Полный текст (214 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ذكر الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة سيدنا محمد ﷺ :
إنهم لا يقدرون على أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة: "لاهيم وهي نابي أقيم مقارب أحيحيم كاموخا إيلاو شيماعون". تفسيره: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، به فليؤمنوا١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التثنية ١٨/ ١٥: يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون. وفي طبعة ١٩٨٣م: يقيم لك الرب إلهك نبيا من بينكم من إخوتك ...
١٨/ ١٧ - ١٨: قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به.
وفي بعض الترجمات: سوف أقيم ... وفي طبعة ١٩٨٣م: نبيا من بين إخوتهم ...
١٨/ ١٩: ويكون الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه.
وفي طبعة ١٩٨٣م: فإني أحاسبه عليه. وفي بعض الترجمات: ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم فيه باسمي، فأنا أكون المتنقم منه. =стр. 72
وإنما أشار بهذا أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ .
فإن قالوا: إنه قال: من وسط إخوتهم. وليس في عادة كتابنا أنه يعني بقوله: "إخوتهم" إلا بني إسرائيل. قلنا: بلى. قد جاء في التوراة
الحواشي
(١) = ١٨/ ٢٠: وأما النبي الذي يطغى، فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي.
وفي طبعة ١٩٨٣م: فليقتل ذلك النبي.
١٨/ ٢١ - ٢٢: وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب، ولم يحدث ولم يصر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب. بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه.
هذا ما في التوراة العبرانية، أما في السامرية، فقد ذكر النص مرتين: مرة في سفر الخروج، ومرة في سفر التثنية. وهأنا أنقله من المكانين جامعا بينهما مبينا ما انفرد به كل سفر:
تثنية ١٨/ ١٥: نبيا من جملة إخوتك مثلي، يقيم لك الله إلهك. ومنه تسمعون.
وجاء في سفر الخروج ٢٠/ ٢١، وهو بقية نص سفر التثنية في السامرية ما يلي:
١٨/ ١٨ - ١٩: نبيا أقمت لهم من جملة إخوتهم مثلك. وجعلت خطابي بفيه، فيخاطبهم بكل ما أوصيه به. ويكون الرجل الذي لا يسمع من خطابه الذي يخاطب باسمي أنا أطالبه.
١٨/ ٢٠: والمتنبئ الذي يتقح على الخطاب باسمي ما لم أوصه من الخطاب، ومن يخاطب باسم آلهة أخرى، فليقتل ذلك المتنبئ.
١٨/ ٢١ - ٢٢: وإذ تقول في سرك: كيف يتبين الأمر الذي لم يخاطبه الله؟ ما يقوله المتنبئ: باسم الله، ولا يكون ذلك الأمر ولا يأتي، هو الأمر الذي لم يقله الله. باتقاح قاله المتنبئ. لا تخف منه.стр. 73
"إخوتهم" لبني العيص. وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس، وهو قوله: "ايم عوبريم بقبول احيحيم بني عيسى وهيوشيم بسيعير".
تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص المقيمين في سيعير. إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم١.
فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل؛ لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق. فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم.
وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي ﵇ لأنه قال: "من وسط إخوتهم مثلك". وشموائيل كان مثل موسى؛ لأنه من أولاد لاوى. يعنون من السبط الذي كان منه موسى ﵇.
قلنا لهم: فإن كنتم صادقين، فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأتِ بزيادة ولا نسخ؟! أأشفق من ألا تقبلوه لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة؟ وبين صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به؟ لأنه إنما يخاف تكذيبكم لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه. ولذلك لم يكن بموسى
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢/ ٤: وأوصى الشعب قائلا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم. فاحترزوا جدا.
٢/ ٨: فعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير ...
وجاء أيضا في سفر العدد ٢٠/ ١٤: وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا.стр. 74
-﵇ حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان بنبوة إرمياء وإشعياء وغيرهما من الأنبياء.
وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم في هذا الفصل بالإيمان بالمصطفى واتباعه صلى الله عليه وسلم١.
الحواشي
(١) ١ تنازع في هذا النص اليهود والنصارى:
أ- قال بعض اليهود: إن المبشر هو يوشع بن نون. وقال بعض آخر: بل المراد به شموائيل كما ذكر المؤلف ﵀. وانظر: هداية الحيارى ص٥٢٦، وإظهار الحق ٢/ ٢٢٤٠ طبعة المغرب.
وذهب جمهور اليهود إلى أنه نبي يبعث في آخر الزمان، يقيم ملك اليهود، ويضرب سائر الأمم والملل، فيعلو به شأنهم. وهم لا يزالون إلى اليوم ينتظرونه. ويعبرون عنه بالمسيح المنتظر. هداية الحيارى ص٥٢٦.
وهم يزعمون أنه سيكون من بني إسرائيل؛ لأن لفظة "إخوتكم" أكثر ما وردت في مخاطبة بني إسرائيل، أريد بها من هو منهم، إلا في النادر؛ لأنهم إخوة، وبعضهم من بعض ... تنقيح الأبحاث ص٩٦.
قالوا: ويعضد ذلك أنه جاء في الفقرة ١٨/ ١٥: "من وسطك من إخوتك". وفي بعض الترجمات، ومنها طبعة ١٩٨٣م: "من بينكم من إخوتك" فإنه يدل دلالة ظاهرة على أن المبشر به يكون من بني إسرائيل لا من غيرهم.
ب- وحملته النصارى على البشارة بالمسيح ابن مريم ﵇ واستدلوا بما يلي:
١ - جاء في حاشية الكتاب المقدس المطبوع عام ١٩٨٣م ما يلي: في هذه الآية نبوة مختصة بالمسيح وحده؛ لأن الروح القدس عينه فسرها في هذا المعنى، ووجهها إلى مخلص العالم جليا في كتاب =стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أعمال الرسل ٣/ ٢٢ و٧/ ٣٧، وقد اتفق الآباء القديسون كلهم على هذا التفسير.
٢ - جاء في إنجيل يوحنا ٥/ ٤٥ - ٤٧: لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم، وهو موسى الذي عليه رجاؤكم؛ لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني؛ لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك، فيكف تصدقون كلامي؟
فالمسيح نسب هذه البشارة إلى نفسه. وليس بعد كلامه كلم.
٣ - أن الضمير في "لهم" عائد إلى بني إسرائيل. وفي "مثلك" عائد إلى موسى. وهذا إشارة إلى المسيح. قالوا: وبذلك فسره شمعون الصفا قال: "إن النبي الذي وُصِّي بنو إسرائيل بقبول أمره والإيمان به هو المسيح" قالوا: وتفسير شمعون عندنا حجة قاطعة. ونحن عولنا عليها لا على مفهوم اللفظ. هداية الحيارى ص٥٢٧، إظهار الحق ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨، تنقيح الأبحاث ص٦٣ - ٦٤.
تحليل وترجيح:
بشرت التورة بنبي يأتي في المستقبل، ووصفته بصفتين:
الأول: كونه من إخوة بني إسرائيل، لا منهم حقيقة.
الثانية: كونه نبيا يشابه موسى في أوصافه، ويماثله في نبوته.
وهاتان الصفتان لا تتحققان في يوشع بن نون ولا في شموائيل ولا في عيسى ابن مريم ولا في سائر أنبياء بني إسرائيل.
أ- أما الصفة الأولى: فلأنهم كلهم من بني إسرائيل، وليسوا من إخوتهم أي أبناء عمومتهم؛ لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ يقتضي ألا يكون المبشر به له علاقة الصلبية أو البطنية بالمخاطبين وهم بنو إسرائيل. بل من فرع آخر غير فرعهم. ومن تبع هذه اللفظة في التوراة وجد أن المراد بها في أكثر ما وردت أبناء عم المخاطبين. كما ذكر في =стр. 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الحاشية السابقة. وكما جاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٠/ ٦: "وقال موسى لهارون وألعازار وإيثامار ابنيه: لا تكشفوا رءوسكم، ولا تشقوا ثيابكم لئلا تموتوا، ويسخط على كل الجماعة. وأما أخوتكم كل بيت إسرائيل، فيبكون على الحريق الذي أحرقه الرب". فالمخاطبون هنا هارون وولداه، وهما من سبط لاوى؛ ولذلك قال لهم عن سائر الأسباط: "وأما إخوتكم". وما ورد في بعض المواضع من استعمال لفظ "إخوة بني إسرائيل" في بعضهم مثل ما جاء في سفر التثنية ١٧/ ١٥ فهو استعمال مجازي اقتضته الحال؛ إذ لا يعقل أن يقال في لغة من اللغات: بنو إسرائيل هم إخوة بني إسرائيل؛ لأن إخوة القوم ليسوا أنفسهم، بل بنو أبيهم. ولا تترك الحقيقة ما لم يمنع منها مانع قوي. ويدعم ذلك ما يلي:
١ - لا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا حاضرين في ذلك الوقت مع موسى ﵇ والخطاب موجه إليهم جميعا. فلو كان النبي المبشر به منهم لقال: أقيم لهم نبيا منهم أو من أنفسهم. ولم يقل: من إخوتك أو من إخوتهم.
أما ما تمسكوا به من قوله: "من وسطك من إخواتك" أو "من بينكم" فيظهر -والله أعلم- أن هذه العبارة ملحقة أضيفت إلى النص بقصد التحريف والتعمية. يدل على ذلك أربعة أمور:
الأول: أن الخطاب موجه هنا لجميع بني إسرائيل، وليس إلى بعضهم كما سلف. فإذا كانت هذه العبارة أصلية كان قوله: "من إخوتك" لغوا محضا لا معنى له.
الثاني: أن لفظ "من إخوتك" تكرر في الفقرة الأخرى ١٨/ ١٨ دون لفظ "من وسطك" أو "من بينك" فيكون المكرر هو الصحيح الأصلي دون غيره. =стр. 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الثالث: أن موسى ﵇ لما نقل كلام الله في الفقرة الأخرى لإثبات قوله الذي ذكره أولا، لم يذكر فيه هذا اللفظ. ولا يمكن أن يكون ما قاله موسى مخالفا لقول الله زيادة أو نقصانا.
الرابع: أن التوراة السامرية خلت من هذا اللفظ، وإنما جاء فيها "نبيا من جملة إخوتك مثلي". وكذلك فإن من نقل هذه الفقرة من تلاميذ المسيح ﵇ لم يذكر هذه العبارة. جاء في سفر الأعمال ٣/ ٢٢ - ٢٣ في خطبة بطرس في الهيكل: "فإن موسى قال للآباء: إن نبيا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به. ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب".
فسقوط هذه العبارة من هذه الأماكن دليل على عدم ثبوتها، وعلى فرض ثبوتها يكون المراد بها أن هذا النبي الآتي لن يكون بعيدا عن بني إسرائيل لا في النسب ولا في المكان.
٢ - جاء في سفر التكوين ١٦/ ١٢ في بشارة هاجر بإسماعيل: "وأمام جميع إخوته يسكن". وفي ٢٥/ ١٨: "أمام جميع إخوته نزل" أي: في وسطهم. وإخوة إسماعيل هم أولاد إبراهيم ﵇ وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل -أي العرب- وبنو العيس -أي الروم- فأما بنو العيس فلم يقم فيهم نبي سوى أيوب ﵇ وكانت بعثته قبل أن يخلق موسى. فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة. فلم يبقَ إلا العرب بنو إسماعيل. فتعين أن يكون المبشر به منهم. ولم يخرج من ولد إسماعيل نبي سوى محمد ﷺ فيكون هو المبشر به وهو المنتظر. ويدعم ذلك وعد الله لهاجر وإبراهيم في حق إسماعيل كما في سفر التكوين ١٦/ ٦ - ١٦ والبركة الممنوحة له إجابة لدعاء إبراهيم كما في ١٧/ ١٨ - ٢٠ من السفر نفسه.
وأما قول النصارى: إن المسيح ﵇ نسب هذه البشارة =стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إلى نفسه، واستشهادهم بإنجيل يوحنا وغيره، فجوابه ما جاء في المثل: "ثبت العرش ثم انقش". وعلى فرض ثبوت هذا النص عن المسيح ﵇ ونقله عنه بالسند الصحيح المتصل، فليس فيه تصريح بأن موسى كتب في حقه في موضع كذا أو في مكان كذا. وإنما فيه أن موسى كتب في حقه. وهذا يصدق على أي موضع في التوراة ذكر فيه إشارة إليه. ونحن نسلم بهذا.
وقولهم: إن الضمير في "لهم" عائد إلى بني إسرائيل، وفي "مثلك" عائد إلى موسى ﵇ صحيح لا نزاع فيه، لكن ليس فيه إشارة إلى المسيح ﵇ بل إنما فيه تصريح بمن يشابه موسى ﵇ وكل ما في الأمر يدل على أن هذا النبي سيرسل إلى بني إسرائيل. وكذلك قوله: "أقيم لهم" فإنه يدل على عموم رسالته. وخاطبهم بذلك لئلا يظنوا إذا جاء أن مرسل إلى العرب خاصة. إظهار الحق ٢/ ٢٤٨.
وأما احتجاجهم بقول شمعون الصفا فقد أجاب عنه ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦٤ فقال: وقول شمعون غير مسلم به. بل هو إشارة إلى كل نبي يأتي على دين موسى. وسياقة الكلام المنزل في هذا المعنى لا تقتضي التخصيص بنبي دون غيره. وبتقدير أن تقتضي ذلك، فنمنع أن يكون المقصود بالتخصيص هو المسيح. اهـ.
ب- وأما الصفة الثانية فإنها تدل على أن هذا النبي المبشر به يشابه موسى ﵇ في أوصافه وأعماله، ويماثله في كونه صاحب شريعة عامة شاملة لكل نواحي الحياة.
ولا توجد مماثلة أو مشابهة من هذه النواحي بين موسى ويوشع أو شموائيل؛ لأن موسى صاحب كتاب وشريعة عامة شاملة. ويوشع وشموائيل لم يكونا كذلك. وإنما كانا تابعين لشريعة موسى من بعده. =стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكذلك لا توجد مماثلة بين موسى والمسيح ﵉ من النواحي التالية:
١ - أن موسى ﵇ عبدٌ لله أرسله إلى بني إسرائيل. وغايته أن يكون نبيا يوحى إليه بشرع. والمسيح في زعم النصارى ليس بنبي ولا عبد، لكن إله تام من إله تام يرسل الرسل. والبشارة إنما جاءت بنبي مرسل يشابه موسى. ثم إن البشارة بواحد من إخوة بني إسرائيل. وبنو إسرائيل وإخوتهم عبيد لله، ليس فيهم إله.
٢ - أن المهمة التي جاء من أجلها المسيح في عقيدة النصارى لا تشابه المهمة التي بعث موسى من أجلها؛ فالمسيح في زعمهم أقنوم من الأقانيم الثلاثة الأزلية تجسد لكي يفدي الإنسان الذي شوهته الخطيئة البشرية، ويموت على خشبة الصليب كإنسان كامل بدون خطيئة -أقنوم الحق الفريد لرأفت عماري ص١٥ و١٦ - والمسيح في زعمهم دخل الجحيم بعد صلبه قبل قيامه ومكث هناك ثلاثة أيام، وأخرج الأنبياء والصالحين؛ لأن صلبه كان كفارة للخطيئة البشرية. أما موسى ﵇ فقد كانت مهمته تنحصر في أنه بشر رسول يبلغ عن الله الواحد، ولم يصلب فداء عن أحد، بل مات موتا عاديا، ولم يدخل الجحيم ليخلص أحدا. فبين المهمتين بون شاسع.
٣ - أن موسى ﵇ كان صاحب شريعة كاملة شاملة مستقلة، والمسيح -كما تذكر الأناجيل الأربعة- لم يكن كذلك. جاء في إنجيل متى ٥/ ١٧ - ١٨: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء". والنصارى يأخذون معظم تشريعهم من العهد القديم، وقد تضمنت الأناجيل بعض عبارات للمسيح تتصل بالتشريع مع إقراره بالتشريع اليهودي. وبعد رفع المسيح أقام القُسُس على أساس تلك العبارات مع العهد القديم نظاما قانونيا للكنيسة. =стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٤ - أن موسى ﵇ كان رئيسا مطاعا في قومه أمرهم بالجهاد، وجاهد هو معهم. وكان متزوجا وله أولاد. والمسيح ﵇ لم يكن كذلك البتة.
٥ - لو حملت هذه البشارة على أحد أنبياء بني إسرائيل للزم منه تكذيب نصوص التوراة التي بين أيديهم. فقد جاء في سفر التثنية ٣٤/ ١٠ - ١٢: "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرف الرب وجها لوجه" أي: خاطبه شفاها من غير وساطة.
وهذا النص يحتمل أن يكون معناه أن هذا النبي المنتظر لم يكن أتى حتى زمان كتابة هذا السفر إبان السبي في بابل أو بعده. لكن التوراة السامرة منعت أن يكون هذا النبي من بني إسرائيل البتة. فقد جاء فيها ٣٤/ ١٠ "ولا يقوم أيضا نبي في بني إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله شفاها".
وبما أنه لا مثيل لموسى في بني إسرائيل، فلا بد أن يكون من ولد إسماعيل للبركة الممنوحة له وللوعد بتكثير نسله. ولم يأت أحد لا من بني إسرائيل ولا من غيرهم برسالة عامة شاملة غيره. وهو يشابه موسى ﵇ في أمور كثيرة؛ أهمها ما يلي:
- كلاهما عبد ورسول لله، فهما من أب وأم، وقد تزوجا، ولهما أولاد، وماتا على الفراش، ودفنا في القبر.
- كلاهما كلمة بدون وساطة، وكلاهما صاحب شريعة كاملة تشتمل على نظام ديني ودنيوي للحياة البشرية.
- كلاهما رئيس مطاع في قومه، قادر على تطبيق الأحكام الشرعية فيهم. وقد أمرا بالجهاد، فجاهدا مع أتباعهما، وكانت العاقبة لهما.
وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥]. =стр. 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقوله في الفقرة ١٨: "وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به" يشير إلى أن هذا النبي سيوحى إليه بكتاب يظهر للناس عن طريق فمه. وكذلك كان. كما يدل على أنه لا ينطق من تلقاء نفسه، بل إنما بوحي من الله.
وقوله في الفقرة ١٩: "ويكون الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه". وفي بعض الترجمات: "فأنا أكون المنقم منه" يدل على أن من يكفر بهذا النبي ويعاديه فإن الله سيكون هو المنتقم منه بطريقة من الطرق في الدنيا والآخرة.
وقوله في الفقرة ٢٠: "وأما النبي الذي يطغى ... فيموت ذلك النبي". وفي السامرية: "فليقتل ذلك النبي" يدل على أن المتنبئ الكاذب ستكون نهايته القتل.
والمسيح في زعم أهل الكتاب قتل وصلب، فلو كانت هذه البشارة في حقه كما يزعم النصارى للزم أن يكون متنبئا كاذبا. إظهار الحق ٢/ ٢٤٥.
أما محمد ﷺ فلم يستطع أحد قتله رغم كثرة المحاولات من قريش ثم من يهود والمنافقين وسائر المشركين في السفر والحضر. بل عصمه الله من الناس. وقد ادعى النبوة في زمنه وبعده ناس كثيرون، وكانت نهايتهم القتل؛ مثل: مسيلمة الحنفي والأسود العنسي وسجاح وطليحة وغيرهم.
جاء في الفقرة ٢٢: "فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب. بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه". وهذه علامة تميز النبي الصادق من المتنبئ الكاذب، فالنبي المبشر به سيتحدث عن الغيب الماضي والحاضر والمستقبل، فإذا وقع الأمر كما أخبر فهو الصادق، وإلا فهو الكاذب فعاده ولا تخف منه؛ لأنه سيخفق وتكون نهايته القتل.
ومحمد ﷺ تحدث عن الغيب الماضي والحاضر في زمنه مما غاب عنه، وعن المستقبل، فكانت أخباره كلها صادقة، ولا سيما أخباره عن المستقبل، فمنها ما وقع ورآه الصحابة أو التابعون أو من تبعهم بإحسان بعد موته، ومنها ما لا يزال المسلمون إلى اليوم ينتظرون وقوعه مثل فتح روما وانتصار المسلمين على اليهود ومطاردتهم وتتبعهم.стр. 82
الإشارة إلى اسمه " ﷺ " في التوراة:
قال الله تعالى في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة مخاطبا إبراهيم الخليل ﵇: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك. قد باركت فيه، وأثمره وأكثره جدا جدا"١. ذلك قوله: "وليشماعيل
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التكوين ١٧/ ١٥: وقال الله لإبراهيم: ساراي امرأتك لا تدع اسمها ساراي. بل اسمها سارة.
١٧/ ١٦: وأباركها، وأعطيك أيضا منها ابنا، أباركها فتكون أمما، وملوك شعوب منها يكونون.
١٧/ ١٧: فسقط إبراهيم على وجه وضحك ...
١٧/ ١٨: وقال إبراهيم: ليت إسماعيل يعيش أمامك. وفي السامرية: يحيى في طاعتك.
١٧/ ٢٠: وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. هأنا أباركه وأثمره وأكثره جدا جدا. اثني عشر رئيسا يلد، وأجعله أمة كبيرة.
وفي السامرية: وفي إسماعيل استجبت منك، هو ذا باركته، وأثمره وأكثره جدا جدا. اثني عشر رئيسا يلد، وسأجعله شعبا عظيما.
وجاء في ١٦/ ٩ - ١٠ من السفر نفسه في قصة هروب هاجر من اضطهاد سارة: وقال لها -أي لهاجر- ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك، واخضعي تحت يدها. تكثيرا أكثر نسلك، فلا يعد من الكثرة.
١٦/ ١١: وقال لها ملاك الرب: هأنت حبلى، فتلدين ابنا =стр. 83
شمعتيخا هني بيراختي أوثو وهفريتي أوثو وهربيتي بمادماد"١.
فهذه الكلمة "بمادماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل وجدناه اثنين وتسعين. وذلك عدد حاسب حروف محمد ﷺ فإنه أيضا اثنان وتسعون. وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا؛ لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته كما علموا في غير ذلك٢.
الحواشي
(١) = وتدعين اسمه إسماعيل؛ لأن الرب قد سمع لمذلتك.
١٦/ ١٢: وإنه يكون إنسانا وحشيا. يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه. وأمام جميع إخوته يسكن.
وفي بعض الترجمات: هو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع.
وفي السامرية: هو يكون وحشيا من الناس. يده بالكل، ويد الكل به.
وجاء في ٢١/ ١٢ - ١٣: لأنه بإسحاق يدعى لك نسل. وابن الجارية أيضا سأجعله أمة عظيمة.
وفي السامرية: ابن الأمة هذه لشعب كبير أجعله.
٢١/ ١٧ - ١٨: ونادى ملاك الله هاجر من السماء، وقال لها: ما لك يا هاجر ... قومي احملي الغلام، وشدي يدك به؛ لأني سأجعله أمة عظيمة.
٢١/ ٢٠ - ٢١: وكان الله مع الغلام، فكبر وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر.
١ مع إشمام ألف "بمادماد" الضمة وإمالتها نحو الواو.
٢ إن من عادة بني إسرائيل الاعتماد في الوقائع والأسماء على قيمة حروف الكلمة من جهة الحساب. وحساب الجمل هو حساب الأعداد للحروف =стр. 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الهجائية في اللغة العبرية على ما يستعمله اليهود فيما بينهم في هذه الكلمات "أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت" فالألف بواحد والباء باثنين والجيم بثلاثة والدال بأربعة والهاء بخمسة والواو بستة والزاي بسبعة والحاء بثمانية والطاء بتسعة والياء بعشرة، والكاف بعشرين واللام بثلاثين والميم بأربعين، والنون بخمسين والسين يستين والعين بسبعين والفاء بثمانين والصاد بتسعين والقاف بمائة، والراء بمائتين والشين بثلاثمائة والتاء بأربعمائة.
وتوضيح ذلك أن "جدا جدا" في اللغة العبرية "بمادماد" و"شعبا عظيما" "لجوى جدول" -بالجيم المصرية- وقد قال كثير من علماء اليهود العبرانيين والسامريين: إن كانت التوراة وضع "بمادماد" و"لجوى جدول" في سياق بركة إسماعيل لتدل كل كملة منهما على اسم النبي الآتي بحساب الجمل. فإذا أتى من أولاد إسماعيل من يدعي النبوة، قارنوا اسمه بتلك الكلمات، فإذا وجدوا اسمه مساويا لحساب تلك الكلمات عرفوا أنه النبي المنتظر من نسل إسماعيل. وكلمة محمد بحساب الجمل عددها اثنان وتسعون؛ لأن الميم الأولى بأربعين والحاء بثمانية والميم الثانية بأربعين والدال بأربعة. وكذلك "بمادماد" عددها اثنان وتسعون؛ لأن الباء باثنين والميم الأولى بأربعين والألف بواحد والدال بأربعة والميم الثانية بأربعين والألف بواحد والدال بأربعة. وكذلك كلمة "لجوى جدول" عددها اثنان وتسعون؛ فاللام بثلاثين والجيم بثلاثة والواو بستة والياء بعشرة والجيم بثلاثة والدال بأربعة والواو بستة واللام بثلاثة. انظر: هداية الحيارى ص٥٣٦ - ٥٣٧ وص٥٥٥، إظهار الحق ٢/ ٢٥١ طبعة المغرب، التوراة السامرية تقديم وتعليق أحمد حجازي ص٤٠٦ - ٤٠٧.
جاء في إظهار الحق ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢: وقد صنف أحد أحبار اليهود بعد أن أسلم وتسمى بعبد السلام رسالة صغيرة سماها "الرسالة =стр. 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الهادية" قال فيها: إن أكثر أدلة اليهود بحرف الجمل الكبير، وهو حرف أبجد. فإن أحبار اليهود حين بنى سليمان بيت المقدس اجتمعوا وقالوا: يبقى هذا البناء عشر سنوات وأربعمائة، ثم يعرض له الخراب. وذلك لأنهم حسبوا لفظ "بزات".
ثم قال عبد السلام: واعترضوا على هذا الدليل بأن الباء في "بماد" ليست من نفس الكلمة، بل هي حرف جيء به للصلة. فلو أخرج منه اسم محمد ﷺ لاحتاج إلى باء ثانية، فيقال "بمادماد". قلنا: المشهور عندهم إذا اجتمعت الباءان إحداهما أداة، والأخرى من نفس الكلمة تحذف الأداء، وتبقى التي هي من نفس الكلمة. وهذا شائع عندهم في مواضع غير معدودة. اهـ.
وذكر الأستاذ أحمد زكي باشا في جريدة البلاغ القاهرية الصادرة في آب أغسطس عام ١٩٣٣م أنه حصل عام ١٩١٣م على نسخة من التوراة التي كانت لدى شلبي سامري من طائفة اليهود السامريين، وهي منقولة من أقدم نسخة من التوراة تحتفظ بها تلك الطائفة. وقال أيضا: إن التوراة التي اشتراها مترجمة إلى العربية، وقد تخللها كتابات باللغة السامرية تؤدي إلى أسرار السامريين. ومن هذ العبارات جملة في آخر الباب السابع عشر ص٣٩ من الكتاب. وقد كتب الكاهن الأعظم بخط يده على هامشها عبارات رتبها كما يلي: "٩٢ بمادماد "محمد"، لجوى جدول أي شعبا عظيما أي محمد ٩٢". ثم وضع في ذيلها الجملة التالية: "انظر كيف أن لله في كل كلمة من كلامه تعالى أسرارا مدموجة وآيات عظيمة" حرره العبد الفقير إسحاق الكاهن السامري، عن مجلة الوعي الإسلامي الكويتية العدد ٢٥٦ عام ١٤٠٦هـ.
وقال ابن القيم في هداية الحيارى ص٥٣٦: واختلف علماء أهل الكتاب؛ فطائفة تقول: معناها: جدا جدا أي كثيرا كثيرا. فإن كان هذا =стр. 86
فإن قالوا: إنه يوجد في التوراة عدة كلمات مما يكون حساب حروفه مساويا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد. فلا يلزم من ذلك أن يكون زيد وعمرو وخالد أنبياء.
فالجواب: إن الأمر كما يقولون لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات التوراة. لكنا نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها في سائر التوراة. وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية؛ لأنها وعد من الله تعالى لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل. وليس في التوراة آية أخرى مشتملة على شرف لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر، كما أنه ليس في الآية كلمة تساوي "بمادماد" التي معناها "جدا جدا". وذلك أنها كلمة المبالغة من الله . فلا أسوة لها من كلمات الآية المذكورة. وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده. وكانت تلك الكلمة أعظم مبالغة من باقي كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تتضمن الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفا، وأعظمهم قدرا محمد ﷺ .
وإذ قد بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه
الحواشي
(١) = معناها، فهي بشارة بمن عظم من بنيه كثيرا كثيرا. ومعلوم أنه لم يعظم من بنيه أكثر مما عظم محمد ﷺ وطائفة أخرى تقول: بل هو صريح اسم محمد ﷺ ويدل عليه أن الألفاظ العبرانية قريبة من الألفاظ العربية. فإذا أخذت لفظة "مؤذ مؤذ" وجدتها أقرب شيء للفظة محمد ﷺ ويدل على ذلك الباء؛ إذ لا يقال: أعظمه جدا جدا، بخلاف أعظمه بمحمد. وكذلك كان، فإن إسماعيل ﵇ قد عظم بمحمد ﷺ وازداد شرفا وتعظيما. ثم نقل عن ابن قتيبة قوله: وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: إن "مئذ مئذ" هو محمد ﷺ وهو بكسر الميم والهمزة، بعضهم يفتح الميم ويدنيها من الضمة. اهـ.стр. 87
الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة فقد بطل اعتراضهم١.
الحواشي
(١) ١ تضمن البابان السابع عشر والحادي والعشرون من سفر التكوين وعدا من الله سبحانه لإبراهيم ﵇ في حق ولديه إسماعيل وإسحاق ﵉ بأن يباركهما. وتضمن البابان السادس عشر والحادي والعشرون من السفر نفسه وعدا لهاجر ببركة إسماعيل إيضا. وقد فسرت التوراة البركة بأنها تعني أمما وملوكا على الشعوب من نسل إسماعيل وإسحاق.
وقد تحقق الوعد لإسحاق فكثر نسله، واصطفى الله من ذريته موسى ﵇ برسالاته وكلامه. وقام من بعده من بني إسرائيل بالدعوة أنبياء وعلماء وملوك. هذه بركة إسحاق. فما بركة إسماعيل؟
إن علماء المسلمين يقولون: إنها كبركة إسحاق، تعني أمما وملوكا ونبوة وتشريعا. وعلماء أهل الكتاب يقولون: إنه كبركة إسحاق غير أنها لا تعني سوى الأمم والملوك من ذريته. أما النبوة والتشريع فلا.
وهذا تعسف واضح؛ إذ كيف يكون هذا، ومفهوم البركة لهما واحد لم يرد عليه استثناء لأحدهما؟ إن الله لا يصطفي أمما وملوكا، ويتركهم بدون هدى منه. بل كيف يصطفي أمة من ذرية مبارك، ولا ينزل عليها كتابا ينظم حياتها وعبادتها؟! وكيف يستخلص ملوكا، ولا يعطيهم شريعة يسوسون بها شعوبهم؟!
وإذا ماشينا أهل الكتاب، فمتى تحققت هذه البشارات، وكانت الملوك والأمم في ذرية إسماعيل؟ إنه من المقطوع به أنه لم يأت من صلب إسماعيل من بورك وعظم وكان لشعب كبير غير محمد ﷺ وأن أولاده من بعده لم يكونوا متصرفين في معظم الأمم، ولم يظهر فيهم الملك إلا بعد بعثة محمد ﷺ حيث ظهرت أمته على سائر الأمم =стр. 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكانت الخلافة من بعده في قريش.
فإذا لم يكن محمد ﷺ نبيا فهو ملك. وقد علم الخاص والعام أنه أخبر عن نفسه أنه رسول الله إلى الناس كافة وخاتم النبيين. فإن كان صادقا عدلا، فقد وجب الإيمان به. وإلا فكيف تكون البشرى لهاجر وإجابة دعاء إبراهيم بملك ظالم جبار متسلط؟ لا سيما إذا ادعى النبوة، فإنه يكون شرا من ملك ظالم لم يدع النبوة، ولم يفتر على الله الكذب. أية بشارة تكون لهاجر وإبراهيم بولد طاغية؟ وأين البركة الممنوحة لإسماعيل؟ ومتى تحققت؟
وصفوة القول: إن البركة التي تعني أمما وملوكا ونبوة وتشريعا، والتي وعد الله بها إبراهيم وهاجر في ابنهما إسماعيل لم تتحقق إلا بنوة محمد ﷺ فدل على أنه هو المبشر به وأن رسالته عالمية. انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٣١٢ - ٣١٣، الجواب الصحيح ٣/ ٣١١ - ٣١٤ و١/ ١٨٠، هداية الحيارى ص٥٤٢ و٥٤٤ - ٥٤٥ و٦٣٤، الأجوبة الفاخرة ص١٦٣ و١٦٥، تحفة الأريب ص١٣٤، إظهار الحق ٢/ ٢٥١، قصص الأنبياء ص٢٩٣، محمد رسول الله لبشرى ص٧٤، هذا ومن أطرف التعنت ما جاء في حاشية الكتاب المقدس المطبوع بيروت عام ١٩٨٣م على الفقرة ٢١/ ١٤: بين بولس المعنى السري فيما فعل إبراهيم مع سارة وهاجر؛ إذ قال عن سارة: إنها رمز الكنيسة، وعن هاجر: إنها رمز مجمع اليهود. فلذلك يدل إسماعيل على اليهود الذين كفروا بالمسيح، وإسحاق على المؤمنين بمخلص العالم. اهـ. ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.стр. 89
[افتراءات اليهود]:
إبطال ما يدعون من محبة الله تعالى إياهم:
هم يزعمون أن الله يحبهم دون جميع الناس، ويحب طائفتهم وسلالتهم، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله تعالى إلا منهم١.
الحواشي
(١) ١ وقد حكى الله في القرآن الكريم ادعاءهم هذا ورد عليهم؛ فقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨].
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٥].
وقال تعالى مخاطبا مشركي العرب وأهل الكتاب: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤]. =стр. 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال ﷻ : ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٢، ١١٣].
ولنر الآن تبيان قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
جاء في سفر الخروج ١٩/ ٥ - ٦: فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون له خاصة من بين جميع الشعوب، فإن لي كل الأرض. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة.
وجاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٩/ ١ - ٢: وكلم الرب موسى قائلا: كلم كل جماعة بني إسرائيل، وقل لهم: تكونون قديسين؛ لأني قدوس الرب إلهكم.
٢٠/ ٢٤: وقلت لكم: ترثون أنتم أرضهم .. أنا الرب إلهكم الذي ميزكم من الشعوب.
٢٠/ ٢٦: وتكونون لي قديسين، لأني قدوس أنا الرب، وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي.
وجاء في سفر التثنية ٧/ ٦: لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب الذين هم على وجه الرض.
٧/ ٧ - ٨: ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم لأنكم أقل من سائر الشعوب. بل من محبة الرب إياكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم، أخرجكم الرب بيد شديدة ...
٧/ ١٢ - ١٣: ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظون وتعملونها، يحفظ لك إلهك العهد .. ويحبك ويباركك ويكثرك.
٧/ ١٤: مباركا تكون فوق جميع الشعوب. =стр. 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وجاء في ٩/ ٢٩: وهم شعبك وميراثك الذي أخرجته بقوتك العظيمة وبذراعك الرفيعة.
وجاء في ١٠/ ١٥: ولكن الرب إنما التصق بآبائك ليحبهم، فاختار من بعدهم نسلهم الذي هو أنتم فوق جميع الشعوب كما في هذا اليوم.
وجاء في ١٤/ ١ - ٢: أنتم أولاد للرب إلهكم، لا تخمشوا أجسامكم ولا تجعلوا قَرَعة بين أعينكم لأجل ميت؛ لأنك شعب مقدس للرب إلهك، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبا خاصا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض.
١٤/ ٢١: لا تأكلوا جثة ما. تعطيها للغريب الذي في أبوابك فيأكلها أو يبيعها لأجنبي. لأنك شعب مقدس للرب إلهك.
وجاء في ٢٦/ ١٧ - ١٨: قد واعدت الرب أن يكون لك إلها، وأن تسلك في طرقه، وتحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وتسمع لصوته. وواعدك الرب اليوم أن تكون له شعبا خاصا كما قال لك، وتحفظ وصاياه.
٢٦/ ١٩: وأن يجعلك مستعليا على جميع القبائل التي عملها في الثناء والاسم والبهاء، وأن يكون شعبا مقدسا للرب إلهك. كما قال.
وجاء في ٢٨/ ١ - ٤: وإن سمعت سمعا لصوت الرب إلهك ... يجعلك الرب إلهك مستعليا على جميع قبائل الأرض. وتأتي عليك جميع هذه البركات وتدركك إذا سمعت لصوت الرب إلهك. مباركا تكون في المدينة ومباركا تكون في الحقل، ومباركة تكون ثمرة بطنك ...
٢٨/ ٩ - ١١: يقيمك الرب لنفسه شعبا مقدسا كما حلف لك إذا حفظت وصايا الرب إلهك، وسلكت في طرقه. فيرى جميع شعوب الأرض أن =стр. 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = اسم الرب قد سمي عليك ويخافون منك. ويزيدك الرب خيرا في ثمرة بطنك وثمرة بهائمك.
ولا ريب في أن الله سبحانه فضلهم على عالمي زمانهم كما جاء في القرآن، وكان هذا التفضيل مشروطا بطيبهم وستقامتهم كما دلت بعض النصوص عليه، فإذا غيروا غير الله حالهم. بيد أنهم لفرط جهلهم ولقساوة قلوبهم فرحوا بالوعد، ونسوا الشرط، فظنوا أنهم شعب الله المختار. بل أبناء الله وأحباؤه. وافتروا على الله الكذب، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون. ويدل على ذلك ما يلي:
جاء في سفر التثنية ٨/ ١٩ - ٢٠: وإن نسبت الرب إلهك، وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها، أُشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة. كالشعوب الذين يبيدهم الرب من أمامكم، كذلك يبيدون؛ لأجل أنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم.
وجاء في ١١/ ٢٦ - ٢٨ من السفر نفسه: انظر أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة: البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم، وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها.
وجاء في ٢٨/ ١٥: ولكن إذا لم تسمع لصوت الرب إلهك ... تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك.
٢٨/ ٣٢: يُسلم بنوك وبناتك لشعب آخر، وعيناك تنظران إليهم ...
٢٨/ ٤٣ - ٤٤: الغريب الذي في وسطك يستعلي عليك متصاعدا، وأنت تنحط نازلا. هو يكون رأسا وأنت تكون ذنبا. اهـ.
وهذا ما حصل، فغضب الله عليهم ولعنهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة. وما من أمة إلا وقصدهم أشد القصد. ولم يروا العدل إلا في بلاد المسلمين؛ ولذلك يكافئونهم اليوم على حسب جبلتهم.стр. 93
ونحن نناظرهم على ذلك، فنقول لهم: ما قولكم في أيوب النبي ﵇؟ أتقرون بنبوته؟ فيقولون: نعم١.
فنقول لهم: ما تقولون في جمهور بني إسرائيل؟ أعني: التسعة أسباط والنصف الذين أغواهم برعام بن نباط الذي خرج على ولد سليمان بن داود، ووضع لهم الكبشين من الذهب، وعكف على عبادتهما جماعة من بني إسرائيل وأهل جميع ولاية دار ملكهم الملقبة يومئذ شومرون، إلى أن جرت الحرب بينهم وبين السبطين والنصف الذين كانوا مؤمنين مع ولد سليمان ببيت المقدس، وقتل منهم في معركة واحدة خمسمائة ألف إنسان. فما تقولون في أولئك القتلى بأسرهم؟ وفي التسعة أسباط والنصف؟ هل كان الله يحبهم لأنهم إسرائيليون؟
فيقولون: لا؛ لأنهم كفار٢.
الحواشي
(١) ١ أيوب ﵇ نبي من ذرية العيس بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ وبنو العيس هم الروم. وأهل الكتاب يقرون بنبوته مع أنه ليس من بني إسرائيل، بل من إخوتهم. وهم ينسبون له سفرا في العهد القديم يسمونه باسمه. ويتكون من ثلاثة وأربعين بابا. مطلعه ١/ ١: كان رجل في أرض عَوْض اسمه أيوب، وكان هذا الرجل كاملا ومستقيما، يتقي الله ويحيد عن الشر.
وغاية المؤلف ﵀ من ذكره أن يقيم الحجة على اليهود بأن الخير والفضل لا يختصان بهم.
٢ بعد وفاة سليمان ﵇ أعلن ابنه رَحُبعام نفسه ملكا على اليهود، وبايعه سبطا يهوذا ونيامين في أورشليم. لكن تم تدبير المؤامرة في شكيم -نابلس- فإنه لما اتجه إليها لأخذ البيعة من سائر الأسباط =стр. 94
فنقول لهم: أليس عندكم في التوراة أنه لا فرق بين الدخيل في دينكم وبين الصريح النسب منكم؟
الحواشي
(١) = اجتمعوا عليه وطلبوا منه تخفيف الوطأة التي سار عليها أبوه، فرفض بشدة؛ لأنه كان يريد أن يقيم كلام الله. فأبوا مبايعته، وبايعوا يربعام بن نباط الذي أراد سليمان قتله فهرب إلى مصر. وكانوا قد استدعوه. ولما رجع رحبعام إلى أورشليم جهز جيشا من السبطين لقتالهم؛ لكن شمعيا الذي كانوا يرونه نبيا نهاهم عن قتال بعضهم فأطاعوه، وهكذا انقسمت المملكة إلى مملكتين: جنوبية اسمها يهوذا، وعاصمتها أورشليم، وشمالية اسمها إسرائيل، وعاصمتها شكيم في جبل أفرائيم، وكانت أوسع رقعة من تلك.
وخاف يربعام أن يعود الناس إلى رحبعام إذا ذهبوا ليقربوا الذبائح في أورشليم، فصنع عجلين من ذهب، ونادى فيهم: هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر. ثم وضع أحدهما في بيت إيل والآخر في دان. وأقام لهما كهنة من غير سبط لاوى، ثم حدد لهم عيدا، وأمرهم بتقديم الذبائح للعجلين. وكانت تنشب حروب بسيطة بين الدولتين. ثم مات رحبعام وخلفه ابنه أبيا. انظر: الباب "٢" من سفر الملوك الأول والبابين "١٠" و١١ و١٢/ ١٥ - ١٦ من سفر أخبار الأيام الثاني.
ثم نشبت حرب بين أبيا وبين يربعام. قد حشد أبيا جيشا من جبابرة القتال عدده أربعمائة ألف مختار، فحشد يربعام بدوره ثمانمائة ألف مختار -أخبار الأيام الثاني ١٣/ ١ - ٣ - لكن يربعام جعل الكمين يدور ليأتي من خلفهم. وفوجئ رجال يهوذا، فاستغاثوا بالرب، فضرب الله يربعام وكل إسرائيل، ودفعهم الله ليد أبيا وقومه فسقط منهم قتلى خمسمائة ألف مختار -منه ١٣/ ١٣ - ١٨.стр. 95
فيقولون: بلى؛ لأن التوراة ناطقة بهذا: "ككيركا از كاخيم بيهي لقي أدوناي". تفسيره: إن الأجنبي والصريح النسب سواء بينكم عند الله.
"توراحات ومتنفاط إيحاد يهي لاخيم ولكيرهكار بنو ححيم". تفسيره: شريعة واحدة وحكم واحد يكون لكم وللغريب الساكن فيما بينكم١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٩/ ٣٣ - ٣٤: وإذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه. كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم، وتحبه كنفسك ...
وجاء في ٢٤/ ١٦ من السفر نفسه: ومن جدَّف على اسم الرب فإنه يقتل. يرجمه كل الجماعة رجما. الغريب كالوطني عندما يجدف على الاسم يقتل.
وجاء في سفر العدد ٩/ ١٤: وإذا نزل عندكم غريب فليعمل فصحا للرب. حسب فريضة الفصح وحكمه كذلك يعمل. فريضة واحدة تكون لكم: للغريب ولوطني الأرض.
وجاء في ١٥/ ١٣: كل وطني يعمل هذه هكذا لتقريب وقود رائحة سرور للرب.
١٥/ ١٤: وإذا نزل عندكم غريب أو كان أحد في وسطكم في أجيالكم وعمل وقود رائحة سرور للرب، فكما تفعلون كذلك يفعل.
١٥/ ١٥: أيتها الجماعة لكم وللغريب النازل عندكم فريضة واحدة دهرية في أجيالكم. مثلكم يكون مثل الغريب أمام الرب.
١٥/ ١٦: شريعة واحدة وحكم واحد يكون لكم وللغريب النازل عندكم.
١٥/ ٢٩: للوطني في بني إسرائيل وللغريب النازل بينهم تكون =стр. 96
فإذا اضطررناهم إلى الإقرار بأن الله لا يحب الضالين منهم، ويحب المؤمنين من غير طائفتهم، ويتخذ أولياء وأنبياء من غير سلالتهم. فقد نفوا ما ادعوه من اختصاص محبة الله لطائفتهم من بين المخلوقين.
الحواشي
(١) = شريعة واحدة للعامل بسهو.
وجاء في سفر التثنية ١٦/ ١٤: وتفرح في عيدك أنت وابنك وعبدك وأمتك واللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابك.
٢٦/ ١١: وتفرح بجميع الخير الذي أعطاه الرب ألهك لك ولبنيك، وأنت واللاوي والغريب الذي في وسطك.
هذه هي أبرز النصوص التي تسوي بين بني إسرائيل وبين غيرهم في الحكم أمام الله سبحانه. وقد كان فيهم الملوك العصاة والمرتدون وقاتِلو الأنبياء كما نطقت بذلك التوراة. فهل هؤلاء أفضل ممن آمن بالله وعمل صالحا من غير بني إسرائيل مثل أيوب ومن تبعه؟! يكفي في الرد عليهم ما جاء في التوراة من وصفهم بالإفلاس من الفطنة والرأي، وأنهم شرذمة شريرة وشعب صلب الرقبة. انظر الحاشية الأخيرة في البحث المتقدم "الموضع الذي أشير فيه إلى نبوة الكليم والمسيح والمصطفى ﵈" ص٧٣.стр. 97
فصل في ذكر طرف من كفرهم وتبديلهم:
إن سبيل ذوي التحصيل أن يجتنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح في العقول السليمة، ورجح زيفه عند الأفهام المستقيمة. ولهذه الطائفة من الفنون الضلالية ما تنبو عن مثله العقول، ويخالفه المشروع والمعقول.
فمن ذلك: أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم، وعلمهم بالغضب الممدود عليهم. يقولون كل يوم في صلواتهم: إنهم أبناء الله وأحباؤه. وذلك قولهم كل يوم في الصلاة: "اهباث عولام أهبثانو أدوناي الوهينو" تفسيره: الدهر أحببتنا يا إلهنا.
"هثبيو أبينو الترورأثخينا" تفسيره: ارددنا يا أبانا إلى شريعتك.
"أبينو ملكينو الوهينو" تفسيره: يا أبانا يا ملكنا يا إلهنا.
"أنا أدوناي أبينو اكوالينوا" تفسيره: أنت اللهم أبونا منقذنا.
"وايث كل رود في يانخا واويبي عدا شخاكوالام كساموا أيام إيحاد ميهم لونوا أثار" تفسيره: وجميع الذين اقتفوا أثر نيبك، وأعداء جماعتك كلهم غطاهم البحر، واحد منهم لم يبق ١.
ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم بالشوك المحيط
الحواشي
(١) ١ هذه الصلاة يسمونها محبة الدهر كما ذكر ابن القيم في هداية الحيارى ص ٦١٣.стр. 98
بأعالي حيطان الكرم. وهذا من قلة عقولهم ونظرهم. فإن المعتني بمصالح الكرم، إنما يجعل على حيطانه الشوك حفظا وحياطة للكرم. ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار. وذلك مبطل لقولهم١.
وينتظرون قائما يأتيهم من نسل داود، وإذا حرك شفتيه بالدعاء مات
الحواشي
(١) ١ سيذكر المؤلف ﵀ في آخر هذا الفصل أنه ما من أمة من الأمم إلا وقصدهم أشد القصد، وبالغ في طلب استئصالهم وخراب بلادهم إلا المسلمين. وأشد ذلك ما نالهم من ملوكهم المرتدين.
وسبب هذه الغطرسة أن اليهود غرهم ما افتروا على الله في دينهم من أنهم أبناء الله وأحباؤه. وبالغوا مستندين إلى النصوص المذكورة في الحاشية الأولى من الفصل السابق "إبطال ما يدعون من محبة الله إياهم" بالغوا في بيان فضلهم واختيارهم، فذكروا أن الفرق بينهم وبين سائر الأمم كالفرق بين الإنسان والحيوان، وأن الناس مسخرون لهم كما أن الحيوان مسخر للإنسان. وقد قرروا أيضا أن لليهود وحدهم الحياة الأبدية، وأن أرواحهم من روح الله دون سائر الناس. ويزعمون أن هذا سيتحقق عند مجيء المسيح المنتظر كما سيأتي قريبا.
وتتجلى هذه الأفكار ويظهر تطبيقها والعمل بمقتضاها في كتاب الخطر الصهيوني "بروتوكولات حكماء صهيون". ويؤيد ذلك ما ذكره المفكر الجزائري مالك بن نبي ﵀ من أنه كان في متجر في باريس يشتري بعض الحاجات، فدخلت امرأة جزائرية من قسنطينة، ومعها ولد لها يبكي فزجرته أمه بلهجة تلك البلدة التي تشبه لهجة يهود الجزائر. فما إن سمعتها امرأة أخرى كانت قابعة هناك حتى اقتربت منها وسلمت عليها بتلك اللهجة، وقالت لها مشيرة إلى الشعب الفرنسي: الحمد لله الذي سخر لنا هذه الأبقار. ظانة إياها أنها يهودية مثلها.стр. 99
جميع الأمم، ولا يبقى إلا اليهود. وهذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به. وقد كانت الأنبياء ﵈ ضربوا لهم أمثالا أشاروا بها إلى جلالة دين المسيح ﵇ وخضوع الجبارين لأهل ملته، وإتيانه بالنسخ العظيم. فمن ذلك قول إشعياء في نبوته: "وغار زائب عم كبيش يحذا ويربضوا شنيهم وفارا واذوب ترعينا وارياء كبار قارا بوخل تبين" تفسيره: إن الذئب والكبش يرعيان جميعا، ويربضان معا، وإن البقرة والدب يرعيان جميعا، وإن الأسد يأكل التبن كالبقرة١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر إشعياء ١١/ ١ - ٥: ويخرج قضيب من جذع يسَّى، وينبت غصن من أصوله. ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب، فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه، والأمانة منطقة حقويه.
١١/ ٦ - ١٠: فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معا، وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان، تربض أولادهما معا، والأسد كالبقر يأكل تبنا. ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوؤن ولا يفسدون في كل جبل قدسي؛ لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تعطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب، إياه تطلب الأمم، ويكون محله مجدا.
١١/ ١١: ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت ... =стр. 100
فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية دون معانيها العقلية، فتولوا عن الإيمان بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد يأكل التبن، وتصح لهم حينئذ العلائم بمبعث المسيح.
ويعتقدون أيضا أن هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى
الحواشي
(١) = ١١/ ١٢ - ١٦: ويرفع راية للأمم، ويجمع منفي إسرائيل، ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض. فيزول حسد أفرايم، وينقرض المضايقون من يهوذا. أفرايم لا يحسد يهوذا، ويهوذا لا يضايق أفرايم. وينقضان على أكتاف الفلسطينيين غربا، وينهبون بني المشرق معا ... ويبيد الرب لسان بحر مصر، ويهز يده على النهر بقوة ريحه ويضربه إلى سبع سواق، ويحيز فيها بالأحذية. وتكون سكة لبقية شعبه التي بقيت من أشور، كما كان لإسرئيل يوم صعوده من أرض مصر.
وجاء في ٦١/ ١ - ٣: روح السيد الرب علي؛ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي للمسببين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة مقبولة للرب، وبيوم انتقام لإلهنا، لأعزي كل النائحين. لأجعل لنائحي صهيون، لأعطيهم جمالا عوضا عن الرماد، ودهن فرح عوضا عن النوح ورداء نسيج عوضا عن الروح اليائسة ...
٦١/ ٤ - ٦: ويبنون الخِرب القديمة ... ويقف الأجانب، ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حراثيكم وكرَّاميكم. أما أنتم فتدعون كهنة الرب، تسمون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون.
وجاء في سفر صموئيل الثاني ٧/ ١١ - ١٣: والرب يخبرك أن الرب يصنع لك بيتا متى كلمت أيامك، واضطجعت مع آبائك. أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبتت مملكته. هو يبني بيتا لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد.стр. 101
القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالم من سواهم، فيحجم الموت عن جنابهم المدة الطويلة. وسبيلهم أن يعولوا على متابعة الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها؛ ليعلموا وقت أكلها إياه١.
الحواشي
(١) ١ يرى بعض العلماء أنه نتيجة لما لاقاه اليهود من اضطهادات نشأت عندهم عقيدة المخلص الذي سيجيء ليعيد مجد إسرائيل، ويجمع أشتات اليهود بفلسطين. وقد أطلقوا عليه اسم النبي أو المسيح المنتظر. وكلمة مسيح معناها عندهم: الممسوح بزيت البركة المقدس؛ لأنهم كانوا يمسحون الملوك والأنبياء والكهنة عند تقليدهم المناصب، كما مسح صموئيل كلا من شاؤل وداود بالزيت ملكا بأمر الرب. ويظهر -والله أعلم- أنهم إنما أطلقوا عليه هذا اللقب ليظهروا للعالم أنه سيكون من بني إسرائيل.
ويرى بعضهم أيضا أن هذه الفكرة إنما برزت لهم بعد سقوط دولتهم وخلال أسرهم في بابل، ثم تبلورت بعد خضوعهم للفرس. مما دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن هذه الفكرة مستعارة من الديانة الزرداشتية التي يدين بها الفرس. اليهودية لأحمد شلبي ص٢١٦ و٢١٨ - ٢١٩.
ومن الطريف في ذلك ما كتبه العالم اليهودي الدكتور رافائيل باتاي في الصلاة المدراشية التالية: "وعندما لفَّت أعمدة الله الهيكل صعد ثلاثة كهنة شبان إلى السطح، وألقوا بمفاتيح بيت الله نحو السماء، فامتدت يد نزولا، والتقطت المفاتيح. قال الكهنة: إلى متى أدوناي إلى متى؟ فقال صوت سماوي: لا أكثر من يومين يا أولادي. فعرفوا عنذئذ أن سبي الشخينة وتشتيت إسرائيل سيدوم ألفين من السنين؛ إذ مكتوب -أي في المزمور ٩٠/ ٤ بروتستانت-: لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عبر. فقالوا له: يا سيد الكون، كيف يستطيع بنو إسرائيل تحمل ألفي سنة من العذاب؟ فقال لهم: سأعطيهم شعاعا من =стр. 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = النور يضيء ليل تشتيتهم، سأعطيهم من لن يشاهدوا أبدا، لكنهم سيشعرون بوجوده في كل الأوقات، من لن يأتي أبدا، لكنه سيكون على وشك القدوم دوما من سيفتشون عنه، لكنه يوجد في قلوبهم فقط سأعطيهم إياه، وهو لن يكون أبدا، ولكنه سيساعدهم على البقاء، سأعطيهم المسيح المنتظر. التوراة بين الوثنية والتوحيد لسهيل ديب ص١١٧ - ١١٨.
وأنت ترى أن هذا النص يجمع بين الإيمان العميق والرفض المطلق. وهو يعبر عن الحيرة والقلب اللذين سيطرا على المفكرين من اليهود في عصرنا هذا.
ويظهر -والله أعلم- أن فكرة النبي أو المسيح المنتظر ليست مستعارة لا من الزرداشتية ولا من غيرها؛ بل إنما هي فكرة أصيلة في عقيدة بني إسرائيل؛ فقد بشرت الأنبياء جميعا -ومنهم أنبياء بني إسرائيل- بنبي يأتي في آخر الزمان من ذرية إسماعيل بشريعة عامة شاملة عادلة فيجاهد الكفار ويؤيده الله بنصره فيمتد دينه، وتسود شريعته وهو خاتم الأنبياء، بيد أن دينه وأمته لا ينقرضان إلى قيام الساعة؛ لكن أحبار اليهود حرفوا النصوص ولعبوا فيها على مقتضى أهوائهم التي تحتقر غيرهم -ولا سيما ذرية إسماعيل- ومن هنا بدأ اللبس واختلط السم بالدسم.
وكان الله سبحانه قد بشر بني إسرائيل أيضا بالمسيح ابن مريم ﵇ على ألسنة أنبيائه من لدن موسى إلى من بعد داود من الأنبياء ﵇ وأكثر الأنبياء به تبشيرا داود ﵇ فكانت اليهود تنتظره بشغف بالغ رجاء أن يحررهم من نير القهر والغلبة. ومما لا شك فيه أن الأنبياء ذكروا عودته الثانية إلى الأرض قبل قيام الساعة ومحاربته للمسيح الدجال وقتله إياه، وانتصاره على سائر الكفرة بجهاده =стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ودعائه، وإقامته حكم الله في الأرض. لكن بسبب فقدان التوراة وسائر كتب الأنبياء الحقيقية، ووجود النصوص المضطربة والمحرفة، بالإضافة إلى من يريدون طمس الحقائق، حدث سوء الفهم الموجه لدى عامة بني إسرائيل، فالتبست مهمة المسيح ابن مريم قبل رفعه إلى السماء بمهمة غيره ممن أمر بالجهاد، وبمهمته أيضا بعد عودته. الأمر الذي جعل سواد اليهود ينتظرون مسيحا سياسيا وبطلا عسكريا، يعبئ طاقاتهم للبطش بأعدائهم.
وتهيأ الرأي العام اليهودي لهذا المسيح، وطال الانتظار. فمنذ العودة من السبي كانوا ينتظرون عهد الله بإقامة الدولة اليهودية على يد المسيح المنتظر. وكانت عقيدتهم به تتجدد كلما ألمت بهم النوائب وحاقت بهم المحن.
وجاء المسيح ابن مريم ﵇ يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وينادي بالخلاص الروحي وتطهير النفس ونحو ذلك. فكذبوه وطردوه ظانين أنه ليس الذي بُشروا به، بحجة أن المبشر به تؤمن به الأمم كلها. وهموا بقتله مرارا إلى أن أجمعوا على القبض عليه وقتله، فصانه الله وأنقذه من أيديهم. الجواب الصحيح ٣/ ٣٢٤ و٣٩٣، هداية الحيارى ص٦٤٢، اليهودية لأحمد شلبي ص٢٢٠ و٢٢٢، الشرائع الدينية ص١٢٤، مَن هو المسيح؟ ص٢٣ - ٢٤.
والنصارى يحملون جميع بشارات العهد القديم على المسيح ابن مريم ﵇ ويتأولون ما لا ينطبق عليه ولا على زمانه بتأويلات سخيفة، ومن ذلك قولهم عما جاء في سفر إشعياء الباب الحادي عشر: "يتضمن هذا الفصل وصف أزمان المسيح وما يكون فيها من السعادة والدعة، وهو المراد بهذا الملك الذي سيخرج من أرومة داود، وينشر العدل والسلام، وترتد إليه الأمم الوثنية، ويجتمع تحت رايته المشتتون =стр. 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من بني إسرائيل من كل وجه الأرض. فيصيرون تحت سلطان مملكة -أي روحية- مقتدرة. انظر حاشية الكتاب المقدس المطبوع عام ١٩٨٣م ببيروت.
قال ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦١: وقد جاء في كتب الأنبياء من علامات المسيح وما يكون في زمانه ما لم يظهر في يشوع ولا في زمانه. مثل ما جاء في كلام بعضه أنه يضرب الأرض بسوط فيه، وبريح شفتيه يميت الخاطئ، وأنه يجلس على منبر داود، فيقضي بين الناس بعدل وحق. وأن الحروب ترتفع، ولا يرفع أحد على أحد سيفا، وأن الذئب والكبش يربضان معا، ويرعيان جميعا، وأن الأسد يأكل التبن مع البقر ...
ثم قال: وهذا إن كان على ظاهره فلم يجر ولم يقع في أيام يشوع ولا بعده، وإن كان مثلا، فهو مثل لارتفاع الشرور من العالم وزوال العدوان من بين الخلق. ولم يجر في زمانه إلا خلاف ذلك من زيادة العداوة بين الناس بسبب ظهوره، وارتكابهم الذنوب العظيمة فيه وفي أصحابه. اهـ.
ولا يزال اليهود حتى يومنا هذا ينتظرون مسيحهم الذي يجعل بالقوة من أورشليم محور العالم، ويقيم الموتى ويرعى الشعوب بقضيب موسى. وقد تعداهم السعد. فلهذا إذا خرج المسيح الدجال يضل الناس بما استدرجه الله من قدرات اتبعوه وكانوا جنده.
قال ابن تيمية في الجواب الصحيح ١/ ١٧٧ و٣/ ٢٩٣ و٣٢٤ وابن القيم في هداية الحيارى ص٥٨٥: واليهود في الحقيقة إنما ينتظرون المسيح الدجال الذي حذرت منه الأنبياء. فإنه هو الذي ينتظرون حقا. وهم عسكره وأتبع الناس له. ويخرج معه سبعون ألف مطيلس من يهود أصبهان. ويكون لهم في زمانه شوكة ودولة إلى أن ينزل =стр. 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مسيح الهدى ابن مريم، فيقتل منتظرهم المسيح الدجال، ويضع هو وأصحابه السلام فيهم، كما ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة. اهـ.
فظهر أن كلا من اليهود والنصارى والمسلمين ينتظر مسيحا في آخر الزمان: فمسيح اليهود هو الأعور الدجال كما سلف.
ومسيح النصارى لا حقيقة له؛ لأنه عندهم إله تام من إله تام من جوهر أبيه. ينزل في آخر الزمان ليدين الناس يوم القيامة. وكانوا يظنون أن هذا سيكون قبل موت جميع الحواريين. بل إن بعضهم ليشهد ذلك. ولكن مات الحواريون ومضى على ميلاده قرابة ألفي عام، ولم يأت في ملكوته ليدين الناس.
أما المسيح الذي يؤمن به المسلمون، فهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه ليس غير. وقد صح في الأخبار عن سيد الأبرار ﷺ أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق على جناحي ملكين، فيقتل مسيح الضلالة على بضع عشرة خطوة من باب لد، ويظهر دين الله وتوحيده، ويقتل أعداءه الذين رموه وأمه بالعظائم، وأعداءه الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله. وتعود الملل في زمنه ملة واحدة، ألا وهي دين الإسلام ملة إبراهيم وسائر الأنبياء ﵈ وقد أخبر النبي ﷺ عن حاله وقت نزوله، وعن ملبسه الذي عليه، وأخبر بما يفعله بعد نزوله بالتفصيل. وأوصى من أدركه من أمته أن يقرأ ﵇ منه. ومما ورد في ذلك ما يلي:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ =стр. 106
وأيضا، إنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة يقولون في صلاتهم: "ألوهيبود ألوهي ايوثينو ملوخ على كل يوشي تبيل ارصيحا ويوماركول اشبرنشا ماباقو أدوناي الوهي يسرائيل ملاخ وملخوثو ايلول ماشالا" تفسيره: يا آلهنا وإله آبائنا املك على جميع أهل الأرض ليقول كل ذي نسمة: الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطنة.
ويقولون في هذه الصلوات أيضا: "وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحد". ويعنون بذلكأنه لا يظهر أن الملك لله إلا إذا صارت الدولة إلى اليهود الذين هم أمته وصفوته. فأما ما دامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه مشكوك في قدرته. فهذا معنى قولهم: "اللهم املك على جميع أهل
الحواشي
(١) = أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ .... ﴾ الآية، أخرجه الشيخان والترمذي.
وفي رواية لمسلم: "والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية ولتتركن القلاص -أي النوق- فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد".
وفي رواية أبي داود: "ليس بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين -أي ثوبين فيهما صفرة خفيفة- كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل. فيقال: الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال. ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون".стр. 107
الأرض"، ومعنى قولهم: "وسيكون الملك لله"١.
ومما ينخرط في هذا السلك قولهم: "لا ما يومر وهو كوييم إلى أنا ألوهيم". تفسيره: لِمَ تقول الأمم: أين إلههم؟ وقولهم: "عور إلا ما يثشنان أدوناي هاقيصا مشاثيخا". تفسيره: انتبه لِمَ تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك٢.
الحواشي
(١) ١ والصلاة التي يرددونها كثيرا هي: "فليتمجد وليتقدس اسم الرب العظيم في كل العالم الذي خلقه حسب مشيئته، وليتحقق ملكه في أثناء حياتكم وخلال أيامكم، وفي أثناء حياة كل بني إسرائيل بسرعة وبالقريب العالج. آمين".
انظر: التورة تاريخها وغاياتها تعريب سهيل ديب ص٤٣، وهو ينقل عن كتاب "الصلاة للسبت والأعياد".
٢ جاء في سفر الملوك الثاني ١٩/ ١٥ - ١٦: وصلى حزقيا أمام الرب وقال: أيها الرب إله إسرائيل ... أمل يا رب أذنك واسمع. افتح يا رب عينيك وانظر. واسمع كلام سنحاريب الذي أرسلته ليعير الله الحي.
ومما جاء من وقاحتهم مع الله وخطابهم إياه على وجه يتنافى مع التنزيه ما يلي:
جاء في سفر نحميا ١/ ٦: لتكن أذنك مصغية، وعيناك مفتوحتين لتسمع صلاة عبدك ..
وجاء في المزمور ٨٩/ ٣٨ - ٣٩ في مخاطبتهم لله تعالى: لكنك رفضت ورذلت، غصبت على مسيحك. نقضت عهد عبدك، نجست تاجه في التراب.
٨٩/ ٤٦: حتى متى يا رب تختبئ كل الاختباء؟
وجاء في إشعياء ٦٣/ ١٧: لماذا أضللتنا يا رب عن طرقك؟ قسَّيت قلوبنا عن مخافتك؟ ارجع من أجل عبيدك.
وجاء في دانيال ١٩/ ١٨: أمل أذنك يا إلهي واسمع، افتح عينيك وانظر خربنا والمدينة التي دُعي اسمك عليها.
وجاء في إرمياء ٤/ ١٠: فقلت: آه يا سيد الرب، حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا: يكون لكم سلام. وقد بلغ السيف النفس.стр. 108
وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار، وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا. فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع من الزندقة والهذيان الذي لا تستحسنه إلا عقولهم الركيكة. فتجرءوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينتخي لهم، ويحمى لنفسه. لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك، فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه، وينخونه للنباهة واشتهار الصيت. فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن كلماته تقع عند الله تعالى بموقع عظيم، وأنه يؤثر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه وينخيه. وهؤلاء على الحقيقة ينبغي أن يُرحم جهلهم وضعف عقولهم.
وأيضا، فإن عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه كرسي منظره كمنظر البلور. ذلك قوله: "وتراءى ألوهي يسرائيل رعلاي كراي كبناث هشيفير وخعيصم هشامايم لاطوهره"١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر الخروج ٢٤/ ٩ - ١١: ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل. ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة. ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل. فرأوا الله، وأكلوا وشربوا.
وفي التوراة السامرية. ونظروا ولي إسرائيل، وتحت رجليه كصنعة =стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حجر المها، وكجرم السماء من النقاء. وإلى جانب بني إسرائيل لم يمد يده. فلما شاهدوا ملاك الله أكلوا وشربوا.
وقد ورد في توراتهم نصوص كثيرة تذكر أن الله ظهر للإنسان فرآه وخاطبه:
فزعموا في سفر التكوين ١٧/ ١ - ٢٢: أن إبراهيم ﵇ رآه. وزعموا في ١٨/ ١ - ٨: أنه رآه وجادله.
بل زعموا في ٣٢/ ٢٤ - ٣٠: أنه ظهر ليعقوب ليلا فتصارعا حتى الصباح، وأبى يعقوب أن يطلقه حتى يباركه، فباركه وسماه إسرائيل. وادعوا في ٣٥/ ٩ - ١٣: أنه رآه مرة آخرى، ثم صعد الله عنه.
وزعموا في سفر الخروج ٣/ ٥ - ٦: أنه ظهر لموسى بينما كان يرعى الغنم في أقصى البرية عند جبل الله، فستر موسى وجهه؛ لأنه خاف أن ينظر إلى وجه الله. بل ادعوا أنه رآه هو وسبعون من شيوخ إسرائيل كما ذكر المؤلف ﵀.
وقد ذكرت القصة في القرآن الكريم في سورة طه "٩ - ٤٨"، وفي سورة الأعراف "١٤٣ و١٤٧ - ١٥٧" وهي خالية من وقوع الرؤية، بل نفتها سورة الأعراف، حتى إن القرآن نفى إمكانية الرؤية في الحياة الدنيا، قال تعالى في سورة الأنعام "١٠٣": ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وقد جاء في سفر الخروج ٣٣/ ١٨ - ٢٣ ما ينفي الرؤية أيضا: "فقال: أرني مجدك. فقال: أجيز كل جودتي قدامك .. وقال: لا تقدر أن تري وجهي؛ لأن الإنسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هو ذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة، وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي. وأما وجهي فلا يُرى".
ومن الجدير بالذكر أن التوراة السامرية في جميع تلك النصوص تذكر أن الرؤية إنما كانت لملائكة الله.стр. 110
ويزعمون أن اللوحين مكتوبان بإصبع الله، ذلك قولهم: "بأصباع ألوهيم"١.
ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم. على أن أحبارهم قد تهذبوا كثيرا عن معتقد آبائهم بما استفادوا من عندهم بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم ما تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقلوها. وصاروا متى سئلوا عنا عندهم من هذه الفضائح استتروا بالجحد والبهتان خوفا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة.
ومن ذلك أنهم ينسبون إلى الله تعالى الندم على ما يفعل:
فمن ذلك قولهم في التوراة التي في أيديهم: "ويناجم أدوناي كي عاشا اث أذام أرض وبتعصيب ال لبو". تفسيره: وندم الله على خلق البشر في الأرض، وشق عليه٢.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر الخروج ٢٤/ ١٢: وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم، ٣١/ ١٨: ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله، ٣٢/ ١٥ - ١٦: فانصرف موسى ولوحا الشهادة في يده، لوحان مكتوبان على جانبهما. واللوحان هما صنعة الله، والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحين.
وقد ورد نحو ذلك في ٣٤/ ١ من السفر نفسه وفي سفر التثنية ٥/ ٢٢ و٩/ ١٠/ ١ - ٢ و١٠/ ٤.
ومن الطريف أن النصارى يزعمون أن الأصبع التي كتبت اللوحين هي التي دق فيها المسمار على الصليب.
٢ جاء في سفر التكوين ٦/ ٥ - ٧: ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شر كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه. فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أني عملتهم.
أي: أن الله سبحانه لم يكن يدرك -على حد قولهم- أن فساد البشر سيكثر بهذا الشكل. فندم على خلقهم بعد أن رأى كثرة شرهم.следующие страницы →