأمم. «شرك القدرية» : وشرك القدرية مختصر من هذا، وباب يدخل منه إليه؛ ولهذا شبههم الصحابة- رضى الله عنهم- بالمجوس كما ثبت عن ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم. وقد روى أهل السنن فيهم ذلك مرفوعا «أنهم مجوس هذه الأمة» «١» وكثيرا ما يجتمع الشركان في العبد وينفرد أحدهما عن الآخر. والقرآن الكريم، بل الكتب المنزلة من عند الله تعالى كلها مصرحة بالرد على أهل هذا الإشراك كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فإنه ينفى شرك المحبة والإلهية. وقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإنه ينفى شرك الخلق والربوبية، فتضمنت هذه الآية تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة وأنه لا يجوز إشراك غيره معه لا في الألفاظ ولا في الإرادات، فالشرك به فى الأفعال كالسجود لغيره ، والطواف بغير بيته المحرم، وحلق

стр. 88

الرأس عبودية وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذى هو يمينه تعالى في الأرض، أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها. «النهى عن اتخاذ القبور مساجد» : وقد لعن النبى ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد لله يصلى فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا تعبد من دون الله؟ فهذا لم يعلم معنى قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «١» وفيه عنه أيضا «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم [أحياء] والذين يتخذون القبور مساجد» «٢» . وفيه عنه أيضا ﷺ : «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك» «٣» . وفي مسند أحمد وصحيح ابن حبان عنه ﷺ : «لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» «٤» .

стр. 89

وقال ﷺ : «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «١» . وقال ﷺ : «إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» «٢» . أقسام الناس في زيارة القبور: والناس في هذا الباب- أعنى زيارة القبور- ثلاثة أقسام: قوم يزورون الموتى فيدعون لهم وهذه هى الزيارة الشرعية. وقوم يزورونهم يدعون بهم «٣» ، وهؤلاء هم المشركون وجهلة العوام والطغام من غلاتهم. وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبى ﷺ : «اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد» «٤» . وقد حمى النبى ﷺ جانب التوحيد أعظم حماية تحقيقا لقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ حتى نهى عن الصلاة في هذين الوقتين «٥» [لكونه] «٦» ذريعة إلى التشبه بعبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين. وسد الذريعة بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح «٧» ؛ لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما

стр. 90

للشمس. النهى عن السجود لغير الله: وأما السجود لغير الله، فقال ﵊: «لا ينبغى لأحد أن يسجد لأحد إلا لله» «١» . ولا ينبغى في كلام الله ورسوله، إنما يستعمل للذى هو في غاية الامتناع كقوله تعالى: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً «٢» وقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ «٣» وقوله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ «٤» وقوله تعالى: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ «٥» . الشرك في الألفاظ: ومن الشرك بالله تعالى المباين لقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ الشرك به في اللفظ كالحلف بغيره، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» «٦» صححه الحاكم وابن حبان. قال ابن حبان: أخبرنا الحسن وسفيان، حدثنا عبد الله بن عمر الجعفى، ثنا عبد الرحمن بن سليمان عن الحسن بن عبد الله النخعى عن سعد بن عبيدة قال: كنت عند ابن عمر- رضى الله عنهما- فحلف رجل بالكعبة فقال ابن عمر: «ويحك، لا تفعل، قال: سمعت رسول الله

стр. 91

صلى الله عليه وسلّم: «من حلف بغير الله تعالى فقد أشرك» «١» . ومن الإشراك قول القائل لأحد من الناس: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبى ﷺ أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال ﷺ : «اجعلتنى لله ندا، قل ما شاء الله وحده» «٢» . هذا مع أن الله وحده سبحانه قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ «٣» فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لى إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لى في السماء وأنت لى في الأرض. فوازن بين هذه الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم وبين ما نهى الله عنه من: شاء الله وشئت، ثم انظر أيها أفحش يتبين لك أن قائلها أولى [بالبعد] من إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وبالجواب من النبى ﷺ للقائل لتلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعل رسول الله ﷺ ندا، فهذا قد جعل من لا يدانيه ندا. وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وبالجواب من النبى ﷺ هى السجود والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتوبة والنذور والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس «٤» خضوعا وتعبدا، والدعاء، كل ذلك محض حق لله تعالى. وفي مسند أحمد أن رجلا أتى به النبى ﷺ قد أذنب ذنبا، فلما وقف بين يديه قال: «اللهم إنى أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال ﷺ : عرف الحق لأهله» «٥» وخرجه الحاكم من حديث الحسن عن الأسود بن سريع وقال: حديث صحيح.

стр. 92

الشرك في الإرادة والنية: وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذى لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن نوى بعمله غير وجه الله تعالى فلم يقم بحقيقة قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، فإن إِيَّاكَ نَعْبُدُ هى الحنيفية ملة إبراهيم التى أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها، وهى حقيقة الإسلام وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ «١» فاستمسك بهذا الأصل، وردّ ما أخرجه المبتدعة والمشركون إليه تحقّق معنى الكلمة الإلهية. بطلان الوسائط والشفعاء في التقرب إلى الله: فإن قيل: المشرك إنما قصد تعظيم جناب الله تعالى وأنه لعظمته لا ينبغى الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك، فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه وقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وإنما أعبد هذه الوسائط لتقربنى إليه وتدخل بى عليه، فهو الغاية وهذه وسائل، فلم كان هذا القدر موجبا لسخط الله تعالى وغضبه ومخلدا في النار وموجبا لسفك دماء أصحابه «٢» واستباحة حريمهم وأموالهم؟ وهل يجوز في العقل أن يشرع الله تعالى لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استفيد بالشرع فقط، أم ذلك قبيح في الشرع والعقل يمنع أن تأتى به شريعة من الشرائع، وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* «٣» .

стр. 93

أنواع الشرك: أما الشرك الأول فهو نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون في قوله: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ «١» وقال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً «٢» والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق وصفاته ولكنه معطل حق التوحيد. أنواع التعطيل: وأصل الشرك وقاعدته التى يرجع إليها هو التعطيل وهو ثلاثة أقسام: أحدها: تعطيل المصنوع عن صانعه. الثانى: تعطيل الصانع عن كماله الثابت له. الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا: شرك أهل الوحدة، ومنه: شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأن الحوادث بأسرها مستندة إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها ويسمونها: العقول والنفوس. ومن شرك معطلة الأسماء والصفات كالجهمية «٣» والقرامطة «٤» وغلاة المعتزلة. شرك التشبيه والتمثيل وهو شرك من جعل معه إلها آخر كالنصارى في المسيح واليهود في عزير والمجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وشرك القدرية المجوسية مختصر منه، وهؤلاء أكثر مشركى العالم، وهو طوائف جمة،

стр. 94

منهم من يعبد أجزاء سماوية. ومنهم من يعبد أجزاء أرضية، ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أن إلهه من جملة الآلهة. ومنهم من يزعم أنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه أقبل إليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى الأعلى الفوقانى، والفوقانى يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ، فتارة تكثر الوسائط، وتارة تقل. حقيقة الشرك: فإذا عرفت هذه الطوائف وعرفت اشتداد نكير الرسول ﷺ على من أشرك به تعالى في الأفعال والأقوال والإرادات- كما تقدم ذكره- انفتح لك باب الجواب عن السؤال، فنقول: اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق في خصائص الإلهية، وهى التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى وسوى بين التراب ورب الأرباب، فأى فجور وذنب أعظم من هذا، واعلم أن من خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذى لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك بموجب أن تكون العبادة له وحده عقلا وشرعا وفطرة، فمن جعل ذلك لغيره فقد شبه الغير بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر من كتب على نفسه أنه لا يغفره أبدا. صرف العبادات إلى غير الله من التشبيه له بخلقه ومن خصائص الإلهية: العبودية التى لا تقوم إلا على ساق الحب والذل، فمن أعطاهما لغيره فقد شبه بالله في خالص حقه، وقبح هذا مستقر في العقول والفكر، ولكن لما غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق و [اجتالتهم] عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا كما روى ذلك عن الله «١» أعرف الخلق به وبخلقه، عموا عن قبح الشرك حتى ظنوه حسنا. ومن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه به. ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به. ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد

стр. 95

شبهه به. ومنها: الحلف باسمه، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. ومنها: الذبح له، فمن ذبح لغيره فقد شبهه به. ومنها: حلق الرأس، إلى غير ذلك. التشبه بالله: هذا في جانب التشبيه، وأما في جانب التشبه، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه ورجائه ومخافته فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه، وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله : العظمة إزارى والكبرياء ردائى فمن نازعنى في واحد منهما عذبته» «١» . تحريم التشبه بالله في أفعاله وأسمائه: وإذا كان المصور الذى يصنع الصور بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالمشبه بالله في الربوبية والإلهية كما قال ﷺ : «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» «٢» . وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: يقول الله : «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة» «٣» . فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما. وكذلك من تشبه به تعالى في الاسم الذى لا ينبغى إلا له، كملك الملوك، وحاكم الحكام، وقاضى القضاة ونحوه، وقد ثبت في الصحيح عن النبى ﷺ أنه

стр. 96

قال: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بشاهان شاه ملك الملوك لا مالك إلا الله» «١» وفي لفظ «أغيظ رجل عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» «٢» . وبالجملة فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك؛ ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يقربه ذلك الغير إليه فإنه يخطئ لكونه شبهه به، وأخذ ما لا ينبغى أن يكون إلّا له، فالشرك منحه حقه، فهذا قبيح عقلا وشرعا؛ ولذلك لم يشرع ولم يغفر لفاعله واعلمه. سوء ظن المعتقدين في الوسائط: واعلم أن الذى ظن أن الرب لا يسمع له أو لا يستجيب له إلا بواسطة تطلعه على ذلك أو تسأل ذلك منه فقد ظن بالله ظن السوء، فإنه إن ظن أنه لا يعلم أو لا يسمع إلا بإعلام غيره له وإسماعه فذلك نفى لعلم الله وسمعه وكمال إدراكه، وكفى بذلك ذنبا. وإن ظن أنه يسمع ويرى ولكن يحتاج إلى من يلينه ويعطفه عليهم فقد أساء الظن بأفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده. وبالجملة فأعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، ولهذا يتوعدهم في كتابه على إساءة الظن به أعظم وعيد، كما قال الله تعالى: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً «٣» ، وقال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ. فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ «٤» أى فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره، وظننتم أنه يحتاج في الاطلاع على ضرورات عباده لمن يكون بابا للحوائج إليه ونحو ذلك. عدم حاجته تعالى إلى الوسائط: وهذا بخلاف الملوك فإنهم محتاجون إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم

стр. 97

وضعفهم وقصور علمهم عن إدراك حوائج المضطرين. فأما من لا يشغله سمع عن سمع، وسبقت رحمته غضبه وكتب على نفسه الرحمة، فما تصنع الوسائط عنده. فمن اتخذ واسطة بينه وبين الله تعالى، فقد ظن به أقبح الظن، ومستحيل أن يشرعه لعباده، بل ذلك يمتنع في العقول والفطر. واعلم أن الخضوع والتأله الذى يجعله العبد لتلك الوسائط قبيح في نفسه كما قررناه، لا سيما إذا كان المجعول له ذلك عبدا للملك العظيم الرحيم القريب المجيب، ومملوكا له، كما قال تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ «١» أى إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، فكيف تجعلون لى من عبيدى شركاء فيما أنا منفرد به، وهو الإلهية التى لا تنبغى لغيرى ولا تصلح لسواى، فمن زعم ذلك فما قدرنى حق قدرى ولا عظمنى حق تعظيمى. وبالجملة فما قدر الله حق قدره من عبد معه من ظنّ أنه يوصل إليه، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً «٢» إلى أن قال: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «٣» وقال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «٤» فما قدّر القوىّ العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل. أصل ضلال أهل البدع والزيغ: واعلم أنك إذا تأملت جميع طوائف الضلال والبدع وجدت أصل ضلالهم راجعا إلى شيئين. أحدهما: الظن بالله ظن السوء. والثانى: أنهم لم يقدروا الرب حق قدره. فلم يقدره حق قدره من ظن أنه لم يرسل رسولا ولا أنزل كتابا، بل ترك الخلق سدى وخلقهم عبثا «٥» . ولا قدره

стр. 98

حق قدره من نفى عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم وأخرجها عن خلقه وقدرته. ولا قدر الله حق قدره أضداد هؤلاء الذين قالوا: إنه يعاقب عبده على ما لم يفعله «١» بل يعاقبه على فعله . وإذا استحال في العقول أن يجبر السيد عبده على فعل ثم يعاقبه عليه، فكيف يصدر هذا من أعدل العادلين. وقول هؤلاء شر من أشباه المجوس القدرية الأذلين. ولا قدر الله حق قدره من نفى رحمته ورضاه ومحبته وغضبه وحكمته مطلقا وحقيقة فعله «٢» ولم يجعل له فعلا اختياريا، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه. ولا قدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، أو جعله يحلّ في مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود «٣» . ولا قدر الله حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته وجعل فيهم الملك ووضع أولياء رسوله وأهل بيته، وهذا يتضمن غاية القدح في الرب، تعالى الله عن قول الرافضة «٤» . وهذا مشتق من قول اليهود والنصارى في قول رب العالمين أنه أرسل ملكا ظالما وادعى النبوة وكذب على الله ومكث زمنا طويلا يقول: أمرنى بكذا ونهانى عن كذا، ويستبيح دماء أبناء الله وأحبائه، والرب تعالى يظهره ويؤيده ويقيم الأدلة والمعجزات على صدقه، ويقبل بقلوب الخلق وأجسادهم إليه، ويقيم دولته على الظهور والزيادة ويذل أعداءه أكثر من ثمانمائة عام. فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين سواء.

стр. 99

ولا قدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى ولا يبعث من في القبور ليبين لعباده الذى كانوا فيه يختلفون وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. عبادة غير الله عبادة للشيطان: وبالجملة فهذا باب واسع، والمقصود أن كل من عبد مع الله غيره فإنما عبد شيطانا قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ «١» فما عبد أحد من بنى آدم كائنا من كان إلا وقد وقعت عبادته للشيطان فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله تعالى، وذلك غاية رضا الشيطان؛ ولهذا قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أى من إغوائهم وإضلالهم وقال: وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ «٢» فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذى لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفره بغير التوبة منه، وأنه موجب للخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه قبحه بمجرد النهى عنه فقط، بل يستحيل على الله أن يشرع لعباده عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله. مراتب الناس في عبادة الله: واعلم أن الناس في عبادة الله تعالى والاستعانة به أقسام، أجلها وأفضلها أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم؛ ولهذا كان أفضل ما يسأل الرب تعالى الإعانة على مرضاته، وهو الذى علمه النبى ﷺ لمعاذ بن جبل فقال: «يا معاذ، والله إنى أحبك، فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» «٣» ، فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته تعالى «٤» .

стр. 100

ويقابل هؤلاء القسم الثانى: المعرضون عن عبادته والاستعانة به فلا عبادة لهم ولا استعانة، بل إن سأله تعالى أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، والله يسأله من في السموات والأرض، ويسأله أولياؤه وأعداؤه، فيمد هؤلاء وهؤلاء. وأبغض خلق الله إبليس، ومع هذا أجاب سؤاله وقضى حاجته «١» ومتّعه بها، ولكن لما لم تكن عونا على مرضاته كانت زيادة في شقوته وبعده. وهكذا كل من سأله تعالى استعان به على ما لم يكن عونا له على طاعته كان سؤاله مبعدا له عن الله. فليتدبر العاقل هذا، وليعلم أن إجابة الله لسؤال بعض السائلين ليست لكرامته عليه، بل قد يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه ويكون منعه منها حماية له وصيانة، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة. وعلامة هذا أنك ترى من صانه الله من ذلك وهو يجهل حقيقة الأمر إذا رآه يقضى حوائج غيره يسىء ظنه به تعالى وقلبه محشو بذلك وهو لا يشعر. وأمارة ذلك حمله على الأقدار وعتابه في الباطن لها، ولقد كشف الله تعالى هذا المعنى غاية الكشف في قوله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ. كَلَّا «٢» أى ليس كل من أعطيته ونعمته وخولته فقد أكرمته، وما ذاك لكرامته عليه، ولكنه ابتلاء منى وامتحان له أيشكرنى فأعطيه فوق ذلك أم يكفرنى فأسلبه إياه وأحوله عنه لغيره، وليس كل من ابتليته فضيقت عليه رزقه وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذاك من هوانه علىّ ولكنه ابتلاء وامتحان منى أيصبر فأعطيه أضعاف ما فاته أم يسخط فيكون حظه السخط، وبالجملة فأخبر تعالى أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنه يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه عليه، وإنما يكرم من يكرم من عباده بأن يوفقه لمعرفته ومحبته وعبادته واستعانته. فغاية سعادة الأبد في عبادة الله والاستعانة به. القسم الثالث: من له من نوع عبادة بلا استعانة وهؤلاء نوعان: أحدهما: أهل القدر القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره

стр. 101

من الألطاف وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق وإرسال الرسول وتمكينه من الفعل فلم يبق بعدها إعانة مقدورة يسأله إياها «١» ، وهؤلاء مخذولون موكلون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد. قال ابن عباس رضى الله عنهما: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض توحيده «٢» . النوع الثانى: من لهم عبادة وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر وأنها بدون المقدور كالموت الذى لا تأثير له، بل كالعدم الذى لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها والمعول على المحرك الأول، فلم تنفذ بصائرهم من السبب إلى المسبب، من الآلة إلى الفاعل، فقلّ نصيبهم من الاستعانة، وهؤلاء لهم نصيب من التصرف بحسب استعانتهم وتوكلهم، ونصيب من الضعف والخذلان بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم، ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه لأزاله «٣» . حقيقة الاستعانة: فإن قيل: ما حقيقة الاستعانة عملا؟ قلنا: هى التى يعبر عنها بالتوكل، وهى حالة للقلب تنشأ عن معرفة الله تعالى وتفرده بالخلق والأمر والتدبير والضر والنفع وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فتوجب اعتمادا عليه وتفويضا إليه وثقة به، فتصير نسبة العبد إليه تعالى كنسبة الطفل إلى أبويه فيما ينوبه من رغبته ورهبته، فلو دهمه ما عسى أن يدهمه من الآفات لم يلتجىء إلى غيرهما. فإن كان العبد مع هذا الاعتماد من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «٤» أى كافيه. القسم الرابع: من له استعانة بلا عبادة، وتلك حالة من شهد تفرد الله بالضر

стр. 102

والنفع ولم يدر «١» بما يحبه ويرضاه فتوكل عليه في حظوظه فأسعفه بها، وهذا لا عاقبة له سواء كانت أموالا أو رياسات، أو جاها عند الخلق أو نحو ذلك، فذلك حظه من دنياه وآخرته «٢» . المتابعة والإخلاص شرطان لقبول الأعمال: واعلم أن العبد لا يكون متحققا بعبادة الله تعالى إلا بأصلين: أحدهما: متابعة الرسول ﷺ ، والثانى: إخلاص العبودية. والناس في هذين الأصلين على أربعة أقسام: أهل الإخلاص والمتابعة، فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم ومنعهم وإعطاؤهم وحبهم وبغضهم، كل ذلك لله تعالى، لا يريدون من العباد جزاء ولا شكورا، أعدوا الناس كأصحاب القبور لا يملكون ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فإنه لا يعامل أحدا من الخلق إلا لجهله بالله وجهله بالخلق. والإخلاص هو العمل الذى لا يقبل الله من عامل عملا صوابا عاريا منه، وهو الذى ألزم عباده به إلى الموت، قال الله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* «٣» وقال: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا «٤» ، وأحسن العمل أخلصه وأصوبه. (فالخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على وفق سنة رسول الله ﷺ «٥» ، وهذا هو العمل الصالح المذكور في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ «٦» وهو العمل الحسن في قوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً «٧» وهو الذى أمر به النبى ﷺ في قوله «كل عمل

стр. 103

ليس عليه أمرنا فهو رد» «١» وكل عمل بلا متابعة فإنه لا يزيد عامله إلا بعدا من الله تعالى فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره لا بالأهواء والآراء. الضرب الثانى: من لا إخلاص له ولا متابعة له، وهؤلاء شرار الخلق وهم المتزينون بأعمال الخير يراؤون بها الناس، وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف عن الصراط المستقيم من المنتسبين إلى الفقه والعلم والفقر والعبادة، فإنهم يرتكبون البدع والضلال والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وفي أضراب هؤلاء نزل قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٢» . الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله، لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال العباد والمنتسبين إلى الزهد والفقر وكل من عبد الله على غير مراده. والشأن ليس في عبادة الله فقط، بل في عبادة الله كما أراد. ومنهم من يمكث فى خلواته تاركا للجمعة ويرى ذلك قربة «٣» ويرى مواصلة صوم النهار والقيام بالليل قربة، وأن صيام يوم الفطر قربة وأمثال ذلك. الضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله تعالى، كطاعات المرائين، وكالرجل يقاتل رياء وسمعة وحمية وشجاعة وللمغنم، ويحج ليقال، ويقرأ ليقال، ويعلم ويؤلف ليقال، فهذه أعمال صالحة لكنها غير مقبولة، قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ «٤» فلم يؤمر الناس إلا بالعبادة على المتابعة والإخلاص فيها، والقائم بهما هم أهل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. أفضل العبادات وأنفعها: ثم أهل مقام إِيَّاكَ نَعْبُدُ لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقها بالإيثار

стр. 104

والتخصيص أربعة طرق، وهم في ذلك أربعة أصناف «١» : الصنف الأول عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقها على النفوس وأصعبها، قالوا: لأنه أبعد الأشياء من هواها وهو حقيقة التعبد، والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثا ليس له أصل «أفضل الأعمال أحمزها «٢» » » أى أصعبها وأشقها، وهؤلاء هم أرباب المجاهدات والجور على النفوس، قالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك إذ طبعها الكسل والمهادنة والإخلاد إلى الراحة، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق. من قال: إن الزهد أفضل العبادات: الصنف الثانى قالوا: أفضل العبادات وأنفعها التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها غاية الإمكان وإطراح الاهتمام بها وعدم الاكتراث لما هو منها. ثم هؤلاء قسمان: فعوامهم ظنوا أن هذا غاية، فشمروا إليه وعملوا عليه وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة ورأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها. وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره، وأن المقصود به عكوف القلب على الله والاستغراق في محبته والإنابة إليه والتوكل عليه والاشتغال بمرضاته، فرأوا أفضل العبادات دوام ذكره بالقلب واللسان، ثم هؤلاء قسمان: فالعارفون إذا جاء الأمر والنهى بادروا إليه ولو فرّقهم وأذهب جمعهم، والمنحرفون منهم يقولون: المقصود من القلب جميعته، فإذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفتوا إليه، ويقولون: يطالب بالأوراد من كان غافلا ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد؟ ثم هؤلاء أيضا قسمان: منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته. ومنهم

стр. 105

من يقول بها ويترك السنن والنوافل ويعلم العلم النافع لجمعيته. والحق أن الجمعية حظ القلب، وإجابة داعى الله حق الرب فمن آثر حق نفسه على حق ربه فليس من العبادة في شىء «١» . الصنف الثالث: رأوا أن أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد فرأوه أفضل من النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالجاه والمال والنفع أفضل لقوله ﷺ : «الخلق عيال الله «٢» وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» «٣» . قالوا: وعمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النفاع متعد إلى الغير، فأين أحدهما من الآخر، ولهذا كان «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» «٤» ، وقد قال ﷺ لعلى: «لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» «٥» ، وقال: «من دعا إلى

стр. 106

هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا» «١» . وقال: «إن الله وملائكته يصلون على معلمى الناس الخير» «٢» وقال: «إن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر والنملة فى جحرها» «٣» . قالوا: وصاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذى تسبب فيه. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم فى معاشهم ومعادهم لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع؛ ولهذا أنكر النبى ﷺ على أولئك «٤» النفر الذين هموا بالانقطاع والتعبد وترك مخالطة الناس، ورأى هؤلاء أن التفرغ لنفع الخلق أفضل من الجمعية على الله بدون ذلك، قالوا: ومن ذلك العلم والتعليم ونحو هذه الأمور الفاضلة. الصنف الرابع: قالوا: أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب واشتغال كل وقت بما هو مقتضى «٥» ذلك الوقت، ووظيفته، فأفضل العبادات في

стр. 107

وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار بل من ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف: القيام بحقه والاشتغال به. والأفضل في وقت السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء. والأفضل في وقت الأذان: ترك ما هو فيه من الأوراد والاشتغال بإجابة المؤذن «١» . والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والاجتهاد في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى المسجد. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج: المبادرة إلى مساعدته بالجاه والمال والبدن. والأفضل في السفر: مساعدة المحتاج وإعانة الرفقة وإيثار ذلك على الأوراد والخلوة. والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب والهمة على تدبره والعزم على تنفيد أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك. والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر. والأفضل في أيام عشر ذى الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد وهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأواخر من رمضان: لزوم المساجد والخلوة فيها مع الاعتكاف، والإعراض عن مخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى أنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم «٢» وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجميعتك. والأفضل في وقت نزول النوازل وإيذاء الناس لك: أداء واجب الصبر مع

стр. 108

خلطتك لهم، والمؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم أو إيذائهم أفضل من المؤمن الذى لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. وخلطتهم في الخير أفضل من عزلتهم فيه، وعزلتهم في الشر أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله وقلله فخلطتهم خير من اعتزالهم، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف التى قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذى تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص ونزل عن عبادته فهو يعبد الله تعالى على وجه واحد. وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى، إن رأيت العلماء رأيته معهم، وكذلك في الذاكرين والمتصدقين وأرباب الجمعية وعكوف القلب على الله، فهذا هو الغذاء الجامع للسائر إلى الله في كل طريق والوافد عليه مع كل فريق. وأستحضر ههنا حديث أبى بكر الصديق رضى الله عنه وقول النبى ﷺ بحضوره «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل منكم أحد أصبح اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل منكم أحد عاد مريضا؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: هل منكم أحد اتبع اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا «١» ... » الحديث. هذا الحديث روى من طريق عبد الغنى بن أبى عقيل: ثنا نعيم بن سالم عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في جماعة من أصحابه فقال: «من صام اليوم؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: من تصدق اليوم؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من شهد اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: وجبت لك» «٢» يعنى الجنة. ونعيم بن سالم وإن تكلم فيه لكن تابعه سلمة

стр. 109

ابن وردان «١» وله أصل «٢» صحيح من حديث مالك عن محمد بن شهاب عن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودى في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة نودى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد نودى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان، فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا رسول الله، ما على من يدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها، قال: نعم وأرجو أن تكون منهم» «٣» هكذا رواه عن مالك موصولا مسندا عن يحيى بن يحيى «٤» ومعن بن عيسى «٥» وعبد الله بن المبارك «٦» . ورواه يحيى بن بكير «٧» وعبد الله بن يوسف «٨» عن مالك عن ابن شهاب «٩» عن حميد «١٠» مرسلا.

стр. 110

وليس هو عند القعنبى «١» لا مرسلا ولا مسندا. ومعنى قوله: «من أنفق زوجين» يعنى شيئين من نوع واحد نحو درهمين أو دينارين أو فرسين أو قمصين، وكذلك من صلى ركعتين أو مشى في سبيل الله تعالى خطوتين، أو صام يومين ونحو ذلك، وإنما أراد- والله أعلم- أقل التكرار وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر؛ لأن الاثنين أقل الجمع «٢» ، فهذا كالغيث أين وقع نفع صحب الله بلا خلق، وصحب الخلق بلا نفس؛ إذا كان مع الله عزل الخلائق من البين، وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه!. أقسام الناس في منفعة العبادة: واعلم أن للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقا أربعة، وهم في ذلك أربعة أصناف. الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل للذين يردون الأمر إلى نفس المشيئة وصرف الإرادة، فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: لم يخلق لغاية ولا لعلة هى المقصودة به ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوق أسباب تكون مقتضيات لمسبباتها، وليس في النار سبب للإحراق، ولا في الماء قوة الإغراق ولا التبريد. وهكذا الأمر عندهم سواء لا فرق بين الخلق والأمر، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا من غير أن يقوم بالمأمور صفة تقتضى حسنه ولا بالمنهى عنه صفة تقتضى قبحه، ولهذا الأصل لوازم فاسدة وفروع كثيرة، وهؤلاء غالبهم لا يجد حلاوة العبادة ولا لذتها ولا يتنعمون بها؛ ولهذا يسمون الصلاة والصيام والزكاة والحج والتوحيد والإخلاص ونحو ذلك تكاليف، أى كلفوا بها، ولو سمى مدعى محبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمر به تكليفا لم يعد محبا له.
следующие страницы →