Полный текст (259 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
(وَمن طلب الحَدِيث أَفَادَ ذخْرا ... وفضلا ثمَّ دينا ذَا ثبات)
(عَلَيْكُم بالروايات اللواتي ... رَوَاهَا مَالك أزكى الروَاة)
(وَشعْبَة وَابْن زيد وَابْن عَمْرو ... وسُفْيَان الثقاة عَن الثقاة)
(وَيحيى وَابْن حَنْبَل المزكى ... وَإِسْحَاق الرِّضَا وَابْن الْفُرَات)
(أَئِمَّتنَا النُّجُوم وَهل رشيد ... تكلم فِي النُّجُوم الزاهرات)
وَأنْشد أَبُو الظهير فِي هَذَا الْبَاب نظم
(إِذا رمت أَن تتوخى الْهدى ... وَأَن تَأتي الْحق من بَابه)
(فدع كل قَول وَمن قَالَه ... لقَوْل النَّبِي وَأَصْحَابه)
(فَلم تنج من محدثات الْأُمُور ... بِغَيْر الحَدِيث وأربابه)
وَمن كَلَام الشَّافِعِي كَمَا فِي الْأَمَانِي الشيخونية للسَّيِّد المرتضى نظم
(كل الْعُلُوم سوى الْقُرْآن مشغلة ... إِلَّا الحَدِيث وَإِلَّا الْفِقْه فِي الدّين)
(الْعلم مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدثنَا ... وَمَا سواهُ فوسواس الشَّيَاطِين)
وَمن كَلَام أبي الْفضل جَعْفَر بن ثَعْلَب الشَّافِعِي ﵀ نظم
(تبَاين النَّاس فِيمَا قد رَأَوْا وَرووا ... وَكلهمْ يدعونَ الْفَوْز بالظفر)
(فَخذ بقول يكون النَّص بنصره ... إِمَّا عَن الله أَو عَن سيد الْبشر)
(وكل قَول يكون النَّص يَدْفَعهُ ... فارفضه رفضا وَكن مِنْهُ على حذر)
وللخطيب أبي بكر ﵀ نظم
(إِن علم الحَدِيث علم رجال ... تركُوا الإبتداع لِلِاتِّبَاعِ)
(فَإِذا جن ليلهم كتبوه ... وَإِذا أَصْبحُوا غدوا للسماع)
وَمن كَلَام الْحَافِظ السُّيُوطِيّ ﵀ نظم
(إِن خفت يَوْم الْحَشْر أَو هوله ... ورمت أَن تحظى بِكُل المرام)
(فعش على سنة خير الورى ... مقتفيا أهل الحَدِيث الْكِرَام)
стр. 37
(هم الأولى ينجوك من هوله ... حِين يقادون لدار السَّلَام)
وَمن قَول الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي نظم
(هَنِيئًا لأَصْحَاب خير الورى ... وطوبى لأَصْحَاب أخباره)
(أُولَئِكَ فازوا بتذكيره ... وَنحن سعدنا بتذكاره)
(وهم سبقُونَا إِلَى نَصره ... وَهَا نَحن أَتبَاع أنصاره)
(وَلما حرمنا لقا عينه ... عكفنا على حفظ آثاره)
(عَسى الله يجمعنا كلنا ... برحمة مَعَه فِي دَاره)
وَمن قَول الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْحَافِظ الصُّورِي
(قل لمن عاند الحَدِيث وأضحى ... عائبا أَهله وَمن يَدعِيهِ)
(أبعلم تَقول هَذَا ابْن لي ... أم بِجَهْل فالجهل خلق السَّفِيه)
(إِيعَاب الَّذين حفظوا الدّين ... عَن الترهات والتمويه)
(وَإِلَى قَوْلهم وَمَا قد رَوَوْهُ ... رَاجع كل عَالم وفقيه)
وَللسَّيِّد المرتضى الوَاسِطِيّ نظم
(علم الحَدِيث شرِيف لَيْسَ يُدْرِكهُ ... إِلَّا الَّذِي فَارق الأوطان مغتربا)
(وجاهد النَّفس فِي تَحْصِيله فغدا ... يجتاب بحرا وَفِي الأوعار مضطربا)
(يلقى الشُّيُوخ ويروي عَنْهُم سندا ... وحافظا مَا رُوِيَ عَنْهُم وَمَا كتبا)
(ذَاك الَّذِي فَازَ بِالْحُسْنَى وَتمّ لَهُ ... حَظّ السَّعَادَة موهوبا ومكتسبا)
(طُوبَى لمن كَانَ هَذَا الْعلم صَاحبه ... لقد نفي الله عِنْده الْهم والوصبا)
وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ أنشدنا الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي نظم
(لكل امريء مَا فِيهِ رَاحَة نَفسه ... فيأنس إِنْسَان بِصُحْبَة إِنْسَان)
(وَمَا راحتي إِلَّا حَدِيث مُحَمَّد ... وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَان)
стр. 38
وَلأبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر الْحميدِي نظم
(زين الْفَقِيه حَدِيث يستضاء بِهِ ... عِنْد الْحجَّاج وَإِلَّا كَانَ فِي الظُّلم)
(إِن تاه ذُو مَذْهَب فِي قفر مذْهبه ... لَاحَ الحَدِيث لَهُ فِي الْوَقْت كَالْعلمِ)
وَقَالَ بَعضهم وأجاد نظم
(أصح مَا قيل بعد الذّكر من خبر ... حَدِيث خير البرايا سيد الْبشر)
(أعظم بِهِ هاديا زَكَّاهُ خالقه ... بِالْعَدْلِ وَالْفضل والآيات والسور)
(فَلَو تمسك خلق الله أجمعهم ... بِلَفْظَة مِنْهُ نالوا أشرف الوطر)
(هَذَا هوالعلم وَالْبَحْر الَّذِي سعدت ... غواصه بأعالي جَوْهَر الدُّرَر)
(تشفي الصُّدُور بِهِ حَقًا وخادمه ... يَوْم الْوُرُود ترَاهُ فَازَ بالصدر)
(تلقى مَلَائِكَة الرحمان أَجْنِحَة ... لَهُ إِذا سَار هَذَا أَفْخَر الْبشر)
(يسْتَغْفر الله حيتان الْبحار لمن ... يرعاه بالفهم لَو وقتا من الْعُمر)
(الْفضل لله هَذَا نور من شَرقَتْ ... لَهُ البشائر فِي الْآفَاق بالبشر)
(صلى عَلَيْهِ إِلَه الْعَرْش مَا صدحت ... ورق على فنن الأغصان وَالشَّجر)
وَقَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ وجدت بِخَط الْمُحب مُحَمَّد بن الشّحْنَة مَا نَصه قَالَ أَبُو الْحسن الأديب إملاء نظم
(مداد الْفَقِيه على ثَوْبه ... أحب إِلَيْنَا من الغالية)
(وَمن طلب الْفِقْه ثمَّ الحَدِيث ... فَإِن لَهُ همة عالية)
(وَلَو يَشْتَرِي النَّاس هَذَا الْعُلُوم ... بأرواحهم لم تكن غَالِيَة)
(رُوَاة الْأَحَادِيث فِي عصرنا ... نُجُوم وَفِي الأعصر الخالية)
وللحافظ أبي الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر أنْشدهُ لنَفسِهِ نظم
(لقَوْل الشَّيْخ أنبأني فلَان ... وَكَانَ من الْأَئِمَّة عَن فلَان)
(إِلَى أَن يَنْتَهِي الْإِسْنَاد أحلى ... لقلبي من محادثة الحسان)
(ومشتمل على صَوت فصيح ... ألذ لدي من صَوت القيان)
стр. 39
(وتزييني الطروس ينقش نقش ... أحب إِلَيّ من نقش الغواني)
(وَتَخْرِيج الْفَوَائِد والأمالي ... وتسطير الغرائب والحسان)
(وَتَصْحِيح العوال من العوالي ... بنيسابور أَو فِي أصفهان)
(أحب إِلَى من أَخْبَار ليلى ... وَقيس بن الملوح والأغاني)
(فَإِن كِتَابَة الْأَخْبَار ترقى ... بصاحبها إِلَى غرف الْجنان)
(وَحفظ حَدِيث خير الْخلق مِمَّا ... ينَال بِهِ الرِّضَا بعد الْأَمَانِي)
(فأجر الْعلم يَنْمُو كل حِين ... وَذكر الْمَرْء يبْقى وَهُوَ فان)
وللشيخ أبي مُحَمَّد جَعْفَر السراج اللّغَوِيّ نظم
(لله در عِصَابَة ... يسعون فِي طلب الْفَوَائِد)
(يدعونَ أَصْحَاب الحَدِيث ... بهم تجملت الْمشَاهد)
(يتتبعون من الْعُلُوم ... بِكُل أَرض كل شارد)
(فهم النُّجُوم المهتدى ... بهم إِلَى سبل الْمَقَاصِد)
وَأنْشد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَدِينِيّ لنَفسِهِ فِي مجْلِس اسماعيل السراج يمدح أَصْحَاب الحَدِيث نظم
(أَحَق أنَاس يستضاء بهديهم ... أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث الأفاضل)
(خلائف أَصْحَاب الحَدِيث ذَوُو الْحمى ... لَهُم رتب عليا وأسنى الْفَضَائِل)
(فلولاهم لم يعرف الشَّرْع عَالم ... وَلم تَكُ فَتْوَى فِي فنون الْمسَائِل)
(وَهل نشر الْآثَار قوم سواهُم ... نعم حفظوها نَاقِلا عَن ناقل)
(فدينهم من عصبَة علم الْهدى ... لقد أحرزوا فضلا على كل فَاضل
(هُوَ الْقَوْم لَا يشقى لعمري جليسهم ... فَمن فاتهم يحظى بِغَيْر الْفَضَائِل)
وللبرقاني نظم
(أعلل نَفسِي بكتب الحَدِيث ... وأجمل فِيهِ لَهُم موعدا)
(وأشغل نَفسِي بتصنيفه ... وتخريجه أبدا سرمدا)
(فطورا أصنفه فِي الشُّيُوخ ... وطورا أصنفه مُسْندًا)
стр. 40
(وأقفو البُخَارِيّ فِيمَا نحا ... وصنفه جاهدا مجهدا)
(وَمُسلمًا إِذْ كَانَ زين الْأَنَام ... بتصنيفه مُسلما مرشدا)
(وَمَالِي فِيهِ سوى أنني ... أرَاهُ هوى وَافق المقصدا)
(وَأَرْجُو الثَّوَاب بكتب الصَّلَاة ... على السَّيِّد الْمُصْطَفى أحمدا)
(وأسأل رَبِّي إِلَه الْعباد ... جَريا على مَا لَهُ عودا)
وَلأبي عبد الله مُحَمَّد بن ظفير اليروني نظم
(ارع الحَدِيث وَعظم أَهله أبدا ... وَاعْلَم بِأَن لَهُم فِيهِ ولآيات)
(إِن كنت تطلبه قُم فأت صَاحبه ... فالعلم يَا سَيِّدي يُؤْتى وَلَا يَأْتِي)
وللعلامة مجد الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد الظهير نظم
(أهل الحَدِيث فلذ بهم ... أَعلَى الورى قدرا وأجلا)
(نقلوا لنا سنَن الرَّسُول ... فَأحْسنُوا عدلا فعدلا)
(جابوا لسعيهم لذَلِك ... حسبَة حزنا وسهلا)
(وسروا كَمَا تسري النُّجُوم ... فأرشدوا من كَانَ ضلا)
(آيَات فَضلهمْ الْمُبين ... بألسن الحساد تتلى)
وَقَالَ السُّبْكِيّ أنشدنا وَالِدي الإِمَام لنَفسِهِ وَأوردهُ السَّيِّد المرتضى بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي الأمالي الشيخونية نظم
(وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى ... على بسط لَهَا أَمْشِي وأروي)
(لعَلي أَن أمس بَحر وَجْهي ... مَكَانا مَسّه قدم النواوي)
وَأنْشد قَاضِي الْقُضَاة أَمِين الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن الآلقي نظم
(وَفِي دَار الحَدِيث لطيف معنى ... وفيهَا مُنْتَهى أربي وسؤلي)
(أَحَادِيث النَّبِي عَليّ تروى ... وتقبيلي لآثار الرَّسُول)
وللحميدي صَاحب الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ من قصيدة طَوِيلَة نظم
(وَلَوْلَا رُوَاة الدّين ضَاعَت وأصبحت ... مُعَاملَة فِي الآخرين تبيد)
стр. 41
(هم حفظوا الْآثَار من كل شُبْهَة ... وَغَيرهم عَمَّا اقتنوه رقود)
(وهم هَاجرُوا فِي جمعهَا وتبادروا ... إِلَى كل أفق والمرام كؤد)
(وَقَامُوا بتعديل الروَاة وجرحهم ... قيام صَحِيح النَّقْل وَهُوَ جَدِيد)
(بتبليغهم صحت شرائع ديننَا ... حُدُود تحروا حفظهَا وعهود)
(وَصَحَّ لأهل النَّقْل مِنْهَا احتجاجهم ... فَلم يبْق إِلَّا عاند وحقود)
إِلَى غير ذَلِك وَله نظم
(كتاب الله قولي ... وَمَا صحت بِهِ الْآثَار ديني)
(وَمَا اتّفق الْجَمِيع عَلَيْهِ بدءا ... وعودا فَهُوَ عَن حق مُبين)
(فدع مَا صد عَن هَذَا وخذها ... تكن مِنْهَا على عين الْيَقِين)
وَله نظم
(النَّاس نبت وأرباب الْقُلُوب لَهُم ... روض وَأهل الحَدِيث المَاء والزهر)
(من كَانَ قَول رَسُول الله حاكمه ... فَلَا شُهُود لَهُ إِلَّا الأولى ذكرُوا)
ولبعض أهل الْعلم نظم
(الْعلم قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... قَالَ الصَّحَابَة لَيْسَ خلف فِيهِ)
(مَا الْعلم نصبك للْخلاف سفاهة ... بَين النُّصُوص وَبَين رَأْي سَفِيه)
(كلا وَلَا نصب الْخلاف جَهَالَة بَين الرَّسُول وَبَين رَأْي فَقِيه)
(كلا وَلَا رد النُّصُوص تعمدا ... حذرا من التجسيم والتشبيه)
(حاشا النُّصُوص من الَّذِي رميت بِهِ ... من فرقة التعطيل والتمويه)
ولعَبْد السَّلَام الأشبيلي نظم
(وَلَو لم يقم أهل الحَدِيث بديننا ... فَمن كَانَ يروي علمه ويفيد)
(هم ورثوا علم النُّبُوَّة واحتووا ... من الْفضل مَا عِنْد الْأَنَام رقود)
(وهم كمصابيح الدجى يهتدى بهم ... ونارهم بعد الْمَمَات خمود)
стр. 42
وَلابْن عبد الْبر نظم
(تذكرت من يبكي عَليّ مداوما ... فَلم أر إِلَّا الْعلم بِالدّينِ وَالْخَبَر)
(عُلُوم كتاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... أَتَت عَن رَسُول الله مَعَ صِحَة الْأَثر)
(وَعلم الأولى من ناقديه وَفهم مَا ... لَهُ اخْتلفُوا فِي الْعلم بِالرَّأْيِ وَالنَّظَر)
وَله نظم
(مقَالَة ذِي نصح وَذَات فَوَائِد ... إِذا من ذَوي الْأَلْبَاب كَانَ استماعها)
(عَلَيْكُم باثار النَّبِي فَإِنَّهُ ... من أفضل أَعمال الرشاد اتباعها)
قَالَ الدمياطي نظم
(علم الحَدِيث لَهُ فضل ومنقبة ... نَالَ الْعَلَاء بِهِ من كَانَ معتنيا)
(مَا حازه نَاقص إِلَّا وكمله ... أَو حازه عاطل إِلَّا بِهِ حليا)
وَللسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير الْيَمَانِيّ فِي الثَّنَاء على من تمسك بالأحاديث من السّلف نظم
(سَلام على أهل الحَدِيث فإنني ... نشأت على حب الْأَحَادِيث من مهْدي ٩
(هم بذلوا فِي حفظ سنة أَحْمد ... وتنقيحها من جهدهمْ غَايَة الْجهد)
(وأعني بهم أسلاف سنة أَحْمد ... أُولَئِكَ فِي بَيت القصيد هم قصدي)
(أُولَئِكَ أَمْثَال البُخَارِيّ وَمُسلم ... وَأحمد أهل الْجد فِي الْعلم وَالْجد)
(بحور أحاشيهم عَن الجذر إِنَّمَا ... لَهُم مد وَيَأْتِي من الله بِالْمدِّ)
(رووا وارتووا من بَحر علم مُحَمَّد ... وَلَيْسَ لَهُم تِلْكَ الْمذَاهب من ورد)
(كفاهم كتاب الله وَالسّنة الَّتِي ... كفت قبلهم صحب الرَّسُول ذَوي الْمجد)
(أأنتم أهْدى أم صحابة أَحْمد ... وَأهل الكساهيات مَا الشوك كالورد)
(أُولَئِكَ أهْدى فِي الطَّرِيقَة مِنْكُم ... فهم قدوتي حَتَّى أُوَسَّد فِي لحدي)
(وشتان مَا بَين الْمُقَلّد فِي الْهدى ... وَمن يَقْتَدِي والضد يعرف بالضد)
(فَمن قلد النُّعْمَان أصبح شاربا ... نبيذا وَفِيه القَوْل للْبَعْض بِالْحَدِّ)
стр. 43
(وَمن يَقْتَدِي أضحى إِمَام معارف ... وَكَانَ أويسا فِي الْعِبَادَة والزهد)
(فمقتديا فِي الْحق كن لَا مُقَلدًا ... وخل أَخا التَّقْلِيد فِي الْأسر بالقد)
(وأقبح من كل ابتداع سمعته ... وأنكاه للقلب الْمُوفق للرشد)
(مَذَاهِب منرام الْخلاف لبعضها ... يعَض بأنياب الأساود والأسد)
(يصب عَلَيْهِ سَوط ذمّ وغيبة ... ويجفوه من قد كَانَ يهواه عَن عمد)
(ويعزى إِلَيْهِ كل مَا لَا يَقُوله ... لتنصيصه عِنْد التهامي والنجد)
(فيرميه أهل الرَّفْض بِالنّصب فِرْيَة ... ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد)
(وَلَيْسَ لَهُ ذَنْب سوى أَنه غَدا ... يُتَابع قَول الله فِي الْحل وَالْعقد)
(وَيتبع أَقْوَال النَّبِي مُحَمَّد ... وَهل غَيره بِاللَّه فِي الشَّرْع من يهدي)
(لِأَن عده الْجُهَّال ذَنبا فحبذا ... بِهِ حبذا يَوْم انفرادي فِي لحدي)
(علام جعلتم أَيهَا النَّاس ديننَا ... لأربعة لَا شكّ فِي فَضلهمْ عِنْدِي)
(هم عُلَمَاء الدّين شرقا مغربا ... وَنور عُيُون الْفضل وَالْحق والزهد)
(وَلَكنهُمْ كالناس لَيْسَ كَلَامهم ... دَلِيلا وَلَا تقليدهم فِي غَد يجدي)
(وَلَا زَعَمُوا حاشاهم أَن قَوْلهم ... دَلِيل فيستهدي بِهِ كل مستهدي)
(بلَى صَرَّحُوا أَنا نقابل قَوْلهم ... إِذا خَالف الْمَنْصُوص بالقدح وَالرَّدّ)
стр. 44
- الْبَاب الأول فِي معرفَة علم الحَدِيث ومبدأ جمعه وتدوينه ونقلته وَمَا يتَّصل بذلك وَفِيه فُصُول
-
الْفَصْل الأول فِي معرفَة علم الحَدِيث
وَهُوَ علم يعرف بِهِ أَقْوَال النَّبِي ﷺ وأفعاله وأحواله واندرج فِيهِ معرفَة مَوْضُوعه وَأما غَايَته فَهِيَ الْفَوْز بسعادة الدَّاريْنِ وَأما استمداده فَمن أَقْوَال الرَّسُول وأحواله ﷺ وَأما أَقْوَاله فَهُوَ الْكَلَام الْعَرَبِيّ الْمُبين فَمن لم يعرف الْكَلَام الْعَرَبِيّ بجاته فَهُوَ بمعزل عَن هَذَا الْعلم وَهِي كَونه حَقِيقَة ومجازا وكناية وصريحا وعاما وخاصا ومطلقا ومقيدا ومحذوفا ومضمرا ومنطوقا ومفهوما واقتضاء وَإِشَارَة وَعبارَة وَدلَالَة وتنبيها وإيماء وَنَحْو ذَلِك مَعَ كَونه على قانون الْعَرَبيَّة الَّذِي بَينه النُّحَاة بتفاصيله وعَلى قَوَاعِد اسْتِعْمَال الْعَرَب وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِعلم اللُّغَة وَأما أَفعاله فَهِيَ الْأُمُور الصادرة عَنهُ الَّتِي أمرنَا باتباعه فِيهَا مَا لم يكن طبعا أَو خَاصَّة فموضوع علم الحَدِيث هُوَ ذَات رَسُول الله ﷺ من حَيْثُ أَنه رَسُول الله ومباديه هِيَ مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ المباحث وَصِفَاته ومسائله هِيَ الْأَشْيَاء الْمَقْصُودَة مِنْهُ كَذَا فِي الْعَيْنِيّ وَغَيرهَا
قلت الحَدِيث فِي اصْطِلَاح جُمْهُور الْمُحدثين يُطلق على قَول النَّبِي ﷺ وَفعله وَتَقْرِيره وَمعنى التَّقْرِير أَنه فعل أحد أَو قَالَ شَيْئا فِي حَضرته ﷺ وَلم يُنكره وَلم ينْه عَن ذَلِك بل سكت وَقرر وَكَذَلِكَ
стр. 45
يُطلق على قَول الصَّحَابِيّ وَفعله وَتَقْرِيره وعَلى قَول التَّابِعِيّ وَفعله وَتَقْرِيره وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد البابلي فِي التحريرات البابلية على الرسَالَة الدلجية وَبَعْضهمْ أَدخل فِي الْحَد مَا ورد عَن صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ وَلَيْسَ بِصَحِيح انْتهى
وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمعول عَلَيْهِ وَالْخَبَر والْحَدِيث فِي الْمَشْهُور بِمَعْنى وَاحِد وَبَعْضهمْ خصوا الحَدِيث بِمَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْخَبَر بِمَا جَاءَ عَن أَخْبَار الْمُلُوك والسلاطين وَالْأَيَّام الْمَاضِيَة وَبِهَذَا يُقَال لمن يشْتَغل بِالسنةِ مُحدث وَلمن يشْتَغل بالتاريخ اخباري وَقيل بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق فَكل حَدِيث خبر وَلَا عكس وَهَذَا أشهر وَالثَّانِي وجيه وَالْأول أوجه
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول عُلُوم الشَّرِيعَة تَنْقَسِم إِلَى فرض وَنقل وَالْفَرْض يَنْقَسِم إِلَى فرض عين وَفرض كِفَايَة وَمن أصُول فروض الكفايات علم أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وآثار الصَّحَابَة الَّتِي هِيَ ثَانِي أَدِلَّة الْأَحْكَام وَله أصُول وَأَحْكَام وقواعد واصطلاحات ذكرهَا الْعلمَاء وَشَرحهَا المحدثون وَالْفُقَهَاء يحْتَاج طَالبه إِلَى مَعْرفَتهَا وَالْوُقُوف عَلَيْهَا بعد تَقْدِيم معرفَة اللُّغَة والاعراب اللَّذين هما أصل لمعْرِفَة الحَدِيث وَغَيره لوُرُود الشَّرِيعَة المطهرة على لِسَان الْعَرَب وَتلك الْأَشْيَاء كَالْعلمِ بِالرِّجَالِ وأساميهم وأنسابهم وأعمارهم وَوقت وفاتهم وَالْعلم بِصِفَات الروَاة وشرائطهم الَّتِي يجوز مَعهَا قبُول روايتهم وَالْعلم بمستند الروَاة وَكَيْفِيَّة أَخذهم الحَدِيث وتقسيم طرقه وَالْعلم بِلَفْظ الروَاة وإيرادهم مَا سَمِعُوهُ واتصاله إِلَى من يَأْخُذهُ عَنْهُم وَذكر مراتبه وَالْعلم بِجَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَرِوَايَة بعضه وَالزِّيَادَة فِيهِ وَالْإِضَافَة إِلَيْهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وانفراد الثِّقَة بِزِيَادَة فِيهِ وَالْعلم بالمسند وشرائطه والعالي مِنْهُ والنازل وَالْعلم بالمرسل وانقسامه إِلَى الْمُنْقَطع وَالْمَوْقُوف والمعضل وَغير ذَلِك لاخْتِلَاف النَّاس فِي قبُوله ورده وَالْعلم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل وجوازهما ووقوعهما وَبَيَان طَبَقَات الْمَجْرُوحين وَالْعلم بأقسام الصَّحِيح من الحَدِيث وَالْكذب وانقسام الْخَبَر إِلَيْهِمَا وَإِلَى الْغَرِيب وَالْحسن
стр. 46
وَغَيرهمَا وَالْعلم بأخبار التَّوَاتُر والآحاد والناسخ والمنسوخ وَغير ذَلِك مِمَّا توَافق عَلَيْهِ أَئِمَّة أهل الحَدِيث وَهُوَ بَينهم مُتَعَارَف فَمن أتقنها أَتَى دَار هَذَا الْعلم من بَابهَا وأحاط بهَا من جَمِيع جهاتها وَيقدر مَا يفوتهُ مِنْهَا تنزل دَرَجَته وتنحط رتبته إِلَّا أَن معرفَة التَّوَاتُر والآحاد والناسخ والمنسوخ وَإِن تعلّقت بِعلم الحَدِيث لَكِن الْمُحدث لَا يفْتَقر إِلَيْهِ لِأَن ذَلِك من وَظِيفَة الْفَقِيه لِأَنَّهُ يستنبط الْأَحْكَام من الْأَحَادِيث فَيحْتَاج إِلَى معرفَة التَّوَاتُر والآحاد والناسخ والمنسوخ فَأَما الْمُحدث فوظيفته أَن ينْقل ويروي مَا سَمعه من الْأَحَادِيث كَمَا سَمعه فَإِن تصدى لما رَوَاهُ فَزِيَادَة فِي الْفضل انْتهى كَلَام ابْن الْأَثِير
ثمَّ الحَدِيث متن وَسَنَد فالمتن هُوَ أَلْفَاظ الحَدِيث الَّتِي يقوم بهَا الْمَعْنى وَهُوَ أَعم من أَن يكون قَول الرَّسُول ﷺ أَو الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ وفعلهم وتقريرهم فَالسَّنَد إِخْبَار عَن طَرِيق الْمَتْن وَهُوَ رِجَاله الَّذين رَوَوْهُ والإسناد هُوَ رفع الحَدِيث إِلَى قَائِله وهما متقاربان فِي معنى اعْتِمَاد الْحفاظ فِي صِحَة الحَدِيث وَضَعفه عَلَيْهِمَا وَقد يَجِيء الْإِسْنَاد بِمَعْنى ذكر السَّنَد والحكاية عَن طَرِيق الْمَتْن والمتن مَا انْتهى إِلَى الْإِسْنَاد وَمتْن الحَدِيث نَفسه لَا يدْخل فِي الِاعْتِبَار أَي فِي الْبَحْث عَن أَحْوَاله عِنْد أَرْبَاب الحَدِيث إِلَّا نَادرا بل يكْتَسب صفة من الْقُوَّة والضعف وَبَين بَين بِحَسب أَوْصَاف الروَاة من الْعَدَالَة والضبط وَالْحِفْظ وخلافها وَبَين ذَلِك أَو بِحَسب الْإِسْنَاد من الِاتِّصَال والانقطاع والإرسال وَالِاضْطِرَاب وَنَحْوهَا من الشذوذ والموقوفية
فَالْحَدِيث على هَذَا يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف إِذا نظر إِلَى الْمَتْن وَأما إِذا نظر إِلَى أَوْصَاف الروَاة فَقيل هُوَ ثِقَة عدل ضَابِط أَو غير ثِقَة أَو مُتَّهم أَو مَجْهُول أَو كذوب أَو نَحْو ذَلِك فَيكون الْبَحْث عَن الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِذا نظر الى كَيْفيَّة أَخذهم وطرق تحملهم الحَدِيث كَانَ الْبَحْث عَن أَوْصَاف الطَّالِب وَإِذا بحث عَن أسمائهم وأنسابهم كَانَ الْبَحْث عَن تعيينهم وتشخيص ذواتهم كَذَا قَالَ السَّيِّد الشريف
قَالَ ابْن خلدون فِي كتاب العبر وديوان الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَمن عينه
стр. 47
نقلت اعْلَم أَن الْأَحَادِيث قد تميزت مراتبها لهَذَا الْعَهْد بَين صَحِيح وَحسن وَضَعِيف ومعلول وَغَيرهَا تنزلها أَئِمَّة الحَدِيث وجهابذته وعرفوها وَلم يبْق طَرِيق فِي تَصْحِيح مَا يَصح من قبل
وَلَقَد كَانَ الْأَئِمَّة فِي الحَدِيث يعْرفُونَ الْأَحَادِيث بطرقها وأسانيدها بِحَيْثُ لَو رُوِيَ حَدِيث بِغَيْر سَنَده وَطَرِيقه يَفْطنُون إِلَى أَنه قد قلب عَن وَضعه وَلَقَد وَقع مثل ذَلِك للْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ حِين ورد على بَغْدَاد وَقصد المحدثون امتحانه فَسَأَلُوهُ عَن أَحَادِيث قلبوا أسانيدها فَقَالَ لَا أعرف هَذِه وَلَكِنِّي حَدثنِي فلَان ثمَّ أَتَى بِجَمِيعِ تِلْكَ الْأَحَادِيث على الْوَضع الصَّحِيح ورد كل متن إِلَى سَنَده وأقروا لَهُ بِالْإِمَامَةِ
وَقد انْقَطع لهَذَا الْعَهْد تَخْرِيج شَيْء من الْأَحَادِيث واستدراكها على الْمُتَقَدِّمين إِذْ الْعَادة تشهد بِأَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة على تعددهم وتلاحق عصورهم وكفايتهم واجتهادهم لم يَكُونُوا ليغفلوا شَيْئا من السّنة أَو يَتْرُكُوهُ حَتَّى يعثر عَلَيْهِ الْمُتَأَخر وَهَذَا بعيد عَنْهُم وَإِنَّمَا تَنْصَرِف الْعِنَايَة لهَذَا الْعَهْد إِلَى تَصْحِيح الْأُمَّهَات الْمَكْتُوبَة وضبطها بالرواية عَن مصنفها وَالنَّظَر فِي أسانيدها إِلَى مؤلفها وَعرض ذَلِك على مَا تقرر فِي علم الحَدِيث من الشُّرُوط وَالْأَحْكَام لتتصل الْأَسَانِيد محكمَة إِلَى مُنْتَهَاهَا وَلم يزِيدُوا فِي ذَلِك على الْعِنَايَة بِأَكْثَرَ من هَذِه الْأُمَّهَات الْخَمْسَة إِلَّا فِي الْقَلِيل انْتهى
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير سميته جمع الْجَوَامِع وقصدت فِيهِ جَمِيع الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة بأسرها انْتهى قَالَ شَارِحه العزيزي أَي جَمِيعهَا
قَالَ الْمَنَاوِيّ وَهَذَا بِحَسب مَا اطلع عَلَيْهِ المُصَنّف لَا بِاعْتِبَار مَا فِي نفس الْأَمر انْتهى
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ حصر الْأَحَادِيث يبعد امكانه غير أَن جمَاعَة بالغوا فِي تتبعها وحصروها
قَالَ الإِمَام أَحْمد صَحَّ سَبْعمِائة ألف وَكسر وَقَالَ قد جمعت
стр. 48
فِي الْمسند أَحَادِيث انتخبتها من أَكثر سَبْعمِائة ألف وَخمسين ألفا فَمَا اختلفتم فِيهِ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ وَمَا لم تَجدوا فِيهِ فَلَيْسَ بِحجَّة
قَالَ السَّيِّد الشريف المُرَاد بِهَذِهِ الْأَعْدَاد الطّرق لَا الْمُتُون
وَقَالَ أَبُو المكارم عَليّ بن شهَاب الصديقي الظَّاهِر أَن هَذَا القَوْل مَوْضُوع على الإِمَام أَحْمد لِأَن فِي الْكتب الصَّحِيحَة من الْأَحَادِيث مَا لم يُوجد فِي الْمسند مَعَ الْإِجْمَاع على صِحَّتهَا
الْفَصْل الثَّانِي فِي مبدأ جمع الحَدِيث وتأليفه وانتشاره
فَإِنَّهُ لما كَانَ من أصُول الْفُرُوض وَجب الاعتناء بِهِ والاهتمام بضبطه وَحفظه ولذك يسر الله للْعُلَمَاء الثِّقَات الَّذين أحفظوا قوانينه وَأَحَاطُوا فِيهِ فيناقلوه كَابِرًا عَن كَابر وأوصله كَمَا سَمعه أول إِلَى آخر وحببه الله تَعَالَى لَهُم لحكمة حفظ دينه وحراسة شَرِيعَته فَلم يزل هَذَا الْعلم من عهد رَسُول الله ﷺ غض طري وَالدّين مُحكم الأساس قوي أشرف الْعُلُوم وأجلها لَدَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين خلفا بعد سلف لَا يشرف بَينهم أحد بعد حفظ كتاب الله إِلَّا بِقدر مَا يحفظ مِنْهُ وَلَا يعظم فِي النُّفُوس إِلَّا بِحَسب مَا سمع من الْأَحَادِيث فتوفرت الرغبات فِيهِ فَمَا زَالَ لَهُم من لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى أَن انْقَطَعت الهمم على تعلمه حَتَّى لقد كَانَ أحدهم يرحل إِلَى المراحل ذَوَات الْعدَد ويفني الْأَمْوَال وَالْعدَد وَيقطع الفيافي والمفاوز ويجوب الْبِلَاد شرقا وغربا فِي طلب حَدِيث وَاحِد ليسمعه من راوية فَمنهمْ من يكون الْبَاعِث لَهُ على الرحلة طلب ذَلِك الحَدِيث لذاته وَمِنْهُم من يقرن بِتِلْكَ الرَّغْبَة سَمَاعه من ذَلِك الرَّاوِي بِعَيْنِه إِمَّا لِثِقَتِهِ فِي نَفسه وَإِمَّا لعلو إِسْنَاده فانبعثت العزائم إِلَى تَحْصِيله وَكَانَ اعتمادهم أَولا على الْحِفْظ والضبط فِي الْقُلُوب غير ملتفتين إِلَى مَا يكتبونه مُحَافظَة على هَذَا الْعلم كحفظهم كتاب الله وَلَا معولين على مَا يسطرونه وَذَلِكَ لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم
стр. 49
فَلَمَّا انْتَشَر الْإِسْلَام واتسعت الْأَمْصَار وَتَفَرَّقَتْ الصَّحَابَة فِي الأقطار وَكَثُرت الفتوحات وَمَات مُعظم الصَّحَابَة وتفرق أَصْحَابهم وأتباعهم وَقل الضَّبْط واتسع الْخرق وَكَاد الْبَاطِل أَن يلتبس بِالْحَقِّ احْتَاجَ الْعلمَاء إِلَى تدوين الحَدِيث وتقييده بِالْكِتَابَةِ ولعمري إِنَّهَا الأَصْل فَإِن الخاطر يغْفل والقلم يحفظ فمارسوا الدفاتر وسايروا المحابر وَأَجَابُوا فِي نظم قلائده أفكارهم وأنفقوا فِي تَحْصِيله أعمارهم واستغرقوا لتقييده ليلهم ونهارهم فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها ودونوا دواوين ظَهرت شفوفها فاتخذها الْعَالمُونَ قدوة ونصبها العارفون قبْلَة فجزاهم الله عَن سَعْيهمْ الحميد أحسن مَا جزى بِهِ عُلَمَاء أمته وأحبار مِلَّته
وَكَانَ أول من أَمر بتدوين الحَدِيث وَجمعه بِالْكِتَابَةِ عمر بن عبد الْعَزِيز خوف إندراسه كَمَا فِي الْمُوَطَّأ رِوَايَة مُحَمَّد بن الْحسن أخبرنَا يحيى بن سعيد أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى أبي بكر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن أنظر مَا كَانَ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ أَو سنته فاكتبه فَإِنِّي خفت دروس الْعلم وَذَهَاب الْعلمَاء
وَأخرج أَبُو نعيم فِي تَارِيخ أصفهان عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه كتب إِلَى أهل الْآفَاق أنظروا إِلَى حَدِيث رَسُول الله ﷺ فاجمعوه وعلقه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فيستفاد مِنْهُ كَمَا قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر ابْتِدَاء تدوين الحَدِيث النَّبَوِيّ
وَقَالَ الْهَرَوِيّ فِي ذمّ الْكَلَام وَلم تكن الصَّحَابَة وَلَا التابعون يَكْتُبُونَ الْأَحَادِيث إِنَّمَا كَانُوا يؤدونها حفظا ويأخذونها لفظا إِلَّا كتاب الصَّدقَات وَالشَّيْء الْيَسِير الَّذِي يقف عَلَيْهِ الباحث بعد الِاسْتِقْصَاء حَتَّى خيف عَلَيْهِ الدُّرُوس وأسرع فِي الْعلمَاء الْمَوْت أَمر عبد الْعَزِيز أَبَا بكر مُحَمَّد بن حزم فِيمَا كتب إِلَيْهِ أَن أنظر ماكان من سنة أوحديث فاكتبه
وَفِي هدي الساري مُقَدّمَة فتح الْبَارِي أول من جمع ذَلِك الرّبيع بن صبيح وَسعد بن أبي عرُوبَة وَغَيرهمَا وَكَانُوا يصنفون كل بَاب على حِدة إِلَى أَن انْتهى الْأَمر إِلَى كبار الطَّبَقَة الثَّالِثَة وزمن
стр. 50
جمَاعَة من الْأَئِمَّة مثل عبد الْملك بن جريج وَمَالك بن أنس وَغَيرهمَا فدونوا الحَدِيث حَتَّى قيل إِن أول كتاب صنف فِي الْإِسْلَام كتاب ابْن جريج وَقيل موطأ مَالك وَقيل أول من صنف وَبَوَّبَ الرّبيع ابْن صبيح بِالْبَصْرَةِ
وَقَالَ الْقُسْطَلَانِيّ صنف مَالك الْمُوَطَّأ بِالْمَدِينَةِ وَعبد الْملك بن جريج بِمَكَّة وَعبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام وسُفْيَان الثَّوْريّ بِالْكُوفَةِ وَحَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار بِالْبَصْرَةِ ثمَّ تلاهم كثير من الْأَئِمَّة فِي التصنيف كل على حسب مَا سنح لَهُ وانْتهى إِلَيْهِ علمه انْتهى
وانتشر جمع الحَدِيث وتدوينه وتسطيره فِي الْأَجْزَاء والكتب وَكثر ذَلِك وَعظم نَفعه إِلَى زمن الْإِمَامَيْنِ العظيمين أبي عبد الله مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي فدونا كِتَابَيْهِمَا وأثبتا فيهمَا من الْأَحَادِيث مَا قطعا بِصِحَّتِهِ وَثَبت عِنْدهمَا نَقله وسيما الصَّحِيحَيْنِ من الحَدِيث وَلَقَد صدقا فِيمَا قَالَا وَالله مجازيهما عَلَيْهِ وَلذَلِك رزقهما الله تَعَالَى حسن الْقبُول شرقا وغربا ثمَّ ازْدَادَ انتشار هَذَا النَّوْع من التصنيف وَكثر فِي الْأَيْدِي وَتَفَرَّقَتْ أغراض النَّاس وتنوعت مقاصدهم إِلَى أَن انقرض ذَلِك الْعَصْر الَّذِي قد اجْتَمعُوا وَاتَّفَقُوا فِيهِ مثل أبي عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَمثل أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي وَأبي عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب النَّسَائِيّ وَغَيرهم فَكَانَ ذَلِك الْعَصْر خُلَاصَة العصور فِي تَحْصِيل هَذَا الْعلم وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهى كَذَا فِي كشف الظنون
وَقَالَ ابْن خلدون وَكَانَ علم الشَّرِيعَة فِي مبدأ هَذَا الْأَمر نقلا صرفا شمر لَهَا السّلف وتحروا الصَّحِيح حَتَّى أكملوها وَكتب مَالك كتاب الْمُوَطَّأ أودعهُ أصُول الْأَحْكَام من الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ ورتبه على أَبْوَاب الْفِقْه ثمَّ عني الْحفاظ بِمَعْرِِفَة طرق الْأَحَادِيث وأسانيدها الْمُخْتَلفَة وَرُبمَا يَقع إِسْنَاد الحَدِيث من طرق مُتعَدِّدَة عَن رُوَاة مُخْتَلفين وَقد يَقع الحَدِيث أَيْضا فِي أَبْوَاب مُتعَدِّدَة باخْتلَاف الْمعَانِي الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا
وَجَاء مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ إِمَام الْمُحدثين فِي عصره فَخرج
стр. 51
أَحَادِيث السّنة على أَبْوَابهَا فِي مُسْنده الصَّحِيح بِجَمِيعِ الطّرق الَّتِي للحجازيين والعراقيين والشاميين وَاعْتمد مِنْهَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ دون مَا اخْتلفُوا فِيهِ وَكرر الْأَحَادِيث يَسُوقهَا فِي كل بَاب بِمَعْنى ذَلِك الْبَاب الَّذِي تضمنه الحَدِيث فتكررت لذَلِك أَحَادِيثه حَتَّى يُقَال أَنه اشْتَمَل على تِسْعَة آلَاف حَدِيث وَمِائَتَيْنِ مِنْهَا ثَلَاثَة آلَاف متكررة وَفرق الطّرق والأسانيد عَلَيْهَا مُخْتَلفَة فِي كل بَاب
ثمَّ جَاءَ الإِمَام مُسلم بن الْحجَّاج الْقشيرِي فألف مُسْنده الصَّحِيح حذا فِيهِ حَذْو البُخَارِيّ فِي نقل الْمجمع عَلَيْهِ وَحذف المتكرر مِنْهَا وَجمع الطّرق والأسانيد وبوبه على أَبْوَاب الْفِقْه وتراجمه وَمَعَ ذَلِك فَلم يستوعبا الصَّحِيح كُله وَقد استدرك النَّاس عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك
ثمَّ كتب أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي السّنَن بأوسع من الصَّحِيح وقصدوا مَا توفرت فِيهِ شُرُوط الْعَمَل إِمَّا من الرُّتْبَة الْعَالِيَة فِي الْأَسَانِيد وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا هُوَ مَعْرُوف وَإِمَّا من الَّذِي دونه من الْحسن وَغَيره ليَكُون ذَلِك إِمَامًا للسّنة وَالْعَمَل وَهَذِه هِيَ المسانيد الْمَشْهُورَة فِي الْملَّة وَهِي أُمَّهَات كتب الحَدِيث فِي السّنة فَإِنَّهَا وَإِن تعدّدت ترجع إِلَى هَذِه فِي الْأَغْلَب وَمَعْرِفَة هَذِه الشُّرُوط الاصطلاحات كلهَا هِيَ علم الحَدِيث وَرُبمَا يفرد عَنْهَا النَّاسِخ والمنسوخ فَيجْعَل فَنًّا بِرَأْسِهِ وَكَذَا الْغَرِيب وَلِلنَّاسِ فِيهِ تأليف مشهوره انْتهى
ثمَّ نقص ذَلِك الطّلب وَقل الْحِرْص وفترت الهمم وَكَذَلِكَ كل نوع من أَنْوَاع الْعُلُوم والصنائع والدول وَغَيرهَا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئ قَلِيلا قَلِيلا وَلَا يزَال يَنْمُو وَيزِيد إِلَى أَن يصل إِلَى غَايَة هِيَ منتهاه ثمَّ لَا يعود وَكَانَ غَايَة هَذَا الْعلم انْتَهَت إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم وَمن كَانَ فِي عصرهما ثمَّ نزل وتقاصر إِلَى مَا شَاءَ الله تَعَالَى حَتَّى لَا يُوجد الْيَوْم مِمَّن يعلم الحَدِيث وَاحِد فِي الْجمع الجم من النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ النَّاس كالأبل الْمِائَة لَا تكَاد تُوجد فِيهَا رَاحَة وَإِنَّمَا هم كحفالة الشّعير فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
стр. 52
الْفَصْل الثَّالِث فِي اخْتِلَاف الْأَغْرَاض فِي تصانيف علم الحَدِيث
اعْلَم أَن هَذَا الْعلم على شرفه وعلو مَنْزِلَته كَانَ علما عَزِيزًا مُشكل اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَلذَلِك كَانَ النَّاس فِي تصانيفهم مختلفي الْأَغْرَاض فَمنهمْ من قصر همته على تدوين الحَدِيث مُطلقًا ليحفظ لَفظه ويستنبط مِنْهُ الحكم كَمَا فعله عبد الله بن مُوسَى الضَّبِّيّ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَغَيرهمَا أَولا وَثَانِيا أَحْمد بن حَنْبَل وَمن بعده فَإِنَّهُم أثبتوا الْأَحَادِيث من مسانيد رواتها فَيذكرُونَ مُسْند أبي بكر الصّديق ويثبتون فِيهِ كل مَا رَوَوْهُ عَنْهُم ثمَّ يذكرُونَ بعده الصَّحَابَة وَاحِدًا بعد وَاحِد على هَذَا النسق
قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ فَمنهمْ من رتب على المسانيد كَالْإِمَامِ أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأحمد بن منيع وَأبي خَيْثَمَة وَالْحسن بن سُفْيَان وَأبي بكر الْبَزَّار وَغَيرهم انْتهى
وَمِنْهُم من يثبت الْأَحَادِيث فِي الْأَمَاكِن الَّتِي هِيَ دَلِيل عَلَيْهَا فيضعون لكل حَدِيث بَابا يخْتَص بِهِ فَإِن كَانَ فِي معنى الصَّلَاة ذَكرُوهُ فِي بَاب الصَّلَاة وَإِن كَانَ فِي معنى الزَّكَاة ذَكرُوهُ فِيهَا كَمَا فعل مَالك فِي الْمُوَطَّأ إِلَّا أَنه لقلَّة مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث قلت أبوابه ثمَّ اقْتدى بِهِ من بعده فَلَمَّا انْتهى الْأَمر إِلَى زمن البُخَارِيّ وَمُسلم وَكَثُرت الْأَحَادِيث المودعة فِي كِتَابَيْهِمَا واقتدى بهما من جَاءَ بعدهمَا وَهَذَا النَّوْع أسهل مطلبا من الأول لِأَن الْإِنْسَان قد يعرف الْمَعْنى وَإِن كم يعرف راوية بل رُبمَا لَا يحْتَاج إِلَى معرفَة رَاوِيه فَإِذا أَرَادَ حَدِيثا يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ طلبه من كتاب الصَّلَاة لِأَن الحَدِيث إِذا أورد فِي كتاب الصَّلَاة علم النَّاظر أَن ذَلِك الحَدِيث هُوَ دَلِيل ذَلِك الحكم فَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يفكر فِيهِ بِخِلَاف الأول
وَمِنْهُم من استخرج أَحَادِيث تَتَضَمَّن ألفاظا لغوية ومعاني مشكلة
стр. 53
فَوضع لَهَا كتابا قصره على ذكر متن الحَدِيث وَشرح غَرِيبه وَإِعْرَابه وَمَعْنَاهُ وَلم يتَعَرَّض لذكر الْأَحْكَام كَمَا فعل أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة وَغَيرهمَا
وَمِنْهُم من رتب على الْعِلَل بِأَن يجمع فِي كل متن طرقه وَاخْتِلَاف الروَاة فِيهِ بِحَيْثُ يَتَّضِح ارسال مَا يكون مُتَّصِلا أووقف مَا يكون مَرْفُوعا أَو غير ذَلِك
وَمِنْهُم من قصد الى اسْتِخْرَاج أَحَادِيث تَتَضَمَّن ترغيبا وترهيبا وَأَحَادِيث تَتَضَمَّن أحكاما شَرْعِيَّة غير جَامِعَة فدونها وَأخرج متونها وَحدهَا كَمَا فعله أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود الْبَغَوِيّ فِي المصابيح واللؤلؤي فِي الْمشكاة وَغير هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمَا حذفا الْإِسْنَاد واقتصرا على الْمَتْن فَقَط
وَمِنْهُم من أضَاف إِلَى هَذَا الِاخْتِيَار ذكر الْأَحْكَام وآراء الْفُقَهَاء مثل أبي سُلَيْمَان حمد بن مُحَمَّد الْخطابِيّ فِي معالم السّنَن وأعلام السّنَن وَمِنْهُم من قصد ذكر الْغَرِيب دون الْمَتْن من الحَدِيث واستخرج الْكَلِمَات الغريبة ودونها ورتبها وَشَرحهَا كَمَا فعل أَبُو عبيد أَحْمد بن مُحَمَّد الْهَرَوِيّ الباشاني م ٤٠١ وَغَيره من الْعلمَاء
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كثرت فِي هَذَا الشَّأْن التصانيف وانتشرت فِي أَنْوَاعه وفنونه التآليف واتسعت دَائِرَة الرِّوَايَة فِي الْمَشَارِق والمغارب واستنارت مناهج السّنة لكل طَالب وَلَكِن لما كَانَ أُولَئِكَ الْأَعْلَام هم السَّابِقُونَ فِيهِ لم يَأْتِ صنيعهم على أكمل الأوضاع فَإِن غرضهم كَانَ أَولا حفظ الحَدِيث مُطلقًا وإثباته وَدفع الْكَذِب عَنهُ وَالنَّظَر فِي طرقه وَحفظ رِجَاله وتزكيتهم وَاعْتِبَار أَحْوَالهم والتفتيش عَن أُمُورهم حَتَّى قَدَحُوا وجرحوا وَعدلُوا وَأخذُوا وَتركُوا هَذَا بعد الِاحْتِيَاط والضبط والتدبر فَكَانَ هَذَا مقصدهم الْأَكْبَر وغرضهم الأول وَلم يَتَّسِع الزَّمَان لَهُم والعمر لأكْثر من هَذَا الْغَرَض الْأَعَمّ والمهم الْأَعْظَم وَلَا رَأَوْا فِي أيامهم أَن يشتغلوا بِغَيْرِهِ من لَوَازِم هَذَا الْفَنّ الَّتِي هِيَ كالتوابع بل
стр. 54
وَلَا يجوز لَهُم ذَلِك فَإِن الْوَاجِب أَولا إِثْبَات الذَّات ثمَّ تَرْتِيب الصِّفَات وَالْأَصْل إِنَّمَا هُوَ عين الحَدِيث ثمَّ ترتيبه وتحسين وَضعه فَفَعَلُوا مَا هُوَ الْغَرَض الْمُتَعَيّن واخترمتهم المنايا قبل الْفَرَاغ والتخلي لما فعله التابعون لَهُم والمقتدون بهم فتعبوا الرَّاحَة من بعدهمْ
ثمَّ جَاءَ الْخلف الصَّالح فأحبوا أَن يظهروا تِلْكَ الْفَضِيلَة ويشيعوا تِلْكَ الْعُلُوم الَّتِي أفنوا أعمارهم فِي جمعهَا إِمَّا بإبداع تَرْتِيب أَو بِزِيَادَة تَهْذِيب أَو اخْتِصَار أَو تقريب أَو استنباط حكم أَو شرح غَرِيب فَمن هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرين من جمع بَين كتب الْأَوَّلين بِنَوْع التَّصَرُّف والاختصار كمن جمع بَين كتابي البُخَارِيّ وَمُسلم مثل أبي بكر أَحْمد بن مُحَمَّد الرماني وَأبي مَسْعُود إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبيد الدمقشي وَأبي عبد الله مُحَمَّد الْحميدِي فَإِنَّهُم رتبوا على المسانيد دون الْأَبْوَاب كَمَا سبق وتلاهم أَبُو الْحسن رزين بن مُعَاوِيَة الْعَبْدي فَجمع بَين كتب البُخَارِيّ وَمُسلم والموطأ لمَالِك وجامع التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ورتب على الْأَبْوَاب إِلَّا أَن هَؤُلَاءِ أودعوا متون الحَدِيث عَارِية من الشَّرْح وَكَانَ كتاب رزين أكبرها وأعمها حَيْثُ حوى هَذِه الْكتب السِّتَّة الَّتِي هِيَ أم كتب الحَدِيث وأشهرها وبأحاديثها أَخذ الْعلمَاء وَاسْتدلَّ الْفُقَهَاء وأثبتوا الْأَحْكَام ومصنفوها أشهر عُلَمَاء الحَدِيث وَأَكْثَرهم حفظا وإليهم الْمُنْتَهى
وتلاه الإِمَام أَبُو السعادات مبارك بن مُحَمَّد بن الْأَثِير الْجَزرِي فَجمع بَين كتابي رزين وَبَين الْأُصُول السِّتَّة بتهذيبه وترتيب أبوابه وتسهيل مطلبه وَشرح غَرِيبه فِي جَامع الْأُصُول فَكَانَ أجمع ماجمع فِيهِ
ثمَّ جَاءَ الْحَافِظ جلال الدّين السُّيُوطِيّ فَجمع بَين الْكتب السِّتَّة وَالْمَسَانِيد الْعشْرَة وَغَيرهَا فِي جمع الْجَوَامِع فَكَانَ أعظم بِكَثِير من جَامع الْأُصُول من جِهَة الْمُتُون إِلَّا أَنه لم يبال بِمَا صنع فِيهِ من جمع الْأَحَادِيث الضعيفة بل الْمَوْضُوعَة وَكَانَ أول مَا بَدَأَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ أَنهم حذفوا الْأَسَانِيد اكْتِفَاء بِذكر من روى الحَدِيث من الصَّحَابِيّ إِن كَانَ خَبرا وبذكر من يرويهِ عَن الصَّحَابِيّ إِن كَانَ أثرا وَالرَّمْز
стр. 55
إِلَى الْمخْرج لِأَن الْغَرَض مِمَّن ذكر الْأَسَانِيد كَانَ أَولا إِثْبَات الحَدِيث وتصحيحه وَهَذِه كَانَت وَظِيفَة الْأَوَّلين وَقد كفوا تِلْكَ الْمُؤْنَة فَلَا حَاجَة بهم إِلَى ذكر مَا فرغوا مِنْهُ كَذَا فِي كشف الظنون
الْفَصْل الرَّابِع فِي أَنْوَاع كتب الحَدِيث كثر الله سوادها
ذكر الْمولى عبد الْعَزِيز الْمُحدث الدهلوي فِي العجالة النافعة مَا نَصه بِالْعَرَبِيَّةِ إِن كتب الحَدِيث لَهَا طرق متنوعة كالجوامع وَالْجَامِع فِي اصْطِلَاح الْمُحدثين مَا يُوجد فِيهِ جَمِيع أَقسَام الحَدِيث أَي أَحَادِيث العقائد وَأَحَادِيث الْأَحْكَام وَأَحَادِيث الرقَاق وَأَحَادِيث آدَاب الْأكل وَالشرب وَأَحَادِيث السّفر وَالْقِيَام وَالْقعُود وَالْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بالتفسير والتاريخ وَالسير وَأَحَادِيث الْفِتَن وَأَحَادِيث المناقب والمثالب وَقد صنف عُلَمَاء الحَدِيث فِي كل فن من هَذِه الْفُنُون الثَّمَانِية تصانيف مُفْردَة
الْقسم الأول من المصنفات فِي الْأَحَادِيث
فأحاديث العقائد مِنْهَا تسمى علم التَّوْحِيد وَفِيه كتاب التَّوْحِيد لأبي بكر بن خُزَيْمَة وَكتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي الْأَحْكَام
وَأَحَادِيث الْأَحْكَام من كتاب الطَّهَارَة إِلَى كتاب الْوَصَايَا على تَرْتِيب الْفِقْه تسمى سننا والكتب المصنفة فِيهَا أَكثر من أَن تحصر
قلت وَذكرت قسطا مِنْهَا فِي كتابي الْمُسَمّى ب جنان الْمُتَّقِينَ ذيل بُسْتَان الْمُحدثين انْتهى الرقَاق
وَأَحَادِيث الرقَاق تسمى علم السلوك والزهد وَفِيه كتاب الزّهْد للْإِمَام أَحْمد وعبد الله بن الْمُبَارك وَجَمَاعَة أُخْرَى
стр. 56
الْآدَاب
وَأَحَادِيث الْآدَاب يُقَال لَهَا علم الْأَدَب وللبخاري فِيهِ كتاب مَبْسُوط مَوْسُوم ب الْأَدَب الْمُفْرد التَّفْسِير
وَالْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بالتفسير تسمى علم التَّفْسِير كتفسير ابْن مرْدَوَيْه وَتَفْسِير الديلمي وَتَفْسِير ابْن جرير فَإِنَّهَا من مشاهير تفاسير الحَدِيث وَكتاب الدّرّ المنثور يجمعها كلهَا التواريخ وَالسير
وَأما أَحَادِيث التواريخ وَالسير فَهِيَ قِسْمَانِ قسم يتَعَلَّق بِخلق السَّمَاء وَالْأَرْض والحيوانات وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين وَالْمَلَائِكَة والأنبياء الماضين والأمم السَّابِقين وَيُسمى بَدْء الْخلق وَقسم يتَعَلَّق بِوُجُود النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه الْكِرَام وَآله الْعِظَام من بَدْء وِلَادَته إِلَى وَفَاته وَيُسمى سيرة كسيرة ابْن اسحاق وسيرة ابْن هِشَام وسيرة ملا عمر والكتب المصنفة فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا كَثِيرَة جدا
قلت وجملتها مَذْكُورَة فِي كشف الظنون انْتهى وَكتاب رَوْضَة الأحباب للسَّيِّد جمال الدّين الْمُحدث أحسن السّير لَكِن إِن تيسرت نُسْخَة صَحِيحَة مِنْهُ خَالِيَة عَن الْإِلْحَاق والتحريف ومدارج النُّبُوَّة للشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي والسيرة الشامية والمواهب اللدنية من مبسوطات السّير الْفِتَن
وَأَحَادِيث الْفِتَن تسمى علم الْفِتَن وَفِيه كتاب الْفِتَن لنعيم بن حَمَّاد وَهُوَ طَوِيل عريض جدا أورد فِيهِ كل رطب ويابس ومصنفات أُخْرَى للآخرين
стр. 57
المناقب والمثالب
وَأَحَادِيث المناقب والمثالب تسمى علم المناقب وفيهَا أَيْضا تصانيف عديدة متنوعة وَقد أفرز بعض الْمُحدثين مَنَاقِب بَعضهم عَن بعض سِيمَا مَنَاقِب الْآل وَالْأَصْحَاب لغَرَض تعلق بِهِ كمناقب قُرَيْش ومناقب الْأَنْصَار ومناقب الْعشْرَة المبشرة الْمُسَمَّاة ب الرياض النضرة فِي مَنَاقِب الْعشْرَة للمحب الطَّبَرِيّ وذخائر العقبى فِي مَنَاقِب ذَوي الْقُرْبَى وَحلية الْكُمَيْت فِي مَنَاقِب أهل الْبَيْت والديباج فِي مَنَاقِب الْأزْوَاج وصنفت كتب كَثِيرَة فِي مَنَاقِب الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ك القَوْل الصَّوَاب فِي مَنَاقِب عمر بن الْخطاب وَالْقَوْل الْجَلِيّ فِي مَنَاقِب عَليّ وللنسائي رِسَالَة طَوِيلَة الذيل فِي مناقبه كرم الله وَجهه وَعَلَيْهَا نَالَ الشَّهَادَة فِي دمشق من أَيدي نواصب الشَّام لفرط تعصبهم وعداوتهم مَعَه ﵁ الْجَامِع
فالجامع مَا يُوجد فِيهِ أنموذج كل فن من هَذِه الْفُنُون الْمَذْكُورَة كالجامع الصَّحِيح للْبُخَارِيّ وَالْجَامِع لِلتِّرْمِذِي وَأما صَحِيح مُسلم فَإِنَّهُ وَإِن كَانَت فِيهِ أَحَادِيث تِلْكَ الْفُنُون لَكِن لَيْسَ فِيهِ مَا يتَعَلَّق بفن التَّفْسِير وَالْقِرَاءَة وَلِهَذَا لَا يُقَال لَهُ الْجَامِع كَمَا يُقَال لأختيه
قلت وَلَكِن أوردهُ صَاحب كشف الظنون فِي حرف الْجِيم وَعبر عَنهُ بالجامع وَكَذَا غَيره فِي غَيره من أهل الحَدِيث وَقَالَ الْمجد صَاحب الْقَامُوس عِنْد خَتمه لصحيح مُسلم ع قَرَأت بِحَمْد الله جَامع مُسلم الخ
الْقسم الثَّانِي من المصنفات فِي الحَدِيث المسانيد
والمسند فِي اصطلاحهم ذكر الْأَحَادِيث على تَرْتِيب الصَّحَابَة ﵃ بِحَيْثُ يُوَافق حُرُوف الهجاء أَو يُوَافق السوابق الإسلامية أَو يُوَافق شرافة النّسَب فَإِن جمع على حُرُوف التهجي فالأحاديث المروية عَن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تقدم عَنهُ وَكَذَا أَحَادِيث أُسَامَة
стр. 58
ابْن زيد وَأنس بن مَالك وَنَحْوهمَا على أَحَادِيث الصَّحَابَة الْأُخَر وَإِن جمع على السوابق الإسلامية فَتقدم الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وتذكر أَحَادِيث الْخُلَفَاء الرَّاشِدين على التَّرْتِيب ثمَّ أَحَادِيث أهل بدر وَأهل الْحُدَيْبِيَة ثمَّ مسلمة الْفَتْح ثمَّ أَحَادِيث النسْوَة الصحابيات وَتقدم الْأزْوَاج المطهرات على كُلهنَّ وَلم تقع رِوَايَة الحَدِيث عَن الْبَنَات الطاهرات إِلَّا الْقدر الْيَسِير من سيدة النِّسَاء لِأَنَّهُنَّ متن فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ وَمَاتَتْ سيدة النِّسَاء بعده بِسِتَّة أشهر وَلم تَجِد ﵂ فرْصَة الرِّوَايَة وَإِن جمع على الْقَبَائِل والأنساب فنكتب أَولا مسانيد بني هَاشم خُصُوصا الْحسن وَالْحُسَيْن وَعلي المرتضى ثمَّ أَحَادِيث الْقَبَائِل الَّتِي هِيَ الأقرباء مِنْهُ ﷺ فِي النّسَب وَحِينَئِذٍ تقدم مرويات عُثْمَان ذِي النورين على أَحَادِيث أبي بكر الصّديق وَأَحَادِيث الصّديق وَطَلْحَة بن عبيد الله على أَحَادِيث عمر بن الْخطاب وَقس الْبَوَاقِي على هَذَا
وَالْقسم الثَّالِث مِنْهَا المعجم
والمعجم فِي اصْطِلَاح الْمُحدثين مَا تذكر فِيهِ الْأَحَادِيث على تَرْتِيب الشُّيُوخ سَوَاء يعْتَبر تقدم وَفَاة الشَّيْخ أم توَافق حُرُوف التهجي أَو الْفَضِيلَة أَو التَّقَدُّم فِي الْعلم وَالتَّقوى وَلَكِن الْغَالِب هُوَ التَّرْتِيب على حُرُوف الهجاء وَمن هَذَا الْقسم المعاجم الثَّلَاثَة للطبراني
قلت والمشيخات فِي معنى المعاجم إِلَّا أَن المعاجم يرتب الْمَشَايِخ فِيهَا على حُرُوف المعجم فِي أسمائهم بِخِلَاف المشيخات قَالَه الْحَافِظ ابْن حجر كَذَا فِي ثَبت شيخ شُيُوخنَا مُحَمَّد عَابِد السندي الْمدنِي ﵀
وَالْقسم الرَّابِع مِنْهَا الْأَجْزَاء
والجزء فِي اصطلاحهم تأليف الْأَحَادِيث المروية عَن رجل وَاحِد سَوَاء كَانَ ذَلِك الرجل فِي طبقَة الصَّحَابَة أَو من بعدهمْ كجزء حَدِيث أبي بكر وجزء حَدِيث مَالك وَقس عَلَيْهِ
قلت وَقد استوعبها صَاحب كشف الظنون وأوردت طرفا مِنْهَا فِي جنان الْمُتَّقِينَ انْتهى وَهَذَا الْقسم أَيْضا كثير جدا
стр. 59
وَقد يختارون من المطالب الثَّمَانِية الْمَذْكُورَة فِي صفة الْجَامِع مطلبا جزئيا ويصنفون فِيهِ مَبْسُوطا كَمَا صنف أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا فِي بَاب النِّيَّة وذم الدُّنْيَا كتابين مبسوطين والآجري فِي بَاب رُؤْيَة الله وعَلى هَذَا الْقيَاس صنفت كتب كَثِيرَة فِي جزئيات تِلْكَ المطالب الثَّمَانِية بِحَيْثُ لَا تطِيق الطَّاقَة البشرية إحصاءها وللشيخ ابْن حجر والسيوطي يَد طولى فِي تأليف الرسائل
وَالْقسم الآخر مِنْهَا أَرْبَعُونَ حَدِيثا
وَهُوَ يجمع فِي بَاب وَاحِد أَو أَبْوَاب شَتَّى بِسَنَد وَاحِد أَو أَسَانِيد مُتعَدِّدَة وَهُوَ أَيْضا كثير جدا كَمَا يسمع وَيرى فَالْحَاصِل أَن أَقسَام التصانيف فِي علم الحَدِيث ترجع إِلَى هَذِه الْأَنْوَاع السِّتَّة الْمَذْكُورَة وَيُقَال للرسائل الْكتب أَيْضا انْتهى مَا فِي العجالة
قلت وَلَيْسَ هَذَا على طَرِيق الْحصْر فَإِن من أقسامها أَيْضا الْأَفْرَاد والغرائب وَهُوَ فِي اصطلاحهم عبارَة عَن الْأَحَادِيث الَّتِي تكون عِنْد شيخ وَلَا تكون عِنْد آخر ككتاب الْأَفْرَاد للدارقطني
وَمِنْهَا السّنَن وَهُوَ الْكتاب الْمُرَتّب على أَبْوَاب الْفِقْه من الْإِيمَان وَالطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالصِّيَام إِلَى آخرهَا كسنن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَغَيرهَا
وَمِنْهَا الْمُسْتَخْرج وَهُوَ مَا استخرج لإِثْبَات أَحَادِيث كتاب آخر مَعَ رِعَايَة ترتيبه ومتونه وطرق إِسْنَاده وَيَنْتَهِي سَنَده إِلَى شيخ ذَلِك المُصَنّف أَو شيخ شَيْخه وهلم جرا بِحَيْثُ لَا يحول المُصَنّف بَينه وَبَين هَذَا السَّنَد وَفَائِدَته زِيَادَة الِاعْتِمَاد والوثوق على رِوَايَات ذَلِك المُصَنّف من جِهَة كَون الطّرق الْأُخْرَى لهَذِهِ الْأَحَادِيث كمستخرج أبي عوانه وَيُقَال لَهُ الصَّحِيح أَيْضا لِأَنَّهُ زَاد طرقا أُخْرَى على طرق صَحِيح مُسلم وَأَسَانِيده وقليلا من الْمَتْن أَيْضا فَكَأَنَّهُ فِي نَفسه كتاب مُسْتَقل وَقد انتقى مِنْهُ الذَّهَبِيّ ثَلَاثِينَ ومائتي حَدِيث وَهُوَ الْمَشْهُور بمنتقى الذَّهَبِيّ وَكَذَلِكَ الْمُسْتَدْرك وَهُوَ اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ من كتاب آخر على
стр. 60
شريطته كمستدرك الْحَاكِم أبي عبد الله النَّيْسَابُورِي وَغَيرهَا وجملتها مَذْكُورَة فِي كشف الظنون ثمَّ فِي جنان الْمُتَّقِينَ
الْفَصْل الْخَامِس فِي ذكر نقلة الحَدِيث من أهل الِاجْتِهَاد والْحَدِيث
اعْلَم أَن أَحْوَال نقلة الحَدِيث فِي عصور السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانَت مَعْرُوفَة عِنْد كل أهل بَلْدَة فَمنهمْ بالحجاز وَمِنْهُم بِالْبَصْرَةِ والكوفة من الْعرَاق وَمِنْهُم بِالشَّام ومصر والجميع معروفون مَشْهُورُونَ فِي أعصارهم قيل وهم ثَلَاثُونَ رجلا كَمَا أوردهم الْحَاكِم فِي كِتَابه معرفَة عُلُوم الحَدِيث وَكَانَت طَريقَة أهل الْحجاز فِي أعصارهم فِي الأسنايد أَعلَى مِمَّن سواهُم وأمتن فِي الصِّحَّة لاستبدادهم فِي شُرُوط النَّقْل من الْعَدَالَة والضبط وتجافيهم عَن قبُول الْمَجْهُول الْحَال فِي ذَلِك وَسَنَد الطَّرِيقَة الحجازية بعد السّلف الإِمَام مَالك عَالم الْمَدِينَة ثمَّ أَصْحَابه مثل الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وأمثالهم
قَالَ الشاه ولي الله الْمُحدث الدهلوي فِي الْإِنْصَاف فِي بَيَان أَسبَاب الِاخْتِلَاف ثمَّ أنشأ الله تَعَالَى قرنا آخر فَرَأَوْا أَصْحَابهم قد كفوا مُؤنَة جمع الْأَحَادِيث وتمهيد الْفِقْه على هَذَا الأَصْل فتفرغوا لفنون أُخْرَى كتمييز الحَدِيث الصَّحِيح الْمجمع عَلَيْهِ من كبراء أهل الحَدِيث كيزيد بن هَارُون وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَأحمد وَإِسْحَاق وأحزابهم وكجمع أَحَادِيث الْفِقْه الَّتِي بنى عَلَيْهَا فُقَهَاء الْأَمْصَار وعلماء الْبلدَانِ مذاهبهم وكالحكم على كل حَدِيث بِمَا يسْتَحقّهُ وكالشاذة والفاذة من الْأَحَادِيث الَّتِي لم يرووها أَو طرقها الَّتِي يخرج من اجْتِهَاد الْأَوَائِل مِمَّا فِيهِ اتِّصَال أَو علو سَنَد أَو رِوَايَة فَقِيه أَو حَافظ عَن حَافظ وَنَحْو ذَلِك من المطالب الْعَالِيَة وَهَؤُلَاء هم البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَعبد بن حميد والدارمي وَابْن مَاجَه وَأَبُو يعلى وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ والخطيب
стр. 61
والديلمي وَابْن عبد الْبر وأمثالهم وَكَانَ أَو سعهم علما عِنْدِي وأنفعهم تصنيفا وأشهرهم ذكرا رجَالًا أَرْبَعَة متقاربين فِي الْعَصْر
أَوَّلهمْ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ وَكَانَ غَرَضه تَجْرِيد الْأَحَادِيث الصِّحَاح المستفيضة الْمُتَّصِلَة عَن غَيرهَا واستنباط الْفِقْه والسيرة وَالتَّفْسِير مِنْهَا فصنف جَامعه الصَّحِيح فوفى بِمَا شَرط ونال من الشُّهْرَة وَالْقَبُول دَرَجَة لَا ترام فَوْقهَا
قلت وَفِي كتاب العبر لِابْنِ خلدون وَأما البُخَارِيّ وَهُوَ أَعْلَاهَا رُتْبَة فاستصعب النَّاس شَرحه واستغلقوا منحاه من أجل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من معرفَة الطّرق المتعددة ورجالها من أهل الْحجاز وَالشَّام وَالْعراق وَمَعْرِفَة أَحْوَالهم وَاخْتِلَاف النَّاس فيهم وَلذَلِك يحْتَاج إِلَى إمعان النّظر فِي التفقه فِي تراجمه لِأَنَّهُ يترجم التَّرْجَمَة ويورد فِيهَا الحَدِيث بِسَنَد أَو طَرِيق ثمَّ يترجم أُخْرَى ويورد فِيهَا ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه لما تضمنه من الْمَعْنى الَّذِي ترْجم بِهِ الْبَاب وَكَذَلِكَ فِي تَرْجَمَة وترجمة إِلَى أَن يتَكَرَّر الحَدِيث فِي أَبْوَاب كَثِيرَة بِحَسب مَعَانِيه واختلافها وَمن شَرحه وَلم يسْتَوْف هَذَا فِيهِ فَلم يوف حق الشَّرْح كَابْن بطال وَابْن الْمُهلب وَابْن التِّين وَنَحْوهم وَلَقَد سَمِعت كثيرا من الْمَشَايِخ رَحِمهم الله تَعَالَى يَقُولُونَ شرح كتاب البُخَارِيّ دين على الْأمة يعنون أَن أحدا من عُلَمَاء الْأمة لم يوف مَا يجب لَهُ من الشَّرْح بِهَذَا الِاعْتِبَار انْتهى
وَقَالَ الْمُصْطَفى الشهير بحاجي خَليفَة فِي كشف الظنون لَعَلَّ ذَلِك الدّين قضى بشرح الْمُحَقق ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي والعيني بعد ذَلِك انْتهى
قلت وَلذَلِك لما قيل لشيخ شُيُوخنَا الكاملين مَوْلَانَا مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الشَّوْكَانِيّ أما تشرح الْجَامِع للْبُخَارِيّ كَمَا شَرحه الْآخرُونَ من الْعلمَاء قَالَ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح يَعْنِي بِهِ فتح الْبَارِي لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي وَلَا يخفى مَا فِيهِ من اللطف انْتهى
وثانيهم مُسلم النَّيْسَابُورِي كَانَ غَرَضه تَجْرِيد الصِّحَاح الْجمع عَلَيْهَا بَين الْمُحدثين الْمُتَّصِلَة المرفوعة مِمَّا يستنبط مِنْهُ السّنة وَأَرَادَ تقريبها
стр. 62
إِلَى الأذهان وتسهيل الاستنباط مِنْهَا فرتب ترتيبا جيدا وَجمع كل طرق حَدِيث فِي مَوضِع وَاحِد ليتضح اخْتِلَاف الْمُتُون وتشعب الْأَسَانِيد أصرح مَا يكون وَجمع بَين المختلفات فَلم يدع لمن لَهُ معرفَة بِلِسَان الْعَرَب قدرا فِي الْإِعْرَاض عَن السّنة إِلَى غَيرهَا
قلت وَفِي كتاب العبر لِابْنِ خلدون وَأما صَحِيح مُسلم فكثرت عناية عُلَمَاء الْمغرب بِهِ وأكبوا عَلَيْهِ وَأَجْمعُوا على تفضيله على كتاب البُخَارِيّ من غير الصَّحِيح مِمَّا لم يكن على شَرطه وَأكْثر مَا وَقع لَهُ فِي التراجم وأملي الإِمَام المارزي من فُقَهَاء الْمَالِكِيَّة عَلَيْهِ شرحا وَسَماهُ الْمعلم بفوائد مُسلم اشْتَمَل على عُيُون من علم الحَدِيث وفنون من الْفِقْه ثمَّ أكمله القَاضِي عِيَاض من بعده وتممه وَسَماهُ إِكْمَال الْمعلم وتلاهما مُحي الدّين النَّوَوِيّ بشرح استوفى مَا فِي الْكِتَابَيْنِ وَزَاد عَلَيْهِمَا فجَاء شرحا وافيا
قلت وَسَيَأْتِي ذكر هَذِه الشُّرُوح وَغَيرهَا فِي الْبَاب الرَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وثالثهم أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَكَانَ همه جمع الْأَحَادِيث الَّتِي اسْتدلَّ بهَا الْفُقَهَاء ودارت فيهم وَبنى عَلَيْهِ الْأَحْكَام عُلَمَاء الْأَمْصَار فصنف سنَنه وَجمع فِيهَا الصَّحِيح وَالْحسن واللين الصَّالح للْعَمَل قَالَ أَبُو دَاوُد وَمَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا أجمع النَّاس على تَركه وَمَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفا صرح بضعفه وَمَا كَانَ فِيهِ عِلّة بَينهَا بِوَجْه يعرفهُ الخائض فِي هَذَا الشَّأْن وَترْجم على كل حَدِيث لما قد استنبط مِنْهُ عَالم وَذهب إِلَيْهِ ذَاهِب وَلذَلِك صرح الْغَزالِيّ بِأَنَّهُ كتاب كَاف للمجتهد
ورابعهم أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَكَانَ اسْتحْسنَ طَريقَة الشَّيْخَيْنِ حَيْثُ بَينا وَمَا أبهما وَطَرِيقَة أبي دَاوُد حَيْثُ جمع كل مَا ذهب إِلَيْهِ ذَاهِب فَجمع كلتا الطريقتين وَزَاد عَلَيْهَا بَيَان مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْأَمْصَار فَجمع كتابا جَامعا وَاخْتصرَ طَرِيق الحَدِيث اختصارا لطيفا فَذكر وَاحِدًا وأومئ إِلَى مَا عداهُ وَبَين أَمر كل حَدِيث من أَنه
стр. 63
صَحِيح أَو حسن أَو ضَعِيف أَو مُنكر وَبَين وَجهه ليَكُون الطَّالِب على بَصِيرَة من أمره فَيعرف مَا يَصح للاعتبار عَمَّا دونه وَذكر أَنه مستفيض أَو غَرِيب وَذكر مَذَاهِب الصَّحَابَة وفقهاء الْأَمْصَار وسمى من يحْتَاج إِلَى التَّسْمِيَة وكنى من يحْتَاج إِلَى الكنية فَلم يدع خَفَاء لمن هُوَ من رجال الْعلم وَكَذَلِكَ يُقَال أَنه كَاف للمجتهد مغن للمقلد انْتهى مَا فِي الأنصاف مَعَ ضم الضميمة
قَالَ ابْن خلدون وَأما كتب السّنَن الْأُخْرَى وفيهَا مُعظم مَأْخَذ الْفُقَهَاء فَأكْثر شرحها فِي كتب الْفِقْه إِلَّا مَا يخْتَص بِعلم الحَدِيث فَكتب النَّاس عَلَيْهَا واستوفوا من ذَلِك مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من علم الحَدِيث وموضوعاتها والأسانيد الَّتِي اشْتَمَلت على الْأَحَادِيث الْمَعْمُول بهَا من السّنة وصل
وَاعْلَم أَيْضا أَن الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين تفاوتوا فِي الْإِكْثَار من هَذِه الصِّنَاعَة والإقلال فَأَبُو حنيفَة ﵀ يُقَال بلغت رِوَايَته إِلَى سَبْعَة عشر حَدِيثا أَو نَحْوهَا وَمَالك ﵀ إِنَّمَا صَحَّ عِنْده مَا فِي كتاب
стр. 64
الْمُوَطَّأ وغايتها ثَلَاثمِائَة حَدِيث وَنَحْوهَا وَأحمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده خَمْسُونَ ألف حَدِيث وَلكُل مَا أَدَّاهُ اجْتِهَاده فِي ذَلِك وَقد تَقول بعض المبغضين المتعسفين إِلَى أَن مِنْهُم من كَانَ قَلِيل البضاعة فِي الحَدِيث فَلهَذَا قلت رِوَايَته وَلَا سَبِيل إِلَى هَذَا المعتقد فِي كبار الْأَئِمَّة لِأَن الشَّرِيعَة إِنَّمَا تُؤْخَذ من الْكتاب وَالسّنة وَمن كَانَ قَلِيل البضاعة من الحَدِيث فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ طلبه وَرِوَايَته وَالْجد والتشمير فِي ذَلِك ليَأْخُذ الدّين عَن أصُول صَحِيحَة ويتلقى الْأَحْكَام عَن صَاحبهَا الْمبلغ لَهَا وَإِنَّمَا قلل مِنْهُم من قلل الرِّوَايَة لأجل المطاعن الَّتِي تعترضه فِيهَا والعلل الَّتِي تعترض فِي طرقها سِيمَا وَالْجرْح مقدم عِنْد الْأَكْثَر فيؤديه الِاجْتِهَاد إِلَى ترك الْأَخْذ بِمَا يعرض مثل ذَلِك فِيهِ من الْأَحَادِيث وطرق الْأَسَانِيد وَيكثر ذَلِك فتقل رِوَايَته لضعف فِي الطّرق هَذَا مَعَ أَن أهل الْحجاز أَكثر رِوَايَة للْحَدِيث من أهل الْعرَاق لِأَن الْمَدِينَة دَار الْهِجْرَة ومأوى الصَّحَابَة وَمن انْتقل مِنْهُم إِلَى الْعرَاق كَانَ شغلهمْ بِالْجِهَادِ أَكثر وَالْإِمَام أَبُو حنيفَة إِنَّمَا قلت رِوَايَته لما شدد فِي شُرُوط الرِّوَايَة والتحمل وَضعف رِوَايَة الحَدِيث اليقيني إِذا عارضها الْفِعْل النَّفْسِيّ وَقلت من أجلهَا رِوَايَته فَقل حَدِيثه لَا أَنه ترك رِوَايَة الحَدِيث مُتَعَمدا فحاشاه من ذَلِك وَيدل على أَنه من كبار الْمُجْتَهدين فِي علم الحَدِيث اعْتِمَاد مذْهبه بَينهم والتعويل عَلَيْهِ واعتباره ردا وقبولا وَأما غَيره من الْمُحدثين وهم الْجُمْهُور فتوسعوا فِي الشُّرُوط وَكثر حَدِيثهمْ وَالْكل عَن اجْتِهَاد وَقد توسع أَصْحَابه من بعده فِي الشُّرُوط وَكَثُرت رواياتهم
وروى الطَّحَاوِيّ فَأكْثر وَكتب مُسْنده وَهُوَ جليل الْقدر إِلَّا أَنه لَا يعدل الصَّحِيحَيْنِ لِأَن الشُّرُوط الَّتِي اعتمدها البُخَارِيّ وَمُسلم فِي
стр. 65
كِتَابَيْهِمَا مجمع عَلَيْهَا بَين الْأمة كَمَا قَالُوهُ وشروط الطَّحَاوِيّ غير مُتَّفق عَلَيْهَا كالرواية عَن المستور الْحَال وَغَيره فَلِذَا قدم الصحيحان بل وَكتب السّنَن المرفوعة عَلَيْهِ لتأخر شَرطه عَن شروطهم وَمن أجل هَذَا قيل فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْإِجْمَاع على قبولهما من جِهَة الْإِجْمَاع على صِحَة مَا فيهمَا من الشُّرُوط الْمُتَّفق عَلَيْهَا فَلَا تأخذك رِيبَة فِي ذَلِك فالقوم أَحَق النَّاس بِالظَّنِّ الْجَمِيل بهم والتماس المخارج الصَّحِيحَة لَهُم وَالله أعلم بحقائق الْأُمُور انْتهى كَلَام ابْن خلدون
وَقَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ وقفت على فتيا رفعت إِلَى الْحَافِظ الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ صورتهَا هَل روى أَبُو حنيفَة عَن أحد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَهل يعد فِي التَّابِعين أم لَا فَأجَاب بِمَا نَصه الإِمَام أَبُو حنيفَة لم تصح رِوَايَته عَن أحد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَقد رأى أنس بن مَالك فَمن يَكْتَفِي فِي التَّابِعِيّ بِمُجَرَّد رُؤْيَة الصَّحَابَة يَجعله تابعيا وَمن لَا يَكْتَفِي بذلك لَا يعده تابعيا وَرفع هَذَا السُّؤَال إِلَى الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فَأجَاب بِمَا نَصه أدْرك الإِمَام أَبُو حنيفَة جمَاعَة من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ ولد بِالْكُوفَةِ سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة وَبهَا يَوْمئِذٍ من الصَّحَابَة عبد الله بن أبي أوفى فَإِنَّهُ مَاتَ بعد ذَلِك بالِاتِّفَاقِ وبالبصرة يَوْمئِذٍ أنس بن مَالك وَمَات سنة تسعين أَو بعْدهَا
وَقد أورد ابْن سعد بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ أَن أَبَا حنيفَة رأى أنسا وَكَانَ غير هذَيْن من الصَّحَابَة أَحيَاء فِي الْبِلَاد وَقد جمع بَعضهم جُزْءا فِيمَا ورد من رِوَايَة أبي حنيفَة عَن الصَّحَابَة لَكِن لَا يَخْلُو إِسْنَاده من ضعف وَالْمُعْتَمد على إِدْرَاكه مَا تقدم وعَلى رُؤْيَته لبَعض الصَّحَابَة مَا أوردهُ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار من طبقَة التَّابِعين وَلم يثبت ذَلِك لأحد من أَئِمَّة الْأَمْصَار المعاصرين لَهُ كالأوزاعي بِالشَّام والحمادين بِالْبَصْرَةِ وَالثَّوْري بِالْكُوفَةِ وَمَالك بِالْمَدِينَةِ وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي بِمَكَّة وَاللَّيْث بن سعد بِمصْر انْتهى
وَقَالَ السخاوي فِي شَرحه لألفية الْعِرَاقِيّ الْمُعْتَمد أَنه لَا رِوَايَة لَهُ عَن أحد من الصَّحَابَة انْتهى
стр. 66
وَقَالَ ابْن حجر الْمَكِّيّ فِي شرح الْمشكاة أدْرك الإِمَام الْأَعْظَم ثَمَانِيَة من الصَّحَابَة مِنْهُم أنس وعبد الله بن أبي أوفى وَسَهل بن سعد وَأَبُو الطُّفَيْل انْتهى
وَقَالَ الكردري جمَاعَة من الْمُحدثين أَنْكَرُوا ملاقاته مَعَ الصَّحَابَة وَأَصْحَابه أثبتوه بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح الحسان وهم أعرف بأحواله مِنْهُم والمثبت الْعدْل أولى من النَّافِي وَقد جمعُوا مسنداته فبلغت خمسين حَدِيثا يَرْوِيهَا الإِمَام عَن الصَّحَابَة الْكِرَام وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الإِمَام بقوله مَا جَاءَنَا عَن رَسُول الله ﷺ فعلى الرَّأْس وَالْعين وَمَا جَاءَنَا عَن التَّابِعين فهم رجال وَنحن رجال لِأَنَّهُ مِمَّن زاحم التَّابِعين فِي الْفَتْوَى اللَّهُمَّ إِذا كَانَ التَّابِعِيّ يزاحم فِي الْفَتْوَى الصَّحَابِيّ فَإِنَّهُ يُقَلّد ذَلِك التَّابِعِيّ كَمَا يُقَلّد الصَّحَابِيّ وَهَذَا سَبَب صَالح لتقديم مذْهبه على سَائِر الْمذَاهب
وَقَالَ الشاه عبد الْعَزِيز الدهلوي فِي بُسْتَان الْمُحدثين مَا نَصه بِالْعَرَبِيَّةِ إعلم أَنه لَيْسَ الْيَوْم فِي أَيدي النَّاس من تصانيف الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة غير موطأ مَالك وَأما مسانيد غَيره من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورَة فِي الْعلم فَهِيَ لَيست من تأليفهم لأَنهم لم يصنفوها بِأَنْفسِهِم بل الَّذين جَاءُوا من بعدهمْ جمعُوا رواياتهم وسموها مُسْند الْفُلَانِيّ والعاقل لَيْسَ يخفى عَلَيْهِ أَن مرويات الرجل لَا تَخْلُو عَن رطب ويابس وَلَا تكون محلا للاعتماد حَتَّى يميزها هُوَ بِنَفسِهِ أَو يطالعها بإمعان النّظر والتعمق وَيعلم تلامذته كمسند الإِمَام الْأَعْظَم الَّذِي أَلفه قَاضِي الْقُضَاة أَبُو الْمُؤَيد مُحَمَّد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد الْخَوَارِزْمِيّ وروجه فِي سنة أَربع وَسبعين وستمائه وَجمع فِيهِ على زَعمه جَمِيع مسانيد أبي حنيفَة الَّتِي جمعت من قبل فنسبة هَذَا الْمسند إِلَيْهِ كنسبة مُسْند أبي بكر الصّديق ﵁ من مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل إِلَيْهِ على اعْتِقَاد أَنه من تأليف سيدنَا أبي بكر الصّديق وَإِن هَذَا إِلَّا مغلطة وَكَذَا مُسْند الإِمَام الشَّافِعِي فَإِنَّهُ عبارَة عَن أَحَادِيث مَرْفُوعَة رَوَاهَا الشَّافِعِي عِنْد تلامذته فَجمعت هِيَ على حِدة مِمَّا وَقع فِي ضمن كتاب الْأُم والمبسوط من مسموعات أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْأَصَم من ربيع بن سُلَيْمَان وَسمي ب مُسْند الشَّافِعِي نعم مُسْند الإِمَام
стр. 67
أَحْمد بن حَنْبَل من تصانيفه وَإِن كَانَ فِيهِ زيادات كَثِيرَة من ابْنه عبد الله وَمن أبي بكر الْقطيعِي الرَّاوِي لَهُ من عبد الله
стр. 68
- الْبَاب الثَّانِي فِي فروع علم الحَدِيث وَذكر الْكتب المصنفة فِيهَا
- وَفِيه فُصُول
الْفَصْل الأول فِي علم الحَدِيث رِوَايَة
وَهُوَ علم يبْحَث فِيهِ عَن كَيْفيَّة اتِّصَال الحَدِيث برَسُول الله ﷺ من حَيْثُ الصِّحَّة والضعف وَمن أَحْوَال رواتها ضبطا وعدالة وأحوال رجالها جرحا وتعديلا وَمن حَيْثُ كَيْفيَّة السَّنَد اتِّصَالًا وانقطاعا وَغير ذَلِك وَقد اشْتهر بأصول الحَدِيث
وَقَالَ الباجوري فِي حَاشِيَته على الشَّمَائِل المحمدية أَنهم عرفُوا علم الحَدِيث رِوَايَة بِأَنَّهُ علم يشْتَمل على نقل مَا أضيف إِلَى النَّبِي ﷺ قيل أَو إِلَى صَحَابِيّ أَو إِلَى من دونه قولا أَو فعلا أَو تقريرا أَو صفة وموضوعه ذَات النَّبِي ﷺ من حَيْثُ أَنه نَبِي لَا من حَيْثُ أَنه إِنْسَان مثلا وواضعه أَصْحَابه ﷺ الَّذين تصدوا لضبط أَقْوَاله وأفعاله وتقرراته وَصِفَاته وغايته الفز بسعادة الدَّاريْنِ ومسائلة قضاياه الَّتِي تذكر ضمنا كَقَوْلِك قَالَ ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَإِنَّهُ مُتَضَمّن لقضية قائلة إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ من أَقْوَاله ﷺ واسْمه علم الحَدِيث رِوَايَة ونسبته أَنه من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَهِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وفضله أَن لَهُ شرفا عَظِيما من حَيْثُ أَنه تعرف بِهِ كَيْفيَّة الِاقْتِدَاء بِهِ ﷺ وَحكمه الْوُجُوب الْعَيْنِيّ على من انْفَرد والكفائي على من
стр. 69
تعدد واستمداده من أَقْوَال النَّبِي ﷺ وأفعاله وَتَقْرِيره وهمه وأوصافه الخلقية وأخلاقه المرضية فَهَذِهِ هِيَ المبادئ الْعشْرَة
الْفَصْل الثَّانِي فِي علم الحَدِيث دراية
وَهُوَ المُرَاد عِنْد الْإِطْلَاق وَهُوَ علم يعرف بِهِ حَال الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ وَمَا يتبع ذَلِك وموضوعه الرَّاوِي والمروي من الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة وغايته معرفَة مَا يقبل وَمَا يرد من ذَلِك ومسائله مَا يذكر فِي كتبه من الْمَقَاصِد كَقَوْلِك كل حَدِيث صَحِيح يقبل وواضعه ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز بأَمْره وَقد أَمر أَتْبَاعه بعد فنَاء الْعلمَاء العارفين بِالْحَدِيثِ بجمعه ولولاه لضاع الحَدِيث واسْمه علم الحَدِيث دراية وَبَقِيَّة المبادئ الْعشْرَة تعلم مِمَّا تقدم لِأَنَّهُ قد شَارك فِيهِ النَّوْع الثَّانِي الأول كَذَا فِي حَاشِيَة الباجوري
وَفِي كشف الظنون الْعلم بدراية الحَدِيث علم باحث عَن الْمَعْنى الْمَفْهُوم من أَلْفَاظ الحَدِيث وَعَن المُرَاد مِنْهَا مَبْنِيا على قَوَاعِد الْعَرَبيَّة وضوابط الشَّرِيعَة مطابقا لأحوال النَّبِي ﷺ وموضوعه أَحَادِيث الرَّسُول ﷺ من حَيْثُ دلالتها على الْمَعْنى الْمَفْهُوم أَو المُرَاد وغايته التحلي بالآداب النَّبَوِيَّة والتخلي عَمَّا يكرههُ وينهاه ومنفعته أعظم الْمَنَافِع كَمَا لَا يخفى على المتأمل ومباديه الْعُلُوم الْعَرَبيَّة كلهَا وَمَعْرِفَة الْقَصَص وَالْأَخْبَار الْمُتَعَلّقَة بِالنَّبِيِّ ﷺ وَمَعْرِفَة الْأَصْلَيْنِ والفقيه وَغير ذَلِك كَذَا فِي مِفْتَاح السَّعَادَة وَالصَّوَاب مَا ذكر فِي الْفَوَائِد إِذْ الحَدِيث أَعم من القَوْل وَالْفِعْل وَالتَّقْدِير كَمَا حقق فِي مَحَله
الْفَصْل الثَّالِث فِي علم نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه
قَالَ ابْن خلدون فِي كتاب العبر وَذَلِكَ بِمَا ثَبت فِي شريعتنا من جَوَاز النّسخ ووقوعه لطفا من الله بعباده وتخفيفا عَنْهُم بِاعْتِبَار مصالحهم الَّتِي
стр. 70
تكفل لَهُم بهَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ فَإِذا تعَارض الخبران بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات وَتعذر الْجمع بَينهمَا بِبَعْض التَّأْوِيل وَعلم تقدم أَحدهمَا تعين أَن الْمُتَأَخر نَاسخ وَمَعْرِفَة النَّاسِخ والمنسوخ من أهم عُلُوم الحَدِيث وأصعبها
قَالَ الزُّهْرِيّ أعيا الْفُقَهَاء وأعجزهم أَن يعرفوا نَاسخ حَدِيث رَسُول الله ﷺ من منسوخه وَكَانَ للشَّافِعِيّ ﵁ فِيهِ قدم راسخة
قَالَ الملا كَاتب الجلبي فِي كشف الظنون علم نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه ألف فِيهِ جمع كثير مِنْهُم أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن أصبغ الْقُرْطُبِيّ النَّحْوِيّ الْمُتَوفَّى سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن عُثْمَان الْمَعْرُوف بالجعد الشَّيْبَانِيّ أحد أَصْحَاب ابْن كيسَان وَأحمد بن اسحاق الْأَنْبَارِي الْمُتَوفَّى سنة ثَمَان عشرَة وثلاثمائة وَأَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد النّحاس النَّحْوِيّ الْمُتَوفَّى سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْحَازِمِي الْهَمدَانِي الْمُتَوفَّى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَأَبُو الْقَاسِم هبة الله بن سَلامَة النَّحْوِيّ الْمُتَوفَّى سنة عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَأَبُو حَفْص عمر بن شاهين الْبَغْدَادِيّ الْوَاعِظ الْمُتَوفَّى سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقد اختصر كتاب ابْن شاهين ابراهيم بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْحق فِي مُجَلد وَتُوفِّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَللْإِمَام عبد الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي فِيهِ كتاب وَألف مُحَمَّد بن بَحر الْأَصْبَهَانِيّ الْمُتَوفَّى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة فِيهِ كتابا أَيْضا
الْفَصْل الرَّابِع فِي علم النّظر فِي الْأَسَانِيد
وَهُوَ معرفَة مَا يجب الْعَمَل بِهِ من الْأَحَادِيث بِوُقُوعِهِ على السَّنَد الْكَامِل الشُّرُوط لِأَن الْعَمَل إِنَّمَا وَجب بِمَا يغلب على الظَّن صدقه من أَخْبَار الرَّسُول ﷺ فيجتهد فِي الطّرق الَّتِي تحصل ذَلِك الظَّن وَهُوَ بِمَعْرِِفَة رُوَاة
стр. 71
الحَدِيث بِالْعَدَالَةِ والضبط وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك بِالنَّقْلِ عَن أَعْلَام الدّين بتعديلهم وبراءتهم من الْجرْح والغفلة وَيكون لنا ذَلِك دَلِيلا على الْقبُول أَو التّرْك وَكَذَلِكَ مَرَاتِب هَؤُلَاءِ النقلَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتفاوتهم فِي ذَلِك وتمييزهم فِيهِ وَاحِدًا وَاحِدًا وَكَذَلِكَ الْأَسَانِيد تَتَفَاوَت باتصالها وانقطاعها بِأَن يكون الرَّاوِي لم يلق الرَّاوِي الَّذِي نقل عَنهُ وبسلامتها من الْعِلَل الموهنة لَهَا وتنتهي بالتفاوت إِلَى طرفين فَحكم بِقبُول الْأَعْلَى ورد الْأَسْفَل وَيخْتَلف فِي الْمُتَوَسّط بِحَسب الْمَنْقُول عَن أَئِمَّة الشَّأْن وَلَهُم فِي ذَلِك أَلْفَاظ اصْطَلحُوا على وَضعهَا لهَذِهِ الْمَرَاتِب الْمرتبَة مثل الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والغريب وَغير ذَلِك من ألقابه المتداولة بَينهم وبوبوا على كل وَاحِد مِنْهَا ونقلوا مَا فِيهِ من الْخلاف لأئمة اللِّسَان أَو الْوِفَاق ثمَّ النّظر فِي كَيْفيَّة أَخذ الروَاة بَعضهم عَن بعض بِقِرَاءَة أَو كِتَابَة أَو مناولة أَو إجَازَة وتفاوت رتبها وَمَا للْعُلَمَاء فِي ذَلِك من الْخلاف بِالْقبُولِ وَالرَّدّ ثمَّ أتبعوا ذَلِك بِكَلَام فِي أَلْفَاظ تقع فِي متون الحَدِيث من غَرِيب أَو مُشكل أَو تَصْحِيف أومفترق مِنْهَا أَو مُخْتَلف وَمَا يُنَاسب ذَلِك
هَذَا مُعظم مَا ينظر فِيهِ أهل الحَدِيث وغالبه وَقد ألف النَّاس فِي الحَدِيث وَأَكْثرُوا وَمن فحول علمائه وأئمتهم أَبُو عبد الله الْحَاكِم وتآليفه فِيهِ مَشْهُورَة وَهُوَ الَّذِي هذبه وَأظْهر محاسنه وَأشهر كتاب للمتأخرين فِيهِ كتاب أبي عَمْرو بن الصّلاح كَانَ لعهد أَوَائِل الْمِائَة السَّابِعَة وتلاه محيى الدّين النَّوَوِيّ بِمثل ذَلِك والفن شرِيف فِي معزاه لِأَنَّهُ معرفَة مَا يحفظ بِهِ السّنَن المنقولة عَن صَاحب الشَّرِيعَة هَكَذَا فِي كتاب العبر لِابْنِ خلدون
الْفَصْل الْخَامِس فِي علم الثقاة والضعفاء من رُوَاة الحَدِيث
وَهُوَ من أجل نوع وأفخمه من أَنْوَاع علم أَسمَاء الرِّجَال فَإِنَّهُ الْمرقاة إِلَى معرفَة صِحَة الحَدِيث وسقمه وَإِلَى الِاحْتِيَاط فِي أُمُور الدّين وتمييز مواقع الْغَلَط وَالْخَطَأ فِي بَدْء الأَصْل الْأَعْظَم الَّذِي عَلَيْهِ مبْنى الْإِسْلَام وأساس الشَّرِيعَة وللحفاظ فِيهِ تصانيف كَثِيرَة
стр. 72
مِنْهَا مَا أفرد فِي الثقاة ككتاب الثقاة للْإِمَام الْحَافِظ أبي حَاتِم مُحَمَّد ابْن حَيَّان البستي المتوفي سنة أَربع وَخمسين وثلاثمائة وَكتاب الثقاة مِمَّا لم يَقع فِي الْكتب السِّتَّة للشَّيْخ زين الدّين قَاسم بن قطلوبغا الْحَنَفِيّ المتوفي سنة تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَهُوَ كَبِير فِي أَربع مجلدات وَكتاب الثقاة لخليل بن شاهين وَكتاب الثقاة للعجلي
وَمِنْهَا مَا أفرد فِي الضُّعَفَاء ككتاب الضُّعَفَاء للْبُخَارِيّ وَكتاب الضُّعَفَاء للنسائي وَكتاب الضُّعَفَاء لمُحَمد بن عَمْرو الْعقيلِيّ المتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة
وَمِنْهَا مَا جمع بَينهمَا كتأريخ البُخَارِيّ وتأريخ ابْن أبي خَيْثَمَة قَالَ ابْن الصّلاح وَمَا أغزر فَوَائده وَكتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم
وَقَالَ صَاحب كشف الظنون صنف فِي علم الضُّعَفَاء والمتروكين فِي رُوَاة الحَدِيث الإِمَام مُحَمَّد البُخَارِيّ المتوفي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ يرويهِ عَنهُ أَبُو بشر مُحَمَّد بن حَمَّاد الدولابي وَأَبُو جَعْفَر شيخ بن سعيد وآدَم بن مُوسَى الْخَبَّازِي وَهُوَ من تصانيفه الْمَوْجُودَة قَالَه ابْن حجر وَالْإِمَام عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد النَّسَائِيّ وَالْإِمَام حسن بن مُحَمَّد الصغائي وَأَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن الْجَوْزِيّ المتوفي سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال أَنه يسْرد الْجرْح ويسكت عَن التوثيق وَقد اخْتَصَرَهُ ثمَّ ذيله كَمَا قَالَ وذيله أَيْضا عَلَاء الدّين مغلطاي ابْن قليج المتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وصنف فِيهِ عَلَاء الدّين عَليّ بن عُثْمَان المارديني المتوفي سنة خمس وَسَبْعمائة وصنف فِيهِ مُحَمَّد ابْن حَيَّان البستي وَوضع لَهُ مُقَدّمَة قسم فِيهَا الروَاة إِلَى نَحْو عشْرين قسما ذكره البقاعي فِي حَاشِيَة الألفية
стр. 73
الْفَصْل السَّادِس فِي علم تلفيق الحَدِيث
وَهُوَ علم يبْحَث فِيهِ عَن التَّوْفِيق بَين الْأَحَادِيث المتنافية ظَاهرا إِمَّا بتخصيص الْعَام تَارَة أَو بتقييد الْمُطلق أُخْرَى أَو بِالْحملِ على تعدد الْحَادِثَة إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه التَّأْوِيل وَكَثِيرًا مَا يُورِدهُ شرَّاح الحَدِيث أثْنَاء شروحهم إِلَّا أَن بَعْضًا من الْعلمَاء قد اعتنى بذلك فدونوه على حِدة ذكره الْمولى أَبُو الْخَيْر من فروع علم الحَدِيث
الْفَصْل السَّابِع فِي علم الْجرْح وَالتَّعْدِيل
وَهُوَ علم يبْحَث فِيهِ عَن جرح الروَاة وتعديلهم بِأَلْفَاظ مَخْصُوصَة وَعَن مَرَاتِب تِلْكَ الْأَلْفَاظ وَهَذَا الْعلم من فروع علم رجال الْأَحَادِيث وَلم يذكرهُ أحد من أَصْحَاب الموضوعات مَعَ أَنه فرع عَظِيم وَالْكَلَام فِي الرِّجَال جرحا وتعديلا ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ ثمَّ عَن كثير من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ وَجوز ذَلِك تورعا وصونا للشريعة لاطعنا فِي النَّاس وكما جَازَ الْجرْح فِي الشُّهُود جَازَ فِي الروَاة والتثبت فِي أَمر الدّين أولى من التثبت فِي الْحُقُوق وَالْأَمْوَال وَبِهِمَا يتَمَيَّز صَحِيح الحَدِيث وضعيفه فَيجب على الْمُتَكَلّم التثبت فيهمَا فقد أَخطَأ غير وَاحِد فِي تجريحهم بِمَا لَا يجرح وَلِهَذَا افترضوا على أنفسهم الْكَلَام فِي ذَلِك
قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه وَإِنَّمَا ألزموا أنفسهم الْكَشْف عَن معايب رُوَاة الحَدِيث وناقلي الْأَخْبَار وأفتوا بذلك حِين سئلوا لما فِيهِ من عَظِيم الْحَظ إِذْ الْأَخْبَار فِي أَمر الدّين إِنَّمَا تَأتي بتحليل أَو تَحْرِيم أَو أَمر أَو نهي أَو ترغيب أَو ترهيب فَإِذا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بمعدن الصدْق وَالْأَمَانَة ثمَّ أقدم على الرِّوَايَة عَنهُ من قد عرفه وَلم يبين مَا فِيهِ لغيره مِمَّن جهل مَعْرفَته كَانَ آثِما بِفِعْلِهِ ذَلِك غاشا لعوام الْمُسلمين إِذْ لَا يُؤمن على بعض من سمع تِلْكَ الْأَخْبَار أَن يستعملها أَو يسْتَعْمل بَعْضهَا وأقلها أَو أَكْثَرهَا
стр. 74
أكاذيب لَا أصل لَهَا انْتهى وَأول من عَنى بذلك من الْأَئِمَّة الْحفاظ شُعْبَة ابْن الْحجَّاج ثمَّ تبعه يحيى بن سعيد
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال أول من جمع ذَلِك الإِمَام يحيى بن سعيد الْقطَّان وَتكلم فِيهِ بعده تلامذته يحيى ابْن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَعَمْرو بن عَليّ الفلاس وَأَبُو خَيْثَمَة زُهَيْر وتلامذتهم كَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأبي إِسْحَاق الْجوزجَاني وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَالتِّرْمِذِيّ والدولابي والعقيلي وَابْن عدي وَأبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم إِلَى غير ذَلِك
وَفِي كشف الظنون وَمن الْكتب المصنفة فِيهِ كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل لأبي الْحسن أَحْمد بن عبد الله الْعجلِيّ الْكُوفِي نزيل طرابلس الْمغرب المتوفي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَكتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل للْإِمَام الْحَافِظ أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ المتوفي سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة وَهُوَ كتاب كَبِير أَوله الْحَمد لله رب الْعَالمين بِجَمِيعِ محامده كلهَا الخ ذكر فِيهِ أَنه لم يجد سَبِيلا إِلَى معرفَة شَيْء من مَعَاني كتاب الله وَلَا من سنَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا من جِهَة النَّقْل وَالرِّوَايَة وَجب أَن يُمَيّز بَين الْعُدُول الناقلة والرواة وثقاتهم وَأهل الْحِفْظ والثبت والإتقان مِنْهُم وَبَين أهل الْغَفْلَة وَالوهم وَسُوء الْحِفْظ وَالْكذب واختراع الحَدِيث الْكَاذِب وَالْكذب انْتهى والكامل لِابْنِ عدي وَهُوَ أكمل الْكتب فِيهِ وميزان الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال للذهبي وَهُوَ أجمع مَا جمع ولسان الْمِيزَان للشَّيْخ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي
ولألفاظ التَّعْدِيل مَرَاتِب أَعْلَاهَا ثِقَة أَو متقن أَو ضَابِط أَو حجَّة ثَانِيهَا خير صَدُوق مَأْمُون لَا بَأْس بِهِ وَهَؤُلَاء يكْتب حَدِيثهمْ ثَالِثهَا شيخ وَهَذَا يكْتب حَدِيثه للاعتبار وابعها صَالح الحَدِيث فَيكْتب وَينظر فِيهِ
ولألفاظ التجريح أَيْضا مَرَاتِب أدناها لين الحَدِيث يكْتب وَينظر اعْتِبَارا ثَانِيهَا لَيْسَ بِقَوي وَلَيْسَ بِذَاكَ ثَالِثهَا مقارب الحَدِيث أَي رديه رَابِعهَا مَتْرُوك الحَدِيث وَكَذَّاب ووضاع ودجال وواه وواه
стр. 75
بموحدة مَكْسُورَة فميم مَفْتُوحَة وَرَاء مُشَدّدَة أَي قولا وَاحِدًا لَا تردد فِيهِ وَهَؤُلَاء ساقطون لَا يكْتب عَنْهُم
قَالَ السَّيِّد الشريف أعرض النَّاس فِي هَذِه الْأَعْصَار عَن مَجْمُوع الشُّرُوط الْمَذْكُورَة واكتفوا من عَدَالَة الرَّاوِي بِأَن يكون مَسْتُورا وَمن ضَبطه بِوُجُود سَمَاعه مثبتا بِخَطِّهِ موثوق بِهِ وَرِوَايَته من أصل مُوَافق لأصل شَيْخه وَذَلِكَ لِأَن الحَدِيث الصَّحِيح وَالْحسن وَغَيرهمَا قد جمعت فِي كتب الْأَئِمَّة فَلَا يذهب شَيْء مِنْهُ عَن جمعهم انْتهى
قلت وتفصيله أَن من شَرط الرَّاوِي للْحَدِيث أَن يكون مُسلما عَاقِلا بَالغا سليما من أَسبَاب الْفسق وخوارم الْمَرْوَة مُكَلّفا عدلا متقنا وَيعرف إتقانه بموافقة الثقاة وَلَا تضر مُخَالفَة النَّادِر وَيقبل الْجرْح ان بَان سَببه للِاخْتِلَاف فِيمَا يُوجب الْجرْح بِخِلَاف التَّعْدِيل فَلَا يشْتَرط والضبط أَن يكون متيقظا حَافِظًا غير مُغفل وَلَا ساه وَلَا شَاك فِي حالتي التَّحَمُّل وَالْأَدَاء فَإِن حدث عَن حفظه يَنْبَغِي أَن يكون حَافِظًا وَإِن حدث عَن كِتَابه يَنْبَغِي أَن يكون ضابطا لَهُ وَإِن حدث بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَن يكون عَارِفًا بِمَا يخْتل بهَا الْمَعْنى وَلَا يشْتَرط الذُّكُورَة وَلَا الْحُرِّيَّة وَلَا الْعلم بفقهه وغريبه وَلَا الْبَصَر وَلَا الْعدَد وتعرف العلالة بتنصيص عَدْلَيْنِ عَلَيْهِمَا أَو بالاستفاضة وَيعرف الضَّبْط بِأَن يعْتَبر رِوَايَته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط فَإِن وافقهم غَالِبا وَكَانَت مُخَالفَته لَهُم نادرة عرف كَونه ضابطا ثبتا كَمَا قَالَ السَّيِّد الشريف رِوَايَة الْعدْل عَمَّن سَمَّاهُ لَا تكون تعديلا وَقيل إِن كَانَت عَادَته أَن لَا يروي إِلَّا عَن عدل كالشيخين فتعديل وَإِلَّا فَلَا وَلَا يقبل مَجْهُول الْعَدَالَة وَكَذَا مَجْهُول الْعين الَّذِي لم تعرفه الْعلمَاء وترفع الْجَهَالَة عِنْد رِوَايَة اثْنَيْنِ مشهورين بِالْعلمِ
قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ وَفِي رِوَايَة من أَخذ على الحَدِيث أُجْرَة تردد وَفِي المتساهل فِي سَمَاعه وإسماعه كمن لَا يُبَالِي بِالنَّوْمِ أَو يحدث لَا عَن أصل مصحح أَو كثير السَّهْو فِي رِوَايَته إِن حدث من غير أصل أَو أَكثر الشواذ والمناكير فِي حَدِيثه وَمن غلط فِي حَدِيثه فَبين لَهُ وأصر عنادا وَنَحْوه سَقَطت رِوَايَته انْتهى
следующие страницы →