Полный текст (214 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وأما صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصاره وصوم كداليا الذي جعلتموه فرضا. هل كان موسى ﵇ يصومها وأمر بها، هو أو خليفته يوشع؟ أو صوم صلب هامان؟ هل هذه الأمور مفترضة بالتوراة، أو زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟
فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذه الآي؟ قلنا: لأن التوراة بهذه الآية نطقت، وهي: "لوثوا سيفوا عل هدا باراشيرا نوضي مصوي أتخيم ولوتغر عد ممينو".
تفسيره: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، وإذا زدتم أشياء من الفرائض، فقد نسختم تلك الآية١.
الحواشي
(١) = هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار وعلى العالم بالخراب سوى بلادهم التي هي أرض كنعان. فلما رأت اليهود الجد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية زعموا أنها فصول من صلاتهم، وسموها الخزانة، وصاغوا لها ألحانا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلواتهم على تلحينها وتلاوتها. والفرق بين هذه الخزانة وبين الصلاة: أن الصلاة بغير لحن، وأن المصلي يتلو الصلاة وحده، وأما الخزانة فيشارك جماعة في الجهر بها، ويعاونونه في الألحان. وكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانا، وينوحون على أنفسهم أحيانا أخرى، فتركوهم وذاك. ثم صارت الخزانة عندهم من السنن المستحبة؛ بل إنهم في الأعياد والمواسم والأفراح يستغنون بها عن الصلاة من غير ضرورة.
١ جاء في سفر التثنية ٤/ ١: فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها ...
٤/ ٢: لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به، ولا تنقصوا منه؛ لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها.стр. 37
إثبات النسخ على وجه آخر:
نقول لهم: أليس عندكم أن الله اختار من بني إسرائيل الأبكار ليكونوا خواص في الخدمة للأقداس؟ ١
فيقولون: بلى.
فنقول لهم: أليس عندكم أيضا أن موسى ﵇ لما نزل من الجبل، ومعه الألواح، ووجد القوم عاكفين على العجل، وقف بطرف المعسكر ونادى: من كان لله تعالى فليحضرني. فانضم إليه بنو لاوى، ولم ينضم إليه البكور؛ إذ هم خاصة الله يومئذ، دون أولاد لاوى. فلما خذله البكور ونصره أولاد لاوى، قال الله لموسى: "وأقاح اث هلويم ثاحث كل نحور بني إسرائيل"؟
تفسيره: وقد أخذت اللاويين عوضا عن كل بكر في بني إسرائيل٢.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر الخروج ١٣/ ١، ٢: وكلم الرب موسى قائلا: قدس لي كل بكر كل فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم، إنه لي.
١٣/ ١١ - ١٣: ويكون متى أدخلك الرب أرض الكنعانيين ... أنك تقدم لرب كل فاتح رحم ولك بكر من نتاج البهائم التي تكون لك. الذكر للرب. ولكن كل فاتح رحم ولك بكر من نتاج البهائم التي تكون لك. الذكور للرب. ولكن كل بكر حمار تفديه بشاة. وإن لم تفده، فتكسر عنقه. وكل بكر إنسان من أولادك تفديه.
١٣/ ١٤ - ١٦: ويكون متى سألك ابنك غدا قائلا: ما هذا؟ تقول له: بيد قوية أخرجنا الرب من مصر من بيت العبودية. وكان لما تقسى فرعون عن إطلاقنا أن الرب قتل كل بكر في أرض مصر، من بكر الناس إلى بكر البهائم؛ لذلك أنا أذبح للرب الذكور من كل فاتح رحم. وأفدي كل بكر من أولادي.
٢ جاء في سفر الخروج ٣٢/ ١ - ٥: ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من =стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الجبل، اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا .. فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وائتوني بها .. فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل عجلا مسبوكا. فقالوا: هذه آلهتك يإسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر. فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه، ونادى: غدا عيد الرب. اهـ.
وهكذا اتهم واضعو التوراة هارون ﵇ بصنع العجل وبناء مذبح له وغير ذلك. وقد ذكر الله سبحانه تفاصيل هذه القصة في سورتي الأعراف ١٤٨ - ١٥٢، وطه ٨٣ - ٩٨، وبين أن الذي صنع العجل وفتنهم به إنما هو السامري [الشمروني]، وأن هارون ﵇ لم يأل جهدا في نهيهم ونصحهم؛ لكنهم أصروا على عبادة العجل ولم يستجيبوا له. وأن كل ما أخذه موسى على أخيه هارون ﵉ أنه لم يتركهم ويلحق به، أو لم يقاتلهم بمن معه.
وجاء أيضا في ٣٢/ ٥: فانصرف موسى ونزل من الجبل، ولوحا الشهادة في يده.
٣٢/ ١٩، ٢٠: وكان عندما اقترب موسى إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص، فحمي غضبه، وطرح اللوحين من يده، وكسرهما في أسفل الجبل. ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه وطحنه حتى صار ناعما، وذراه على وجه الماء، وسقى بني إسرائيل.
٣٢/ ٢٥، ٢٦: ولما رأى موسى أن الشعب معرى .. وقف في باب المحلة وقال: من للرب فإليّ. فاجتمع إليه جميع بني لاوى.
٣٢/ ٢٧ - ٢٩: فقال لهم: هكذا قال الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل واحد سيفه، واذهبوا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة، وليقتل كل واحد أخاه وصاحبه وقريبه. ففعل بنو لاوى بحسب قول موسى. ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل. وقال موسى: =стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = املئوا أيديكم اليوم للرب، حتى كل واحد بابنه وبأخيه، فيعطيكم اليوم بركة.
وجاء في سفر العدد ٣/ ١١ - ١٢: وكلم الرب موسى قائلا: وها إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل بدل كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل، فيكون اللاويون لي.
٣/ ١٣: لأن كل بكر هو لي يوم أهلكت كل بكر في أرض مصر قدست لي كل بكر في إسرائيل من الناس والبهائم. إنهم يكونون لي أنا الرب.
٣/ ٤٠: وقال الرب لموسى: عُدَّ كل بكر ذكر من بني إسرائيل، من ابن شهر فصاعدا.
٣/ ٤١: فتأخذ اللاويين لي أنا الرب بدل كل بكر في بني إسرائيل.
٨/ ٥: وكلم الرب موسى قائلا: خذ اللاويين من بين بني إسرائيل وطهرهم.
٨/ ١٣ - ١٤: فتوقف اللاويين أمام هارون وبنيه، وترددهم ترديدًا للرب. وتفرز اللاويين من بين بني إسرائيل، فيكون اللاويون لي.
٨/ ١٦: لأنهم موهوبون لي هبة من بين بني إسرائيل. بدل كل فاتح رحم بكر من بني إسرائيل قد اتخذتهم لي.
٨/ ١٨ - ١٩: فاتخذت اللاويين بدل كل بكر في بني إسرائيل. ووهبت اللاويين هبة لهارون وبنيه من بني إسرائيل ليخدموا خدمة بني إسرائيل في خيمة الاجتماع ...
١٨/ ١ - ٣: وقال الرب لهارون: أنت وبنوك وبيت أبيك معك تحملون ذنب المقدس ... وأيضا إخوتك سبط لاوى سبط أبيك قربهم معك، فيقترونوا بك ويؤازروك. وأنت وبنوك قدام خيمة الشهادة. =стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ١٨/ ٨ و١٩: وقال الرب لهارون: وهأنذا قد أعطيتك حراسة رفائعي مع جميع أقداس بني إسرائيل، لك أعطيتها المسحة ولبنيك [وبناتك معك] فريضة دهرية.
ومن العجيب أن يتهم واضعو التوراة هارون ﵇ وهو من سبط لاوى بعمل العجل وعبادته، ثم يذكروا أن الله اصطفاه وبنيه وأعطاهم جميع رفائع الأقداس التي يرفعها بنو إسرائيل للرب، ويذكروا أيضا أن الله سبحانه وهب اللاويين كلهم لهارون، وأمرهم بالوقوف أمام هارون وبنيه! فهل هو الذي صنع العجل حقا؟
وصفوة القول: إن النسخ بتعريفه السابق لا يعني أن الله سبحانه أمر ونهى أولا، وما كان يعلم العاقبة، ثم فوجئ بأمور أو بدا له رأي، فنسخ الحكم الأول، ليلزم منه الجهل، ولا يعني أيضا أنه أمر ونهى ثم نسخ مع الاتحاد في الوقت والشخص والوجه، ليلزم منه الشناعة عقلا. بل إنما هو إخبار عن انتهاء مدة لحكم قدرها الله في الأزل.
هذا، والنسخ كان معروفا في الشرائع السابقة بكثرة، سواء كان في شريعة واحدة، أو في شريعة نبي لاحق لحكم كان في شريعة نبي سابق. وأمثلة القسمين كثيرة في الكتاب المقدس، ذكر بعضها الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق ص٣٠٢ - ٣١٤.
أ- فمن أمثلة القسم الأول ما يلي:
١ - أمر الله سبحانه إبراهيم ﵇ بذبح ابنه الوحيد. ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل به كما في سفر التكوين ٢٢/ ١ - ٨.
٢ - جاء في سفر صموئيل الأول ٢/ ٣٠ خطاب الله للكاهن عالي: لذلك يقول الرب إله إسرائيل: إني قلت: إن بيتك وبين أبيك يسيرون أمامي إلى الأبد. والآن يقول الرب: حاشى لي. فإني أكرم الذين يكرمونني، والذين يحتقرونني يصغرون. =стр. 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٢/ ٣١: هو ذا تأتي أيام أقطع فيها ذراعك وذراع بيت أبيك حتى لا يكون شيخ في بيتك.
٢/ ٣٥: وأقيم لنفسي كاهنا أمينا يعمل حسب ما بقلبي ونفسي، وأبني له بيتا ...
ذكر الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق ص٣١١ طبعة قطر: أنه جاء في تفسير "دوالي ورجر دمينيت" قول العالم باترك: "ينسخ الله هاهنا حكما كان وعده وأقره؛ بأن رئيس الكهنة يكون منكم إلى الأبد. أعطي هذا المنصب ألعازار الولد الأكبر لهارون، ثم أعطي تامار الولد الأصغر لهارون، ثم انتقل الآن بسبب ذنب أولاد عالي الكاهن إلى أولاد ألعازار".
٣ - جاء في سفر التثنية ١٧/ ١٥ - ١٧: فإنك تجعل عليك ملكا الذي يختاره الرب إلهك .. ولكن لا يكثر له الخيل .. ولا يكثر له نساء لئلا يزيغ قلبه، وفضة وذهبا لا يكثر له كثيرا.
فلا يجوز للملك الذي يملكه الإسرائيليون عليهم أن يستكثروا من الخيل أو النساء أو من الذهب أو من الفضة. مع أن داود ﵇ فقد استكثر من النساء والخيل. أما ولده سليمان ﵇ فقد استكثر من الجميع استكثارا عظيما. وهذا يدل على وقوع النسخ.
٤ - جاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٧/ ٣ - ٥: كل إنسان من بيت إسرائيل يذبح بقرا أو غنما أو معزى في المحلة أو يذبح خراج المحلة. وإلى باب خيمة الاجتماع لا يأتي به ليقرب قربانا للرب أمام مسكن الرب، يحسب على ذلك الإنسان دم، قد سفك دما، فيقطع ذلك الإنسان من شعبه. لكي يأتي بنو إسرائيل بذبائحهم التي يذبحونها على وجه الصحراء، ويقدمونها للرب إلى باب خيمة الاجتماع إلى الكاهن، ويذبحوها ذبائح سلامة للرب. =стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ثم نسخ هذا الحكم فقد جاء في سفر التثنية ١٢/ ١٣: احترز من أن تصعد محرقاتك في كل مكان تراه.
١٢/ ١٤: بل في المكان الذي يختاره الرب في أحد أسباطك ..
١٢/ ١٥: ولكن من كل ما تشتهي نفسك تذبح، وتأكل لحما في جميع أبوابك حسب بركة الرب وإلهك التي أعطاك. النجس والطاهر يأكلانه كالظبي والأُيَّل.
١٢/ ٢٠: إذا وسع الرب إلهك تخومك كما كلمك، وقلت: آكل لحما .. فمن كل ما تشتهي نفسك تأكل لحما.
١٢/ ٢١: إذا كان المكان الذي يختاره الرب إلهك ليضع اسمه فيه بعيدا عنك، فاذبح من بقرك وغنمك التي أعطاك الرب كما أوصيتك، وكل في أبوابك من كل ما اشتهت نفسك.
١٢/ ٢٢: كما يؤكل الظبي والأيل هكذا تأكله. النجس والطاهر يأكلانه سواء.
٥ - جاء في سفر حزقيال ٤/ ١٠: وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن، كل يوم عشرين شاقلا -مثقالا.
٤/ ١٢: وتأكل كعكا من الشعير على الخُرء الذي يخرد من الإنسان تخبزه أمام عيونهم.
٤/ ١٣: وقال الرب: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم.
٤/ ١٤: فقلت: آه يا سيد الرب، ها نفسي لم تتنجس، ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة، ولا دخل فمي لحم نجس.
٤/ ١٥: فقال لي: انظر. قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان، فتصنع خبزك عليه. =стр. 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٦ - جاء في إنجيل متى ١٠/ ٥ - ٧: وأرسل يسوع هؤلاء التلاميذ الاثني عشر، وأوصاهم قائلا: لا تقصدوا أرضا وثنية، ولا تدخلوا مدينة سامرية، بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل، وبشروا في الطريق بأن ملكوت السماوات قد اقترب.
وفي ١٥/ ٢٢ - ٢٣: فأقبلت إليه امرأة كنعانية من تلك البلاد وصاحت: ارحمني يا سيدي ... فما أجابها يسوع بكلمة. فدنا تلاميذه. وتوسلوا إليه.
١٥/ ٢٤: فأجابهم يسوع: ما أرسلني الله إلا إلى الخراف الضالة من بين إسرائيل -وفي طبعة ١٩٨٤م: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.
١٥/ ٢٦: فأجابها: لا يجوز أن يؤخذ خبز البنين ويرمَى إلى الكلاب.
وجاء في إنجيل مرقس ٧/ ٢٦ - ٢٧: وكانت المرأة غير يهودية، ومن أصل سوري فينيقي. فأجابها يسوع: دعي البنين أولا يشبعون، فلا يجوز أن يؤخذ خبز البنين ويرمى للكلاب.
فقد دلت النصوص على أن رسالته خاصة ببني إسرائيل، ثم زعموا أن هذا الحكم نسخ.
جاء في إنجيل متى ٢٨/ ١٩: فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.
وفي إنجيل مرقس ١٦/ ١٥: وقال لهم: اذهبوا إلى العالم كله، وأعلنوا البشارة إلى الناس أجمعين.
فهل هذا نسخ أو تحريف؟ وأحس علماء النصارى بذلك فقالوا -كما جاء في الكتاب المقدس المطبوع ببيروت عام ١٩٨٣م ص٤٧١: "كان من أحكام الله أن المسيح يبشر اليهود بنفسه والأمم =стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = برسله".
ولا أدري لماذا منعهم في الأول من الدخول إلى أرض وثنية، ولم يبين لهم أن هذا سيكون في المستقبل؟! وعلى كل حال فإن الذي يعنينا الآن وقوع النسخ.
ب- ومن أمثلة القسم الثاني ما يلي:
١ - جاء في سفر التكوين ٩/ ٢ - ٣: كل ما يدب على الأرض، وكل أسماك البحر قد دفعت إلى أيديكم. كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر. دفعت إليكم الجميع.
فكانت جميع الحيوانات مباحة الأكل في شريعة نوح ﵇ ثم حرمت الشريعة الموسوية حيوانات كثيرة، أهمها الخنزير كما في الباب الحادي عشر من سفر اللاويين والباب الرابع عشر من سفر التثنية. ثم جاء بولس فأفتى بالإباحة العامة.
جاء في رسالته إلى أهل رومية ١٤/ ١٤: إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته، إلا من يحسب شيئا نجسا، فله هو نجس.
وجاء في رسالته إلى تيطس ١/ ١٥: كل شيء طاهر للطاهرين، وأما المتنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهر، بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم.
وجاء في رسالته إلى تيموثاوس ٤/ ٤ - ٥: لأن كل خليقة الله جيدة، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر. لأن يتقدس بكلمة الله والصلاة.
٢ - جاء في سفر التكوين ٢٩/ ٢١ - ٣١: أن يعقوب جمع بين ليئة وراحيل ابنتي خاله لابان.
وهذا الجمع حرام في الشريعة الموسوية. فقد جاء في سفر =стр. 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الأحبار اللاويين ١٨/ ١٨: ولا تأخذ امرأة على أختها للضر، لتكشف عورتها معها في حياتها.
فلو لم يكن الجمع بين الأختين جائزا في شريعة يعقوب للزم أن يكون أولاد الثانية أولاد زنى. وأكثر أنبياء بني إسرائيل من أولادها كما في سفر التكوين ٢٩/ ٣١ - ٣٥ والباب السادس والعشرين من سفر العدد.
٣ - جاء في سفر التكوين ٦/ ٢٠: وأخذ عَمرام -عمران- يوكابد عمته زوجة له. فولدت له هارون وموسى ...
وفي سفر العدد ٢٦/ ٥٩ - ٦٠: واسم امرأة عمرام يوكابد بنت لاوى التي ولدت للاوى في مصر. فولدت لعمرام هارون وموسى ومريم أختهما.
وهذا الزواج محرم في الشريعة الموسوية؛ لأن العمة والخالة من المحارم.
جاء في سفر الأحبار اللاويين ١٨/ ١٢: عورة أخت أبيك لا تكشف. إنها قريبة أبيك.
٢٠/ ١٩: عورة أخت أمك أو أخت أبيك لا تكشف. إنه قد عرى قريبته، يحملان ذنبهما.
فلو لم يكن هذا الزواج جائزا قبل شريعة موسى ﵇ للزم أن يكون موسى وهارون وأختهما مريم أولاد زنى بنص توراتهم.
٤ - جاء في سفر التثنية ٢٤/ ١ - ٣: إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء، وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته. ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر.
فيجوز في الشريعة الموسوية أن يطلق الرجل امرأته بكل علة، =стр. 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ويجوز أن يتزوجها بعد أن تخرج من بيته رجل آخر. لكن النصارى منعوا الطلاق إلا لعلة الزنى. وحرموا كذلك أن يتزوج المطلقة رجل آخر، وهو بمنزلة الزنى عندهم.
جاء في إنجيل متى ٥/ ٣١ - ٣٢: وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني.
١٩/ ٣ - ٦: وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟
فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟ .. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان.
١٩/ ٧ - ٨: قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يعطي كتاب طلاق فتطلق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هذا.
١٩/ ٩: وأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى، وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلقة يزني.
٥ - نسخ تلاميذ المسيح ﵇ بعد المشاورة جميع الأحكام العملية المدرجة في التوراة إلا أربعة: تحريم ذبيحة الصنم وتحريم الدم وتحريم المخنوق وتحريم الزنى. وأرسلوا كتابا بذلك إلى الكنائس.
جاء في سفر الأعمال ١٥/ ٢٤: إذا قد سمعنا أن أناسا خارجين من عندنا قد أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين: أن تختتنوا وتحفظوا الناموس. الذين نحن لم نأمرهم.
١٥/ ٢٨ - ٢٩: لأنه قد رأى الروح القدس -ونحن لا نضع عليكم ثقلا أكثر من غير هذه الأشياء الواجبة- أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن =стр. 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الدم والمخنوق والزنى، التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون.
وإنما أبقوا حرمة هذه الأربعة لئلا ينفروا اليهود الذين دخلوا في النصرانية، وكانوا يحبون أحكام التوراة ورسومها.
ثم لما رأى بولس أن هذه الرعاية ليست ضرورية أيضا، نسخ حرمة الثلاثة الأولى بفتوى الإباحة العامة كما سلف. ومن ثم لم يبقَ من أحاكم التوراة سوى تحريم الزنى. ولما لم يكن في الزنى حد في شريعة النصارى، فهو أيضا منسوخ من هذا الوجه.
وهكذا حصل الفراغ في شريعة النصارى بعد أن نسخوا جميع الأحكام العملية التي كانت في الشريعة الموسوية، سواء كانت أبدية أو غير أبدية. فأحكام الذبائح كانت كثيرة وأبدية في شريعة موسى ﵇ وكذلك الأحكام المختصة بآل هارون من الكهانة واللباس وقت الحضور للخدمة الدينية وفي غير ذلك، كانت أبدية، وقد نسخت كلها لدى النصارى. ونحن المسلمين نعتقد أن المسيح ﵇ نسخ بعض الأحكام التي كانت مقررة لدى اليهود. ولكن إنما نريد سلامة النقل وصحته.
وظهر من الأمثلة السابقة جميعها ما يلي:
١ - أن نسخ بعض الأحكام في شريعة سابقة بشريعة لاحقة لم تنفرد به شريعة محمد ﷺ بل كان معروفا في الشرائع السابقة.
٢ - أن كثيرا من الأحكام العملية في التوراة نسخت ببعثة المسيح ﵇ بل إن بولس صرح بنسخ جميع الأحكام سواء كانت أبدية أو غير أبدية.
٣ - إنما يقع الإشكال في نسخ الأحكام التي صرح فيها بأنها أبدية، أو يجب رعايتها طبقة بعد طبقة. مما يدل على وقوع الدس والحذف والتحريف.
٤ - من العجيب أن أهل الكتاب من يهود ونصارى يعيبون على =стр. 48
وفي عقيب نزول هذه الآية، أليس أن الله عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص، وأخذ أولاد لاوى عوضا عنهم؟ فهم لا يقدرون على إنكار ذلك. وهذا يلزمهم منه القول بالبداء أو النسخ.
الحواشي
(١) = المسلمين وجود النسخ في شريعتهم مع أن كتب العهد القديم التي يزعمون أنها وحي ناطقة بإخلاف الله وعده وندامته على فعله واتهامه بالبداء! كما سيذكر المؤلف ﵀ فيما بعد. وانظر "تنقيح الأبحاث" لابن كمونة اليهودي ص٤٥ - ٤٧، "وهداية الحيارى" لابن القيم ص٥٨٢ - ٥٨٣، "وإظهار الحق" ص٥٣ - ٥٤.стр. 49
إفحام أهل الكتاب وإلزامهم بالإسلام:
[طرق إثبات النبوة] ١:
لا يسع عاقلا أن يكذب نبيا ذا دعوى شائعة وكلمة صادقة، ويصدق غيره؛ لأنه لم يرَ أحدهما، ولا شاهد معجزاته. فإذا خص أحدهما
الحواشي
(١) ١ لا بد أن يخص الله سبحانه النبي الذي يرسله بأمر من دون الناس يدل على صدقه. وهو ما يسمى بالآيات المادية أو المعنوية. وإلا لم يكن قبول قوله بأولى من قبول غيره. والناس من حيث الإيمان بالنبوة قسمان: منهم من يؤمن بها، ومنهم من لا يؤمن بها مطلقا.
فطريقة إثبات نبوة شخص ما لمن يؤمن بالله، ولا يؤمن بجنس النبوة أن يعرف أحوال هذا الشخص ويدرس سيرته، ويتأمل أخباره وما يأمر به من العبادات وأفعال الخير ومحاسن العادات، وما ينهى عنه من أضداد ذلك. ويكون ذلك إما بالمشاهدة، وإما بالتواتر والتسامع.
وأما من يؤمن بجنس النبوة فنوعان:
- نوع يؤمن بجنس النبوة لكنه لا يدري أيبعث نبي أم لا؟
وهذا يحتاج إلى أن يعلم أن هذا المدعي هل هو من جنس الأنبياء الصادقين أو من جنس المتنبئين الكاذبين؟
ويعرف صدق النبي بثبوت دلائل الصدقة المستلزمة لصدقه وانتفاء لوازم الكذب. كما يعرف صدقه بما يخصه الله به من آيات وبراهين =стр. 50
بالتصديق والآخر بالتكذيب، فقد تعين عليه الملام والإزراء عقلا. ولنضرب لذلك مثلا: إذا سألنا يهوديا عن موسى ﵇ وهل رآه وعاين معجزاته؟ فهو بالضرورة يقر بأنه لم يشاهد شيئا من ذلك عِيَانا.
فنقول له: بماذا عرفت نبوة موسى وصدقه؟
فإن قال: إن التواتر قد حقق ذلك، وشهادات الأمم بصحته دليل
الحواشي
(١) = وبمقارنة ما جاء به بما جاء به الأنبياء قبله. فالأنبياء جميعا يدعون إلى أصول مشتركة لا تختلف في حقيقتها وجوهرها. والأخبار الصادقة لا تتناقض. لكن قد يكون بعض الأنبياء أعلم ببعض الأمور أو بتفاصيلها من بعض.
- ونوع عرف أن نبيا سيبعث. وربما عرف بعض صفاته وأموره، فيحتاج إلى أن يعرف عينه.
وما يحتاج إليه هذا النوع من دلائل الصدق أيسر مما يحتاج إليه من لا يؤمن بالرسل أو من لا يعرف أن نبيا سيبعث.
وأهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا من هذا النوع قبل بعثة محمد ﷺ فإنهم كانوا ينتظرون مجيء نبي آخر الزمان الذي بشرت به الأنبياء، وبينت نعوته، وأخذت له من أممها العهد بالاتباع والنصرة. انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٣/ ٢٩٨ و٤/ ٣٢١، الفصل لابن حزم ١/ ٧٣ - ٧٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/ ٤٨ و٩٩ و٢٠٩.
ومن تتبع سيرة محمد ﷺ وتدبرها من حين ولد إلى أن بعث، ومن حين بعث إلى أن انتقل إلى جوار ربه، وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله وما جرى معه وما انتهى إليه بتجرد وإنصاف وصل إلى طمأنينة القلب بصدق هذا الرجل.стр. 51
ثابت في العقل، كما قد ثبت عقلا وجود بلاد وأنهار لم نشاهدها، وإنما تحققنا وجودها بتواتر الأنباء والأخبار. قلنا: إن هذا التواتر موجود لمحمد وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- كما هو موجود لموسى ﵇ فيلزمك التصديق بهما.
وإن قال اليهودي: إن شهادة أبي عندي بنبوة موسى ﵇ هي شبه تصديق بنبوته. قلنا له: ولِمَ كان أبوك عندك صادقا في ذلك معصوما عن الكذب؛ وأنت ترى الكفار أيضا يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك؛ إما تعصبا من أحدهم لدينه، وكراهية لمباينة طائفته، ومفارقة قومه وعشيرته، وإما لأن أباه وأشياخه نقلوه إليه، فتلقنه منهم معتقدا فيه الهداية والنجاة؟ فإذا كنت يا هذا قد ترى جميع المذاهب التي تكفر بها قد أخذها أبناؤها عن آبائهم كأخذ مذهبك عن أبيك، وكنت عالما أن ما هم عليه ضلال وجهل، فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك من أن تكون هذه حالتك.
فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح مما أخذه الناس عن آبائهم، لزمه أن يقيم البرهان على نبوة موسى ﵇ من غير تقليد لأبيه؛ لأنه قد ادعى صحة ذلك بغير تقليد. وإن زعم أن العلة في صحة ما نقله عن أبيه أنه رجح أباه على آباء الناس بالصدق والمعرفة -كما يدعي اليهود في حق آبائهم- لزمه أن يأتي بالدليل على أن أباه أعقل من سائر آباء الناس وأفضل. فإن هو ادعى ذلك فقد كذب فيه؛ لأنه من ادعى مثل هذا يجب أن يستدل على فضائله بآثاره.
وقول اليهود باطل؛ فإنهم ليس لهم من الآثار في العالم ما ليس لغيرهم مثله. بل هم على الحقيقة لا ذكر لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة ودونوها لمن يأتي بعدهم. وجميع ما نسب إليهم من العلوم مع استفادوه من علوم غيرهم لا يضاهي بعض الفنون
стр. 52
الحكمية التي استخرجها حكاء اليونان، والعلوم التي استنبطها النبط. وأما تصانيف المسلمين، فيستحيل لكثرتها أن يقف أحد من الناس على جميع ما صنفوه في أحد الفنون العلمية لسعته وكثرته.
وإن كان هذا موقعهم من الأمم فقد بطل قولهم: إن آباءهم أعقل الناس وأفضلهم وأحكمهم. ولهم أسوة بسائر آباء الناس المماثلين لهم من ولد سام بن نوح ﵉ فإذا أقروا بتأسي آبائهم بآباء غيرهم، وقد علموا أن آباء غيرهم قد لقنوهم الكفر. لزمهم أن شهادة الآباء لا يجوز أن تكون حجة في صحة الدين. فلا يبقى لهم حجة في نبوة موسى إلا شهادة التواتر. وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- كوجوده لموسى ﵇.
وإذا كانوا قد آمنوا بموسى ﵇ لشهادة التوتر بنبوته، فقد لزمهم التصديق بنبوة المسيح والمصطفى ﵉.
стр. 53
إلزامهم بنبوة عيسى والمصطفى ﵉:
نقول لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فيقولون: ولد يوسف النجار سفاحا. كان قد عرف اسم الله الأعظم، يسخر به كثيرا من الأشياء.
فنقول لهم: أليس عندكم في أصح نقلكم: أن موسى ﵇ قد أطلعه الله تعالى على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر وعمل المعجزات؟ ١ فلا يقدرون على إنكار ذلك.
فنقول لهم: فإذا كان موسى ﵇ قد عمل المعجزات
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر الخروج ٣/ ١٣ - ١٤: فقال موسى: هأنا آتي إلى بني إسرائيل، وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي: ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى: أهْيَهْ الذي أهيه. وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم.
٣/ ١٥: وقال الله أيضا لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم .. أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد. وهذا ذكري إلى دور فدور. =стр. 54
بأسماء الله تعالى، فلم صدقتم نبوته، وكذبتم نبوة عيسى ﵇؟
فيقولون: لأن الله تعالى علم موسى الأسماء، وعيسى لم يتعلمها من الوحي، ولكنه تعلمها من حيطان بيت المقدس١.
فنقول لهم: فإذا كان الأمر الذي يتوصل به إلى عمل المعجزات قد يصل إلى من لا يختصه الله به، ولا يريد تعليمه إياه، فبأي شيء جاز تصديق موسى ﵇؟ فيقولون: لأنه أخذها عن ربه.
الحواشي
(١) = ٦/ ٣: وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء. وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم. اهـ.
ذاك هو نص الكتاب المقدس الصادر عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط عام ١٩٨٤ وهو من ترجمة البروتستانت. أما من الكتاب المقدس الصادر عن دار المشرق في بيروت عام ١٩٨٣م فالنص فيه هكذا:
٣/ ١٤: فقال الله لموسى: أنا هو الكائن. وقال: كذا قل لبني إسرائيل: الكائن أرسلني إليكم.
٣/ ١٥: وقال الله لموسى ثانية: كذا قل لبني إسرائيل: الرب إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب بعثني إليكم. هذا اسمي إلى الدهر، وهذا ذكري إلى جيل فجيل.
٦/ ٣: أنا الذي تجليت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب إلها قادرا على كل شيء. وأما اسمي يهوه فلم أعلنه لهم.
١ وكيف تعلمها من حيطان بيت المقدس، وهو ابن السفاح كما يقولون؟ ولِمَ لم يتعلمها أحد من كبار الكهنة فيضاهيه بمعجزاته، ويدفع الضر الذي نزل ببني إسرائيل؟!стр. 55
فنقول: وبأي شيء عرفتم أنه أخذها عن ربه؟ فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا.
وأيضا فإنا نلجئهم إلى نقل أسلافهم ونقول لهم: بماذا عرفتم نبوة موسى؟
فإن قالوا: بما عمله من المعجزات. قلنا لهم: وهل فيكم من رأى هذه المعجزات؟ ليس هذا لعمري طريقا إلى تصديق النبوة؛ لأن هذا كان يلزمكم منه أن تكون معجزات الأنبياء ﵈ باقية من بعدهم ليراها كل جيل بعد جيل، فيؤمنوا به، وليس ذلك بواجب. لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوته في ذلك العصر بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره لأهل عصر آخر، وجب عليهم تصديق نبوته واتباعه؛ لأن المتواترات والمشهورات مما يجب قبولها في العقل١. وموسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- في هذا الأمر متساوون.
ونقول: تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- لأن شهادة المسلمين والنصارى بنبوة موسى ليست إلا بسبب أن كتابيهما يشهدان له بذلك. فتصديقهم بنبوة موسى ﵈ فرع عن تصديقهم بكتابيهما.
وأما معجزات القرآن فإنها باقية، وإذا كانت باقية، فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج إلى كونها سبب الإيمان. فأما من أعطي ذوق الفصاحة،
الحواشي
(١) ١ هذا إذا صحت النبوة وقامت دلائلها وأقر بها أهل الحجى الذين يميزون بين المعجزة وبين السحر ونحوه، والذين يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب. ثم نقلت بالتواتر. أما مجرد الإشاعة التي لا يُدرى أولها من آخرها، فليس لها أثر، وإن نقلت جيلا فجيل.стр. 56
فإن إيمانه بإعجاز القرآن إيمان من شاهد المعجزات، لا من اعتمد على الخبرة، إلا أنه هذه درجة لم يرسخ بها كل أحد.
فإن قالوا: إن نبينا يشهد له جميع الأمم، فإن التواتر به أقوى، فكيف تقولون: إنه أضعف؟ قلنا: أكان إجماع شهادات الأمم صحيحا لديكم؟
فإن قالوا: نعم. قلنا: فإن الإمم الذين قبلتم شهاداتهم مجتمعون على تكفيركم وتضليلكم. فليزمكم ذلك. لأن شهادتهم عندكم مقبولة.
فإن قالوا: لا نقبل شهادة أحد. لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم. وهي أقل الطوائف عددا. فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع.
ويلزمهم مما تقدم أن كل من أظهر معجزات شهد بها التواتر مصدق في مقالته. ويلزمهم من ذلك التصديق بنبوة المسيح والمصطفى عليهما الصلاة والسلام.
стр. 57
إلزامهم بنبوة المسيح "﵇ ":
نقول لهم: أليس في التوراة التي في أيديكم: "لو ياسور وشبيط منجهوزا ومحوقق مين دوغلاو"؟
تفسيره: لا يزول الملك من آل يهوذا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح١ فلا يقدرون على جحده ..
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٤٩/ ١: ودعا يعقوب بنيه وقال: اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام.
٤٩/ ٨: يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك.
٤٩/ ٩: يهوذا جرو -شبل- أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد وكَلَبْوة. من يُنهضه؟
٤٩/ ١٠: لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب.
هكذا النص في الكتاب المقدس الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس عام ١٩٦٦م، والكتاب المقدس الصادر عن دار الكتب المقدس في الشرق الأوسط عام ١٩٨٤م، وكلاهما للبروتستانت.
وذكر الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق ٢/ ٢٥٢ طبعة المغرب أن النص في الترجمات المطبوعة عام ١٧٢٢م وعام ١٨٣١م وعام ١٨٤٤م هكذا: "فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل، وإياه تنتظر الأمم". وفي ترجمة عام ١٨١١م هكذا: فلا يزول القضيب من يهوذا والرسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له، وإليه تجتمع الشعوب. اهـ.
وذكره ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦٣ هكذا: لا يزول القضيب من يهوذا أو الراسم من بين أقدامه إلى أن يجئ الذي له الأمر، وله تجتمع الشعوب.
وفي الكتاب المقدس الصادر عن دار المشرق ببيروت عام ١٩٨٦م هكذا: لا يزول صولجان من يهوذا ومشترع من صلبه حتى يأتي شيلو، وتطيعه الشعوب. وكذلك في ترجمة اليسوعيين.
وفي التوراة السامرية: لا يزول القضيب من يهوذة والمرسم من بين بنوده حتى يأتي سليمان، وإليه تنقاد الشعوب.
وذكر القرافي في الأجوبة الفاخرة ص٧١ النص بالعبري هكذا "لوياسور وشبيط ميهوذا ومحوقيق مبين رغلا". ثم قال: وتفسيره: لا يزال الملك من آل يهوذا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح.
لكنه ذكره ص١٦٤ هكذا: لا يعدم سبط يهوذا ملك مسلط، وأفخاذه بنو إسرائيل حتى يأتي الذي له الكل.
وأصل وصية يعقوب لبنيه مذكور في القرآن. قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.стр. 58
فنقول لهم: أما علمتم أنكم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح، ثم انقضى ملككم؟ فإن لم يكن لكم ملك، فقد لزمكم من التوراة أن المسيح قد أرسل.
وأيضا فإنا نقول لهم: أليس منذ بعث المسيح عيسى ﵇ استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم، وتفرق شملهم؟ فلا يقدرون على جحد ذلك إلا بالبهتان. ويلزمهم على أصلهم الذي في التوراة أن عيسى ابن مريم ﵇ هو المسيح الذي ينتظرونه١.
الحواشي
(١) ١ اختلف الناس في فهم هذا النص وتعيين المبشر به:
أ- ذهب النصارى إلى أن المراد بالقضيب أو الصولجان: الملك والسلطة الدنيوة، وبالراسم: النبي، كما في تنقيح الأبحاث لابن كمونة ص٦٣، وإظهار الحق ٢/ ٢٥٣ طبعة المغرب.
أما قوله: "حتى يأتي شيلو، أو شيلون في العبرية، وسليمان في السامرية" فيقول مفسرو التوراة في المجلة الأولى ص٤٦٠ من تفسير الكتاب المقدس لجماعة من اللاهوتيين: "هذه عبارة غير واضحة، ويبدو أن أفضل تفسير لها هو الذي يعد نوعا من الحديث عن المسيا إذا تحرك الحرف الساكن -وهو أمر مسموح به في اللغة العبرية- فإن الكلمة يمكن أن تترجم: الذي له" انظر: تعليق أحمد حجازي على التوراة السامرية =стр. 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ص٤١٠، وجاء في الكتاب المقدس المطبوع في بيروت عام ١٩٧٦م تعليق على "شيلون" يقول: أي أمان. وعند البعض معناها: الذي له، المرجع السابق ص٣٦١ - ٣٦٢.
قال النصارى: والمراد بشيلون هو المسيح ﵇ فهو المبشر به. ومعنى النص: سييقى الملك مع اليهود إلى أن يأتي المسيح. قالوا: وكذلك كان. فإنه ما زالت لليهود ملوك ودول إلى زمن المسيح ﵇ فلما ظهر بطلت النبوة فيهم، وانقطع الملك عنهم، وصاروا محتقرين مذمومين. انظر: تنقيح الأبحاث ص٦٣، والأجوبة الفاخرة للقرافي ص٧١، وعلى هذا التفسير جرى مؤلف كتابنا هذا ﵀ فقال: نقول لهم: أما علمتم أنكم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح؟ ثم انقضى ملككم؟ فإن لم يكن ملك فقد لزم من التوراة أن المسيح قد أرسل.
ب- وذهب اليهود إلى أن المراد بشيلون المسيح المنتظر الذي يأتي في آخر الزمان، وينصر دين موسى ﵇ ويظهر الحق على يديه. وهم لا يزالون إلى اليوم ينتظرونه ليقيم دولتهم. انظر: الأجوبة الفاخرة ص٧٢.
ورد ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦٤ على ادعاء النصارى فقال: إن الملك زال من آل يهوذا قبل إيشوع المسيح بأكثر من أربعمائة عام. والملوك في البيت الثاني كانوا من بني "حمشوناي" وهم هارونيون من سبط لاوى. وكان الملك من بعدهم في هيرودس، وبعده في أولاده. ولم يكن أيضا من سبط يهوذا.
قال: وليس لهم أن يقولوا: إن يعقوب كني بيهوذا عن اليهود بأسرهم، تسمية لكل الشيء بأشرف ما فيه؛ لأنه يقال: إن هذا غير محتمل. فإن يعقوب خص كل واحد من أولاده بما يكون منه. وخص =стр. 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يهوذا بهذا القول. فلا يكون اسمه عبارة عن الجملة. ثم قولهم: "إن القضيب هو قضيب الملك، والرسم هو النبي" غير متيقن. فالنبوة انقطعت قبل ظهور المسيح بما يزيد عن ثلاثمائة عام. واللفظة المستعملة في اللغة العبرانية بمعنى القضيب تستعمل بمعنى السبط أيضا. فقد يمنع المانع أنها استعملت للقضيب، أو أن المراد بالقضيب إن استعملت له قضيب الملك.
ثم قال: "والأظهر أن المراد: البشارة بداود ﵇ والمعنى: لا يزول السبط من يهوذا، ولا الرئاسة من بين ظهرانيهم إلى أن تبلغ رياستهم في الزيادة إلى أن يملك داود، ويتفق على تمليكه جميع شعوب إسرائيل". اهـ.
موازنة وترجيح:
وقد رد الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق -٢/ ٥ طبعة المغرب- على ادعاء اليهود النصارى فقال: "ويفهم من رسائل القسيسين من فرق البروتستانت أن المراد من القضيب: السلطة الدنيوية. ومن المدبر: الحاكم الدنيوي. وعليه فلا يصح أن يراد بشيلون مسيح اليهود كما يزعمون؛ لأن السلطة الدنيوية والحاكم الدنيوي زالا من آل يهوذا من مدة هي أزيد من ألفي عام، من عهد بختنصر، ولم يسمع إلى الآن حسيس مسيح اليهود. ولا عيسى كما يزعم النصارى. لأنهما -أي السلطة والحكم الدنيوين- زالا من آل يهوذا قبل ظهور عيسى بمقدار ستمائة سنة. وهو إجلاء بني يهوذا إلى بابل. فكيف يصدق عليه؟! ". اهـ.
ومن ناحية أخرى فقد ورد في إنجيل متى ٢/ ٥ - ٦ ما يدل على أن المدبر أو الراسم هو المسيح ﵇ حيث جاء: "لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء =стр. 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يهوذا. لأن منك يخرج مدبر يرعى شعب إسرائيل" فكيف يكون هو المدبر؟ وكيف يكون هو شيلون؟! ثم إن المسيح ﵇ لم يخضع له أي شعب، حتى إن خراف إسرائيل الضالة التي أرسل إليها لم تجتمع كلها تحت رعايته.
هذا، والترجمات التي بين أيدينا مضطربة، ولا يمكن أن نصل إلى حقيقة النص وصيغته الأصلية لانعدام السند عند أهل الكتاب. ومع ذلك لو حللنا النص الذي بين أيدينا لظهر لنا ما يلي:
١ - أنه من الظاهر أن المراد بالقضيب أو الصولجان: الملك والسلطة والحكم. وليس السبط كما زعم ابن كمونة. وإلا فما معنى: لا يزول السبط من يهوذا؟ وهل يقصد أن نسله لن ينقرض؟ والنصوص التي بين أيدينا لا تساعدنا على معرفة المراد بهذا الملك على وجه الحقيقة. أهو عدم نسخ شريعة موسى بشريعة أخرى إلى ذلك الوقت، أم غير ذلك؟
٢ - أن المراد بقوله: "والمرسم من بين بنوده" كما تقول السامرية أو "الرسم من تحت أمره" كما في ترجمة عام ١٨١١م: شريعة التوراة التي تظل مع علماء اليهود. وتكون هذه الشريعة من علامات ملك اليهود. فإن الرسم والتدبير إنما هو التشريع. وسباق النص وسياقه يدلان على ذلك. ولا سيما ترجمة اليسوعيين وترجمة عام ١٩٨٤م التي آخذ منها.
أما إن كان النص: "والراسم من بين أقدامه" كما نقله ابن كمونة، أو "المدبر من فخذه" كما في ترجمة سنة ١٧٢٢م وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤م، فالمراد به عيسى ﵇ لأنه ما جاء بعد موسى ﵇ من عَدَّل في شريعته زيادة أو نسخا سواه.
٣ - أن المراد بقوله: "حتى يأتي شيلون" نبي السلام والأمان كما ذكرت حاشية الكتاب المقدس المطبوع في بيروت عام ١٩٧٦م. =стр. 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وبعض الترجمات لم يذكر فيها لفظ "شيلون" بل ذكر فيها "الذي له الكل" أو "الذي هو له" أو "الذي له الأمر" أي: صاحب الأمر والذي ينتهي إليه. وهذا يدل على أن شريعة المبشر به تكون عامة شاملة ناسخة لما قبلها، وأن الكتاب الذي ينزل عليه يكون مهيمنا على ما سبقه من الكتب.
٤ - أن قول: "وإياه تنتظر الأمم" أو "تنقاد -أو تجتمع أو تخضع- له الشعوب" كما في بعض الترجمات يدل على أن رسالته عالمية، وقد سبقت البشارة به.
وهذه كلها علامات صريحة ودلالات واضحة على المبشر به إنما هو محمد بن عبد الله الذي ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام- لأن الشعوب ما اجتمعت قط لأحد قبله، ولم يأت نبي برسالة عامة سواه. قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وعن جابر ب عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" الشيخان والنسائي.
وعليه يكون معنى البشارة: سيبقى الملك وحكم الشريعة التي سينزلها الله على موسى ﵇ مع العلماء من نسلكم حتى تنتهي مدة البركة الممنوحة لبني إسحاق، وتبدأ مدة البركة الممنوحة لبني إسماعيل بظهور النبي الذي له الكل، وتخضع لشريعته الشعوب. هذا هو ما يفهم من نصوص التوراة عامة؛ إذ النصوص يفسر بعضها بعضا. انظر: الأجوبة الفاخرة ص١٦٤، وتعليق أحمد حجازي على التوراة السامرية ص٣٩٨ - ٤٠٠. =стр. 63
ذكر الموضع الذي أُشير فيه إلى نبوة الكليم والمسيح والمصطفى "﵈ ":
وهو: "وامار أدوناي اتكلي وريفور يعارير سيعير انخرى لانا استخي بعبوريته على طورد فاران وعمه ربوان قد يشير".
تفسيره: "إن الله تعالى من سيناء تجلى، وأشرق نوره من سيعير، واطلع من جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين"١.
الحواشي
(١) = هذا، ويمكن أن يكون المراد من الحاكم موسى ﵇ لأنه بعد يعقوب ﵇ لم يأتِ صاحب شريعة غيره، وسماه الحاكم لأن شريعته إلزامية، وقد بعث بالجهاد وإقامة الحدود والتعزير. أما الراسم فهو عيسى ﵇ لأنه عدل في شريعة موسى ﵇ وسماه الراسم؛ لأن شريعته ليس فيها جهاد. ومن بعد موسى وعيسى ﵉ لم يأتِ صاحب شريعة عامة شاملة كاملة مبعوث للكل وخضع له الكل سوى محمد ﷺ فيكون هو المراد صونا لكلام يعقوب عن الخلل.
وقد جانب ابن كمونة الحق في قوله: "إلى أن يملك داود، ويتفق على تمليكه جميع شعوب إسرائيل"؛ لأن داود ﵇ ليس بصاحب شريعة، بل إنما كان تابعا لشريعة موسى ﵇ وحاكما بها. وليس في الزبور أي حكم تشريعي. ثم إن سباق النص وسياقه يدلان على أن الحكم والشريعة تنزع منهم بمجيء المبشر به، لا أنها تزداد وتقوى به كما حصل في زمن داود ﵇ وقد فسر ابن كمونة الشعوب بأسباط إسرائيل، مع أن النص لا يساعد على ذلك، ولا سيما ما ورد في بعض الترجمات: "وإياه تنتظر الأمم".
١ جاء في سفر التثنية ٢٣/ ١: وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته. =стр. 64
وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل الشراة الذي فيه بنو العيص الذين آمنوا بالمسيح ﵇ بل في هذا الجبل كان مقام المسيح ﵇ وهم يعلمون أن سيناء هو جبل الطور. لكنهم لا يعلمون أن جبل فاران هو جبل مكة.
وفي الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء الأنبياء ما يقتضي للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدي إلى الأمر باتباع مقالتهم.
فأما الدليل الواضح من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة، فهو أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل ﵉ سكن إسماعيل في برية فاران. ونطقت التوراة بذلك في قوله: "وبيثب بمديار فاران وتقاح لوأمو أشامئا يزمن مصرايم".
الحواشي
(١) = ٢٣/ ٢: فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرف لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران. وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم. وفي طبعة ١٩٨٣م: وعن يمينه قبس شريعة لهم.
٢٣/ ٣: فأحب الشعب. جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك.
وفي بعض التراجمات ومنها المطبوعة عام ١٨٢٢م وعام ١٨٤٤: جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبل فاران. ومعه ألوف الأطهار. في يمينه سنة نار.
أما في التوراة السامرية فالنص هكذا ٣٣/ ٢: فقال: الله من سينين أتى، وأشرق من الشعير، ولهم لمع من جبل فاران. ومعه من ربوات القدس. وعن يمينه شريعة لهم.
٣٣/ ٣: وأيضا محب الشعوب. وكل أقداس أقداسه بيدك. وهم يخضعون لرجليك، ويتحملون من أقوالك.стр. 65
تفسيره: وأقام في برية فاران، وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر١.
فقد ثبت في التوراة أن جبل فاران مسكن لآل إسماعيل. وإذا كانت التوراة قد أشارت في الآية التي تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على جبل فاران، لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل؛ لأنهم سكان فاران.
وقد علم الناس قاطبة أن المشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل هو محمد ﷺ وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إبراهيم وإسماعيل. فدل ذلك على أن جبال فاران هي جبال مكة. وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة المصطفى ﷺ وبشرت به.
إلا أن اليهود -لجهلهم وضلالهم- لا يجوزون الجمع بين هاتين العبارتين من الآيتين، بل يسلمون بالمقدمتين، ويجحدون النتيجة لفرط جهلهم٢.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٢١/ ٢٠ - ٢١: وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية. وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برية فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر.
٢ زعمت يهود أن فاران هي أرض الشام، وليست أرض الحجاز. قال ابن كمونة في تنقيح الأبحاث ص٩٧: "فالتوراة تنطق أن موسى وبني إسرائيل اجتازوا بفاران وأقاموا بها، وخوطب موسى هناك عدة مرات -يشير إلى ما جاء في سفر العدد ١٢/ ١٦ و١٣/ ١ - ٣ و٣٥ - ٣٦ وسفر التثنية ١/ ١ وغير ذلك -وأيضا فإن من قرأ ما قبل المستشهد به وما بعده علم أن الكلام كله مختص ببني إسرائيل، لا بما يشاركهم فيه غيرهم. ثم إن الألفاظ كلها مخبرة عن أمر ماض، مثل أقبل وأشرق وطلع، لا عن أمر متوقع. وإن حمل على المتوقع فهو مجاز وخروج عن الظاهر". اهـ.
وزعمت النصارى أن فاران هي إيلات من أعمال الشام -كما في =стр. 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قاموس الكتاب المقدس؛ ومن ثم حملوا البشارة على بعض أحوال المسيح ﵇.
موازنة وترجيح:
جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/ ٢٢٥ طبعة دار صاد: فاران كلمة عبرانية معربة، وهي من أسماء مكة. وقيل: هو اسم لجبال مكة. قال ابن ماكولا: أبو نصر بن القاسم بن قضاعة القضاعي الفاراني الإسكندري، سمعت أن ذلك نسبة إلى جبال فاران، وهي جبال الحجاز.
وفاران أيضا قرية من نواحي صُفَد من أعمال سمرقند، وقال أبو عبد الله القضاعي: فاران والطور كورتان من كور مصر القبلية. اهـ.
وجاء في معجم ما استعجم من البلدان لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي بتحقيق مصطفى السقا ٣/ ١٠١٣، وفي معجم معالم الحجاز للمقدم عاتق غيث البلادي ٧/ ١١ ما يلي: وقال البكري: فاران على وزن فاعال: معدن حديد منازل بني سليم، ينزله بنو الأخثم بن عوف بن حبيب بن عُصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سليم؛ ولذلك قيل لهم القيون. قال خفاف بن عمير السلمي:
متى كان للقينين قين طمية ... وقين بلى معد بفاران. اهـ
إذن فهناك أكثر من مكان اسمه فاران، لكن إطلاق هذا الاسم على الحجاز كان أكثر وأشهر. بل هو المراد هنا في هذا النص لما يلي:
١ - جاء في تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب للقس انسلم تورميدا -عبد الله الترجمان- ص١٣٥: وفاران اسم رجل من ملوك العمالقة الذين اقتسموا الأرض، فكان الحجاز وتخومه لفاران. فتسمى القطر كله باسمه. اهـ.
٢ - ذكر ابن كمونة في تنقيح الأبحاث ص٩٤ أن بعض الناس =стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وجدوا هذا الاسم بالخط الكوفي في كتاب منازل مكة.
٣ - قال ابن تيمية في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٣/ ٣٠١ بصدد الكلام عن هذه البشارة: وعلى هذا فيكون قد ذكر الجبال الثلاثة: حراء الذي ليس حول مكة أعلى منه، وفيه ابتدئ برسول الله ﷺ نزول الوحي عليه. وحوله جبال كثيرة. وذلك المكان يسمى فاران إلى هذا اليوم، والبرية التي بين مكة وطور سيناء تسمى برية فاران. اهـ.
وهذا يدل على أن اسم فاران ظل يطلق على الجبال المحيطة بمكة إلى ما بعد القرن الثامن الهجري؛ لأن ابن تيمية ﵀ ولد عام ٦٦١هـ وتوفي عام ٧٢٨هـ، ويدل على أن برية فاران تمتد إلى طور سيناء، أما جبال فاران فهي في الحجاز.
٤ - جاء في سفر التكوين ٢١/ ٢٠ - ٢١: وكان الله مع الغلام فكبر ... وسكن في برية فاران .. فلا يشك أهل الكتاب في أن فاران هي مسكن آل إسماعيل، وأن إسماعيل هو جد النبي محمد ﷺ وقد علم بالتواتر واتفاق الأمم أن إسماعيل بن إبراهيم إنما ربي في مكة بواد غير ذي زرع، وأنه مع أبيه بنى البيت بذلك الواد. فعلم قطعا أن فاران هي أرض مكة في الحجاز.
وقد اعترف اليهود بأن الوحي هو المراد في طور سيناء. فلا بد أن يكون الأمر كذلك في ساعير وفاران. ويكون في ذلك إشارة إلى أماكن الرسالات الثلاث. وإلا فأين الموضع الذي استعلن الله منه، واسمه فارن؟ وأين النبي الذي أنزل عليه كتاب بعد المسيح؟ وأية نبوة خرجت فاستعلت استعلاء ضياء الشمس، وتلألأت وظهرت فوق ظهور النبوتين السابقتين؟ وأي دين ظهر بعدهما وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها غير الإسلام؟ انظر: الجواب الصحيح ٣/ ٣٠١، الأجوبة الفاخرة ص١٦٥، =стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إظهار الحق ٢/ ٢٥٠.
أما قول ابن كمونة: "إن الكلام كله مختص ببني إسرائيل" فنعم لأن الخطاب موجه إليهم كما أن البشارة والتنبيه لهم. ومثل هذا كثير في التوراة، لكن لا يعني أن البركة دائما لهم، وأن النبوة أبدا فيهم. ومن ناحية أخرى فإن نبي آخر الزمان مرسل إليهم وإلى غيرهم. وأما الإخبار بلفظ الماضي: "جاء، أشرق، تلألأ" فلتحقق الوقوع وتأكيده. وهذا أمر متعارف عليه في مثل هذا المقام. ويشهد لذلك الانتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب في قوله: "جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك ... ".
واليهود بأسرهم مجمعون على أن في التوراة بشارات بصاحب شريعة يأتي في آخر الزمان. وهم يعلمون أنه يبعث في برية فاران في الحجاز. ولذلك ترك قسم كبير منهم بلاد الشام وغيرها، وهاجر إلى تلك البقاع في الجزيرة العربية، وأقاموا القلاع والحصون قرب مدينة ذات نخل واقعة بين حرتين، فإنها دار هجرية ومنطلق دينه. فلما ظهر وأعلن الحق بفاران ثم هاجر إلى دار هجرته هجروه وتركوا نصرته، بل عادوه وكادوا له، فأظهره الله عليهم.
ويقال للنصارى: أي نبي جاء بعد المسيح ﵇ من إيلات؟ أهو المسيح نفسه؟ وإذا كان كذلك، فلم ذكر مرتين؟ وهل نزل عليه كتاب آخر هناك؟ ومتى؟ وأية نبوة خرجت من بلاد الشام أو من بين مكة وطور سيناء بعد المسيح سوى نبوة محمد ﷺ ؟
وصفوة القول: إنه لم ينزل بعد المسيح ﵇ كتاب سماوي سوى القرآن الكريم، ولم يبعث بعده غير محمد ﷺ الذي ولد في مكة في برية فاران مسكن أجداده آل إسماعيل بن إبراهيم. وقد نزل عليه الوحي لأول مرة في غار حراء الذي هو جزء من جبال فاران =стр. 69
وقد شهدت عليهم التوراة بالإفلاس من الفطنة والرأي، ذلك قوله تعالى: "كي غوى أوباذ عيصون هيما وابن باهيم تسونا". تفسيره: إنهم لشعب عادم الرأي، وليس فيهم فطانة١.
الحواشي
(١) = حيث كان يخلو ويتعبد. وبذلك يكون الله سبحانه قد ذكر الجبال الثلاثة حقا، وذكر الكتب المنزلة على الترتيب الزماني صدقا. وهذا مطابق لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿الم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾.
وقوله في البشارة: "ومعه من ربوات القدس" أو "ومعه ألوف الأطهار" يشير إلى أنه سيكون مع النبي الثالث جماعات كثيرة من أصحابه الأطهار لا يفارقونه. وكذلك كان. وقوله: "وعن يمينه نار شريعة لهم" وفي ترجمة اليسوعيين: "قبس شريعة لهم" إشارة إلى أنه سيكون مع هذا النبي شريعة يقتبس منها المجتهدون ولا يخرجون عنها. ويؤكد ذلك قوله: "يتقبلون -أو يتحملون- من أقوالك". فهم يتلون الكتاب الذي أنزل عليه وظهر من فمه، ويتناقلون سننه المطهرة، ويستنبطون منهما ما يحل مشكلات البشر.
وقوله: "فأحب الشعب" إشارة إلى محبة الله وتأييده لأمة هذا النبي الكريم ﷺ .
١ هذا النص من الباب الثاني والثلاثين من سفر التثنية. وقد جاء فيه ما يلي:
٣٢/ ٦: الرب تكافئون بهذا، يا شعبا غبيا غير حكيم. وفي طبعة ١٩٨٣م: أيها الشعب الأحمق الذي لا حكمة له.
٣٢/ ١٩ - ٢٠: فرأى الرب ورذل من الغيظ بنيه وبناته. وقال: أحجب وجهي عنهم، وانظر ماذا تكون آخرتهم، إنهم جيل متقلب، أولاد لا أمانة فيهم. =стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٣٢/ ٢٨ - ٢٩: إنهم أمة عديمة الرأي، ولا بصيرة فيهم. لو عقلوا لفطنوا بهذه، وتأملوا آخرتهم.
وفي طبعة ١٩٨٣م: ليتهم يعقلون ويفهمون هذا، ويتدبرون عاقبتهم.
وجاء في ٩/ ١٣ - ١٤ من السفر نفسه: وكلمني الرب قائلا: رأيت هذا الشعب، وإذا هو شعب صُلْب الرقبة. اتركني فأبيدهم وأمحو اسمهم من تحت السماء، وأجعلك شعبا أعظم وأكثر منهم.
٩/ ٢٧: أذكر عبيدك إبراهيم وإسحاق ويعقوب. لا تلتفت إلى غلاظة هذا الشعب وإثمه وخطيته. وفي طبعة ١٩٨٣م: إلى قساوة هذا الشعب.
وجاء في سفر العدد ١٤/ ٢٦ - ٢٧: وكلم الرب موسى وهارون قائلا: حتى متى أغفر. وفي طبعة ١٩٨٣م: احتمل -لهذه الجماعة الشريرة المتذمرة عليّ؟
١٤/ ٣٥: أنا الرب قد تكلمت: لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة عليّ -وفي طبعة ١٩٨٣م: فلأوقعن بجميع هذه الجماعة الشريرة المجتمعة عليّ- في هذا القفر يفنون، وفيه يموتون.
وجاء في سفر الخروج ٣٣/ ٥: وكان الرب قد قال لموسى: قل لبني إسرائيل: أنتم شعب صلب الرقبة. إن صعدت لحظة واحدة في وسطكم أفنيتكم.
وجاء في ٣٤/ ٩ من السفر نفسه: وقال -أي موسى ﵇: إن وجدت نعمة في عينيك أيها السيد -الرب- فليسر السيد في وسطنا. فإنه شعب صلب الرقبة.
وهذا مطابق لما وصفهم به الله سبحانه في القرآن الكريم؛ حيث قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ثم خاطب الله المؤمنين فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٥].стр. 71
ذكر الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة سيدنا محمد ﷺ :
إنهم لا يقدرون على أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة: "لاهيم وهي نابي أقيم مقارب أحيحيم كاموخا إيلاو شيماعون". تفسيره: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، به فليؤمنوا١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التثنية ١٨/ ١٥: يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون. وفي طبعة ١٩٨٣م: يقيم لك الرب إلهك نبيا من بينكم من إخوتك ...
١٨/ ١٧ - ١٨: قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به.
وفي بعض الترجمات: سوف أقيم ... وفي طبعة ١٩٨٣م: نبيا من بين إخوتهم ...
١٨/ ١٩: ويكون الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه.
وفي طبعة ١٩٨٣م: فإني أحاسبه عليه. وفي بعض الترجمات: ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم فيه باسمي، فأنا أكون المتنقم منه. =стр. 72
وإنما أشار بهذا أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ .
فإن قالوا: إنه قال: من وسط إخوتهم. وليس في عادة كتابنا أنه يعني بقوله: "إخوتهم" إلا بني إسرائيل. قلنا: بلى. قد جاء في التوراة
الحواشي
(١) = ١٨/ ٢٠: وأما النبي الذي يطغى، فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي.
وفي طبعة ١٩٨٣م: فليقتل ذلك النبي.
١٨/ ٢١ - ٢٢: وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب، ولم يحدث ولم يصر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب. بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه.
هذا ما في التوراة العبرانية، أما في السامرية، فقد ذكر النص مرتين: مرة في سفر الخروج، ومرة في سفر التثنية. وهأنا أنقله من المكانين جامعا بينهما مبينا ما انفرد به كل سفر:
تثنية ١٨/ ١٥: نبيا من جملة إخوتك مثلي، يقيم لك الله إلهك. ومنه تسمعون.
وجاء في سفر الخروج ٢٠/ ٢١، وهو بقية نص سفر التثنية في السامرية ما يلي:
١٨/ ١٨ - ١٩: نبيا أقمت لهم من جملة إخوتهم مثلك. وجعلت خطابي بفيه، فيخاطبهم بكل ما أوصيه به. ويكون الرجل الذي لا يسمع من خطابه الذي يخاطب باسمي أنا أطالبه.
١٨/ ٢٠: والمتنبئ الذي يتقح على الخطاب باسمي ما لم أوصه من الخطاب، ومن يخاطب باسم آلهة أخرى، فليقتل ذلك المتنبئ.
١٨/ ٢١ - ٢٢: وإذ تقول في سرك: كيف يتبين الأمر الذي لم يخاطبه الله؟ ما يقوله المتنبئ: باسم الله، ولا يكون ذلك الأمر ولا يأتي، هو الأمر الذي لم يقله الله. باتقاح قاله المتنبئ. لا تخف منه.стр. 73
"إخوتهم" لبني العيص. وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس، وهو قوله: "ايم عوبريم بقبول احيحيم بني عيسى وهيوشيم بسيعير".
تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص المقيمين في سيعير. إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم١.
فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل؛ لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق. فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم.
وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي ﵇ لأنه قال: "من وسط إخوتهم مثلك". وشموائيل كان مثل موسى؛ لأنه من أولاد لاوى. يعنون من السبط الذي كان منه موسى ﵇.
قلنا لهم: فإن كنتم صادقين، فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأتِ بزيادة ولا نسخ؟! أأشفق من ألا تقبلوه لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة؟ وبين صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به؟ لأنه إنما يخاف تكذيبكم لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه. ولذلك لم يكن بموسى
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢/ ٤: وأوصى الشعب قائلا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم. فاحترزوا جدا.
٢/ ٨: فعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير ...
وجاء أيضا في سفر العدد ٢٠/ ١٤: وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا.стр. 74
-﵇ حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان بنبوة إرمياء وإشعياء وغيرهما من الأنبياء.
وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم في هذا الفصل بالإيمان بالمصطفى واتباعه صلى الله عليه وسلم١.
الحواشي
(١) ١ تنازع في هذا النص اليهود والنصارى:
أ- قال بعض اليهود: إن المبشر هو يوشع بن نون. وقال بعض آخر: بل المراد به شموائيل كما ذكر المؤلف ﵀. وانظر: هداية الحيارى ص٥٢٦، وإظهار الحق ٢/ ٢٢٤٠ طبعة المغرب.
وذهب جمهور اليهود إلى أنه نبي يبعث في آخر الزمان، يقيم ملك اليهود، ويضرب سائر الأمم والملل، فيعلو به شأنهم. وهم لا يزالون إلى اليوم ينتظرونه. ويعبرون عنه بالمسيح المنتظر. هداية الحيارى ص٥٢٦.
وهم يزعمون أنه سيكون من بني إسرائيل؛ لأن لفظة "إخوتكم" أكثر ما وردت في مخاطبة بني إسرائيل، أريد بها من هو منهم، إلا في النادر؛ لأنهم إخوة، وبعضهم من بعض ... تنقيح الأبحاث ص٩٦.
قالوا: ويعضد ذلك أنه جاء في الفقرة ١٨/ ١٥: "من وسطك من إخوتك". وفي بعض الترجمات، ومنها طبعة ١٩٨٣م: "من بينكم من إخوتك" فإنه يدل دلالة ظاهرة على أن المبشر به يكون من بني إسرائيل لا من غيرهم.
ب- وحملته النصارى على البشارة بالمسيح ابن مريم ﵇ واستدلوا بما يلي:
١ - جاء في حاشية الكتاب المقدس المطبوع عام ١٩٨٣م ما يلي: في هذه الآية نبوة مختصة بالمسيح وحده؛ لأن الروح القدس عينه فسرها في هذا المعنى، ووجهها إلى مخلص العالم جليا في كتاب =стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أعمال الرسل ٣/ ٢٢ و٧/ ٣٧، وقد اتفق الآباء القديسون كلهم على هذا التفسير.
٢ - جاء في إنجيل يوحنا ٥/ ٤٥ - ٤٧: لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم، وهو موسى الذي عليه رجاؤكم؛ لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني؛ لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك، فيكف تصدقون كلامي؟
فالمسيح نسب هذه البشارة إلى نفسه. وليس بعد كلامه كلم.
٣ - أن الضمير في "لهم" عائد إلى بني إسرائيل. وفي "مثلك" عائد إلى موسى. وهذا إشارة إلى المسيح. قالوا: وبذلك فسره شمعون الصفا قال: "إن النبي الذي وُصِّي بنو إسرائيل بقبول أمره والإيمان به هو المسيح" قالوا: وتفسير شمعون عندنا حجة قاطعة. ونحن عولنا عليها لا على مفهوم اللفظ. هداية الحيارى ص٥٢٧، إظهار الحق ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨، تنقيح الأبحاث ص٦٣ - ٦٤.
تحليل وترجيح:
بشرت التورة بنبي يأتي في المستقبل، ووصفته بصفتين:
الأول: كونه من إخوة بني إسرائيل، لا منهم حقيقة.
الثانية: كونه نبيا يشابه موسى في أوصافه، ويماثله في نبوته.
وهاتان الصفتان لا تتحققان في يوشع بن نون ولا في شموائيل ولا في عيسى ابن مريم ولا في سائر أنبياء بني إسرائيل.
أ- أما الصفة الأولى: فلأنهم كلهم من بني إسرائيل، وليسوا من إخوتهم أي أبناء عمومتهم؛ لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ يقتضي ألا يكون المبشر به له علاقة الصلبية أو البطنية بالمخاطبين وهم بنو إسرائيل. بل من فرع آخر غير فرعهم. ومن تبع هذه اللفظة في التوراة وجد أن المراد بها في أكثر ما وردت أبناء عم المخاطبين. كما ذكر في =следующие страницы →