← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10720

أدب المفتي والمستفتي

ابن الصلاح

Полный текст (187 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"س"، نظرًا لقلة أخطائها, ولمطابقتها للمصادر التي اقتبست كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى: ٢- والنسخة الثانية هي نسخة الفاتح تحت رقم: "٢٣٤٧/ ١", وتبدأ من الورقة "١٦١ب-١٨٥أ", فهي تقع في ٢٤ ورقة عدا صفحة العنوان. وفي كل صفحة "٢٠" سطرًا وكتب على صفحة العنوان: "فتاوى ابن الصلاح على مذهب الشافعي". وجاء في الورقة الأخيرة: "ووافق الفراغ من نسخة بعون الله تعالى يوم السبت رابع شهر صفر سنة تسع وثمانين وسبعمائة، على يد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفو ربه وغفرانه المعترف بالذنب والتقصير عبد الله بن محمد بن أبي بكر الخليلي لطف الله تعالى به، وهي نسخة تامة، وجيدة ومقروءة، وعلى بعض صفحاتها حواش كتبت بخط دقيق، وأشار الناسخ إلى دخولها في الأصل، وهذا يدل على تصحيحها بعد النسخ. وقد كتبت رؤوس المواضيع بحروف كبيرة وباللون الأحمر وهي نسخة جيدة، غير أنها لا تخلو من الأخطاء والسقط، وقد أشرت إلى ذلك في تحقيقي للكتاب. ٣- نسخة جور لولو علي باشا تحت رقم ٢٦٦، وتقع في ٣١ ورقة من ضمنها صفحة العنوان. "١أ-٣١ب". وخطها واضح ومقروء ... ورؤوس المواضيع كتبت بخط أحمر وبعضها وضع تحته خط أحمر. وفي كل صفحة من صفحاتها "١٩" سطرًا. وعلى بعض صفحات هذه النسخة حواش كتبت بخط دقيق، وأشار الناس إلى دخول بعضها في الأصل، وهذا يدل على تصحيحها بعد النسخ ... وجاء على صفحة العنوان "جواهر الفتاوى, وآداب المفتي والمستفتي". كما كُبت على هذه الصفحة "قد وقف هذه النسخة الشريفة الوزير الأعظم، والمشير الأفخم علي باشا يسره الله ما يريده وما يشاء طلبًا لنيل مرضاة الله وقفًا صحيحًا شرعيًّا بحيث لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يرهن ولا يخرج من الحجرة التي عنيها حضرت الواقف لحفظ الكتب الموقوفة فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبذلونه إن الله

стр. 37

سميع عليم". ثم وضع عليها ختم "الوزير الأعظم علي باشا بن الحاج محمد أغا عفا الله عنهما، سنة ... "، وجاء في الصفحة الأخيرة "قوبل وصحح من نسخة مصححة عن نسخة المؤلف فصحح بقدر الإمكان بفضل الملك المنان، بأمر مولانا شيخ الإسلام مفتي الأنام فسح الله تعالى في أجله ونفع العالمين بعلمه وعمله، حرره الفقير حسن بن علي الخضر". ٤- نسخة شستربتي تحت رقم "٣٨٥٤"، وتقع في ٢٩ ورقة من ضمنها صفحة العنوان "١أ-٢٩"، وخطها واضح ومقروء ... ورؤوس المواضيع كتبت بخط أحمر، وفي كل صفحة من صفحاتها "٢٣" سطرًا، وعلى بعض صفحات هذه النسخة حواش كتبت بخط دقيق، وأشار الناسخ إلى دخولها في الأصل، وهذا يدل على تصحيحها بعد النسخ. وجاء على صفحة العنوان "آداب المفتي لابن الصلاح"، وجاء في الصفحة الأخيرة "كمل الكتاب وربنا المحمود الوهاب لخمس خلت من شوال سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وصلى الله على محمد نبيه وسلم تسليمًا كثيرًا". وهي نسخة جيدة وقديمة ومشكلة في بعض المواضع. أما صحة نسبة الكتاب إلى ابن الصلاح، فأمر ثابت، فقد ذكرته معظم المصادر التي تحدثت عن ابن الصلاح، كما أن معظم الذين كتبوا في "صفة الفتوى والمستفتي" ممن جاء بعد ابن الصلاح اقتبسوا من الكتاب ... وقد ذكرت هذا في دراسة الكتاب في فقرة "أثر الكتاب فيما بعده واقتباسات الأئمة منه".

стр. 38

المنهج الذي التزمته في التحقيق والدراسة ... المنهج الذي التزمته في التحقيق والدارسة: لما كان الهدف من التحقيق هو نشر النص المحقق وإثبات صحته، لذا فإن عملي في التحقيق تركز على هذا الأمر، ويمكن تلخيص خطتي ومنهجي في النقاط الآتية: ١- نشر نص الكتاب مضبوطًا بالشكل. ٢- المقارنة بين النسخ وإثبات ما هو أولى بالصواب مع اتخاذ نسخة السليمانية كتبخانه أصلا ورمزت لها بحرف "س". ٣- عمل ترجمة مختصرة للأعلام الذين ذكرهم ابن الصلاح في الكتاب. ٤- عزو الآيات القرآنية إلى السور. ٥- تخريج الأحاديث النبوية التي وردت في الكتاب تخريجًا علميًّا. ٦- الإشارة إلى المراجع التي اقتبست كلام ابن الصلاح. ٧- تخريج النصوص التي ينقلها ابن الصلاح من أقوال الأئمة الذين سبقوه، وهي نصوص كثيرة. ٨- اقتصر ابن الصلاح رحمه الله تعالى على الرمز في بعض ألفاظ التحمل، فكتب "ثنا"، الثاء والنون من غير نقط، والألف بدل من: "حدثنا"، وكتب "أنا" الهمزة والنون والألف من غير نقط بدل من: "أخبرنا"، فأبدلت هذه الرموز وأرجعتها إلى أصلها. ٩- ضبط وبيان الألفاظ من الأسماء، أو الكنى والأنساب، أو الألقاب، أو الأماكن، أو غير ذلك مما يتطلبه تحقيق النص. ١٠- التحقيق في بعض الاختلافات حول بعض المسائل التي ترد في النصوص، من اعتراضات لابن الصلاح، أو اعتراض عليه، أو غير ذلك مما له علامة بتحقيق النص، أو إيضاحه للقارئ، ولقد توخيت الاختصار في كل هذه الأمور، وأكتفي أحيانًا بالإشارة إلى المراجع. أما منهجي في الدراسة فإنه يتلخص بما يأتي: ١- تسمية الكتاب والأسباب التي دفعت ابن الصلاح إلى تأليف الكتاب. ٢- منهج ابن الصلاح في الكتاب. ٣- موارد ابن الصلاح في الكتاب. ٤- نقده للآراء التي يذكرها. ٥- أثر الكتاب فيما بعده واقتباسات الأئمة منه.

стр. 39

صور المخطوطات المعتمدة في التحقيق تحقيق النص:

стр. 40

يوجد اسكانر

стр. 41

بيان شرف الفتوى وخطرها وغررها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا إنك على كل شيء قدير١. قال العبد الفقير عثمان بن عبد الرحمن٢، المعروف بابن الصلاح غفر الله له ولهم٣: الحمد لله الذي كرم هذه الأمة بالشريعة السمحة الظاهرة، وأيدها بالحجج الباهرة، القاهرة٤، ووطدها بالقواعد المتظاهرة المتناصرة، ونورها بالأوضاع المتناسبة المتوازرة. أحمده على نعمه الباطنة والظاهرة، وأصلي على رسوله محمد، وسائر النبيين والصالحين، وأسلم صلاة وتسليمًا متواصلي "الصلات"٥ في الدنيا والآخرة آمين. هذا ولما عظم شأن الفتوى في الدين وتسنم المفتون٦ منه سنام السناء،

стр. 42

وكانوا قرات١ الأعين، لا تلم بهم على كثرتهم أعين الأسواء، فنعق بهم في أعصارنا ناعق الفناء، وتفانت بتفانيهم أندية ذاك٢ العلاء، على أن الأرض لا تخلوا من قائم بالحجة إلى أوان الانتهاء، رأيت أن أستخير الله تبارك "وتعالى"٣، وأستعينه، وأستهديه، وأستوقفه، وأتبرأ من الحول والقوة إلا به في تأليف كتاب في الفتوى لائق بالوقت، أفصح فيه إن شاء الله العظيم٤ عن شروط المفتي، وأوصافه، وأحكامه، وعن صفة المستفتي وأحكامه، وعن كيفية الفتوى والاسفتاء وآدابهما جامعًا فيه شمل نفائس التقطتها من خبايا الروايا٥، وخفايا الزوايا، ومهمات تقر بها أعين أعيان الفقهاء، ويرفع من قدرها من كثرت مطالعاته٦ من الفهماء٧، ويبادر إلى تحصيلها كل من ارتفع عن "حضيض"٨ الضعفاء، مقدمًا في أوله بيان شرف مرتبة الفتوى، وخطرها، والتنبيه على آفاتها وعظيم٩ غررها، ليعلم المقصر عن شأوها، المتجاسر عليها أنه على النار يجرأ ويجسر، وليعرف متعاطيها المضيع شروطها أنه لنفسه يضيع ويخسر، وليتقاصر عنها القاصرون الذين إذا انتزوا١٠ على منصب تدرس، أو اختلسوا١١ ذروا من تقديم وترئيس، وجانبوا جانب المحترس، ووثبوا على الفتيا وثبة المفترس.

стр. 43

اللهم فعافنا، واعف عنا، وأحلنا منها بالمحل المغبوط ولا تحلنا منها بالمحل المغموط، واجعل ما نعانيه منها على وفق هداك وسببًا واصلا بيننا وبين رضاك، إنك الله لا إله إلا أنت، أنت١ حسبنا ونعم الوكيل. بيان شرف حرمة الفتوى وخطرها، وغررها: روينا ما رواه أبو داود السجستاني٢، وأبو عيسى الترمذي٣، وأبو عبد الله ابن ماجه القزويني٤ في كتبهم المعتمدة في "السنن" من حديث أبي الدرداء٥، عن

стр. 44

رسول الله ﷺ أنه قال١: "إن العلماء ورثة الأنبياء" ٢. فأثبت للعلماء خصيصة فاقوا بها سائر الأمة، وما هم بصدده من أمر الفتوى، يوضح تحققهم بذلك للمستوضح، ولذلك قيل في الفتيا: إنها توقيع عن الله ﵎. وقد أخبرنا الشيخ "الإمام"٣ المسند٤ أبو بكر منصور بن عبد المنعم الفراوي٥، قراءة عليه بنيسابور٦، قال: أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي٧، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي٨، قال: أخبرنا

стр. 45

أبو عبد الله الحافظ١، وأبو سعيد٢ بن أبي عمرو٣، قالا: حدثنا٤ أبو العباس محمد بن يعقوب٥، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال بن الفرات٦، ببيروت٧، حدثنا أحمد بن أبي الحواري٨، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا سفيان بن

стр. 46

عيينة١، عن محمد بن المنكدر٢، قال: "إن العالم٣ بين الله، وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم"٤. وفيما نرويه٥ عن سهل بن عبد الله التستري٦، وكان ﵁ أحد الصالحين المعروفين بالمعارف والكرامات أنه قال: "من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء ﵈، فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيء الرجل٧ فيقول: يا فلان أيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته, وهذا مقام الأنبياء فاعرفوا لهم ذلك ... ". ولما ذكرناه هاب الفتيا من هابها من أكابر العلماء العاملين وأفاضل السابقين٨، والخالفين، وكان أحدهم لا تمنعه شهرته بالأمانة، واضطلاعه بمعرفة المعضلات في اعتقاد من يسأله من العامة من أن يدفع بالجواب، أو يقول: لا أدري، أو يؤخر الجواب إلى حين يدري.

стр. 47

فروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى١ أنه قال: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار، من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة٢، فيردها٣ هذا إلى هذا، وهذا٤ إلى هذا حتى ترجع إلى الأول". وفي رواية: "ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه٥ ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا"٦. "و"٧ روينا عن ابن مسعود٨ ﵁ أنه قال: "من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون"٩. وعن ابن عباس١٠ ﵄ نحوه.

стр. 48

وروينا١ عن أبي حصين الأسدي٢ أنه قال: "إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت٣ على عمر "بن الخطاب"٤ رضي الله عنه٥ لجمع لها أهل بدر"٦. وروي عن الحسن٧، والشعبي٨، مثله. وأخبرنا الشيخ "الأجل"٩ الأصيل أبو القاسم، منصور بن أبي المعالي الفراوي بنيسابور، قال: أخبرنا أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الصفار١٠ يقول: سمعت عبد الله بن

стр. 49

أحمد بن حنبل١ يقول: سمعت أبي٢ يقول: سمعت الشافعي٣، يقول: سمعت مالك بن أنس٤ يقول: سمعت محمد بن عجلان٥ يقول: "إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله"٦. هذا إسناد جليل عزيز جدًّا لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض. وروى مالك مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله٧ عنهما، وذكر الحافظ أبو

стр. 50

عمر ابن١ عبد البر الأندلسي٢, عن القاسم بن محمد٣ بن أبي بكر الصديق ﵃: "أنه جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال القاسم: لا أحسنه. فجعل الرجل يقول: إني دفعت إليك لا أعرف غيرك؟ فقال القاسم: "لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه". فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: "يابن أخي الزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم". فقال القاسم: "والله لأن يقطع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي به"٤. وروى أبو عمر عن سفيان بن عيينة، وسحنون بن سعيد٥. قالا: "أجسر "الناس"٦ على الفتيا أقلهم علمًا"٧. وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي٨،

стр. 51

قال: "جاء رجل إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء أيامًا ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج، وقد طال التردد إليك؟ قال: فأطرق طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: ما شاء الله يا هذا، إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه"١. ورُوي عن الشافعي ﵁: "أنه سئل عن مسألة، فسكت، فقيل له ألا تجيب رحمك الله؟ فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي، أو في الجواب"٢. وروينا عن أبي بكر الأثرم٣، قال: "سمعت أحمد بن حنبل يستفتي فيكثر أن يقول: لا أدري، وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه"٤. وبلغنا عن الهيثم بن جميل٥، قال: "شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"٦. وعن مالك أيضًا: "أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة

стр. 52

منها. وكان يقول: "من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار، وكيف يكون خلاصه١ في الآخرة؟ ثم يجيب فيها"٢. وعنه: "أنه سئل عن مسألة؟ فقال: لا أدري. فقيل "له"٣: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما٤ سمعت قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ٥ فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة"٦. وقال: "إذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم مسائل٧، ولا يجيب أحد منهم في مسألة حتى يأخذ رأى صاحبه. قال٨: مع ما رزقوا من السداد والتوفيق، مع الطهارة، فكيف بنا الذين قد٩ غطت الخطايا والذنوب قلوبنا؟ ١٠. وعن سعيد بن المسيب١١ ﵄: "أنه كان لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئًا إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني"١٢.

стр. 53

وجاء عن أبي سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، الملقب بسحنون إمام المالكية، وصاحب "المدونة" التي هي عند المالكيين ككتاب "الأم" عند الشافعيين أنه قال: "أشقى الناس من باع آخرته بدنياه"، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره. قال: ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره، فوجدته المفتي يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقه، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانث فيتمتع بامرأته ورقيقه. وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا"١. وعن سحنون: أن رجلا أتاه، فسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال له مسألتي أصلحك الله لي٢ اليوم ثلاثة أيام؟ فقال له: وما أصنع لك يا خليلي؟ مسألتك معضلة٣، وفيها أقاويل، وأنا متحير في ذلك. فقال له: وأنت أصلحك الله لكل معضلة. فقال له سحنون: هيهات يابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار٤، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك، وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تجاب٥ مسألتك في ساعة؟ فقال "له":٦ إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك.

стр. 54

فقال له: "فاصبر عافاك الله، ثم أجابه بعد ذلك". وقد كان فيهم ﵃ من يتباطئوا بالجواب عما هو فيه غير مستريب، ويتوقف في الأمر السهل الذي هو عنه مجيب. بلغنا عمن سمع سحنون بن سعيد: "يزري على من يعجل في الفتوى، ويذكر النهي عن ذلك، عن المتقدمين من معلميه، وقال: إني لأسأل عن المسألة، فأعرفها، وأعرف في أي كتاب هي، وفي أي ورقة، وفي أي "صفحة"١، وعلى كم هي من سطر، فما يمنعني من الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتوى"٢. وبلغنا عن الخليل بن أحمد٣، أنه كان يقول: "إن٤ الرجل ليسأل عن المسألة ويعجل في الجواب فيصيب فأذمُّه، ويسأل عن مسألة فيتثبَّت في الجواب فيخطئ٥ فأحمدُه"٦. وروي عن سحنون بن سعيد أنه قيل له: "إنك لتسأل عن المسألة، لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها، فتترجَّح فيها٧ وتتوقف؟ فقال: إن فتنة الجواب بالصواب، أشد من فتنة المال"٨. ﵁. ولما ذكره نَلفُتُ إلى نحو ما بلغنا عن القاضي أبي "الحسن"٩ علي بن محمد

стр. 55

ابن حبيب الماوردي١، أحد المصنفين الشافعيين، قال: "صنفت في "البيوع"، كتابًا جمعت له ما استطعت من كتب الناس، وجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا٢ بعلمه حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان، فسألاني عن بيع عقداه٣ في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل، لم أعرف لشيء منها جوابًا، فأطرقت مفكرًا، بحالي٤ وحالهما معتبرًا. فقالا: أما عندك فيما سألناك جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟ قلت: لا. فقالا: إيهًا لكَ، وانصرفا، ثم أتيا من قد يتقدمه في العلم كثيرٌ من أصحابي, فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما، فانصرفا عنه راضيين بجوابه، مادحين لعلمه، فبقيت مرتبكًا، وإني لعلى ما كنت عليه في تلك المسألة إلى وقتي، فكان ذلك لي زاجر نصيحة، ونذير عظة"٥. وقال: "القاضي"٦ أبو القاسم الصيمري٧ أحد الأئمة٨ الشافعيين، ثم أبو بكر الخطيب الحافظ٩، الفقيه

стр. 56

الشافعي الإمام في علم الحديث: "قَلَّ من حرص على الفتوى، وسابق "إليها"١، وثابر عليها إلا قل توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارهًا لذلك غير مختار له، ما وجد مندوحة عنه، وقدر أن يحيد بالأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب٢. قال ذلك الصيمري أولًا، ثم تلقاه عنه الخطيب فقاله في بعض تصانيفه. وروى بإسناده عن بشر بن الحارث٣ أنه قال: "من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يسأل"٤. وذكر أبو عبد الله المالكي٥ فيما جمعه من "مناقب شيخه أبي الحسن القابسي" الإمام المالكي٦: أنه كان ليس شيء "أشد"٧ عليه من الفتوى، وأنه قال له عشية

стр. 57

من العشايا: ما ابتلي أحد بما ابتليت به، أفتيت اليوم في عشر مسائل١. قلت: قول الله ﵎: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ, مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. شامل بمعناه من زاغ في فتواه، فقال في الحرام: هذا حلال، أو في الحلال: هذا حرام، أو نحو ذلك. وفيما رواه أبو عمر بن عبد البر الحافظ بإسناده، عن مالك، قال: "أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي٣ عبد الرحمن٤، فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع٥ لبكائه. فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم"٦. قال ربيعة: "ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق"٧. رحم الله ربيعة. كيف لو أدرك زماننا؟ وما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 58

القول في شروط المفتي وصفاته وأحكامه وآدابه شروطه وصفاته ... القول في شروط المفتي وصفاته وأحكامه وآدابه: أما شروطه وصفاته١:

стр. 59

أن يكون مكلفًا مسلمًا، ثقة مأمونًا، متنزهًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة، لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح "للاعتماد"١، وإن كان من أهل الاجتهاد٢. ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر٣، صحيح التصرف والاستنباط مستيقظًا٤. ثم ينقسم وراء هذا إلى قسمين، مستقل، وغير مستقل. القسم الأول: المفتي المستقل، وشرطه: أن يكون مع ما ذكرناه قيمًا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وما التحق بها على التفصيل، وقد فصلت في كتب الفقه، وغيرها. فتيسرت والحمد لله. عالمًا بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها، وبكيفية اقتباس الأحكام منها، وذلك يستفاد من علم أصول الفقه٥، عارفًا من علم القرآن٦، وعلم الحديث٧، وعلم الناسخ

стр. 60

والمنسوخ١، وعلمي٢ النحو٣، واللغة٤، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط٥ الأدلة والاقتباس منها، ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك، عالمًا بالفقه، ضابطًا لأمهات مسائله٦ وتفاريعه المفروغ من تمهيدها. فمن جمع هذه الفضائل فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية٧، "ولن"٨ يكون إلا مجتهدًا مستقلا. والمجتهد المستقل: هو الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد وتقيد٩ بمذهب أحد١٠.

стр. 61

وفصل الإمام أبو المعالي ابن الجويني١ صفات المفتي، ثم قال القول الوجيز في ذلك: إن المفتي هو المتمكن من درك أحكام الوقائع على يسر من غير معاناة تعلم٢. وهذا الذي قاله معتبر في المفتي، ولا يصلح حدًّا للمفتي، والله أعلم. تنبيهات: الأول: ما اشترطناه فيه من كونه حافظًا لمسائل الفقه، لم يعد من شروطه في كثير من الكتب المشهورة، نظرًا إلى أنه ليس شرطًا لمنصب الاجتهاد، فإن الفقه من ثمراته فيكون متأخرًا عنه، وشرط الشيء لا يتأخر عنه. واشترطه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني٣، وصاحبه أبو منصور البغدادي٤، وغيرهما. واشتراط ذلك في صفة المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو٥ الصحيح،

стр. 62

وإن لم يكن كذلك في صفة المجتهد المستقل١ على تجرده، لأن حال المفتي يقتضي اشتراط كونه على صفة يسهل عليه معها إدراك أحكام الوقائع على القرب من غير تعب كثير، وهذا لا يحصل لأحد من الخلف إلا بحفظ أبواب الفقه ومسائله، ثم لا يشترط أن تكون جميع الأحكام على ذهنه، بل يكفي أن يكون حافظًا للمعظم متمكنًا من إدراك الباقي على القرب٢. الثاني: هل يشترط فيه٣ أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية؟ حكى أبو إسحاق، وأبو منصور فيه اختلافًا للأصحاب، والأصح اشتراطه لأن من المسائل الواقعة نوعًا لا يعرف جوابه إلا من جمع بين الفقه والحساب٤. الثالث: إنما يشترط اجتماع العلوم المذكورة٥ في المفتي المطلق في جميع أبواب الشرع، أما المفتي في باب خاص من العلم، نحو علم المناسك، أو علم الفرائض، أو غيرهما، فلا يشترط فيه جميع ذلك٦، ومن الجائز أن ينال

стр. 63

الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض فمن عرف القياس وطرقه وليس عالمًا بالحديث فله أن يفتي في مسائل قياسية يعلم أنه١ لا تعلق لها بالحديث, ومن عرف أصول المواريث وأحكامها جاز أن يفتي فيها، وإن لم يكن عالمًا بأحاديث النكاح، ولا عارفًا بما يجوز له الفتوى في غير ذلك من أبواب الفقه. قطع بجواز هذا٢ الغزالي٣، وابن برهان٤، وغيرهما٥. ومنهم من منع من ذلك

стр. 64

مطلقًا, وأجازه أبو نصر بن الصباغ١، غير أنه خصصه بباب المواريث. قال: لأن الفرائض لا تنبني٢ على غيرها من الأحكام، فأما ما عداها من الأحكام فبعضه مرتبط ببعض. والأصح أن ذلك لا يختص بباب المواريث، والله أعلم. القسم الثاني: المفتي الذي ليس بمستقل، ومنذ دهر طويل طوي بساط المفتي المستقل المطلق، والمجتهد المستقل٣، وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة، وللمفتي المنتسب أحوال أربع: الأولى: أن لا يكون مقلدًا "لإمامه"٤، لا في المذهب٥ ولا في دليله لكونه قد جمع الأوصاف والعلوم المشترطة في المستقل، وإنما ينتسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد، ودعا إلى سبيله٦.

стр. 65

وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ﵀: إنه ادعى هذه الصفة لأئمة أصحابنا, فحكى عن أصحاب مالك، وأحمد، وداود١، وأكثر أصحاب أبي حنيفة٢، ﵏ أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدًا لهم٣. ثم قال: الصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي ﵀ "تعالى"٤, لا على جهة التقليد له، ولكن لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى أسد الطرق، وأولاها، ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه في الاجتهاد، وطلبوا معرفة الأحكام بالطريق الذي طلبها الشافعي به "رحمه الله تعالى"٥. قلت: وهذا الذي حكاه عن أصحابنا واقع على وفق ما رسمه لهم الشافعي، ثم المزني٦ في أول "مختصره"، وفي غيره, وذكر الشيخ أبو علي السنجي٧ شبيهًا

стр. 66

بذلك، فقال: اتبعنا قول الشافعي، دون غيره من الأئمة، لأنا وجدنا قوله أحج١ الأقوال وأعدلها، "لا أنا"٢ قلده في قوله٣. قلت: دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقًا من كل وجه لا يستقيم إلا أن يكون قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق، وفازوا برتبة المجتهدين المستقلين، وذلك لا يلائم المعلوم من أحوالهم, أو أحوال أكثرهم، وقد ذكر بعض الأصوليين منا: أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل٤. وحكى اختلافًا بين أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة في أبي يوسف٥،

стр. 67

ومحمد١، والمزني، وابن سريج٢ خاصًّا٣، هل كانوا من المجتهدين المستقلين، أو من المجتهدين في المذاهب؟ ٤ ولا نستنكر٥ دعوى ذلك فيهم في فن من الفقه، دون فن بناء على ما قدمناه من جواز تجزيء٦ منصب المجتهد المستقل٧، ويبعد جريان ذلك الخلاف في حق هؤلاء المتبحرين الذين عم نظرهم الأبواب كلها، فإنه لا يخفى على أحدهم إذا كمل في باب ما لا يتعلق منه بغيره من الأبواب التي لم يكمل فيها لعموم نظره وجولانه في الأبواب كلها. إذا عرفت هذا ففتوى المنتسبين في هذه الحالة، في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق، يعمل بها ويعتد بها في الإجماع والخلاف٨، والله أعلم. الحالة الثانية: أن يكون في مذهب إمامه مجتهدًا مقيدًا فيستقل بتقرير مذاهبه بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده٩، ومن شأنه أن يكون

стр. 68

عالمًا بالفقه، خبيرًا بأصول الفقه، عارفًا بأدلة الأحكام تفصيلا، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيمًا بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده، ولا يعرى عن شوب من التقليد له، لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل. مثل أن يخل بعلم الحديث أو بعلم اللغة العربية، وكثيرًا ما وقع الإخلال بهذين العلمين في أهل الاجتهاد المقيد. ويتخذ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها نحو١ ما يفعله المستقل بنصوص الشارع، وربما مر به الحكم وقد ذكره إمامه بدليله، فيكتفي بذلك "فيه"٢ ولا يبحث هل لذلك الدليل من معارض؟ ولا يستوفي النظر في شروطه كما يفعله المستقل، وهذه صفة أصحاب الوجوه والطرق في المذهب. وعلى هذه الصفة كان أئمة أصحابنا، أو أكثرهم، ومن كان هذا شأنه فالعامل بفتياه مقلد لإمامه. لا له٣، لأن معوله على صحة إضافة ما يقوله إلى إمامه، لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع، والله أعلم. تنبيهات: الأول: الذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأن من كانت هذه حالته ففرض الكفاية لا يتأدى به، ووجهه أن ما فيه من التقليد نقص وخلل في المقصود. وأقول: "إنه"٤ يظهر أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى، وإن لم يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى٥، لأنه قد قام في فتواه مقام إمام مطلق، فهو يؤدي عنه ما كان يتأدى به٦ الفرض حين كان حيًّا قائمًا بالفرض

стр. 69

فيها. والتفريع على الصحيح في أن تقليد الميت جائز١. الثاني: قد يوجد من المجتهد المقيد الاستقلال بالاجتهاد والفتوى في مسألة خاصة، أو باب خاص٢، كما تقدم في النوع الذي قبله، والله أعلم. الثالث: يجوز له أن يفتي فيما لا يجده من أحكام الوقائع منصوصًا عليه لإمامه بما يخرجه على مذهبه، هذا هو الصحيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع المفتين من مدد مديدة، فالمجتهد في مذهب الشافعي مثلا، المحيط بقواعده مذهبه، المتدرب في مقاييسه وسبل تصرفاته، متنزل كما قدمنا ذكره في الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينص عليه الشارع بما نص عليه، وهذا أقدر على هذا من ذاك٣ على ذاك٤، فإن هذا يجد في مذهب إمامه من القواعد الممهدة، والضوابط المهذبة ما لا يجده المستقل في أصل الشرع ونصوصه، ثم إن هذا٥ المستفتي فيما يفتيه به من تخريجه هذا مقلد لإمامه، لا له. قطع بهذا الشيخ أبو المعالي ابن الجويني في كتابه "الغياثي"٦. وأنا أقوال: ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي٧: في أن ما يخرجه أصحابنا ﵏ على مذهب الشافعي رضي الله

стр. 70

عنه هل يجوز أن ينسب إليه؟ واختار الشيخ أبو إسحاق: أنه لا يجوز أن ينسب إليه١. والله أعلم. الرابع: تخريجه تارة يكون من نص معين لإمامه في مسألة معينة، وتارة لا يجد لإمامه نصًّا معينًا يخرج منه "فيخرج"٢ على وفق أصوله، بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه وعلى٣ شرطه، فيفتي بموجبه، ثم إن وقع النوع الأول من التخريج في صورة فيها نص لإمامه مخرجًا خلاف نصه فيها من نص آخر في صورة أخرى، سمي قولا مخرجًا٤، وإذا وقع النوع الثاني في صورة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك سمي ذلك وجهًا. ويقال: فيها وجهان. وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين، أن لا يجد بين المسألتين فارقًا، ولا حاجة في مثل ذلك إلى علة جامعة، وهو من قبيل إلحاق الأمة بالعبد في٥ قوله ﷺ : "من أعتق شركً ا ٦ له في عبد قوم عليه" ٧.

стр. 71

ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه١ تقرير النصين على ظاهرهما معتمدًا على الفارق، وكثيرًا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق٢، والله أعلم. الحالثة الثالثة٣: أن لا يبلغ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس٤ حافظ لمذهب إمامه، عارف٥ بأدلته، قائم بتقريرها، وبنصرته، يصور، ويحرر، ويمهد، ويقرر، ويزيف، ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك، إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه لم يرتضي في التخريج والاستنباط كارتياضهم، وإما لكونه غير متبحر في علم أصول الفقه على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أداته٦، على أطراف من قواعد أصول الفقه، وإما لكونه مقصرًا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق. وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الخامسة٧ من الهجرة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف بها معظم اشتغال الناس اليوم، ولم يلحقوا بأرباب الحالة الثانية في تخريج الوجوه، وتمهيد الطرق في المذهب.

стр. 72

وأما في فتاويهم فقد كانوا يتبسطون فيها كتبسيط أولئك، أو قريبًا منه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور في المذهب غير "مقتصرين"١ في ذلك على القياس الجلي٢، وقياس لا فارق، الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في إعتاق الشريك، وقياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن. وفيهم من جمعت فتاويه وأفردت بالتدوين، ولا يبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه، ولا تقوى كقوتها٣، والله أعلم. الحالة الرابعة٤: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله٥، وفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفًا في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه وتفريعات أصحابه٦ المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه، فإن وجد في المنقول ما هذا في معناه بحيث يدرك من غير فضل فكر وتأمل أنه لا

стр. 73

فارق بينهما، كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك، جاز له إلحاقه به والفتوى به. وكذلك ما يعم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب، وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه. ومثل هذا يقع نادرًا١ في حق٢ مثل الفقيه المذكور، إذ يبعد كما ذكر الإمام أبو المعالي ابن الجويني٣: أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى شيء من٤ المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من٥ ضوابط المذهب المحررة فيه، ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس، لأن تصوير المسائل على وجهها، ثم نقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جلياتها٦ وخفياتها٧ لا يقوم إلا فقيه النفس، ذو حظ من الفقه٨. قلت: وينبغي أن يكتفى في حفظ المذهب في هذه الحالة، وفي الحالة التي قبلها، بأن يكون المعظم على مد٩ ذهنه، ويكون لدربته متمكنًا من الوقوف على الباقي بالمطالعة، أو ما يلتحق بها على القرب كما اكتفينا في أقسام الاجتهاد الثلاثة الأول، بأن يكون المعظم على ذهنه، "ويتمكن"١٠ من إدراك الباقي بالاجتهاد١١ على القرب١٢.

стр. 74

هذه١ أصناف المفتين وشروطهم، وهي خمسة، وما من صنف منها إلا ويشترط فيه: حفظ المذهب، وفقه النفس وذلك فيما عدا الصنف الأخير الذي هو٢ بعض ما يشترط في هذا القبيل. فمن انتصب في منصب الفتيا وتصدى لها وليس على صفة واحدة٢ من هذه الأصناف الخمسة، فقد باء بأمر عظيم، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُون, لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤، ومن أراد التصدي للفتيا ظانًّا كونه من أهلها فليتهم نفسه، وليتق ربه ﵎، ولا يخدعن عن الأخذ بالوثيقة لنفسه والنظر لها. ولقد قطع الإمام أبو المعالي، وغيره: بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا تحل له الفتوى بمجرد ذلك٥، ولو وقعت له في نفسه واقعة لزمه أن يستفتي غيره فيها. ويلتحق به المتصرف النظار البحاث في الفقه من أئمة الخلاف، وفحول المناظرين. وهذا لأنه ليس أهلا لإدراك حكم الواقعة استقلالا لقصور آلته، ولا من مذهب إمام متقدم لعدم حفظه له وعدم إطلاعه عليه على الوجه المعتبر٦، والله أعلم. تنبيهات: الأول: قطع الإمام العلامة أبو عبد الله الحليمي٧ إمام الشافعيين بما وراء

стр. 75

النهر، والقاضي أبو المحاسن١ الروياني، صاحب "بحر المذهب"٢، وغيرهما: بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه٣. وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في "شرحه لرسالة الشافعي": عن شيخه أبي بكر القفال المروزي٤: أنه يجوز لمن حفظ٥ مذهب صاحب مذهب ونصوصه، أن يفتي به وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه. وخالفه الشيخ أبو محمد، وقال: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا٦ لم يكن متبحرًا فيه، عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرًا فيه جاز أن يفتي به.
следующие страницы →