Полный текст (114 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا
قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الْعَالم المتفنن الصَّالح أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن يُوسُف بن عَليّ الفِهري اللبلي ﵁ وَغفر لَهُ بفضله نحمد الله حمد الشَّاكِرِينَ وصلواته وَسَلَامه على سيدنَا مُحَمَّد رَسُوله خَاتم النَّبِيين وَإِمَام الْمُرْسلين وعَلى آله الطاهرين الطيبين عدد معلوماتك يَا رب الْعَالمين
أما بعد فَإِن جمَاعَة من حَملَة الْعلم الشريف وَذَوي الْفضل المنيف مِمَّن يجل قدرهم ويعظم خطرهم رَغِبُوا فِي أَن أصنف لَهُم مجموعا يتَضَمَّن ذكر شيوخي الجلة الْأَعْلَام أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الْإِسْلَام الَّذين أخذت عَنْهُم بالبلاد المشرقية والمغربية علم الْأُصُول وَغَيره من الْعُلُوم الدِّينِيَّة على اخْتِلَاف ضروبها وتباين فنونها وتبيين أخذي للتصانيف عَنْهُم رضوَان الله عَلَيْهِم ومغفرته الدائمة لَهُم من قِرَاءَة وَسَمَاع ومناولة وإجازة مَوْصُولا أسانيدها بأصحاب
стр. 2
التصانيف وأرباب الْمذَاهب والتواليف فأجبتهم إِلَى مقصودهم وسارعت إِلَى امْتِثَال مرغوبهم لما رَأَيْت من تشوفهم لطريق الرِّوَايَة وتشوقهم لأسباب الدِّرَايَة وَهَا أَنا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أشرع فِي ذكرهم وتحليتهم بِالصِّفَاتِ اللائقة بهم وأذكر مَا حضرني من معرفَة وفاتهم وولادتهم مستعينا بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَهُوَ خير معِين
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ﵁ وأبقاه أما علم الْكَلَام وأصول الْفِقْه فَإِنِّي أَخَذتهَا تفقها عَن جمَاعَة كَبِيرَة من الْعلمَاء الْمَشْهُورين وَالْأَئِمَّة المعتبرين وَأَنا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أذكر من أخذت عَنهُ هذَيْن العلمين أَو أَحدهمَا مُتَّصِلا إِسْنَاده بِالْإِمَامِ الرضي أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ واصفا لَهُم بِمَا ثَبت لَدَى من أَحْوَالهم وَبَلغنِي صَحِيحا من أخبارهم
فَمِمَّنْ أخذت عَلَيْهِ هذَيْن العلمين بالبلاد المصرية تفقها شَيخنَا شرف الدّين ابْن التلمساني وَأخذ شَيخنَا شرف الدّين عَن شَيْخه المقترح وَأخذ المقترح عَن شَيْخه الطوسي وَأخذ الطوسي عَن شَيْخه الْغَزالِيّ وَأخذ الْغَزالِيّ عَن شَيْخه أبي الْمَعَالِي وَأخذ أَبُو الْمَعَالِي عَن شَيْخه الإسفرايني وَأخذ الإسفرايني عَن شَيْخه الباقلاني وَأخذ الباقلاني عَن شَيْخه الْبَاهِلِيّ وَأخذ الْبَاهِلِيّ عَن شَيْخه الإِمَام أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس فعلى طَرِيق هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة رضوَان الله عَلَيْهِم ومغفرته لديهم المنظومين فِي هَذَا السلك المهتدى بأنوارهم فِي الدياجي الْغَلَس المقتدى بهم
стр. 3
فِي الدّين أَخذ علم أصُول الدّين وَهَا أَنا أذكرهم بحول الله تَعَالَى وقوته إِمَامًا إِمَامًا وعالما عَالما وَاحِد إِثْر وَاحِد على النسق الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَالتَّرْتِيب الَّذِي نظمنه فَنَقُول
١ - شرف الدّين ابْن التلمساني
أما شَيخنَا شرف الدّين ابْن التلمساني الْعَالم الْفَاضِل فَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يحيى بن عَليّ الفِهري الْمَشْهُور بِابْن التلمساني فَكَانَ ﵀ نظارا محققا وَفِي علم الْأُصُولِيِّينَ مدققا تخرج بشيخه الإِمَام المقترح وسلك طَرِيقَته وبذ فِيهَا صحابته فَاضلا دينا متواضعا حسن الْخلق كثير الْبشر وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية شرف الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عين الدولة الإسْكَنْدراني شَدِيد الاعتناء بِهِ
стр. 4
والتحفي بجانبه لما لحقه من ديانته وسداد طَرِيقَته أَهله للعدالة بالديار المصرية وَجعله من أوجه عدولها وَكَانَ أخيرا عَاقد الْأَنْكِحَة بهَا وقاضي الْقُضَاة هَذَا الَّذِي أَهله لهَذَا المنصب هُوَ الَّذِي كَانَ يَقُول فِيهِ الْملك الْكَامِل رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَعِنْدِي قاضيان أَفْخَر بهما على مُلُوك الأَرْض شرف الدّين والإسكندراني وجمال الربعِي قَاضِي إسكندرية
وَلَقَد حَدثنِي من أَثِق بِهِ فِيمَا يحكيه وأصدقه فِيمَا يخبر بِهِ وَيَرْوِيه أَن قَاضِي الْقُضَاة الإسْكَنْدراني هَذَا بَقِي أَرْبَعِينَ سنة قَاضِيا على الديار المصرية وَأَنه مُدَّة قَضَائِهِ بهَا وتوليه عَلَيْهَا لم يبصر النّيل وَلَا شَاهد المقياس هَذَا مَعَ اتصالهما بِالْمَدَنِيَّةِ وتشوف النُّفُوس إِلَى رُؤْيَتهمَا وَأَنه لما توفّي لم يُوجد لَهُ سوى سَرِير من جريد النّخل ونوخ من الحلفاء ولبد أَبيض كَانَ ينَام عَلَيْهِ على هَذَا كَانَت حَاله إِلَى أَن وافاه حمامه والديار المصرية كلهَا بِيَدِهِ وراجعة إِلَى حكمه وَنَظره
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ﵁ ونفعه بِالْعلمِ ونفع بِهِ وَكَانَ شَيخنَا شرف الدّين ابْن التلمساني شَافِعِيّ الْمَذْهَب ذَا معارف كَثِيرَة فِي فنون من الْعُلُوم مُتعَدِّدَة
стр. 5
التصانيف النفيسه والتواليف المفيدة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَغَيرهمَا فَمن تصانيفه شرح كتاب التَّنْبِيه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي تصنيف الإِمَام أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَهَذَا الْكتاب عِنْد الشَّافِعِيَّة بِمَنْزِلَة كتاب التَّفْرِيع عِنْد الْمَالِكِيَّة وَبَينهمَا من البون مَا بَين الْأَبْيَض والجون فأجاد تصنيفه وَأحسن مَا شَاءَ تأليفه وَمِنْهَا شَرحه للمعالمين الْأُصُولِيَّة والدينية اللَّتَيْنِ للْإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ وتمم شرح الْإِرْشَاد لشيخه المقترح فَإِن المقترح ﵀ لم يكمله وانْتهى فِيهِ إِلَى المعجزات نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فتممه شَيخنَا شرف الدّين إِلَى غير ذَلِك من مصنفاته
قَرَأت عَلَيْهِ كتاب الْإِرْشَاد بِمصْر المحروسة للْإِمَام أبي
стр. 6
الْمَعَالِي تفقها وَبَعض كتاب الْبُرْهَان فِي أصُول الْفِقْه لإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَيْضا وَبَعض غَايَة الأمل فِي علم الجدل للسيف الْآمِدِيّ وَأذن لي ﵀ أَن أَقْْرِئ ذَلِك وَكتب لي بِخَطِّهِ على نُسْخَتي الَّتِي كنت أقرأها عَلَيْهِ وَهِي عِنْدِي الْآن مَا هَذَا نَصه قَرَأَ عَليّ جَمِيع كتاب الْإِرْشَاد لإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمن برهانه فِي أصُول الْفِقْه إِلَى النواهي وَبَعض غَايَة الأمل فِي علم الجدل للآمدي الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الْعَالم الأديب النَّحْوِيّ مجد الْعلمَاء وفخر الأدباء الْفَاضِل أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن يُوسُف الفِهري اللبلي نَفعه الله بِالْعلمِ ونفع بِهِ وَأحسن إِلَيْهِ وأجزل نعماه لَدَيْهِ قِرَاءَة بحث واستيضاح وكشف لغوامض ذَلِك قولة تؤذن لفهم مَعَانِيه وَالْوُقُوف على مَا أودع فِيهِ وَقد أَذِنت لَهُ وَفقه الله أَن يقرئ ذَلِك لمن رغب فِيهِ ثِقَة بحذقه وَعلمه وجودة ذهنه وفهمه وَالله تَعَالَى يعصمنا وإياه
стр. 7
من الزلل ويوفقنا لصالح القَوْل وَالْعَمَل كتبه عبد الله بن يحيى بن عَليّ الفِهري
هَذَا نَص مَا كتبه بِلَفْظِهِ وَسمعت عَلَيْهِ أَيْضا بعض المعالم الأصوليه والدينية وَبَعض شَرحه لَهَا وَبَعض الْأَسْرَار الْعَقْلِيَّة فِي الْكَلِمَات النَّبَوِيَّة لشيخه المقترح إِلَى غير ذَلِك
وَلم يتَحَقَّق لدي تَارِيخ مولده ووفاته حَتَّى أثْبته
٢ - المقترح
أما المقترح شيخ شَيخنَا شرف الدّين التلمساني فَهُوَ الإِمَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعِزّ مظفر أنظر أهل عصره وأحدهم خاطرا فِي علم الْكَلَام وَغَيره وأقطعهم للخصوم فِي المناظرة وأعرفهم بطرق الْجِدَال فِي المباحثة لَهُ الْعبارَات المهذبة والألفاظ الرشيقة المستعذبة كَلَامه قَلِيل الحشو ومشحون
стр. 8
بالفوائد وَأَلْفَاظه منتظمة مثل الفرائد
تفقه بِابْن أبي مَنْصُور وَتخرج بالطوسي وبرع عِنْده وَإِنَّمَا لقب بِهَذَا اللقب أَعنِي المقترح لشدَّة كلفه بِالْكتاب الْمُسَمّى بِهَذَا الِاسْم واعتنائه بِهِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُفَارِقهُ وقتا من الْأَوْقَات وعَلى حَالَة من الْأَحْوَال لَا يزَال ظَاهرا فِي يَده أَو دَاخِلا فِي كمه إِلَى أَن شهر باسمه وَاسْتحق بمعرفته بِهِ وملازمته لَهُ وسمه بِهِ
لَهُ التصانيف الْحَسَنَة والتواليف المستحسنة شرح الْإِرْشَاد لإِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي وَشرح الْبَحْر الْكَبِير وَهُوَ الْمُسَمّى بالمقترح والأسرار الْعَقْلِيَّة فِي الْكَلِمَات النَّبَوِيَّة وَله تَعْلِيق يسير على كتاب الْبُرْهَان لإِمَام الْحَرَمَيْنِ
٣ - الطوسي
وَأما الطوسي شيخ المقترح فَهُوَ الإِمَام الْعَالم شهَاب الدّين
стр. 9
أَظُنهُ صَاحب التَّعْلِيق المحشو بالتحقيق المبرز فِي علم الْخلاف الْمَشْهُور فِي سَائِر الْبِلَاد والأطراف
تخرج بِالْإِمَامِ الْغَزالِيّ وَكَانَ مَوْصُوفا بِحسن النّظر مَعْرُوفا بِقُوَّة الجدل نسخ تَعْلِيقه سَائِر التَّعَالِيق وطار ذكرهَا فِي المغارب والمشارق
٤ - الْغَزالِيّ
وَأما الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ شيخ الطوسي فَهُوَ على مَا أخبرنَا بِهِ الإِمَام عز الدّين عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام عَن شَيْخه الْحَافِظ بهاء الدّين أبي مُحَمَّد عَن وَالِده الإِمَام الْحَافِظ مُحدث الشَّام أبي الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن هبة الله بن عَسَاكِر الشَّافِعِي الدِّمَشْقِي قَالَ أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل بن عبد الغافر الْفَارِسِي وَأَخْبرنِي أَيْضا
стр. 10
بِالْقَاهِرَةِ الْحَافِظ الْمُحدث عبد الْعَظِيم بن عبد الْقوي الْمُنْذِرِيّ عَن شَيْخه الْحَافِظ أبي الْحسن عَليّ ابْن الْمفضل الْمَقْدِسِي عَن الْحَافِظ بن عَسَاكِر قَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ حجَّة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين إِمَام أَئِمَّة الدّين من لم تَرَ الْعُيُون مثله لِسَانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا شدا طرفا فِي صباه بطوس من الْفِقْه على الإِمَام أَحْمد الراذكاني ثمَّ قدم نيسابور مُخْتَلفا إِلَى درس أَمَام الْحَرَمَيْنِ فِي طَائِفَة من الشبَّان فِي طوس وجد واجتهد حَتَّى تخرج عَن مُدَّة قريبَة وبذ الأقران وَصَارَ أنظر أهل زَمَانه وَوَاحِد أقرانه فِي أَيَّام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ الطّلبَة مستفيدين مِنْهُ ويدرس لَهُم ويرشدهم ويجتهد فِي نَفسه وَبلغ الْأَمر بِهِ إِلَى أَن أَخذ فِي التصنيف
وَكَانَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي مَعَ علو دَرَجَته وسمو عِبَارَته وَسُرْعَة جريه فِي النُّطْق وَالْكَلَام لَا يصغي نظره إِلَى الْغَزالِيّ سترا لإنافته عَلَيْهِ فِي سرعَة الْعبارَة وَقُوَّة الطَّبْع وَلَا يطيب
стр. 11
لَهُ تصديه للتصانيف وَإِن كَانَ متخرجا بِهِ منتسبا إِلَيْهِ كَمَا لَا يخفى من طبع الْبشر وَلكنه يظْهر التبجح بِهِ والاعتداد بمكانه ظَاهرا خلاف مَا يضمره ثمَّ بَقِي كَذَلِك إِلَى انْقِضَاء أَيَّام الإِمَام فَخرج من نيسابور وَصَارَ إِلَى الْعَسْكَر واحتل من مجْلِس نظام الْملك مَحل الْقبُول وَأَقْبل عَلَيْهِ الصاحب لعلو دَرَجَته وَظُهُور اسْمه وَحسن مناظرته وجري عِبَارَته وَكَانَت تِلْكَ الحضرة محط رحال الْعلمَاء ومقصد الْأَئِمَّة والفصحاء فَوَقَعت للغزالي اتفاقات حَسَنَة من الاحتكاك بالأئمة وملاقاة الْخُصُوم ومناظرة الفحول ومبارزة الْكِبَار فَظهر اسْمه فِي الْآفَاق حَتَّى أدَّت الْحَال إِلَى أَن رسم الْمسير إِلَى بَغْدَاد للْقِيَام بتدريس الْمدرسَة الميمونة النظامية بهَا فَصَارَ إِلَيْهَا وأعجب الْكل بتدريسه ومناظرته وَمَا لَقِي مثل نَفسه وَصَارَ بعد إِمَامَة خُرَاسَان إِمَام الْعرَاق ثمَّ نظر فِي علم الْأُصُول وَكَانَ قد أحكمها فصنف فِيهَا تصانيف وجدد الْمَذْهَب فِي الْفِقْه فصنف فِيهِ تصانيف وسبك الْخلاف فحرر فِيهِ أَيْضا تصانيف وعلت
стр. 12
حشمته ودرجته فِي بَغْدَاد حَتَّى كَانَ يغلب حشمه الأكابر والأمراء وَدَار الْخلَافَة وانقلب الْأَمر من وَجه آخر وَظهر عَلَيْهِ بعد مطالعته للعلوم الدقيقة وممارسته الْكتب المصنفة فِيهَا وسلك طَرِيق التزهد والتأله وَترك الحشمة وَطرح مَا نَالَ من الدرجَة والاشتغال بِأَسْبَاب التَّقْوَى وَزَاد الْآخِرَة فَخرج عَمَّا كَانَ فِيهِ وَقصد بَيت الله تَعَالَى وَحج ثمَّ قصد الشَّام وَأقَام فِي تِلْكَ الديار قَرِيبا من عشر سِنِين يطوف ويزور الْمشَاهد المعظمة وَأخذ فِي التصانيف الْمَشْهُورَة الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا مثل إحْيَاء عُلُوم الدّين والكتب المختصرة مِنْهَا مثل الْأَرْبَعين وَغَيرهَا من الرسائل الَّتِي من تأملها علم مَحل الرجل من فنون الْعلم وَأخذ فِي مجاهدة النَّفس وتعمير الْأَخْلَاق وتحسين الشَّمَائِل وتهذيب المعاش فَانْقَلَبَ شَيْطَان الرعونة وَطلب الرِّئَاسَة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إِلَى سُكُون النَّفس وكرم الْأَخْلَاق والفراغ عَن الرسوم والتزينات والتزيي بزِي المصلحين وَقصر الأمل ووقف الْأَوْقَات على هِدَايَة الْخلق ودعائهم إِلَى مَا يعينهم من أَمر الْآخِرَة وتبغيض الدُّنْيَا والاشتغال بهَا عَن السالكين والاستعداد للرحيل إِلَى الدَّار الْبَاقِيَة والانقياد لكل من يتوسم فِيهِ أَو يشم مِنْهُ رَائِحَة الْمعرفَة والتيقظ لشَيْء من أنوار
стр. 13
الْمُشَاهدَة حَتَّى تمرن على ذَلِك ولان
ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه لَازِما بَيته مشتغلا بالتفكر ملازما للْوَقْت مَقْصُودا نفيسا وذخرا للقلوب وَلكُل من يَقْصِدهُ وَيدخل عَلَيْهِ إِلَى أَن أَتَى على ذَلِك مُدَّة وَظَهَرت التصانيف وكتبت الْكتب وَلم تبد فِي أَيَّامه مناقضة لما كَانَ فِيهِ وَلَا اعْتِرَاض لأحد على مَا أَثَره حَتَّى انْتَهَت نوبَة الوزارة إِلَى الْأَجَل فَخر الْملك جمال الشُّهَدَاء تغمده الله برحمته وتزينت خُرَاسَان بحشمه ودولته وَقد سمع وَتحقّق مَكَانا للغزالي ودرجته وَكَمَال فَضله وحالته وصفاء عقيدته ونقاء سَرِيرَته فتبرك بِهِ وحضره وَسمع كَلَامه فاستدعى مِنْهُ أَلا تبقى أنفاسه وفوائده عقيمه لَا استفادة مِنْهَا وَلَا اقتباس من أنوارها وألح عَلَيْهِ كل الإلحاح وتشدد فِي الاقتراح إِلَى أَن أَجَابَهُ إِلَى الْخُرُوج وَحمل إِلَى نيسابور وَكَانَ اللَّيْث غَائِبا عَن عرينه وَالْأَمر خافيا فِي مَسْتُور قَضَاء الله ومكنونه فأشير عَلَيْهِ بالتدريس فِي الْمدرسَة الميمونه النظامية عمرها الله
стр. 14
فَلم يجد بدا من الإذعان للولاة وَنوى بِإِظْهَار مَا اشْتغل بِهِ هِدَايَة الشداة وإفادة القاصدين دون لرجوع إِلَى مَا انخلع عَنهُ وتجدد عزوفه عَن طلب الجاه ومماراة الأقران ومكابرة المعاندين وَكم قرع عَصَاهُ بِالْخِلَافِ والوقوع فِيهِ والطعن فِيمَا يذره ويأتيه والسعاية بِهِ والتشنيع عَلَيْهِ فَمَا تأثر بِهِ وَلَا اشْتغل بِجَوَاب الطاعنين وَلَا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين
وَلَقَد زرته مرَارًا وَمَا كنت أجد من نَفسِي مَعَ مَا عهدته فِي سالف الزَّمَان عَلَيْهِ من الزعارة وإيحاش النَّاس وَالنَّظَر إِلَيْهِم إِلَّا بِعَين الازدراء وَالِاسْتِخْفَاف بهم كبرا وخيلاء واعتزازا بِمَا رزق من البسطة فِي النُّطْق والخاطر والعبارة وَطلب الجاه والعلو فِي الْمنزلَة ثمَّ إِنَّه صَار على الضِّدّ وتصفى عَن تِلْكَ الكدورات وَكنت أَظن أَنه متلفع بجلباب التَّكَلُّف متنمس بِمَا صَار إِلَيْهِ فتحققت بعد السبر والتنقير أَن الْأَمر على خلاف المظنون وَأَن الرجل أَفَاق بعد الْجُنُون
وَحكى لنا فِي لَيَال فِي كَيْفيَّة أَحْوَاله من ابْتِدَاء مَا ظهر لَهُ
стр. 15
وسلوك طَرِيق الْعَالم وَغَلَبَة الْحَال عَلَيْهِ بعد بتحره فِي الْعُلُوم واستطالته على الْكل بِكَلَامِهِ والاستعداد الَّذِي خصّه الله بِهِ فِي تَحْصِيل أَنْوَاع الْعُلُوم وتمكنه من الْبَحْث وَالنَّظَر حَتَّى تبرم من الِاشْتِغَال بالعلوم الْعرية عَن الْمُعَامَلَة وتفكر فِي الْعَاقِبَة وَمَا يجدي وينفع فِي الْآخِرَة فَانْتَفع بِصُحْبَتِهِ الفارمذي وَأخذ مِنْهُ استفتاح الطَّرِيقَة وامتثل كل مَا كَانَ يُشِير عَلَيْهِ من الْقيام بوظائف الْعِبَادَات والإمعان فِي النَّوَافِل واستدامة الْأَذْكَار وَالْجد وَالِاجْتِهَاد طلبا للنجاة إِلَى أَن جَازَ تِلْكَ العقبات وتكلف تِلْكَ المشاق وَمَا تحصل على مَا كَانَ يطْلب من مَقْصُوده ثمَّ حكى أَنه رَاجع الْعُلُوم وخاض الْفُنُون وعاود الْجد وَالِاجْتِهَاد فِي كتب الْعُلُوم الدقيقة والتقى بأربابها حَتَّى
стр. 16
انْفَتح لَهُ أَبْوَابهَا وَبَقِي مُدَّة فِي الوقائع وتكافؤ الْأَدِلَّة وأطراف الْمسَائِل ثمَّ حكى أَنه فتح عَلَيْهِ بَاب من الْخَوْف بِحَيْثُ شغله عَن كل شَيْء وَحمله على الْإِعْرَاض عَمَّا سواهُ حَتَّى سهل ذَلِك وَسكن إِلَى أَن ارتاض كل الرياضة وَظَهَرت لَهُ الْحَقَائِق وَصَارَ مَا كُنَّا نظن بِهِ ناموسا وتخلقا طبعا وتحققا وَأَن ذَلِك أثر السَّعَادَة الْمقدرَة لَهُ من الله تَعَالَى ثمَّ سألناه عَن كَيْفيَّة رغبته فِي الْخُرُوج من بَيته وَالرُّجُوع إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ من أَمر نيسابور فَقَالَ معتذرا عَنهُ مَا كنت أجوز فِي ديني أَن أَقف عَن الدعْوَة وَمَنْفَعَة الطالبين بالإفادة وَقد حق عَليّ أَن أبوح بِالْحَقِّ وأنطق بِهِ وأدعو إِلَيْهِ وَكَانَ صَادِقا فِي ذَلِك ثمَّ ترك ذَلِك قبل أَن يتْرك وَعَاد إِلَى بَيته وَاتخذ فِي جواره مدرسة لطلبة الْعلم وخانقاه للصوفية وَكَانَ قد وزع أوقاته على وظائف الْحَاضِرين من ختم لِلْقُرْآنِ ومجالسة أهل الْقُلُوب وَالْقعُود للتدريس بِحَيْثُ لَا تَخْلُو لَحْظَة من لحظاته ولحظات من مَعَه من فَائِدَة إِلَى أَن أَصَابَهُ عين الزَّمَان وضن الْأَيَّام بِهِ عَن أهل عصره فنقله الله تَعَالَى إِلَى كريم جواره بعد مقاساة أَنْوَاع من الْقَصْد والمناوأة من الْخُصُوم وَالسَّعْي بِهِ إِلَى الْمُلُوك وكفاية الله تَعَالَى وَحفظه وصيانته عَن أَن تنوشه أَيدي النكبات أَو ينهتك ستر دينه بِشَيْء من الزلات وَكَانَت خَاتِمَة أمره إقباله على حَدِيث الْمُصْطَفى ﷺ ومطالعة الصَّحِيحَيْنِ
стр. 17
للْبُخَارِيّ وَمُسلم اللَّذين هما حجَّة الْإِسْلَام وَلَو عَاشَ لبز الْكل فيذلك الْفَنّ بِيَسِير من الْأَيَّام يستفرغه فِي تَحْصِيله وَلَا شكّ أَنه سمع الْأَحَادِيث فِي الْأَيَّام الْمَاضِيَة واشتغل فِي آخر عمره بسماعها وَلم تتفق لَهُ الرِّوَايَة وَلَا ضَرَر فَمَا خَلفه من الْكتب المصنفة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَسَائِر الْأَنْوَاع يخلد ذكره ويقرر عَنهُ المطالعين المصنفين المستفيدين مِنْهَا أَنه لم يخلف مِثَاله بعده
وَمضى إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع عشر من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخَمْسمِائة وَدفن بِظَاهِر قَصَبَة طَابَ ران وَالله تَعَالَى يَخُصُّهُ بأنواع الْكَرَامَة فِي أَخَّرته كَمَا خصّه بفنون الْعلم فِي دُنْيَاهُ بمنه وَلم يعقب إِلَّا الْبَنَات وَكَانَ لَهُ من الْأَسْبَاب إِرْثا وكسبا مَا يقوم بكفايته وَنَفَقَة أَهله وَأَوْلَاده فَمَا كَانَ يباسط أحدا فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة وَقد عرضت عَلَيْهِ الْأَمْوَال فَمَا قبلهَا وَأعْرض عَنْهَا وَاكْتفى بِالْقدرِ الَّذِي يصون بِهِ دينه وَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى التَّعَرُّض لسؤال من غَيره
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أبقى الله حَيَاته وَأما نسبته إِلَى الغزال الْغَزالِيّ فعلى عَادَة أهل خوارزم وجرجان فَإِنَّهُم
стр. 18
ينسبون إِلَى الغزال الْغَزالِيّ وَإِلَى الْقصار القصاري كَذَا ذكر الشَّيْخ الْفَقِيه شمس الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خلكان فِي تَارِيخه وَقَالَ عَن السَّمْعَانِيّ وَقيل إِنَّه غزالي بِالتَّخْفِيفِ وَهَذِه النِّسْبَة إِلَى غزالة وَهِي قَرْيَة من قرى طوس من أَعمال خُرَاسَان
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس وَذكر ابْن خلكان أَن الإِمَام أَبَا حَامِد ولد سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة وَأَنه توفّي كَمَا ذكرنَا سنة خمس وَخَمْسمِائة
٥ - أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ﵁ وَأما الإِمَام أَبُو
стр. 19
الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ النَّيْسَابُورِي فَهُوَ على مَا ذكره الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر بسندي الْمُتَقَدّم عَنهُ قَالَ عبد الْملك بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ أَبُو الْمَعَالِي ابْن ركن الْإِسْلَام أبي مُحَمَّد إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَخر الْإِسْلَام إِمَام الْأَئِمَّة على الْإِطْلَاق حبر الشَّرِيعَة الْمجمع على إِمَامَته شرقا وغربا الْمقر بفضله السراة والحداة عجما وعربا من لم تَرَ الْعُيُون مثله قبله وَلَا ترى بعده رباه حجر الْإِمَامَة وحرك ساعد السَّعَادَة مهده وأرضعه ثدي الْعلم والورع إِلَى أَن ترعرع فِيهِ ويفع أَخذ من الْعَرَبيَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا أوفر حَظّ وَنصِيب فَزَاد فِيهَا على كل أديب ورزق من التَّوَسُّع فِي الْعبارَة وعلوها مَا لم يعْهَد من غَيره حَتَّى أنسى بذلك سحبان وفَاق فِيهَا الأقران وَحَملَة الْقُرْآن وأعجز الفصحاء اللد وَجَاوَزَ الْوَصْف وَالْحَد وكل من سمع خَبره أَو رأى أَثَره فَإِذا شَاهد أقرّ بِأَن خَبره يزِيد كثيرا على الْخَبَر ويمر على مَا عهد من الْأَثر وَكَانَ يذكر دروسا يَقع كل وَاحِد مِنْهَا فِي أطباق وأوراق لَا يتلعثم فِي كلمة وَلَا يحْتَاج
стр. 20
إِلَى اسْتِدْرَاك عَثْرَة مرا فِيهَا كالبرق الخاطف بِصَوْت مُطَابق كالرعد القاصف ينزف فِيهِ المبرزون وَلَا يدْرك شأوه المتشدقون المتفيهقون وَمَا يُوجد مِنْهُ فِي كتبه من الْعبارَات الْبَالِغَة كنه الفصاحة غيض من فيض مَا كَانَ على لِسَانه وغرفة من أمواج مَا كَانَ يعْهَد من بَيناهُ فتفقه فِي صباه على وَالِده ركن الْإِسْلَام فَكَانَ يرضى بطبعه وتحصيله وجودة قريحته وكياسة غريزته لما يرى فِيهِ من المخايل فخلفه فِيهِ من بعد وَفَاته وأتى على جَمِيع مصنفاته يقلبها ظهرا لبطن وَتصرف فِيهَا وَخرج الْمسَائِل بَعْضهَا على بعض ودرس سِنِين وَلم يرض فِي شبابه بتقليد وَالِده وَأَصْحَابه حَتَّى أَخذ فِي التَّحْقِيق وجد واجتهد فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف ومجالس النّظر حَتَّى ظَهرت نجابته ولاحت عَلَيْهِ مخايل أَبِيه وفراسته وسلك طَرِيق المباحثة وَجمع الطّرق بالمطالعة والمناظرة والمنافثة حَتَّى أربى على الْمُتَقَدِّمين وأنسى تَصَرُّفَات الْأَوَّلين وسعى فِي دين الله سعيا يبْقى أَثَره إِلَى يَوْم الدّين
وَمن ابْتِدَاء أمره أَنه لما توفّي أَبوهُ كَانَ سنة دون الْعشْرين أَو قَرِيبا مِنْهُ فَأقْعدَ مَكَانَهُ للتدريس فَكَانَ يُقيم الرَّسْم فِي
стр. 21
درسه وَيقوم مِنْهُ وَيخرج إِلَى مدرسة الْبَيْهَقِيّ حَتَّى حصل الْأُصُول وأصول الْفِقْه على الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي الْقَاسِم الإسكاف الإسفرايني وَكَانَ مواظبا على مَجْلِسه وَقد سمعته يَقُول فِي أثْنَاء كَلَامه كنت علقت عَلَيْهِ فِي الْأُصُول أَجزَاء مَعْدُودَة وطالعت فِي نَفسِي مائَة مُجَلد وَكَانَ يصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي التَّحْصِيل حَتَّى فرغ مِنْهُ ويبكر كل يَوْم قبل الِاشْتِغَال بدرس نَفسه إِلَى مَسْجِد الْأُسْتَاذ أبي عبد الله الْخَبَّازِي يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن ويقتبس من كل نوع من الْعُلُوم مَا يُمكنهُ من مواظبته على التدريس وَينْفق مَا وَرثهُ وَمَا كَانَ لَهُ من الدخل على إِجْرَاء المتفقهة ويجتهد فِي ذَلِك ويواظب على المناظرة إِلَى أَن ظهر التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ واضطربت الْأَحْوَال والأمور فاضطر إِلَى السّفر وَالْخُرُوج عَن الْبَلَد فَخرج مَعَ الْمَشَايِخ إِلَى الْعَسْكَر وَخرج إِلَى بَغْدَاد يطوف مَعَ الْعَسْكَر ويلتقي بالأكابر من الْعلمَاء ويدارسهم ويناظرهم
стр. 22
حَتَّى تهذب فِي النّظر وشاع ذكره ثمَّ خرج إِلَى الْحجاز وجاور بِمَكَّة أَربع سِنِين يدرس ويفتي وَيجمع طرق الْمَذْهَب وَيقبل على التَّحْصِيل إِلَى أَن اتّفق رُجُوعه بعد مُضِيّ نوبَة التعصب فَعَاد إِلَى نيسابور وَقد ظهر نوبَة ولَايَة السُّلْطَان ألب أرسلان وتزين وَجه الْملك بِإِشَارَة نظام الْملك واستقرت أُمُور الْفَرِيقَيْنِ وَانْقطع التعصب فَعَاد إِلَى التدريس وَكَانَ بَالغا فِي الْعلم نهايته مستجمعا أَسبَابه فبنيت الْمدرسَة الميمونة النظامية وأقعد للتدريس فِيهَا واستقامت أُمُور الطّلبَة وَبَقِي على ذَلِك قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة غير مُزَاحم وَلَا مدافع مُسلم لَهُ الْمِحْرَاب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التَّذْكِير يَوْم الْجُمُعَة والمناظرة وهجرت لَهُ الْمجَالِس وانغمر غَيره من الْفُقَهَاء بِعِلْمِهِ وتسلطه وكسدت الْأَسْوَاق فِي جنبه ونفق سوق الْمُحَقِّقين من خواصه وتلامذته وَظَهَرت تصانيفه وَحضر درسه الأكابر وَالْجمع الْعَظِيم من الطّلبَة وَكَانَ يقْعد بَين يَدَيْهِ كل يَوْم نَحْو من ثَلَاثمِائَة رجل من الْأَئِمَّة وَمن الطّلبَة وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة والفحول وَأَوْلَاد الصُّدُور حَتَّى بلغُوا مَحل التدريس فِي زَمَانه وانتظم بإقباله على الْعلم ومواظبته على التدريس والمناظرة والمباحثة أَسبَاب ومخايل ومجامع وإمعان فِي طلب الْعلم وسوق نافقة لأَهله لم تعهد قبله واتصل بِهِ مَا يَلِيق بمنصبه من الْقبُول عِنْد السُّلْطَان والوزير والأركان ووقور الحشمة عِنْدهم بِحَيْثُ لَا يذكر غَيره فَكَانَ
стр. 23
الْمُخَاطب والمشار إِلَيْهِ فالمقبول من قبله والمهجور من هجره والمصدر فِي الْمجَالِس من ينتمي إِلَى خدمته والمنظور أليه من يغترف فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع من طَرِيقَته
وَاتفقَ مِنْهُ تصانيف برسم الحضرة النظامية مثل النظامي والغياثي وإنفاذها إِلَى الحضرة ووقوعها موقع الْقبُول ومقابلتها بِمَا يَلِيق بهَا من الشُّكْر وَالرِّضَا وَالْخلْع الفائقة والمراكب الثمينة والهدايا والمرسومات وَكَذَلِكَ إِلَى أَن قلد زعامة الْأَصْحَاب ورياسة الطَّائِفَة وفوض أليه أُمُور الْأَوْقَاف وَصَارَت حشمته وزر الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة وَقَوله فِي الْفَتْوَى مرجع العظماء والأكابر والولاة
واتفقت لَهُ نهضة فِي أَعلَى مَا كَانَ من أَيَّامه إِلَى أَصْبَهَان بِسَبَب مُخَالفَة بعض من الْأَصْحَاب فلقي بهَا من الْمجْلس النظامي مَا كَانَ اللَّائِق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز وَالْإِكْرَام بأنواع المبار وَأجِيب بِمَا كَانَ فَوق مَطْلُوبه وَعَاد مكرما إِلَى نيسابور وَصَارَ أَكثر عنايته مصروفا إِلَى تصانيف الْمَذْهَب الْكَبِير الْمُسَمّى ب نِهَايَة الْمطلب فِي دراية الْمَذْهَب حَتَّى حَرَّره وأملاه وأتى فِيهِ من الْبَحْث والتقرير والسبك والتنقير والتدقيق وَالتَّحْقِيق بِمَا شفى الغليل وأوضح السَّبِيل وَنبهَ على
стр. 24
قدره وَمحله فِي علم الشَّرِيعَة ودرس ذَلِك للخواص من التلامذة وَفرغ مِنْهُ وَمن إِتْمَامه فعقد مَجْلِسا لتتمة الْكتاب حَضَره الْأَئِمَّة والكبار وَختم الْكتاب على رسم الْإِمْلَاء والاستملاء وتبجح الْجَمَاعَة بذلك ودعوا لَهُ وأثنوا عَلَيْهِ فَمَا صنف فِي الْإِسْلَام قبله مثله وَلَا اتّفق لأحد مَا اتّفق لَهُ وَمن قَاس طَرِيقَته بطريقة الْمُتَقَدِّمين فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وأنصف أقرّ بعلو منصبه ووفور تَعبه ونصبه فِي الدّين وَكَثْرَة سهره فِي استنباط الغوامض وَتَحْقِيق الْمسَائِل وترتيب الدَّلَائِل
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ﵁ وَقَالَ الإِمَام الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر لقد قَرَأت فصلا ذكره عَليّ بن الْحسن بن أبي الطّيب فِي كتاب دمية الْقصر مُشْتَمِلًا على حَاله وَهُوَ فقد كَانَ فِي عصر الشَّبَاب غير مُسْتَكْمل مَا عهدناه عَلَيْهِ من اتساق الْأَسْبَاب فَتى الفتيان وَمن أَنْجَب بِهِ الفتيان وَلم يخرج مثله المفتيان عنيت النُّعْمَان بن ثَابت وَمُحَمّد بن
стр. 25
إِدْرِيس فالفقه فقه الشَّافِعِي وَالْأَدب أدب الْأَصْمَعِي وَحسن بَصَره بالموعظ لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ وَكَيف مَا هُوَ فَهُوَ إِمَام كل إِمَام والمستعلي بهمته على كل همام والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام إِذا تصدر للفقه فالمزني من مزنته قَطْرَة وَإِذا تكلم فالأشعري من وفرته شَعْرَة وَإِذا خطب ألْجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة ولثم البلغاء بِالصَّمْتِ حقائقه البادرة وَلَوْلَا سَده مَكَان أَبِيه بسده الَّذِي أفرغ على قَطْرَة قطر تأبيه لأصبح مَذْهَب الحَدِيث حَدِيثا وَلم يجد المستغيث مِنْهُم مغيثا
قَالَ أَبُو الْحسن هَذَا وَهُوَ وَحقّ الْحق فَوق مَا ذكره وَأَعْلَى مِمَّا وَصفه فكم فصل مُشْتَمل على الْعبارَات الفصيحة الْعَالِيَة فِي المحافل مِنْهُ سمعناه وَكم من مسَائِل فِي النّظر شهدناه ورأينا مِنْهُ إفحام الْخُصُوم وحمدناه وَكم من مجْلِس فِي التَّذَكُّر للعوام مسلسل الْمسَائِل مشحون بالنكت المستنبطة من مسَائِل الْفِقْه مُشْتَمِلَة على حقائق الْأُصُول مبكية فِي التحذير مفرحة فِي التبشير مختومة بالدعوات وفنون الْمُنَاجَاة حضرناه وَكم من مجْلِس للتدريس حاو للكبار من الْأَئِمَّة وإلقاء
стр. 26
الْمسَائِل عَلَيْهِم والمباحثة فِي غورها رَأَيْنَاهُ وحصلنا بعض مَا أمكننا مِنْهُ وعلقناه وَلم نقدر مَا كُنَّا فِيهِ من نَضرة أَيَّامه وزهرة شهوره وأعوامه حق قدره وَلم نشكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ حق شكره حَتَّى فقدناه وسلبناه وسمعته يَقُول فِي أثْنَاء كَلَام أَنا لَا أَنَام وَلَا آكل عَادَة وَإِنَّمَا أَنَام إِذا غلبني النّوم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا وآكل إِذا اشْتهيت الطَّعَام أَي وَقت كَانَ وَكَانَ لذته ولهوه وتنزهه فِي مذاكرة الْعلم وَطلب الْفَائِدَة من أَي نوع كَانَ
وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن عَليّ بن فضال بن عَليّ الْمُجَاشِعِي النَّحْوِيّ القادم علينا سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة يَقُول وَقد قبله الإِمَام فَخر الْإِسْلَام وقابله بالإكرام وَأخذ فِي قِرَاءَة النَّحْو عَلَيْهِ والتلمذة لَهُ بعد أَن كَانَ إِمَام الْأَئِمَّة فِي وقته وَكَانَ يحملهُ فِي كل يَوْم إِلَى دَاره وَيقْرَأ عَلَيْهِ كتاب إكسير الذَّهَب فِي صناعَة الْأَدَب من تصنيفه فَكَانَ يَحْكِي يَوْمًا وَيَقُول مَا رَأَيْت عَاشِقًا للْعلم أَي نوع كَانَ مثل هَذَا الإِمَام فَإِنَّهُ يطْلب الْعلم للْعلم وَكَانَ كَذَلِك
стр. 27
وَمن حيمد سيرته أَنه مَا كَانَ يستصغر أحدا حَتَّى يسمع كَلَامه شاديا كَانَ أَو متناهيا فَإِن أصَاب كياسة فِي طبع أَو جرى على منهاج الْحَقِيقَة اسْتَفَادَ مِنْهُ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا يستنكف عَن أَن يعزي الْفَائِدَة المستفادة إِلَى قَائِلهَا وَيَقُول إِن هَذِه الْفَائِدَة مِمَّا استفدته من فلَان وَلَا يحابي أَيْضا فِي التزييف إِذا لم يرض كلَاما وَلم كَانَ أَبَاهُ أَو أحدا من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين
وَكَانَ من التَّوَاضُع لكل أحد بِمحل يتخيل مِنْهُ الِاسْتِهْزَاء لمبالغته فِيهِ وَمن رقة الْقلب بِحَيْثُ يبكي إِذا سمع بَيْتا أَو تفكر فِي نَفسه سَاعَة وَإِذا شرع فِي حِكَايَة الْأَحْوَال وخاض فِي عُلُوم الصُّوفِيَّة فِي فُصُول مجالسه بالغدوات أبكى الْحَاضِرين ببكائه وقطر الدِّمَاء من الجفون بزعقاته ونعراته وإشاراته لاحتراقة فِي نَفسه وتحققه بِمَا يجْرِي من دقائق الْأَسْرَار
هَذِه الْجُمْلَة نبذ مِمَّا عهدناه مِنْهُ إِلَى انْتِهَاء أَجله فأدركه قَضَاء الله الَّذِي لَا بُد مِنْهُ بَعْدَمَا مرض قبل ذَلِك مرض اليرقان وَبَقِي فِيهِ أَيَّامًا ثمَّ برأَ مِنْهُ وَعَاد إِلَى الدَّرْس والمجلس وَأظْهر النَّاس من الْخَواص والعوام السرُور بِصِحَّتِهِ وإبلاله من علته فَبعد ذَلِك بِعَهْد قريب مرض المرضة الَّتِي كَانَت تَدور فِي طبعه إِلَى أَن ضعف وَحمل إِلَى بشتنقان لاعتدال الْهَوَاء
стр. 28
وخفة المَاء فَزَاد الضعْف وبدت مخايل الْمَوْت وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد صَلَاة الْعَتَمَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَنقل فِي اللَّيْلَة إِلَى الْبَلَد وَقَامَ الصياح من كل جَانب وجزع الْفرق عَلَيْهِ جزعا لم يعْهَد مثله وَحمل بَين الصَّلَاتَيْنِ من يَوْم الْأَرْبَعَاء إِلَى ميدان الْحُسَيْن وَلم تفتح الْأَبْوَاب فِي الْبَلَد وَوضعت المناديل عَن الرُّءُوس عَاما بِحَيْثُ مَا اجترأ أحد على ستر رَأسه من الرُّءُوس والكبار وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الإِمَام أَبُو الْقَاسِم بعد جهد جهيد حَتَّى حمل إِلَى دَاره من شدَّة الزحمة وَقت التطفيل وَدفن فِي دَاره وَبعد سِنِين نقل إِلَى مَقْبرَة الْحُسَيْن وَكسر منبره فِي الْجَامِع المنيعي وَقعد النَّاس للعزاء أَيَّامًا عزاء عَاما وَأكْثر الشُّعَرَاء المراثي فِيهِ وَكَانَ الطّلبَة قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة نفر يطوفون فِي الْبَلَد نائحين عَلَيْهِ مكسرين المحابر والأقلام مبالغين فِي الصياح والجزع
وَكَانَ مولده ثامن عشر الْمحرم سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن تسع وَخمسين سنة ﵀ سمع الحَدِيث الْكثير فِي صباه من مَشَايِخ مثل الشَّيْخ أبي حسان وَأبي سعيد بن عَلَيْك وَأبي سعيد النضروي وَمَنْصُور بن
стр. 29
رامش وَجمع لَهُ كتاب الْأَرْبَعين فسمعناه مِنْهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَقد سمع سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من أبي سعيد بن عَلَيْك وَكَانَ يعْتَمد تِلْكَ الْأَحَادِيث فِي مسَائِل الْخلاف وَيذكر الْجرْح وَالتَّعْدِيل مِنْهَا فِي الروَاة وظني أَن آثَار جده واجتهاده فِي دين الله تَعَالَى تدوم إِلَى قيام السَّاعَة وَإِن انْقَطع نَسْله من جِهَة الذُّكُور ظَاهرا فنشر علمه يقوم مقَام كل نسب ويغنيه عَن كل نشب مكتسب وَالله تَعَالَى يسْقِي فِي كل لَحْظَة جَدِيدَة تِلْكَ الرَّوْضَة الشَّرِيفَة عزالى إِلَى رَحمته وَيزِيد فِي ألطافه وكرامته بفضله ومنته إِنَّه ولي كل خير
وَمِمَّا قيل عِنْد وَفَاته
(قُلُوب الْعَالمين على المقالي ... وَأَيَّام الورى شبه اللَّيَالِي)
(أيثمر غُصْن أهل الْفضل يَوْمًا ... وَقد مَاتَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي)
٦ - أَبُو الْقَاسِم الإسفرايني
وَأما الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الإسفرايني شيخ الإِمَام أبي الْمَعَالِي فَهُوَ على مَا ذكره الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدّم فِيهِ قَالَ
стр. 30
عبد الْجَبَّار بن عَليّ بن مُحَمَّد بن حسكان الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم الْمُتَكَلّم الإسفرايني الْأَصَم الْمَعْرُوف بالإسكاف شيخ كَبِير جليل من أفاضل الْعَصْر ورءوس الْفُقَهَاء والمتكلمين من أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ إِمَام دويرة الْبَيْهَقِيّ لَهُ اللِّسَان فِي النّظر والتدريس والقدم فِي الْفَتْوَى مَعَ لُزُوم طَريقَة السّلف من الزّهْد والفقر والورع كَانَ عديم النظير فِي وقته مَا رئي مثله
قَرَأَ عَلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْأُصُول وَتخرج بطريقته عَاشَ عَالما عَاملا وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
٧ - أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ﵁ وَأخذ أَيْضا إِمَام
стр. 31
الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي عَن وَالِده الإِمَام أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَهُوَ على مَا أخبرنَا بِهِ الإِمَام عز الدّين بن عبد السَّلَام الدِّمَشْقِي عَن شَيْخه الْحَافِظ أبي مُحَمَّد الْقَاسِم عَن وَالِده الإِمَام الْحَافِظ مُحدث الشَّام أبي الْقَاسِم عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بِابْن عَسَاكِر قَالَ كتب إِلَيّ الشَّيْخ أَبُو الْحسن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي قَالَ عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن حيوية الْجُوَيْنِيّ ثمَّ النَّيْسَابُورِي أَبُو مُحَمَّد الإِمَام ركن الْإِسْلَام الْفَقِيه الأصولي الأديب النَّحْوِيّ الْمُفَسّر أوحد زَمَانه تخرج بِهِ جمَاعَة من أَئِمَّة الْإِسْلَام وَكَانَ لصلابة ديانته مهيبا مُحْتَرما بَين التلامذة وَلَا يجْرِي بَين يَدَيْهِ إِلَّا الْجد والحث والتحريض على التَّحْصِيل لَهُ فِي الْفِقْه تصانيف كَثِيرَة الْفَوَائِد مثل التَّبْصِرَة والتذكرة ومختصر الْمُخْتَصر وَله التَّفْسِير الْكَبِير الْمُشْتَمل على عشر ة أَنْوَاع فِي كل آيَة
توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَلم يخلف مثله فِي استجماعه
وَسمعت خَالِي الإِمَام أَبَا سعيد يَعْنِي عبد الْوَاحِد بن عبد الْكَرِيم الْقشيرِي يَقُول كَانَ أَئِمَّتنَا فِي عصره والمحققون من أَصْحَابنَا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ من الْكَمَال وَالْفضل والخصال
стр. 32
الحميدة أَنه لَو جَازَ أَن يبْعَث الله تَعَالَى نَبيا لما كَانَ إِلَّا هُوَ من حسن طَرِيقَته وزهده وورعه وديانته فِي كَمَال فَضله
٨ - أَبُو بكر الباقلاني
وَأما القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب الباقلاني فَهُوَ على مَا أخبرنَا بِهِ شَيخنَا الإِمَام عز الدّين بن عبد السَّلَام بِالْقَاهِرَةِ عَن شَيْخه الْحَافِظ بهاء الدّين أبي مُحَمَّد عَن وَالِده الإِمَام الْحَافِظ أبي الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَأَخْبرنِي بِالْقَاهِرَةِ أَيْضا شَيخنَا الْحَافِظ الْمُحدث زكي الدّين بن عبد الْعَظِيم بن عبد الْقوي الْمُنْذِرِيّ عَن شَيْخه الْحَافِظ أبي الْحسن عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي عَن الْحَافِظ الإِمَام أبي الْقَاسِم بن عَسَاكِر قَالَ أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن أَحْمد بن مَنْصُور الغساني الْفَقِيه وَأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن
стр. 33
عبد الْملك بن خيرون قَالَا قَالَ لنا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْخَطِيب وَأَخْبرنِي بِدِمَشْق شَيخنَا شرف الدّين أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن الأرملي وَشَيخنَا الإِمَام الْعَالم علم الدّين الْقَاسِم بن أَحْمد بن الْمُوفق اللوري وبمصر الشَّيْخ الْفَقِيه الْجَلِيل الْمُحدث الصَّالح أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عَليّ بن عبد الله الْقرشِي الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بالرشيد الْعَطَّار كلهم عَن الشَّيْخ الإِمَام أبي الْيمن زيد بن الْحسن الْكِنْدِيّ عَن أبي مَنْصُور الشَّيْبَانِيّ عَن الْحَافِظ أبي بكر الْخَطِيب وَأَخْبرنِي شَيخنَا شرف الدّين أَيْضا عَن شَيْخه أبي الطَّاهِر بَرَكَات بن إِبْرَاهِيم الخشوعي عَن أبي مُحَمَّد هبة الله بن الْأَكْفَانِيِّ عَن الْحَافِظ أبي بكر الْخَطِيب وَأَخْبرنِي أَيْضا بإسكندرية الشَّيْخ الْفَقِيه الراوية المعمر الْعَلامَة أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن مكي الإسكندري سبط الإِمَام الْحَافِظ السلَفِي عَن الْحَافِظ الإِمَام أبي الطَّاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد السلَفِي قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس كل مَا أحدث بِهِ عَن الْحَافِظ أبي بكر الْخَطِيب فبهذه الْأَسَانِيد وَلَا أحتاج إِلَى ذكرهَا لِئَلَّا يطول الْكتاب
قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب مُحَمَّد بن الطّيب بن
стр. 34
مُحَمَّد أَبُو بكر القَاضِي الْمَعْرُوف بِابْن الباقلاني الْمُتَكَلّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ من أهل الْبَصْرَة سكن بَغْدَاد وَسمع بهَا الحَدِيث من أبي بكر بن مَالك وَأبي مُحَمَّد بن ماسي وَأبي أَحْمد الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي خرج لَهُ مُحَمَّد بن أبي الفوارس يَعْنِي الْحَنْبَلِيّ وَحدثنَا عَنهُ القَاضِي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد السماني وَكَانَ ثِقَة فَأَما علم الْكَلَام فَكَانَ أعرف النَّاس بِهِ وَأَحْسَنهمْ خاطرا وأجودهم لِسَانا وأوضحهم بَيَانا وأصحهم عبارَة وَله التصانيف الْكَثِيرَة المنتشرة فِي الرَّد على الْمُخَالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وَغَيرهم
وَحدثنَا أَن ابْن الْمعلم شيخ الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجَالِس النّظر مَعَ أَصْحَاب لَهُ إِذْ أقبل الشَّيْخ القَاضِي أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ فَالْتَفت ابْن الْمعلم إِلَى أَصْحَابه وَقَالَ لَهُم قد جَاءَكُم الشَّيْطَان فَسمع القَاضِي كَلَامه وَكَانَ بَعيدا من الْقَوْم فَلَمَّا جلس أقبل على ابْن الْمعلم وَأَصْحَابه وَقَالَ لَهُم قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ مَرْيَم ٨٣ أَي إِن كنت شَيْطَانا فَأنْتم كفار وَقد أرْسلت عَلَيْكُم
стр. 35
قَالَ أَبُو بكر ابْن ثَابت حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن أبي عُثْمَان الدقاق وَغَيره أَن الْملك الملقب بعضد الدولة كَانَ قد بعث القَاضِي أَبَا بكر بن الباقلاني فِي رِسَالَة إِلَى ملك الرّوم فَلَمَّا ورد مدينته عرف الْملك خَبره وَبَين لَهُ مَحَله من الْعلم وموضعه فافكر الْملك فِي أمره وَعلم أَنه لَا يكفر لَهُ إِذا دخل عَلَيْهِ كَمَا جرى رسم الرّعية أَن تقبل الأَرْض بَين يَدي الْملك ثمَّ نتجت لَهُ الفكرة أَن يضع سَرِيره الَّذِي يجلس عَلَيْهِ وَرَاء بَاب لطيف لَا يُمكن أحد ان يدْخل مِنْهُ إِلَّا رَاكِعا ليدْخل القَاضِي مِنْهُ على تِلْكَ الْحَال فَيكون عوضا من تكفيره بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا وضع سَرِيره فِي ذَلِك الْموضع أَمر بِإِدْخَال القَاضِي من الْبَاب فَسَار حَتَّى وصل إِلَى لمَكَان فَلَمَّا رَآهُ تفكر فِيهِ ثمَّ فطن بالقصة فأدار ظَهره وحنى رَأسه رَاكِعا وَدخل من الْبَاب وَهُوَ يمشي إِلَى خَلفه وَقد اسْتقْبل الْملك بدبره حَتَّى صَار بَين يَدَيْهِ ثمَّ رفع رَأسه وَنصب ظَهره وأدار وَجهه حِينَئِذٍ إِلَى الْملك فَعجب من فطنته وَوَقعت لَهُ الهيبة فِي نَفسه
وَقَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر أَخْبرنِي الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم بن
стр. 36
نصر بن عَليّ فِي كِتَابه إِلَيّ عَن القَاضِي أبي الْمَعَالِي عزيزي بن عبد الْملك قَالَ وَقيل إِنَّه دخل إِلَيْهِ يَوْمًا فَرَأى عِنْده بعض بطارقته ورهبانيته فَقَالَ لَهُ مستهزئا بِهِ كَيفَ أَنْت وَكَيف الْأَهْل وَالْأَوْلَاد فتعجب الرُّومِي مِنْهُ وَقَالَ لَهُ ذكر من أرسلك فِي كتاب الرسَالَة أَنَّك لِسَان الْأمة ومتقدم على عُلَمَاء الْملَّة أما علمت أَنا ننزه هَؤُلَاءِ عَن الْأَهْل وَالْأَوْلَاد فَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر أَنْتُم لَا تنزهون الله عَن الْأَهْل وَالْأَوْلَاد وتنزهونهم فَكَأَن هَؤُلَاءِ عنْدكُمْ أقدس وَأجل وَأَعْلَى من الله فَوَقَعت هيبته فِي نفس الرُّومِي
قَالَ الْحَافِظ الإِمَام ابْن عَسَاكِر وَبَلغنِي أَن طاغية الرّوم قَالَ لَهُ وَقصد توبيخه أَخْبرنِي عَن قصَّة عَائِشَة زوج نَبِيكُم وَمَا قيل فِيهَا فَقَالَ لَهُ القَاضِي أَبُو بكر هما اثْنَتَانِ قيل فيهمَا مَا قيل وزج نَبينَا وَمَرْيَم بنت عمرَان فَأَما زوج نَبينَا فَلم تَلد وَأما مَرْيَم فَجَاءَت بِولد تحمله على كتفها وكل قد برأها الله تَعَالَى مِمَّا رميت بِهِ وَانْقطع الطاغية وَلم يحر جَوَابا
قَالَ الإِمَام مُحدث الشَّام أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وأنبأني
стр. 37
أَبُو الْقَاسِم الْوَاعِظ عَن القَاضِي أبي الْمَعَالِي عزيزي بن عبد الْملك أَيْضا قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم بن برهَان النَّحْوِيّ يَقُول من سمع مناظرة القَاضِي أبي بكر لم يستلذ بعْدهَا بِكَلَام أحد من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء والخطباء والمترسلين وَلَا الأغاني أَيْضا من طيب كَلَامه وفصاحته وَحسن نظامه وإشارته
لَهُ التصانيف الْكَثِيرَة فِي الرَّد على الْمُخَالفين من الْمُعْتَزلَة والرافضة والخوراج والمرجئة والمشبهة والحشوية
وَذكر الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب أَنه قَالَ سَمِعت أَبَا الْفرج مُحَمَّد بن عمرَان الْخلال يَقُول كَانَ ورد القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن الطّيب فِي كل لَيْلَة عشْرين ترويحة مَا تَركه فِي حضر وَلَا سفر قَالَ وَكَانَ كل لَيْلَة إِذا صلى الْعشَاء وَقضى ورده وضع الدواة بَين يَدَيْهِ وَكتب خمْسا وَثَلَاثِينَ ورقة تصنيفا من حفظه وَكَانَ يذكر أَن كتبه بالمداد أسهل عَلَيْهِ من الْكتاب بالحبر وَإِذا صلى الْفجْر دفع إِلَى بعض أَصْحَابه مَا صنفه فِي ليلته وَأمره بقرَاءَته عَلَيْهِ وأملى عَلَيْهِ الزِّيَادَة فِيهِ
стр. 38
قَالَ أَبُو الْفرج وَسمعت أَبَا بكر الْخَوَارِزْمِيّ يَقُول كَانَ مُصَنف بِبَغْدَاد إِنَّمَا ينْقل من كتب النَّاس إِلَى تصانيفه سوى القَاضِي أبي بكر فَإِن صَدره يحوي علمه وَعلم النَّاس
قَالَ أَبُو بكر بن الْخَطِيب نَا عَليّ بن مُحَمَّد بن الْحسن الْحَرْبِيّ الْمَالِكِي قَالَ كَانَ القَاضِي أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ يهم بِأَن يختصر مَا يصنفه فَلَا يقدر على ذَلِك لسعة علمه وَكَثْرَة حفظه قَالَ وَمَا صنف أحد خلافًا إِلَّا احْتَاجَ أَن يطالع كتب الْمُخَالفين غير القَاضِي أبي بكر فَإِن جَمِيع مَا كَانَ يذكر خلاف النَّاس فِيهِ صنفه من حفظه
قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب وحَدثني القَاضِي أَبُو حَامِد أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو الاستوائي قَالَ كَانَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْبَاقِي يَقُول لَو أوصى رجل بِثلث مَاله أَن يدْفع إِلَى أفْصح النَّاس لوَجَبَ أَن يدْفع إِلَى أبي بكر الْأَشْعَرِيّ
وَقَالَ مُحدث الشَّام الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر أَخْبرنِي الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم نصر بن نصر فِي كِتَابه إِلَيّ عَن القَاضِي أبي الْمَعَالِي بن عبد الْملك قَالَ ذكر الشَّيْخ أَبُو حَاتِم مَحْمُود بن الْحُسَيْن الْقزْوِينِي أَن مَا كَانَ يضمره القَاضِي
стр. 39
أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ ﵁ من الْوَرع والديانة والزهد والصيانة أَضْعَاف مَا كَانَ يظهره فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا أظهر مَا أظهره غيظا للْيَهُود وَالنَّصَارَى والمعتزلة والرافضة والمخالفين لِئَلَّا يستحقروا عُلَمَاء الْحق وَالدّين وأضمر مَا أضمره فَإِنِّي رَأَيْت آدم ﵇ مَعَ جلالته نُودي عَلَيْهِ بذوقة وَدَاوُد ﵇ بنظرة ويوسف ﵇ بهمة وَمُحَمّد ﷺ بخطرة صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
قَالَ القَاضِي أَبُو الْمَعَالِي وروى الإِمَام أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الدَّامغَانِي قَالَ لما قدم القَاضِي الإِمَام أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ بَغْدَاد دَعَاهُ الشَّيْخ أَبُو الْحسن التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ رحمهمَا الله إِمَام عصره فِي مذْهبه وَشَيخ مصره فِي رهطه وَحضر الشَّيْخ أَبُو عبد الله بن مُجَاهِد وَالشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن سمعون وَأَبُو الْحسن الْفَقِيه فجرت مَسْأَلَة الِاجْتِهَاد بَين القَاضِي أبي بكر وَبَين أبي عبد الله بن مُجَاهِد وَتعلق الْكَلَام بَينهمَا إِلَى أَن انفجر عَمُود الصُّبْح وَظهر كَلَام القَاضِي عَلَيْهِ رحمهمَا الله
وَكَانَ أَبُو الْحسن التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ يَقُول لأَصْحَابه تمسكوا بِهَذَا الرجل فَلَيْسَ للسّنة عَنهُ غنى أبدا
قَالَ وَسمعت الشَّيْخ أَبَا الْفضل التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ ﵀ وَهُوَ عبد الْوَاحِد بن أبي الْحسن بن عبد الْعَزِيز بن
стр. 40
الْحَارِث يَقُول اجْتمع رَأْسِي وَرَأس القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن الطّيب على مخدة وَاحِدَة سبع سِنِين
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله وَحضر الشَّيْخ أَبُو الْفضل التَّمِيمِي يَوْم وَفَاته العزاء حافيا مَعَ إخْوَته وَأَصْحَابه وَأمر أَن يُنَادي بَين يَدي جنَازَته هَذَا نَاصِر السّنة وَالدّين هَذَا إِمَام الْمُسلمين هَذَا الَّذِي كَانَ يذب عَن الشَّرِيعَة أَلْسِنَة الْمُخَالفين هَذَا الَّذِي صنف سبعين ألف ورقة ردا على الْمُلْحِدِينَ وَقعد للعزاء مَعَ أَصْحَابه ثَلَاثَة أَيَّام فَلم يبرح وَكَانَ يزور تربته كل يَوْم جُمُعَة فِي الدَّار
قَالَ أَبُو بكر الْحَافِظ حَدثنِي عبد الصَّمد بن سَلامَة الْمُقْرِئ عَن القَاضِي أبي عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْبَيْضَاوِيّ قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي دخلت مَسْجِدي الَّذِي أدرس فِيهِ فَرَأَيْت رجلا جَالِسا فِي الْمِحْرَاب وَآخر يقْرَأ عَلَيْهِ وَيَتْلُو تِلَاوَة لَا شئ أحسن مِنْهَا فَقلت من هَذَا الْقَارئ وَمن هَذَا الَّذِي يقْرَأ عَلَيْهِ فَقيل لي أما الْجَالِس فِي الْمِحْرَاب فَهُوَ رَسُول الله ﷺ وَأما الْقَارئ عَلَيْهِ فَهُوَ أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ يدرس عَلَيْهِ الشَّرِيعَة
قَالَ القَاضِي أَبُو الْمَعَالِي ابْن عبد الْملك عَن أبي بكر
следующие страницы →