← Указатели

Указатели · id 10717

الحطة في ذكر الصحاح الستة

صديق حسن خان

Полный текст (259 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خطْبَة الْكتاب محمدلا لله الَّذِي جعل أهل الحَدِيث أهل النَّبِي ﷺ خَالِصَة من دون النَّاس فِي أعين البصراء بل صَحبه الَّذين صحبوا أنفاسه القدسية طول الاناء وَإِن لم يصحبوا نَفسه الزكية كصحبة الرُّحَمَاء فيا لَهُم من كرام أخلصهم الله بخالصة ذكرى الدَّار واصطفاهم لنصرة دينه وَحفظ شَرِيعَته وَتحمل عُلُوم نبيه الْمُخْتَار وناهيك بهَا من علياء ومصليا وَمُسلمًا على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد الْمَبْعُوث بمزيد الاصطفاء إِلَى الْأمة الأمية العرباء الناهض بأعباء الرسَالَة والدهر فِيهِ السَّرَّاء وَالضَّرَّاء المعيي بآيَات كِتَابه مصاقع الفصحاء والمفحم ببينات خطابه بواقع البلغاء غَايَة الإفحام والإعياء الراقي لَيْلَة الأسراء فَوق السَّمَاء مرقى مَا ترقى رقية الْأَنْبِيَاء فَأكْرم بِهِ من سَمَاء مَا طاولتها سَمَاء وعَلى أهل بَيته الطيبين الطاهرين السُّعَدَاء سلالة معشر الحنفاء الكبراء وقدوة أهل التَّقْوَى وَالْمَغْفِرَة بِغَيْر مراء الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا فيا للفخر والباواء وعَلى أَصْحَابه حماة حمى السّنة السّنيَّة البازغة الغراء وكماة حلبة الْملَّة الحنيفية السمحة السهلة الْبَيْضَاء وأتباعهم من أهل الحَدِيث وَحَملَة الْعلم ونقلة الرِّوَايَة ورواة الدِّرَايَة جزاهم الله أحسن الْجَزَاء مَا سح قطر الوطفاء على الرياض الْغناء وَبعد فَلَمَّا من الله تَعَالَى عَليّ وَله الْحَمد وَالثنَاء بتحصيل الْكتب السِّتَّة فِي الحَدِيث وقراءتها وَأحسن إِلَيّ وَله الْعِزّ والبقاء بتكميل تِلْكَ الصُّحُف الْعلية وروايتها انبعثت دَاعِيَة الشوق مني إِلَى العثور على تأليف مُفْرد فِي هَذَا الْبَاب مُشْتَمل على مَا لَا بُد من تعلمه لطَالب السّنة

стр. 2

وَالْكتاب فَلم أحظ بمؤلف فِيهِ خَبرا وَلم أجد لَهُ فِي الرسائل المتداولة أثرا وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا وَفِي تضاعيف طَبَقَات الْفَنّ مَذْكُورا فخطر ببالي أَن أجمع فِي ذَلِك رِسَالَة بالخصوص مُشْتَمِلَة على ذكر الصِّحَاح السِّتَّة وتراجم مؤلفيها وَمَا يتَّصل بهَا من نفائس فَوَائِد هَذَا الْعلم الْمَنْصُوص يَسْتَعِين بهَا الطَّالِب الْمُبْتَدِئ وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الرَّاغِب المنتهي وَذَلِكَ لِأَن كتب الحَدِيث وَإِن كَانَت فِي نَفسهَا كَثِيرَة ولدى أهل الْعلم شهيرة لَكِن الطَّبَقَة الْعليا مِنْهَا هِيَ الصِّحَاح السِّتَّة الَّتِي خصت بمزيد الصِّحَّة والشهرة وَالْقَبُول وتلقتها الْأمة المرحومة جَمِيعًا من السّلف وَالْخلف تلقيا لَا يحول وَلَا يَزُول واعتنى بروايتها عِصَابَة أهل الحَدِيث عناية تَامَّة وأذعن لضبطها ونشرها فِي كل عصر خاصتهم والعامة بل عَلَيْهَا اقتصروا فِي قِرَاءَة كتب الحَدِيث وتدريسه وَبهَا اكتفوا فِي تَحْصِيل سَنَد هَذَا الْعلم وتأسيسه فاستخرت الله تَعَالَى فِي تحريرها واستقدرته فِي تسطيرها وَجئْت بهَا فِي أقل زمَان على قدر وابتدرت لنيل الْمعَانِي ونظم الدُّرَر الْغرَر بَعْدَمَا التقطتها من الزبر الحوافل الْكِبَار روما لاقتناص الأوابد وغب مَا اقتطفتها من نفائس الرسائل والأسفار ضبطا لبَعض الشوارد راجيا بِأَن ينْتَفع بهَا الصالحون الراغبون فِي علم الحَدِيث وَأَهله السائرون المارون بحزنه وسهله سِيمَا الْوَلَد الأحب الْأَغَر الْأَقْرَب فلذة كَبِدِي الْمَعْنى وَثَمَرَة فُؤَادِي المضنى السَّيِّد نور الْحسن طيب بَارك الله فِي علمه وعمره وَنَهْيه وَأمره

стр. 3

لَا انتظاما فِي سلك المؤلفين وانصباغا بصبغ المصنفين وَمن أَيْن لي ذَلِك والبضاعة من هَذَا الْعلم قدر منزور والمتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور هَذَا وَقد سميتها ب الحطة فِي ذكر الصِّحَاح السِّتَّة وضمنتها فَاتِحَة وَخَمْسَة أَبْوَاب وخاتمة أعاذنا الله ومحصليها عَن النَّار الحاطمة فَخذهَا إِلَيْك رِسَالَة مفصلة شذورها وعقائلها للمشغوف بإحيائها ودونك مقَالَة مشرحة أَبْوَابهَا وفصولها للمستضيء بأضوائها فَإِنَّهَا أولى مَا يحفظه قراء الصِّحَاح السِّتَّة وطلبة علم الحَدِيث وأحق مَا يحصله أهل السّنة الطاهرة وخدامها فِي الْقَدِيم والْحَدِيث فقد استيقظت لَهَا وَالنَّاس نيام ووردت ماءها وهم صِيَام وَأَنا العَبْد الْفَقِير إِلَى الله الْغَنِيّ بِهِ عَمَّن سواهُ الشاكر على مَا أولاه خَادِم عُلُوم السّنة وأهاليها ومحصل فنون الحَدِيث ومتطفل مواليها راجي رَحْمَة الرَّحِيم الرَّحْمَن دَائِم الْفِكر متواصل الأحزان عبد ربه الْبَارِي وَابْن عَبده النُّور الساري أَبُو الطّيب عَليّ بن حسن بن عَليّ بن لطف الله الْحُسَيْنِي الْمَدْعُو بصديق حسن القنوجي البُخَارِيّ خصّه الله تَعَالَى بالاستفادة والإفادة وَجعله من الَّذين لَهُم الْحسنى وَزِيَادَة وَستر عيوبه بكرمه الضافي وَلم يكدر عَلَيْهِ مَا منحه من مشرع عطائه النمير الصافي والمرجو مِمَّن حباه الله تَعَالَى بشيمه الفتوة وَألبسهُ حلَّة الْمَرْوَة أَن يسامح إِن رأى قد زل الْقَلَم أَو دحض الْقدَم فَمن ديدن الْحر الْعَفو وللخرق الرفو وَالله ولي التَّوْفِيق والإجابة وَبِيَدِهِ الْهِدَايَة والإصابة

стр. 4

فَاتِحَة وفيهَا فصلان الْفَصْل الأول فِي فَضِيلَة الْعلم وَالْعُلَمَاء وَمَا يُنَاسِبهَا تدرسون الْفَوَائِد الْعليا واكتفيت مِمَّا ورد فِيهَا من الْآيَات وَالْأَخْبَار بِالْقَلِيلِ لشهرتها وَقُوَّة الدَّلِيل قَالَ الله ﵎ ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ ﴿هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ ﴿وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾ ﴿وَقل رب زِدْنِي علما﴾ ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾ و ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ وَعَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سلك الله بِهِ طَرِيقا من طرق الْجنَّة وَأَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رضى لطَالب الْعلم وَأَن الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالْحِيتَان فِي جَوف المَاء وَأَن فضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب وَأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَأَن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَإِنَّمَا

стр. 5

ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو داؤد وَابْن مَاجَه والدارمي وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححوه وَله طرق عديدة وألفاظ كَثِيرَة وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَلِيل الْعلم خير من كثير الْعِبَادَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يجاء بِالْعلمِ وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم قف حَتَّى تشفع للنَّاس رَوَاهُ الْأَصْفَهَانِي وَعَن ثَعْلَبَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله يَوْم الْقِيَامَة إِذا قعد على كرسيه لفصل عباده إِنِّي لم أجعَل علمي وحلمي فِيكُم إِلَّا وَأَنا أُرِيد أَن أَغفر لكم وَلَا أُبَالِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من جَاءَ أَجله وَهُوَ يطْلب الْعلم لَقِي الله تَعَالَى وَلم يكن بَينه وَبَين النَّبِيين إِلَّا دَرَجَة النُّبُوَّة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله وَمَلَائِكَته وَأهل السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى النملة فِي جحرها وَحَتَّى الْحُوت ليصلون على معلم النَّاس الْخَيْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأخرجه الدَّارمِيّ عَن مَكْحُول مُرْسلا وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة وَطَلَبه عبَادَة ومذكراته تَسْبِيح والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه لمن لَا يُعلمهُ صَدَقَة وبذله لأَهله قربَة لإنه معالم الْحَلَال وَالْحرَام ومنار سبل أهل الْجنَّة وَهُوَ الأنيس فِي الوحشة والصاحب فِي الغربة والمحدث فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيل فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالسِّلَاح على الْأَعْدَاء والزين عِنْد الإخلاء يرفع الله بِهِ أَقْوَامًا فيجعلهم فِي الْخَيْر قادة وأئمة يقتفى آثَارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إِلَى رَأْيهمْ يرغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتها تمسحهم يسْتَغْفر لَهُم كل رطب

стр. 6

ويابس وحيتان الْبَحْر وَهُوَ أمه وسباع الْبر وأنعامه لِأَن الْعلم حَيَاة الْقُلُوب من الْجَهْل ومصابيح الْأَبْصَار من الظُّلم يبلغ العَبْد بِالْعلمِ منَازِل الأخيار والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والتفكر فِيهِ يعدل الصّيام ومدارسته تعدل الْقيام بِهِ توصل الْأَرْحَام وَبِه يعرف الْحَلَال وَالْحرَام وَهُوَ إِمَام الْعَمَل وَالْعَمَل تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الأشقياء أوردهُ ابْن عبد الْبر فِي كتاب جَامع بَيَان الْعلم بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ حَدِيث حسن جدا وَفِي إِسْنَاده ضعف وروى أَيْضا من طرق شَتَّى مَوْقُوفا على معَاذ وَقد يُقَال الْمَوْقُوف فِي مثل هَذَا كالمرفوع لِأَن مثله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ قَالَ النَّوَوِيّ الِاشْتِغَال بِالْعلمِ من أفضل الْقرب وَأجل الطَّاعَات وأهم أَنْوَاع الْخَيْر وأكد الْعِبَادَات وَأولى مَا أنفقت فِيهِ نفائس الْأَوْقَات وشمر فِي إِدْرَاكه والتمكين فِيهِ أَصْحَاب الْأَنْفس الزاكيات وبادر إِلَى الاهتمام بِهِ المسارعون إِلَى الْخيرَات وسابق إِلَى التحلي بِهِ مستبقوا الكرمات وَقد تظاهر على مَا ذكرته جمل من الْآيَات الكريمات وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المشهورات وأقاويل السّلف النيرات وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذكرهَا لكَونهَا من الواضحات الجليات انْتهى قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي صيد الخاطر لَيْسَ فِي الْوُجُود شَيْء أشرف من الْعلم كَيفَ لَا وَهُوَ الدَّلِيل فَإِذا عدم وَقع الضلال انْتهى وَقَالَ الشَّافِعِي من شرف الْعلم أَن كل من نسب إِلَيْهِ وَلَو فِي شَيْء حقير فَرح وَمن رفع عَنهُ حزن وَقَالَ الْأَحْنَف كل عز لم يُوجد بِعلم فَإلَى ذل مصيره قيل سَادَات الْخلق ثَلَاثَة الْمَلَائِكَة والأنبياء والسلاطين وَكلهمْ خضعوا للْعلم أَمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم لفضل علمه وَأما الْأَنْبِيَاء فَحَدِيث مُوسَى وخضر وَأما الْمُلُوك فقصة يُوسُف فَلَمَّا كَلمه قَالَ ﴿إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين﴾ وَيُقَال الْعلم دَوَاء الْقُلُوب وشفاء الذُّنُوب وَنعم الحارس والفارس

стр. 7

ونظم (تعلم فَلَيْسَ الْمَرْء يُولد عَالما ... وَلَيْسَ أَخُو علم كمن هُوَ جَاهِل) (وَإِن كَبِير الْقَوْم لَا علم عِنْده ... صَغِير إِذا الْتفت عَلَيْهِ المحافل وَهُوَ قوت الْأَرْوَاح والقلوب وروضة الْمُحب والمحبوب بِهِ يفضل الذَّوْق الروحاني على الجسماني من عَالم الْمِيثَاق وَلَيْسَ يدْرك ذَاك إِلَّا من تضلع أَو ذاق شعر (لَا يعرف الشوق إِلَّا من يكابده ... وَلَا الصبابة إِلَّا من يدانيها) وَلَكِن على كل خير مَانع وعَلى الْعلم مَوَانِع مِنْهَا الوثوق بالمستقبل وبالذكا وبالانتقال من علم الى علم قبل أَن يحصل مِنْهُ قدرا يعْتد بِهِ أَو من كتاب إِلَى كتاب قبل خَتمه وَمِنْهَا طلب المَال والجاه أَو الركون إِلَى اللَّذَّات البهيمية وضيق الْحَال وَعدم المعونة على الِاشْتِغَال وإقبال الدُّنْيَا وتقليد الْأَعْمَال وَكَثْرَة التَّأْلِيف فِي الْعُلُوم وَكَثْرَة الاختصارات فَإِنَّهَا مخلة عائقة وَلكُل مِنْهَا تَفْصِيل ذكر فِي مَحَله فَائِدَة اعْلَم ان شرف الشَّيْء إِمَّا لذاته أَو لغيره وَالْعلم حائز للشرفين جَمِيعًا لِأَنَّهُ لذيذ فِي نَفسه فيطلب لذاته ولذيذ لغيره فيطلب لأَجله أما الأول فَلَا يخفى على أَهله أَنه لَا لَذَّة فَوْقهَا لِأَنَّهَا لَذَّة روحانية وَهِي اللَّذَّة الْمَحْضَة وَأما اللَّذَّة الجسمانية فَهِيَ دفع الْأَلَم فِي الْحَقِيقَة كَمَا أَن لَذَّة الْأكل دفع ألم الْجُوع وَلَذَّة الْجِمَاع دفع ألم الامتلاء بِخِلَاف اللَّذَّة الروحانية فَإِنَّهَا ألذ وأشهى من اللذائذ الجسمانية وَلذَا كَانَ الإِمَام أَبُو حنيفَة ﵀ يَقُول لَو يعلم الْمُلُوك مَا نَحن فِيهِ من لَذَّة الْعلم لحاربونا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَقَالَ الْفَقِيه الرباني مُحَمَّد بن حسن الشَّيْبَانِيّ عِنْدَمَا انْحَلَّت لَهُ مشكلات الْعُلُوم أَيْن أَبنَاء الْمُلُوك من هَذِه اللَّذَّة سِيمَا إِذا كَانَت الفكرة

стр. 8

فِي حقائق الملكوت وأسرار اللاهوت وَمن لذته التابعة لغيره أَنه لَا يقبل الْعَزْل وَالنّصب مَعَ دوامة لَا مزاحمة فِيهِ لأحد لِأَن المعلومات متسعة مزيدة بِكَثْرَة الشُّرَكَاء والصناعات متكالمة متزايدة بتلاحق الأفكار والآراء وَمَعَ هَذَا لَا ترى أحدا من الْوُلَاة الْجُهَّال إِلَّا يتمنون أَن يكون عزهم كعز أهل الْعلم إِلَّا أَن الْمَوَانِع البهيمية تمنع عَن نيله وَأما اللذائد الْحَاصِلَة لغيره أما فِي الْأُخْرَى فلكونه وَسِيلَة إِلَى أعظم اللذائد الأخروية والسعادة الأبدية وَأما فِي الدُّنْيَا فالعز وَالْوَقار ونفوذ الحكم على الْمُلُوك والحكام وَلزِمَ الاحترام فِي الطباع فَإنَّك ترى أغبياء التّرْك وأجلاف الْعَرَب وأرذال الْهِنْد وَغَيرهم يصادفون طبائعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم وعلمائهم لاختصاصهم بمزيد علم مُسْتَفَاد من التجربة بل الْبَهِيمَة تجدها توقر الْإِنْسَان بطبعها لشعورها بتمييز الْإِنْسَان بِكُل مجاوز لدرجتها حَتَّى أَنَّهَا تنزجر بزجره وَإِن كَانَت قوتها أَضْعَاف قُوَّة الْإِنْسَان ثمَّ السَّعَادَة منحصرة فِي قسمَيْنِ جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار وكل مِنْهُمَا دينوي وديني فالأقسام أَرْبَعَة الأول مَا ينجلب بِالْعلمِ من الْمَنَافِع الدِّينِيَّة وَهُوَ خَفِي وَخلقِي الثَّانِي مَا ينجلب بِهِ من الْمَنَافِع الدُّنْيَوِيَّة وَهُوَ وجداني وذوقي وجاهي رتبي ثمَّ مَا يجلبه الْعلم من الوجاهة والرتبة وَهِي إِمَّا عِنْد الله وَإِمَّا عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى وَإِمَّا عِنْد الْمَلأ الْأَسْفَل الثَّالِث مَا ينْدَفع بِالْعلمِ من المضار الدِّينِيَّة وَهُوَ نَوْعَانِ فعل النواهي وَترك الْأَوَامِر الرَّابِع مَا ينْدَفع بِهِ من المضار الدُّنْيَوِيَّة وَهُوَ أَيْضا نَوْعَانِ الأول دفع الْمصَالح والمقاصد وجلب المعايب والمفاسد الثَّانِي مضرَّة اجتلاب الْمَفَاسِد برفض القانون الشَّرْعِيّ العاصم من كل ضلال وَفِي الحَدِيث السَّابِق الْمَرْوِيّ من معَاذ بن جبل إِشَارَة إِلَى كل من هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة

стр. 9

فَائِدَة أُخْرَى لَا شَيْء من الْعلم من حَيْثُ هُوَ علم بضار وَلَا شَيْء من الْجَهْل من حَيْثُ هُوَ جهل بِنَافِع لِأَن فِي كل علم مَنْفَعَة إِمَّا فِي أَمر الْمعَاد أَو المعاش أَو الْكَمَال الإنساني وَإِنَّمَا يتَوَهَّم فِي بعض الْعُلُوم أَنه ضار أَو غير نَافِع لعدم اعْتِبَار الشُّرُوط الَّتِي تجب مراعاتها فِي الْعلم وَالْعُلَمَاء فَإِن لكل علم حدا لَا يتجاوزه فَمن الْوُجُوه المغلطة أَن يظنّ بِالْعلمِ فَوق غَايَته كَمَا يظنّ بالطب أَنه يبريء من جَمِيع الْأَمْرَاض وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن مِنْهَا مل لَا يبرأ بالمعالجة وَمِنْهَا أَن يظنّ بِالْعلمِ فَوق مرتبَة فِي الشّرف كَمَا يظنّ بالفقه أَنه أشرف الْعُلُوم على الْإِطْلَاق وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن علم التَّوْحِيد وَالْكتاب وَالسّنة أشرف مِنْهُ قطعا وَمِنْهَا أَن يقْصد بِالْعلمِ غير غَايَته كمن يتَعَلَّم علما لِلْمَالِ أَو الجاه فالعلوم لَيْسَ الْغَرَض مِنْهَا الِاكْتِسَاب بل الِاطِّلَاع على الْحَقَائِق وتهذيب الْأَخْلَاق على أَنه من تعلم علما للاحتراف لم يَأْتِ عَالما إِنَّمَا جَاءَ شَبِيها بالعلماء وَلَقَد كوشف عُلَمَاء مَا وَرَاء النَّهر بِهَذَا ونطقوا بِهِ لما بَلغهُمْ بِنَاء الْمدَارِس بِبَغْدَاد أَقَامُوا مأتم الْعلم وَقَالُوا كَانَ يشْتَغل بِهِ أَرْبَاب الهمم الْعلية والأنفس الزكية الَّذين يقصدون الْعلم لشرفه والكمال بِهِ فَيَأْتُونَ عُلَمَاء ينْتَفع بهم وبعلمهم وَإِذا صَار عَلَيْهِ أجره تداني إِلَيْهِ الإخساء وأرباب الكسل فَيكون سَببا لارتفاعه وَمِنْهَا أَن يمتهن الْعلم بابتذاله إِلَى غير أَهله كَمَا اتّفق فِي علم الطِّبّ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الزَّمن الْقَدِيم حِكْمَة موروثة عَن النُّبُوَّة فصارمهانا لما تعاطاه الْيَهُود بل زَالَ الْعلم بهم وَمَا أحسن قَول أفلاطون أَن الْفَضِيلَة تستحيل فِي النَّفس الرَّديئَة رذيلة كَمَا يَسْتَحِيل الْغذَاء الصَّالح فِي بدن السقيم إِلَى الْفساد وَمِنْهَا أَن يكون الْعلم عَزِيز المنال رفيع الرقي قَلما يتَحَصَّل غَايَته ويتعاطاه من لَيْسَ من أَهله لينال من تمويهه غَرضا كَمَا اتّفق فِي عُلُوم

стр. 10

الكيميا والسيميا وَالسحر والطلسمات وَالْعجب مِمَّن يقبل دَعْوَى من يَدعِي علما من هَذِه الْعُلُوم فَإِن الْفطْرَة قاضية بِأَن من يطلع على ذُبَابَة من أسرار هَذِه الْعُلُوم يكتمها عَن وَالِده وَولده وَمِنْهَا ذمّ جَاهِل متعالم لجهله إِيَّاه فَإِن من جهل شَيْئا أنكرهُ وعاداه كَمَا قيل الْمَرْء عَدو لما جَهله وَقَالَ تَعَالَى ﴿كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ﴾ أَو ذمّ جَاهِل متعالم لتعصبه على أَهله بِسَبَب من الْأَسْبَاب وَلَعَلَّ المُرَاد من منع الْأَئِمَّة عَن تَعْلِيم بعض الْعُلُوم وتعلمه تَخْلِيص أَصْحَاب الْعُقُول القاصرة من تَضْييع الْعُمر وتوزيبه بِلَا فَائِدَة فَإِن فِي تَعْلِيم أَمْثَاله لَيْسَ لَهُ عَائِدَة وَإِلَّا فالعلم إِن كَانَ مذموما فِي نَفسه لَا يَخْلُو تَحْصِيله عَن فَائِدَة أقلهَا رد الْقَائِلين بهَا كالمنطق وَغَيره فَائِدَة أُخْرَى شَرَائِط تَحْصِيل الْعلم كَثِيرَة وَمِنْهَا مَا نقل عَن سقراط وَهُوَ قَوْله يَنْبَغِي أَن يكون الطَّالِب شَابًّا فارغ الْقلب غير متلفت إِلَى الدُّنْيَا صَحِيح المزاج محبا للْعلم بِحَيْثُ لَا يخْتَار على الْعلم شَيْئا من الْأَشْيَاء مصدوقا منصفا بالطبع متدينا أَمينا عَالما بالوظائف الشَّرْعِيَّة والأعمال الدِّينِيَّة غير مخل بِوَاجِب فِيهَا وَيحرم على نَفسه مَا يحرم فِي مِلَّة نبيه ويوافق الْجُمْهُور فِي محَاسِن الرسوم وشرائف الْعَادَات وَلَا يكون فظا سيء الْخلق وَيرْحَم من دونه فِي الْمرتبَة وَلَا يكون أكولا وَلَا متهتكا وَلَا جَامعا لِلْمَالِ إِلَّا بِقدر الْحَاجة فَإِن الِاشْتِغَال بِطَلَب أَسبَاب الْمَعيشَة مَانع عَن التَّعَلُّم انْتهى

стр. 11

وَمِنْهَا تَزْكِيَة الطَّالِب عَن الْأَخْلَاق الرَّديئَة وَمِنْهَا الْإِخْلَاص فِي مقاسات هَذَا المسلك وَقطع الطمع عَن قبُول أحد وتقليل الْعَوَائِق حَتَّى الْأَهْل وَالْأَوْلَاد والوطن فَإِنَّهَا صارفة شاغلة ﴿مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ وَترك الكسل وإيثار السهر فِي اللَّيَالِي والعزم والثبات على التَّعَلُّم إِلَى آخر الْعُمر كَمَا قيل الطّلب من المهد إِلَى اللَّحْد وَقَالَ تَعَالَى لرَسُوله ﴿وَقل رب زِدْنِي علما﴾ وَقَالَ ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ فَإِن مَرَاتِب الْكَمَال مُتَفَاوِتَة وَهِي فِي حد ذَاتهَا كَثِيرَة وَمِنْهَا اخْتِيَار معلم نَاصح نقي الْحسب كَبِير السّنَن أَمِين متدين لَا يلابس الدُّنْيَا بِحَيْثُ تشغله عَن دينه ويسافر فِي طلب الْأُسْتَاذ إِلَى أقْصَى الْبِلَاد وَيُقَال أول مَا يذكر من الْمَرْء أستاذه فَإِن كَانَ جَلِيلًا جلّ قدره وَإِذا وجد يلقى إِلَيْهِ زِمَام أمره ويذعن لنصحه إذعان الْمَرِيض للطبيب وَمِنْهَا أَن يَأْتِي على مَا قَرَأَهُ مستوعبا لمسائله من مباديه إِلَى نهايته بتفهيم واستثبات بالحجج وَأَن يقْصد فِيهِ الْكتب الجيدة المستندة وَأَن لَا يعْتَقد فِي علم أَنه حصل مِنْهُ على مِقْدَار لَا يُمكن الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَإِن هَذَا طيش يُوجب الحرمان وَمِنْهَا المذاكرة مَعَ الأقران والمناظرة مَعَ الإخوان لما قيل الْعلم غرس وماؤه درس لَكِن طلبا للثَّواب وَإِظْهَار الصَّوَاب لَا لمماراة السُّفَهَاء ومجاراة الْعلمَاء قيل مطالعة سَاعَة خير من تكْرَار شهر وَلَكِن مَعَ منصف سليم الطَّبْع صَحِيح الْفِكر مهذب النَّفس

стр. 12

وَمِنْهَا مُرَاعَاة مَرَاتِب الْعُلُوم فِي الْقرب والبعد من الْمَقْصد فَلِكُل مِنْهَا رُتْبَة ترتيبا ضَرُورِيًّا بِحَسب الرِّعَايَة فِي التَّحْصِيل إِذا لبَعض طَرِيق إِلَى الْبَعْض وَلكُل علم حد لَا يتعداه فَعَلَيهِ أَن يعرفهُ فَلَا يتَجَاوَز ذَلِك الْحَد ولهذه الشَّرَائِط تفاصيل ذكرت فِي محلهَا فَائِدَة أُخْرَى يقدم فِي تَعْلِيم الْعُلُوم الأهم فالأهم فِيهِ والوسيلة مُقَدّمَة على الْمَقْصد كَمَا أَن المباحث اللفظية مُقَدّمَة على المباحث المعنوية لِأَن الْأَلْفَاظ وَسِيلَة إِلَى الْمعَانِي وَالتَّحْقِيق أَن تقدم الْعلم على الْعلم لثَلَاثَة أُمُور إِمَّا لكَونه أهم مِنْهُ كتقديم فرض الْعين على فرض الْكِفَايَة وَهُوَ على الْمَنْدُوب إِلَيْهِ وَهُوَ على الْمُبَاح وكتقديم الْكتاب وَالسّنة على الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وكتقديم السّنَن على الْبدع وَإِمَّا لكَونه وَسِيلَة إِلَيْهِ وَإِمَّا لكَون مَوْضُوعه جُزْء من مَوْضُوع الْعلم الآخر والجزء مقدم على الْكل فَيقدم الصّرْف على النَّحْو وَرُبمَا يقدم علم على علم لَا لشَيْء بل الْغَرَض مِنْهَا التمرين على إِدْرَاك المعقولات كَمَا أَن طَائِفَة من القدماء قدمُوا تَعْلِيم الْحساب وَكَثِيرًا مَا يقدم الأهون فالأهون وَلذَا قدم المصنفون فِي كتبهمْ النَّحْو على الصّرْف ولعلهم راعوا فِي ذَلِك أَن الْحَاجة إِلَى النَّحْو أمس ثمَّ إِنَّه يخْتَلف فروض الْكِفَايَة فِي التَّأْكِيد وَعَدَمه بِحَسب خلو الْأَعْصَار والأمصار فَرب مصر لَا يُوجد فِيهِ من يُقيم الْفَرِيضَة إِلَّا وَاحِد أَو إثنان وَيُوجد فِيهِ عشرُون فَقِيها فَيكون تعلم الْحساب فِيهِ أكد من أصُول الْفِقْه وَالْوَاجِب علمه هُوَ فرض عين وَهُوَ كل مَا أوجبه الشَّرْع على الشَّخْص فِي خَاصَّة نَفسه وَمَا أوجبه على الْمَجْمُوع ليعملوا بِهِ لَو قَامَ وَاحِد لسقط عَن البَاقِينَ يُسمى فرض كِفَايَة والعلوم الَّتِي هِيَ فروض كِفَايَة على الْمَشْهُور كل

стр. 13

علم لَا يسْتَغْنى عَنهُ فِي قوام أَمر الدُّنْيَا وقانون الشَّرْع كفهم الْكتاب وَالسّنة وحفظهما من التحريفات وَمَعْرِفَة الِاعْتِقَاد بِإِقَامَة الْبُرْهَان عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَإِزَالَة الشُّبْهَة وَمَعْرِفَة الْأَوْقَات والفرائض وَالْأَحْكَام الفرعية وَحفظ الْأَبدَان والأخلاق والسياسة وكل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى شَيْء من هَذِه كعلم اللُّغَة والتصريف والنحو والمعاني وَالْبَيَان وَمَعْرِفَة الْأَنْسَاب والحساب إِلَى غير ذَلِك من الْعُلُوم الَّتِي هِيَ وَسَائِل إِلَى هَذِه الْمَقَاصِد وتفاوت درجاتها فِي التَّأْكِيد بِحَسب الْحَاجة إِلَيْهَا فَائِدَة أُخْرَى الرحلة فِي طلب الْعلم مفيدة وَسبب ذَلِك أَن الْبشر يَأْخُذُونَ معارفهم وأخلاقهم وَمَا ينتحلونه من الْمذَاهب تَارَة علما وتعليما وإلقاء وَتارَة محاكاة وتلقينا بِالْمُبَاشرَةِ إِلَّا أَن حُصُول الملكات عَن الْمُبَاشرَة والتلقين أَشد استحكاما وَأقوى رسوخا فعلى قدر كَثْرَة الشُّيُوخ يكون حُصُول الملكة ورسوخها والاصطلاحات أَيْضا فِي تَعْلِيم الْعُلُوم مخلطة على المتعلم حَتَّى لقد يظنّ كثير مِنْهُم أَنَّهَا جُزْء من الْعلم وَلَا يدْفع عَنهُ ذَلِك إِلَّا مُبَاشَرَته لاخْتِلَاف الطّرق فِيهَا من المعلمين فلقاء أهل الْعُلُوم وتعدد الْمَشَايِخ يفِيدهُ تَمْيِيز الاصطلاحات بِمَا يرَاهُ من اخْتِلَاف طرقهم فِيهَا فيجرد الْعلم عَنْهَا وَيعلم أَنَّهَا أنحاء تَعْلِيم وتنهض قواه إِلَى الرسوخ وَالْأَحْكَام فِي الملكات فالرحلة لَا بُد مِنْهَا فِي طلب الْعلم لِاكْتِسَابِ الْفَوَائِد والكمال بلقاء الْمَشَايِخ ومباشرة الرِّجَال وَمن تشوق بفطرته إِلَى الْعلم مِمَّن نَشأ فِي الْقرى وَلَا يجد فِيهَا التَّعْلِيم لَا بُد لَهُ من الرحلة فِي طلبه إِلَى الْأَمْصَار فَائِدَة أُخْرَى الْحِفْظ غير الملكة العلمية وَمن كَانَ عنايته بِالْحِفْظِ أَكثر من عنايته إِلَى تَحْصِيل الملكة لَا يحصل إِلَى طائل من ملكة التَّصَرُّف فِي الْعلم وَلذَلِك ترى من حصل الْحِفْظ لَا يحسن شَيْئا من الْفَنّ وتجد ملكته قَاصِرَة فِي علمه إِن فاوض أَو نَاظر وَمن ظن أَنه الْمَقْصُود من الملكة العلمية فقد أَخطَأ وَإِنَّمَا الْمَقْصُود هُوَ ملكة الاستخراج والاستنباط وَسُرْعَة الِانْتِقَال

стр. 14

من الدوال إِلَى المدلولات وَمن اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم وَبِالْعَكْسِ فَإِن ضم إِلَيْهَا ملكة الاستحضار فَنعم الْمَطْلُوب وَهَذَا لَا يتم بِمُجَرَّد الْحِفْظ من أَسبَاب الاحتضار وَهُوَ رَاجع إِلَى جودة الْقُوَّة الحافظة وضعفها وَذَلِكَ من أَحْوَال الأمزجة الخلقية وَإِن كَانَ مِمَّا يقبل العلاج نقل الرَّازِيّ عَن الْحُكَمَاء أَن الْفَهم وَالْحِفْظ لَا يَجْتَمِعَانِ على سَبِيل الْكَمَال لِأَن الْفَهم يَسْتَدْعِي مزِيد رُطُوبَة فِي الدِّمَاغ وَالْحِفْظ يَسْتَدْعِي مزِيد يبوسة فِيهِ وَالْجمع بَينهمَا على سَبِيل التَّسَاوِي مُمْتَنع عَادَة شعر (آه على فهم وَحفظ وَأَن ... استحضر الْأَشْيَاء فِي وَقتهَا) فَائِدَة أُخْرَى تعْيين الْعلم الَّذِي هُوَ فرض عين على كل مُكَلّف أَعنِي الَّذِي يتضمنه قَوْله ﷺ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم للْعُلَمَاء اخْتِلَاف عَظِيم فِيهِ قَالَ الْفُقَهَاء هُوَ الْعلم بالحلال وَالْحرَام وَقَالَ المتكلمون هُوَ الْعلم الَّذِي يدْرك بِهِ التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ أساس الشَّرِيعَة وَقَالَ الصُّوفِيَّة هُوَ علم الْقلب وَمَعْرِفَة الخواطر لِأَن النِّيَّة الَّتِي هِيَ شَرط الْأَعْمَال لَا تصح إِلَّا بهَا وَقَالَ أهل الْحق هُوَ علم المكاشفة وَقَالُوا الْأَقْرَب إِلَى التَّحْقِيق أَنه الْعلم الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث لِأَنَّهُ الْفَرْض على عَامَّة الْمُسلمين وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ أبي طَالب الْمَكِّيّ وَزَاد عَلَيْهِ بَعضهم أَن وجوب المباني الْخَمْسَة إِنَّمَا هُوَ بِقدر الْحَاجة مثلا من بلغ ضحوة النَّهَار يجب عَلَيْهِ أَن يعرف الله بصفاته اسْتِدْلَالا وَأَن يتَعَلَّم كلمتي الشَّهَادَة مَعَ فهم مَعْنَاهُمَا وَإِن عَاشَ إِلَى وَقت الظّهْر يجب أَن يتَعَلَّم أَحْكَام الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَإِن عَاشَ إِلَى رَمَضَان يجب أَن يتَعَلَّم أَحْكَام الصَّوْم وَإِن ملك مَالا يجب أَن يتَعَلَّم كَيْفيَّة الزَّكَاة وَإِن حصل لَهُ استطاعة الْحَج يجب أَن يتَعَلَّم أَحْكَام الْحَج ومناسكه وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ والمحدثون هُوَ علم الْكتاب وَالسّنة وَلَقَد صدقُوا فَإِن الْعَالم

стр. 15

بهما عَالم بجملة الْعُلُوم الْمَذْكُورَة إِذْ كل الصَّيْد فِي جَوف الفرى وَلَيْسَ قربَة وَرَاء عبادان وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ الْعلم ثَلَاثَة آيَة محكمَة أَو سنة قَائِمَة أَو فَرِيضَة عادلة وَمَا كَانَ سوى ذَلِك فَهُوَ فضل رَوَاهُ أَبُو دؤاد وَابْن مَاجَه فَائِدَة أُخْرَى إِنَّمَا الْمَقْصُود من الْعلم والتعليم والتعلم معرفَة الله وَهِي غَايَة الغايات وَرَأس أَنْوَاع السعادات ويعبر عَنْهَا بِعلم الْيَقِين وَهُوَ الْكَمَال الْمَطْلُوب من الْعلم الثَّابِت من الْأَدِلَّة فإياك أَن يكون شغلك من الْعلم أَن تَجْعَلهُ صفة غلبت على قَلْبك حَتَّى قضيت نحبك بتكراره عِنْد النزع كَمَا يَحْكِي أَن أَبَا طَاهِر الزيَادي كَانَ يُكَرر مَسْأَلَة ضَمَان الدَّرك حَالَة نَزعه بل يَنْبَغِي لَك أَن تتخذه سَبِيلا إِلَى النجَاة وَلِهَذَا قيل من أَرَادَ أَن يرغم عدوه فليحصل الْعلم وَأَن لَا يترفه فِي الْمطعم والملبس وَأَن لَا يتجمل فِي الأثاث والمسكن بل يُؤثر الِاقْتِصَار فِي جَمِيع الْأُمُور ويتشبه بالسلف الصَّالح وَكلما ازْدَادَ إِلَى جَانب الْقلَّة ميله ازْدَادَ قربه من الله لِأَن التزين بالمباح وَإِن لم يكن حَرَامًا لَكِن الْخَوْض فِيهِ يُوجب الْأنس بِهِ حَتَّى يشق تَركه فالحزم اجْتِنَاب ذَلِك لِأَن من خَاضَ فِي الدُّنْيَا لَا يسلم مِنْهَا الْبَتَّةَ مَعَ أَنَّهَا مزرعة الْآخِرَة فَفِيهَا الْخَيْر النافع والسم الناقع قَالَ السُّبْكِيّ فِي معيد النعم الْعلمَاء فرق كَثِيرَة مِنْهُم الْمُفَسّر والمحدث والفقيه والأصولي والمتكلم وَغَيرهم وينشعب كل فرقة من

стр. 16

هَؤُلَاءِ فرقا كَثِيرَة وَيجمع الْكل أَنه حق عَلَيْهِم إرشاد وإفتاء المستفتين ونصح الطالبين وَإِظْهَار الْعلم كم علما ألْجمهُ الله بلجام من نَار وَأَن لَا يقصدوا بِالْعلمِ الرِّيَاء والمباهاة والسمعة وَلَا يَجْعَلُوهُ سَبِيلا إِلَى الدُّنْيَا فَإِن الدُّنْيَا أقل من ذَلِك وَأَقل دَرَجَات الْعَالم أَن يدْرك حقارة الدُّنْيَا وخستها وكدورتها وانصرامها وَعظم الاخرة ودوامها وصفاءها وَحقّ الْحق أَنِّي لاعجب من عَالم يَجْعَل علمه سَبِيلا إِلَى حطام الدُّنْيَا وَهُوَ يرى كثيرا تنَال بِالْجَهْلِ فَمَا بالنا نشتريها بأنفس الاشياء وَهُوَ الْعلم فَيَنْبَغِي أَن يقْصد بِهِ وَجه الله تَعَالَى والترقي إِلَى جوَار الْمَلأ الْأَعْلَى انْتهى مُلَخصا والإفادة أفضل من الْعِبَادَة وَلَا بُد لَهُ من النِّيَّة ليَكُون ذَلِك ابْتِغَاء لمرضات الله تَعَالَى وإرشاد عباده وَلَا يُرِيد بذلك زِيَادَة جاه وَحرمه وَلَا يطْلب على إفادته أجرا اقْتِدَاء بِصَاحِب الشَّرْع ﷺ وَمن بلغ رشده فِي الْعلم يَنْبَغِي أَن يبث إِلَيْهِ حقائق الْعُلُوم وَإِلَّا فحفظ الْعلم وإمساكه عَمَّن لَا يكون أَهلا لَهُ أولى بِهِ شعر ... سأكتم علمي عَن ذَوي الْجَهْل طاقي ... وَلَا أنثر الدّرّ النفيس على الغلم ... فَمن منح الْجُهَّال علما أضاعه ... وَمن منع المستوجبين فقد ظلم ... وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَاضع الْعلم عِنْد غير أَهله كمقلد الْخَنَازِير الْجَوْهَر واللؤلؤ وَالذَّهَب رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَي يحدث من لَا يفهمهُ أَو من يُرِيد مِنْهُ عرضا دنيويا أَو من لَا يتعلمه لله تَعَالَى كَذَا فِي الْمرقاة

стр. 17

فَائِدَة أُخْرَى كَانَت الْعَرَب فِي صدر الْإِسْلَام لَا تعتي بِشَيْء من الْعُلُوم إِلَّا بلغتهَا وَمَعْرِفَة أَحْكَام شريعتها وبصناعة الطِّبّ فَإِنَّهَا كَانَت مَوْجُودَة عِنْد أَفْرَاد مِنْهُم لحَاجَة النَّاس طرا إِلَيْهَا وَذَلِكَ مِنْهُم صونا لقواعد الاسلام وعقائد أَهله عَن تطرق الْخلَل من عُلُوم الْأَوَائِل قبل الرسوخ وَالْأَحْكَام حَتَّى يرْوى أَنهم أحرقوا مَا وجدوا من الْكتب فِي فتوحات الْبِلَاد وَقد ورد النَّهْي عَن النّظر فِي التَّوْرَاة والانجيل لِاتِّحَاد الْكَلِمَة واجتماعها على الْأَخْذ وَالْعَمَل بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى اخر عصر التَّابِعين ثمَّ حدث اخْتِلَاف الاراء وانتشار الْمذَاهب والأهواء فآل الْأَمر إِلَى التدوين والتحصين وَكَانَ الصَّحَابَة والتابعون لَهُم بِإِحْسَان لخلوص عقيدتهم ببركة صُحْبَة النَّبِي ﷺ وَقرب الْعَهْد اليه ولقة الِاخْتِلَاف والواقعات وتمكنهم من الْمُرَاجَعَة إِلَى الثِّقَات مستغنين عَن تدوين علم الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام حَتَّى أَن بَعضهم كره كتارة الْعلم كَابْن عَبَّاس ﵁ لَكِن لما انْتَشَر الاسلام واتسعت الْأَمْصَار وَتَفَرَّقَتْ الصَّحَابَة فِي الأقطار وَحدثت الفنن وَاخْتِلَاف الرَّاء وَكَثُرت الفتاوي وَالرُّجُوع إِلَى الكبراء أخذُوا فِي تدوين الحَدِيث وَالْفِقْه وعلوم الْقُرْآن وَاشْتَغلُوا بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال وَالِاجْتِهَاد والاستنباط وتمهيد الْقَوَاعِد وَالْأُصُول وترتيب الْأَبْوَاب والفصول وتكثير الْمسَائِل بأدلتها وإيراد الشُّبْهَة بأجوبتها وَتَعْيِين الأوضاع والاصطلاحات وتبيين الْمذَاهب والاختلافات وَكَانَ ذَلِك مصلحَة عَظِيمَة وفكرة فِي الصَّوَاب مُسْتَقِيمَة فَرَأَوْا ذَلِك مُسْتَحبا بل وَاجِبا لقضية الْإِيجَاب الْمَذْكُور فِي القَوْل الْمَأْثُور الْعلم صيد وَالْكِتَابَة قيد وَمَا كتب قر وَمَا لم يكْتب فر

стр. 18

ثمَّ صنف سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمَالك بن أنس بِالْمَدِينَةِ المنورة وَعبد الله بن وهب بِمصْر وَمعمر وَعبد الرَّزَّاق بِالْيمن وسُفْيَان الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن فُضَيْل بن غَزوَان بِالْكُوفَةِ وَحَمَّاد بن سَلمَة وروح بن عبَادَة بالبصبرة وهشيم بواسط وَعبد الله بن مبارك بخراسان وَكَانَ مطمح نظرهم بالتدوين ضبط معاقد الْقُرْآن والْحَدِيث ومعانيهما ثمَّ دونوا فِيمَا هُوَ كالوسيلة إِلَيْهِمَا وَلما اتَّسع ملك الْملَّة الاسلامية ودرست عُلُوم الْأَوَّلين بنبوتها وكتابها صيروا علومهم الشَّرْعِيَّة صناعَة بعد أَن كَانَت نقلا فَحدثت فِيهِ الملكات وتشوقوا إِلَى عُلُوم الْأُمَم فنقلوها بالمترجمة إِلَى علومهم وبعيت تِلْكَ الْكتب والدفاتر الَّتِي بلغتهم الأعجمية نسيا منسيا وأصبحت الْعُلُوم كلهَا بلغَة الْعَرَب وَاحْتَاجَ القائمون بِالْعلمِ إِلَى معرفَة الدلالات اللفظية والخطية فِي لسانهم دون مَا سواهُ من الألسن لدروسها وَذَهَاب الْعِنَايَة بهَا ولأول من عني بعلوم الْأَوَائِل الْخَلِيفَة الثَّانِي أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور ثمَّ لما أفضت الْخلَافَة إِلَى السَّابِع عبد الله الْمَأْمُون بن الرشيد تمم مَا بَدَأَ بِهِ جده فَأقبل على طلب الْعلم فِي موَاضعه واستخراجه من معادنه فداخل مُلُوك الرّوم وسألهم وصلَة مَا لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إِلَيْهِ مِنْهَا بِمَا حضرهم من كتب الْحُكَمَاء وأحضر لَهَا مهرَة المترجمين فترجموا لَهُ على غَايَة مَا أمكن فنفقت لَهُ سوق الْعلم وَقَامَت دولة الْحِكْمَة فِي عصره

стр. 19

فَائِدَة أُخْرَى وَمن النَّاس من يُنكر التصنيف فِي هَذَا الزَّمَان مُطلقًا وَلَا وَجه لانكاره من أَهله وَإِنَّمَا يحملهُ عَلَيْهِ التنافس والحسد الْجَارِي بَين أهل الاعصار وَللَّه در الْقَائِل فِي نظمه نظم ... قل لمن لَا يرى المعاصر شَيْئا ... وَيرى للأوائل التقديما ... إِن ذَاك الْقَدِيم كَانَ حَدِيثا ... وسيبقى هَذَا الحَدِيث قَدِيما كَيفَ ونتائج الأفكار لَا تقف عِنْد حد وتصرفات الأنظار لَا تَنْتَهِي إِلَى غَايَة بل لكل عَالم ومتعلم مِنْهَا حَظّ يحرزه فِي وقته الْمُقدر لَهُ وَلَيْسَ لأحد أَن يزاحمه فِيهِ لِأَن الْعَالم الْمَعْنَوِيّ وَاسع كالبحر الزاخر والفيض الإلهي لَيْسَ لَهُ إنقطاع وَلَا آخر والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية فَغير مستبعد أَن يدّخر لبَعض الْمُتَأَخِّرين مَا لم يدّخر لكثير من الْمُتَقَدِّمين قَالَ ﷺ مثل أمتِي مثل الْمَطَر لَا يدْرِي أَوله خير أم آخِره رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي المصابيح عَن أنس وَقَالَ أمتِي أمة مباركة لَا يدْرِي أَولهَا خير أَو آخرهَا وَقَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد إِنِّي رَأَيْت آخر طبقَة واضعب كل حِكْمَة ومؤلفي كل أدب أهذب لفظا وأسهل لُغَة وَأحكم مَذَاهِب وأوضح طَريقَة من الأول لِأَنَّهُ نَاقص متعقب وَالْأول باديء مُتَقَدم انتهي قَالَ الشَّاعِر ... وَإِنِّي وَإِن كنت الْأَخير زمانة ... لآت بِمَا لم تستطعه الْأَوَائِل ... وَلَا غرو فِي هَذَا فَرب حَدِيث تقدم على قديم وَسبق وَإِن تَأَخّر فالرجال معادن وَلكُل زمَان محَاسِن والخواطر موارد لَا تنزح والأفكار مصابيح لَا تطفىء والأفهام مرايا لَا تتناهي صورها والعقول سحائب لَا ينفذ مطرها والمعالي غير متناهية والفضائل غير متوارية وَأم اللَّيَالِي ولود وَالْفضل فِي كل حِين مشهود وَإِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء

стр. 20

فَائِدَة أُخْرَى حَملَة الْعلم فِي الْإِسْلَام أَكْثَرهم الْعَجم وَذَلِكَ من الْغَرِيب الْوَاقِع لِأَن عُلَمَاء الْملَّة الإسلامية فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية أَكْثَرهم الْعَجم إِلَّا فِي الْقَلِيل النَّادِر وَإِن كَانَ مِنْهُم الْعَرَبِيّ فِي نسبته فَهُوَ أعجمي فِي لغته وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن الْملَّة فِي أَولهَا لم يكن فِيهَا علم وَلَا صناعَة لمقْتَضى أَحْوَال البداوة وَإِنَّمَا أَحْكَام الشَّرِيعَة كَانَ الرِّجَال ينقلونها فِي صُدُورهمْ وَقد عرفُوا مأخذها من الْكتاب وَالسّنة بِمَا نقلوه من صَاحب الشَّرْع وَأَصْحَابه وَالْقَوْم يَوْمئِذٍ عرب لم يعرفوا أَمر التَّعْلِيم والتدوين وَلَا دعتهم إِلَيْهِ حَاجَة إِلَى آخر عصر التَّابِعين وَكَانُوا يسمون المختصين بِحمْل ذَلِك وَنَقله الْقُرَّاء فهم قراء كتاب الله وَالسّنة المأثورة الَّتِي هِيَ فِي غَالب مواردها تَفْسِير لَهُ وَشرح فَلَمَّا بعد النَّقْل من لدن دولة الرشيد احْتِيجَ إِلَى وضع التفاسير القرآنية وَتَقْيِيد الحَدِيث مَخَافَة ضيَاعه ثمَّ احْتِيجَ إِلَى معرفَة الْأَسَانِيد وتعديل الروَاة ثمَّ كثر اسْتِخْرَاج أَحْكَام الْوَاقِعَات من الْكتاب وَالسّنة وَفَسَد مَعَ ذَلِك اللِّسَان فاحتيج إِلَى وضع القوانين النحوية وَصَارَت الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة كلهَا ملكات فِي الاستنباط والتنظير وَالْقِيَاس واحتاجت إِلَى عُلُوم أُخْرَى هِيَ وَسَائِل لَهَا كقوانين الْعَرَبيَّة وقوانين الاستنباط وَالْقِيَاس والذب عَن العقائد بالأدلة فَصَارَت هَذِه الْأُمُور كلهَا علوما محتاجة إِلَى التَّعْلِيم فاندرجت فِي جملَة الصَّنَائِع وَالْعرب أبعد النَّاس عَنْهَا فَصَارَت الْعُلُوم لذَلِك حضرية والحضر هم الْعَجم أَو من فِي معناهم لِأَن أهل الحواضر تبع للعجم فِي الحضارة وَأَحْوَالهَا من الصَّنَائِع والحرف لأَنهم أقوم على ذَلِك للحضارة الراسخة فيهم مُنْذُ دولة الْفرس فَكَانَ صَاحب صناعَة النَّحْو سِيبَوَيْهٍ والفارسي والزجاج كلهم عجم فِي أنسابهم اكتسبوا اللِّسَان الْعَرَبِيّ بمخالطة الْعَرَب وصيروه قوانين لمن بعدهمْ وَكَذَلِكَ حَملَة الحَدِيث وحفاظه أَكْثَرهم عجم أَو مستعجمون باللغة وَكَانَ عُلَمَاء أصُول الْفِقْه كلهم عجما وَكَذَلِكَ حَملَة أهل الْكَلَام وَأكْثر الْمُفَسّرين وَلم يقم بِحِفْظ الْعلم وتدوينه إِلَّا الْأَعَاجِم وَأما الْعَرَب الَّذين أدركوا هَذِه الحضارة وَخَرجُوا إِلَيْهَا عَن

стр. 21

البداوة فشغلهم الرِّئَاسَة فِي الدولة العباسية وَمَا دفعُوا إِلَيْهِ من الْقيام بِالْملكِ عَن الْقيام بِالْعلمِ مَعَ مَا يلحقهم من الأنفة عَن انتحال الْعلم لكَونه من جملَة الصَّنَائِع والرؤساء يستنكفون عَن الصَّنَائِع وَأما الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَلم تظهر فِي الْملَّة إِلَّا بعد أَن تميز حَملَة الْعلم ومؤلفوه وَاسْتقر الْعلم كُله صناعَة فاختصت بالعجم وَتركهَا الْعَرَب فَلم يحملهَا إِلَّا المستعربون من الْعَجم فَائِدَة أُخْرَى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة كَثِيرَة وَهِي علم التَّفْسِير وَعلم الْقِرَاءَة وَعلم الحَدِيث وَعلم الْفِقْه وَعلم الْكَلَام وَعلم العقائد وَغَيرهَا وفروع هَذِه الْعُلُوم وأفضلها رُتْبَة وأكملها شرافة وأعظهما نفعا علم الحَدِيث وَالْقُرْآن وَالنَّظَر فيهمَا لَا بُد أَن يتقدمه الْعُلُوم الْعَرَبيَّة لِأَنَّهُ مُتَوَقف عَلَيْهَا وَهِي علم اللُّغَة والنحو وَالْبَيَان وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه الْعُلُوم النقلية كلهَا مُخْتَصَّة بالملة الإسلامية وَإِن كَانَت كل مِلَّة لَا بُد فِيهَا من مثل ذَلِك فَهِيَ مُشَاركَة لَهَا من حَيْثُ أَنَّهَا عُلُوم الشَّرِيعَة وَأما على الْخُصُوص فمباينة لجَمِيع الْملَل لِأَنَّهَا ناسخة لَهَا وكل مَا قبلهَا من عُلُوم الْملَل فمهجورة وَالنَّظَر فِيهَا مَحْظُور وَإِن كَانَ فِي الْكتب الْمنزلَة غير الْقُرْآن كَمَا ورد النَّهْي عَن النّظر فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ثمَّ إِن هَذِه الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة قد نفقت أسواقها فِي هَذِه الْملَّة بِمَا لَا مزِيد فِيهِ وانتهت فِيهَا مدارك الناظرين إِلَى الْغَايَة الَّتِي لَا فَوْقهَا وَحدثت الاصطلاحات ورتبت الْفُنُون وَكَانَ لكل فن رجال يرجع إِلَيْهِم فِيهِ ووضاع يُسْتَفَاد مِنْهُم التَّعْلِيم واختص الْمشرق من ذَلِك وَالْمغْرب بِمَا هُوَ مَشْهُور مِنْهَا وَكتب الْعلم كَثِيرَة لاخْتِلَاف أغراض المصنفين فِي الْوَضع والتأليف وَقد دون أَسمَاء تدويناتهم صَاحب كشف الظنون على وَجه الِاسْتِقْصَاء ولعمري إِنَّه أجدى من تفاريق الْعَصَا فَائِدَة أُخْرَى المؤلفون الْمُعْتَبرَة تصانيفهم فريقان الأول من لَهُ فِي الْعلم ملكة تَامَّة ودراية كَامِلَة وتجارب وَثِيقَة

стр. 22

وحدس صائب وَفهم ثاقب فتصانيفهم عَن قُوَّة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رَأْي وَهَؤُلَاء أحسنو إِلَى النَّاس كَمَا أحسن الله تَعَالَى إِلَيْهِم وَهَذَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ أحد وَالثَّانِي من لَهُ ذهن ثاقب وَعبارَة طَلْقَة طالع الْكتب فاستخرج دررها ومارس الصُّحُف فَأحْسن نظمها وَهَذَا ينْتَفع بِهِ المبتدؤن والمتوسطون وَمِنْهُم من جمع وصنف للاستفادة للإفادة فَلَا حجر عَلَيْهِ بل يرغب إِلَيْهِ إِذا تأهل فَإِن الْعلمَاء قَالُوا يَنْبَغِي للطَّالِب أَن يشْتَغل بالتخريج والتصنيف فِيمَا فهمه مِنْهُ إِذا احْتَاجَ النَّاس إِلَيْهِ بتوضيح عِبَارَته كي يكسبه جميل الذّكر وتخليده إِلَى آخر الدَّهْر والتعقب على الْكتب سهل بِالنِّسْبَةِ إِلَى تأليفها ووضعها وترصيفها كَمَا يُشَاهد فِي الْأَبْنِيَة الْعَظِيمَة والهياكل الْقَدِيمَة حَيْثُ يعْتَرض على بانيها من عرى فِي فنه عَن القوى وَالْقدر بِحَيْثُ لَا يقدر على وضع حجر على حجر وَقد كتب القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم البيساني إِلَى الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي معتذرا عَن كَلَام استدركه عَلَيْهِ أَنه وَقع لي شَيْء وَمَا أَدْرِي أوقع لَك أم لَا وَهَا أَنا أخْبرك بِهِ وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْت أَنه لَا يكْتب إنْسَانا كتابا فِي يَوْمه إِلَّا قَالَ فِي غده لَو غير هَذَا لَكَانَ أحسن لَو زيد هَذَا لَكَانَ يستحسن وَلَو قدم هَذَا لَكَانَ أفضل وَلَو ترك هَذَا لَكَانَ أجمل وَهَذَا من أعظم العبر وَهُوَ دَلِيل على اسْتِيلَاء النَّقْص على جملَة الْبشر وَهَذِه الْفَوَائِد قد التقطتها من مُقَدّمَة كتاب كشف الظنون وَغَيره من كتب الْفُنُون وَإِن كَانَت قَليلَة الْمُنَاسبَة بفن الرسَالَة وَوضع هَذِه الْمقَالة نظم (خرجت من شَيْء إِلَى غَيره ... كَذَلِك الْفَاضِل إِذا ينْسَخ) (يكْتب هَذَا ثمَّ هَذَا وَذَا ... لَعَلَّه فِي قلبه يرسخ) فَائِدَة أُخْرَى أَخذ النَّاس الْيَوْم يزهدون فِي الْعلم وينتفرون مِنْهُ ويشتغلون عَنهُ بتزاحم الْفِتَن تَارَة وَجمع الشمل أُخْرَى وبقلة الرغبات فِيهِ وَكَثْرَة

стр. 23

الْخَوْض فِيمَا لَا يعنيه إِلَى أَن كَاد يرْتَفع جملَة وَكَذَا شَأْن سَائِر الصَّنَائِع والدول فَإِنَّهَا تبتديء قَلِيلا قَلِيلا وَلَا يزَال يزِيد حَتَّى يصل إِلَى غَايَة هِيَ منتهاه ثمَّ يعود إِلَى النُّقْصَان فيؤول أمره إِلَى الْغَيْبَة فِي مهاد النسْيَان شعر (ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام) وَالْحق أَن أعظم الْأَسْبَاب فِي رواج الْعلم وكساده هُوَ رَغْبَة الْمُلُوك فِي كل عصر وَعدم رغبتهم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون سِيمَا على ذهَاب علم الدّين وَالْإِسْلَام من الحَدِيث وَالتَّفْسِير اللَّذين عَلَيْهِمَا مدَار العقائد وَالْأَحْكَام وَقد مَال أهل الْعَصْر عَن شاكلة الصَّوَاب وانخدعوا بلامع السراب واقتنعوا من الْعُلُوم بالقشر عَن اللّبَاب قَالَ الْغَزالِيّ أَدِلَّة الطَّرِيق هم الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَقد شغر عَنْهُم الزَّمَان وَلم يبْق إِلَّا المترسمون وَقد استحوذ على أَكْثَرهم الشَّيْطَان واستغواهم الطغيان وَأصْبح كل وَاحِد مِنْهُم يعاجل حَظه مشغوفا فَصَارَ يرى الْمَعْرُوف مُنْكرا وَالْمُنكر مَعْرُوفا حَتَّى ظلّ علم الدّين مندرسا ومنار الْهدى فِي أقطار الأَرْض منطمسا وَلَقَد خيلوا إِلَى الْخلق أَن لَا علم إِلَّا فَتْوَى حُكُومَة تستعين ثمَّ الْقُضَاة على فصل الْخِصَام عِنْد تهارش الطغام أَو جدل يتدرع بِهِ طَالب المباهاة إِلَى الْغَلَبَة والإفحام أَو سجع مزخرف يتوسل بِهِ الْوَاعِظ إِلَى اسْتِدْرَاج الْعَوام إِذْ لم يرَوا مَا سوى هَذِه الثَّلَاثَة مصيدة لِلْحَرَامِ وشبكة للحطام فَأَما علم طَرِيق الْآخِرَة وَمَا درج عَلَيْهِ السّلف الصَّالح مِمَّا سَمَّاهُ الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه فقها وَحِكْمَة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح من بَين الْخلق مطويا وَصَارَ نسيا منسيا ولعمري إِنَّه لَا سَبَب لإصرارك على النكير إِلَّا الدَّاء الَّذِي عَم الجم الْغَفِير بل شَمل الجماهير من الْقُصُور عَن مُلَاحظَة ذرْوَة هَذَا الْأَمر وَالْجهل بِأَن الْأَمر إد والخط جد وَالْآخِرَة مقبلة وَالدُّنْيَا مُدبرَة وَالْأَجَل قريب وَالسّفر بعيد والزاد طفيف والخطر عَظِيم وَالطَّرِيق سد وَمَا سوى الْخَالِص لوجه الله

стр. 24

من الْعلم وَالْعَمَل عِنْد النَّاقِد الْبَصِير رد وسلوك طَرِيق الْآخِرَة مَعَ كَثْرَة الغوائل من غير دَلِيل وَلَا رَفِيق مُتْعب ومكد انْتهى وَلَقَد أنصف الذَّهَبِيّ فِي قَوْله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وَأما الْيَوْم فَمَا بَقِي من هَذِه الْعُلُوم القليلة أَيْضا إِلَّا الْقَلِيل فِي أنَاس قَلِيل وَمَا أقل من يعْمل مِنْهُم بذلك الْقَلِيل فحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل انْتهى وَلَقَد روينَا عَن زِيَاد بن لبيد أَنه قَالَ ذكر النَّبِي ﷺ شَيْئا فَقَالَ ذَاك عِنْد أَو أَن ذهَاب الْعلم قلت يَا رَسُول الله وَكَيف يذهب الْعلم وَنحن نَقْرَأ الْقُرْآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه ابناؤنا أَبْنَاءَهُم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ ثكلتك أمك زِيَاد إِن كنت لأرَاك من أفقه رجل بِالْمَدِينَةِ أوليس هَذَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى يقرأون التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لَا يعْملُونَ بِشَيْء مِمَّا فيهمَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وروى التِّرْمِذِيّ نَحوه وَكَذَا الدَّارمِيّ عَن أبي أُمَامَة وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه فِي الْجنَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُوشك أَن يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يبْقى من الْإِسْلَام إِلَّا اسْمه وَلَا من الْقُرْآن إِلَّا رسمه مَسَاجِدهمْ عامرة وَهِي خراب من الْهدى علماؤهم شَرّ من تَحت أَدِيم السَّمَاء من عِنْدهم تخرج الْفِتْنَة وَفِيهِمْ تعود رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان فيا للْمُسلمين ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَمَا نزل من الْحق نظم (يَا أسفي من فِرَاق قوم ... هم المصابيح والحصون) (والمدن والمزن والرواسي ... وَالْخَيْر وَالدّين والسكون) (لم تَتَغَيَّر لنا اللَّيَالِي ... حَتَّى توفتهم الْمنون) (بعدهمْ الْعَيْش لَيْسَ يصفو ... كَيفَ وَقد جَفتْ الْعُيُون) (فَكل جمر لنا قُلُوب ... وكل مَاء لنا عُيُون)

стр. 25

الْفَصْل الثَّانِي فِي شرف علم الحَدِيث وفضيلة الْمُحدثين اعْلَم أَن أنف الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ومفتاحها ومشكاة الْأَدِلَّة السمعية ومصباحها وعمدة المناهج اليقينية ورأسها ومبنى شرائع الْإِسْلَام وأساسها ومستند الرِّوَايَات الْفِقْهِيَّة كلهَا ومأخذ الْفُنُون الدِّينِيَّة دقها وجلها وأسوة جملَة الْأَحْكَام وأسها وَقَاعِدَة جَمِيع العقائد وأسطقسها وسماء الْعِبَادَات وقطب مدارها ومركز الْمُعَامَلَات ومحط حارها وقارها هُوَ علم الحَدِيث الشريف الَّذِي تعرف بِهِ جَوَامِع الْكَلم وتنفجر مِنْهُ ينابيع الحكم وتدور عَلَيْهِ رحى الشَّرْع بالأسر وَهُوَ ملاك كل نهي وَأمر ولولاه لقَالَ من شَاءَ مَا شَاءَ وخبط النَّاس خبط عشواء وركبوا متن عمياء فطوبى لمن جد فِيهِ وَحصل مِنْهُ على تنويه يملك من الْعُلُوم النواصي وَيقرب من أطرافها الْبعيد القاصي وَمن لم يرضع من دره وَلم يخض فِي بحره وَلم يقتطف من زهره ثمَّ تعرض للْكَلَام فِي الْمسَائِل وَالْأَحْكَام فقد جَار فِيمَا حكم وَقَالَ على الله تَعَالَى مالم يعلم كَيفَ وَهُوَ كَلَام رَسُول الله ﷺ وَالرَّسُول أشرف الْخلق كلهم أَجْمَعِينَ وَقد أُوتى جَوَامِع الْكَلم وسواطع الحكم من عِنْد رب الْعَالمين فَكَلَامه أشرف الْكَلم وأفضلها وَأجْمع الحكم وأكملها كَمَا قيل كَلَام الْمُلُوك ملك الْكَلَام وَهُوَ تلو كَلَام الله تَعَالَى العلام وَثَانِي أَدِلَّة الْأَحْكَام فَإِن عُلُوم الْقُرْآن وعقائد الْإِسْلَام بأسرها وَأَحْكَام الشَّرِيعَة المطهرة بِتَمَامِهَا وقواعد الطَّرِيقَة الحقة بحذافيرها وَكَذَا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطميرها تتَوَقَّف على بَيَانه ﷺ فَإِنَّهَا مالم توزن بِهَذَا القسطاس الْمُسْتَقيم وَلم تضرب على ذَلِك المعيار القويم لَا يعْتَمد عَلَيْهَا وَلَا تصار

стр. 26

إِلَيْهَا فَهَذَا الْعلم الْمَنْصُوص وَالْبناء المرصوص بِمَنْزِلَة الصراف لجواهر الْعُلُوم عقليها ونقليها وكالنقاد لنقود كل فنون أصليها وفرعيها من وُجُوه التفاسير والفقهيات ونصوص الْأَحْكَام ومأخذ عقائد الْإِسْلَام وطرق السلوك إِلَى الله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام فَمَا كَانَ مِنْهَا كَامِل الْعيار فِي نقد هَذَا الصراف فَهُوَ الحري بالترويج والاشتهار وَمَا كَانَ زيفا غير جيد عِنْد ذَلِك النقاد فَهُوَ القمين بِالرَّدِّ والطرد وَالْإِنْكَار فَكل قَول يصدقهُ خبر الرَّسُول فَهُوَ الْأَصْلَح للقبول وكل مَا لَا يساعده الحَدِيث وَالْقُرْآن فَذَلِك فِي الْحَقِيقَة سفسطة بِلَا برهَان فَهِيَ مصابيح الدجى ومعالم الْهدى وبمنزلة الْبَدْر الْمُنِير من انْقَادَ لَهَا فقد رشد واهتدى وأوتي الْخَيْر الْكثير وَمن أعرض عَنْهَا وَتَوَلَّى فقد غوى وَهوى وَمَا زَاد نَفسه إِلَّا التخسير فَإِنَّهُ ﷺ نهى وَأمر وأنذر وَبشر وَضرب الْأَمْثَال وَذكر وَإِنَّهَا لمثل الْقُرْآن بل هِيَ أَكثر وَقد ارْتبط بهَا أَتْبَاعه ﷺ الَّذِي هُوَ ملاك سَعَادَة الدَّاريْنِ والحياة الأبدية بلامين كَيفَ وَمَا الْحق إِلَّا فِيمَا قَالَه ﷺ أَو عمل بِهِ أَو قَرَّرَهُ أَو أَشَارَ إِلَيْهِ أَو تفكر فِيهِ أَو خطر بِبَالِهِ أَو هجس فِي خلده واستقام عَلَيْهِ فالعلم فِي الْحَقِيقَة هُوَ علم السّنة وَالْكتاب وَالْعَمَل الْعَمَل بهما فِي كل إياب وَذَهَاب ومنزلته بَين الْعُلُوم منزلَة الشَّمْس بَين كواكب السَّمَاء ومزية أَهله على غَيرهم من الْعلمَاء مزية الرِّجَال على النِّسَاء ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء﴾ فيا لَهُ من علم سيط بدمه الْحق وَالْهدى ونيط بعنقه الْفَوْز بالدرجات العلى وَقد كَانَ الإِمَام مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن ﵇ يَقُول إِن من فقه الرجل بصيرته أَو فطنته بِالْحَدِيثِ وَلَقَد صدق فَإِنَّهُ لَو تَأمل المتأمل بِالنّظرِ العميق والفكر الدَّقِيق لعلم أَن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنَّفس الإنسانية كَيْفيَّة من الكيفيات الْحَسَنَة أَو السَّيئَة وَهَذَا علم تُعْطى مزاولته صَاحب هَذَا الْعلم معنى الصحابية لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَة هِيَ الِاطِّلَاع على جزئيات أَحْوَاله ﷺ ومشاهدة أوضاعه فِي الْعِبَادَات

стр. 27

والعادات كلهَا وَعند بعد الزَّمَان يتَمَكَّن هَذَا الْمَعْنى بمزاولته فِي مدركة المزاول ويرتسم فِي خياله بِحَيْثُ يصير فِي حكم الْمُشَاهدَة والعيان وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقَائِل بقوله (أهل الحَدِيث هم أهل النَّبِي وَإِن ... لم يصحبوا نَفسه أنفاسه صحبوا) ويروى عَن بعض الصلحاء أَنه قَالَ أَشد البواعث وَأقوى الدَّوَاعِي لي على تَحْصِيل علم الحَدِيث لفظ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَالْحَاصِل أَن أهل الحَدِيث كثر الله تَعَالَى سوادهم وَرفع عمادهم لَهُم نِسْبَة خَاصَّة وَمَعْرِفَة مَخْصُوصَة بِالنَّبِيِّ ﷺ لَا يشاركهم فِيهَا أحد من الْعَالمين فضلا عَن النَّاس أَجْمَعِينَ لأَنهم الَّذين لَا تزَال تجْرِي ذكر صِفَاته الْعليا وأحواله الْكَرِيمَة وشمائله الشَّرِيفَة على لسانهم وَلم يبرح تِمْثَال جماله الْكَرِيم وخيال وَجهه الوسيم وَنور حَدِيثه المستبين يتَرَدَّد فِي حلق وسط جنانهم فعلاقة باطنهم بباطنه العلى مُتَّصِلَة وَنسبَة ظَاهِرهمْ بِظَاهِرِهِ النقي مسلسلة فهم أهل المواليد حَقًا عدلا وصدقا فَأكْرم بهم من كرام يشاهدون عَظمَة الْمُسَمّى حِين يذكر الِاسْم وَيصلونَ عَلَيْهِ كل لمحة ولحظة بِأَحْسَن الْحَد والرسم خَاضُوا فِي بحار الْعُلُوم المحمدية حَتَّى صَارُوا محو الْمَعْلُوم وخدموا الْأَحَادِيث الأحمدية إِلَى أَن عَادوا عين المخدوم فَأُولَئِك كَمَا قيل بِالْفَارِسِيَّةِ (ذَات من نقش خيال خوش تست ... من مكر خود صفت ذَات توام) (نقش انديشة من جملَة زتست ... كوئي الفاظ وعبارات توام) قَالَ الشَّيْخ أَحْمد الْقُسْطَلَانِيّ فِي إرشاد الساري شرح صَحِيح البُخَارِيّ فِي فَضِيلَة أهل الحَدِيث روينَا عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نضر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وأداها فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ وَكَذَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِلَفْظ نضر الله امْرأ سمع منا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سَمعه فَرب مبلغ أوعى من سامع وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح

стр. 28

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها فَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه رَوَاهُ الْبَزَّار باسناد حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث زيد بن ثَابت وَكَذَا رُوِيَ من حَدِيث معَاذ بن جبل ونعمان ابْن بشير وَجبير بن مطعم وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي قرصافة وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَبَعض أسانيدهم صَحِيح كَمَا قَالَه الْمُنْذِرِيّ وَعَن أبي عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ إرحم خلفائي قُلْنَا يَا رَسُول الله وَمن خلفاؤك قَالَ الَّذين يروون أحاديثي ويعلمونها النَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَا ريب أَن أَدَاء السّنَن إِلَى الْمُسلمين نصيحة لَهُم من وظائف الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَمن قَامَ بذلك كَانَ خَليفَة لمن يبلغ عَنهُ وكما لَا يَلِيق بالأنبياء أَن يهملوا أعاديهم وَلَا ينصحوهم كَذَلِك لَا يحسن لطَالب الحَدِيث وناقل السّنَن أَن يمنحها صديقه ويمنعها عدوه فعلى الْعَالم بِالسنةِ أَن يَجْعَل أكبر همه نشر الحَدِيث فقد أَمر النَّبِي ﷺ بالتبليغ عَنهُ حَيْثُ قَالَ وبلغوا عني وَلَو آيَة الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ المظهري أَي بلغُوا أحاديثي وَلَو كَانَت قَليلَة وَقَالَ إِمَام الْأَئِمَّة مَالك ﵀ بَلغنِي أَن الْعلمَاء يسْأَلُون عَن تبليغهم الْعلم كَمَا يسْأَل الْأَنْبِيَاء ﵈ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ لَا أعلم علما أفضل من علم الحَدِيث لمن أَرَادَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى إِن النَّاس يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ حَتَّى فِي طعامهم وشرابهم فَهُوَ أفضل من التَّطَوُّع بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام لِأَنَّهُ فرض كِفَايَة وَفِي حَدِيث أُسَامَة بن زيد ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ من الصَّحَابَة عَليّ وَابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَابِر بن سَمُرَة ومعاذ وَأَبُو هُرَيْرَة ﵃ وَأوردهُ ابْن عدي من طرق كَثِيرَة كلهَا

стр. 29

ضَعِيفَة كَمَا صرح بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو نعيم وَابْن عبد الْبر لَكِن يُمكن أَن يقوى بِتَعَدُّد طرقه وَيكون حسنا كَمَا جزم بِهِ ابْن كيكلدي العلائي وَفِيه تَخْصِيص حَملَة السّنة بِهَذِهِ المنقبة الْعلية وتعظيم لهَذِهِ الْأمة المحمدية وَبَيَان لجلالة قدر الْمُحدثين وعلو مرتبتهم فِي الْعَالمين لأَنهم يحْمُونَ مشارع الشَّرِيعَة ومتون الرِّوَايَات من تَحْرِيف الغالين وَتَأْويل الْجَاهِلين بِنَقْل النُّصُوص المحكمة لرد الْمُتَشَابه إِلَيْهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي أول تهذيبه هَذَا إِخْبَار مِنْهُ ﷺ بصيانة هَذَا الْعلم وَحفظه وعدالة ناقليه وَإِن الله تَعَالَى يوفق لَهُ فِي كل عصر خلفا من الْعُدُول يحملونه وينفون عَنهُ التحريف لَا يضيع وَهَذَا تَصْرِيح بعدالة حامليه فِي كل عصر وَهَكَذَا وَقع وَللَّه الْحَمد وَهَذَا من أَعْلَام النُّبُوَّة وَلَا يضر كَون بعض الْفُسَّاق يعرف شَيْئا من علم الحَدِيث فَإِن الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ إِخْبَار بِأَن الْعُدُول يحملونه لَا أَن غَيرهم لَا يعرف مِنْهُ شَيْئا انْتهى على أَنه قد يُقَال مَا يعرفهُ الْفُسَّاق من الْعلم لَيْسَ بِعلم حَقِيقَة لعدم عَمَلهم كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمولى سعد الدّين التَّفْتَازَانِيّ فِي تَقْرِير قَول التَّلْخِيص وَقد ينزل الْعَالم منزلَة الْجَاهِل وَصرح بِهِ الإِمَام الشَّافِعِي فِي قَوْله وَلَا الْعلم إِلَّا مَعَ التقي وَلَا الْعقل إِلَّا مَعَ الْأَدَب ولعمري إِن هَذَا الشَّأْن من أقوى أَرْكَان الدّين وأوثق عرى الْيَقِين لَا يرغب فِي نشره إِلَّا صَادِق تَقِيّ وَلَا يزهده إِلَّا مُنَافِق شقي قَالَ ابْن الْقطَّان لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مُبْتَدع إِلَّا وَهُوَ يبغض أهل الحَدِيث وَقَالَ الْحَاكِم لَوْلَا كَثْرَة طَائِفَة الْمُحدثين على حفظ الْأَسَانِيد لدرس منار الْإِسْلَام ولتمكن أهل الْإِلْحَاد والمبتدعة من وضع الْأَحَادِيث وقلب الْأَسَانِيد وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْعلم ثَلَاثَة آيَة محكمَة أَو فَرِيضَة عادلة أَو سنة قَائِمَة وَمَا سوى ذَلِك فَهُوَ فضل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن ماجة وَللَّه در أبي بكر حميد الْقُرْطُبِيّ فَلَقَد أحسن فِي الْمقَال حَيْثُ قَالَ نظم

стр. 30

(نور الحَدِيث مُبين فادن واقتبس ... وَأخذ الركاب لَهُ نَحْو الرضى الندس) (واطلبه بالصين فَهُوَ الْعلم إِن رفعت ... أَعْلَامه برباها يَا ابْن أندلس) (فَلَا تضع فِي سوى تَقْيِيد شارده ... عمرا يفوتك بَين اللخط وَالنَّفس) (وخل سَمعك عَن بلوى أخي جدل ... شغل اللبيب بهَا ضرب من الهوس) (مَا إِن سمت بِأبي بكر وَلَا عمر ... وَلَا أَتَت عَن أبي هر وَلَا أنس) (إِلَّا هوى وخصومات ملفقة ... لَيست برطب إِذا عدت وَلَا يبس) (فَلَا يغرك من أَرْبَابهَا هذر ... أجدى وَجدك مِنْهَا نَغمَة الجرس) (أعرهم أذنا صمًّا إِذا نطقوا ... وَكن إِذا سَأَلُوا تعزى إِلَى خرس) (مَا الْعلم إِلَّا كتاب الله أَو أثر ... يجلو بِنور هداه كل ملتبس) (نور لملتبس خير لمقتبس ... حمى لمحترس نعمى لمبتئس) (فاعكف ببابهما على طلابهما ... تمحو الْعَمى بهما عَن كل ملتمس) (ورد بقلبك عذبا من حياضهما ... تغسل بِمَاء الْهدى مَا فِيهِ من دنس) (وَاقِف النَّبِي وَاتِّبَاع النَّبِي وَكن ... من هديهم أبدا تَدْنُو إِلَى قبس) (والزم مجَالِسهمْ واحفظ مجَالِسهمْ ... واندب مدارسهم بالأربع الدَّرْس) (واسلك طريقهم وَاتبع فريقهم ... تكن رفيقهم فِي حَضْرَة الْقُدس) (تِلْكَ السَّعَادَة إِن تلمم بساحتها ... فحط رحلك قد عوفيت من تعس) وَمن شرف أهل الحَدِيث مَا روينَاهُ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب وَفِي سَنَده مُوسَى بن يَعْقُوب الزمعِي قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِنَّه تفرد بِهِ وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي هَذَا الحَدِيث بَيَان صَحِيح على أَن أولى النَّاس برَسُول الله ﷺ فِي الْقِيَامَة أَصْحَاب الحَدِيث إِذْ لَيْسَ من هَذِه الْأمة قوم أَكثر صَلَاة عَلَيْهِ مِنْهَا وَقَالَ غَيره الْمَخْصُوص بِهَذَا الحَدِيث نقلة الْأَخْبَار الَّذين يَكْتُبُونَ الْأَحَادِيث ويذبون عَنهُ الْكَذِب أناء اللَّيْل أَطْرَاف النَّهَار وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه شرف أَصْحَاب الحَدِيث قَالَ لنا أَبُو نعيم

стр. 31

هَذِه منقبة شريفة تخْتَص بهَا رُوَاة الْآثَار ونقلتها لِأَنَّهُ لَا يعرف لعصابة من الْعلمَاء من الصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ أَكثر مَا يعرف لهَذِهِ الْعِصَابَة نسخا وذكرا وَقَالَ أَبُو الْيمن ابْن عَسَاكِر لِيهن أهل الحَدِيث كثرهم الله تَعَالَى هَذِه الْبُشْرَى فقد أتم الله تَعَالَى نعمه عَلَيْهِم بِهَذِهِ الْفَضِيلَة الْكُبْرَى فَإِنَّهُم أولى النَّاس بِنَبِيِّهِمْ ﷺ وأقربهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَسِيلَة يَوْم الْقِيَامَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُم يخلدُونَ ذكره فِي طروسهم ويجددون الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم عَلَيْهِ فِي مُعظم الْأَوْقَات فِي مجَالِس مذاكرتهم ودروسهم فهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْفرْقَة النَّاجِية جعلنَا الله تَعَالَى مِنْهُم وحشرنا فِي زمرتهم آمين انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ مُلَخصا قلت وروينا فِي كتاب الْحَاكِم أبي عبد الله عَن مطر الْوراق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو أثارة من علم﴾ قَالَ اسناد الحَدِيث أَي الإثارة هِيَ الْإِسْنَاد وَعَن مَالك بن أنس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ قَالَ قَول الرجل حَدثنِي أبي عَن جدي وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا يزَال النَّاس من أمتِي منصورين لَا يضرهم من خالفهم حَتَّى تقوم السَّاعَة رَوَاهُ ابْن ماجة سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث مَا مَعْنَاهُ قَالَ هم أهل الحَدِيث وَلَو لم يكن المحدثون تِلْكَ الطَّائِفَة المنصورة فَلَا أعلم من هِيَ وَقَالَ ﷺ إِنَّه سَيَأْتِي من بعدِي قوم يسألونكم الحَدِيث عني فَإِذا جاؤكم فالطفوا لَهُم وحدثوهم وَقَالَ ﷺ سارعوا فِي طلب الْعلم فلحديث عَن صَادِق خير من الأَرْض وَمَا عَلَيْهَا من ذهب وَفِضة وَقَالَ ﷺ إِن من أفضل الْفَائِدَة حَدِيثا يسمعهُ الرجل فَيحدث بِهِ أَخَاهُ

стр. 32

وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ الْإِسْنَاد سلَاح الْمُؤمن فَإِذا لم يكن مَعَه السِّلَاح فَبِأَي شَيْء يُقَاتل وَقَالَ الشَّافِعِي مثل الَّذِي يطْلب الحَدِيث بِلَا إِسْنَاد كَمثل حَاطِب ليل يحمل حزمة الْحَطب فِيهَا أَفْعَى تلدغه وَهُوَ لَا يدْرِي وَقَالَ ابْن الْمُبَارك الْإِسْنَاد من الدّين وَلَوْلَا الْإِسْنَاد لقَالَ من شَاءَ مَا شَاءَ وَقَالَ دَاوُد بن عَليّ من لم يعرف حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَلم يُمَيّز بَين صَحِيحه وسقيمه فَلَيْسَ بعالم وَقَالَ ابْن ذريع لكل دين فرسَان وفرسان هَذَا الدّين أَصْحَاب الْأَسَانِيد وَقَالَ ابْن زرمة سَمِعت عبد الله يَقُول بَيْننَا وَبَين الْقَوْم القوائم يَعْنِي الْإِسْنَاد رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ أَحْمد بن سينا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مُبْتَدع إِلَّا وَهُوَ يبغض أهل الحَدِيث وَمن ابتدع نزعت من قلبه حلاوة الحَدِيث قلت بل حلاوة الْإِيمَان وَقَالَ أَبُو نصر بن سَلام الْفَقِيه لَا شَيْء أثقل على أهل الْإِلْحَاد وَلَا أبْغض إِلَيْهِم من سَماع الحَدِيث وَقَالَ الْحَاكِم من نسب إِلَى نوع من الْإِلْحَاد والبدع لَا ينظر إِلَى الطَّائِفَة المنصورة إِلَّا بِعَين الحقارة وناظر رجل الشَّيْخ أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق الْفَقِيه فَقَالَ الشَّيْخ حَدثنَا فلَان قَالَ الرجل إِلَى مَتى حَدثنَا فَقَالَ الشَّيْخ قُم يَا كَافِر فَلَا يحل لَك أَن تدخل دَاري بعد هَذَا ثمَّ الْتفت إِلَى أَصْحَابه وَقَالَ مَا قلت لأحد لَا تدخل دَاري إِلَّا لهَذَا وَذكر صدر الشَّرِيعَة فِي تَعْدِيل الْعُلُوم أَن مَشَايِخ الحَدِيث مَشْهُورُونَ بطول الْأَعْمَار

стр. 33

وَذكر السُّبْكِيّ فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة أَن أَبَا سهل قَالَ سَمِعت ابْن الصّلاح قَالَ سَمِعت مَشَايِخنَا يَقُولُونَ دَلِيل طول عمر الرجل اشْتِغَاله بِأَحَادِيث الرَّسُول ﷺ ويصدقه التجربة فَإِن أهل الحَدِيث إِذا تتبعت أعمارهم تجدها فِي غَايَة الطول انْتهى قلت وَذَلِكَ كَمَا يُقَال إِن من أَخذ نَفسه بتَعَلُّم الْحساب أول مرّة يغلب عَلَيْهِ الصدْق لما فِي الْحساب من صِحَة المباني ومناقشة النَّفس فَيصير لَهُ ذَلِك خلقا ويتعود الصدْق ويلازمه مذهبا وَقَالَ الْمولى ولي الله الْمُحدث الدهلوي فِي فيوض الْحَرَمَيْنِ رَأَيْت التشفع إِلَيْهِ ﷺ بعلماء الحَدِيث وَالدُّخُول فِي عدادهم وبعلم الحَدِيث وَحفظه على النَّاس عُرْوَة وثقى وحبلا ممدودا لَا يَنْقَطِع فَعَلَيْك أَن تكون مُحدثا أَو متطفلا على مُحدث وَلَا خير فِيمَا سوى ذَيْنك فِيمَا أرى وَالله أعلم وَقَالَ فِي التفهيمات رَأَيْت الْعلمَاء الْمُحدثين العاملين بعلمهم المهذبين للطائفهم البارزة أحب عِنْده ﷺ من كثير من الصُّوفِيَّة الَّذين يفضلونهم بتهذيب لطائفهم الكامنة وَلَا يفضلونهم فِي تَهْذِيب لطائفهم البارزة انْتهى وَمن قَول أبي بكر بن أبي دَاوُد السجسْتانِي ﵀ فِي التحريص على علم الحَدِيث نظم (تمسك بِحَبل الله وَاتبع الْهدى ... وَلَا تَكُ بدعيا لَعَلَّك تفلح) (ولذ بِكِتَاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... أَتَت عَن رَسُول الله تنجو وتربح) (ودع عَنْك آراء الرِّجَال وَقَوْلهمْ ... فَقَوْل رَسُول الله أزكى وأشرح) (وَلَا تَكُ فِي قوم تلهوا بدينهم ... فتطعن فِي أهل الحَدِيث وتقدح) (إِذا مَا اعتقدت الدَّهْر يَا صَاح هَذِه ... فَأَنت على خير تبيت وتصبح) وَأحسن مِنْهُ مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد هبة الله بن الْحسن الشِّيرَازِيّ نظم (عَلَيْك بأصحاب الحَدِيث فَإِنَّهُم ... على مَنْهَج للدّين مَا زَالَ معجما) (وَمَا النُّور فِي الحَدِيث وَأَهله ... إِذا مَا دجى اللَّيْل البهيم وأظلما)

стр. 34

(فأعلى البرايا من إِلَى السّنَن اعتزى ... وأعمى البرايا من إِلَى الْبدع انْتَمَى) (وَمن ترك الْآثَار ضلل سَعْيه ... وَهل يتْرك الْآثَار من كَانَ مُسلما) ولبعضهم وَللَّه دره نظم (علم الحَدِيث وَسِيلَة مَقْبُولَة ... عِنْد النَّبِي الْهَاشِمِي مُحَمَّد) (فاشغل بِهِ أوقاتك الْبيض الَّتِي ... ملكتها تشرف بِذَاكَ وتسعد) وَمن قَول الْحَافِظ أبي الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن هبة الله بن عَسَاكِر الدِّمَشْقِي كَمَا رَوَاهُ السَّيِّد المرتضى الزبيدِيّ الْمصْرِيّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ نظم (واظب على جمع الحَدِيث وَكتبه ... واجهد على تَصْحِيحه فِي كتبه) (واسمعه من أربابه نقلا كَمَا ... سَمِعُوهُ من أَشْيَاخهم تسعد بِهِ) (واعرف ثقاة رُوَاته من غَيرهم ... كَيْمَا تميز صدقه من كذبه) (فَهُوَ الْمُفَسّر للْكتاب وَإِنَّمَا ... نطق النَّبِي لنا بِهِ عَن ربه) (وتفهم الْأَخْبَار تعرف حلّه ... من حُرْمَة مَعَ فَرْضه من نَدبه) (وَهُوَ الْمُبين للعباد بشرحه ... سير النَّبِي الْمُصْطَفى مَعَ صَحبه) (وتتبع العالي الصَّحِيح فَإِنَّهُ ... قرب إِلَى الرحمان تحظ بِقُرْبِهِ) (وتجنب التَّصْحِيف فِيهِ فَرُبمَا ... أدّى إِلَى تحريفه بل قلبه) (واترك مقَالَة من لحاك بجهله ... عَن كتبه أَو بِدعَة فِي قلبه) (فَكفى الْمُحدث رفْعَة أَن يرتضي ... ويعد من أهل الحَدِيث وَحزبه) وللشيخ جلال الدّين السُّيُوطِيّ أوردهُ السَّيِّد المرتضى فِي الْمجَالِس الْحَنَفِيَّة بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ نظم (علم الحَدِيث أجل علم الدّين ... وَبِه علو الْمَرْء فِي الدَّاريْنِ) (كَالْمَاءِ محياة النُّفُوس مطهر ... للقلب لَا يعروه شين الرين) (فاعكف عَلَيْهِ رِوَايَة وَكِتَابَة ... واطلب معاليه وَلَو بالصين) (يَكْفِيهِ فضلا ذكره للمصطفى ... فِي كل وَقت قد مضى والحين) (خيرو الْبَريَّة سيد الرُّسُل الَّذِي ... جلت محاسنه عَن التدوين)

стр. 35

(ذُو المعجزات الباهرات وَحدهَا ... قد زَاد عَن ألف وَعَن أَلفَيْنِ) (فالماء سَالَ من إصبعيعه أنهرا ... والبدر شقّ من أَجله نِصْفَيْنِ) (أكْرم بِهِ من مصطفى فَحَدِيثه ... يشفي العليل وَذكره يحييني) (صلى عَلَيْهِ وَسلم الله الَّذِي ... قد خصّه فِي الْخَبَر بالتمكين) (مادام ذكر حَدِيثه ولآلي ... فِي مدحه منظومة السمطين) وَأنْشد السَّيِّد المرتضى الْحُسَيْنِي لنَفسِهِ فِي أَمَالِيهِ الشيخونية نظم (عَلَيْك بأصحاب الحَدِيث فَإِنَّهُم ... خِيَار عباد الله فِي كل محفل) (وَلَا تَعدونَ عَيْنَاك عَنْهُم فَإِنَّهُم ... نُجُوم الْهدى فِي أعين المتأمل) (جهابذة شم سراة فَمن أَتَى ... إِلَى حيهم يَوْمًا بالأنوار يمتلي) (لقد شَرقَتْ شمس الْهدى فِي وُجُوههم ... وقدرهم فِي النَّاس لَا زَالَ يعتلي) (فَللَّه محياهم مَعًا ومماتهم ... لقد ظفروا إِدْرَاك مجد مؤثل) (وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي مقَالَة ... غَدَتْ مِنْهُم فخرا لكل مُحَصل) (أرى الْمَرْء من أهل الحَدِيث كَأَنَّهُ ... أرى الْمَرْء من صحب النَّبِي الْمفضل) (عَلَيْهِ صَلَاة الله مَا ذَر شارق ... وَال لَهُ والصحب أهل التفضل) وللحافظ عبد الله بن الإِمَام أَحْمد ﵀ قَالَ أَنْشدني أبي رَحْمَة الله نظم (دين النَّبِي مُحَمَّد أَخْبَار ... نعم المطية للفتى الْآثَار) (لَا ترغبن عَن الحَدِيث وَأَهله ... فَالرَّأْي ليل والْحَدِيث نَهَار) (ولربما جهل الْفَتى أثر الْهدى ... وَالشَّمْس بازغة لَهَا أنوار) وَلأبي الْعَبَّاس نظم (عَلَيْكُم بِالْحَدِيثِ فَلَيْسَ شَيْء ... يعادله على كل الْجِهَات) (نصحت لكم فَإِن الدّين نصح ... وَلَا أُخْفِي نصائح وَاجِبَات) (وجدنَا فِي الرِّوَايَة كل فقه ... وَأَحْكَام وَمن علم اللُّغَات) (بِذكر المسندات أنست ليلِي ... وَحفظ الْعلم خير العائدات)

стр. 36

(وَمن طلب الحَدِيث أَفَادَ ذخْرا ... وفضلا ثمَّ دينا ذَا ثبات) (عَلَيْكُم بالروايات اللواتي ... رَوَاهَا مَالك أزكى الروَاة) (وَشعْبَة وَابْن زيد وَابْن عَمْرو ... وسُفْيَان الثقاة عَن الثقاة) (وَيحيى وَابْن حَنْبَل المزكى ... وَإِسْحَاق الرِّضَا وَابْن الْفُرَات) (أَئِمَّتنَا النُّجُوم وَهل رشيد ... تكلم فِي النُّجُوم الزاهرات) وَأنْشد أَبُو الظهير فِي هَذَا الْبَاب نظم (إِذا رمت أَن تتوخى الْهدى ... وَأَن تَأتي الْحق من بَابه) (فدع كل قَول وَمن قَالَه ... لقَوْل النَّبِي وَأَصْحَابه) (فَلم تنج من محدثات الْأُمُور ... بِغَيْر الحَدِيث وأربابه) وَمن كَلَام الشَّافِعِي كَمَا فِي الْأَمَانِي الشيخونية للسَّيِّد المرتضى نظم (كل الْعُلُوم سوى الْقُرْآن مشغلة ... إِلَّا الحَدِيث وَإِلَّا الْفِقْه فِي الدّين) (الْعلم مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدثنَا ... وَمَا سواهُ فوسواس الشَّيَاطِين) وَمن كَلَام أبي الْفضل جَعْفَر بن ثَعْلَب الشَّافِعِي ﵀ نظم (تبَاين النَّاس فِيمَا قد رَأَوْا وَرووا ... وَكلهمْ يدعونَ الْفَوْز بالظفر) (فَخذ بقول يكون النَّص بنصره ... إِمَّا عَن الله أَو عَن سيد الْبشر) (وكل قَول يكون النَّص يَدْفَعهُ ... فارفضه رفضا وَكن مِنْهُ على حذر) وللخطيب أبي بكر ﵀ نظم (إِن علم الحَدِيث علم رجال ... تركُوا الإبتداع لِلِاتِّبَاعِ) (فَإِذا جن ليلهم كتبوه ... وَإِذا أَصْبحُوا غدوا للسماع) وَمن كَلَام الْحَافِظ السُّيُوطِيّ ﵀ نظم (إِن خفت يَوْم الْحَشْر أَو هوله ... ورمت أَن تحظى بِكُل المرام) (فعش على سنة خير الورى ... مقتفيا أهل الحَدِيث الْكِرَام)

стр. 37

(هم الأولى ينجوك من هوله ... حِين يقادون لدار السَّلَام) وَمن قَول الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي نظم (هَنِيئًا لأَصْحَاب خير الورى ... وطوبى لأَصْحَاب أخباره) (أُولَئِكَ فازوا بتذكيره ... وَنحن سعدنا بتذكاره) (وهم سبقُونَا إِلَى نَصره ... وَهَا نَحن أَتبَاع أنصاره) (وَلما حرمنا لقا عينه ... عكفنا على حفظ آثاره) (عَسى الله يجمعنا كلنا ... برحمة مَعَه فِي دَاره) وَمن قَول الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْحَافِظ الصُّورِي (قل لمن عاند الحَدِيث وأضحى ... عائبا أَهله وَمن يَدعِيهِ) (أبعلم تَقول هَذَا ابْن لي ... أم بِجَهْل فالجهل خلق السَّفِيه) (إِيعَاب الَّذين حفظوا الدّين ... عَن الترهات والتمويه) (وَإِلَى قَوْلهم وَمَا قد رَوَوْهُ ... رَاجع كل عَالم وفقيه) وَللسَّيِّد المرتضى الوَاسِطِيّ نظم (علم الحَدِيث شرِيف لَيْسَ يُدْرِكهُ ... إِلَّا الَّذِي فَارق الأوطان مغتربا) (وجاهد النَّفس فِي تَحْصِيله فغدا ... يجتاب بحرا وَفِي الأوعار مضطربا) (يلقى الشُّيُوخ ويروي عَنْهُم سندا ... وحافظا مَا رُوِيَ عَنْهُم وَمَا كتبا) (ذَاك الَّذِي فَازَ بِالْحُسْنَى وَتمّ لَهُ ... حَظّ السَّعَادَة موهوبا ومكتسبا) (طُوبَى لمن كَانَ هَذَا الْعلم صَاحبه ... لقد نفي الله عِنْده الْهم والوصبا) وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ أنشدنا الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي نظم (لكل امريء مَا فِيهِ رَاحَة نَفسه ... فيأنس إِنْسَان بِصُحْبَة إِنْسَان) (وَمَا راحتي إِلَّا حَدِيث مُحَمَّد ... وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَان)

стр. 38

وَلأبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر الْحميدِي نظم (زين الْفَقِيه حَدِيث يستضاء بِهِ ... عِنْد الْحجَّاج وَإِلَّا كَانَ فِي الظُّلم) (إِن تاه ذُو مَذْهَب فِي قفر مذْهبه ... لَاحَ الحَدِيث لَهُ فِي الْوَقْت كَالْعلمِ) وَقَالَ بَعضهم وأجاد نظم (أصح مَا قيل بعد الذّكر من خبر ... حَدِيث خير البرايا سيد الْبشر) (أعظم بِهِ هاديا زَكَّاهُ خالقه ... بِالْعَدْلِ وَالْفضل والآيات والسور) (فَلَو تمسك خلق الله أجمعهم ... بِلَفْظَة مِنْهُ نالوا أشرف الوطر) (هَذَا هوالعلم وَالْبَحْر الَّذِي سعدت ... غواصه بأعالي جَوْهَر الدُّرَر) (تشفي الصُّدُور بِهِ حَقًا وخادمه ... يَوْم الْوُرُود ترَاهُ فَازَ بالصدر) (تلقى مَلَائِكَة الرحمان أَجْنِحَة ... لَهُ إِذا سَار هَذَا أَفْخَر الْبشر) (يسْتَغْفر الله حيتان الْبحار لمن ... يرعاه بالفهم لَو وقتا من الْعُمر) (الْفضل لله هَذَا نور من شَرقَتْ ... لَهُ البشائر فِي الْآفَاق بالبشر) (صلى عَلَيْهِ إِلَه الْعَرْش مَا صدحت ... ورق على فنن الأغصان وَالشَّجر) وَقَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ وجدت بِخَط الْمُحب مُحَمَّد بن الشّحْنَة مَا نَصه قَالَ أَبُو الْحسن الأديب إملاء نظم (مداد الْفَقِيه على ثَوْبه ... أحب إِلَيْنَا من الغالية) (وَمن طلب الْفِقْه ثمَّ الحَدِيث ... فَإِن لَهُ همة عالية) (وَلَو يَشْتَرِي النَّاس هَذَا الْعُلُوم ... بأرواحهم لم تكن غَالِيَة) (رُوَاة الْأَحَادِيث فِي عصرنا ... نُجُوم وَفِي الأعصر الخالية) وللحافظ أبي الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر أنْشدهُ لنَفسِهِ نظم (لقَوْل الشَّيْخ أنبأني فلَان ... وَكَانَ من الْأَئِمَّة عَن فلَان) (إِلَى أَن يَنْتَهِي الْإِسْنَاد أحلى ... لقلبي من محادثة الحسان) (ومشتمل على صَوت فصيح ... ألذ لدي من صَوت القيان)

стр. 39

(وتزييني الطروس ينقش نقش ... أحب إِلَيّ من نقش الغواني) (وَتَخْرِيج الْفَوَائِد والأمالي ... وتسطير الغرائب والحسان) (وَتَصْحِيح العوال من العوالي ... بنيسابور أَو فِي أصفهان) (أحب إِلَى من أَخْبَار ليلى ... وَقيس بن الملوح والأغاني) (فَإِن كِتَابَة الْأَخْبَار ترقى ... بصاحبها إِلَى غرف الْجنان) (وَحفظ حَدِيث خير الْخلق مِمَّا ... ينَال بِهِ الرِّضَا بعد الْأَمَانِي) (فأجر الْعلم يَنْمُو كل حِين ... وَذكر الْمَرْء يبْقى وَهُوَ فان) وللشيخ أبي مُحَمَّد جَعْفَر السراج اللّغَوِيّ نظم (لله در عِصَابَة ... يسعون فِي طلب الْفَوَائِد) (يدعونَ أَصْحَاب الحَدِيث ... بهم تجملت الْمشَاهد) (يتتبعون من الْعُلُوم ... بِكُل أَرض كل شارد) (فهم النُّجُوم المهتدى ... بهم إِلَى سبل الْمَقَاصِد) وَأنْشد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَدِينِيّ لنَفسِهِ فِي مجْلِس اسماعيل السراج يمدح أَصْحَاب الحَدِيث نظم (أَحَق أنَاس يستضاء بهديهم ... أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث الأفاضل) (خلائف أَصْحَاب الحَدِيث ذَوُو الْحمى ... لَهُم رتب عليا وأسنى الْفَضَائِل) (فلولاهم لم يعرف الشَّرْع عَالم ... وَلم تَكُ فَتْوَى فِي فنون الْمسَائِل) (وَهل نشر الْآثَار قوم سواهُم ... نعم حفظوها نَاقِلا عَن ناقل) (فدينهم من عصبَة علم الْهدى ... لقد أحرزوا فضلا على كل فَاضل (هُوَ الْقَوْم لَا يشقى لعمري جليسهم ... فَمن فاتهم يحظى بِغَيْر الْفَضَائِل) وللبرقاني نظم (أعلل نَفسِي بكتب الحَدِيث ... وأجمل فِيهِ لَهُم موعدا) (وأشغل نَفسِي بتصنيفه ... وتخريجه أبدا سرمدا) (فطورا أصنفه فِي الشُّيُوخ ... وطورا أصنفه مُسْندًا)

стр. 40

(وأقفو البُخَارِيّ فِيمَا نحا ... وصنفه جاهدا مجهدا) (وَمُسلمًا إِذْ كَانَ زين الْأَنَام ... بتصنيفه مُسلما مرشدا) (وَمَالِي فِيهِ سوى أنني ... أرَاهُ هوى وَافق المقصدا) (وَأَرْجُو الثَّوَاب بكتب الصَّلَاة ... على السَّيِّد الْمُصْطَفى أحمدا) (وأسأل رَبِّي إِلَه الْعباد ... جَريا على مَا لَهُ عودا) وَلأبي عبد الله مُحَمَّد بن ظفير اليروني نظم (ارع الحَدِيث وَعظم أَهله أبدا ... وَاعْلَم بِأَن لَهُم فِيهِ ولآيات) (إِن كنت تطلبه قُم فأت صَاحبه ... فالعلم يَا سَيِّدي يُؤْتى وَلَا يَأْتِي) وللعلامة مجد الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد الظهير نظم (أهل الحَدِيث فلذ بهم ... أَعلَى الورى قدرا وأجلا) (نقلوا لنا سنَن الرَّسُول ... فَأحْسنُوا عدلا فعدلا) (جابوا لسعيهم لذَلِك ... حسبَة حزنا وسهلا) (وسروا كَمَا تسري النُّجُوم ... فأرشدوا من كَانَ ضلا) (آيَات فَضلهمْ الْمُبين ... بألسن الحساد تتلى) وَقَالَ السُّبْكِيّ أنشدنا وَالِدي الإِمَام لنَفسِهِ وَأوردهُ السَّيِّد المرتضى بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي الأمالي الشيخونية نظم (وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى ... على بسط لَهَا أَمْشِي وأروي) (لعَلي أَن أمس بَحر وَجْهي ... مَكَانا مَسّه قدم النواوي) وَأنْشد قَاضِي الْقُضَاة أَمِين الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن الآلقي نظم (وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى ... وفيهَا مُنْتَهى أربي وسؤلي) (أَحَادِيث النَّبِي عَليّ تروى ... وتقبيلي لآثار الرَّسُول) وللحميدي صَاحب الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ من قصيدة طَوِيلَة نظم (وَلَوْلَا رُوَاة الدّين ضَاعَت وأصبحت ... مُعَاملَة فِي الآخرين تبيد)
следующие страницы →