← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10720

أدب المفتي والمستفتي

ابن الصلاح

Полный текст (187 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه١ تقرير النصين على ظاهرهما معتمدًا على الفارق، وكثيرًا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق٢، والله أعلم. الحالثة الثالثة٣: أن لا يبلغ رتبة أئمة المذهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس٤ حافظ لمذهب إمامه، عارف٥ بأدلته، قائم بتقريرها، وبنصرته، يصور، ويحرر، ويمهد، ويقرر، ويزيف، ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك، إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه لم يرتضي في التخريج والاستنباط كارتياضهم، وإما لكونه غير متبحر في علم أصول الفقه على أنه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أداته٦، على أطراف من قواعد أصول الفقه، وإما لكونه مقصرًا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق. وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الخامسة٧ من الهجرة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف بها معظم اشتغال الناس اليوم، ولم يلحقوا بأرباب الحالة الثانية في تخريج الوجوه، وتمهيد الطرق في المذهب.

стр. 72

وأما في فتاويهم فقد كانوا يتبسطون فيها كتبسيط أولئك، أو قريبًا منه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور في المذهب غير "مقتصرين"١ في ذلك على القياس الجلي٢، وقياس لا فارق، الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في إعتاق الشريك، وقياس المرأة على الرجل في رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن. وفيهم من جمعت فتاويه وأفردت بالتدوين، ولا يبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه، ولا تقوى كقوتها٣، والله أعلم. الحالة الرابعة٤: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله٥، وفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفًا في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه وتفريعات أصحابه٦ المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، وأما ما لا يجده منقولا في مذهبه، فإن وجد في المنقول ما هذا في معناه بحيث يدرك من غير فضل فكر وتأمل أنه لا

стр. 73

فارق بينهما، كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك، جاز له إلحاقه به والفتوى به. وكذلك ما يعم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب، وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه. ومثل هذا يقع نادرًا١ في حق٢ مثل الفقيه المذكور، إذ يبعد كما ذكر الإمام أبو المعالي ابن الجويني٣: أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى شيء من٤ المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من٥ ضوابط المذهب المحررة فيه، ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس، لأن تصوير المسائل على وجهها، ثم نقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جلياتها٦ وخفياتها٧ لا يقوم إلا فقيه النفس، ذو حظ من الفقه٨. قلت: وينبغي أن يكتفى في حفظ المذهب في هذه الحالة، وفي الحالة التي قبلها، بأن يكون المعظم على مد٩ ذهنه، ويكون لدربته متمكنًا من الوقوف على الباقي بالمطالعة، أو ما يلتحق بها على القرب كما اكتفينا في أقسام الاجتهاد الثلاثة الأول، بأن يكون المعظم على ذهنه، "ويتمكن"١٠ من إدراك الباقي بالاجتهاد١١ على القرب١٢.

стр. 74

هذه١ أصناف المفتين وشروطهم، وهي خمسة، وما من صنف منها إلا ويشترط فيه: حفظ المذهب، وفقه النفس وذلك فيما عدا الصنف الأخير الذي هو٢ بعض ما يشترط في هذا القبيل. فمن انتصب في منصب الفتيا وتصدى لها وليس على صفة واحدة٢ من هذه الأصناف الخمسة، فقد باء بأمر عظيم، ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُون, لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٤، ومن أراد التصدي للفتيا ظانًّا كونه من أهلها فليتهم نفسه، وليتق ربه ﵎، ولا يخدعن عن الأخذ بالوثيقة لنفسه والنظر لها. ولقد قطع الإمام أبو المعالي، وغيره: بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا تحل له الفتوى بمجرد ذلك٥، ولو وقعت له في نفسه واقعة لزمه أن يستفتي غيره فيها. ويلتحق به المتصرف النظار البحاث في الفقه من أئمة الخلاف، وفحول المناظرين. وهذا لأنه ليس أهلا لإدراك حكم الواقعة استقلالا لقصور آلته، ولا من مذهب إمام متقدم لعدم حفظه له وعدم إطلاعه عليه على الوجه المعتبر٦، والله أعلم. تنبيهات: الأول: قطع الإمام العلامة أبو عبد الله الحليمي٧ إمام الشافعيين بما وراء

стр. 75

النهر، والقاضي أبو المحاسن١ الروياني، صاحب "بحر المذهب"٢، وغيرهما: بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه٣. وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في "شرحه لرسالة الشافعي": عن شيخه أبي بكر القفال المروزي٤: أنه يجوز لمن حفظ٥ مذهب صاحب مذهب ونصوصه، أن يفتي به وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه. وخالفه الشيخ أبو محمد، وقال: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا٦ لم يكن متبحرًا فيه، عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرًا فيه جاز أن يفتي به.

стр. 76

قلت١: قول من قال: لا يجوز أن يفتي بذلك، معناه أنه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه ويحكيه عن إمامه الذي قلده، فعلى هذا من عددناه في أصناف المفتين من المقلدين ليسوا٢ على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين وأدوا٣ عنهم فعدوا معهم، وسبيلهم في ذلك أن يقولوا٤ مثلا: مذهب الشافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك، ومن ترك منهم٥ إضافة ذلك إلى إمامه إن كان ذلك "منه"٦ اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح بالمقال فلا بأس٧. وذكر الماوردي في كتابه "الحاوي": في العامي إذا عرف حكم حادثة بناء على دليلها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجوز أن يفتي به، ويجوز تقليده فيه، لأنه قد وصل إلى العلم به، مثل وصول العالم إليه. والثاني: يجوز ذلك إن كان دليلها من الكتاب أو٨ السنة. والثالث: وهو أصحها أنه لا يجوز ذلك مطلقًا٩.

стр. 77

قلت١: وليس فيما ذكره حكاية خلاف في جواز فتيا المقلد وتقليده، لأن فيما ذكره من توجيه وجه الجواز تشبيهًا٢ بأن العامي لا يبقى مقلدًا في حكم تلك الحادثة، والله أعلم. الثاني: إن قلت: من تفقه وقرأ كتابًا من كتب المذهب، أو أكثر٣، وهو مع ذلك قاصر لم يتصف بصفة أحد من "أصناف"٤ المفتين الذين سبق ذكرهم، فإذا لم يجد العامي في بلده غيره فرجوعه إليه أولى من أن يبقى في واقعته مرتبكًا في حيرته. قلت: إن كان في غيره بلده مفت يجد السبيل إلى استفتائه فعليه التوصل إلى استفتائه بحسب إمكانه، على أن بعض أصحابنا، ذكر أنه إذا شغرت البلدة عن المفتين فلا يحل المقام فيها، وإن تعذر ذلك عليه ذكر مسألته للقاصر المذكور، فإن وجد مسألته بعينها مسطورة في كتاب موثوق بصحته، وهو ممن يقبل خبره، نقل له حكمها بنصه، وكان العامي في ذلك مقلدًا لصاحب المذهب٥، وهذا وجدته في ضمن كلام بعضهم، والدليل يعضده، ثم لا يعد هذا القاصر بأمثال ذلك من المفتين، ولا من الأصناف المذكورة المستعار لهم سمة المفتين، وإن لم يجد مسألته بعينها ونصها مسطورة فلا سبيل له إلى القول فياه قياسًا على ما عنده من المسطورة، وإن اعتقده من قبيل قياس لا فارق الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في سراية العتق، لأن القاصر معرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل داخلا في هذا القبيل، وإنما استتب إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق في حق من عرف مصادر الشرع وموارده في أحكام العتق بحيث استبان له أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، والله أعلم.

стр. 78

الثالث: إذا لم يجد صاحب الواقعة مفتيًا ولا أحدًا ينقل له حكم واقعته، لا في بلده ولا في غيره فماذا يصنع؟ قلت: هذه مسألة فترة الشريعة الأصولية١، والسبيل في ذلك كالسبيل فيما قبل ورود الشرائع، والصحيح في كل٢ ذلك القول بانتفاء التكليف عن العبد، فإنه٣ لا يثبت في حقه حكم، لا إيجاب، ولا تحريم، ولا غير ذلك، فلا يؤاخذ إذن صاحب الواقعة بأي شيء صنعه فيها، وهذا مع تقرره٤ بالدليل المعنوي الأصولي، يشهد له حديث حذيفة٥ بن "اليمان"٦ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله تعالى في ليلة, فلا٧ يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله٨، فنحن نقولها". فقال صلة بن زفر٩، لحذيفة: "فما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا

стр. 79

صيام ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، فردها١ عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار، تنجيهم من النار"٢، رواه أبو عبد الله ابن ماجه في "سننه". والحاكم أبو عبد الله الحافظ في "صحيحه". وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٣. والله أعلم٤.

стр. 80

القول في أحكام المفتين: وفيه مسائل: الأولى: لا يشترط في المفتي الحرية، والذكورة، كما في الراوي، وينبغي أن يكون كالراوي أيضًا في أنه لا تؤثر فيه القرابة والعداوة، وجر النفع، ودفع الضرر، لأن المفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص. فكان في ذلك كالراوي، لا كالشاهد، وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف، القاضي١، ووجدت عن القاضي الماوردي فيما جاوب به القاضي أبا الطيب الطبري٢ عن رده عليه في

стр. 81

فتواه: بالمنع عن التلقيب بملك الملوك. ما معناه: إن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصًا معينًا صار خصمًا معاندًا ترد فتواه على من١ عاداه، كما ترد شهادته٢. ولا بأس بأن يكون المفتي أعمى، أو أخرس مفهوم الإشارة أو كاتبًا، والله أعلم. الثانية: لا تصح فتيا الفاسق، وإن كان مجتهدًا مستقلا، غير أنه لو وقعت له في نفسه واقعة عمل فيها باجتهاد نفسه ولم يستفت غيره٣. وأما المستور: وهو من كان ظاهره العدالة ولم تعرف عدالته الباطنية ففي وجه لا تجوز فتياه كالشهادة، والأطهر أنها تجوز لأن العدالة الباطنة٤ تعسر٥ معرفتها على غير الحكام٦ ففي اشتراطها في المفتين حرج على المستفتين، والله أعلم. الثالثة: من كان من أهل الفتيا قاضيًا فهو فيها كغيره٧. وبلغنا عن أبي بكر ابن المنذر٨ أنه يكره للقضاة أن تفتي في مسائل الأحكام دون ما لا مجرى لأحكام

стр. 82

القضاء فيه، كمسائل الطهارة، والعبادات. وقال: قال شريح١: "أنا أقضي ولا أفتي"٢. ووجدت في بعض "تعاليق الشيخ أبي حامد٣ الإسفراييني"٤: أن له أن يفتي في العبادات، وما لا يتعلق به الحكم. وأما فتياه في٥ الأحكام فلأصحابنا فيه جوابان: أحدهما: ليس له أن يفتي فيهما، لأن لكلام الناس عليه مجالا، ولأحد الخصمين عليه مقالا. والثاني: له ذلك، لأنه أهل لذلك٦، والله أعلم. الرابعة: إذا٧ استفتي المفتي وليس في الناحية غيره تعين عليه الجواب، وإن كان في الناحية غيره، فإن حضر هو وغيره واستفتيا معًا فالجواب عليهما على الكفاية،

стр. 83

وإن لم يحضر غيره فعند الحليمي: تعين عليه بسؤاله جوابه، وليس له أن يحيله على غيره. والأظهر أنه لا يتعين عليه بذلك، وقد سبقت روايتنا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول". وإذا سأل العامي عن مسألة لم تقع لم تجب مجاوبته١، والله أعلم. الخامسة: إذا أفتى بشيء ثم رجع عنه، نظرت فإن أعلم٢ المستفتي برجوعه ولم يكن عمل بالأول بعد لم يجز له العمل به، وكذلك لو نكح بفتواه أو استمر على نكاح, ثم رجع لزمه مفارقتها. كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في أثناء صلاته٣، فإنه يتحول، وإن كان المستفتي قد عمل به قبل رجوعه، فإن كان خالفًا لدليل قاطع لزم المستفتي نقض عمله ذلك، وإن كان في محل الاجتهاد لم يلزمه نقضه٤. قلت٥: وإذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين فإذا رجع لكونه

стр. 84

بان له قطعًا أنه خالف في فتواه نص مذهب إمامه، فإنه يجب نقضه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد، لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل١، على ما سبق تأصيله. وأما إذا لم يعلم المستفتي برجوعه فحال المستفتي في عمله به٢ على ما كان، ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل، وكذا بعد العمل حيث يجب النقض. ولقد أحسن الحسن بن زياد اللؤلؤي٣، صاحب أبي حنيفة فيما بلغنا عنه: "أنه استفتي في مسألة فأخطأ فيها ولم يعرف الذي أفتاه، فاكترى مناديًا فنادى: إن الحسن بن زياد استفتى يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ، فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه. فلبث أيامًا لا يفتي حتى وجد صاحب الفتوى فأعلمه: أنه أخطأ، وإن الصواب، كذا وكذا"٤. والله أعلم. السادسة: إذا عمل المستفتي بفتيا المفتي في إتلاف، ثم بان خطأه، وأنه

стр. 85

خالف فيها القاطع، فعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: أنه يضمن إن كان أهلًا للفتوى، ولا يضمن إن لم يكن أهلا، لأن المستفتي قصر، والله أعلم١. السابعة: لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتي. وذلك "قد"٢ يكون بأن لا يثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة، والإبطاء عجز ومنقصة، وذلك جهل، ولئن يبطئ ولا يخطئ أكمل٣ به من أن يعجل فيضل ويضل. فإن تقدمت معرفته بما سئل عنه على السؤال فبادر عند السؤال بالجواب فلا بأس عليه، وعلى مثله يحمل ما ورد عن الأئمة الماضين من هذا القبيل. وقد يكون تساهله وانحلاله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو الكراهة، والتمسك بالشبه طلبًا "للترخيص"٤ على من يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره٥، ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه، ونسأل الله "تعالى"٦ العافية والعفو. وأما إذا صح قصده، فاحتسب في تطلب حيلة لا شبهة فيها. ولا تجر إلى مفسدة ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل يشهد له قول الله "تبارك و"٧ تعالى لأيوب٨ ﷺ وعلى نبينا، لما حلف ليضربن امرأته

стр. 86

مائة: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ١ فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ ٢. ورد عن سفيان الثوري٣ ﵁ أنه قال: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد"٤. وهذا خارج على الشرط الذي ذكرناه، فلا يفرحن به من يفتي بالحيل الجارة٥ إلى المفاسد، أو بما فيه شبهة بأن يكون في النفس من القول به شيء أو نحو ذلك، وذلك كمن يفتي بالحيلة السريجية٦ في سد باب الطلاق، ويعلمها وأمثال ذلك٧،

стр. 87

والله أعلم. الثامنة: ليس له أن يفتي في كل حالة تغير خلقه، وتشغل قلبه، وتمنعه من التثبت والتأمل، كحالة الغضب "أو الجوع"١، أو العطش، أو الحزن، أو الفرح الغالب، أو النعاس، أو الملالة، أو المرض، أو الحر المزعج، أو البرد المؤلم، أو مدافعة الأخبثين، وهو أعلم بنفسه، فمهما أحس باشتغال قلبه وخروجه عن حد الاعتدال أمسك عن الفتيا، فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال وهو يرى أن ذلك لم يمنعه من إدراك الصواب، صحت فتياه، وإن خاطر بها٢. ومن أعجب ذلك ما وجدته بخط بعض أصحاب القاضي الإمام حسين بن محمد٣ المروروذي٤، عنه: أنه سمع الإمام أبا عاصم العبادي٥ يذكر أنه كان عند

стр. 88

الأستاذ أبي طاهر وهو الإمام الزيادي١ شيخ خراسان حين احتضر فسئل عن ضمان الدرك٢, وكان في النزع، فقال: إن قبض الثمن فيصح، وإن لم يقبض فلا يصح، قال: لأنه بعد قبض الثمن يكون ضمان ما وجب٣. والله أعلم. التاسعة: الأولى بالمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك٤، ويجوز له أن يرتزق على ذلك من بيت المال، إذا تعين عليه وله كفاية، فظاهر المذهب أنه لا يجوز، وإذا كان له رزق فلا يجوز له أخذ أجرة أصلًا، وإن لم يكن له رزق في بيت المال فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه كالحاكم على الأصح. واحتال له الشيخ أبو حاتم القزويني٥ في "حِيَلهِ"٦، فقال: لو قال

стр. 89

للمستفتي: إنما يلزمني أن "أفتيك"١ قولًا، وأما بذل الخط فلا، فإذا استأجره على٢ أن يكتب له ذلك كان جائزًا٣. وذكر أبو القاسم الصيمري: أنه لو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقًا من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم جاز ذلك، وأما الهدية، فقد أطلق السمعاني الكبير أبو المظفر٤: أنه يجوز له قبول الهدية، بخلاف الحاكم فإنه يلزم حكمه. قلت٥: ينبغي أن يقال: يحرم عليها قبولها إذا كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض٦. والله أعلم٧. العاشرة: لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير، ونحو ذلك مما يتعلق بالألفاظ إلا٨ إذا كان من أهل بلد اللافظ بها، أو متنزلا منزلتهم في الخبرة بمراداتهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها، لأنه إذا لم يكن كذلك كثر خطؤه عليهم في ذلك كما شهدت به التجربة٩، والله أعلم. الحادية عشرة١٠: لا يجوز لمن كانت فتياه نقلا لمذهب إمامه إذا اعتمد في نقله على الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وجاز ذلك كما جاز اعتماد

стр. 90

الراوي على كتابه، واعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي ويحصل له الثقة بما يجده في١ نسخة غير موثوق بصحتها، بأن يجده في نسخ عدة من أمثالها، وقد تحصل له الثقة بما يجده في النسخة غير الموثوق بها بأن يراه كلامًا منتظمًا وهو خبير٢ فطن لا يخفى عليه في الغالب مواقع الإسقاط والتغيير٣، وإذا لم يجده إلا في موضع لم يثق بصحته نظر: فإن وجده موافقًا لأصول٤ المذهب وهو أهل التخريج مثله على المذهب، لو لم يجده منقولا فله أن يفتي به. فإن أراد أن يحكيه عن إمامه فلا يقل: قال الشافعي مثلا كذا وكذا. وليقل: وجدت عن الشافعي كذا وكذا. أو بلغني٥ عنه، أو ما أشبه هذا من العبارات. وأما إذا لم يكن أهلا لتخريج مثله، فلا يجوز له ذلك فيه وليس له أن يذكره بلفظ جازم مطلق. فإن سبيل مثله النقل المحض، ولم يحصل له فيه ما يجوز له مثل ذلك، ويجوز له أن يذكره في غير٦ مقام الفتوى مفصحًا بحاله فيه، فيقول: وجدته في نسخة من الكتاب الفلاني، أو من كتاب فلان، لا أعرف صحتها، أو وجدت عن فلان كذا وكذا، أو بلغني٧ عنه كذا وكذا٨، وما ضاهى ذلك من العبارات٩، والله أعلم١٠.

стр. 91

الثانية عشرة١: إذا أفتى في حادثة ثم وقعت مرة أخرى، فإن كان ذاكرًا لفتياه الأولى ومستندها إما بالنسبة إلى أصل٢ الشرع إن كان مستقلا، أو بالنسبة إلى مذهبه إن كان منتسبًا إلى مذهب ذي مذهب أفتى بذلك، وإن تذكرها ولم يتذكر مستندها، ولم يطرأ ما يوجب رجوعه عنها، فقد قيل: له أن يفتي بذلك، والأصح أنه لا يفتي حتى يجدد النظر٣. وبلغنا عن أبي الحسين٤ ابن القطان٥ أحد أئمة المذهب: أنه كان لا يفتي في شيء من المسائل حتى يلحظ الدليل٦, وهكذا ينبغي لمن هو دونه، ومن لم تكن فتواه حكاية عن غيره، ولم٧ يكن له بد من استحضار الدليل فيها. والله أعلم. الثالثة٨ عشرة٩: روينا عن الشافعي رضي الله عنه١٠، أنه قال: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ، ودعوا ما قلته"١١.

стр. 92

وهذا وما هو١ في معناه مشهور عنه٢، فعمل بذلك كثير من أئمة أصحابنا، وكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث وأفتى به قائلا: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرًا. ومنه ما نقل عن الشافعي ﵁ فيه قول على وفق الحديث وممن حكي عنه منهم أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك: أبو يعقوب البويطي٣، وأبو القاسم الداركي٤، وهو الذي قطع به٥ أبو الحسن إلكيا الطبري٦ في كتابه: "في أصول الفقه"، وليس هذا بالهين، فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من الحديث وفيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي

стр. 93

عمدًا على علم منه بصحته لمانع اطلع عليه وخفي على غيره، كأبي الوليد١ موسى بن أبي٢ الجارود٣ ممن صحب الشافعي "﵁"٤، وروي عنه أنه روى عن الشافعي "﵁"٥ أنه قال: "إذا صح عن النبي ﷺ حديث، وقلت قولا، فأنا راجع عن قولي قائل بذلك"٦. قال أبو الوليد: وقد صح حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" ٧ فأنا أقول

стр. 94

قال الشافعي: أفطر الحاجم والمحجوم. فرد على أبي الوليد ذلك من حديث أن الشافعي تركه مع صحته لكونه منسوخًا عنده، وقد دل رضي الله عنه١ على ذلك وبينه٢ وروينا عن ابن خزيمة٣ الإمام البارع في الحديث والفقه، أنه قيل له: "هل

стр. 95

تعرف سنة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي في كتبه١؟ قال: لا"٢. وعند هذا أقول: من وجد من الشافعيين حديثًا يخالف مذهبه نظر، فإن كملت آلات الاجتهاد فيه إما مطلقًا، وإما في ذلك الباب؛ أو في تلك المسألة على ما سبق بيانه كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفيه عنه جوابًا شافيًا فلينظر: هل عمل بذلك٣ الحديث إمام مستقل؟ فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك٤ عذرًا له٥ في ترك٦ مذهب إمامه في ذلك٧، والعلم عند الله ﵎. الرابعة عشرة٨: هل للمفتي المنتسب إلى مذهب الشافعي مثلا أن يفتي تارة بمذهب آخر٩؟ فيه تفصيل: وهو أنه إذا كان ذا اجتهاد "فأداه"١٠ اجتهاده١١ إلى مذهب إمام

стр. 96

آخر اتبع١ اجتهاده، وإن كان اجتهاده مقيدًا مشوبًا بشيء من التقليد نقل ذلك الشوب من التقليد إلى ذلك الإمام الذي أداه اجتهاده إلى مذهبه، ثم إذا أفتى بين ذلك في فتياه. وكان٢ الإمام أبو بكر القفال المروزي؛ يقول: لو اجتهدت فأدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة، فأقول: مذهب الشافعي كذا وكذا، ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة، لأنه جاء ليستفتي على مذهب الشافعي، فلا بد من أن أعرفه بأني أفتي بغيره. وحدثني أحد المفتين بخراسان أيام مقامي بها عن بعض مشايخه: أن الإمام أحمد الخوافي٣، قال للغزالي في مسألة أفتى فيها٤: أخطأت في الفتوى. فقال له الغزالي: من أين والمسألة ليست مسطورة؟ فقال له٥: بلى في "المذهب الكبير". فقال له الغزالي: ليست فيه، ولم تكن في الموضع الذي يليق بها. فأخرجها له الخوافي من موضع قد أجراها فيه المصنف استشهادًا. فقال له الغزالي عند ذلك: لا أقبل هذا واجتهادي ما قلت. فقال له الخوافي: هذا شيء آخر, أنت إنما تسأل عن مذهب الشافعي، لا عن٦ اجتهادك، فلا يجوز أن تفتي على اجتهادك، أو كما قال. و"المذهب الكبير"

стр. 97

هو "نهاية المطلب"١ تأليف الشيخ أبي المعالي ابن الجويني، وكان الخوافي مع الغزالي من أكابر أصحابه. وأما إذا لم يكن ذلك بناء على اجتهاد، فإن ترك مذهبه إلى مذهب هو أسهل عليه وأوسع. فالصحيح امتناعه، وإن تركه لكون الآخر أحوط المذهبين، فالظاهر جوازه، ثم عليه بيان ذلك في فتواه على ما تقدم٢، والله أعلم. الخامسة عشرة٣: ليس للمنتسب إلى مذهب الشافعي في المسألة ذات القولين أو الوجهين أن يتخير، فيعمل أو يفتي بأيهما شاء٤. بل عليه في القولين إن علم المتأخر منهما كما في الجديد مع القديم، أن يتبع المتأخر، فإنه ناسخ للمتقدم. وإن ذكرهما الشافعي جميعًا ولم يتقدم٥ أحدهما لكن رجح أحدهما كان الاعتماد على الذي رجحه، وإن جمع بينهما في حالة واحدة من غير ترجيح منه لأحدهما، وقد قيل: إنه لم يوجد منه ذلك إلا في ستة عشر، أو سبعة عشر موضعًا، أو نقل عنه قولان ولم يعلم حالهما فيما ذكرناه، فعليه البحث عن الأرجح الأصح منهما متعرفًا ذلك من أصول مذهبه غير متجاوز في الترجيح قواعد مذهبه إلى غيرها، هذا "إن"٦ كان ذا اجتهاد في مذهبه أهلا للتخريج عليه، فإن لم يكن أهلا لذلك فلينقله عن بعض أهل التخريج من أئمة المذهب، وإن لم يجد شيئًا من ذلك

стр. 98

فليتوقف. قال القاضي الإمام أبو الحسن الماوردي ﵀ في: مسألة فعل المحلوف عليه على نسيان "ذات"١ القولين. قال "لي"٢ شيخنا أبو القاسم الصيمري: ما أفتيت في يمين الناسي بشيء قط. وحكى٣ عن شيخه أبي الفياض٤: أنه لم يفت فيها بشيء قط. وحكى أبو الفياض عن شيخه أبي حامد المروروذي: أنه لم يفت فيها بشيء قط. وقال٥ "المروروذي"٦: فاقتديت بهذا السلف، ولم أفت فيها بشيء، لأن استعمال التوقي أحوط من فرطات الإقدام. وأما الوجهان، فلا بد من ترجيح أحدهما، وتعرف الصحيح منهما عند العمل والفتوى، بمثل الطريق المذكور، ولا عبرة٧ فيهما٨ بالتقدم والتأخر، سواء وقعا معًا في حالة واحدة من إمام من أئمة المذهب، أو من إمامين واحد بعد واحد، لأنهما انتسبا إلى المذهب انتسابًا واحدا وتقدم أحدهما لا يجعله بمنزلة تقدم أحد القولين من صاحب المذهب، "وليس ذلك أيضًا من قبيل اختلاف المفتيين على المستفتي، بل كل ذلك اختلاف راجع إلى

стр. 99

شخص واحد، وهو صاحب المذهب"١ فيلتحق باختلاف الروايتين عن رسول الله ﷺ في أنه يتعين العمل بأصحهما عنه، وإذا كان أحد الرأيين منصوصًا "عنه"٢، والآخر مخرجًا، فالظاهر أن٣ الذي نص عليه منهما يقدم كما يقدم ما رجحه من القولين المنصوصين على الآخر لأنه أقوى نسبة إليه منه، إلا إذا كان القول المخرج مخرجًا من نص آخر لتعذر الفارق، فاعلم ذلك. واعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقًا لقول أو وجه في المسألة، ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا تقيد به فقد جهل وخرق الإجماع، وسبيله سبيل الذي حكى عنه أبو الوليد الباجي المالكي٤ من فقهاء أصحابه، أنه كان يقول: إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة٥ أن أفتيه بالرواية التي توافقه. وحكى عن من يثق به: أنه وقعت له واقعة وأفتى فيها وهو غائب جماعة من فقهائهم من أهل الصلاح بما يضره، فلما عاد سألهم فقالوا: ما علمنا أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه٦. قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز. قلت: وقد قال إمامهم مالك ﵁ في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله٧ عنهم٨: "مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد"٩. وقال:

стр. 100

ليس كما قال ناس: فيه توسعة. قلت: لا توسعة فيه بمعنى "أنه يتخير بين أقوالهم من غير توقف على ظهور الراجح، وفيه توسعة"١ بمعنى أن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد مجالا فيما بين أقوالهم، وأن ذلك ليس مما يقطع فيه بقول واحد متعين لا مجال للاجتهاد في خلافه٢، والله أعلم. فرعان، أحدهما: إذا وجد من ليس أهلا للترجيح والتخريج٢ بالدليل اختلافًا بين أئمة المذهب في الأصح من القولين أو الوجهين فينبغي أن يفزع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة لزيادة الثقة بآرائهم، فيعمل بقول الأكثر والأعلم والأورع، وإذا اختص واحد منهم بصفة منها، والآخر بصفة أخرى، قدم الذي هو أحرى منهما بالإصابة. فالأعلم الورع مقدم على الأورع العالم، واعتبرنا ذلك إذا وجد قولين أو وجهين لم يبلغه عن أحد من أئمته بيان للأصح منهما اعتبر أوصاف ناقليهما وقائليهما، فما رواه المزني، أو الربع المرادي٤، مقدم عند أصحابنا على ما حكاه الإمام أبو سليمان الخطابي٥، عنهم على ما رواه حرملة٦، أو الربيع

стр. 101

الجيزي١، وأشباههما ممن لم يكن قوي الأخذ عن الشافعي "﵁"٢. ويرجح ما وافق منهما أكثر أئمة المذاهب المتبوعة، أو أكثر العلماء، وفيما استفدته٣ من الغرائب بخراسان عن الشيخ حسين بن مسعود٤، صاحب "التهذيب" عن شيخه القاضي حسين بن محمد، قال: إذا اختلف قول الشافعي في مسألة وأخذ القولين يوافق مذهب أبي حنيفة فأيهما أولى بالفتوى؟ قال الشيخ أبو حامد: ما يخالف قول أبي حنيفة أولى لأنه لولا أن الشافعي عرف فيه معنى خفيًّا لكان لا يخالف أبا حنيفة. وقال الشيخ القفال: ما يوافق قول أبي حنيفة أولى. قال: وكان القاضي يذهب إلى الترجيح بالمعنى، ويقول: كل قول كان معناه أرجح فذلك أولى وأفتى به. قلت٥: وقول القفال٦ المروزي المذكور أظهر من قول أبي حامد الإسفراييني،

стр. 102

وكلامهما محمول على ما إذا لم يعارض ذلك من جهة القول الآخر ترجيح آخر مثله أو أقوى منه. وهذه الأنواع من الترجيح معتبرة أيضًا بالنسبة إلى أئمة المذهب غير أن ما يرجحه الدليل عندهم مقدم على ذلك١، والله أعلم. الثاني: كل مسألة فيها قولان، قديم وجديد، فالجديد أصح وعليه الفتوى إلا في نحو عشرين مسألة أو أكثر يفتي فيها على٢ القديم على خلاف في ذلك بين٣ أئمة الأصحاب في أكثرها، وذلك مفرق في مصنفاتهم. وقد قال الإمام أبو المعالي ابن الجويني في "نهايته": قال الأئمة: كل قولين أحدهما جديد فهو أصح من القديم إلا في ثلاث مسائل، وذكر منها: مسألة التثويب في آذان الصبح٤.

стр. 103

ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير١. ولم ينص على الثالثة، غير أنه لما ذكر القول بعدم٢ استحباب قراءة السورة بعد الركعتين الأوليين٣، وهو القول القديم ذكر: أن عليه العمل. وفي هذا٤ إشعار بأن عليه الفتوى، فصاروا إلى ذلك في ذلك مع أن القديم لم يبق قولا للشافعي لرجوعه عنه، فيكون٥ اختيارهم إذن للقديم٦ فيها من قبل ما ذكرناه من اختيار٧ أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه كما سبق، وبل أولى لكون القديم قد

стр. 104

"كان"١ قولا له منصوصًا، ويلتحق بذلك ما اختار أحدهم القول المخرج على القول المنصوص، أو اختار من القولين اللذين رجح الشافعي أحدهما غير ما رجحه، وبل أولى من القول القديم، ثم حكم من لم يكن أهلا للتخريج٢ من المتبعين لمذهب الشافعي ﵁: أن لا يتبعوا شيئًا من اختياراتهم هذه المذكورة، لأنهم مقلدون للشافعي دون من خالفه٣، والله أعلم. المسألة السادسة عشرة٤: إذا اقتصر في جوابه على حكاية الخلاف بأن قال: فيها قولان أو وجهان، أو نحو ذلك من غير أن يبين الأرجح، فحاصل أمره أنه لم يفت بشيء٥. وأذكر أني حضرت بالموصل الشيخ الصدر المصنف أبا السعادات ابن الأثير الجزري٦ ﵀، فذكر بعض الحاضرين عنده، عن بعض المدرسين: أنه أفتى في مسألة، فقال: فيها قولان، وأخذ يزري عليه. فقال الشيخ ابن الأثير: كان الشيخ أبو القاسم بن البزري٧، وهو علامة زمانه في المذهب إذا كان في المسألة خلاف واستفتى عنها بذكر الخلاف في الفتيا، ويقال

стр. 105

له في ذلك، فيقول: لا أتقلد العهدة مختارًا لأحد الرأيين مقتصرًا عليه، وهذا حيد عن غرض الفتوى، وإذا لم يذكر شيئًا أصلًا فلم يتقلد العهدة أيضًا، ولكنه لم يأت بالمطلوب حيث لم يخلص السائل من عمايته١. وهذا في ذلك كذلك، ولا اقتداء بأبي بكر محمد بن داود الأصبهاني الظاهري في فتياه التي أخبرني بها أبو أحمد الوهاب بن علي٢ شيخ الشيوخ ببغداد، قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز٣، قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، قال: حدثني القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، حدثني أبو العباس الخضري٤. ح٥ وأخبرني

стр. 106

أيضًا الشيخ أبو العباس أحمد بن الحسين١ المقرئ٢ ببغداد، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام٣، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزَأبادي، قال: "سمعت شيخنا القاضي أبا الطيب الطبري، قال: سمعت أبا العباس الخضري، قال: كنت جالسًا عند أبي بكر بن داود٤، فجاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟ فقال أبو بكر: اختلف في ذلك أهل العلم. فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، ويبعث على التطلب٥ والاكتساب. وقال قائلون٦: يؤمر بالإنفاق وإلا يحمل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، فأعادت وقالت: رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟ فقال لها: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك وأرشدتك إلى طلبتك، ولست

стр. 107

بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، انصرفي١، قال: فانصرفت المرأة ولم تفهم جوابه٢. قلت: التصحيف شين، فاعلم أن أبا العباس الخضري، هذا هو بخاء معجمة مضمومة، وبضاد معجمة مفتوحة٣. وقوله: تؤمر بالصبر "والاحتساب"٤: في أوله التاء التي للمؤنث. وقوله: يبعث على التطلب٥: في أوله الياء٦ التي هي للمذكر. وقولها: لا هو٧ ممسكها: أي ليس ينفق عليها. ولقد وقع ابن داود بعيدًا عن مناهج المفتين في تعقيده "هذا"] ٨ وتسجيعه وتحبيره من استرشده وتضييعه، وهكذا إذا قال المفتي في موضع الخلاف: يرجع إلى رأي الحاكم. فقد عدل عن نهج الفتوى، ولم يفت أيضًا بشيء، وهو كما إذا استفتي فلم يجب، وقال: استفتوا غيري. وحضرت بالموصل شيخها٩ المفتي أبا حامد محمد بن يونس١٠، وقد استفتي في مسألة فكتب في جوابها: إن فيها خلافًا. فقال بعض من حضر: كيف يعمل المستفتي؟ فقال: يختار له القاضي أحد المذهبين، ثم قال: هذا يبنى على أن العامل إذا

стр. 108

اختلف عليه اجتهاد اثنين فبماذا يعمل١؟ وفيه خلاف مشهور، وهذا غير مستقيم. أما قوله أولا: يختار له الحاكم. فهو فاسد لما ذكرناه، ولأن الحاكم إذا لم يكن أهلا للفتوى، وذلك هو الغالب في زمان من ذكرنا عنه ما ذكرناه، فقد رده إلى رأي من لا رأيَ له، وأحاله على عاجز حاجته في ذلك إلى فتياه كحاجة من استفتاه. وأما قوله ثانيًا: يبنى ذلك على الخلاف فيما إذا اختلف عليه اجتهاد مفتيين في٢ فتواهما فهل يتخير بين فتويهما٣، أو يأخذ بالأخف، وبالأغلظ؟ فهذا فيه إحواج للمستفتي إلى أن يستفتي مرة أخرى ويسأل عن هذا أيضًا لأنه لا يدري أن حكمه التخيير، أو الأخذ بالأخف أو الأغلظ؟ فلم يأت إذن بما يكشف عن عمايته، بل زاده عماية وحيرة، على أن الصحيح في ذلك على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى: إنه يجب عليه الأخذ بقول الأوثق منهما، وإذا قال: فيه خلاف، ولم يعين القائلين لم يتهيأ له فيه، وهذه حالته٤ البحث عن الأوثق من القائلين. والله أعلم.

стр. 109

القول: في كيفية الفتوى وآدابها وفيه مسائل: الأولى: يجب على المفتي حيث يجب عليه الجواب أن يبينه بيانًا مُزيحًا للإشكال، ثم له أن يجيب شفاهًا باللسان، وإذا لم يعلم لسان المستفتي أجزأت ترجمة الواحد لأن طريقه الخبر، وله أن يجيب بالكتابة مع١ ما في الفتوى من الرقاع من الحظر، وكان القاضي أبو حامد المروروذي الإمام فيما بلغنا عنه كثير

стр. 110

الهرب من الفتوى في الرقاع. قال أبو القاسم الصيمري: وليس١ من الأدب للمفتي أن يكون السؤال بخطه، فأما بإملائه وتهذيبه فواسع. وبلغنا عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ﵀: أنه كان قد يكتب للمستفتي السؤال على ورق من عنده, ثم يكتب الجواب٢، والله أعلم. الثانية: إذا كانت المسألة فيها تفصيل لم يطلق الجواب٣، فإنه خطأ، ثم له أن يستفصل السائل إن حضر ويقيد السؤال في رقعة الاستفتاء ثم يجيب عنه، وهذا أولى وأسلم، وكثيرًا ما نتحراه نحن ونفعله، وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنها الواقع للسائل، ولكن يقول: هذا إذا كان كذا وكذا، وله أن يفصل الأقسام في جوابه، ويذكر حكم كل قسم، وهذا قد كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية، وقال: هذا ذريعة إلى تعليم الناس الفجور، ونحن نكرهه أيضًا لما ذكره: من أنه يفتح للخصوم باب التمحل والاحتيال الباطل، ولأن ازدحام الأقسام بأحكامها على فهم العامي يكاد يضيعه، وإذا لم يجد المفتي من يستفسره في ذلك كان مدفوعًا إلى التفصيل، فليتثبت وليجتهد في استيفاء الأقسام وأحكامها وتحريرها٤. والله أعلم. الثالثة: إذا كان المستفتي بعيد الفهم، فينبغي للمفتي أن يكون رفيقًا به صبورًا عليه، حسن التأني في التفهم منه. والتفهيم له حسن الإقبال عليه٥، لا سيما إذا كان ضعيف الحال، محتسبًا أجر ذلك فإنه جزيل.
следующие страницы →