Полный текст (259 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يحْتَاج إِلَيْهِ من الغرائب مِمَّا لم يُوَافق البَاقِينَ ابتدأه فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَانمِائَة وَفرغ فِي شَوَّال من السّنة الَّتِي تَلِيهَا وَشَرحه الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن عبد الْهَادِي السندي الْمدنِي المتوفي سنة تسع وَمِائَة وَألف وَهُوَ شرح لطيف بالْقَوْل انْتهى وَشَرحه الشَّيْخ الصَّالح التقي عبد الْغَنِيّ بن الشَّيْخ أبي سعيد المجددي الدهلوي نزيل الْمَدِينَة المنورة على صَاحبهَا الصَّلَاة والتحية حَالا وَسَماهُ إنْجَاح الْحَاجة وَهُوَ شرح مُخْتَصر طبع فِي الدهلي على هوامش السّنَن الْمَذْكُورَة أَوله الْحَمد لله نحمده ونستعينه الخ
الْفَصْل الثَّامِن فِي ذكر مُسْند الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل المتوفي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
يشْتَمل على ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث فِي أَرْبَعَة وَعشْرين مجلدا وَهُوَ فِي تِسْعَة عشر مجلدا من نُسْخَة الْوَقْف بالمستنصرية وَهُوَ كتاب جليل من جملَة أصُول الْإِسْلَام وَقد وَقع لَهُ فِيهِ مَا ينوف عَن ثَلَاثمِائَة حَدِيث ثلاثية الْإِسْنَاد
قَالَ الإِمَام فِي مُسْند أبي بكر الصّديق ﵁ وَهُوَ أول الْمسند حَدثنَا عبد الله بن نمير قَالَ أَنا اسماعيل يَعْنِي ابْن أبي خَالِد عَن قيس قَالَ قَامَ أَبُو بكر ﵁ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تقرؤن هَذِه الْآيَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وَإِنَّمَا سمعنَا رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن النَّاس إِذا رَأَوْا الْمُنكر فَلم يغيروه أوشك أَن يعمهم الله بعقابه
وَمن ثلاثياته حَدثنَا سُفْيَان عَن زيد بن أسلم سمع ابْن عمر ابْن ابْنه عبد الله بن وَاقد يَا بني سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا ينظر الله إِلَى من جر إزَاره خُيَلَاء انْتهى ألف مُسْنده وَهُوَ أصل
стр. 212
من أصُول هَذِه الْأمة جمع فِيهِ من الحَدِيث مَا لم يتَّفق لغيره ذكرُوا أَن أَحْمد بن حَنْبَل شَرط فِيهِ أَن لَا يخرج إِلَّا حَدِيثا صَحِيحا عِنْده قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ لَكِن يُقَال إِن فِيهِ أَحَادِيث مَوْضُوعَة كَمَا ذكره البقاعي وزوائده لوَلَده عبد الله
قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي فِي بُسْتَان الْمُحدثين مُسْند الإِمَام أَحْمد وَإِن كَانَ من تصنيف هَذَا الإِمَام العالي الْمقَام لَكِن فِيهِ زيادات جمة من وَلَده عبد الله وَبَعضهَا من أبي بكر الْقطيعِي الرَّاوِي لَهُ من وَلَده وَهُوَ مُشْتَمل على ثَمَانِيَة عشر مُسْندًا أَوله مُسْند الْعشْرَة المبشرة وَالثَّانِي مُسْند أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ الثَّالِث مُسْند ابْن مَسْعُود الرَّابِع مُسْند ابْن عمر الْخَامِس مُسْند عبد الله بن عَمْرو العَاصِي وَأبي رمثة السَّادِس مُسْند عَبَّاس وَولده السَّابِع مُسْند عبد الله بن عَبَّاس الثَّامِن مُسْند أبي هُرَيْرَة التَّاسِع مُسْند أنس بن مَالك خَادِم رَسُول الله ﷺ الْعَاشِر مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ الْحَادِي عشر مُسْند جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ الثَّانِي عشر مُسْند المكيين الثَّالِث عشر مُسْند الْمَدَنِيين الرَّابِع عشر مُسْند الْكُوفِيّين الْخَامِس عشر مُسْند الْبَصرِيين السَّادِس عشر مُسْند الشاميين السَّابِع عشر مُسْند الْأَنْصَار الثَّامِن عشر مُسْند عَائِشَة مَعَ مُسْند النسْوَة الْأُخْرَى وَهَذَا الْمسند كُله منقسم على اثْنَيْنِ وَسبعين وَمِائَة جُزْء وَصَاحب تجزيته حسن ابْن عَليّ الرَّاوِي لَهُ من الْقطيعِي
وَكَانَ الإِمَام أَحْمد جمعه على طَرِيق الْبيَاض وَلم يهذبه وَلم يرتبه حَتَّى رتبه بعده وَلَده عبد الله لَكِن أَخطَأ فِيهِ كثيرا حَيْثُ أَدخل الْمَدَنِيين فِي الشاميين وَبِالْعَكْسِ كَمَا نبه عَلَيْهِ الْحفاظ المتقنون ثمَّ رتبه بعض محدثي أصفهان على الْأَبْوَاب وَمَا رتبت تِلْكَ النُّسْخَة ثمَّ هذبه ورتبه الْحَافِظ نَاصِر الدّين بن زُرَيْق على الْأَبْوَاب وَقد فقدت هَذِه النُّسْخَة أَيْضا فِي حَادِثَة تيمور بِدِمَشْق ثمَّ اعتنى بترتيبه الْحَافِظ أَبُو بكر بن محب الدّين فرتبه على حُرُوف المعجم وَهُوَ فِي أَسمَاء المقلين خَاصَّة وأفرد الْحَافِظ أَبُو الْحسن الهيثمي زوائده على الصِّحَاح السِّتَّة ورتبها على الْأَبْوَاب وَالْمَشْهُور أَن مُسْند الإِمَام أَحْمد يشْتَمل على ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث وَمَعَ زيادات وَلَده على
стр. 213
أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث وَالْأول هُوَ الْمَنْقُول عَن الثِّقَات الْمُحدثين وَالله أعلم وَيُمكن التطبيق بِإِسْقَاط المكرر وتعداده فالقولان صَحِيحَانِ وَقد تقرر عِنْد الْمُحدثين أَنه مَتى اخْتلف الصَّحَابِيّ صَار الحَدِيث حَدِيثا آخر وَإِن كَانَت الْأَلْفَاظ والمعاني والقصة وَاحِدَة خلافًا لعرف الْفُقَهَاء فَإِن الِاعْتِبَار عِنْدهم للمعنى دون اللَّفْظ فَمَا دَامَ أصل الْمَعْنى وَاحِد فَالْحَدِيث وَاحِد حَتَّى لَا دخل فِيهِ للخصوصيات الزَّائِدَة فِيهِ عِنْدهم لأَنهم إِنَّمَا يرَوْنَ محط الْفَائِدَة ومأخذ الحكم لَا غير وَالْحق هُوَ هَذَا لِأَن الاستنباط يَقْتَضِي إِيَّاه
وَلما فرغ الإِمَام أَحْمد عَن مسودة مُسْنده جمع أَوْلَاده كلهم وَقَرَأَ عَلَيْهِم هَذَا الْمسند وَقَالَ هُوَ كتاب جمعته وانتخبته من سبع مائَة ألف حَدِيث وَخمسين ألف حَدِيث أَي طرق فَإِن وَقع للْمُسلمين اخْتِلَاف فِي حَدِيث من أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ يَنْبَغِي لَهُم أَن يرجِعوا إِلَيْهِ فَإِن وجدوا أَصله فِيهِ فبها ونعمت وَإِلَّا فليعلموا أَن الحَدِيث غير مُعْتَبر لَا أصل لَهُ قلت المُرَاد بِهِ أَحَادِيث بلغت دَرَجَة الشُّهْرَة أَو تَوَاتر الْمَعْنى وَإِلَّا فالأحاديث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة كَثِيرَة وَلَيْسَت هِيَ فِيهِ انْتهى
وَقَالَ الشَّيْخ الْجَلِيل أَحْمد بن إِدْرِيس الشهير بالشماع الصعدي الْمَكِّيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ عبد الله بن سَالم الْبَصْرِيّ الْمَكِّيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَجمع مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى بعد أَن تفرق أيادي سبأ وَكَاد أَن يكون كالهباء وَصحح مِنْهُ نُسْخَة صَارَت أما وكعبة لمن أما نقل مِنْهَا السَّادة الْعلمَاء نسخا تشفى الإلما وانتشرت فِي الْحَرَمَيْنِ انتشارا ضاء بِهِ آفَاق الْخَافِقين وَأرْسل ابْنه الْبَار بِوَالِديهِ برا ظَهرت بركته عَلَيْهِ نُسْخَة أوقفها بِطيبَة الشَّرِيفَة وَأُخْرَى بِجَامِع مصر المنيفة تقبل الله ذَلِك مِنْهُ آمين
قَالَ فِي كشف الظنون وَجمع غَرِيبه أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب فِي كتاب وَتُوفِّي سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة وَاخْتَصَرَهُ الشَّيْخ الإِمَام سراج الدّين عمر بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن ملقن الشَّافِعِي المتوفي سنة خمس وَثَمَانمِائَة وَعَلِيهِ تَعْلِيقه للسيوطي فِي إعرابه سَمَّاهَا عُقُود الزبرجد وَقد شرح الْمسند أَبُو الْحسن بن عبد الْهَادِي السندي نزيل
стр. 214
الْمَدِينَة المنورة المتوفي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف شرحا كَبِيرا نَحوا من خمسين كراسة كبارًا وَاخْتَصَرَهُ الشَّيْخ زين الدّين عمر بن أَحْمد الشماع الْحلَبِي وَسَماهُ الدّرّ المنتقد من مُسْند أَحْمد وصل
الْكتب المصنفة فِي علم الحَدِيث وفروعه كَثِيرَة شهيرة مَا بَين مُخْتَصر مِنْهَا ومطول كالمسانيد الْمَشْهُورَة والدواوين المأثورة والمعاجم والمستخرجات والمستدركات وَغَيرهَا الَّتِي ذَكرنَاهَا مستوعبا فِي جنان الْمُتَّقِينَ على تَرْتِيب حُرُوف الهجاء من حرف الْألف إِلَى حرف الْيَاء حسب مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ وانْتهى علمنَا إِلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُود هَهُنَا ذكر الْأُمَّهَات الَّتِي هِيَ أصُول الْإِسْلَام وَعَلَيْهَا مدَار الْأَحْكَام دون غَيرهَا لِأَن السّلف وَالْخلف جَمِيعًا قد أطبقوا على أَن أصح الْكتب بعد كتاب الله تَعَالَى صَحِيح البُخَارِيّ ثمَّ صَحِيح مُسلم ثمَّ الْمُوَطَّأ وَعند الْبَعْض الْمُوَطَّأ ثمَّ الصحيحان وَهُوَ الْأَصَح ثمَّ بَقِيَّة الْكتب السِّتَّة وَهِي جَامع التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَسنَن ابْن مَاجَه وَعند الْبَعْض الْمُوَطَّأ بدل ابْن مَاجَه كصاحب جَامع الْأُصُول يَقُول الشَّيْخ عبد الْحق الْمُحدث الدهلوي وَفِي هَذِه الْكتب الْأَرْبَعَة أَي سوى الصَّحِيحَيْنِ أَقسَام من الْأَحَادِيث من الصِّحَاح والحسان والضعاف وتسميتها بالصحاح السِّتَّة بطرِيق التغليب وسمى صَاحب المصابيح أَحَادِيث غير الشَّيْخَيْنِ بالحسان وَهُوَ قريب من هَذَا الْوَجْه قرب الْمَعْنى اللّغَوِيّ وَهُوَ اصْطِلَاح جَدِيد مِنْهُ قَالَ بَعضهم كتاب الدَّارمِيّ أَحْرَى وأليق بجعله سادس الْكتب لِأَن رِجَاله أقل ضعفا وَوُجُود الْأَحَادِيث الْمُنكرَة والشاذة فِيهِ نَادِر وَله أَسَانِيد عالية وثلاثياته أَكثر من ثلاثيات البُخَارِيّ وَهَذِه الْمَذْكُورَات من الْكتب أشهر الْكتب وَغَيرهَا من الْكتب كَثِيرَة شهيرة وَلَقَد أورد السُّيُوطِيّ فِي كتاب جمع الْجَوَامِع من كتب كَثِيرَة تتجاوز خمسين مُشْتَمِلَة على الصِّحَاح والحسان والضعاف وَقَالَ مَا أوردت فِيهَا حَدِيثا موسوما بِالْوَضْعِ اتّفق المحدثون على تَركه أَو رده وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
стр. 215
- الْبَاب الْخَامِس فِي تراجم أَصْحَاب الْأُمَّهَات السِّت وَالْإِمَام مَالك وَأحمد بن حَنْبَل ﵃ أَجْمَعِينَ وَفِيه فُصُول
-
فَإِنَّهُ لَا يطمئن قلب بِكِتَاب مؤلف وَلَا يسكن فكر من رأى روض مُصَنف مالم يعرف غارس أشجاره ومفوف أزهاره إِذْ بِذَاكَ يتم علم مِقْدَاره وتصفو النَّفس بالتروح بَين ورده وبهاره وَكَأَنَّهُ نسب الْكتاب وَمِنْه المبدأ وَإِلَيْهِ المآب
الْفَصْل الأول فِي تَرْجَمَة الإِمَام مَالك
الإِمَام أَبُو عبد الله مَالك بن أنس بن أبي عَامر بن عَمْرو بِالْفَتْح بن الْحَارِث بن غيمان بغين مُعْجمَة وياء تحتهَا نقطتان وَيُقَال عُثْمَان بِعَين مُهْملَة وثاء مُثَلّثَة بن جثيل بجيم وثاء مُثَلّثَة وياء سَاكِنة تحتية كَذَا ضَبطه الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ ابْن سعد هُوَ خثيل بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة ومثلثة مَفْتُوحَة بِصِيغَة التصغير كَذَا ضَبطه الْحَافِظ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة فِي ذكر أبي عَامر بن عَمْرو وَذكره الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة وَقَالَ لم أر من ذكره من الصَّحَابَة وَقد كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ ولابنه مَالك رِوَايَة عَن عُثْمَان وَغَيره من الصَّحَابَة وَاكْتفى الْحَافِظ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة على هَذَا الْقدر وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خَلِيل فِي شرح مُخْتَصر الْخَلِيل وَهِي رِسَالَة مَشْهُورَة فِي فقه مَالك رائجة متداولة فِي الديار المغربية
стр. 216
وَأما أَبُو عَامر فجد أبي مَالك صَحَابِيّ شهد الْمَغَازِي كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ خلا بدر كَذَا فِي ديباج الْمذَاهب لِابْنِ فَرِحُونَ وَهُوَ خثيل ابْن عمر بن ذِي أصبح واسْمه الْحَارِث الأصبحي الْمدنِي والأصبحي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعدهَا حاء مُهْملَة هَذِه النِّسْبَة إِلَى ذِي أصبح بن عَوْف بن مَالك إِمَام دَار الْهِجْرَة وَأحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام ولد سنة خمس وَتِسْعين وَقَالَ يحيى بن بكير سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَهُوَ من أجل تلامذته وَحَمَلته أمه ثَلَاث سِنِين فِي بَطنهَا وَقيل سنتَيْن وَجلسَ للنَّاس وَهُوَ ابْن سبع عشرَة سنة وَعرفت لَهُ الامامة
قَالَ الْوَاقِدِيّ مَاتَ وَله تسعون سنة قَالَ ابْن خلكان توفّي فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وَسبعين وَمِائَة فَعَاشَ أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ ابْن الْفُرَات فِي تأريخه توفّي لعشر مضين من شهر ربيع الأول وَقيل أَنه توفّي سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَقيل مولده سنة تسعين من الْهِجْرَة وَقَالَ السَّمْعَانِيّ ولد سنة ثَلَاث وَأَرْبع وَتِسْعين وَالله أعلم بِالصَّوَابِ ولبعضهم فِي وِلَادَته وعمره ووفاته نظم
(فَخر الْأَئِمَّة مَالك ... نعم الإِمَام السالك)
(مولده نجم هدى ... وَفَاته فَازَ مَالك)
قَالَ ابْن خلكان كَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ وَكَانَ شَدِيد الْبيَاض إِلَى الشقرة طَويلا عَظِيم الهامة أصلع يلبس الثِّيَاب العدنية الْجِيَاد وَيكرهُ حلق الشَّارِب ويعيبه وَيَرَاهُ من الْمثلَة وَلَا يُغير شَيْبه ورثاه أَبُو مُحَمَّد جَعْفَر بن أَحْمد بن الْحُسَيْن السراج بقوله نظم
(سقى جدثا ضم البقيع لمَالِك ... من المزن مرعاد السحائب مبراق)
(إِمَام موطأه الَّذِي طبقت بِهِ ... أقاليم فِي الدُّنْيَا فساح وآفاق)
(أَقَامَ بِهِ شرع النَّبِي مُحَمَّد ... لَهُ حذر من أَن يضام وإشفاق)
(لَهُ سَنَد عَال صَحِيح وهيبة ... فللكل مِنْهُ حِين يرويهِ إطراق)
(وَأَصْحَاب صدق كلهم علم فسل ... بهم إِنَّهُم إِن أَنْت ساءلت حذاق)
(وَلَو لم يكن إِلَّا بن ادريس وَحده ... كَفاهُ إِلَّا أَن السَّعَادَة إرزاق)
стр. 217
قَالَ صَاحب التَّيْسِير هُوَ إِمَام أهل الْحجاز بل إِمَام النَّاس فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَكَفاهُ فخرا أَن الشَّافِعِي من أَصْحَابه وَقَالَ الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي كَانَ ثِقَة مَأْمُونا ورعا فَقِيها مُحدثا حجَّة من تبع التَّابِعين قَالَ ابْن خلكان أَخذ الْقِرَاءَة عرضا عَن نَافِع بن أبي نعيم وَسمع الزُّهْرِيّ ونافعا مولى ابْن عمر وروى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ وَيحيى بن سعيد وَأخذ الْعلم عَن ربيعَة الرَّأْي وَأفْتى مَعَه عِنْد السُّلْطَان قَالَ مَالك كل رجل كنت أتعلم مِنْهُ مَا مَاتَ حَتَّى يجيئني ويستفتيني وَقَالَ ابْن وهب سَمِعت مناديا يُنَادي بِالْمَدِينَةِ أَلا لَا يُفْتى النَّاس إِلَّا مَالك بن أنس وَابْن أبي ذِئْب وَفِي تيسير الْوُصُول أَخذ عَنهُ الْعلم خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة مِنْهُم الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن دِينَار وَابْن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي وَعبد الْعَزِيز ابْن أبي حَازِم وَهَؤُلَاء نظراؤه من أَصْحَابه ومعين بن عِيسَى الْقَزاز وَعبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَاجشون وَيحيى بن يحيى الأندلسي وعبد الله بن مسلمة القعْنبِي وعبد الله بن وهب واصبغ بن الْفرج وَهَؤُلَاء مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَغَيرهم من أَئِمَّة الحَدِيث
وروى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُوشك أَن يضْرب النَّاس بأكباد الْإِبِل يطْلبُونَ الْعلم فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة قَالَ وَهَذَا حَدِيث حسن قَالَ عبد الرَّزَّاق وسُفْيَان بن عيينه أَنه مَالك بن أنس وَلَقَد حدث يَوْمًا عَن ربيعَة الرَّأْي بن عبد الرَّحْمَن فاستزاد الْقَوْم من حَدِيثه فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ بربيعة وَهُوَ نَائِم فِي تِلْكَ الطاق فَأتى ربيعَة فَقيل لَهُ أَنْت ربيعَة الَّذِي يحدث عَنْك مَالك قَالَ نعم فَقيل لَهُ فَكيف حظي بك مَالك وَلم تحظ أَنْت بِنَفْسِك قَالَ أما علمْتُم أَن مِثْقَالا من دولت خير من حمل علم قَالَ يحيى بن سعيد مَا فِي الْقَوْم أصح حَدِيث من مَالك وَقَالَ وهب بن خَالِد لَيْسَ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب أحد أَمن على حَدِيث رَسُول الله ﷺ من مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي لَوْلَا مَالك وَابْن عُيَيْنَة لذهب علم أهل الْحجاز وَقَالَ إِذا ذكر الْعلمَاء فمالك النَّجْم وَأنْشد الشَّيْخ أَبُو طَاهِر إِبْرَاهِيم كَمَا أوردهُ السَّيِّد المرتضى فِي الْمجَالِس الْحَنَفِيَّة نظم
стр. 218
(إِذا قيل من نجم الحَدِيث وَأَهله ... أشاروا أولُوا الْأَلْبَاب يعنون مَالِكًا)
(إِلَيْهِ تناهى علم دين مُحَمَّد ... فوطأ فِيهِ للراة المسالكا)
(ونظم بالتصنيف أسبل نثره ... وأوضح مالولاه قد كَانَ حالكا)
(وأحيى دروس الْعلم شرقا ومغربا ... تقدم فِي تِلْكَ المسالك سالكا)
(وَقد جَاءَ فِي الْآثَار من ذَاك شَاهد ... على أَنه فِي الْعلم خص بذلكا)
(فَمن كَانَ ذَا طعن على علم مَالك ... وَلم يقتبس من نوره كَانَ هَالكا)
قَالَ الشَّافِعِي قَالَ لي مُحَمَّد بن الْحسن أَيهمَا أعلم صاحبنا أَو صَاحبكُم يَعْنِي أَبَا حنيفَة ومالكا ﵄ قلت على الانصاف قَالَ نعم قلت ناشدتك الله من أعلم بِالْقُرْآنِ صاحبنا أم صَاحبكُم قَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم قلت ناشدك الله من أعلم بِالسنةِ صاحبنا أم صَاحبكُم قَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم قلت ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الْمُتَقَدِّمين صاحبنا أم صَاحبكُم قَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم قَالَ الشَّافِعِي فَلم يبْق إِلَّا الْقيَاس وَالْقِيَاس لَا يكون إِلَّا على هَذِه الْأَشْيَاء فعلى أَي شَيْء تقيس
وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك كنت عِنْد مَالك وَهُوَ يحدث فلدغته عقرب سِتّ عشرَة مرّة وَهُوَ يتَغَيَّر لَونه ويصفر وَلَا يقطع حَدِيث رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا فرغ من الْمجْلس وتفرق النَّاس قلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله لقد رَأَيْت الْيَوْم مِنْك عجبا فَقَالَ نعم وَأخْبرهُ إِنَّمَا صبرت إجلالا لحَدِيث رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ مَالك يَأْتِي الْمَسْجِد وَيشْهد الصَّلَاة وَالْجُمُعَة والجنائز وَيعود المرضى وَيَقْضِي الْحُقُوق وَيجْلس فِي الْمَسْجِد ويجتمع إِلَيْهِ أَصْحَابه ثمَّ ترك الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد فَكَانَ يُصَلِّي وينصرف إِلَى مَجْلِسه وَترك حُضُور الْجَنَائِز فَكَانَ يَأْتِي أَهلهَا فيعزيهم ثمَّ ترك ذَلِك كُله فَلم يكن يشْهد الصَّلَوَات فِي الْمَسْجِد وَلَا الْجُمُعَة وَلَا يَأْتِي أحدا يعزيه وَلَا يقْضِي لَهُ حَقًا وَاحْتمل النَّاس لَهُ ذَلِك حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ وَكَانَ رُبمَا قيل لَهُ فِي ذَلِك فَيَقُول لَيْسَ كل النَّاس يقدر أَن يتَكَلَّم بِعُذْرِهِ
стр. 219
وسعى بِهِ إِلَى جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ وَهُوَ عَم أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِنَّه لَا يرى إِيمَان بيعتكم هَذِه بِشَيْء فَغَضب جَعْفَر ودعا بِهِ وجرده وضربه بالسياط ومدت يَده حَتَّى انخلعت كتفه وارتكب مِنْهُ أمرا عَظِيما فَلم يزل بعد ذَلِك الضَّرْب فِي علو رفْعَة وكأنما كَانَت تِلْكَ السِّيَاط حليا حلي بِهِ وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي شذور الْعُقُود فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وفيهَا ضرب مَالك بن أنس سبعين سَوْطًا لأجل فَتْوَى لم توَافق غَرَض السُّلْطَان وَالله أعلم
وَحكى الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْحميدِي فِي كتاب جذوه المقتبس قَالَ حدث القعْنبِي قَالَ دخلت على مَالك بن أنس فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَسلمت عَلَيْهِ ثمَّ جَلَست فرأيته يبكي فَقلت يَا أَبَا عبد الله ماالذي يبكيك فَقَالَ لي يَا ابْن قعنب وَمَالِي لَا أبْكِي وَمن أَحَق بالبكاء مني وَالله لَوَدِدْت أَنِّي ضربت بِكُل مَسْأَلَة أَفْتيت فِيهَا بِرَأْي بِسَوْط سَوط وَقد كَانَت لي السعَة فِيمَا قد سبقت إِلَيْهِ وليتني لم أفت بِالرَّأْيِ أَو كَمَا قَالَ ذكره ابْن خلكان وَفِي إحْيَاء عُلُوم الدّين للغزالي وَأما الإِمَام مَالك فَإِنَّهُ كَانَ أَيْضا متحليا بِهَذِهِ الْخِصَال الْخمس فَإِنَّهُ قيل لَهُ مَا تَقول يَا مَالك فِي طلب الْعلم فَقَالَ حسن جميل وَلَكِن أنظر إِلَى الَّذِي يلزمك من حِين تصبح إِلَى حِين تمسي فألزمه وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَعْظِيم علم الدّين مبالغا حَتَّى كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يحدث تَوَضَّأ وَجلسَ على صدر فرَاشه وسرح لحيته وَاسْتعْمل الطّيب وَتمكن فِي الْجُلُوس على وقار وهيبة ثمَّ حدث فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أحب أَن أعظم حَدِيث رَسُول الله ﷺ انْتهى وَزَاد ابْن خلكان وَلَا أحدث بِهِ إِلَّا مُتَمَكنًا على طَهَارَة وَكَانَ يكره أَن يحدث على الطَّرِيق أَو قَائِما أَو مستعجلا وَيَقُول
стр. 220
أحب أَن أتفهم مَا أحدث بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ انْتهى وَزَاد صَاحب التَّيْسِير وَكَانَ مهابا ولبعض أهل الْمَدِينَة فِيهِ نظم
(يدع الْجَواب فَلَا يُرَاجع هَيْبَة ... والسائلون نواكس الأذقان)
(أدب الْوَقار وَعز سُلْطَان التقى ... فَهُوَ المطاع وَلَيْسَ ذَا سُلْطَان) انْتهى
ونسبهما الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ وَالله أعلم قَالَ فِي الْإِحْيَاء قَالَ مَالك الْعلم نور يَجعله الله حَيْثُ يَشَاء وَلَيْسَ بِكَثْرَة الرِّوَايَة وَهَذَا الاحترام والتوقير يدل على قُوَّة مَعْرفَته بِجلَال الله تَعَالَى وَأما إِرَادَته وَجه الله تَعَالَى بِالْعلمِ فَيدل عَلَيْهِ قَول الْجِدَال فِي الدّين لَيْسَ بِشَيْء وَيدل عَلَيْهِ قَول الشَّافِعِي إِنِّي شهِدت مَالِكًا وَقد سُئِلَ عَن ثَمَان وَأَرْبَعين مَسْأَلَة فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي وَمن يرد غير وَجه الله تَعَالَى بِعِلْمِهِ فَلَا تسمح نَفسه بِأَن يقر على نَفسه بِأَنَّهُ لَا يدْرِي وَلذَلِك قَالَ الشَّافِعِي إِذا ذكر الْعلمَاء فمالك النَّجْم الثاقب وَمَا أحد آمن عَليّ من مَالك
وَرُوِيَ أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور مَنعه من رِوَايَة الحَدِيث فِي طَلَاق الْمُكْره ثمَّ دس عَلَيْهِ من يسْأَله فروى على مَلأ من النَّاس لَيْسَ على مستكره طَلَاق فَضَربهُ بالسياط وَلم يتْرك رِوَايَة الحَدِيث وَقَالَ مَالك مَا كَانَ رجل صَادِقا فِي حَدِيثه وَلَا يكذب إِلَّا متع بعقله وَلم تصبه مَعَ الْهَرم آفَة وَلَا خرف وَأما زهده فِي الدُّنْيَا فَيدل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَن الْمهْدي أَمِير الْمُؤمنِينَ سَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ هَل لَك من دَار فَقَالَ لَا وَلَكِن أحَدثك فِيهِ حَدِيثا سَمِعت ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن يَقُول نسب الْمَرْء دَاره وَسَأَلَهُ الرشيد هَل لَك دَار فَقَالَ لَا فَأعْطَاهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَقَالَ اشْتَرِ بهَا دَارا فَأَخذهَا وَلم ينفقها فَلَمَّا أَرَادَ الرشيد الشخوص قَالَ لمَالِك يَنْبَغِي أَن تخرج مَعنا قَالَ عزمت أَن أحمل النَّاس على الْمُوَطَّأ كَمَا حمل عُثْمَان النَّاس على الْقُرْآن فَقَالَ أما حمل النَّاس على
стр. 221
الْمُوَطَّأ فَلَيْسَ إِلَيْهِ سَبِيل لِأَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ افْتَرَقُوا بعده فِي الْأَمْصَار فَحَدثُوا فَعِنْدَ كل أهل مصر علم وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ اخْتِلَاف أمتِي رَحْمَة وَأما الْخُرُوج مَعَك فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ وَقَالَ ﵊ الْمَدِينَة تَنْفِي خبثها كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَهَذِه دنانيركم كَمَا هِيَ إِن شِئْتُم فخذوها وَإِن شِئْتُم فدعوها يَعْنِي إِنَّك إِنَّمَا كلفتني مُفَارقَة الْمَدِينَة لما اصطنعته إِلَيّ فَلَا أُؤْثِر الدُّنْيَا على مَدِينَة الرَّسُول ﷺ فَهَكَذَا كَانَ زهد مَالك فِي الدُّنْيَا
وَلما حملت إِلَيْهِ الْأَمْوَال الْكَثِيرَة من أَطْرَاف الدُّنْيَا لانتشار علمه وَأَصْحَابه كَانَ يفرقها فِي وُجُوه الْخَيْر وَدلّ سخاؤه على زهده وَقلة حبه للدنيا وَلَيْسَ الزّهْد فقد المَال وَإِنَّمَا الزّهْد فرَاغ الْقلب عَنهُ وَلَقَد كَانَ سُلَيْمَان ﵇ فِي ملكه من الزهاد وَيدل على احتقاره للدنيا مَا رُوِيَ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ رَأَيْت على بَاب مَالك كُرَاعًا من أَفْرَاس خُرَاسَان وبغال مصر مَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ فَقلت لمَالِك مَا أحْسنه فَقَالَ هُوَ هَدِيَّة مني إِلَيْك يَا أَبَا عبد الله فَقلت دع لنَفسك مِنْهَا دَابَّة تركبها فَقَالَ إِنِّي أستحي من الله تَعَالَى أَن أَطَأ تربة فِيهِ نَبِي الله ﷺ بحافر دَابَّة فَانْظُر إِلَى سخائه إِذْ وهب جَمِيع ذَلِك دفْعَة وَاحِدَة وَإِلَى توقيره لتربة الْمَدِينَة وَيدل على إِرَادَته بِالْعلمِ وَجه الله تَعَالَى واستحقاره للدنيا مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ دخلت على هَارُون الرشيد فَقَالَ لي يَا أَبَا عبد الله يَنْبَغِي أَن يخْتَلف إِلَيْنَا حَتَّى يسمع صبياننا مِنْك الْمُوَطَّأ قَالَ فَقلت أعز الله مَوْلَانَا الْأَمِير إِن هَذَا الْعلم مِنْكُم خرج فَإِن أَنْتُم اعززتموه عز وَإِن أَنْتُم أذللتموه ذل وَالْعلم يُؤْتى وَلَا يَأْتِي فَقَالَ صدقت أخرجُوا إِلَى الْمَسْجِد حَتَّى تسمعوا مَعَ النَّاس انْتهى
وَقَالَ صَاحب بُسْتَان الْمُحدثين فِي تَرْجَمته رُوِيَ أَنه كَانَ يفتل سبلته إِذا أهمه أَمر وَقَالَ أَشهب وَكَانَ إِذا اعتم سدل عمَامَته بَين كَتفيهِ أَي أرسل وأرخى طرفها الَّذِي يُقَال لَهَا العلاقة ولفها تَحت الحنك وَكَانَ إِذا اكتحل يلْزم بَيته وَلَا يخرج وَيرى الاكتحال مَكْرُوها
стр. 222
إِلَّا من عِلّة وَمرض وَكَانَ خَاتمه من فضه وفصه أسود ونقشه حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فَسَأَلَهُ مطرف عَن اخْتِيَار هَذَا النقش قَالَ سَمِعت الله يَقُول فِي حق الْمُؤمنِينَ قَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فَأَحْبَبْت أَن تكون تِلْكَ الْكَلِمَة دَائِما نقش ضميري وَنصب عَيْني وَكَانَ مَكْتُوبًا على بَاب دَاره مَا شَاءَ الله فَسئلَ عَنهُ فَقَالَ يَقُول الله ﴿وَلَوْلَا إِذْ دخلت جنتك قلت مَا شَاءَ الله﴾ دَاري هَذِه هِيَ جنتبي فَأُرِيد ذكرهَا حِين أدخلهُ وَأحب أَن تجْرِي هَذِه على لساني
وَكَانَ بَيت الإِمَام بَيت عبد الله بن مَسْعُود ﵁ وَكَانَ مَجْلِسه من مَسْجِد النَّبِي ﷺ مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵁ وَقَالَ مَا جالست مُدَّة عمري سَفِيها وَلَا خَفِيف عقل قَالَ الإِمَام أَحْمد وَهَذَا أَمر عَظِيم لم يتَّفق لغير مَالك وَلَيْسَ فِي زمرة الْعلمَاء فَضِيلَة أحسن مِنْهُ فَإِن صُحْبَة السُّفَهَاء تظلم نور الْعلم وتنزل الرجل عَن ذرْوَة التَّحْقِيق وتلقيه فِي حضيض التَّقْلِيد وَلم يره أحد آكلا وَلَا شاربا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُل وَلَا يشرب إِلَّا فِي الْخلْوَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك التَّمْكِين وَالْوَقار
كَانَ فِي مرتبَة عَظِيمَة من حسن الْخلق مَعَ الْأَهْل وَالْولد والخدم والحشم وَكَانَ يتأسى فِي ذَلِك سنة النَّبِي ﷺ وسيرة الصَّحَابَة الْكِرَام وَكَانَ وافر الْحِرْص فِي طلب الْعلم حَتَّى قلع سقف بَيته فِي بَدْء أمره وَبَاعَ خشبه فِي أَمر الْكتاب ثمَّ هجمت عَلَيْهِ الْفتُوح الْعَظِيمَة وَكَانَ أتم الْحِفْظ قَالَ مَا نسيت شَيْئا قطّ بعد أَن حفظته وتوفت فِي زَمَانه امْرَأَة بِالْمَدِينَةِ فغسلتها الغسالة فحين وضعت يَدهَا على فرجهَا قَالَت طالما عصى ربه هَذَا الْفرج فلصقت يَد الغسالة بهَا وَلم يعلمُوا مَا يَفْعَلُوا لتفترق يَدهَا عَنْهَا وَلما عجزوا عَنْهَا رجعُوا إِلَى الْعلمَاء فَلم يهتدوا إِلَى سَبِيل فَقَالَ الإِمَام مَالك عِنْدِي أَن تضربوا الغسالة حد الْقَذْف فضربوها حد الْقَذْف وَهُوَ ثَمَانُون جلدَة فافترقت يَدهَا عَن فرج الْمَيِّت واستقرت ورسخت إِمَامَة الإِمَام ورئاسته فِي أذهان النَّاس من يَوْمئِذٍ
стр. 223
قَالَ مَالك كتبت بيَدي ألف حَدِيث وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لم يتَّفق لأحد مَا اتّفق لمَالِك فَإِنَّهُ روى عَنهُ راويان حَدِيثا وَاحِدًا وَبَين وفاتهما ثَلَاثُونَ وَمِائَة سنة أَحدهمَا مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ أستاذ الإِمَام فَإِنَّهُ روى حَدِيث فريعة بنت مَالك بن سِنَان فِي بَاب سُكْنى الْمُعْتَدَّة عَن مَالك بن أنس وَالْآخر أَبُو حذافة السَّهْمِي تلميذ مَالك وَصَاحب رِوَايَة الْمُوَطَّأ فَإِنَّهُ أَيْضا روى هَذَا الحَدِيث عَنهُ وَمَات الزُّهْرِيّ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة وَأَبُو حذافة سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ ونيف قلت رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن مَالك من قبيل رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَلَا تَخْلُو عَن ندرة وَلأَهل الحَدِيث كتب فِي هَذَا الْبَاب وتفاوت الراويين عَن شيخ وَاحِد هَذَا الْقدر فِي الْوَفَاة أَيْضا لَا تَخْلُو عَن غرابة وَيُقَال لَهُ فِي عرف الْمُحدثين السَّابِق واللاحق
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي شرح نخبة الْفِكر أَكثر مَا وقفنا عَلَيْهِ فِي ذَلِك تفَاوت مائَة وَخمسين سنة ثمَّ أورد لَهُ مِثَالا وَالْغَالِب أَن تفَاوت هَذَا الْمِقْدَار تحصل فِي صُورَة رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَكَانَ مجْلِس الإِمَام مجْلِس الهيبة وَالْوَقار لم تكن فِيهِ الْأَصْوَات وَلَا تسمع فِيهِ لاغية وَكَانَ لَا يقْرَأ لأحد بل كَانُوا يقرأون عَلَيْهِ وَهُوَ يسمع وَكَانَت جمَاعَة من أهل الْعرَاق فِي زَمَانه لَا يرَوْنَ الْقِرَاءَة على الشَّيْخ من وُجُوه تحمل الحَدِيث بل كَانُوا يطْلبُونَ السماع من لفظ الشَّيْخ فَاخْتَارَ أَكثر عُلَمَاء الْمَدِينَة والحجاز هَذَا الطَّرِيق دفعا لوهمهم وَإِلَّا فالمأثور فِي الْقَدِيم هُوَ قِرَاءَة الشَّيْخ على التلميذ
وَقد اتّفق ليحيى بن بكير أَنه سمع الْمُوَطَّأ من مَالك فِي مجْلِس إفادته بقرَاءَته أَربع عشرَة مرّة وَكَانَ مَالك لكَمَال أدبه مَعَ حَدِيث رَسُول الله ﷺ لَا يجلس إِلَّا على هَيْئَة وَاحِدَة فِي إسماع الحَدِيث وإفادته وَكَانَ لَا يقلب رجلَيْهِ ويحتاط فِيهِ احْتِيَاطًا تَاما وَكَانَ مجتنبا عَن الْغَائِط فِي حد الْحرم مُدَّة عمره إِلَّا عِنْد مَرضه وَشدَّة الضَّرُورَة
قَالَ بشر الحافي من زِينَة الدُّنْيَا ونعمتها أَن يَقُول الرجل حَدثنَا مَالك يَعْنِي بلغت أبهة الإِمَام وشوكته مبلغا يعد تِلْمِيذه من جملَة مفاخر
стр. 224
الدُّنْيَا مَعَ أَنه من وَسَائِل الْآخِرَة وَأُمُور الدّين وَكَثِيرًا مَا كَانَ يتَمَثَّل بِهَذَا الْبَيْت شعر
(وَخير أُمُور الدّين مَا كَانَ سنة ... وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع)
وَمن كَلَامه لَا يَنْبَغِي للْعَالم أَن يتَكَلَّم بِالْعلمِ عِنْد من لَا يطيقه فَإِنَّهُ ذل وإهانة للْعلم وَلما صنف كتاب الْمُوَطَّأ فِي الحَدِيث عمل عُلَمَاء الْمَدِينَة الموطآت على منواله فَقيل لمَالِك قد شاركك النَّاس فِي مثل هَذَا التصنيف فَلم تكلّف هَذَا الْقدر نَفسك قَالَ إئتوني بهَا أنظرها فَلَمَّا نظر فِيهَا قَالَ عَسى أَن يعلمُوا أَي عمل وَقع لوجه الله تَعَالَى فَكَانَ كَذَلِك وَلم يبْق لموطآت الآخرين اسْم وَلَا رسم إِلَّا مَا يذكر من موطأ ابْن أبي ذِئْب وَأما موطأ مَالك فَهُوَ مخدوم طوائف الْأَنَام وبضاعة الِاجْتِهَاد لعلماء الْإِسْلَام وَالْقَبُول بِقدر النِّيَّة
وروى الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي حلية الْأَوْلِيَاء فِي تَرْجَمَة مَالك بِسَنَد صَحِيح عَن سهل بن مُزَاحم الْمروزِي وَكَانَ من عباد وقته وَأَصْحَاب عبد الله بن الْمُبَارك أَنه قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام وَقلت يَا رَسُول الله قد مضى عصرك وانقضى فَإِن وَقع لي شكّ وشبهة فِي الخاطر فِي أَمر من أُمُور الدّين فَمِمَّنْ أتحققه قَالَ مَا أشكل عَلَيْك فَاسْأَلْهُ عَن مَالك بن أنس
وَرُوِيَ أَيْضا عَن مطرف أَن أَبَا عبد الله من موَالِي الليثيين قَالَ تشرفت بزيارة رَسُول الله ﷺ أَي فِي النّوم فرأيته جَالِسا فِي الْمَسْجِد وَحَوله رجال كالحلقة وَرَأَيْت مَالِكًا قَائِما بَين يَدَيْهِ وَعِنْده ﷺ مسك يُعْطِيهِ مَالِكًا قَبْضَة قَبْضَة وَمَالك يَنْثُرهُ على النَّاس فعبرت هَذِه الرُّؤْيَا بِظُهُور الْعلم النَّبَوِيّ أَولا فِي مَالك ثمَّ بواسطته فِي الآخرين
وَرُوِيَ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رمح التجِيبِي الْمصْرِيّ أستاذ مُسلم بن الْحجَّاج صَاحب الصَّحِيح أَنه قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي النّوم وَقلت نَحن مُخْتَلفُونَ فِي مَالك وَلَيْث أَيهمَا أعلم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَالك وَارِث سَرِيرِي ففهمت حِينَئِذٍ المُرَاد بِهِ أَنه وَارِث علمي
стр. 225
وَرُوِيَ عَن يحيى بن خلف بن الرّبيع الطرطوسي وَكَانَ من صلحاء عصره وَعباد دهره أَنه قَالَ حضرت يَوْمًا عِنْد مَالك فَأتى رجل وَقَالَ مَا نقُول فِي الْقُرْآن أهوَ مَخْلُوق أم لَا فَقَالَ الإِمَام اقْتُلُوا هَذَا الزنديق فَإِنَّهُ سيتولد فِي كَلَامه فتن كَثِيرَة وَقد عَمت الْبلوى بعد مَالك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقتلت جماعات كَثِيرَة من أهل السّنة على عدم القَوْل بهَا وَكَذَا رُوِيَ عَن جَعْفَر بن عبد الله أَنه قَالَ كُنَّا عِنْد مَالك فَسَأَلَهُ رجل عَن تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَيفَ هَذَا الاسْتوَاء فأظهر مَالك الملال الْكثير من هَذَا السُّؤَال وأطرق مَلِيًّا وتفكر كثيرا حَتَّى عرق جَبينه ثمَّ قَالَ الكيف مِنْهُ مَعْقُول والاستواء مِنْهُ مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة ثمَّ أَمر بِإِخْرَاجِهِ
وَرُوِيَ عَن أبي عرُوبَة وَهُوَ من أَوْلَاد الزبير ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد مَالك يَوْمًا فَإِذا رجل أَتَى وَذكر نقائص الصَّحَابَة ومساوئهم فَقَالَ مَالك اسْمَع ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ حَتَّى بلغ إِلَى ﴿ليغيظ بهم الْكفَّار﴾ ثمَّ قَالَ من كَانَ فِي بَاطِنه سيء الظَّن بالصحابة ويعيش عدوا لَهُم فَهُوَ دَاخل فِي هَذَا اللَّفْظ فَافْهَم انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ مُلَخصا ومترجما من الفارسية بِالْعَرَبِيَّةِ
وَكَانَ لَا يركب فِي الْمَدِينَة المنورة مَعَ ضعفه وَكبر سنه وَيَقُول استحي من الله أَن أَطَأ تربة فِيهَا قبر رَسُول الله ﷺ وَقد بلغ بِهَذَا الْأَدَب مَا بلغ وَكَانَ رَأس الْمُتَّقِينَ وَمن كبار تبع التَّابِعين وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة ومقنع
стр. 226
الْفَصْل الثَّانِي فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ
الإِمَام حَافظ الْإِسْلَام خَاتِمَة الجهابذة النقاد الْأَعْلَام شيخ الحَدِيث وطبيب علله فِي الْقَدِيم والْحَدِيث أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن اسماعيل بن إِبْرَاهِيم ابْن الْمُغيرَة بن بردزبه وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ الزراع الْجعْفِيّ وَكَانَ بردزبه فارسيا على دين قومه ثمَّ أسلم وَلَده الْمُغيرَة على يَد الْيَمَان الْجعْفِيّ وَالِي بُخَارى فنسب إِلَيْهِ نِسْبَة وَلَاء عملا بِمذهب من يرى أَن من أسلم على يَد شخص كَانَ وَلَاؤُه لَهُ وَلذَا قيل للْبُخَارِيّ الْجعْفِيّ ويمان هَذَا هُوَ جد الْمُحدث عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن يمَان الْجعْفِيّ المسندي
قَالَ الْحَافِظ بن حجر وَأما إِبْرَاهِيم بن الْمُغيرَة فَلم نقف على شَيْء من أخباره وَأما وَالِد البُخَارِيّ فقد ذكرت لَهُ تَرْجَمَة فِي كتاب الثِّقَات لِابْنِ حبَان فَقَالَ فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة اسماعيل بن إِبْرَاهِيم وَالِد البُخَارِيّ يروي عَن حَمَّاد بن زيد وَمَالك روى عَنهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَذكره وَلَده فِي التَّارِيخ الْكَبِير فَقَالَ اسماعيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغيرَة سمع من مَالك وَحَمَّاد بن زيد وَصَحب ابْن الْمُبَارك
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تأريخ الْإِسْلَام وَكَانَ أَبُو البُخَارِيّ من الْعلمَاء الورعين وَحدث عَن أبي مُعَاوِيَة وَجَمَاعَة وروى عَنهُ أَحْمد بن جَعْفَر وَنصر بن الْحُسَيْن قَالَ أَحْمد بن حَفْص دخلت على أبي الْحسن اسماعيل بن إِبْرَاهِيم عِنْد مَوته فَقَالَ لَا أعلم فِي جَمِيع مَالِي درهما من شُبْهَة فَقَالَ أَحْمد فتصاغرت إِلَيّ نَفسِي عِنْد ذَلِك
وَكَانَ مولد أبي عبد الله البُخَارِيّ يَوْم الْجُمُعَة بعد الصَّلَاة لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال وَقَالَ ابْن كثير لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّالِث عشر من شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة ببخارى وَهِي من أعظم مدن مَا وَرَاء النَّهر بَينهمَا وَبَين سَمَرْقَنْد ثَمَانِيَة أَيَّام وَتوفى أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ يَتِيما فِي حجر والدته وَكَانَ نحيفا لَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير وَكَانَ فِيمَا ذكره غُنْجَار فِي تأريخ بُخَارى واللالكائي فِي شرح السّنة فِي بَاب كرامات
стр. 227
الْأَوْلِيَاء وَغَيرهمَا قد ذهبت عَيناهُ فِي صغره فرأت أمه إِبْرَاهِيم ﵇ فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهَا قد رد الله على ابْنك بَصَره بِكَثْرَة دعائك لَهُ فَأصْبح وَقد رد الله عَلَيْهِ بَصَره
قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي حَاتِم وراق قلت للْبُخَارِيّ كَيفَ كَانَ بَدْء أَمرك قَالَ ألهمت الحَدِيث فِي الْمكتب ولي عشر سِنِين أَو أقل ثمَّ خرجت من الْمكتب بعد الْعشْر فَجعلت أختلف إِلَى الداخلي وَغَيره فَقَالَ يَوْمًا فِيمَا كَانَ يقْرَأ للنَّاس سُفْيَان عَن أبي الزبير عَن إِبْرَاهِيم فَقلت لَهُ إِن أَبَا الزبير لم يرو عَن إِبْرَاهِيم فَانْتَهرنِي فَقلت لَهُ ارْجع إِلَى الأَصْل إِن كَانَ عنْدك فَدخل فَنظر فِيهِ ثمَّ خرج فَقَالَ لي كَيفَ هُوَ يَا غُلَام فَقلت هُوَ الزبير بن عدي عَن إِبْرَهِيمُ فَأخذ الْقَلَم مني وَأصْلح كِتَابه وَقَالَ صدقت فَقَالَ بعض أَصْحَاب البُخَارِيّ لَهُ ابْن كم كنت قَالَ ابْن احدى عشرَة سنة فَلَمَّا طعنت فِي سِتّ عشرَة سنة حفظت كتب ابْن الْمُبَارك ووكيع وَعرفت كَلَام هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَاب الرَّأْي ثمَّ خرجت مَعَ أخي أَحْمد وَأمي إِلَى مَكَّة فَلَمَّا حججْت رَجَعَ أخي إِلَى بُخَارى فَمَاتَ بهَا وَكَانَ أَخُوهُ أسن مِنْهُ وَأقَام هُوَ بِمَكَّة يطْلب الحَدِيث قَالَ وَلما طعنت فِي ثَمَانِي عشرَة صنفت كتاب قضايا الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأقاويلهم وصنفت التَّارِيخ الْكَبِير إِذْ ذَاك عِنْد قبر النَّبِي ﷺ فِي اللَّيَالِي المقمرة وَقل اسْم فِي التَّارِيخ إِلَّا وَله عِنْدِي قصَّة إِلَّا أَنِّي كرهت تَطْوِيل الْكتاب وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي عتاب الْأَعْين كتبنَا عَن مُحَمَّد بن اسماعيل وَهُوَ أَمْرَد على بَاب مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ وَمَا فِي وَجه شعر وَكَانَ موت الْفرْيَابِيّ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ فَيكون للْبُخَارِيّ إِذْ ذَاك نَحْو من ثَمَانِيَة عشر عَاما أَو دونهَا
وَأما ذكاؤه وسعة حفظه وسيلان ذهنه فَقيل أَنه كَانَ يحفظ وَهُوَ صبي سبعين ألف حَدِيث سردا وَرُوِيَ أَنه كَانَ ينظر فِي الْكتاب مرّة وَاحِدَة فيحفظ مَا فِيهِ من نظرة وَاحِدَة وَقَالَ مُحَمَّد بن أبي حَاتِم وراقة سَمِعت حاشد بن اسماعيل وَآخر يَقُولَانِ كَانَ البُخَارِيّ يخْتَلف مَعنا إِلَى السماع وَهُوَ غُلَام فَلَا يكْتب حَتَّى أَتَى على ذَلِك أَيَّام فَكُنَّا نقُول لَهُ
стр. 228
فَقَالَ إنَّكُمَا قد أكثرتما عَليّ فأعرضا عَليّ مَا كتبتما فأخرجنا إِلَيْهِ مَا كَانَ عندنَا فَزَاد ذَلِك على خَمْسَة عشر ألف حَدِيث فقرأها كلهَا عَن ظهر قلب حَتَّى جعلنَا نحكم كتبنَا من حفظه ثمَّ قَالَ أَتَرَوْنَ أَنِّي اخْتلف هدرا وأضيع أيامي فَعرفنَا أَنه لَا يتقدمه أحد قَالَ فَكَانَ أهل الْمعرفَة يعدون خَلفه فِي طلب الحَدِيث وَهُوَ شَاب حَتَّى يغلبوه على نَفسه ويجلسوه فِي بعض الطَّرِيق فيجتمع إِلَيْهِ أُلُوف أَكْثَرهم مِمَّن يكْتب عَنهُ وَكَانَ شَابًّا
وَقَالَ مُحَمَّد بن أبي حَاتِم سَمِعت ابْن مُجَاهِد يَقُول كنت عِنْد مُحَمَّد بن سَلام البيكندي فَقَالَ لي لَو جِئْت قبل لرأيت صَبيا يحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ فَخرجت فِي طلبه فَلَقِيته فَقلت أَن الَّذِي تَقول أَنا أحفظ سبعين ألف حَدِيث قَالَ نعم وَأكْثر وَلَا أجيبك بِحَدِيث عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا من عرفت مولد أَكْثَرهم ووفاتهم ومساكنهم وَلست أروي حَدِيثا من حَدِيث الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الأولى فِي ذَلِك أصل أحفظه حفظا عَن كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ ابْن عدي حَدثنِي مُحَمَّد بن أَحْمد القوسي سَمِعت مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن اسماعيل يَقُول أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح ومائتي ألف حَدِيث غير صَحِيح وَقَالَ أخرجت هَذَا الْكتاب من نَحْو سِتّمائَة ألف حَدِيث وَقَالَ دخلت بَلخ فسألوني أَن أملي عَلَيْهِم لكل من كتبت عَنهُ فأمليت ألف حَدِيث عَن ألف شيخ وَقَالَ تذكرت يَوْمًا من الْأَصْحَاب أنسا فحضرني فِي سَاعَة ثَلَاثمِائَة نفس وَقَالَ وراقة عمل كتابا فِي الْهِبَة فِيهِ نَحْو خَمْسمِائَة حَدِيث وَقَالَ لَيْسَ فِي كتاب وَكِيع فِي الْهِبَة إِلَّا حديثان مسندان أَو ثَلَاثَة وَفِي كتاب ابْن الْمُبَارك خَمْسَة أَو نَحْوهَا
وَأما كَثْرَة اطِّلَاعه على علل الحَدِيث فقد روينَا عَن مُسلم بن الْحجَّاج أَنه قَالَ دَعْنِي أقبل رجليك يَا أستاذ الأستاذين وَسيد الْمُحدثين وطبيب الحَدِيث فِي علله
стр. 229
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لم أر بالعراق وَلَا بخراسان فِي معرفَة الْعِلَل والتاريخ وَمَعْرِفَة الْأَسَانِيد أعلم من مُحَمَّد بن اسماعيل
وَقَالَ مُحَمَّد بن أبي حَاتِم سَمِعت سليم بن مُجَاهِد يَقُول سَمِعت أَبَا الْأَزْهَر يَقُول كَانَ بسمرقند أَرْبَعمِائَة مِمَّن يطْلبُونَ الحَدِيث فَاجْتمعُوا سَبْعَة أَيَّام وأحبوا مغالطة مُحَمَّد بن اسماعيل فأدخلوا إِسْنَاد الشَّام فِي إِسْنَاد الْعرَاق وَإسْنَاد الْعرَاق فِي إِسْنَاد الشَّام وَإسْنَاد الْحرم فِي إِسْنَاد الْيمن وَبِالْعَكْسِ فَمَا اسْتَطَاعُوا مَعَ ذَلِك أَن يتعلقوا عَلَيْهِ بسقطة لَا فِي الْإِسْنَاد وَلَا فِي الْمَتْن
وَقَالَ أَحْمد بن عدي الْحَافِظ سَمِعت عدَّة من الْمَشَايِخ يحكون أَن البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد فَاجْتمع أَصْحَاب الحَدِيث وعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر ودفعوا إِلَى كل وَاحِد عشرَة أَحَادِيث ليلقوها على البُخَارِيّ فِي الْمجْلس امتحانا فَاجْتمع النَّاس من الغرباء من أهل خُرَاسَان وَغَيرهم وَمن البغداديين فَلَمَّا اطْمَأَن الْمجْلس بأَهْله انتدب أحدهم فَقَامَ وَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْعشْرَة فَقَالَ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ حَتَّى فرغ الْعشْرَة فَكَانَ الْفُقَهَاء يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ الرجل فهم وَمن كَانَ لَا يدْرِي قضى عَلَيْهِ بِالْعَجزِ ثمَّ انتدب آخر فَفعل كَفعل الأول وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ إِلَى أَن فرغ الْعشْرَة وَهُوَ لَا يزيدهم على لَا أعرفهُ فَلَمَّا علم أَنهم فرغوا الْتفت إِلَى الأول فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فَقلت كَذَا وَصَوَابه كَذَا وحديثك الثَّانِي كَذَا وصابه كَذَا وَالثَّالِث وَالرَّابِع على الْوَلَاء حَتَّى أَتَى على تَمام الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكل إِسْنَاد إِلَى مَتنه وَفعل بالآخرين مثل ذَلِك فَأقر النَّاس لَهُ بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ
وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حمدون رَأَيْت البُخَارِيّ فِي جَنَازَة وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي يسْأَله عَن الْأَسْمَاء والعلل وَالْبُخَارِيّ يمر فِيهِ كالسهم كَأَنَّهُ يقْرَأ وَأما تآليفه فَإِنَّهَا سَارَتْ مسيرَة الشَّمْس ودارت فِي الدُّنْيَا فَمَا جحد فَضلهَا إِلَّا الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس وأجلها وَأَعْظَمهَا الْجَامِع
стр. 230
الصَّحِيح وَمِنْهَا الْأَدَب الْمُفْرد وَيَرْوِيه عَنهُ أَحْمد بن مُحَمَّد الْجَلِيل بِالْجِيم الْبَزَّار وَمِنْهَا بر الْوَالِدين وَيَرْوِيه عَنهُ مُحَمَّد بن دلويه الْوراق وَمِنْهَا التَّارِيخ الْكَبِير الَّذِي صنفه عِنْد قبر النَّبِي ﵊ فِي اللَّيَالِي المقمرة وَيَرْوِيه عَنهُ أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن فَارس وَأَبُو الْحسن مُحَمَّد بن سهل النسوي وَغَيرهمَا وَمِنْهَا التَّارِيخ الْأَوْسَط وَيَرْوِيه عَنهُ عبد الله بن أَحْمد بن عبد السَّلَام الْخفاف وزنجويه بن مُحَمَّد اللباد وَمِنْهَا التَّارِيخ الصَّغِير وَيَرْوِيه عَنهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْأَشْقَر وَمِنْهَا خلق أَفعَال الْعباد الَّذِي صنفه بِسَبَب مَا وَقع بَينه وَبَين الذهلي وَيَرْوِيه عَنهُ يُوسُف بن ريحَان بن عبد الصَّمد والفربري أَيْضا
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَهَذِه التصانيف مَوْجُودَة مروية لنا بِالسَّمَاعِ وَالْإِجَازَة قَالَ وَمن تصانيفه الْجَامِع الْكَبِير ذكره ابْن طَاهِر والمسند الْكَبِير وَالتَّفْسِير الْكَبِير ذكره الْفربرِي وَكتاب الْأَشْرِبَة ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَكتاب الْهِبَة ذكره وراقة وأسامي الصَّحَابَة ذكره أَبُو الْقَاسِم بن مندة وَأَنه يرويهِ من طَرِيق ابْن فَارس عَنهُ وَقد نقل عَنهُ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ الْكثير فِي مُعْجم الصَّحَابَة وَكَذَا ابْن مندة فِي الْمعرفَة وَنقل عَنهُ كتاب الوحدان لَهُ وَهُوَ من لَيْسَ لَهُ إِلَّا حَدِيث وَاحِد من الصَّحَابَة وَكتاب الْمَبْسُوط ذكره الْخَلِيل فِي الْإِرْشَاد وَأَن مهيب بن سليم رَوَاهُ عَنهُ فِي كتاب الْعِلَل وَذكره أَبُو الْقَاسِم بن مندة أَيْضا وَأَنه يرويهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حمدون عَن أبي مُحَمَّد بن الشَّرْقِي عَنهُ وَكتاب الكنى ذكره الْحَاكِم أَبُو أَحْمد وَنقل مِنْهُ وَكتاب الْفَوَائِد ذكره التِّرْمِذِيّ فِي أثْنَاء كتاب المناقب من جَامعه وَمن شعره مِمَّا أخرجه الْحَاكِم فِي تَارِيخه نظم
(اغتنم فِي الْفَرَاغ فضل رُكُوع ... فَعَسَى أَن يكون موتك بَغْتَة)
(كم صَحِيح رَأَيْت من غير سقم ... ذهبت نَفسه الصَّحِيحَة فلته)
وَلما نعي إِلَيْهِ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ الْحَافِظ أنْشد شعر
стр. 231
(إِن عِشْت تفجع بالأحبة كلهم ... وفناء نَفسك لَا أَبَا لَك أفجع)
وَأما ثَنَاء النَّاس عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ والورع والزهد وَغير ذَلِك فقد وَصفه غير وَاحِد بِأَنَّهُ كَانَ أحفظ أهل زَمَانه وَفَارِس ميدانه كلمة شهد لَهُ بهَا الْمُوَافق والمخالف وَأقر بحقيقتها المعادي والموالف وَكَانَ لقبه فِي الْمُحدثين أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث وناصر الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وناشر الْمَوَارِيث المحمدية
قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين السُّبْكِيّ فِي طبقاته كَانَ البُخَارِيّ إِمَام الْمُسلمين وقدوة الْمُؤمنِينَ وَشَيخ الْمُوَحِّدين والمعول عَلَيْهِ فِي أَحَادِيث سيد الْمُرْسلين قَالَ وَقد ذكره أَبُو عَاصِم فِي طَبَقَات أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة وَقَالَ سمع من الزَّعْفَرَانِي وَأبي ثَوْر والكرابيسي قَالَ وَلم يرو عَن الشَّافِعِي فِي صَحِيحه لِأَنَّهُ أدْرك أقرانه وَالشَّافِعِيّ مَاتَ مكتهلا فَلَا يرويهِ نازلا انْتهى نعم ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي موضِعين فِي الزَّكَاة وَفِي تَفْسِير الْعَرَايَا
وَقَالَ الْحَافِظ عماد الدّين بن كثير فِي تَارِيخه الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة كَانَ إِمَام الحَدِيث فِي زَمَانه والمقتدى بِهِ فِي أَوَانه والمقدم على سَائِر أضرابه وأقرانه
وَقَالَ قُتَيْبَة بن سعيد جالست الْفُقَهَاء والعباد والزهاد فَمَا رَأَيْت مُنْذُ عقلت مثل مُحَمَّد بن اسماعيل وَهُوَ فِي زَمَانه كعمر فِي الصَّحَابَة وَقَالَ أَيْضا لَو كَانَ فِي الصَّحَابَة لَكَانَ آيَة
وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِيمَا رَوَاهُ الْخَطِيب بِسَنَد صَحِيح مَا أخرجت خُرَاسَان مثل مُحَمَّد بن اسماعيل
وَعَن مُحَمَّد بن بشار شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم قَالَ حفاظ الدُّنْيَا أَرْبَعَة أَبُو زرْعَة بِالريِّ وَمُسلم بنيسابور والدارمي بسمرقند وَالْبُخَارِيّ ببخارى
قَالَ عَليّ ابْن حجر وَالْبُخَارِيّ أعلمهم وأبصرهم وأفهمهم
стр. 232
قَالَ ابْن الْمدنِي لم ير البُخَارِيّ مثله
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ مَا رَأَيْت نَظِيره وَقد جعله الله زِينَة هَذِه الْأمة
قَالَ بَعضهم هُوَ آيَة من آيَات الله تمشي على وَجه الأَرْض
وَقَالَ مُسلم لَهُ لَا يبغضك إِلَّا حَاسِد وَأشْهد أَنه لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثلك
وَقَالَ بنْدَار بن بشار هُوَ أفقه خلق الله فِي زَمَاننَا
وَقَالَ نعيم بن هناد وَهُوَ فَقِيه هَذِه الْأمة
وَقَالَ اسحاق بن رَاهَوَيْه يَا معشر أَصْحَاب الحَدِيث انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّاب واكتبوا عَنهُ فَإِنَّهُ لَو كَانَ فِي زمن الْحسن الْبَصْرِيّ لاحتاج النَّاس إِلَيْهِ لمعرفته بِالْحَدِيثِ وفقهه وَقد فَضله بَعضهم فِي الْفِقْه والْحَدِيث على أَحْمد وَإِسْحَاق
وَقَالَ رجا بن مرجا فضل البُخَارِيّ فِي زَمَانه على الْعلمَاء كفضل الرِّجَال على النِّسَاء
وَقَالَ الفلاس كل حَدِيث لَا يعرفهُ البُخَارِيّ فَلَيْسَ بِحَدِيث
وَقَالَ يحيى بن جَعْفَر البيكندي لَو قدرت أَن أَزِيد من عمري فِي عمر البُخَارِيّ لفَعَلت فَإِن موتِي يكون موت رجل وَاحِد وَمَوته فِيهِ ذهَاب الْعلم
وَقَالَ الدَّارمِيّ رَأَيْت الْعلمَاء بالحرمين والحجاز وَالشَّام وَالْعراق فَمَا رَأَيْت فيهم أجمع مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو سهل مَحْمُود بن النَّضر الْفَقِيه سَمِعت أَكثر من ثَلَاثِينَ عَالما من عُلَمَاء مصر يَقُولُونَ حاجتنا فِي الدُّنْيَا النّظر إِلَيْهِ وَقَالَ كنت أستملي لَهُ بِبَغْدَاد فَبلغ من حضر الْمجْلس عشْرين ألفا
وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أعلم بِالْحَدِيثِ وأحفظ لَهُ مِنْهُ
وَقَالَ الْحَافِظ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي وحسبك بِإِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة يَقُول فِيهِ هَذَا القَوْل مَعَ لقِيه الْأَئِمَّة والمشايخ شرقا وغربا
стр. 233
وَقَالَ عبد الله بن حَمَّاد الاملي لَوَدِدْت أَنِّي كنت شَعْرَة فِي جسده وَكَانَ غَايَة فِي الْحيَاء والشجاعة والسخاء والورع والزهد فِي دَار الدُّنْيَا دَار الفناء وَالرَّغْبَة فِي العقبى دَار الْبَقَاء
وَكَانَ يخْتم فِي رَمَضَان كل يَوْم ختمة وَيقوم بعد صَلَاة التَّرَاوِيح كل ثَلَاث لَيَال بختمة وَقَالَ وراقة كَانَ يُصَلِّي وَقت السحر ثَلَاث عشرَة رَكْعَة وَقَالَ أَرْجُو أَن ألْقى الله وَلَا يحاسبني أَنِّي اغتبت أحدا وَيشْهد لهَذَا كَلَامه فِي التجريح والتضعيف فَإِنَّهُ أبلغ مِمَّا يَقُول فِي الرجل الْمَتْرُوك أَو السَّاقِط فِيهِ نظر أَو سكتوا عَنهُ وَلَا يكَاد يَقُول فلَان كَذَّاب قَالَ وراقة سمعته يَقُول لَا يكون لي خصم فِي الْآخِرَة فَقلت يَا أَبَا عبد الله إِن بعض النَّاس ينقم عَلَيْك التَّارِيخ يَقُول فِيهِ اغتياب النَّاس فَقَالَ إِنَّمَا روينَا ذَلِك رِوَايَة وَلم نَقله من عِنْد أَنْفُسنَا وَقد قَالَ ﷺ بئس أَخُو الْعَشِيرَة وَقَالَ مَا اغتبت مُنْذُ علمت أَن الْغَيْبَة تضر أَهلهَا
وَكَانَ قد ورث من أَبِيه مَالا كثيرا فَكَانَ يتَصَدَّق بِهِ وَكَانَ قَلِيل الْأكل جدا كثير الْإِحْسَان إِلَى الطّلبَة مفرطا فِي الْكَرم وَلما قدم نيسابور تَلقاهُ أَهلهَا من مرحلَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَكَانَ الذهلي فِي مَجْلِسه فَقَالَ من أَرَادَ أَن يسْتَقْبل مُحَمَّد بن اسماعيل غَدا فليستقبله فَإِنِّي استقبله فَاسْتَقْبلهُ عَامَّة عُلَمَاء نيسابور فَدَخلَهَا وَلما رَجَعَ إِلَى بُخَارى نصبت لَهُ القباب على فَرسَخ من الْبَلَد واستقبله عَامَّة أَهلهَا حَتَّى لم يبْق مَذْكُور ونثر عَلَيْهِ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَبَقِي مُدَّة يُحَدِّثهُمْ فَأرْسل إِلَيْهِ أَمِير الْبَلَد خَالِد بن مُحَمَّد الذهلي نَائِب الْخلَافَة العباسية يتلطف مَعَه ويسأله أَن يَأْتِيهِ بِالصَّحِيحِ ويحدثهم فِي قصره فَامْتنعَ البُخَارِيّ من ذَلِك وَقَالَ لرَسُوله قل لَهُ أَنا لَا أذلّ الْعلم وَلَا أحملهُ إِلَى أَبْوَاب السلاطين فَإِن كَانَت لَهُ حَاجَة إِلَى شَيْء مِنْهُ فليحضر إِلَى مَسْجِدي أَو دَاري فَإِن لم يُعْجِبك هَذَا فَأَنت سُلْطَان فامنعني من الْمجْلس ليَكُون لي عذرا عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة إِنِّي لَا أكتم الْعلم فراسله أَن يعْقد لأولاده لَا يحضر غَيرهم فَامْتنعَ من ذَلِك أَيْضا وَقَالَ لَا يسعني أَن أخص بِالسَّمَاعِ قوما دون قوم فحصلت بَينهمَا وَحْشَة واستعان خَالِد بحريث بن أبي الورقاء وَغَيره من أهل الْعلم
стр. 234
ببخارى عَلَيْهِ حَتَّى تكلمُوا فِي مذْهبه فنفاه عَن الْبَلَد وَأمر بِالْخرُوجِ عَنهُ فَدَعَا البُخَارِيّ عَلَيْهِم وَكَانَ من دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أرهم مَا قصدوني بِهِ فِي أنفسهم وَأَوْلَادهمْ وأهاليهم وَكَانَ مجاب الدعْوَة فَلم يَأْتِ شهر حَتَّى ورد أَمر الْخلَافَة بِأَن يُنَادى على خَالِد فِي الْبَلَد فَنُوديَ عَلَيْهِ على أتان وَحبس إِلَى أَن مَاتَ وَلم يبْق أحد مِمَّن ساعده إِلَّا ابْتُلِيَ ببلاء شَدِيد شعر
(لله قوم إِذا حلوا بِمَنْزِلَة ... حل الرِّضَا ويسير الْجُود إِن سَارُوا)
وَلما خرج البُخَارِيّ من بُخَارى كتب إِلَيْهِ أهل سَمَرْقَنْد يخطبونه إِلَى بلدهم فَسَار إِلَيْهِم فَلَمَّا كَانَ بخرتنك قَرْيَة على فرسخين من سَمَرْقَنْد وَكَانَ لَهُ بهَا أقرباء فَنزل عِنْدهم وبلغه أَنه قد وَقع بَينهم بِسَبَبِهِ فتْنَة فقوم يُرِيدُونَ دُخُوله وَآخَرُونَ يكرهونه فَأَقَامَ أَيَّامًا حَتَّى ينجلي الْأَمر فَمَرض وَوجه إِلَيْهِ رَسُول من أهل سَمَرْقَنْد يَلْتَمِسُونَ خُرُوجه إِلَيْهِم فَأجَاب وتهيأ للرُّكُوب وَلبس خفيه وتعمم فَلَمَّا مَشى قدر عشْرين خطْوَة أَو نَحْوهَا إِلَى الدَّابَّة ليرْكبَهَا قَالَ أرسلوني فقد ضعفت فَأَرْسلُوهُ فَدَعَا بدعوات مِنْهَا اللَّهُمَّ أَنه قد ضَاقَتْ عَليّ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ فاقبضني إِلَيْك بَعْدَمَا فرغ من صلَاته فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي ثمَّ اضْطجع فَقضى فَسَالَ عرق كثير لَا يُوصف وَمَا سكن مِنْهُ الْعرق حَتَّى أدرج فِي أَكْفَانه قَالَ بَعضهم فِي وِلَادَته وعمره ووفاته نظم
(كَانَ البُخَارِيّ حَافِظًا ومحدثا ... جمع الصَّحِيح مكمل التَّحْرِير)
(ميلاده صدق وَمُدَّة عمره ... فِيهَا حميد وانقضى فِي نور)
رُوِيَ أَنه ضجر لَيْلَة السبت لَيْلَة عيد الْفطر سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ عَن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة إِلَّا ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَكَانَ أوصى أَن يُكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة فَفعل بِهِ ذَلِك وَلما صلي عَلَيْهِ وَوضع فِي حفرته فاح من تُرَاب قَبره رَائِحَة طيبَة كالمسك ودامت أَيَّامًا وَجعل النَّاس يَخْتَلِفُونَ إِلَى قَبره مُدَّة يَأْخُذُونَ مِنْهُ شعر
(فَهَذَا الشذا آثَار رفقته معي ... وَلست بورد إِنَّمَا أَنا تربه)
وروى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الْوَاحِد آدم بن الطراولسي
стр. 235
قَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَابه وَهُوَ وَاقِف فِي مَوضِع فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام فَقلت مَا وقوفك هُنَا يَا رَسُول الله قَالَ انْتظر مُحَمَّد بن اسماعيل فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام بَلغنِي مَوته فَنَظَرت فَإِذا هُوَ فِي السَّاعَة الَّتِي رَأَيْت فِيهَا النَّبِي ﷺ وَلما ظهر أمره بعد وَفَاته خرج بعض مخالفيه إِلَى قَبره وأظهروا التَّوْبَة والندامة
قَالَ الْحَافِظ الديبع اليمني توفّي وَلم يعقب ولدا ذكرا رَحل فِي طلب الْعلم إِلَى جَمِيع محدثي الْأَمْصَار وَكتب عَن الْحفاظ وَأخذ عَنهُ الحَدِيث خلق كثير انْتهى
وَقَالَ ابْن خلكان فِي وفيات الْأَعْيَان رَحل فِي طلب الحَدِيث إِلَى أَكثر محدثي الْأَمْصَار وَكتب بخراسان وَالْجِبَال ومدن الْعرَاق والحجاز وَالشَّام ومصر وَقدم بَغْدَاد وَاجْتمعَ إِلَيْهِ أَهلهَا واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده فِي علم الرِّوَايَة والدراية وَكَانَ ابْن صاعد إِذا ذكره يَقُول الْكَبْش النطاح انْتهى
وَرُوِيَ عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ رويت الحَدِيث عَن ألف وَثَمَانمِائَة مُحدث وروى عَنهُ خلق كثير قيل مائَة ألف مُحدث وَقد أطنب الْقُسْطَلَانِيّ فِي شَرحه على البُخَارِيّ فِي ذكر رحلته ومشايخه تركتهَا مَخَافَة الإطالة واكتفاء على الإحالة وَبِالْجُمْلَةِ فمناقب أبي عبد الله البُخَارِيّ كَثِيرَة ومحاسنة ومفاخره شهيره وَفِيمَا ذكرته كِفَايَة ومقنع وبلاغ وَلَو فتحنا بَاب تعديد مناقبه ومآثره الحميده لخرجنا عَن غَرَض الِاخْتِصَار
قَالَ النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب ومناقبه لَا تستقصى لخروجها عَن أَن تحصى وَهِي منقسمة إِلَى حفظ ودراية واجتهاد فِي التَّحْصِيل وَرِوَايَة ونسك وإفادة وورع وزهادة وَتَحْقِيق واتقان وعرفان وأحوال وكرامات وَغَيرهَا من المكرمات رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه
стр. 236
الْفَصْل الثَّالِث فِي تَرْجَمَة مُسلم بن الْحجَّاج
أَبُو الْحُسَيْن عَسَاكِر الدّين مُسلم بن الْحجَّاج بن مُسلم بن ورد بن كوشاذ الْقشيرِي نسبا النَّيْسَابُورِي وطنا نِسْبَة إِلَى قُشَيْر مُصَغرًا قَبيلَة مَعْرُوفَة من الْعَرَب ونيسابور بلد بخراسان مَعْرُوف بالْحسنِ وَالْعَظَمَة كَانَ أحد أَئِمَّة أَعْلَام هَذَا الشَّأْن وكبار المبرزين فِيهِ وَأهل الْحِفْظ والإيقان والرحالين فِي طلبه إِلَى أَئِمَّة الأقطار والبلدان والمعترف لَهُ بالتقديم فِيهِ بِلَا خلاف عِنْد أهل الحذق والعرفان والمرجوع إِلَى كِتَابه وَالْمُعْتَمد عَلَيْهِ فِي كل الْأَزْمَان وَالْمجْمَع عَلَيْهِ على تقدمه على أهل عصره كَمَا شهد لَهُ بذلك إِمَامًا وقتهما وحافظا عصرهما أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم أَجمعُوا على أَنه ولد بعد الْمِائَتَيْنِ فَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة أَربع وَقيل سنة سِتّ وَتُوفِّي عَشِيَّة الْأَحَد وَدفن يَوْم الْإِثْنَيْنِ الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَجَب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بنصر آباد ظَاهر مَدِينَة نيسابور وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة رَحل إِلَى الْحجاز وَالْعراق وَالشَّام ومصر وَسمع يحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وعبد الله بن مسلمة القعْنبِي وَغَيرهم وَقدم بَغْدَاد غير مرّة فروى عَنهُ أَهلهَا وَآخر قدومه إِلَيْهَا فِي سنة تسع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
قَالَ النَّوَوِيّ روى عَنهُ جماعات من كبار أَئِمَّة عصره وحفاظه وَفِيهِمْ جماعات فِي دَرَجَته فَمنهمْ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ومُوسَى بن هَارُون وَأحمد بن سَلمَة وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو بكر بن خُزَيْمَة وَيحيى بن صاعد وَأَبُو عوَانَة الاسفرائيني وأخرون لَا يُحصونَ انْتهى
قَالَ الديبع كَانَ يقدم فِي معرفَة الصَّحِيح على أهل عصره وَقَالَ النَّوَوِيّ وَمن حقق نظره فِي صَحِيح مُسلم واطلع على مَا أودعهُ فِيهِ علم أَنه إِمَام لَا يلْحقهُ من بعد عصره وَقل من يُسَاوِيه بل يدانيه من أهل وقته ودهره ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾
стр. 237
انْتهى وَله المؤلفات الْكَثِيرَة الجليلة لَا سِيمَا صَحِيحه الَّذِي من الله بِهِ على الْمُسلمين فقد أودع فِيهِ عجائب هَذَا الْفَنّ خَاصَّة فِي سرد الْأَسَانِيد وَحسن سِيَاق الْمُتُون وَلِهَذَا كَانَ يقدم فِي معرفَة صَحِيح الحَدِيث من سقيمه على البُخَارِيّ أَيْضا فَإِن البُخَارِيّ يَقع لَهُ الْغَلَط فِي أهل الشَّام حَيْثُ يذكر رجلا وَاحِدًا تَارَة بكنية وطورا باسمه ويراهما رجلَانِ لكَون رِوَايَته عَن أَكثر أهل الشَّام على طَرِيق المناولة لَا بطرِيق التَّحْقِيق الشفاهي بِخِلَاف مُسلم فَإِنَّهُ لَا يَقع لَهُ ذَلِك الْغَلَط فِي مَوضِع وَيَقَع للْبُخَارِيّ تعقيد الْمُتُون فِي بعض الْأَحَادِيث بِسَبَب التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والحذف وَإِسْقَاط بعض الْأَلْفَاظ وَإِن كَانَ ينجلي بمراجعة الرِّوَايَات الْأُخْرَى الْوَارِدَة فِي صَحِيحه وَلَا يَقع ذَلِك لمُسلم فَإِنَّهُ يَسُوق الْأَلْفَاظ وَيَأْتِي بِالرِّجَالِ بِحَيْثُ لَا يَقع تَحْرِيف فِي نسخه وَقد رأى أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مُسلما فِي الْمَنَام وَسَأَلَ عَن شَأْنه فَقَالَ إِن الله ﵎ أَبَاحَ الْجنَّة لي أتبوأ مِنْهَا حَيْثُ أَشَاء وَرَأى صَالح أَبَا عَليّ الزَّاغُونِيّ فِي الْمَنَام وَسَأَلَهُ بِمَا نجوت قَالَ بِهَذَا الْجُزْء الَّذِي بيَدي فَإِذا هُوَ جُزْء من صَحِيح مُسلم
وَله مؤلفات أُخْرَى مفيدة جدا مِنْهَا كتاب الْجَامِع الْكَبِير على الْأَبْوَاب وَكتاب الْمسند الْكَبِير على أَسمَاء الرِّجَال وَكتاب الْأَسْمَاء والكنى وَكتاب الْعِلَل وَكتاب الوحدان وَكتاب التَّمْيِيز وَكتاب حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب وَكتاب مَشَايِخ مَالك وَكتاب مَشَايِخ الثَّوْريّ وَكتاب أَوْهَام الْمُحدثين وَكتاب من لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد وَكتاب طَبَقَات التَّابِعين وَكتاب المخضرمين وَغير ذَلِك
قيل سَبَب مَوته أَنه عقد لَهُ مجْلِس للمذاكرة فَذكر لَهُ حَدِيث فَلم يعرفهُ فَانْصَرف إِلَى منزله فَقدمت لَهُ سلة تمر فَكَانَ يطْلب الحَدِيث وَيَأْخُذ تَمْرَة تَمْرَة فَأصْبح وَقد فني التَّمْر وَوجد الحَدِيث فَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته يَعْنِي مَاتَ بِسَبَب الْأكل الْكثير وَلَا يَخْلُو ذَلِك عَن غرابة رَحمَه الْعلي الْكَبِير
стр. 238
الْفَصْل الرَّابِع فِي تَرْجَمَة أبي دَاوُد السجسْتانِي
أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث بن اسحاق بن بشير بن شَدَّاد بن عَمْرو ابْن عمرَان الْأَزْدِيّ السجسْتانِي نِسْبَة إِلَى سجستان الإقليم الْمَشْهُور وَقيل بل نِسْبَة إِلَى سجستانة قَرْيَة من قرى الْبَصْرَة قَالَه ابْن خلكان
قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَقع لِابْنِ خلكان فِي تِلْكَ السّنة غلط مَعَ كَمَاله فِي علم التَّارِيخ وَتَصْحِيح الْأَنْسَاب كَمَا قَالَ السُّبْكِيّ بعد نقل عِبَارَته الْمَذْكُورَة وَهَذَا وهم وَالصَّوَاب أَنه نِسْبَة إِلَى الإقليم الْمَعْرُوف متاخم بِلَاد الْهِنْد انْتهى يَعْنِي إِلَى سيستان وَهُوَ بَين السَّنَد وهراة مُتَّصِل قندهار وَوَقع فِيهِ أَيْضا جشت وَكَانَ البست دَار السلطنة لهَذَا الْملك قَدِيما وَتقول الْعَرَب فِي نسبته سجزي أَيْضا انْتهى
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أحد حفاظ الحَدِيث وَعلمه وَعلله وَفِي الدرجَة الْعليا من النّسك وَالصَّلَاح وَعلم الْفِقْه والورع والإتقان طوف الْبِلَاد وَكتب عَن الْعِرَاقِيّين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين والثغريين وَغَيرهم وَجمع كتاب السّنَن قَدِيما وَعرضه على الإِمَام أَحْمد فاستجاده واسحسنه وعده الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي الْفُقَهَاء من جملَة أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَاخْتلف فِي مذْهبه فَقيل حنبلي وَقيل شَافِعِيّ وَكتب عَنهُ شَيْخه أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث العتيرة
قَالَ الْحَافِظ مُوسَى بن هَارُون خلق أَبُو دَاوُد فِي الدُّنْيَا للْحَدِيث وَفِي الْآخِرَة للجنة وَمَا رَأَيْت أفضل مِنْهُ وَأَحَادِيثه مَا بَين صَحِيح وَحسن وَدون ذَلِك وجاءه سهل بن عبد الله التسترِي فَقيل لَهُ يَا أَبَا دَاوُد هَذَا سهل قد جَاءَك زَائِرًا قَالَ فَرَحَّبَ بِهِ وَأَجْلسهُ فَقَالَ يَا أَبَا دَاوُد لي إِلَيْك حَاجَة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ حَتَّى تَقول قضيتها مَعَ الْإِمْكَان قَالَ قد قضيتها مَعَ الْإِمْكَان قَالَ أخرج لسَانك الَّذِي حدثت بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ حَتَّى أقبله قَالَ فَأخْرج لِسَانه فَقبله
стр. 239
قدم بَغْدَاد مرَارًا وَنزل إِلَى الْبَصْرَة وسكنها وَتُوفِّي بهَا يَوْم الْجُمُعَة منتصف شَوَّال سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَاحْتج بِهِ مِمَّن صنف الصَّحِيح أَبُو عَليّ الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي وَأَبُو حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي أَخذ الحَدِيث عَن مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم كأحمد ابْن حَنْبَل وَعُثْمَان بن أبي شيبَة وقتيبة بن سعيد وَغَيرهم من أَئِمَّة الحَدِيث وَأخذ عَنهُ ابْنه عبد الله وَأَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وَأَبُو عَليّ اللؤْلُؤِي وَخلق سواهُم وَكَانَ أحد كميه وَاسِعًا وَالْآخر ضيقا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ الْكمّ الوسيع لأجزاء الْكتاب وَلَا حَاجَة إِلَى سَعَة الآخر فَإِنَّهُ إِسْرَاف أَخذ عَن القعْنبِي وَأبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ وفَاق من تلامذته أَرْبَعَة فِي الْمُحدثين أَبُو بكر وَلَده واللؤلؤي وَابْن الْأَعرَابِي وَابْن داسة
قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي بَاب صَدَقَة الزَّرْع من كتاب الزَّكَاة شبرت قثاء بِمصْر ثَلَاثَة عشر شبْرًا وَرَأَيْت أترجة على بعير بقطعتين قطعت وصيرت على عَدْلَيْنِ
الْفَصْل الْخَامِس فِي تَرْجَمَة أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ
أبوعيسى مُحَمَّد بن عِيسَى بن سُورَة بن مُوسَى بن الضَّحَّاك السّلمِيّ الضَّرِير البوغي التِّرْمِذِيّ الْحَافِظ الْمَشْهُور أحد الْأَئِمَّة الَّذين يقْتَدى بهم فِي علم الحَدِيث ولد سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَمَات سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ثَالِث عشر رَجَب بترمذ لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ
وَقَالَ السَّمْعَانِيّ توفّي بقرية بوغ فِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وبوغ قَرْيَة من قرى ترمذ على سِتَّة فراسخ مِنْهَا وَهِي قَرْيَة قديمَة على طرف نهر بَلخ من جِهَة الشاطئ الشَّرْقِي وَيُقَال لَهَا مَدِينَة الرِّجَال وَكَانَ جده مروزيا ثمَّ انْتقل بترمذ
قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي نِسْبَة التِّرْمِذِيّ هَذِه النِّسْبَة إِلَى مَدِينَة قديمَة على طرق نهر بَلخ الَّذِي يُقَال لَهَا جيحون وَالنَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي كَيْفيَّة هَذِه
стр. 240
النِّسْبَة بَعضهم يَقُول بِفَتْح التَّاء وثالث الْحُرُوف وَبَعْضهمْ يَقُول بضَمهَا وَبَعْضهمْ يَقُول بِكَسْرِهَا والمتداول على لِسَان أهل تِلْكَ الْمَدِينَة بِفَتْح التَّاء وَكسر الْمِيم وكل وَاحِد يَقُول معنى لما يَدعِيهِ
قَالَ ابْن خلكان وَسَأَلت من رَآهَا هَل هِيَ فِي نَاحيَة خوارزم أم فِي نَاحيَة مَا وَرَاء النَّهر فَقَالَ بل هِيَ فِي حِسَاب مَا وَرَاء النَّهر من ذَلِك الْجَانِب انْتهى
قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الْمُحدث الدهلوي المُرَاد فِي لفظ مَا وَرَاء النَّهر هُوَ نهر بَلخ
والسلمي نِسْبَة إِلَى بني سليم بِالتَّصْغِيرِ قَبيلَة من غيلَان ذكره ابْن عَسَاكِر وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ ابْن شَدَّاد بدل ابْن الضَّحَّاك وَقَالَ هُوَ البوغي
وكنيته أَبُو عِيسَى واسْمه مُحَمَّد وَعِيسَى اسْم أَبِيه وَسورَة اسْم جده كَمَا فِي الْقَامُوس وَهُوَ بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْوَاو وَفتح الرَّاء وَمَعْنَاهَا فِي الأَصْل الحدة فَفِي الْقَامُوس سُورَة الخ ٠ مر حدتها كسوارها بِالضَّمِّ وَيكرهُ التَّسْمِيَة بِأبي عِيسَى لما رُوِيَ أَن رجلا سمي بِأبي عِيسَى فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن عِيسَى لَا أَبَا لَهُ فكره ذَلِك لَكِن حملت الْكَرَاهَة على التَّسْمِيَة بِهِ ابْتِدَاء فَأَما من اشْتهر بِهِ فَلَا يكره كَمَا يدل عَلَيْهِ إِجْمَاع الْعلمَاء على تَعْبِير التِّرْمِذِيّ بِهِ عَن نَفسه للتمييز وَقد عقد ابْن أبي شيبَة بَابا فِي مُصَنفه بِهَذَا اللَّفْظ مَا يكره لرجل اكتنى بِهِ ثمَّ قَالَ حَدثنَا الْفضل بن دُكَيْن عَن مُوسَى بن عَليّ عَن أَبِيه أَن رجلا اكتنى بِأبي عِيسَى فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِن عِيسَى لَا أَبَا لَهُ
وَعَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن عمر بن الْخطاب ضرب ابْنا لَهُ اكتنى بِأبي عِيسَى فَقَالَ إِن عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب
وَفِي سنَن أبي دَاوُد فِي كتاب الْأَدَب بَاب الرجل يكتنى أَبَا عِيسَى عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن عمر بن الْخطاب ضرب ابْنا لَهُ تكنى أَبَا عِيسَى وَأَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة تكنى بِأبي عِيسَى فَقَالَ لَهُ عمر
стр. 241
أما يَكْفِيك أَن تكنى بِأبي عبد الله فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ كناني فَقَالَ إِن رَسُول الله قد غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَأَنا فِي جلجتنا فَلم تزل تكنى بِأبي عبد الله حَتَّى هلك الجلجلة بجيمين بَينهمَا لَام الْأَمر المضطرب
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ أحد الْحفاظ الْمَشْهُورين والأعلام الْمَذْكُورين أَخذ عَن البُخَارِيّ وَبِه تخرج وَعَن مُسلم وَأبي دَاوُد وَعَن شيوخهم بِالْبَصْرَةِ والكوفة والواسط والري وخراسان والحجاز
وَله تصانيف كَثِيرَة فِي علم الحَدِيث صنف كتاب الْجَامِع والعلل تصنيف رجل متقن وَبِه كَانَ يضْرب الْمثل فِي الْحِفْظ وشارك البُخَارِيّ فِي بعض شُيُوخه مثل قُتَيْبَة بن سعيد وَعلي بن حجر وَابْن بشار وَغَيرهم
وَنقل الْحَاكِم أَن البُخَارِيّ مَاتَ وَلم يخلف مثل أبي عِيسَى فِي الْعلم وَالْحِفْظ والورع والزهد بَكَى حَتَّى عمي وَبَقِي ضريرا سِنِين وَقيل أَنه ولد أكمه وَكَانَ مكفوف الْبَصَر لَقِي الصَّدْر الأول من الْمَشَايِخ كمحمود بن غيلَان وَأحمد بن منيع وَمُحَمّد بن الْمثنى وسُفْيَان بن وَكِيع وَهُوَ خَليفَة البُخَارِيّ أَخذ عَنهُ خلق كثير
وَمن مناقبه أَن البُخَارِيّ روى عَنهُ حَدِيثا خَارج الصَّحِيح وحسبه بذلك فخرا وَله فِي الْفِقْه والْحَدِيث يَد صَالِحَة وَكتابه جَامع الصَّحِيح يدل على عَظِيم قدره واتساع حفظه وَكَثْرَة اطِّلَاعه وَغَايَة تبحره فِي هَذَا الْفَنّ حَتَّى قيل أَنه لم يؤلف مثله فِي هَذَا الْبَاب وَمن تصانيفه شمائل النَّبِي ﷺ وَهُوَ أحسن الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي هَذَا الْبَاب كثير الميامن والبركات وقراءته للمهمات مجربة للأكابر الثِّقَات وَقد حصل لي بِحَمْد الله تَعَالَى وَحسن توفيقه سَنَده الْمُتَّصِل إِلَى مُؤَلفه بِعشْرَة وَاسِطَة وَهُوَ فِي نِهَايَة الْعُلُوّ كَمَا قيل مَا الْفَخر عِنْد الرِّجَال إِلَّا بالسند العال
وَقد أنْشد قَاضِي الْقُضَاة أبوالخير شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي الشِّيرَازِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الجرزي صَاحب الْحصن الْحصين رَحمَه الله تَعَالَى حِين تمّ قِرَاءَته فِي مَجْلِسه الشريف نظم
стр. 242
(أخلاي إِن شط الحبيب وربعه ... وَعز تلاقيه وناءت مَنَازِله)
(فَإِن فاتكم أَن تبصروه بِعَيْنِه ... فَمَا فاتكم بِالسَّمْعِ هذي شمائله)
وعَلى الشَّمَائِل شُرُوح كَثِيرَة مِنْهَا شرح الْقُسْطَلَانِيّ والجلال السُّيُوطِيّ وَابْن حجر الْمَكِّيّ وَعلي الْقَارِي الْهَرَوِيّ وَعبد الرؤوف الْمَنَاوِيّ وَالشَّيْخ سُلَيْمَان الْجمل وللشيخ إِبْرَاهِيم الْمصْرِيّ الباجوري رَحمَه الله تَعَالَى عَلَيْهِ حَاشِيَة حافلة سَمَّاهَا الْمَوَاهِب اللدنية على الشَّمَائِل المحمدية وَعَلِيهِ شرح للفاضل القنوجي الشَّيْخ عليم الدّين القريشي سَمَّاهُ دُرَر الْفَضَائِل فِي شرح الشَّمَائِل
الْفَصْل السَّادِس فِي تَرْجَمَة النَّسَائِيّ ...
أَبُو عبد الرَّحْمَن بن شُعَيْب بن عَليّ بن بَحر بن سِنَان بن دِينَار النَّسَائِيّ نِسْبَة إِلَى نسَاء بلد بخراسان وَقد يُقَال فِي نسبته نسوي بقلب الْهمزَة واوا ولد سنة خمس عشرَة وَقيل أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ كَانَ أحد أَعْلَام الدّين وأركان الحَدِيث إِمَام أهل عصره ومقدمهم وعمدتهم وقدوتهم بَين أَصْحَاب الحَدِيث وجرحه وتعديله مُعْتَبر بَين الْعلمَاء
قَالَ الْحَاكِم سَمِعت أَبَا الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ غير مرّة يَقُول أَبُو عبد الرَّحْمَن مقدم على كل من يذكر بِعلم الحَدِيث ويجرح الروَاة وتعديلهم فِي زَمَانه وَكَانَ فِي غَايَة من الْوَرع والتقى أَلا ترى أَنه يروي فِي سنَنه عَن الْحَارِث بن مِسْكين هَكَذَا قريء عَلَيْهِ وَأَنا أسمع وَلَا يَقُول فِي الرِّوَايَة عَنهُ حَدثنَا وَأخْبرنَا كَمَا يَقُول فِي رِوَايَات أُخْرَى عَن مشايخه قيل وَكَانَ سَببه وُقُوع الخشونة بَينه وَبَين الْحَارِث فَكَانَ لَا يظْهر عَلَيْهِ فِي مَجْلِسه ويحضر وَقت تحديثه مستمعا للْحَدِيث مختفيا فِي زَاوِيَة بِحَيْثُ لَا يطلع عَلَيْهِ الْحَارِث وَهُوَ يسمع صَوته من هُنَاكَ سمع حميد بن سعدة وَعمْرَان بن مُوسَى وهما أول من أخرج لَهُ الرباعي فِي الْمُجْتَبى وقتيبة ابْن سعيد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعلي بن حجر وَعلي بن حشرم
стр. 243
وَمُحَمّد بن بشار وَأبي دَاوُد السجسْتانِي وَمُجاهد بن مُوسَى وَأحمد ابْن عَبدة وخلائق من بِلَاد خُرَاسَان والحجاز وَالْعراق والجزيرة وَالشَّام ومصر وَغَيرهَا وَأخذ عَنهُ خلق كثيرمنهم أَبُو بشر الدولابي وأبوالقاسم الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ وَمُحَمّد بن هَارُون بن شُعَيْب وأبوالميمون بن رَاشد وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن صَالح بن سِنَان وَأَبُو بكر أَحْمد بن اسحاق السبني الْحَافِظ
وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب وَله مَنَاسِك على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي وَكَانَ ورعا متحريا اجْتمع بِهِ جمَاعَة من الْحفاظ والشيوخ مِنْهُم عبد الله بن الإِمَام أَحْمد بطرطوس وَكَتَبُوا كلهم انتخابه وَكَانَ أول رحلته إِلَى قُتَيْبَة بن سعيد الْبَلْخِي وَكَانَ إِذْ ذَاك ابْن خمس عشرَة سنة وَمكث عِنْده سنة وشهرين وَأخذ عَنهُ الحَدِيث وَكَانَ يواظب على صَوْم دَاوُد
قَالَ أَبُو سعيد عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن يُونُس صَاحب تَارِيخ مصر فِي تَارِيخه أَن النَّسَائِيّ قدم مصر قَدِيما وَكَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث ثِقَة ثبتا حَافِظًا وَكَانَ خُرُوجه من مصر فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الْمَعْرُوف بِابْن عَسَاكِر كَانَ لَهُ أَربع زَوْجَات يقسم لَهُنَّ وسراري وَكَانَ مَوْصُوفا بِكَثْرَة الْجِمَاع قَالَ ابْن خلكان وَله كتاب السّنَن وَسكن بِمصْر وانتشرت بهَا تصانيفه وَأخذ عَنهُ النَّاس
قَالَ مُحَمَّد بن اسحاق الاصبهاني سَمِعت مَشَايِخنَا بِمصْر يَقُولُونَ إِن أَبَا عبد الرَّحْمَن فَارق مصر فِي آخر عصره وَخرج إِلَى دمشق فَسئلَ عَن مُعَاوِيَة وَمَا رُوِيَ من فضائله فَقَالَ أما يرضى مُعَاوِيَة أَن يخرج رَأْسا بِرَأْس حَتَّى يفضل وَفِي رِوَايَة أُخْرَى مَا أعرف لَهُ فَضِيلَة إِلَّا لَا أشْبع الله بَطْنك وَكَانَ يتشيع فَمَا زَالُوا يدْفَعُونَ فِي حضنه حَتَّى أَخْرجُوهُ من الْمَسْجِد وَفِي رِوَايَة أُخْرَى يدْفَعُونَ فِي خصيه وداسوه ثمَّ حمل إِلَى الرملة فَمَاتَ بهَا
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ لما امتحن النَّسَائِيّ بِدِمَشْق قَالَ
стр. 244
احْمِلُونِي إِلَى مَكَّة فَحمل إِلَيْهَا فَتوفي بهَا وَهُوَ مدفون بَين الصَّفَا والمرة
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم الاصفهاني لما داسوه بِدِمَشْق مَاتَ بِسَبَب ذَلِك الدوس وَهُوَ مَنْقُول قَالَ وَكَانَ قد صنف كتاب الخصائص فِي فضل عَليّ بن أبي طَالب وَأهل الْبَيْت وَأكْثر رواياته عَن أَحْمد بن حَنْبَل فَقيل لَهُ أَلا تصنف كتابا فِي فضل الصَّحَابَة فَقَالَ دخلت دمشق والمنحرف عَن عَليّ كثير فَأَرَدْت أَن يهْدِيهم الله تَعَالَى بِهَذَا الْكتاب قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ امتحن بِدِمَشْق فَأدْرك الشَّهَادَة وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة ثَلَاث وثلاثمائة بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى وَقيل بالرملة من أَرض فلسطين
الْفَصْل السَّابِع فِي تَرْجَمَة ابْن مَاجَه
أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يزِيد بن عبد الله بن مَاجَه الربعِي بِالْوَلَاءِ نِسْبَة إِلَى ربيعَة الْقزْوِينِي الْحَافِظ الْمَشْهُور مُصَنف كتاب السّنَن فِي الحَدِيث قَالَ أَبُو يعلي الخليلي ابْن مَاجَه ثِقَة كَبِير مُتَّفق عَلَيْهِ مُحْتَج بِهِ لَهُ معرفَة وَحفظ وَالصَّحِيح أَن مَاجَه أمه وعَلى كلا الْقَوْلَيْنِ يكْتب الْألف على لفظ ابْن فِي الرَّسْم ليلعم أَنه وصف لمُحَمد لَا لما يَلِيهِ فَهُوَ مثل عبد الله بن مَالك ابْن بُحَيْنَة واسماعيل بن ابراهيم ابْن علية
وَفِي إنْجَاح الْحَاجة مَاجَه على ذكره الْمجد فِي الْقَامُوس وَالنَّوَوِيّ فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء لقب وَالِده لَا جده انْتهى وَالصَّحِيح هُوَ الأول
أَخذ الحَدِيث عَن جبارَة بن الْمُفلس وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر وَابْن نمير وَهِشَام بن عمار وَغَيرهم وَأكْثر استفادته من أبي بكر بن أبي شيبَة
стр. 245
وَمن تلامذته أَبُو الْحسن الْقطَّان صَاحب رِوَايَة سنَنه وَعِيسَى الْأَبْهَرِيّ وَغَيرهمَا من الْكِبَار
ولد سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وارتحل إِلَى الْعرَاق وَالْبَصْرَة والكوفة وبغداد وَمَكَّة وَالشَّام ومصر والري لكتب الحَدِيث وَله تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وتأريخ مليح وَكتابه فِي الحَدِيث أحد الصِّحَاح السِّتَّة توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَدفن يَوْم الثُّلَاثَاء لثمان بَقينَ من شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو بكر وَتَوَلَّى دَفنه أَخَوَاهُ أَبُو بكر وعبد الله وَابْنه عبد الله رَحمَه الله تَعَالَى
الْفَصْل الثَّامِن فِي تَرْجَمَة الإِمَام أَحْمد
الإِمَام أَبُو عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل بن هِلَال بن أَسد بن إِدْرِيس الشَّيْبَانِيّ الْمروزِي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ خرجت أمه من مرو وَهِي حَامِل بِهِ فولدته فِي بَغْدَاد فِي شهر ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقيل أَنه ولد بمرو وَحمل إِلَى بَغْدَاد وَهُوَ رَضِيع
وَكَانَ إِمَام الْمُحدثين من أَصْحَاب الشَّافِعِي يحفظ ألف ألف حَدِيث وَمن خواصه وَلم يزل مصاحبه على أَن ارتحل الشَّافِعِي إِلَى مصر وَقَالَ فِي حَقه خرجت من بَغْدَاد وَمَا خلفت بهَا أتقى وَلَا أفقه من ابْن حَنْبَل رَحل فِي طلب الحَدِيث وَدخل مَكَّة وَالْمَدينَة وَالشَّام واليمن والكوفة وَالْبَصْرَة والجزيرة وَسمع سُفْيَان بن عَيْنِيَّة وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَيحيى الْقطَّان وهشاما ووكيعا وَابْن علية وَابْن مهْدي وَعبد الرَّزَّاق وروى عَن خلائق لَا يُحصونَ
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي انْتهى الْعلم إِلَى أَرْبَعَة أَحْمد بن حَنْبَل وَهُوَ أفقههم فِي الحَدِيث وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَهُوَ أعلمهم بِهِ وَيحيى بن معِين وَهُوَ أكتبهم لَهُ وَابْن أبي بكر بن شيبَة وَهُوَ أحفظهم لَهُ
قَالَ أَبُو زرْعَة مَا رَأَيْت أحدا أجمع من أَحْمد بن حَنْبَل وَمَا رَأَيْت
стр. 246
أحدا أكمل مِنْهُ وَقد اجْتمع فِيهِ زهد وَفقه وَفضل وَأَشْيَاء كَثِيرَة وَقَالَ قُتَيْبَة هُوَ إِمَام الدُّنْيَا فِي زَمَانه
قَالَ عبد الله بن أَحْمد سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول كَانَ أَبوك يحفظ ألف ألف حَدِيث وَمَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثله قيل فِي الْعلم قَالَ فِي الْعلم والزهد وَالْفِقْه وَجَمِيع الْحَسَنَات قَالَ أَبُو دَاوُد لقِيت نَحْو مِائَتي رجل من الْمَشَايِخ فَمَا وجدت أحدا مثله وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ لَيْسَ فِي أَصْحَابنَا أحد أحفظ من أَحْمد لأحاديث رَسُول الله ﷺ قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ كَانَ الله جمع لَهُ علم الْأَوَّلين والآخرين وَقَالَ إِسْحَاق أَحْمد حجَّة بَين الله وخلقه وَقَالَ الشَّافِعِي أَحْمد إِمَام فِي ثَمَان خِصَال إِمَام فِي الحَدِيث إِمَام فِي الْفِقْه إِمَام فِي الْقُرْآن إِمَام فِي اللُّغَة إِمَام فِي السّنة إِمَام فِي الزّهْد إِمَام فِي الْوَرع إِمَام فِي الْفقر وَقَالَ أَبُو ثَوْر أجمع الْمُسلمُونَ على أَحْمد بن حَنْبَل وَكنت إِذْ رَأَيْته خيل إِلَيْك أَن الشَّرِيعَة لوح بَين عَيْنَيْهِ
وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ إِن الله أعز هَذَا الدّين برجلَيْن لَيْسَ لَهما ثَالِث أَبُو بكر يَوْم الرِّدَّة وَأحمد يَوْم المحنة وَمَا قَامَ أحد بِأَمْر الْإِسْلَام بعد رَسُول الله ﷺ مَا قَامَ أَحْمد لِأَنَّهُ قَامَ وَلَا أعوان لَهُ
وَقَالَ عَليّ بن شُعَيْب الطوسي كَانَ أَحْمد عندنَا الْمثل الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي أمتِي مَا كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل حَتَّى أَن الْمِنْشَار لَو وضع على مفرق رَأسه مَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه وَلَوْلَا أَحْمد بن حَنْبَل قَامَ بِهَذَا الشَّأْن لَكَانَ عارا علينا يَوْم الْقِيَامَة وأصل أَمر المحنة على اخْتِصَار أَن القَاضِي أَحْمد بن دَاوُد أحد رُؤَسَاء الْمُعْتَزلَة دس إِلَى الْمَأْمُون القَوْل بِخلق الْقُرْآن إِلَى أَن رسخ ذَلِك فِي قلبه وَأجْمع رَأْيه فِي سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَتَيْنِ على الدُّعَاء عَلَيْهِ وَكتب إِلَى نَائِبه على بَغْدَاد اسحاق بن إِبْرَاهِيم الْخُزَاعِيّ فِي امتحان الْعلمَاء وَحَملهمْ على القَوْل بِخلق الْقُرْآن بقهر السَّيْف إِن لم يجيبوا طَوْعًا فَكَانَ مِنْهُم وارى وَمِنْهُم من وري وَمِنْهُم من أجَاب تقية وَمِنْهُم من صمم على مُعْتَقد الْحق فرزق الشَّهَادَة وَأمره أَن يشخص إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل
стр. 247
وَلما بلغ أَحْمد إِلَى الرقة وافاه خبر موت الْمَأْمُون بطوس فَرجع إِلَى بَغْدَاد وَكتب الْمَأْمُون وَصِيَّة فِي تحريص الْخَلِيفَة بعده على حمل النَّاس على خلق الْقُرْآن وَلما اسْتَقر المعتصم فِي الْخلَافَة سجن أَحْمد وضربه على يَده وَكَانَ مكثه فِي السجْن مُنْذُ أَخذ وَحمل إِلَى أَن خلي عَنهُ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ شهرا وَمرض سَبْعَة أَيَّام فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة ثقل وَقبض صدر النَّهَار سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ قَالَ ابْن خلكان ودعى إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَلم يجب فَضرب وَحبس وَهُوَ مقرّ على الِامْتِنَاع وَكَانَ ضربه فِي الْعشْر الْأَخير من شهر رَمَضَان سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ
وَكَانَ حسن الْوَجْه ربعَة يخضب بِالْحِنَّاءِ خضبا لَيْسَ بالقاني فِي لحيته شعيرات سود
أَخذ عَنهُ الحَدِيث جمَاعَة من الأماثل مِنْهُم مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ وَمُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي وَلم يكن فِي آخر عصره مثله فِي الْعلم والورع توفّي ضحوة نَهَار الْجُمُعَة اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من شهر ربيع الأول وَقيل بل لثلاث عشرَة لَيْلَة بَقينَ مِنْهُ وَقيل من ربيع الآخر بِبَغْدَاد وَدفن بمقبرة بَاب حَرْب وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى حَرْب بن عبد الله أحد أَصْحَاب أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَإِلَى حَرْب هَذَا تنْسب الْمحلة الْمَعْرُوفَة بالحربية وقبر أَحْمد مَشْهُور بهَا يزار وحرز من حضر جنَازَته من الرِّجَال فَكَانُوا ثَمَانمِائَة ألف وَمن النِّسَاء سِتِّينَ ألف وَقيل أَنه أسلم يَوْم مَاتَ عشرُون ألفا من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَالْمَجُوس انْتهى قَالَ ابْن أبي حَاتِم سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول بَلغنِي أَن المتَوَكل أَمر أَن يمسح الْموضع الَّذِي وقف النَّاس فِيهِ للصَّلَاة على الإِمَام أَحْمد فَبلغ مقَام ألفي ألف وَخمْس مائَة ألف قَالَ الْعَلامَة ابْن الْقيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي إِعْلَام الموقعين وَكَانَ بهَا أَي بِبَغْدَاد إِمَام أهل السّنة على الْإِطْلَاق أَحْمد بن حَنْبَل الَّذِي مَلأ الأَرْض علما وحديثا وَسنة حَتَّى أَن أَئِمَّة علم الحَدِيث وَالسّنة بعده هم أَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَكَانَ ﵁ شَدِيد الْكَرَاهَة لتصنيف الْكتب وَكَانَ يحب تَجْرِيد الحَدِيث وَيكرهُ أَن يكْتب كَلَامه ويشتد عَلَيْهِ جدا فَعلم الله حسن نِيَّته
стр. 248
وَقصد فَكتب من كَلَامه وفتواه أَكثر من ثَلَاثِينَ سفرا وَمن الله سُبْحَانَهُ علينا بأكثرها فَلم يفتنا مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل وَجمع الْحَلَال نصوصه فِي الْجَامِع الْكَبِير فَبلغ نَحْو عشْرين سفرا أَو أَكثر وَرويت فَتَاوَاهُ ومسائله وَحدث بهَا قرنا بعد قرن فَصَارَت إِمَامًا وقدوة لأهل السّنة على اخْتِلَاف طبقاتهم حَتَّى أَن الْمُخَالفين لمذهبه بِالِاجْتِهَادِ والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لَهَا حَقّهَا وقربها من النُّصُوص وفتاوى الصَّحَابَة وَمن تَأمل فَتَاوَاهُ وفتاوى الصَّحَابَة رأى مُطَابقَة على كل مِنْهَا على الْأُخْرَى وَرَأى الْجمع كَأَنَّهَا تخرج من مشكاة وَاحِدَة حَتَّى أَن الصَّحَابَة إِذا اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ جَاءَ عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَكَانَ تحريه لفتاوى الصَّحَابَة كتحري أَصْحَابه لفتاواه ونصوصه حَتَّى أَنه ليقدم فتاواهم على الحَدِيث الْمُرْسل
وَكَانَ فَتَاوَاهُ مَبْنِيَّة على خمس أصُول أَحدهَا النُّصُوص فَإِذا وجد النَّص أفتى بِمُوجبِه وَلم يلْتَفت إِلَى مَا خَالفه وَلَا من خَالفه كَائِنا من كَانَ الثَّانِي مَا أفتى بِهِ الصَّحَابَة فَإِنَّهُ إِذا وجد لبَعْضهِم فَتْوَى لَا يعرف لَهُ مُخَالف مِنْهُم فِيهَا لم يعدها إِلَى غَيرهَا وَلم يقل أَن ذَلِك إِجْمَاع بل من ورعه فِي الْعبارَة يَقُول لَا أعلم شَيْئا يَدْفَعهُ أَو نَحْو هَذَا الثَّالِث إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة تخير من أَقْوَالهم مَا كَانَ أقربها إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَلم يخرج عَن أَقْوَالهم فَإِن لم يتَبَيَّن لَهُ مُوَافقَة أحد الْأَقْوَال حكى الْخلاف فِيهَا وَلم يجْزم بقول الرَّابِع الْأَخْذ بالمرسل والْحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يكن فِي الْبَاب شَيْء يَدْفَعهُ وَهُوَ الَّذِي رَجحه على الْقيَاس الْخَامِس الْقيَاس اسْتَعْملهُ للضَّرُورَة وَكَانَ شَدِيد الْكَرَاهَة وَالْمَنْع للإفتاء بِمَسْأَلَة لَيْسَ فِيهَا أثر على السّلف انْتهى مُلَخصا وَفِي وفيات الْأَعْيَان ذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الَّذِي صنفه فِي أَخْبَار بشر بن الْحَارِث مَا صورته حدث إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قَالَ رَأَيْت بشر الحافي فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ خَارج من بَاب مَسْجِد رصافة وَفِي كمه شَيْء يَتَحَرَّك فَقلت مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي وأكرمني فَقلت مَا هَذَا الَّذِي فِي كمك قَالَ قدم علينا البارحة روح أَحْمد بن حَنْبَل فنثر عَلَيْهِ
стр. 249
الدّرّ والياقوت فَهَذَا مِمَّا التقطت قلت فَمَا فعل يحيى بن معِين وَأحمد ابْن حَنْبَل قَالَ تركتهما وَقد زارا رب الْعَالمين وَوضعت لَهما الموائد قلت فَلم لم تَأْكُل مَعَهُمَا أَنْت قَالَ عرف هوان الطَّعَام عَليّ فأباحني النّظر إِلَى وَجهه الْكَرِيم انْتهى
قَالَ الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي فِي أشعة اللمعات مَا نَصه بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ أَحْمد قدوة فِي الحَدِيث وَالْفِقْه والزهد والورع وَالْعِبَادَة وَبِه عرف الصَّحِيح من السقيم والمجروح من الْمعدل قَالَ أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ مَا رَأَيْت شَابًّا أحفظ مِنْهُ لحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَقَالَ أَبُو دَاوُد المجالسة مَعَ أَحْمد مجالسة الْآخِرَة لم يكن شَيْء يذكر من أُمُور الدُّنْيَا فِي مَجْلِسه قيل اخْتَار الْفقر وصبر عَلَيْهِ سبعين سنة وَلم يقبل فِي تِلْكَ الْمدَّة قطّ شَيْئا من أحد قَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى أرسل من مصر إِلَى حسن بن عبد الْعَزِيز بِبَغْدَاد مِيرَاثه مائَة ألف دِينَار فأهدى مِنْهُ ثَلَاثمِائَة دِينَار إِلَى أَحْمد وَقَالَ إِن هَذَا المَال وصل إِلَيّ مِيرَاثا من وَجه الْحَلَال فَخذه وانفقه فِي عِيَالك قَالَ مَالِي إِلَيْهِ حَاجَة وَلم يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَمن أقوى الْحجَج وأسنى الْبَرَاهِين على علو مقَام هَذَا الإِمَام الْأَجَل الأكرم ورفعة مَكَانَهُ وَقُوَّة مذْهبه واجتهاده أَن الْغَوْث الْأَعْظَم والقطب الأفخم الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني ﵁ حَامِل مذْهبه وتابع أَقْوَاله وَلذَلِك ثَبت ذكره فِي الْحَنَابِلَة وَكَانَ حنبليا على الْمَشْهُور الْمُقَرّر انْتهى
وَبِالْجُمْلَةِ فتصانيف أَحْمد كَثِيرَة مِنْهَا التَّفْسِير الْمَبْسُوط وَكتاب الزّهْد وَكتاب النَّاسِخ والمنسوخ وَكتاب المنسك الكببير وَكتاب المنسك الصَّغِير وَكتاب حَدِيث شُعْبَة وفضائل الصَّحَابَة عُمُوما وفضائل أبي بكر الصّديق وفضائل الْحُسَيْن خُصُوصا وَكتاب التَّارِيخ وَكتاب الْأَشْرِبَة قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَهَذِه المصنفات كلهَا من قبيل الْفَوَائِد الدِّينِيَّة الَّتِي يُشَارِكهُ فِيهَا سَائِر الْمُحدثين بل فاقوا عَلَيْهِ وَلَيْسَت فِي أصُول الْمَذْهَب ومأخذه كموطأ مَالك فَليعلم انْتهى وَقد جمع فِي مُسْنده من الحَدِيث مالم يتَّفق لغيره قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ مُسْنده ثَلَاثُونَ ألفا وَبِزِيَادَة ابْنه عبد الله أَرْبَعُونَ ألف حَدِيث قَالَ صَالح ابْن الإِمَام أَحْمد حججْت
стр. 250
خمس مَرَّات ثَلَاث مِنْهَا رَاجِلا وأنفقت فِي إِحْدَاهُنَّ ثَلَاثِينَ درهما فَمَا رَأَيْت أبي قطّ اشْترى رمانا وَلَا سفرجلا وَلَا شَيْئا من الْفَوَاكِه إِلَّا أَن يَشْتَرِي بطيخة فيأكلها بِخبْز أَو عِنَب أَو تمركثيرا مَا كَانَ يأتدم بالخل حرزت كتبه فبلغت اثْنَي عشر حملا وعدلا كل ذَلِك يحفظه عَن ظهر قلب ومناقبه أَكثر من أَن تحصر
ومقصودي الْإِشَارَة إِلَى أَطْرَاف الْمَقَاصِد وَهَذَا قَلِيل من كثير أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة يسْتَدلّ بِهِ على جلالة قدرهم وعلو مرتبتهم فِي هَذَا الْعلم فِي الْأمة وَلَو فتحنا أَبْوَاب تعديد مناقبهم الجمة لخرجنا عَن غَرَض الِاخْتِصَار ولاستغرقت مآثرهم الجميلة الزبر الْكِبَار شعر
(وهممت أَن أصف الْحمى وبروقه ... لَكِن من الْأَشْيَاء مَا لَا يُوصف)
следующие страницы →