← История

История · id 10739

لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان

صديق حسن خان

Полный текст (229 стр.). Показаны 211–229 · переход к 216.

стр. 211

ذكر الأَرْض الجديدة اعْلَم أَنه قد حقق قوم من حكماء النَّصَارَى مُنْذُ مُضِيّ أَرْبَعمِائَة سنة من سني الْهِجْرَة أَرضًا جَدِيدَة مَا خلا أَرض الرّبع المسكون المنقسم على الأقاليم السَّبْعَة وسموها برا أعظم وينكي وَالدُّنْيَا الجديدة وأمريكا وَقَالُوا إحاطة المَاء لكرة الأَرْض لَيْسَ على مَا رسمه الْحُكَمَاء السَّابِقُونَ بل الْوَاقِع أَنه قد أحَاط عنصر المَاء كرة الأَرْض على صُورَة المنطقة لخصر الْإِنْسَان وكما أَن الأَرْض ظَهرت وانكشفت فِي هَذِه الْجِهَة الَّتِي قسموها على الأقاليم السَّبْعَة وسموها الرّبع المسكون وَصَارَت هِيَ مسَاكِن الْعَالم من بني آدم فَكَذَلِك انكشفت وَظَهَرت فِي الْجِهَة الْمُقَابلَة لتِلْك الْجِهَة وَصَارَت مسكنا لجموع من النَّاس وَهِي وَاقعَة على وضع لَو لم تكن الأَرْض فِي الْبَين لالتصقت أَقْدَام أشخاص كلتا الْجِهَتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَتبقى الرؤوس فِي جِهَة السَّمَاء فَكَانَ الأَرْض بِتَمَامِهَا خمس حصص وَالرّبع المسكون مِنْهَا الْمُسَمّى بالأقاليم السَّبْعَة ثَلَاث حصص وَالْأَرْض الجديدة حصتان أَو أَزِيد ثمَّ تحتوي تِلْكَ الدُّنْيَا الجديدة على الْبِلَاد الحارة والباردة وَيحصل مِنْهَا صنوف الْخشب والعشب والأدوية والأغذية وَهِي كَثِيرَة الْمَعَادِن من الذَّهَب وَالْفِضَّة وفيهَا المعابد وَالْكَنَائِس وَالْمكَاتب والعمائر الْعَظِيمَة وفيهَا كل شَيْء نَحْو مَا فِي هَذِه الدُّنْيَا كَأَنَّهَا هِيَ الرّبع المسكون بِعَيْنِه تسكنها أَقوام من النَّصَارَى وسلطنة هَذِه الأَرْض بِأَيْدِيهِم إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَلَهُم محاربات وقضايا ووقائع مَعَ البريطانية الَّذين هم حكام الْهِنْد الْيَوْم كَثِيرَة يطول شرحها ويخلق مَا لَا تعلمُونَ وَلَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ

стр. 212

ذكر فِي التَّارِيخ لَا يخفى أَن فن التَّارِيخ من الْفُنُون الَّتِي يتداولها الْأُمَم والأجيال وتشد إِلَيْهِ الركائب والرحال وتسمو إِلَى معرفَة السوقة والأغفال وتتنافس فِيهِ الْمُلُوك والأقيال ويتساوى فِي فهمه الْعلمَاء والجهال إِذْ هُوَ فِي ظَاهره لَا يزِيد على أَخْبَار عَن الْأَيَّام والدول والسوابق من الْقُرُون الأول تنمي فِيهَا الْأَقْوَال وتضرب فِيهَا الْأَمْثَال وتطرف بهَا الأندية إِذا غصها الاحتفال وَتُؤَدِّي إِلَيْنَا شَأْن الخليقة كَيفَ تقلبت بهَا الْأَحْوَال واتسع للدول فِيهَا النطاق والمجال وعمروا الأَرْض حَتَّى نَادَى بهم الارتحال وحان مِنْهُم الزَّوَال وَفِي بَاطِنه نظر وَتَحْقِيق وتعليل للكائنات ومباديها دَقِيق وَعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فَهُوَ لذَلِك أصيل فِي الْحِكْمَة عريق وجدير بِأَن يعد فِي علومها خليق وَأَن فحول المؤرخين فِي الْإِسْلَام قد استوعبوا أَخْبَار الْأَيَّام وجمعوها وسطروها فِي صفحات الدفاتر وأودعوها وخلطها المتطفلون بدسائس من الْبَاطِل وهموا فِيهَا أَو ابتدعوها وزخارف من الرِّوَايَات المضعفة لفقوها ووضعوها واقتفى تِلْكَ الْآثَار الْكثير مِمَّن بعدهمْ واتبعوها وأدوها إِلَيْنَا كَمَا سمعوها وَلم يلاحظوا أَسبَاب الوقائع وَالْأَحْوَال وَلم يراعوها وَلَا رفضوا ترهات الْأَحَادِيث وَلَا دفعوها فالتحقيق قَلِيل وطرف التَّنْقِيح فِي الْغَالِب كليل والغلط وَالوهم نسيب للْأَخْبَار وخليل والتقليد عريق فِي الْآدَمِيّين وسليل والتطفل على الْفُنُون عريض وطويل ومرعى الْجَهْل بَين الْأَنَام وخيم ووبيل وَالْحق لَا يُقَاوم سُلْطَانه وَالْبَاطِل يقذف بشهاب النّظر شَيْطَانه والناقل إِنَّمَا هُوَ يملي وينقل والبصيرة تنقد الصَّحِيح إِذا تمقل وَالْعلم يجلو لَهَا صفحات الصَّوَاب ويصقل

стр. 213

وَقد دون النَّاس فِي الْأَخْبَار وَأَكْثرُوا وجمعوا تواريخ الْأُمَم والدول فِي الْعَالم وسطروا وَالَّذين ذَهَبُوا بِفضل الشُّهْرَة وَالْأَمَانَة الْمُعْتَبرَة واستفرغوا دواوين من قبلهم فِي صُحُفهمْ الْمُتَأَخِّرَة هم قَلِيلُونَ لَا يكادون يجاوزون عدد الأنامل وَلَا حركات العوامل مثل ابْن اسحق والطبري وَابْن الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن عمر الْوَاقِدِيّ وَسيف بن عمر الْأَسدي والمسعودي وَغَيرهم من الْمَشَاهِير المتميزين عَن الجماهير وَإِن كَانَ فِي كتب المَسْعُودِيّ والواقدي من المطعن والمغمز مَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد الْإِثْبَات ومشهور بَين الْحفظَة والثقات إِلَّا أَن الكافة اختصتهم بِقبُول أخبارهم واقتفاء سُنَنهمْ فِي التصنيف وَاتِّبَاع آثَارهم والناقد الْبَصِير قسطاس نَفسه فِي تزييفهم فِيمَا ينقلون أَو اعتبارهم فللعمران طبائع فِي أحوله ترجع إِلَيْهِ الْأَخْبَار وَتحمل عَلَيْهَا الرِّوَايَات والْآثَار ثمَّ إِن أَكثر التواريخ لهَؤُلَاء عَامَّة المناهج والمسالك لعُمُوم الدولتين صدر الْإِسْلَام فِي الْآفَاق والممالك وتناولها الْبعيد من الغايات فِي المآخذ والمتارك وَمن هَؤُلَاءِ من استوعب مَا قبل الْملَّة من الدول والأمم وَالْأَمر العمم كالمسعودي وَمن نحى منحاه وَجَاء من بعدهمْ من عدل عَن الْإِطْلَاق إِلَى التَّقْيِيد ووقف فِي الْعُمُوم والإحاطة عَن الشأو الْبعيد فقيد شوارد عصره واستوعب أَخْبَار قطره وَاقْتصر على أَحَادِيث دولته ومصره كَمَا فعل أَبُو حَيَّان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية بهَا وَابْن الرفيق مؤرخ إفريقية والدول الَّتِي كَانَت بالقيروان ثمَّ لم يَأْتِ من بعد هَؤُلَاءِ إِلَّا مقلد وبليد الطَّبْع وَالْعقل أَو متبلد ينسج على ذَلِك المنوال ويحتذى مِنْهُ بالمثال وَيذْهل عَمَّا أحالته الْأَيَّام من الْأَحْوَال واستبدلت بِهِ من عوائد الْأُمَم والأجيال فيجلبون الْأَخْبَار عَن الدول وحكايات الوقائع فِي العصور الأول صورا قد تجردت عَن موادها وصفاحا انتضبت من أغمادها ومعارف تستنكر للْجَهْل بطارفها وتلادها إِنَّمَا هِيَ حوادث لم تعلم أُصُولهَا وأنواع لم تعْتَبر أجناسها وَلَا تحققت فصولها بكررون فِي موضوعاتهم الْأَخْبَار المتداولة بِأَعْيَانِهَا أتباعا لمن عَنى من الْمُتَقَدِّمين بشأنها ويغفلون أَمر الأجيال الناشئة فِي ديوانها بِمَا أوعز عَلَيْهِم ترجمانها فتستعجم صُحُفهمْ عَن بَيَانهَا ثمَّ إِذا

стр. 214

تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أَخْبَارهَا نسقا محافظين على نقلهَا وهما أَو صدقا لَا يتعرضون لبدايتها وَلَا يذكرُونَ السَّبَب الَّذِي رفع من رايتها وَأظْهر من آيتها وَلَا عِلّة الْوُقُوف عِنْد غايتها فَيبقى النَّاظر متطلعا بعد إِلَى افتقاد أَحْوَال مبادئ الدول ومراتبها مفتشا عَن أَسبَاب تزاحمها أَو تعاقبها باحثا عَن الْمقنع فِي تباينها أَو تناسبها حسب مَا ذكر ابْن خلدون فِي مُقَدّمَة تَارِيخه ثمَّ جَاءَ آخَرُونَ بإفراط الِاخْتِصَار وذهبوا إِلَى الِاكْتِفَاء بأسماء الْمُلُوك والاقتصار مَقْطُوعَة عَن الْأَنْسَاب وَالْأَخْبَار مَوْضُوعَة عَلَيْهَا أعداد أيامهم بحروف الْغُبَار كَمَا فعله ابْن رَشِيق فِي ميزَان الْعَمَل وَمن اقتفى هَذَا الْأَثر من المهمل وَلَيْسَ يعْتَبر لهَؤُلَاء مقَال وَلَا يعد لَهُم ثُبُوت وَلَا انْتِقَال لما أذهبوا من الْفَوَائِد وأخلوا بالمذاهب الْمَعْرُوفَة للمؤرخين والعوائد وَمن أحسن مَا ألف فِي فن التَّارِيخ وَأجْمع مَا جمع فِيهِ تَحْقِيقا وإتقانا فِي كتب الْقَوْم بعد سبر أغور الأمس وَالْيَوْم كتاب العبر وديوان الْمُبْتَدَأ الْخَبَر فِي أَيَّام الْعَرَب والعجم والبربر وَمن عاصرهم من ذَوي السُّلْطَان الْأَكْبَر لقَاضِي الْقُضَاة فَإِنَّهُ أنشأ فِي التَّارِيخ كتابا وَرفع بِهِ عَن أَحْوَال الناشئة من الأجيال حِجَابا وفصله فِي الْأَخْبَار وَالِاعْتِبَار بَابا بَابا وَأبْدى فِيهِ لأولوية الدول والعمران عللا وأسبابا وبناه على أَخْبَار الْأُمَم الَّذين عمروا الْمغرب فِي تِلْكَ الْآثَار وملأوا أكناف النواحي مِنْهُ والأمصار وَمَا كَانَ لَهُم من الدول الطوَال والقصار وَمن سلف من الْمُلُوك وَالْأَنْصَار سلك فِي ترتيبه وتبويبه مسلكا غَرِيبا واخترعه من بَين المناحي مذهبا عجيبا وَشرح فِيهِ من أَحْوَال الْعمرَان والتمدن وَمَا يعرض فِي الِاجْتِمَاع الإنساني من الْعَوَارِض الذاتية مَا يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ويعرفك كَيفَ دخل أهل الدول من أَبْوَابهَا حَتَّى تنْزع من التَّقْلِيد يدك وتقف على أَحْوَال من قبلك من الْأَيَّام والأجيال وَمَا بعْدك ثمَّ من أحسن التواريخ المختصرة كتاب الْمُخْتَصر فِي أَحْوَال الْبشر لأبي الفدا إِسْمَاعِيل صَاحب حماة الْملك الْمُؤَيد وَكتاب المواعظ وَالِاعْتِبَار فِي بَيَان الخطط والْآثَار للمقريزي ﵀ وَقد طالعناها على هَذِه الْمقَالة وأضفنا إِلَيْهَا أَشْيَاء وَالله يهدي إِلَيْهِ من يَشَاء

стр. 215

ذكر فضل علم التَّارِيخ وَتَحْقِيق مذاهبه والألماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط والأوهام وَذكر شَيْء من أَسبَابهَا اعْلَم أَن فن التَّارِيخ فن عَزِيز الْمَذْهَب جم الْفَوَائِد شرِيف الْغَايَة إِذْ هُوَ يوقفنا على أَحْوَال الماضين من الْأُمَم فِي أَخْلَاقهم والأنبياء فِي سيرهم والملوك فِي دولهم وسياستهم حَتَّى تتمّ فَائِدَة الِاقْتِدَاء فِي ذَلِك لمن يرومه فِي أَحْوَال الدّين وَالدُّنْيَا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى مآخذ مُتعَدِّدَة ومعارف متنوعة وَحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبهما إِلَى الْحق وينكبان بِهِ عَن المزلات والمغالط لِأَن الْأَخْبَار إِذا اعْتمد فِيهَا على مُجَرّد النَّقْل وَلم تحكم أصُول الْعَادة وقواعد السياسة وطبيعة الْعمرَان وَالْأَحْوَال فِي الِاجْتِمَاع الإنساني وَلَا قيس الْغَائِب مِنْهَا بِالشَّاهِدِ والحاضر بالذاهب فَرُبمَا لم يُؤمن فِيهَا من العثور ومزلة الْقدَم والحيد عَن جادة الصدْق وَكَثِيرًا مَا وَقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النَّقْل المغالط فِي الحكايات والوقائع لاعتمادهم فِيهَا على مُجَرّد النَّقْل غثا أَو سمينا لم يعرضوها على أُصُولهَا وَلَا قاسوها بأشباهها وَلَا سبروها بمعيار الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على طبائع الكائنات وتحكيم النّظر والبصيرة فضلوا عَن الْحق وتاهوا فِي بيداء الْوَهم والغلط سِيمَا فِي إحصاء الْأَعْدَاد من الْأَمْوَال والعساكر إِذا عرضت فِي الحكايات إِذْ هِيَ مَظَنَّة الْكَذِب ومطية الهذر وَلَا بُد من ردهَا إِلَى الْأُصُول وعرضها على الْقَوَاعِد

стр. 216

جيوش بني إِسْرَائِيل وَهَذَا كَمَا نقل المَسْعُودِيّ وَكثير من المؤرخين فِي جيوش بني إِسْرَائِيل وَأَن مُوسَى أحصاهم فِي التيه بعد أَن أجَاز من يُطيق حمل السِّلَاح خَاصَّة من ابْن عشْرين فَمَا فَوْقهَا فَكَانُوا سِتّمائَة ألف أَو يزِيدُونَ وَيذْهل فِي ذَلِك عَن تَقْدِير مصر وَالشَّام واتساعها لمثل هَذَا الْعدَد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حِصَّة من الحامية تتسع لَهَا وَتقوم بوظائفها وتضيق عَمَّا فَوْقهَا تشهد بذلك العوائد الْمَعْرُوفَة وَالْأَحْوَال المألوفة ثمَّ إِن مثل هَذِه الجيوش الْبَالِغَة إِلَى مثل هَذَا الْعدَد يبعد أَن يَقع بَينهَا زحف أَو قتال لضيق ساحة الأَرْض عَنْهَا وَبعدهَا إِذا اصطفت عَن مدى الْبَصَر مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا أَو أَزِيد فَكيف يقتتل هَذَانِ الْفَرِيقَانِ أَو تكون غَلَبَة أحد الصفين وَشَيْء من جوانبه لَا يشْعر بالجانب الآخر والحاضر يشْهد لذَلِك فالماضي أشبه بالآتي من المَاء بِالْمَاءِ جيوش الْفرس وَلَقَد كَانَ ملك الْفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إِسْرَائِيل بِكَثِير يشْهد بذلك من كَانَ من غَلَبَة بخت نصر لَهُم والتهامه بِلَادهمْ واستيلائه على أَمرهم وتخريب بَيت الْمُقَدّس قَاعِدَة ملتهم وسلطانهم وَهُوَ من بعض عُمَّال مملكة فَارس يُقَال أَنه كَانَ مرزبان الْمغرب من تخومها وَكَانَت ممالكهم بالعراقين وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر والأبواب أوسع من ممالك بني إِسْرَائِيل بِكَثِير وَمَعَ ذَلِك لم تبلغ جيوش الْفرس قطّ مثل هَذَا الْعدَد وَلَا قَرِيبا مِنْهُ وَأعظم مَا كَانَت جموعهم بالقادسية مائَة وَعِشْرُونَ ألفا كلهم متبوع على مَا نَقله سيف قَالَ وَكَانُوا فِي أتباعهم أَكثر من مِائَتي ألف جموع رستم وَعَن عَائِشَة وَالزهْرِيّ أَن جموع رستم الَّتِي زحف بهَا لسعد بالقادسية إِنَّمَا كَانُوا سِتِّينَ ألفا كلهم متبوع وَأَيْضًا فَلَو بلغ بَنو إِسْرَائِيل مثل هَذَا

стр. 217

الْعدَد لاتسع نطاق ملكهم وَانْفَسَحَ مدى دولتهم فَإِن العمالات والممالك فِي الدول على نِسْبَة الحامية والقبيل القائمين بهَا فِي قلتهَا وَكَثْرَتهَا وَالْقَوْم لم تتسع ممالكهم إِلَى غير الْأُرْدُن وفلسطين من الشَّام وبلاد يثرب وخيبر من الْحجاز على مَا هُوَ الْمَعْرُوف وَأَيْضًا فَالَّذِي بَين مُوسَى وَإِسْرَائِيل إِنَّمَا هُوَ أَرْبَعَة آبَاء على مَا ذكره الْمُحَقِّقُونَ فَإِنَّهُ مُوسَى بن عمرَان بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يَعْقُوب وَهُوَ إِسْرَائِيل الله هَكَذَا نسبه فِي التَّوْرَاة والمدة بَينهمَا على مَا نَقله المَسْعُودِيّ حِين أَتَوا إِلَى يُوسُف سبعين نفسا وَكَانَ مقامهم بِمصْر إِلَى أَن خَرجُوا مَعَ مُوسَى إِلَى التيه مِائَتَيْنِ وَعشْرين سنة تتداولهم مُلُوك القبط من الفراعنة تشعب النَّسْل وَيبعد أَن يتشعب النَّسْل فِي أَرْبَعَة أجيال إِلَى مثل هَذَا الْعدَد وَإِن زَعَمُوا أَن عدد تِلْكَ الجيوش إِنَّمَا كَانَ فِي زمن سُلَيْمَان وَمن بعده فبعيد أَيْضا إِذْ لَيْسَ بَين سُلَيْمَان وَإِسْرَائِيل إِلَّا أحد عشر أَبَا وَلَا يتشعب النَّسْل فِي أحد عشر من الْوَلَد إِلَى مثل هَذَا الْعدَد الَّذِي زعموه اللَّهُمَّ إِلَى المئين والآلاف فَرُبمَا يكون وَإِمَّا أَن يتَجَاوَز إِلَى مَا بعدهمَا من عُقُود الْأَعْدَاد فبعيد وَاعْتبر ذَلِك فِي الْحَاضِر الْمشَاهد والقريب الْمَعْرُوف تَجِد زعمهم بَاطِلا ونقلهم كَاذِبًا وَالَّذِي ثَبت فِي الْإسْرَائِيلِيات أَن جنود سُلَيْمَان كَانَت اثْنَي عشر ألف خَاصَّة وَإِن مقرباته كَانَت ألفا وَأَرْبَعمِائَة فرس مرتبطة على أبوابه هَذَا هُوَ الصَّحِيح من أخبارهم وَلَا يلْتَفت إِلَى خرافات الْعَامَّة مِنْهُم أَيَّام سُلَيْمَان وَفِي أَيَّام سُلَيْمَان وَملكه كَانَ عنفوان دولتهم واتساع ملكهم هَذَا وَقد نجد الكافة من أهل الْعَصْر إِذا أفاضوا فِي الحَدِيث عَن عَسَاكِر الدول

стр. 218

الَّتِي لعهدهم أَو قَرِيبا مِنْهُم وتفاوضوا فِي الْأَخْبَار عَن جيوش الْمُسلمين أَو النَّصَارَى أَو أخذُوا فِي إحصاء أَمْوَال الجبايات وخراج السُّلْطَان ونفقات المترفين وبضائع الْأَغْنِيَاء الموسرين وتوغلوا فِي الْعدَد وتجاوزوا حُدُود العوائد وطاوعوا وساوس الأغراب فَإِذا أستكشفت أَصْحَاب الدَّوَاوِين عَن عساكرهم واستنبطت أَحْوَال أهل الثروة فِي بضائعهم وفوائدهم واستجلبت عوائد المترفين فِي نفقاتهم لم تَجِد معشار مَا يعدونه وَمَا ذَلِك إِلَّا لولوع النَّفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللِّسَان والغفلة عَن المتعقب والمنتقد حَتَّى لَا يُحَاسب نَفسه على خطأ وَلَا عمد وَلَا يطالبها فِي الْخَبَر بتوسط وَلَا عَدَالَة وَلَا يرجعها إِلَى بحث وتفتيش فَيُرْسل عنانه ويسيم فِي مراتع الْكَذِب لِسَانه ويتخذ آيَات الله هزوا وَيَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله وحسبك بهَا صَفْقَة خاسرة مُلُوك الْيمن وجزيرة الْعَرَب وَمن الْأَخْبَار الْوَاهِيَة للمؤرخين مَا ينقلونه كَافَّة فِي أَخْبَار التبابعة مُلُوك الْيمن وجزيرة الْعَرَب أَنهم كَانُوا يغزون من قراهم بِالْيمن إِلَى إفريقية والبربر من بِلَاد الْمغرب وَأَن إفريقش بن قيس بن صَيْفِي كَانَ لعهد مُوسَى أَو قبله بِقَلِيل غزا إفريقية وأثخن فِي البربر وَأَنه سماهم بِهَذَا الِاسْم حِين سمع رطانتهم وَقَالَ مَا هَذِه البربرة فَأخذ هَذَا الِاسْم مِنْهُ ودعوا بِهِ من حِينَئِذٍ وَأَنه لما انْصَرف إِلَى الْمغرب حجز هُنَاكَ قبائل من حمير فأقاموا بهَا واختلطوا بِأَهْلِهَا وَمِنْهُم صنهاجة وكتامة وَمن هَذَا ذهب الطَّبَرِيّ والجرجاني والمسعودي وَابْن الْكَلْبِيّ والبيلي إِلَى أَن صنهاجة وكتامة من حمير وتأباه نسابة البربر وَهُوَ الصَّحِيح ذَا الأذعار وَذكر المَسْعُودِيّ أَيْضا أَن ذَا الأذعار من مُلُوكهمْ قبل أفريقش وَكَانَ

стр. 219

عل عهد سُلَيْمَان غزا الْمغرب ودوخه وَكَذَلِكَ ذكر مثله عَن يَاسر ابْنه من بعده وَأَنه بلغ وَادي الرمل من بِلَاد الْمغرب وَلم يجد فِيهِ مسلكا لِكَثْرَة الرمل فَرجع وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي تبع الآخر وَهُوَ أسعد أَبُو كرب وَكَانَ على عهد بشتاسف من مُلُوك الْفرس الكيانية أَنه ملك الْموصل وأذربيجان وَلَقي التّرْك فَهَزَمَهُمْ وأثخن ثمَّ غزاهم ثَانِيَة وثالثة كَذَلِك وأغزى ثَلَاثَة من بنيه بِلَاد فَارس وَإِلَى بِلَاد الصغد من أُمَم التّرْك ووراء النَّهر وَإِلَى بِلَاد الرّوم فَملك الأول الْبِلَاد إِلَى سَمَرْقَنْد وَقطع المفاوز إِلَى الصين وَرجع بالغنائم وَترك بالصين قبائل من حمير فهم بهَا إِلَى هَذَا الْعَهْد وَهَذِه الْأَخْبَار كلهَا بعيدَة عَن الصِّحَّة عريقة فِي الْوَهم والغلط وأشبه بِأَحَادِيث الْقَصَص الْمَوْضُوعَة كَمَا بَينهَا ابْن خلدون فِي تَارِيخه تَفْسِير سُورَة الْفجْر وَأبْعد من ذَلِك وأعرق فِي الْوَهم مَا يتناقله الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِير سُورَة الْفجْر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد إرم ذَات الْعِمَاد﴾ فيجعلون لَفْظَة أرم أَسمَاء للمدينة وصفت بِأَنَّهَا ذَات عماد أَي أساطين وينقلون أَنه كَانَ لعاد بن عوص بن أرم ابْنَانِ هما شَدِيد وَشَدَّاد ملكا من بعده وَهلك شَدِيد فخلص الْملك لشداد ودانت لَهُ مُلُوكهمْ وَسمع وصف الْجنَّة فَقَالَ لأبنين مثلهَا فَبنى مَدِينَة أرم فِي صحاري عدن فِي مُدَّة ثَلَاثمِائَة سنة وَكَانَ عمره تِسْعمائَة سنة وَأَنَّهَا مَدِينَة عَظِيمَة قُصُورهَا من الذَّهَب وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيهَا أَصْنَاف الشّجر والأنهار المطردة وَلما تمّ بناؤها سَار إِلَيْهَا بِأَهْل مَمْلَكَته حَتَّى إِذا كَانَ مِنْهَا على مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة بعث الله عَلَيْهِم صَيْحَة من السَّمَاء فهلكوا كلهم ذكر ذَلِك الطَّبَرِيّ والثعالبي والزمخشري وَغَيرهم من الْمُفَسّرين وينقلون عَن عبد الله بن قلَابَة من الصَّحَابَة أَنه خرج فِي طلب إبل لَهُ فَوَقع عَلَيْهَا وَحمل مِنْهَا مَا قدر عَلَيْهِ وَبلغ خَبره إِلَى مُعَاوِيَة فَأحْضرهُ وقص عَلَيْهِ فبحث عَن كَعْب الْأَحْبَار وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ هِيَ

стр. 220

أرم ذَات الْعِمَاد وَسَيَدْخُلُهَا رجل من الْمُسلمين فِي زَمَانك أَحْمَر أشقر قصير على حَاجِبه خَال وعَلى عُنُقه خَال يخرج فِي طلب إبل لَهُ ثمَّ الْتفت فأبصر ابْن قلَابَة فَقَالَ هَذَا وَالله ذَلِك الرجل وَذكره الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الدهلوي أَيْضا فِي تَفْسِيره الْفَارِسِي وَهَذِه الْمَدِينَة لم يسمع لَهَا خبر من يَوْمئِذٍ فِي شَيْء من بقاع الأَرْض وصحارى عدن الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا بنيت فِيهَا هِيَ فِي وسط الْيمن وَمَا زَالَ عمرانا متعاقبا والادلاء نقص طرقه من كل وَجه وَلم يقل عَن هَذِه الْمَدِينَة خبر وَلَا ذكرهَا أحد من الإخباريين وَلَا من الْأُمَم وَلَو قَالُوا أَنَّهَا درست فِيمَا درس من الْآثَار لَكَانَ أشبه إِلَّا أَن ظَاهر كَلَامهم أَنَّهَا مَوْجُودَة وَبَعْضهمْ يَقُول أَنَّهَا دمشق بِنَاء على أَن قوم عَاد مُلُوكهَا وَقد يَنْتَهِي الهذيان ببعضهم إِلَى أَنَّهَا غَائِبَة وَإِنَّمَا يعثر عَلَيْهَا أهل الرياضة وَالسحر مزاعم كلهَا أشبه بالخرافات وَالَّذِي حمل الْمُفَسّرين على ذَلِك مَا اقتضته صناعَة الْأَعْرَاب فِي لَفْظَة ذَات الْعِمَاد أَنهم صفة أرم وحملوا الْعِمَاد على الأساطين فَتعين أَن يكون بِنَاء وَرشح لَهُم ذَلِك قِرَاءَة ابْن الزبير عَاد أرم على الْإِضَافَة من غير تَنْوِين ثمَّ وقفُوا على تِلْكَ الحكايات الَّتِي هِيَ أشبه بالأقاصيص الْمَوْضُوعَة الَّتِي هِيَ أقرب إِلَى الْكَذِب المنقولة فِي عدد المضحكات وَإِلَّا فالعماد هِيَ عماد الأخبية بل الْخيام وَإِن أُرِيد بهَا الأساطين فَلَا بدع فِي وَصفهم بِأَنَّهُم أهل بِنَاء وأساطين على الْعُمُوم بِمَا اشْتهر من قوتهم لَا أَنه بِنَاء خَاص فِي مَدِينَة مُعينَة أَو غَيرهَا وَإِن أضيفت كَمَا فِي قِرَاءَة ابْن الزبير فعلى إِضَافَة الفصيلة إِلَى الْقَبِيلَة كَمَا تَقول قُرَيْش كنَانَة والياس مُضر وَرَبِيعَة نزار وَأي ضَرُورَة إِلَى الْمحمل الْبعيد الَّذِي تمحلت لتوجيهه لأمثال هَذِه الحكايات الْوَاهِيَة الَّتِي يتنزه كتاب الله تَعَالَى عَن مثلهَا لبعدها عَن الصِّحَّة الرشيد وَمن الحكايات المدخولة للمؤرخين مَا ينقلونه كَافَّة فِي سَبَب نكبة

стр. 221

الرشيد للبرامكة من قصَّة العباسة أُخْته مَعَ جَعْفَر بن يحي بن خَالِد مَوْلَاهُ وهيهات ذَلِك من منصب العباسة فِي دينهَا وأبويها وجلالها وَأَنَّهَا بنت عبد الله ابْن عَبَّاس لَيْسَ بَينهَا وَبَينه إِلَّا أَرْبَعَة رجال هم أَشْرَاف الدّين وَعُظَمَاء الْملَّة من بعده وَإِنَّمَا نكب البرامكة مَا كَانَ من استبدادهم على الدولة واحتجابهم أَمْوَال الجباية يحي بن أَكْثَم ويناسب هَذَا أَو قريب مِنْهُ مَا ينقلونه كَافَّة عَن يحي بن أَكْثَم قَاضِي الْمَأْمُون وَصَاحبه وَأَنه كَانَ يعاقر الْمَأْمُون الْخمر مَعَ أَن يحي كَانَ من علية أهل الحَدِيث وَقد أثنى عَلَيْهِ أَحْمد وَإِسْمَاعِيل القَاضِي وَخرج عَنهُ التِّرْمِذِيّ وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير الْجَامِع فالقدح فِيهِ قدح فِي جَمِيعهم وَذكره ابْن حَيَّان فِي الثقاة وَقَالَ لَا يشْتَغل بِمَا يحْكى عَنهُ لِأَن أَكْثَرهَا لَا يَصح عَنهُ وَمن أَمْثَال هَذِه الحكايات مَا نَقله ابْن عبد ربه صَاحب العقد من حَدِيث الزنبيل فِي سَبَب أَصْهَار الْمَأْمُون إِلَى الْحسن بن سهل فِي بنته بوران العبيديين وَمن الْأَخْبَار الْوَاهِيَة مَا يذهب إِلَيْهِ الْكثير من المؤرخين وَالْإِثْبَات فِي العبيديين خلفاء الشِّيعَة فِي القيروان والقاهرة من نفيهم عَن أهل الْبَيْت والطعن فِي نسبهم إِلَى إِسْمَاعِيل الإِمَام ابْن جَعْفَر الصَّادِق يعتمدون فِي ذَلِك على أَحَادِيث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني الْعَبَّاس تزلفا إِلَيْهِم بالقدح فِيمَن ناصبهم وتفننا فِي الشمات بعدوهم ويغفلون عَن التفطن لشواهد الْوَاقِعَات وأدلة الْأَحْوَال الَّتِي اقْتَضَت خلاف ذَلِك من تَكْذِيب دَعوَاهُم وَالرَّدّ عَلَيْهِم كَمَا بَينهَا ابْن خلدون وَاعْتبر حَال القرمطي إِذْ كَانَ دعيا فِي انتسابه كَيفَ تلاشت دَعوته وَتَفَرَّقَتْ أَتْبَاعه وَظهر سَرِيعا على خبثهمْ ومكرهم فَسَاءَتْ عاقبتهم

стр. 222

وذاقوا وبال أَمرهم وَلَو كَانَ أَمر العبيديين كَذَلِك لعرف وَلَو بعد مهلة (وَمهما يكن عِنْد امْرِئ من خَلِيقَة ... وَإِن خالها تخفى على النَّاس تعلم) فقد اتَّصَلت دولتهم نَحوا من مِائَتَيْنِ وَسبعين سنة وملكوا مقَام إِبْرَاهِيم وَمُصَلَّاهُ وموطن الرَّسُول ﷺ ومدفنه وموقف الحجيج ومهبط الْمَلَائِكَة ثمَّ انقرض أَمرهم وشيعتهم فِي ذَلِك كُله على أتم مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الطَّاعَة لَهُم وَالْحب فيهم واعتقادهم بِنسَب الإِمَام إِسْمَاعِيل وَالْعجب من القَاضِي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من الْمُتَكَلِّمين بجنح إِلَى هَذِه الْمقَالة المرجوحة وَيرى هَذَا الرَّأْي الضَّعِيف فَإِن كَانَ ذَلِك لما كَانُوا عَلَيْهِ من الْإِلْحَاد فِي الدّين والتعمق فِي الرافضية فَلَيْسَ ذَلِك بدافع فِي صدر دعوتهم وَلَيْسَ إِثْبَات منتسبهم بِالَّذِي بغني عَنْهُم من الله شَيْئا فقد قَالَ تَعَالَى لنوح ﵇ فِي شان ابْنه ﴿إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح فَلَا تسألن مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَقَالَ ﷺ لفاطمة يعظها يَا فَاطِمَة اعملي فَلَنْ أُغني عَنْك من الله شَيْئا وَمَتى عرف أَمر وَقَضِيَّة أَو استيقن أمرا وَجب عَلَيْهِ أَن يصدع بِهِ وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل وَقد أَطَالَ ابْن خلدون فِي بَيَان صِحَة نسبهم إِلَى أهل الْبَيْت فَمن شَاءَ فَليرْجع إِلَى كَلَامه وَيلْحق بِهَذِهِ المقالات الْفَاسِدَة مَا يتَنَاوَلهُ ضعفة الرَّأْي من فُقَهَاء الْمغرب من الْقدح فِي الإِمَام الْمهْدي صَاحب دولة الْمُوَحِّدين ونسبته إِلَى الشعوذة والتلبيس فِيمَا أَتَاهُ من الْقيام بِالتَّوْحِيدِ الْحق والنعي على أهل الْبَغي وتكذيبهم لجَمِيع مدعياته فِي ذَلِك حَتَّى فِيمَا يزْعم الموحدون أَتْبَاعه من انتسابه فِي أهل الْبَيْت وَإِنَّمَا حمل الْفُقَهَاء على تَكْذِيبه مَا كمن فِي أنفسهم من حسده على شَأْنه فَإِنَّهُم لما رَأَوْا من أنفسهم مناهضة فِي الْعلم وانقيادا فِي الدّين بزعمهم ثمَّ امتاز عَنْهُم بِأَنَّهُ متبوع الرَّأْي مسموع القَوْل موطأ الْعقب نفسوا ذَلِك عَلَيْهِ وغضوا مِنْهُ بالقدح فِي مذاهبه والتكذيب لمدعياته

стр. 223

وَمَا ظَنك بِرَجُل نقم على أهل الدولة مَا نقم من أَحْوَالهم وَخَالف اجْتِهَاده فقهاءهم فَنَادَى فِي قومه ودعا إِلَى جهادهم بِنَفسِهِ فاقتلع الدولة من أُصُولهَا وَجعل عاليها سافلها أعظم مَا كَانَت قُوَّة وَأَشد شَوْكَة وأعز أنصارا وحامية وتساقطت فِي ذَلِك من أَتْبَاعه نفوس لَا يحصيها إِلَّا خَالِقهَا قد بَايعُوهُ على الْمَوْت ووقوه بِأَنْفسِهِم من الهلكة وتقربوا إِلَى الله بِإِتْلَاف مهجهم فِي إِظْهَار تِلْكَ الدعْوَة والتعصب لتِلْك الْكَلِمَة حَتَّى علت على الْكَلم ووألت بالعدوتين من الدول وَهُوَ بِحَالَة من التقشف والحصر وَالصَّبْر على المكاره والتقلل من الدُّنْيَا حَتَّى قَبضه الله وَلَيْسَ على شَيْء من الْحَظ وَالْمَتَاع فِي دُنْيَاهُ حَتَّى الْوَلَد الَّذِي رُبمَا تجنح إِلَيْهِ النُّفُوس وتخادع عَن تمنيه فليت شعري مَا الَّذِي قصد بذلك إِن لم يكن وَجه الله وَهُوَ لم يحصل لَهُ حَظّ من الدُّنْيَا فِي عاجله وَمَعَ هَذَا فَلَو كَانَ قَصده غير صَالح لما تمّ أمره وانفسحت دَعوته ﴿سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده﴾ وانتصر لَهُ ابْن خلدون ثمَّ قَالَ فقد زلت أَقْدَام كثير من الْإِثْبَات والمؤرخين الْحفاظ فِي مثل هَذِه الْأَحَادِيث والآراء وعلقت بأفكارهم ونقلها عَنْهُم الكافة من ضعفة النّظر والغفلة عَن الْقيَاس وتلقوها هم أَيْضا كَذَلِك من غير بحث وَلَا روية واندرجت فِي محفوظاتهم حَتَّى صَار فن التَّارِيخ واهيا مختلطا وناظره مرتكبا وعد من مناحي الْعَامَّة فَإِذا يحْتَاج صَاحب هَذَا الْفَنّ إِلَى الْعلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات وَاخْتِلَاف الْأُمَم وَالْبِقَاع والأعصار فِي السّير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وَسَائِر الْأَحْوَال والإحاطة بالحاضر من ذَلِك ومماثلة مَا بَينه وَبَين الْغَائِب من الْوِفَاق أَو بَين مَا بَينهمَا من الْخلاف وتعليل الْمُتَّفق مِنْهُمَا والمختلف وَالْقِيَام على أصُول الدول والملل ومبادئ ظُهُورهَا وَأَسْبَاب حدوثها ودواعي كَونهَا وأحوال القائمين بهَا وأخبارهم حَتَّى يكون مستوعبا لأسباب كل حَادث وَاقِفًا على أصُول كل خبر وَحِينَئِذٍ يعرض خبر الْمَنْقُول على مَا عِنْده من الْقَوَاعِد وَالْأُصُول فَإِن وافقها وَجرى على مقتضاها كَانَ صَحِيحا وَإِلَّا زيفه وَاسْتغْنى عَنهُ وَمَا استكبر القدماء علم التَّارِيخ إِلَّا لذَلِك حَتَّى انتحله الطَّبَرِيّ وَالْبُخَارِيّ وَابْن اسحق من قبلهمَا وأمثالهم من عُلَمَاء الْأمة

стр. 224

وَقد ذهل الْكثير عَن هَذَا السِّرّ فِيهِ حَتَّى صَار انتحاله مجهلَة واستخف الْعَوام وَمن لَا رسوخ لَهُ فِي المعارف مطالعته وَحمله والخوض فِيهِ والتطفل عَلَيْهِ فاختلط المرعى بالهمل واللباب بالقشر والصادق بالكاذب وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور وَمن الْغَلَط الْخَفي فِي التَّارِيخ الذهول عَن تبدل الْأَحْوَال فِي الْأُمَم والأجيال بتبدل الْأَعْصَار ومرور الْأَيَّام وَهُوَ دَاء دوِي شَدِيد الخفاء إِذْ لَا يَقع إِلَّا بعد أحقاب متطاولة فَلَا يكَاد يتفطن لَهُ إِلَّا الْآحَاد من أهل الخليقة وَذَلِكَ أَن أَحْوَال الْعَالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لَا تدوم على وتيرة وَاحِدَة ومنهاج مُسْتَقر إِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاف على الْأَيَّام والأزمنة وانتقال من حَال إِلَى حَال وكما يكون ذَلِك فِي الْأَشْخَاص والأوقات والأمصار فَكَذَلِك يَقع فِي الْآفَاق والأقطار والأزمنة والدول وَقد كَانَت فِي الْعَالم أُمَم الْفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبابعة وَبَنُو إِسْرَائِيل والقبط وَكَانُوا على أَحْوَال خَاصَّة بهم فِي دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وَسَائِر مشاركاتهم مَعَ أَبنَاء جنسهم وأحوال اعتمارهم للْعَالم تشهد بهَا آثَارهم ثمَّ جَاءَ بعدهمْ الْفرس الثَّانِيَة وَالروم وَالْعرب فتبدلت تِلْكَ الْأَحْوَال وانقلبت بهَا العوائد إِلَى مَا يجانسها أَو يشابهها وَإِلَى مَا يباينها أَو يباعدها دولة مُضر ثمَّ جَاءَ الْإِسْلَام بدولة مُضر فَانْقَلَبت تِلْكَ الْأَحْوَال أجمع انقلابة أُخْرَى وَصَارَت إِلَى مَا أَكثر مُتَعَارَف لهَذَا الْعَهْد يَأْخُذهُ الْخلف عَن السّلف ثمَّ درست دولة الْعَرَب وأيامهم وَذَهَبت الأسلاف الَّذِي شيدوا عزهم ومهدوا ملكهم وَصَارَ الْأَمر فِي أَيدي سواهُم من الْعَجم مثل التّرْك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال فَذَهَبت بذهابهم أُمَم وانقلبت أَحْوَال وعوائد نسي شَأْنهَا وأغفل أمرهَا وَالسَّبَب الشَّائِع فِي تبدل الْأَحْوَال والعوائد أَن عوائد كل جيل تَابِعَة

стр. 225

لعوائد سُلْطَانه كَمَا يُقَال فِي الْأَمْثَال الْحكمِيَّة النَّاس على دين مُلُوكهمْ وَأهل الْملك وَالسُّلْطَان إِذا استولوا على الدولة وَالْأَمر فَلَا بُد وَأَن يفزعوا إِلَى عوائد من قبلهم ويأخذوا الْكثير مِنْهَا وَلَا يغفلوا عوائد جيلهم مَعَ ذَلِك فَيَقَع فِي عوائد الدولة بعض الْمُخَالفَة لعوائد الجيل الأول فَإِذا جَاءَت دولة أُخْرَى من بعدهمْ ومزجت من عوائدهم وعوائدها خَالَفت أَيْضا بعض الشَّيْء وَكَانَت الأولى أَشد مُخَالفَة ثمَّ لَا يزَال التدريج فِي الْمُخَالفَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى المباينة بِالْجُمْلَةِ فَمَا دَامَت الْأُمَم والأجيال تتعاقب فِي الْملك وَالسُّلْطَان لَا تزَال الْمُخَالفَة فِي العوائد وَالْأَحْوَال وَاقعَة وَالْقِيَاس والمحاكاة للْإنْسَان طبيعة مَعْرُوفَة وَمن الْغَلَط غير مَأْمُونَة تخرجه مَعَ الذهول والغفلة عَن قَصده وتعوج بِهِ عَن مرامه فَرُبمَا يسمع السَّامع كثيرا من أَخْبَار الماضين وَلَا يتفطن لما وَقع من تغير الْأَحْوَال وانقلابها فيجريها لأوّل وهلة على مَا عرف ويقيسها بِمَا شهد وَقد يكون الْفرق بَينهمَا كثيرا فَيَقَع فِي مهواة من الْغَلَط الْحجَّاج فَمن هَذَا الْبَاب مَا يَنْقُلهُ المؤرخون من أَحْوَال الْحجَّاج وَأَن أَبَاهُ كَانَ مَعَ المعلمين مَعَ أَن التَّعْلِيم لهَذَا الْعَهْد من جملَة الصَّنَائِع المعاشية الْبَعِيدَة من اعتزاز أهل العصبية والمعلم مستضعف أهل الْحَرْف والصنائع المعايشة إِلَى نيل الرتب الَّتِي لَيْسُوا لَهَا بِأَهْل ويعدونها من الممكنات لَهُ فتذهب بهم وساوس المطامع وَرُبمَا انْقَطع حبلها من أَيْديهم فسقطوا فِي مهواة الهلكة والتلف وَلَا يعلمُونَ استحالتها فِي حَقهم وَأَنَّهُمْ أهل حرف وصنائع للمعاش وَأَن التَّعْلِيم صدر الْإِسْلَام والدولتين لم يكن كَذَلِك وَلم يكن الْعلم بِالْجُمْلَةِ صناعَة إِنَّمَا كَانَ نقلا لما سمع من الشَّارِع وتعليما لما جهل من الدّين على جِهَة الْبَلَاغ فَكَانَ أهل الانساب والعصبية الَّذين قَامُوا بالملة هم الَّذين يعلمُونَ كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ على معنى التَّبْلِيغ الخبري لَا على وَجه التَّعْلِيم الصناعي إِذْ هُوَ كِتَابهمْ الْمنزل على الرَّسُول مِنْهُم وَبِه هداياتهم وَالْإِسْلَام دينهم قَاتلُوا عَلَيْهِ

стр. 226

وَقتلُوا واختصوا بِهِ من بَين الْأُمَم وشرفوا فيحرصون على تَبْلِيغ ذَلِك وتفهيمه للْأمة لَا تصدهم عَنهُ لائمة الْكبر وَلَا يزعزعهم عَنهُ عاذل الأنفة وَيشْهد لذَلِك بعث النَّبِي ﷺ كبار أَصْحَابه مَعَ وُفُود الْعَرَب يعلمونهم حُدُود الْإِسْلَام وَمَا جَاءَ بِهِ من شرائع الدّين بعث فِي ذَلِك من أَصْحَابه الْعشْرَة فَمن بعدهمْ فَلَمَّا اسْتَقر الْإِسْلَام ووشجت عروق الْملَّة حَتَّى تنَاولهَا الْأُمَم الْبَعِيدَة من أَيدي أَهلهَا واستحالت بمرور الْأَيَّام أحوالها وَكثر استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من النُّصُوص لتَعَدد الوقائع وتلاحقها فَاحْتَاجَ ذَلِك لقانون يحفظه من الْخَطَأ وَصَارَ الْعلم ملكة يحْتَاج إِلَى التَّعَلُّم فَأصْبح من جملَة الصَّنَائِع والحرف واشتغل أهل العصبية بِالْقيامِ بِالْملكِ وَالسُّلْطَان فَدفع للْعلم من قَامَ بِهِ من سواهُم وَأصْبح حِرْفَة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وَأهل السُّلْطَان عَن التصدي للتعليم واختص انتحاله بالمستضعفين وَصَارَ منتحله محتقرا عِنْد أهل العصبية وَالْملك وَالْحجاج بن يُوسُف كَانَ أَبوهُ من سَادَات ثَقِيف وأشرافهم ومكانهم من عصبية الْعَرَب ومناهضة قُرَيْش فِي الشّرف مَا علمت وَلم يكن تَعْلِيمه لِلْقُرْآنِ على مَا هُوَ الْأَمر عَلَيْهِ لهَذَا الْعَهْد من أَنه حِرْفَة للمعاش وَإِنَّمَا كَانَ على مَا وصفناه من الْأَمر الأول فِي الْإِسْلَام أَحْوَال الْقُضَاة وَمن هَذَا الْبَاب أَيْضا مَا يتوهمه المتصفحون لكتب التَّارِيخ إِذا سمعُوا أَحْوَال الْقُضَاة وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الرِّئَاسَة فِي الحروب وقود العساكر فتترامى بهم وساوس الهمم إِلَى مثل تِلْكَ الرتب يحسبون أَن الشَّأْن فِي خطة الْقَضَاء لهَذَا الْعَهْد على مَا كَانَ عَلَيْهِ من قبل ويظنون بِابْن أبي عَامر صَاحب هِشَام المستبد عَلَيْهِ وَابْن عباد من مُلُوك الطوائف بإشبيلية إِذا سمعُوا أَن آبَاءَهُم كَانُوا قُضَاة أَنهم مثل الْقُضَاة لهَذَا الْعَهْد وَلَا يتفطنون لما وَقع فِي رُتْبَة الْقَضَاء من مُخَالفَة العوائد

стр. 227

وَابْن أبي عَامر وَابْن عباد كَانَا من قبائل الْعَرَب القائمين بالدولة الأموية بالأندلس وَأهل عصبيتها وَكَانَ مكانهم فِيهَا مَعْلُوما وَلم يكن نيلهم لما نالوه من الرِّئَاسَة وَالْملك بخطة الْقَضَاء كَمَا هِيَ لهَذَا الْعَهْد بل إِنَّمَا كَانَ الْقَضَاء فِي الْأَمر الْقَدِيم لأهل العصبية من قبيل الدولة ومواليها وَمن هَذَا الْبَاب أَيْضا مَا يسلكه المؤرخون عِنْد ذكر الدول ونسق مُلُوكهَا فَيذكرُونَ اسْمه وَنسبه وأباه وَأمه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه وحاجبه ووزيره كل ذَلِك تَقْلِيد لمؤرخي الدولتين من غير تفطن لمقاصدهم والمؤرخون لذَلِك الْعَهْد كَانُوا يضعون تواريخهم لأهل الدولة وأبناؤها متشوفون إِلَى سير أسلافهم وَمَعْرِفَة أَحْوَالهم ليقتفوا آثَارهم وينسجوا على منوالهم حَتَّى فِي اصطناع الرِّجَال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لأبناء صنائعهم وذويهم والقضاة أَيْضا كَانُوا من أهل عصبية الدولة وَفِي عداد الوزراء فيحتاجون إِلَى ذكر ذَلِك كُله وَأما حِين تباينت الدول وتباعد مَا بَين العصور ووقف الْغَرَض على معرفَة الْمُلُوك بِأَنْفسِهِم خَاصَّة وَنسب الدول بَعْضهَا من بعض فِي قوتها وغلبتها وَمن كَانَ يناهضها من الْأُمَم أَو يقصر عَنْهَا فَمَا الْ فَائِدَة للْمُصَنف فِي هَذَا الْعَهْد فِي ذكر الْأَبْنَاء وَالنِّسَاء وَنقش الْخَاتم واللقب وَالْقَاضِي والوزير والحاجب من دولة قديمَة لَا يعرف فِيهَا أصولهم وَلَا أنسابهم وَلَا مقاماتهم إِنَّمَا حملهمْ على ذَلِك التَّقْلِيد والغفلة عَن مَقَاصِد المؤلفين الأقدمين والذهول عَن تحري الْأَغْرَاض من التَّارِيخ اللَّهُمَّ إِلَّا ذكر الوزراء الَّذين عظمت آثَارهم وعفت على الْمُلُوك أخبارهم كالحجاج وَبني الْمُهلب والبرامكة وَبني سهل بن نوبخت وكافور الإخشيدي وَابْن أبي عَامر وأمثالهم فَغير نَكِير الألماع بآبائهم وَالْإِشَارَة إِلَى أَحْوَالهم لانتظامهم فِي عداد الْمُلُوك فَائِدَة ولنذكر هُنَا فَائِدَة نختم كلامنا فِي هَذِه الْمقَالة بهَا وَهِي أَن التَّارِيخ إِنَّمَا هُوَ ذكر الْأَخْبَار الْخَاصَّة بعصر أَو جيل فَأَما ذكر الْأَحْوَال الْعَامَّة للآفاق والأجيال والأعصار فَهُوَ أس للمؤرخ تبنى عَلَيْهِ أَكثر مقاصده وتتبين

стр. 228

بِهِ أخباره وَقد كَانَ النَّاس يفردونه بالتأليف كَمَا فعله المَسْعُودِيّ فِي كتاب مروج الذَّهَب شرح فِيهِ أَحْوَال الْأُمَم والآفاق لعهده فِي عصر الثَّلَاثِينَ والثلاثمائة غربا وشرقا وَذكر نحلهم وعوائدهم وَوصف الْبلدَانِ وَالْجِبَال والبحار والممالك والدول وَفرق شعوب الْعَرَب والعجم فَصَارَ إِمَامًا للمؤرخين يرجعُونَ إِلَيْهِ وأصلا يعولون فِي تَحْقِيق الْكثير من أخبارهم عَلَيْهِ ثمَّ جَاءَ الْبكْرِيّ من بعده فَفعل مثل ذَلِك فِي المسالك والممالك خَاصَّة دون غَيرهَا من الْأَحْوَال لِأَن الْأُمَم والأجيال لعهده لم يَقع فِيهَا كثير انْتِقَال وَلَا عَظِيم تغير قَول ابْن خلدون قَالَ ابْن خلدون وَأما لهَذَا الْعَهْد وَهُوَ آخر الْمِائَة الثَّامِنَة فقد انقلبت أَحْوَال الْمغرب الَّذِي نَحن شاهدوه وتبدلت بِالْجُمْلَةِ واعتاض من أجيال البربر أَهله على الْقدَم بِمن طَرَأَ فِيهِ من لدن الْمِائَة الْخَامِسَة من أجيال الْعَرَب بِمَا كسروهم وغلبوهم وانتزعوا مِنْهُم عَامَّة الأوطان وشاركوهم فِيمَا بَقِي من الْبلدَانِ لملكهم هَذَا إِلَى مَا نزل بالعمران شرقا وغربا فِي منتصف هَذِه الْمِائَة الثَّامِنَة من الطَّاعُون الجارف الَّذِي تحيف الْأُمَم وَذهب بِأَهْل الجيل وطوى كثيرا من محَاسِن الْعمرَان ومحاها وَجَاء للدول على حِين هرمها وبلوغ الْغَايَة من مداها فقلص من ظلالها وفل من حَدهَا وأوهن من سلطانها وتداعت إِلَى التلاشي والاضمحلال أحوالها وانتقص عمرَان الأَرْض بانتقاص الْبشر فخربت الْأَمْصَار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل السَّاكِن وَكَأَنِّي بالمشرق فد نزل بِهِ مَا نزل بالمغرب لَكِن على نسبته وَمِقْدَار عمرانه وكأنما نَادَى لِسَان الْكَوْن فِي الْعَالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا مملكة الْهِنْد قلت وَهَذِه الْحَال هِيَ بِعَينهَا حَال مملكة الْهِنْد فِي هَذَا الْعَصْر وَهُوَ آخر الْمِائَة الثَّالِثَة عشرَة من سني الْهِجْرَة مُنْذُ ذهبت مِنْهَا دولة الْإِسْلَام

стр. 229

واندرست معالم مُلُوكهَا وسلاطينها الْعِظَام وَصَارَت تِلْكَ الدولة البريطانية أَعنِي الإنكليز وَإِذا تبدلت الْأَحْوَال جملَة فَكَأَنَّمَا تبدل الْخلق من أَصله وتحول الْعَالم بأسره وَكَأَنَّهُ خلق جَدِيد ونشأة مستأنفة وعالم مُحدث فَاحْتَاجَ لهَذَا الْعَهْد من يدون أَحْوَال الْخَلِيفَة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل الَّتِي تبدلت لأَهْلهَا ويقفوا مَسْلَك المَسْعُودِيّ لعصره ليَكُون أصلا يقْتَدى بِهِ من يَأْتِي من المؤرخين من بعده وَقد ذكر ابْن خلدون بعد هَذَا الْبَيَان مَا أمكنه مِنْهُ فِي الْقطر المغربي وَكَذَلِكَ غَيره مَا أمكنهم مِنْهُ فِي الأقطار الشرقية والجنوبية وَلَكِن الْمُحَقق فِي ذَلِك فِي كتب الْقَوْم مَا خلا ابْن خلدون وَأَبا الْفِدَاء نبذة يسيرَة والأقاصيص الْمُخْتَلفَة والأساطير المفتعلة كَثِيرَة جدا ومرد الْعلم كُله إِلَى الله والبشر عَاجز قَاصِر وَالِاعْتِرَاف مُتَعَيّن وَاجِب وَمن كَانَ الله فِي عونه تيسرت عَلَيْهِ الْمذَاهب وانجحت لَهُ المساعي والمطالب وَهَهُنَا تمت كلمة التَّأْلِيف والالتقاظ من كتب الثقاة على الارتجال مَعَ تبلبل البال وتحول الْحَال وَسميت تِلْكَ لقطَة العجلان مِمَّا تمس إِلَى معرفَة حَاجَة الْإِنْسَان على يَد جَامعه الْفَقِير الْجَانِي وَالْعَبْد الفاني سلالة المَاء والطين وسليل المسنونين أبي الطّيب صديق بن حسن ابْن عَليّ الْحُسَيْنِي القنوجي البُخَارِيّ ختم الله لَهُ بِالْحُسْنَى وَجعل لَهُ لِسَان صدق فِي الآخرين وَكَانَ تنميقه بيمناه الدائرة وَيَده القاصرة فِي شهر ربيع الأول لَعَلَّه الرَّابِع عشر مِنْهُ سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ وَألف من سني الْهِجْرَة القدسية على صَاحبهَا ألف ألف صَلَاة مَقْبُولَة وتحية مرضية ببلدة دَار الأمارة الْعليا بهوبال المحمية لَا زَالَت ملحوظة بِعَين الله وألطافه الْخفية وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين وَسَلام على الْمُرْسلين أَولا وأخيرا