← История

История · id 10739

لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان

صديق حسن خان

Полный текст (229 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَكَانَت الأقاليم الْأَرْبَعَة منحرفة وَأَهْلهَا كَذَلِك فِي خلقهمْ وخلقهم فَالْأول وَالثَّانِي للْحرّ والسواد وَالسَّابِع وَالسَّادِس للبرد وَالْبَيَاض وَيُسمى سكان الْجنُوب من الإقليمين الأول وَالثَّانِي باسم الْحَبَشَة والزنج والسودان أَسمَاء مترادفة على الْأُمَم المتغيرة بِالسَّوَادِ وَإِن كَانَ اسْم الْحَبَشَة مُخْتَصًّا مِنْهُم بِمن تجاه مَكَّة واليمن والزنج بِمن تجاه بَحر الْهِنْد وَلَيْسَت هَذِه الْأَسْمَاء لَهُم من أجل انتسابهم إِلَى آدَمِيّ أسود لَا حام وَلَا غَيره وَقد نجد من السودَان أهل الْجنُوب من يسكن الرّبع المعتدل أَو السَّبع المنحرف إِلَى الْبيَاض فتبيض ألوان أَعْقَابهم على التدريج مَعَ الْأَيَّام وَبِالْعَكْسِ فِي من يسكن من أهل الشمَال أَو الرَّابِع بالجنوب تسود ألوان أَعْقَابهم وَفِي ذَلِك دَلِيل على أَن اللَّوْن تَابع لمزاج الْهَوَاء قَالَ ابْن سينا أرجوزته فِي الطّلب (بالزنج حر غير الأجسادا ... حَتَّى كسا جلودها سوادا) (والصقلب اكْتسبت البياضا ... حَتَّى غذت جلودها بضاضا) وَأما أهل الشمَال فَلم يسموا بِاعْتِبَار ألوانهم لِأَن الْبيَاض كَانَ لونا لأهل تِلْكَ اللُّغَة الواضعة للأسماء فَلم يكن فِيهِ غرابة يحمل على اعْتِبَاره فِي التَّسْمِيَة لموافقته واعتياده وَوجدنَا سكانه من التّرْك والصقالبة والتغرغر والخزر واللان وَالْكثير من الإفرنجة ويأجوج وَمَأْجُوج أَسمَاء مُتَفَرِّقَة وأجيالا مُتعَدِّدَة مسمين بأسماء متنوعة وَأما أهل الأقاليم الثَّلَاثَة المتوسطة أهل الإعتدال فِي خلقهمْ وخلقهم وسيرهم وكافة الْأَحْوَال الطبيعية لإعتمار لديهم من المعاش والمساكن والصنائع والعلوم والرئاسات وَالْملك فَكَانَت فيهم النبوات وَالْملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والأمصار والمباني والفراسة والصنائع الفائقة وَسَائِر الْأَحْوَال المعتدلة وَأهل هَذِه الأقاليم الَّتِي وقفنا على أخبارهم مثل الْعَرَب وَالروم وَفَارِس وَبني إِسْرَائِيل واليونان وَأهل السَّنَد والهند والصين وَلما رأى النسابون اخْتِلَاف هَذِه الْأُمَم بسماتها وشعارها حسبوا ذَلِك لأجل الْأَنْسَاب

стр. 177

فَجعلُوا أهل الْجنُوب كلهم السودَان من ولد حام وارتابوا فِي ألوانهم فتكفلوا نقل تِلْكَ الْحِكَايَة الْوَاهِيَة وَجعلُوا أهل الشمَال كلهم أَو أَكْثَرهم من ولد يافث وَأكْثر الْأُمَم المعتدلة وَأهل الْوسط المنتحلين للعلوم والصنائع والملل والشرائع والسياسة وَالْملك من ولد سَام وَهَذَا الزَّعْم وَإِن صَادف الْحق فِي انتساب هَؤُلَاءِ فَلَيْسَ ذَلِك بِقِيَاس مطرد إِنَّمَا هُوَ أَخْبَار عَن الْوَاقِع لِأَن تَسْمِيَة أهل الْجنُوب بالسودان والحبشان من أجل انتسابهم إِلَى حام الْأسود وَمَا أداهم إِلَى هَذَا الْغَلَط إِلَّا اعْتِقَادهم أَن التَّمْيِيز بَين الْأُمَم إِنَّمَا يَقع بالأنساب فَقَط وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن التَّمْيِيز للجيل أَو الْأمة يكون بِالنّسَبِ فِي بَعضهم كَمَا للْعَرَب وَبني إِسْرَائِيل وَالْفرس وَيكون بالجهة والسمة كَمَا للزنج والحبشة والصقالبة والسودان وَيكون بالعوائد والشعار وَالنّسب كَمَا للْعَرَب وَيكون بِغَيْر ذَلِك من أَحْوَال الْأُمَم وخواصهم ومميزاتهم فتعميم القَوْل فِي أهل جِهَة مُعينَة من جنوب أَو شمال بِأَنَّهُم من ولد فلَان الْمَعْرُوف لما شملهم من نحلة أَو لون أَو سمة وجدت لذَلِك الْأَب إِنَّمَا هُوَ من الأغاليط الَّتِي وَقع فِيهَا الْغَفْلَة عَن طبائع الأكوان والجهات وَإِن هَذِه كلهَا تتبدل فِي الأعقاب وَلَا يجب اسْتِمْرَار سنة الله فِي عباده ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ وَالله وَرَسُوله أعلم بغيبه وَأحكم وَهُوَ الْمولى الْمُنعم الرؤوف الرَّحِيم

стр. 178

ذكر الْمَسَاجِد الْعَظِيمَة فِي الْعَالم أعلم أَن الله فضل من الأَرْض بقاعا اختصها بتشريفه وَجعلهَا مَوَاطِن الْعِبَادَة يُضَاعف فِيهَا الثَّوَاب وينمو بهَا الأجور وَأخْبرنَا بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفا بعباده وتسهيلا لطرق السَّعَادَة لَهُم وَكَانَت الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة هِيَ أفضل بقاع الأَرْض حسب مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس أما الْبَيْت الْحَرَام الَّذِي بِمَكَّة فَهُوَ بَيت إِبْرَاهِيم ﵊ أمره الله ببنائه وَأَن يُؤذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ إِلَيْهِ فبناه هُوَ وَابْنه إِسْمَاعِيل كَمَا نَصه الْقُرْآن وَقَامَ بِمَا أمره الله فِيهِ وَسكن إِسْمَاعِيل بِهِ مَعَ هَاجر وَمن نزل مَعَهم من جرهم إِلَى أَن قبضهما الله ودفنا بِالْحجرِ مِنْهُ وَبَيت الْمُقَدّس بناه دَاوُد ﵇ وَسليمَان أَمرهمَا الله بِبِنَاء مَسْجده وَنصب هياكله وَدفن كثير من الْأَنْبِيَاء من ولد إِسْحَاق ﵇ حواليه وَالْمَدينَة مهَاجر نَبينَا مُحَمَّد ﷺ أمره الله تَعَالَى بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَإِقَامَة دين الْإِسْلَام بهَا فَبنى مَسْجده الْحَرَام بهَا وَكَانَ ملحده الشريف فِي تربَتهَا فَهَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة قُرَّة عين الْمُسلمين ومهوى أفئدتهم وعظمة دينهم وَفِي الْآثَار من ففضلها ومضاعفة الثَّوَاب فِي مجاورتها وَالصَّلَاة فِيهَا كثير مَعْرُوف فلنشر إِلَى شَيْء من الْخَبَر عَن أولية هَذِه الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وَكَيف تدرجت أحوالها إِلَى أَن كمل ظُهُورهَا فِي الْعَالم فَأَما مَكَّة فأوليتها فِيمَا يُقَال أَن آدم صلوَات الله عَلَيْهِ بناها قبالة الْبَيْت

стр. 179

الْمَعْمُور ثمَّ هدمها الطوفان بعد ذَلِك وَلَيْسَ فِيهِ خبر صَحِيح يعول عَلَيْهِ وَإِنَّمَا إقتبسوه من مَحل الْآيَة فِي قَوْله ﴿وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل﴾ ثمَّ بعث الله إِبْرَاهِيم وَكَانَ من شَأْنه وشأن زَوجته سارة وغيرتها من هَاجر مَا هُوَ مَعْرُوف وَأوحى الله إِلَيْهِ أَن يتْرك ابْنه إِسْمَاعِيل وَأمه هَاجر بالفلاة فوضعهما فِي مَكَان الْبَيْت وَسَار عَنْهُمَا وَكَيف جعل الله لَهما من اللطف فِي نبع مَاء زَمْزَم ومرور الرّفْقَة من جرهم بهما حَتَّى احتملوهما وَسَكنُوا إِلَيْهِمَا ونزلوا مَعَهُمَا حوالي زَمْزَم كَمَا عرف فِي مَوْضِعه فَاتخذ إِسْمَاعِيل بِموضع الْكَعْبَة بَيْتا يأوي إِلَيْهِ وأدار عَلَيْهِ سياجا من الدوم وَجعله زربا لغنمه وَجَاء إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ مرَارًا لزيارته من الشَّام أَمر فِي آخرهَا بِبِنَاء الْكَعْبَة مَكَان ذَلِك الزرب فبناه واستعان فِيهِ بإبنه إِسْمَاعِيل ودعا النَّاس إِلَى حجَّة وَبَقِي إِسْمَاعِيل سَاكِنا بِهِ وَلما قبضت أمه هَاجر وَقَامَ بنوه من بعده بِأَمْر الْبَيْت مَعَ أخوالهم من جرهم ثمَّ العماليق من بعدهمْ وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك وَالنَّاس يهرعون إِلَيْهَا من كل أفق من جَمِيع أهل الخليقة لَا من بني إِسْمَاعِيل وَلَا من غَيرهم مِمَّن دنا أَو نأى فقد نقل أَن التبابعة كَانَت تحج الْبَيْت وتعظمه وَأَن تبعا كساها الملاء والوصائل وَأمر بتطهيرها وَجعل لَهَا مفتاحا وَنقل أَيْضا ان الْفرس كَانَت تحجه وتقرب إِلَيْهِ وَإِن غزالي الذَّهَب اللَّذين وجدهما عبد الْمطلب حِين احتفر زَمْزَم كَانَا من قرابينهم وَلم يزل بجرهم الْولَايَة عَلَيْهِ من بعد ولد إِسْمَاعِيل من قبل خؤولتهم حَتَّى إِذا خرجت خُزَاعَة وَأَقَامُوا بهَا بعدهمْ مَا شَاءَ الله ثمَّ كثر ولد إِسْمَاعِيل وانتشروا وتشعبوا إِلَى كنَانَة ثمَّ كنَانَة إِلَى قُرَيْش وَغَيرهم وَسَاءَتْ ولَايَة خُزَاعَة فَغَلَبَتْهُمْ قُرَيْش على أمره وأخرجوهم من الْبَيْت وملكوا عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ قصي بن كلاب فَبنى الْبَيْت وسقفه بخشب الدوم وجريد النّخل قَالَ الْأَعْشَى (حَلَفت بثوبي رَاهِب الدَّيْر وَالَّتِي ... بناها قصي والمضاض بن جرهم) ثمَّ أصَاب الْبَيْت سيل وَيُقَال حريق وتهدم وأعادوا بناءه وجمعوا النَّفَقَة لذَلِك من أمولهم وانكسرت سفينة بساحل جدة فاشتروا خشبها

стр. 180

للسقف وَكَانَت جدرانه فَوق الْقَامَة فجعلوها ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَكَانَ الْبَاب لاصقا بِالْأَرْضِ فجعلوه فَوق الْقَامَة لِئَلَّا تدخله السُّيُول وَقصرت بهم النَّفَقَة عَن إِتْمَامه فقصروا عَن قَوَاعِده وَتركُوا مِنْهُ سِتَّة أَذْرع وشبرا أداروها بجدار قصير يُطَاف من وَرَائه وَهُوَ الْحجر وَبَقِي الْبَيْت على هَذَا الْبناء إِلَى أَن تحصن ابْن الزبير بِمَكَّة حِين دَعَا لنَفسِهِ وزحفت إِلَيْهِ جيوش يزِيد ين مُعَاوِيَة مَعَ الْحصين بن نمير السكونِي وَرمى الْبَيْت سنة أَربع وَسِتِّينَ فَأَصَابَهُ حريق يُقَال من النفط الَّذِي رموا بِهِ على ابْن الزبير فَأَعَادَ بناءه أحسن مِمَّا كَانَ بعد أَن اخْتلفت عَلَيْهِ الصَّحَابَة فِي بنائِهِ وَاحْتج عَلَيْهِم بقول رَسُول الله ﷺ لعَائِشَة ﵂ لَوْلَا قَوْمك حديثو عهد بِكفْر لرددت الْبَيْت على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ولجعلت لَهُ بَابَيْنِ شرقيا وغربيا فهدمه وكشف عَن أساس إِبْرَاهِيم ﵇ وَجمع الْوُجُوه والأكابر حَتَّى عينوه وَأَشَارَ عَلَيْهِ ابْن عَبَّاس بِالتَّحَرِّي فِي حفظ الْقبْلَة على النَّاس فأدار على الأساس الْخشب وَنصب من فَوْقهَا الأستار حفظا للْقبْلَة وَبعث إِلَى صنعاء فِي الْفضة والكلس فحملها وَسَأَلَ عَن مقطع الْحِجَارَة الأول فَجمع مِنْهَا مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ثمَّ شرع فِي الْبناء على أساس إِبْرَاهِيم ﵇ وَرفع جدرانها سبعا وَعشْرين ذِرَاعا وَجعل لَهَا بَابَيْنِ لاصقين بِالْأَرْضِ كَمَا روى فِي حديه وَجعل فرشها وارها بالرخام وصاغ لَهَا المفاتيح وصفائح الْأَبْوَاب من الذَّهَب ثمَّ جَاءَ الْحجَّاج لحصاره أَيَّام عبد الْملك وَرمى على الْمَسْجِد بالمنجنيقات إِلَى أَن تصدعت حيطانها ثمَّ لما ظفر بِابْن الزبير شاور عبد الْملك فِيمَا بناه وزاده فِي الْبَيْت فَأمره بهدمه ورد الْبَيْت على قَوَاعِد قُرَيْش كَمَا هِيَ الْيَوْم وَيُقَال انه نَدم على ذَلِك حِين علم صِحَة رِوَايَة ابْن الزبير لحَدِيث عَائِشَة وَقَالَ وددت أَنِّي كنت حملت أَبَا خبيب فِي أَمر الْبَيْت وبنائه مَا تحمل فهدم الْحجَّاج مِنْهَا سِتَّة أَذْرع وشبرا مَكَان الْحجر وبناها على أساس قُرَيْش وسد الْبَاب الغربي وَمَا تَحت عتبَة بَابهَا الْيَوْم من الْبَاب الشَّرْقِي

стр. 181

وَترك ساترها لم يُغير مِنْهُ شَيْئا فَكل الْبناء الَّذِي فِيهِ الْيَوْم بِنَاء ابْن الزبير وَبِنَاء الْحجَّاج فِي الْحَائِط صلَة ظَاهِرَة للعيان لحْمَة ظَاهِرَة بَين البنائين وَالْبناء متميز عَن الْبناء بِمِقْدَار اصبع شبه الصدع وَقد لحم ويعرض هَا هُنَا أشكال قوي لمنافاته لما يَقُوله الْفُقَهَاء فِي أَمر الطّواف ويحذر الطَّائِف عَن أَن يمِيل على الشاذروان الدائر على أساس الْجدر من أَسْفَلهَا فَيَقَع طَوَافه دَاخل الْبَيْت بِنَاء على أَن الْجدر إِنَّمَا قَامَت على بعض الأساس وَترك بعضه وَهُوَ مَكَان الشاذروان وَكَذَا قَالُوا فِي تَقْبِيل الْحجر الْأسود لابد من رُجُوع الطَّائِف من التَّقْبِيل حَتَّى يَسْتَوِي قَائِما لِئَلَّا يَقع بعض طَوَافه دَاخل الْبَيْت وَإِذا كَانَت الجدران كلهَا من بِنَاء الزبير وَهُوَ إِنَّمَا على أساس إِبْرَاهِيم فَكيف يَقع هَذَا الَّذِي قَالُوهُ وَلَا ومخلص من هَذَا إِلَّا بأ أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون الْحجَّاج هدم جَمِيعه وَأَعَادَهُ وَقد نقل ذَلِك جمَاعَة إِلَّا أَن العيان فِي شَوَاهِد الْبناء بالتحام مَا بَين بنائين وتمييز أحد الشقين من أَعْلَاهُ عَن الآخر فِي الصِّنَاعَة يرد ذَلِك وَإِمَّا أَن يكون ابْن الزبير لم يرد الْبَيْت على أساس إِبْرَاهِيم من جَمِيع جهاته وَإِنَّمَا فعل ذَلِك فِي الْحجر فَقَط ليدخله فَهِيَ الْآن مَعَ كَونهَا من بِنَاء ابْن الزبير لَيست على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم وَهَذَا بعيد وَلَا محيص من هذَيْن وَالله تَعَالَى أعلم ثمَّ أَن مساحة الْبَيْت وَهُوَ الْمَسْجِد كَانَ فضاء للطائفين وَلم يكن عَلَيْهِ جدر أَيَّام النَّبِي ﷺ وَأبي بكر من بعده ثمَّ كثر النَّاس فَاشْترى عمر ﵁ دورا هدمها وزادها فِي الْمَسْجِد وأدار عَلَيْهَا جدارا دون الْقَامَة وَفعل مثل ذَلِك عُثْمَان ثمَّ ابْن الزبير ثمَّ الْوَلِيد بن عبد الْملك وبناه بعمد الرخام ثمَّ زَاد فِيهِ الْمَنْصُور وَابْنه الْمهْدي ووقفت الزِّيَادَة واستقرت على ذَلِك لعهدنا وتشريف الله لهَذَا الْبَيْت وعنايته بِهِ أَكثر من أَن يحاط بِهِ وَكفى من ذَلِك أَن جعله مهبطا للوحي وَالْمَلَائِكَة ومكانا لِلْعِبَادَةِ وَفرض لَهُ شَعَائِر الْحَج ومناسكه وَأوجب لحرمه من سَائِر نواحيه من حُقُوق التَّعْظِيم وَالْحق مَا لم يُوجِبهُ لغيره فَمنع كل من خَالف دين الْإِسْلَام من دُخُول ذَلِك

стр. 182

الْحرم وَأوجب على دَاخله أَن يتجرد وَمن الْمخيط إِلَّا إزارا يستره وَحمى العائذ بِهِ والراتع فِي مسارحه من مواقع الْآفَات فَلَا يرام فِيهِ خَائِف وَلَا يصاد لَهُ وَحش وَلَا يحتطب لَهُ شجر وحد الْحرم الَّذِي يخْتَص بِهَذِهِ الْحُرْمَة من طَرِيق الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَمْيَال إِلَى التَّنْعِيم وَمن طَرِيق الْعرَاق سَبْعَة أَمْيَال إِلَى الثَّنية من جبل الْمُنْقَطع وَمن طَرِيق الطَّائِف سَبْعَة أَمْيَال إِلَى بطن نمرة وَمن طَرِيق جدة سَبْعَة أَمْيَال إِلَى مُنْقَطع العشائر هَذَا شَأْن مَكَّة وخبرها وَتسَمى أم الْقرى وَتسَمى الْكَعْبَة لعلوها من إسم الكعب وَيُقَال لَهَا بكة قَالَ الْأَصْمَعِي لِأَن النَّاس يبك بَعضهم بَعْضًا إِلَيْهَا أَي يدْفع وَقَالَ مُجَاهِد بَاء بكة أبدلوها ميما كَمَا قَالُوا لازب ولازم لقرب المخرجين وَقَالَ النَّخعِيّ بِالْبَاء الْبَيْت وبالميم الْبَلَد وَقَالَ الزُّهْرِيّ بِالْبَاء لِلْمَسْجِدِ كُله وبالميم للحرم وَقد كَانَت الْأُمَم مُنْذُ عهد الْجَاهِلِيَّة تعظمه والملوك تبْعَث إِلَيْهِ بالأموال والذخائر ككسرى وَغَيره وقصة الأسياف وغزالي الذَّهَب مَعْرُوفَة وَقد وجد رَسُول الله ﷺ حِين افْتتح مَكَّة فِي الْجب الَّذِي كَانَ فِيهِ سبعين ألف أُوقِيَّة من الذَّهَب مِمَّا كَانَ الْمُلُوك يهْدُونَ للبيت فِيهَا ألف ألف دِينَار مكرره مرَّتَيْنِ بِمِائَتي قِنْطَار وزنا وَقَالَ لَهُ عَليّ بن أبي طَالب يَا رَسُول الله لَو استعنت بِهَذَا المَال على حربك فَلم يفعل ثمَّ ذكر لأبي بكر فَلم يحركه هَكَذَا قَالَ الْأَزْرَقِيّ وَفِي البُخَارِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى وَائِل قَالَ جَلَست إِلَى شيبَة بن عُثْمَان وَقَالَ جلس إِلَى عمر بن الْخطاب فَقَالَ هَمَمْت أَن لَا أدع فِيهَا صفراء وَلَا بَيْضَاء إِلَّا قسمتهَا بَين الْمُسلمين قلت مَا أَنْت بفاعل قَالَ وَلم قلت لم يَفْعَله صاحباك فَقَالَ هما اللَّذَان يَقْتَدِي بهما وخرجه أَبُو دَاوُد ابْن مَاجَه وَأقَام ذَلِك المَال إِلَى أَن كَانَت فتْنَة الْأَفْطَس وَهُوَ الْحسن بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن عَليّ العابدين سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة حِين غلب على مَكَّة عمد إِلَى الْكَعْبَة فَأخذ مَا فِي خزائنها

стр. 183

وَقَالَ مَا تصنع الْكَعْبَة بِهَذَا المَال مَوْضُوعا فِيهَا لَا ينْتَفع بِهِ نَحن أَحَق بِهِ نستعين بِهِ على حربنا وَأخرجه وَتصرف فِيهِ وَبَطلَت الذَّخِيرَة من الْكَعْبَة من يَوْمئِذٍ ذكر ذَلِك كُله ابْن خلدون فِي تَارِيخه وَفِي كتَابنَا رحْلَة الصّديق إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق من شَأْن الْكَعْبَة وَمَكَّة ومناسك الْحَج وَالْعمْرَة مَا يُغني قَالَ القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ فِي إرشاد السَّائِل إِلَى دَلِيل الْمسَائِل عمَارَة المقامات بِمَكَّة المكرمة بِدعَة بِإِجْمَاع الْمُسلمين أحدثها شَرّ مُلُوك الجراكسة فَرح بن برقوق فِي أَوَائِل الْمِائَة التَّاسِعَة من الْهِجْرَة وَأنكر ذَلِك أهل الْعلم فِي ذَلِك الْعَصْر وَوَضَعُوا فِيهِ مؤلفات وَقد بيّنت ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع ويالله الْعجب من بِدعَة يحدثها من هُوَ من شَرّ مُلُوك الْمُسلمين فِي خير بقاع الأَرْض كَيفَ لم يغْضب لَهَا من جَاءَ بعده من الْمُلُوك المائلين إِلَى الْخَيْر لَا سِيمَا وَقد صَارَت هَذِه المقامات سَببا من أَسبَاب تَفْرِيق الْجَمَاعَات وَقد كَانَ الصَّادِق المصدوق ينْهَى عَن الإختلاف والفرقة ويرشد إِلَى الإجتماع والألفة كَمَا فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بل نهى عَن تَفْرِيق الْجَمَاعَات فِي الصَّلَوَات وَبِالْجُمْلَةِ فَكل عَاقل متشرع يعلم أَنه حدث بِسَبَب هَذِه الْمذَاهب الَّتِي فرقت فرق الْإِسْلَام مفْسدَة أُصِيب بهَا الدّين وَأَهله وَأَن من أعظمها خطرا وأشدها على الْإِسْلَام مَا يَقع الْآن فِي الْحرم الشريف من تَفْرِيق الْجَمَاعَات ووقوف كل طَائِفَة فِي مقَام من هَذِه المقامات كَأَنَّهُمْ أهل أَدْيَان مُخْتَلفَة وَشَرَائِع غير مؤتلفة فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَأما رفع المنارات فَأصل وَضعهَا لمقصد صَالح وَهُوَ إسماع الْبعيد عَن مَحل الآذان وَهَذِه مصلحَة مسوغة إِذا لم تعارضها مفْسدَة فَإِن عارضتها مفْسدَة من الْمَفَاسِد الْمُخَالفَة للشريعة فَدفع الْمَفَاسِد مقدم على جلب الْمصَالح كَمَا تقرر ذَلِك فِي الْأُصُول وَأما تشتيد الْبُنيان وَرَفعه فَوق حَاجَة الْإِنْسَان فقد ورد النَّهْي عَنهُ والوعيد عَلَيْهِ وَثَبت أَنه ﷺ أَمر بهدم بعض الْأَبْنِيَة وَلَيْسَ ذَلِك مُجَرّد بِدعَة بل خلاف مَا أرشد إِلَيْهِ الشَّارِع انْتهى كَلَامه وَأما بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَكَانَ أول أمره أَيَّام

стр. 184

الصابئية مَوضِع الزهرة وَكَانُوا يقربون إِلَيْهِ الزَّيْت فِيمَا يقربونه يصبونه على الصَّخْرَة الَّتِي هُنَاكَ ثمَّ دثر دلك الهيكل واتخذها بَنو إِسْرَائِيل حِين ملكوها قبْلَة لصلاتهم وَذَلِكَ أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ لما خرج ببني إِسْرَائِيل من مصر لتمكينهم بَيت الْمُقَدّس كَمَا وعد الله أباهم إِسْرَائِيل وأباه إِسْحَاق من قبله وَأَقَامُوا بِأَرْض التيه أمره الله باتخاذ قبَّة من خشب السنط عين بِالْوَحْي مقدارها وصفتها وهياكلها وتماثيلها وَأَن يكون فِيهِ التابوت ومائدة بصحافها ومنارة بقناديلها وَأَن يضع مذبحا للقربان وصف ذَلِك كُله فِي التَّوْرَاة أكمل وصف فَصنعَ الْقبَّة وَوضع فِيهَا تَابُوت الْعَهْد وَهُوَ التابوت الَّذِي فِيهِ الألواح المصنوعة عوضا عَن الألواح الْمنزلَة بالكلمات الْعشْر لما تَكَسَّرَتْ وَوضع المذبح عِنْدهَا وعهد الله إِلَى مُوسَى بِأَن يكون هَارُون صَاحب القربان ونصبوا تِلْكَ الْقبَّة بَين خيامهم فِي التيه يصلونَ إِلَيْهَا ويتقربون فِي المذبح أمامها ويتعرضون للوحي عِنْدهَا وَلما ملكوا الشَّام وَبقيت تِلْكَ الْقبَّة قبلتهم ووضعوها على الصَّخْرَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَأَرَادَ دَاوُد ﵇ بِنَاء مَسْجده على الصَّخْرَة مَكَانهَا فَلم يتم لَهُ ذَلِك وعهد بِهِ إِلَى ابْنه سُلَيْمَان فبناه لأَرْبَع سِنِين من ملكه ولخمسمائة سنة من وَفَاة مُوسَى وَاتخذ عمده من الصفر وَجعل بِهِ صرح الزّجاج وغشى أبوابه وحيطانه بِالذَّهَب وصاغ هياكله وتماثيله وأوعيته ومنارته ومفتاحه من الذَّهَب وَجعل فِي ظَهره قبرا ليضع فِيهِ تَابُوت الْعَهْد وَهُوَ التابوت الَّذِي فِيهِ الألواح وَجَاء بِهِ من صهيون بلد أَبِيه دَاوُد تحمله الأسباذ والكهونية حَتَّى وَضعه فِي الْقَبْر وَوضعت الْقبَّة والأوعية والمذبح لكل وَاحِد حَيْثُ أعد لَهُ من الْمَسْجِد وَأقَام كَذَلِك مَا شَاءَ الله ثمَّ خربه بخت نصر بعد ثَمَانمِائَة سنة من بنائِهِ وأحرق التَّوْرَاة والعصا وصاغ الهياكل ونثر الْأَحْجَار ثمَّ لما أعادهم مُلُوك الْفرس بناه عَزِيز نَبِي بني إِسْرَائِيل لعهده بإعانة بهمن ملك الْفرس الَّذِي كَانَت الْولادَة لبني إِسْرَائِيل عَلَيْهِ من سبي بخت نصر وحد لَهُم فِي بنائِهِ حُدُود دون بِنَاء سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ فَلم يتجاوزوها ثمَّ تداولتهم مُلُوك اليونان وَالْفرس وَالروم واستفحل

стр. 185

الْملك لبني إِسْرَائِيل فِي هَذِه الْمدَّة ثمَّ لبني خسمان من كهنتهم ثمَّ لصهرهم هيرودوس ولبنيه من بعده وَبني هيردوس بِبَيْت الْمُقَدّس على بِنَاء سُلَيْمَان ﵇ وتأنق فِيهِ حَتَّى أكمله فِي سِتّ سِنِين فَلَمَّا جَاءَ طيطش من مُلُوك الرّوم وغلبهم وَملك أَمرهم خرب بَيت الْمُقَدّس ومسجدها وَأمر أَن يزرع مَكَانَهُ ثمَّ أخذُوا الرّوم بدين الْمَسِيح ﵇ ودانوا بتعظيمه ثمَّ اخْتلف حَال مُلُوك الرّوم فِي الْأَخْذ بدين النَّصَارَى تَارَة وَتَركه أُخْرَى إِلَى أَن جَاءَ قسطنطين وتنصرت أمة هيلانة وَارْتَحَلت إِلَى الْمُقَدّس فِي طلب الْخَشَبَة الَّتِي صلب عَلَيْهَا الْمَسِيح بزعمهم فَأَخْبرهَا القساسة بِأَنَّهُ رمى بخشبة على الأَرْض وَألقى عَلَيْهَا القمامات والقاذورات فاستخرجت الْخَشَبَة وَبنت مَكَان تِلْكَ القمامات كَنِيسَة القمامة كَأَنَّهَا على قَبره بزعمهم وَخَربَتْ مَا وجدت من عمَارَة الْبَيْت وَأمرت بطرح الزبل والقمامات على الصَّخْرَة حَتَّى غطاها وخفي مَكَانهَا جُزْءا بزعمها لما فَعَلُوهُ بِقَبْر الْمَسِيح ثمَّ بنوا بِإِزَاءِ القمامة بَيت لحم وَهُوَ الْبَيْت الَّذِي ولد فِيهِ عِيسَى ﵇ وَبَقِي الْأَمر كَذَلِك إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام وَحضر عمر لفتح بَيت الْمُقَدّس وَسَأَلَ عَن الصَّخْرَة فأري مَكَانهَا وَقد علاها الزبل وَالتُّرَاب فكشف عَنْهَا وَبنى عَلَيْهَا مَسْجِدا على طَرِيق البداوة وَعظم من شانه مَا أذن الله من تعظمه وَمَا سبق من أم الْكتاب فِي فَضله حسب مَا ثَبت ثمَّ احتفل الْوَلِيد بن عبد الْملك فِي تشييد مَسْجده على سنَن مَسَاجِد الْإِسْلَام بِمَا شَاءَ الله من الاحتفال كَمَا فعل فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَفِي مَسْجِد دمشق وَكَانَت الْعَرَب تسميه بلاط الْوَلِيد وألزم ملك الرّوم أَن يبْعَث الفعلة وَالْمَال لبِنَاء هَذِه الْمَسَاجِد وَأَن ينمقوها بالفسيفساء فأطاع لذَلِك وَتمّ بناؤها على مَا اقترحه ثمَّ لما ضعف أَمر الْخلَافَة أَعْوَام الْخَمْسمِائَةِ من الْهِجْرَة فِي آخرهَا وَكَانَت فِي ملكة العبيديين خلفاء الْقَاهِرَة من الشِّيعَة واختل أَمرهم زحف الفرنجة إِلَى بَيت الْمُقَدّس فملكوه وملكوا مَعَه عَامَّة ثغور الشَّام وبنوا على الصَّخْرَة المقدسة مِنْهُ كَنِيسَة كَانُوا يعظمونها ويفتخرون ببنائها حَتَّى إِذا اسْتَقل صَلَاح الدّين ابْن أَيُّوب الْكرْدِي بِملك مصر وَالشَّام ومحا أثر الْعِيدَيْنِ وبدعهم زحف إِلَى الشَّام وجاهد من كَانَ بِهِ من الفرنجة حَتَّى غلبهم على بَيت الْمُقَدّس وعَلى

стр. 186

مَا كَانُوا ملكوه من ثغور الشَّام وَذَلِكَ لمحو ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة من الْهِجْرَة وَهدم تِلْكَ الْكَنِيسَة وَأظْهر الصَّخْرَة وَبنى الْمَسْجِد على النَّحْو الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم لهَذَا الْعَهْد وَلَا يعرض لَك الأشكال الْمَعْرُوف فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن أول بَيت وضع فَقَالَ مَكَّة قيل ثمَّ أَي قَالَ بَيت الْمُقَدّس قيل فكم بَينهمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سنة فَإِن الْمدَّة بَين بِنَاء مَكَّة وَبَين بِنَاء بَيت الْمُقَدّس بِمِقْدَار مَا بَين إِبْرَاهِيم وَسليمَان لِأَن سُلَيْمَان بانيه وَهُوَ ينيف على الْألف بِكَثِير وَاعْلَم أَن المُرَاد بِالْوَضْعِ فِي الحَدِيث لَيْسَ الْبناء وَإِنَّمَا المُرَاد أول بَيت عين لِلْعِبَادَةِ وَلَا يبعد أَن يكون بَيت الْمُقَدّس عين لِلْعِبَادَةِ قبل بِنَاء سُلَيْمَان بِمثل هَذِه الْمدَّة وَقد نقل أَن الصابئية بنوا على الصَّخْرَة هيكل الزهرة فَلَعَلَّ ذَلِك أَنَّهَا كَانَت مَكَانا لِلْعِبَادَةِ كَمَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تضع الْأَصْنَام والتماثيل حوالي الْكَعْبَة وَفِي جوفها والصابئية الَّذين بنوا هيكل الزهرة كَانُوا على عهد إِبْرَاهِيم ﵇ فَلَا تبعد مُدَّة الْأَرْبَعين سنة بَين وضع مَكَّة لِلْعِبَادَةِ وَوضع بَيت الْمُقَدّس وَإِن لم يكن هُنَاكَ بِنَاء كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف وَأَن أول من بنى بَيت الْمُقَدّس سُلَيْمَان ﵇ فَفِيهِ حل هَذَا الْإِشْكَال وَأما الْمَدِينَة وَهِي الْمُسَمَّاة بِيَثْرِب فَهِيَ من بِنَاء يثرب بن مهلائل من العمالقة وملكها بَنو إِسْرَائِيل من أَيْديهم فِيمَا ملكوا من أَرض الْحجاز ثمَّ جاورهم بَنو قيلة من غَسَّان وغلبوهم عَلَيْهَا وعَلى حصونها ثمَّ أَمر النَّبِي ﷺ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا لما سبق من عناية الله بهَا فَهَاجَرَ إِلَيْهَا وَمَعَهُ أَبُو بكر وَتَبعهُ أَصْحَابه وَنزل بهَا وَبنى مَسْجده وبيوته فِي الْموضع الَّذِي كَانَ الله قد أعده لذَلِك وشرفه فِي سَابق أزله وآواه أَبنَاء قيلة ونصروه فَلذَلِك سموا الْأَنْصَار وتمت كلمة الْإِسْلَام من الْمَدِينَة حَتَّى علت على الْكَلِمَات وَغلب إِلَى قومه وَفتح مَكَّة وملكها وَظن الْأَنْصَار أَنه يتَحَوَّل عَنْهُم إِلَى بَلَده فأهمهم ذَلِك فخاطبهم رَسُول الله ﷺ وَأخْبرهمْ أَنه غير متحول حَتَّى إِذا قبض رَسُول الله ﷺ كَانَ ملحده الشريف بهَا وَجَاء فِي فَضلهَا من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا لَا خَفَاء بِهِ وَوَقع الْخلاف بَين الْعلمَاء فِي تفضيلها على مَكَّة وَبِه قَالَ مَالك ﵀ لما ثَبت عِنْده فِي ذَلِك من النَّص الصَّرِيح عَن رَافع بن خديج أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمَدِينَة خير من

стр. 187

مَكَّة نقل ذَلِك عبد الْوَهَّاب فِي المعونة إِلَى أَحَادِيث أُخْرَى تدل بظاهرها على ذَلِك وَخَالف أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله وأصبحت على كل حَال ثَانِيَة الْمَسْجِد الْحَرَام وجنح إِلَيْهَا الْأُمَم بأفئدتهم من كل أَوب فَانْظُر كَيفَ تدرجت الْفَضِيلَة فِي هَذِه الْمَسَاجِد المعظمة لما سبق من عناية الله لَهَا وتفهم سر الله فِي الْكَوْن وتدريجه على تَرْتِيب مُحكم فِي أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا وَأما غير هَذِه الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة فَلَا نعلمهُ فِي الأَرْض إِلَّا مَا يُقَال من شَأْن مَسْجِد آدم ﵇ بسر نديب من جزائر الْهِنْد لكنه لم يثبت فِيهِ شَيْء يعول عَلَيْهِ وَقد كَانَت للأمم فِي الْقَدِيم مَسَاجِد يعظمونها على جِهَة الدّيانَة بزعمهم مِنْهَا بيُوت النَّار للْفرس والهند والصين وهياكل اليونان وبيوت الْعَرَب بالحجاز الَّتِي أَمر النَّبِي ﷺ بهدمها فِي غَزَوَاته وَقد ذكر المَسْعُودِيّ مِنْهَا بُيُوتًا لسنا من ذكرهَا فِي شَيْء إِذْ هِيَ غير مَشْرُوعَة وَلَا هِيَ على طَرِيق ديني وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا إِلَى الْخَبَر عَنْهَا وَيَكْفِي فِي ذَلِك مَا وَقع فِي التواريخ فَمن أَرَادَ معرفَة الْأَخْبَار فَعَلَيهِ بهَا وَالله يهدي من يَشَاء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ ذكر ذَلِك كُله ابْن خلدون وَقد عَقدنَا فصلا فِي التَّفَاضُل بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فِي كتَابنَا رحْلَة الصّديق إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق وَذكرنَا فِيهِ أَنه قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ فِي نيل الأوطار شرح منتقى الْأَخْبَار بَعْدَمَا ذكر أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ بالبسط أَن الإستيعاب بِبَيَان الْفَاضِل من هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ الشريفين كالإشتغال بِبَيَان الْأَفْضَل من الْقُرْآن الْكَرِيم وَالنَّبِيّ ﷺ وَالْكل من فضول الْكَلَام الَّذِي لَا يتَعَلَّق بِهِ فَائِدَة غير الْجِدَال وَالْخِصَام وَقد أفْضى النزاع فِي ذَلِك وَأَشْبَاه إِلَى فتن وتلفيق حجج واهية كاستدلال الْمُهلب على أَفضَلِيَّة الْمَدِينَة بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أدخلت مَكَّة وَغَيرهَا من الْقرى فِي الأسلام فَصَارَ الْجَمِيع فِي صَحَائِف أَهلهَا وبأنها تَنْفِي الْخَبيث كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح وَقد أُجِيب عَن هذَيْن الإستدلالين فِي مَوْضِعه انْتهى وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام ومسجدي هَذَا

стр. 188

وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى مُتَّفق عَلَيْهِ وَصُورَة هَذَا الحَدِيث نفي وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي كَأَنَّهُ قَالَ لَا يَسْتَقِيم شرعا أَن يقْصد الْمَسَاجِد أَو الْبِقَاع الْأُخْرَى بالزيارة إِلَّا هَذِه الْبِقَاع الثَّلَاثَة لاختصاصها بِمَا اخْتصّت بِهِ من المزايا الَّتِي شرفها الله تَعَالَى بهَا وَقَالَ أهل الْأُصُول خبر الشَّارِع آكِد من الْأَمر وَالنَّهْي وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث جمع من أهل الْعلم أكبرهم شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية ﵁ وأرضاه على منع السّفر للزيارة إِلَى مشَاهد الْأَنْبِيَاء والأولياء ومقابر الْمَشَايِخ والأصفياء وَهُوَ استنباط حسن المسلك وَبِه قَالَ مَالك إِمَام دَار الْهِجْرَة وَالْقَاضِي عِيَاض وَمن خَالفه فِي ذَلِك أَو طعن عَلَيْهِ لم يَأْتِ بِمَا يشفي العليل ويروي الغليل وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذَا الحَدِيث فِي مؤلفاتنا بسطا لائقا ومهدناه مهدا فائقا فَمن شَاءَ الإطلاع على مباحثه فَعَلَيهِ مسك الختام شرح بُلُوغ المرام وَأَمْثَاله فَفِيهِ مقنع وبلاغ وَالَّذين لم يبلغُوا معشار مَا آتَاهُ الله من الْعلم وَالْعَمَل قد أَقَامُوا عَلَيْهِ الطامة الْكُبْرَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَأَخَوَاتهَا وَلَهُم فِي ذَلِك قلاقل وزلازل قَدِيما وحديثا لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا وَالْحق الَّذِي لَا محيص عَنهُ هُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب بِظَاهِرِهِ وَله شَوَاهِد من الْأَخْبَار الصَّحِيحَة والْآثَار المأثورة (وَعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة ... وَلَكِن عين السخط تبدي المساويا) وفْق الله إِخْوَاننَا من الْمُسلمين إِلَى القَوْل الْحق وَالْعَمَل الصدْق على مُرَاد الله فِي كِتَابه الْعَزِيز وَمُرَاد رَسُوله فِي السّنة المطهرة وجنبنا وإياهم عَمَّا لم يرد فِيهِ نَص من الْقُرْآن والْحَدِيث أَو لم يقل بِهِ سلف الْأمة وأئمتها أَو لم يعْمل بِهِ أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ باحسان وَكم من آيَة وَسنة دلّت على الإتباع ونهت عَن التَّقْلِيد والإبتداع وَهِي لَا تخفى على من عرف دواوين الْإِسْلَام ومارس الْفرْقَان وَلَكِن مفاسد الْجَهْل والتعصب أَكثر من إِن تضبط أَو تحيط بهَا الأذهان وَكم للعلما من كتب ضخمة ورسائل جمة فِي هَذَا الشَّأْن فِي لِسَان الْعَرَب والعجم تدفع بهَا أهل الْإِيمَان فِي صُدُور النَّاكِثِينَ والمارقين من أهل الطغيان فَمن قدر الله

стр. 189

السَّعَادَة فِي الْأَزَل يوفق لَهَا وَيكون علمه لَهُ عَلَيْهَا دَلِيلا وَمن جعله شقيا فِي علمه فَهُوَ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ سَبِيلا (وَلَا بُد من شكوى إِلَى ذِي مروة ... يواسيك أَو يسليك أَو يتوجع) وَهَذَا زمَان جَاءَ فِيهِ الْجَهْل وحلي مذاقه وَذهب عَنهُ الْعلم برمتِهِ وطاب فِرَاقه لَا ترى وَاحِدًا من ألف يحزن على عقباه إِنَّمَا يبكي كل وَاحِد مِنْهُم على دُنْيَاهُ فهم ﴿الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ حَتَّى نبعث فرقة لعهدنا هَذَا فِي مملكة الْهِنْد نقُول بالملة النيجيرية وَتَنصر النَّصَارَى وتخذل الْمُسلمين بأدلة واهية وشكوك شيطانية وحجج داحضة وَلها دعاة فِي دِيَارهمْ يدعونَ ضعفاء الْعُقُول وسفهاء الأحلام إِلَى قبُول قَوْلهَا وتحسين فعلهَا وَمَا هِيَ بِأول فتْنَة حدثت فِي الأسلام أَو قَارُورَة كسرت فييه فكم من دجاجلة كَاذِبَة خاطئة ظَهرت قَدِيما فِي الْملَّة الحقة وَكم بلغت الشَّرِيعَة الصادقة من أيديها الْفَاسِدَة وآرائها الكاسدة أَنْوَاع المحن وَالْمَشَقَّة وتلألأ رونقها فِي بَدْء الْولَايَة ثمَّ أدْرك الله ثأرها على أَيدي حماة الدّين القويم وسالكي الصِّرَاط الْمُسْتَقيم السَّادة القادة وأنجز وعده وَنصر حزبه وَصدق رَسُوله وَعَبده فِيمَا قَالَ لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله فرحم الله عبدا أبْصر الْحق حَقًا وَاتبعهُ وَرَأى الْبَاطِل بَاطِلا واجتنبه وانتصف من نَفسه كَمَا انتصف من غَيره وَلم يبال بِقبُول الْحق ورده وآثر الْحق على الْخلق وَنصر الله وَرَسُوله فِي إتباع كِتَابه وَسنة رَسُوله وَلم يُقَلّد آراء الرِّجَال وَلم يلْتَفت إِلَى كتب القيل والقال وَأخذ الدّين من حَيْثُ أَخذه السّلف الصلحاء واقتبس الْأَنْوَار من مشكوة مصابيح السّنة الْبَيْضَاء وَعلم أَن الرَّأْي ثلمة فِي مَكَان الدّين وتحريف فِي سواذج الشَّرْع الْمُبين وَإِنَّمَا الْقَضَاء مَا قضى الله بِهِ وَالرَّسُول فِي الْكتاب وَالسّنة على أَلْسِنَة الفحول من أهل الْقُرْآن والْحَدِيث جُهَيْنَة الْأَخْبَار وعيبة الْآثَار ودارسي الرّقّ الْمنزل من السَّمَاء وآخذي

стр. 190

السّنَن من رجال الصدْق والصفاء ورواة الْعِزّ والْعَلَاء وعاملي الصَّالِحَات ومقدمي الرِّوَايَات على الصناعات وَأُولَئِكَ حزب الله إِلَّا أَن حزب الله هم المفلحون وَتلك حزب الشَّيْطَان أَلا أَن حزب الشَّيْطَان هم الخاسرون وَالله يهدي إِلَى الْحق من يَشَاء اللَّهُمَّ كن لي حَيْثُمَا كنت وَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء

стр. 191

ذكر حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم فِي أَرض التسعين قَالَ الشَّيْخ رفيع الدّين الدهلوي فِي بعض إفاداته لم أجد أحدا من أهل الْعلم تكلم فِي ذَلِك وَلم يذكر الْفُقَهَاء فِي كتاب من كتب الْفِقْه حكم هَذِه الْمَسْأَلَة بالخصوص وَلَعَلَّ السّلف من الْعلمَاء لما رَأَوْا هَذَا الْموضع من الأَرْض لَا يسكن فِيهِ الْحَيَوَان فضلا عَن نوع الْإِنْسَان وَلَا يُمكن ذَلِك طَوَوْا كشح الْبَحْث عَن ذكرهَا وَعَلمُوا أَن لَا فَائِدَة فِي الْبَحْث عَن ذَلِك لِأَن الشَّمْس بَعدت عَن تِلْكَ الأَرْض جدا واستولت عَلَيْهَا الْبُرُودَة غَايَة الإستيلاء حَتَّى لم يُمكن الْعَيْش بهَا لذِي حَيَاة أبدا فَإِن الْحَيَاة تتَوَقَّف على الْحَرَارَة الغريزية وَهِي لَا تُوجد هُنَاكَ فَكيف يعِيش أَو كَيفَ يُوجد بهَا حَيَوَان وَحِينَئِذٍ الْبَحْث عَن حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم فِي تِلْكَ الْبقْعَة من الأَرْض الْمَفْرُوضَة عَبث لَا جدوى تَحْتَهُ وَلَكِن الْقُرْآن الْعَزِيز يُسْتَفَاد مِنْهُ حكمهَا فِي هَذَا الْموضع من الأَرْض وَصورته هَكَذَا أَن الشَّمْس إِذا دخلت بحركتها الْخَاصَّة فِي البروج الشمالية من الْحمل إِلَى آخر السنبلة لَا تغيب عِنْد سكناهَا فِي تَمام دورة الْيَوْم وَاللَّيْلَة بل تقطع كل يَوْم مدارا بحركة فلك الأفلاك وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْمُصَلِّي مدارا كل يَوْم حصتين وَيعْتَبر أَحدهمَا يَوْمًا وَيُصلي فِيهِ للصلوات الثَّلَاث الصُّبْح وَالظّهْر وَالْعصر فِي مواقيتها بتقسيم ذَلِك الْمدَار على تِلْكَ الْأَوْقَات وَيعْتَبر النّصْف الآخر لَيْلًا وَيُصلي فِيهِ الْمغرب أَولا ثمَّ إِذا بلغت الشَّمْس ربع الْمدَار يُصَلِّي الْعشَاء الْآخِرَة وَهَذَا حكم الصَّلَاة حِين تكون الشَّمْس فِي المدارات الشمالية ظَاهِرَة فِي أنظار سكانها وَأما إِذا كَانَت فِي البروج الجنوبية من الْمِيزَان إِلَى آخر الْحُوت فَيقدر المدارات الجنوبية كَمَا كَانَ قدر المدارات الشمالية وينصف الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَيعْتَبر أحد النصفين

стр. 192

لَيْلًا وَالْآخر يَوْمًا لِأَن كلا من المدارات الشمالية والجنوبية متساويان لَا تفَاوت بَينهمَا وَإِن وجدا متفاوتين فِي النّظر باخْتلَاف الأوج والحضيض تَفَاوتا غير محسوس وَأما الصَّوْم فيستفسر من أهل المراكب الَّتِي تَأتي من قرب الأَرْض المعمورة أَي شهر هَذَا من الشُّهُور القمرية فَإِذا أخبروهم بذلك حسبوا كل شهر ثَلَاثِينَ يَوْمًا من الشُّهُور القمرية الْأُخْرَى فَإِذا جَاءَ شهر رَمَضَان على ذَلِك الْحساب يَجْعَل نصف الْمدَار يَوْمًا وَالنّصف الآخر لَيْلًا ويصوم بِالنَّهَارِ وَيفْطر بِاللَّيْلِ كَمَا ذكرنَا فِي الصَّلَاة وَهَذَا هُوَ الطَّرِيق السهل وَإِن كَانَت هُنَاكَ آلَات النجامية وَمَعْرِفَة التفاويم كَمَا يذكر أَن فِي بِلَاد الرّوم أجراسا تصنع لمعْرِفَة الشُّهُور يعْرفُونَ بهَا جملَة تشكلات الشَّهْر الْقمرِي من أَوله إِلَى آخِره فَيعْتَبر بِهَذِهِ الْآلَة أَولا شهر رَمَضَان ثمَّ بِآلَة أُخْرَى سَاعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَيفْطر الصَّائِم على وفقها وَيُمكن أَن يعرف منَازِل الْقَمَر من إبتداء ذَلِك الشَّهْر وَيجْعَل كل منزل مِنْهَا قسمَيْنِ فَيعْتَبر وَنصفا من الْيَوْم وَنصفا اللَّيْل وأسهل الطّرق أَن الْقَمَر فِي الْمنَازل الشمالية كَانَ مَدَاره دَائِم الظُّهُور على سكان تِلْكَ الأَرْض فينصف كل مدَار ويصوم وَيفْطر وَإِذا سَار الْقَمَر فِي البروج الجنوبية يعْمل على ذَلِك الْحساب الْكَائِن فِي الْمنَازل الشمالية وَهَذَا الحكم دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ ومنازل الْقَمَر وَعِشْرُونَ منزلَة وَهَذِه الْمنَازل مقسومة على البروج وَهِي إثنا عشر برجا وَلكُل برج منزلتان وَثلث فَينزل الْقَمَر كل لَيْلَة مِنْهَا منزلا وَيكون إنقضاء الشَّهْر مَعَ نُزُوله تِلْكَ الْمنَازل وَالْمعْنَى لِتَعْلَمُوا عدد الشُّهُور وَالْأَيَّام والساعات وَمَا يتَفَرَّع عَلَيْهَا مثل الصَّلَاة وَالصَّوْم وحلول الدُّيُون وَوُجُوب المشاهرة وَغير ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ أَي يجريان بِحِسَاب

стр. 193

البروج والمنازل لَا يعدوانها يَعْنِي بهما تحسب الْأَوْقَات والآجال فَإِن قيل أَن أَوْقَات الصَّلَوَات مَوْقُوفَة على سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار طَوِيلَة كَانَت أَو قَصِيرَة فَيجب أَن يصلى ثَلَاث صلوَات فِي سِتَّة أشهر وصلاتين فِي السِّتَّة الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ الصَّوْم فِي الشَّرْع إِنَّمَا يجب بِطُلُوع الْقَمَر فِي أول الشَّهْر وعَلى هَذَا إِذا طلع الْقَمَر على سكان تَحت القطب بحركته الْخَاصَّة يَصُوم من هُنَاكَ بطلوعه وَإِذا سَار نَحْو الْجنُوب يفْطر من بهَا بسيره قلت هَذِه الصُّورَة تخَالف مَقْصُود الشَّرْع ومقصود الْآيَات الْكَرِيمَة بِوُجُوه أَحدهَا إِن انقسام أَوْقَات الصَّلَاة على سَاعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِنَّمَا يتَعَلَّق بحركة أولية هِيَ أسْرع الحركات بحركة الشَّمْس الْخَاصَّة بهَا فِي فلكها قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة لمن أَرَادَ أَن يذكر أَو أَرَادَ شكُورًا﴾ أَي يخلف أَحدهمَا صَاحبه إِذا ذهب أَحدهمَا جَاءَ الآخر فهما يتعاقبان فِي الضياء والظلام وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَمن فَاتَهُ عمله فِي أَحدهمَا قَضَاهُ فِي الآخر وَالْمعْنَى يذكر بِاللِّسَانِ أَو الْقلب أَو يشْكر نعْمَة ربه عَلَيْهِ بالجسد والجوارح فَعلم من هَذِه الْآيَة أَن الْيَوْم وَاللَّيْل المتعلقين بالحركة الأولية هما المتعينان للذّكر وَالشُّكْر وَالصَّوْم دَاخل فِي الشُّكْر لِأَن الصَّائِم يصون بدنه بترك الْغذَاء لله تَعَالَى وَثَانِيها أَن الصَّلَاة إِنَّمَا فرضت لأجل أَن يتَوَجَّه العَبْد إِلَى خالقه سَاعَة فساعة بفاصله يسيرَة ومسافة قَليلَة ويعبده هَكَذَا حَتَّى يستولي لون التَّوَجُّه وَالْعِبَادَة على روحه وَنَفسه وَيذْهب عَنهُ صبغ الْغَفْلَة والسكرة فَإِن تقع هَذِه الْقَضِيَّة فِي عَام خمس مَرَّات لَا تُؤثر فِي الرّوح والجسد أصلا بل تنس وَكَذَلِكَ الصَّوْم إِن امْتَدَّ إفطاره إِلَى سِتَّة أشهر فِي حق سكان تِلْكَ الأَرْض لَكَانَ لَهُم تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَإِن الإمتناع من الْأكل وَالشرب إِلَى هَذِه الْغَايَة الطَّوِيلَة مهلك فِي مجاري الْعَادَات وَقد نطق الْكتاب الْعَزِيز بِنَفْي هَذَا التَّكْلِيف قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾

стр. 194

وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى عِنْد ذكر فَرضِيَّة الصَّوْم ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّامًا معدودات﴾ وَالظَّاهِر أَن عدد الْأَيَّام فِي شهر وَاحِد يكون فِي أقل من شهر عرفا فيعدون مثلا أَيَّام الشَّهْر وَيَقُولُونَ يَوْم أَو يَوْمَانِ أَو ثَلَاثَة أَيَّام أَرْبَعَة أَيَّام وَإِذا تجاوزوا الشَّهْر قَالُوا شهر أَو شَهْرَان أَو ثَلَاثَة أشهر أَو شَهْرَان وَنصف فَعلم أَن الصّيام لَا يزِيد على شهر فضلا عَن أَن يزِيد إِلَى سِتَّة أشهر وَقَالَ بعض المتفهمين موردا للشُّبْهَة فِي هَذَا الْمقَام أَن فِي كتب الْأُصُول أَن الصَّلَاة وَالصَّوْم إِنَّمَا سَبَب وجوبهما الْوَقْت وَلَيْسَ فِي أَرض التسعين وَقت لَهما يَعْنِي لَا طُلُوع وَلَا زَوَال وَلَا غرُوب فِي كل يَوْم حَتَّى تجب الصَّلَاة وَالصَّوْم والمسبب لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِوُجُود السَّبَب وَالْجَوَاب عَنهُ أَن المُرَاد يكون الْوَقْت سَببا للوجود هُوَ الْعَلامَة وَإِلَّا فَأصل السَّبَب فِي الْوُجُوب إِنَّمَا هُوَ حكم الله سُبْحَانَهُ حكم بِهِ لحكمة مَقْصُودَة فالسبب فِي وجوب الصَّلَاة حَقِيقَة التنبه بِذكر الْخَالِق وفكره وَدفع الْغَفْلَة عَن تذكره وَفِي الصَّوْم كسر النَّفس وهضمها بترك المألوفات إِلَى مُدَّة طَوِيلَة وَهَذِه الْأَسْبَاب تلازم وجود نوع الْإِنْسَان أَيْنَمَا كَانَ وكيفما كَانَ وعَلى أَن الشَّرْع الشريف فِيهِ يسر يُمكن اسْتِخْرَاج حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم بطرِيق آخر وَهُوَ إِذا كَانَ الْيَوْم سِتَّة أشهر وَاللَّيْل سِتَّة اشهر يَسْتَحِيل عَادَة أَن يبْقى يقظانا ويشتغل بالحوائج تِلْكَ الْمدَّة على الِاتِّصَال فِي النَّهَار أَو ينَام بِلَا حس وحركة إِلَى تِلْكَ الْمدَّة الطَّوِيلَة بِحكم الجبلة البشرية بل لابد أَن يفرق بَين هَذِه الْمدَّة وَيجْعَل وقتا للإستراحة وَالنَّوْم ووقتا آخر للكسب والمعاش فَهَذَا الْوَقْت يكون فِي حَقه يَوْمًا وَيُصلي فِيهِ صلوَات النَّهَار وَالْوَقْت الأول يكون لَيْلًا وَيُصلي فِيهِ صَلَاة اللَّيْل فِي أول الْوَقْت وأوسطه وَكَذَلِكَ يعْمل فِي الصَّوْم وَفِي إفطاره وَهَذَا طَرِيق سهل يُوَافق قَوَاعِد الْفِقْه لِأَن الْعرف وَالْعَادَة لَهُ اعْتِبَار فِي بعض الْأَحْكَام عِنْد الضَّرُورَة وَالْقُرْآن الْكَرِيم يُشِير إِلَى أصل هَذَا الْمطلب قَالَ الله تَعَالَى ﴿فالق الإصباح وَجعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾

стр. 195

) أَي بِحِسَاب مَعْلُوم للشهور والأعوام لَا يجاوزانه حَتَّى ينتهيا إِلَى أقْصَى منازلهما وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ ولتبتغوا من فَضله﴾ يَعْنِي جعل اللَّيْل للسكون والاستراحة وَالْيَوْم لكسب المعاش وَهَذِه الْعبارَة فِيهَا لف وَنشر مُرَتّب وَعلم مِنْهَا أَن اللَّيْل وَقت للإستراحة حَقِيقَة كَيْفَمَا كَانَ وَكَذَلِكَ الْيَوْم وَقت لإبتغاء الْفضل وَهُوَ المعاش كَيْفَمَا يكون وَلَا يقف ذَلِك على طُلُوع الشَّمْس وَالْقَمَر وغروبهما انْتهى كَلَامه ذكر حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم بِأَرْض البلغار بلغار بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة فَسُكُون اللَّام وَالْألف بَين الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَضَبطه فِي الْقَامُوس بِلَا ألف وَقَالَ الْعَامَّة تَقول بلغار وَهِي مَدِينَة الصقالبة ضاربة فِي الشمَال شَدِيدَة الْبرد انْتهى يطلع الْفجْر فِيهَا قبل غرُوب الشَّفق وَقت الْعشَاء وَالْوتر وَكَذَلِكَ وَقت الْفجْر أَيْضا فِي أربعينية الصَّيف ففاقدها مُكَلّف بهما يجب عَلَيْهِ صَلَاة الْعشَاء وَالْوتر وَيقدر الْوَقْت كَمَا فِي أَيَّام الدَّجَّال وَالْمرَاد بالتقدير مَا قَالَه الشافعيه من أَنه يكون وَقت الْعشَاء فِي حَقه بِقدر مَا يغيب فِيهِ الشَّفق فِي أقرب الْبِلَاد إِلَيْهِ وَالْأول أظهر وَالْوُجُوب عَلَيْهِ قَضَاء لَا أَدَاء وَلَا قَضَاء وَقيل أَن الصَّلَاة الْوَاقِع بَعْضهَا فِي الْوَقْت وَبَعضهَا خَارجه يُسمى مَا وَقع مِنْهَا فِي الْوَقْت أَدَاء وَبِه أفى الْبُرْهَان الْكَبِير وَاخْتَارَ الْكَمَال وَقد يُقَال لَا مَانع من كَونهَا لَا أَدَاء وَمَا وَقع خَارجه قَضَاء اعْتِبَارا لكل جُزْء بِزَمَانِهِ وَقيل لَا يُكَلف بهما لعدم السَّبَب وَبِه جزم فِي الْكَنْز والدرر والملتقى وَبِه أفتى البقالي وَوَافَقَهُ الْحلْوانِي والمرغيناني وَرجحه الشُّرُنْبُلَالِيّ والحلبي وأوسعا الْمقَال ومنعا مَا ذكره الْكَمَال وَقد كرّ على الْحلَبِي الْفَاضِل الْمحشِي بِالنَّقْضِ وانتصر للمحقق بِمَا يطول قَالَ فِي الدّرّ الْمُخْتَار وَلَا يساعده أَي الْكَمَال حَدِيث الدَّجَّال لِأَنَّهُ

стр. 196

وَإِن وَجب أَكثر من ثَلَاثمِائَة ظهر مثلا قبل الزَّوَال لَيْسَ كمسألتنا لِأَن الْمَفْقُود فِيهِ الْعَلامَة لَا الزَّمَان أما فِيهَا فقد فقد الْأَمْرَانِ انْتهى قَالَ الشَّامي وَالْأَحْسَن فِي الْجَواب عَنهُ أَنه لم يذكر حَدِيث الدَّجَّال ليقيس عَلَيْهِ مَسْأَلَتنَا أَو يلْحقهَا بِهِ دلَالَة وَإِنَّمَا ذكره دَلِيلا على افتراض الصَّلَوَات الْخمس وَإِن لم يُوجد السَّبَب افتراضا عَاما وَمَا أورد عَلَيْهِ من عدم الإفتراض على الْحَائِض وَالْكَافِر يُجَاب عَنهُ بِمَا قَالَه الْمحشِي من وُرُود النَّص بإخراجهما من الْعُمُوم هَذَا وَقد أقرّ مَا ذكره الْمُحَقق تلميذاه العلامتان المحققان ابْن أَمِير حَاج وَالشَّيْخ قَاسم وَالْحَاصِل أَنَّهُمَا قَولَانِ مضجعان ويتأيد القَوْل بِالْوُجُوب بِأَنَّهُ قَالَ بِهِ إِمَام مُجْتَهد وَهُوَ الشَّافِعِي كَمَا نَقله فِي الْحِلْية عَن الْمُتَوَلِي عَنهُ إنتهى وَالْمرَاد بالأمرين الْعَلامَة وَهِي غيبوبة الشَّفق قبل الْفجْر وَالزَّمَان الْمعلم وَهُوَ مَا تقع فِيهِ الصَّلَاة فِيهِ أَدَاء ضَرُورَة أَن الزَّمَان الْمَوْجُود قبل الْفجْر هُوَ زمَان الْمغرب وَبعده هُوَ زمَان الصُّبْح فَلم يُوجد الزَّمَان الْخَاص وَلَيْسَ المُرَاد فقد أصل الزَّمَان كَمَا لَا يخفى نعم إِذا قُلْنَا بالتقدير هُنَا يكون الزَّمَان مَوْجُودا تَقْديرا كَمَا فِي أَيَّام الدَّجَّال فَلَا يرد على الْمُحَقق الْكَمَال ذكره الشَّامي أَقُول وصل إِلَيْنَا فِي هَذَا الزَّمَان أَعنِي سنة ألف وَمِائَتَيْنِ وَإِحْدَى وَتِسْعين مؤلف للشَّيْخ الْأَجَل والحبر الْأَكْمَل هَارُون بن بهاء الدّين الْمرْجَانِي شهَاب الدّين البلغاري سلمهما الله تَعَالَى على يَد الْحَاج الحبيب الشَّيْخ مُحَمَّد أحسن الطّيب الحاجي بوري أَلفه فِي مَسْأَلَتنَا هَذِه وَأطَال فِيهَا غَايَة الإطالة وَلم يدع لقَائِل عدم الْوُجُوب حجَّة وَلَا مقَالَة وَسَماهُ بناطورة الْحق فِي فَرضِيَّة الْعشَاء وَإِن لم يغب الشَّفق فلنلخص هُنَا كَلَامه ولنحرر مرامه بِمَا يَتَّضِح بِهِ الصَّوَاب وَيَجِيء الْحق ويزهق الْبَاطِل ويتحلى بِهِ كل جيد عاطل فَأَقُول قَالَ سلمه الله تَعَالَى وَعَافَاهُ وعَلى معارج العلى رقاه قد ثَبت فَرضِيَّة كل وَاحِدَة من الصَّلَوَات الْخمس بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع

стр. 197

الْأمة على كل وَاحِد من الْمُكَلّفين من غير اخْتِصَاص بِأَهْل قطر دون قطر وحصرها على عصر دون عصر وكل وَاحِدَة مِنْهَا على قدم سَوَاء فِي عُمُوم الْفَرْضِيَّة وشمول الْوُجُوب ودخولها تَحت كليات الدَّلَائِل القطعية وعمومات الْبَرَاهِين اليقينية فَهَذَا مِمَّا لَا مساغ للارتياب فِيهِ لأحد فَإِنَّهَا أظهر من الشَّمْس وَأبين من الأمس لَا تمس الْحَاجة إِلَى تَفْصِيل الْأَمر فِيهِ وَبسط الْكَلَام فِي مبانيه ففرضيتها موزعة على أَوْقَاتهَا الْمَعْرُوفَة فِي الدّين ضَرُورَة غدْوَة وظهيرة وَعَشِيَّة وَمَسَاء وزلفة وَإِنَّمَا شَذَّ شرذمة قَليلَة من أَحْدَاث الْأمة واخلاف المتفقهة وَزَعَمُوا أَن الْعشَاء سَاقِطَة عَن سكان بعض الأقطار فِي عدَّة أَيَّام من السّنة يَنْتَهِي قصر لياليها إِلَى غَايَة لَا يغيب الشَّفق فِيهَا توهما مِنْهُم أَن وجود الْوَقْت الَّذِي هُوَ سَبَب لوُجُوب الصَّلَاة وَطَرِيق لَهَا وَشرط لتحققها يتَوَقَّف على غيبوبة الشَّفق وَهُوَ زعم سَاقِط وتوهم لَا مساغ لَهُ قطّ وَذَلِكَ لِأَن أدنى مَرَاتِب السَّبَب أَن يكون ملائما للمسبب وَهُوَ مُنْتَفٍ بَين الصَّلَاة وَالْوَقْت قطعا وَلِأَن السَّبَب لَا يجوز أَن يكون كل الْوَقْت لوُجُوب الصَّلَاة لمن صَار أَهلا لَهَا فِي آخر الْوَقْت وَلَا الْبَعْض مِنْهُ لصِحَّة الْأَدَاء مِمَّن أَقَامَهَا فِي غير ذَلِك الْجُزْء الْمعِين وَلَا الْغَيْر الْمعِين مُطلقًا لعدم وجوب أَدَائِهَا وَلَا قَضَائهَا وَلَا الْفِدْيَة عَنْهَا على من اعْتَرَضَهُ عدم الْأَهْلِيَّة فِي آخر الْوَقْت من موت أَو جُنُون مطبق أَو حيض أَو نِفَاس وَلَا الْجُزْء الْمُقَارن للْأَدَاء لوُجُوب قَضَائهَا على المساهل الَّذِي لم يشرع فِيهَا بل تعطل فِي الْوَقْت كُله مَعَ أَن الْجُزْء الْمُقَارن لَيْسَ لَهُ تقدم على الصَّلَاة أصلا فَكيف يكون سَببا مُوجبا لَهَا ومؤديا إِلَيْهَا وَبِالْجُمْلَةِ جعل الْوَقْت سَببا لِلْعِبَادَةِ بِمَا هُوَ وَقت غير مَعْقُول وَمَا ذَكرُوهُ فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ فضول لَا يرتضيه الفحول وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ إِنَّمَا يدل على السَّبَبِيَّة إِن لَو كَانَ اللَّام للتَّعْلِيل وَهُوَ فِي حيّز الْمَنْع فَإِنَّهَا ترد على معَان فقد جعلهَا فِي الْقَامُوس هُنَا بِمَعْنى بعد وَجعلهَا للتوقيت وَجعلهَا الْمجد أَيْضا بِمَعْنى عِنْدَمَا قَالَ ابْن الْهمام وَهُوَ اسْتِعْمَال مُحَقّق فِي اللُّغَة وعَلى ذَلِك قَوْله تَعَالَى

стр. 198

﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ وَهُوَ الْمَفْهُوم من قَوْله ﷺ فِي حَدِيث جَابر هَذَا حِين دلكت الشَّمْس ثمَّ لَا شكّ أَن الْوَقْت مُتَحَقق فِي حق من هُوَ لَيْسَ بِأَهْل للصَّلَاة لَا شتماله على أَحْوَاله مَعَ عدم الْوُجُوب فيتقدح عَلَيْهِ فيقدح من ذَلِك أَن السَّبَب أَمر وَرَاء الْوَقْت وَقد ذهب الْفُقَهَاء المتقدمون وَالْعُلَمَاء الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَن سَبَب وجوب الْعِبَادَات توالي نعم الله تَعَالَى وتواتر أنعامه وإحسانه إِلَيْنَا فِي كل وَقت وَمن كل وَجه وعَلى كل حَال كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات الكريمات وَالْأَحَادِيث الصحيحات ثمَّ النعم لما كَانَت غير دَاخِلَة تَحت الضَّبْط والإحصاء وَكَانَ الْوَقْت ظرفا لحدوثها أديرت الصَّلَوَات مَعَه ووزعت على أَوْقَاتهَا تيسيرا للعباد وَإِقَامَة للظرف مقَام المظروف ثمَّ أَن الْوَقْت مِقْدَار مَحْدُود من زمَان غير مَحْدُود وَهُوَ أَمر بديهي الْآنِية وَإِن كَانَ خَفِي اللمية لِأَن الزَّمَان مِقْدَار متجدد غير قار فلتجعله مَا شِئْت وسمه بِهِ وَإِنَّمَا جعل الطُّلُوع والزوال والغروب والغيبوبة وأمثالها عَلَامَات لوُجُود الصَّلَوَات ومعرفات لَهَا يتَمَكَّن بهَا الْخَاصَّة بِحُضُور الْأَوْقَات الْمعينَة للصلوات وَلَو سلم أَن الْوَقْت سَبَب الْوُجُوب مَعَ عدم مَسَافَة فَإِنَّمَا يَنْتَفِي وجوب الصَّلَاة بانتفائه علاماته الْمُفَارقَة من غيبوبة الشَّفق وَغَيرهَا وَالَّذِي ثَبت من الْأَوْقَات لَا نسلم انتفاءه بِانْتِفَاء تِلْكَ العلامات ثمَّ حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل وَغَيره مِمَّا ذكر فِيهِ غيبوبة الشَّفق فِي بَيَان وَقت صَلَاة الْعشَاء وَالْمغْرب لَا تدل أصلا على اشْتِرَاط غيبوبتة لخُرُوج وَقت الْمغرب وَدخُول وَقت الْعشَاء لِأَن قَوْله حِين غَابَ الشَّفق وَإِن احْتمل بِالنّظرِ إِلَى نفس اللَّفْظ أَمريْن أَحدهمَا تَقْدِير الْمدَّة الْمعينَة وقتا لصَلَاة الْمغرب بالمدة الفاصلة بَين غرُوب الشَّمْس وغيبوبة الشَّفق فِي الْبِلَاد الَّتِي كَانُوا فِيهَا من غير أَن يكون تحقق الْعَلامَة شرطا لخُرُوج وَقت الْمغرب وَدخُول وَقت الْعشَاء بل يكون الشَّرْط تحقق الْمدَّة الفاصلة فَقَط سَوَاء تحقق الْعَلامَة أَولا

стр. 199

وَثَانِيهمَا اعْتِبَار غيبَة الشَّفق شرطا لخُرُوج الْوَقْت ودخوله لَكِن بِالنّظرِ إِلَى تَمام الحَدِيث فِي هَذِه الرِّوَايَة وَإِلَى الْأَدِلَّة الْخَاصَّة يضمحل هَذَا الإحتمال الْمَرْجُوح بِالْكُلِّيَّةِ وَيتَعَيَّن الشق الأول مرَادا مِنْهُ أما أَولا فَلِأَن فِي نَظَائِره لم تعْتَبر العلامات الْمَذْكُورَة شرطا لدُخُول وَقت وَخُرُوج وَقت مثلا صيرورة ظلّ كل شَيْء مثله أَو مثلَيْهِ لَيست بِشَرْط لخُرُوج وَقت الظّهْر أَو وَدخُول وَقت الْعَصْر لعدم تحقق ذَلِك فِي غيم الْهَوَاء وَيَوْم السَّحَاب افترى أَنه يسْقط عَن سكانها صَلَاة الظّهْر لَا يُكَلف أَهلهَا بهَا وَكَذَلِكَ إفطار الصَّائِم وَحُرْمَة الطَّعَام وَالشرَاب عَلَيْهِ شَرط لدُخُول وَقت الْمغرب وَوقت الْفجْر قطعا ضَرُورَة انْتِفَاء الصَّائِم فِي بعض أَيَّام السّنة وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الرِّوَايَات الْفِقْهِيَّة من نَحْو قَوْلهم وَقت الْمغرب من غرُوب الشَّمْس إِلَى غيبية الشَّفق وَوقت الْعشَاء مِنْهُ إِلَى طُلُوع الْفجْر مَعْنَاهُ أَن إمتداد الْوَقْت مُقَدّر بذلك الْقدر وَإِن لم يتَحَقَّق الْعَلامَة كَيفَ لَا فَإِن غيبَة الشَّفق كَمَا أخذت فِي دُخُول وَقت الْعشَاء اعْتبرت فِي خُرُوج وَقت الْمغرب فَلَو كَانَ شرطا لما تحقق خُرُوج وَقت الْمغرب أصلا فِيمَن لَا يغيب عَنْهُم الشَّفق وَلَا يُوجد حِين يحرم فِيهِ الطَّعَام وَالشرَاب على الصَّائِم عِنْد أُولَئِكَ وَمُقْتَضَاهُ سُقُوط الْفجْر عَنْهُم وَعدم وجوب صَوْم الشَّهْر عَلَيْهِم وَهُوَ بَاطِل بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع وَأما ثَانِيًا فَلِأَن حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل ﵇ وَحَدِيث عَائِشَة وَعمر وَأبي مُوسَى وَبُرَيْدَة وَأبي سعيد وَفِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي بَرزَة وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قد اعْتبر فِي بَيَان آخر وَقت الْعشَاء ثلث اللَّيْل وَفِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأنس وَعَائِشَة وَعمر وَأبي سعيد نصف اللَّيْل ثمَّ مَا تضمن حَدِيث بُرَيْدَة من قَوْله ﷺ وَقت صَلَاتكُمْ بَين مَا رَأَيْتُمْ وَحَدِيث الْإِمَامَة وَالْوَقْت مَا بَين هذَيْن الْوَقْتَيْنِ تشريع عَام لعُمُوم خطابة ﵇ وَمفَاده أَن يكون آخر وَقت الْعشَاء لجَمِيع الْأمة ثلث اللَّيْل أَو نصفه وَالثلث وَالنّصف مُتَحَقق فِي جَمِيع اللَّيَالِي فِي كل قطر

стр. 200

يُوجد فِيهِ غرُوب الشَّمْس وطلوعها فيوجد آخر وَقت الْعشَاء عِنْد أهل ذَلِك الْقطر وَإِن لم يتَحَقَّق الغيبوبة من ضَرُورَته تحقق أَوله لَا محَالة فَلَو حمل قَوْله ﷺ حِين غَابَ الشَّفق على اشْتِرَاط تحقق الغيبوبة يلْزم أَن يتناقض مفَاد أول الحَدِيث ومفاد آخِره وَهُوَ محَال فِي كَلَام الشَّارِع الْمَعْصُوم عَن الْخَطَأ وَالْكذب وَلَئِن حمل على الإشتراط فَيكون مُخَصّصا لعمومه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأقطار الَّتِي لَا يغيب فِيهَا الشَّفق وَمُلَخَّص كَلَام الطَّحَاوِيّ فِي هَذِه الْأَحَادِيث أَنه يظْهر من مجموعها أَن آخر وَقت الْعشَاء حِين يطلع الْفجْر إِذْ قد ورد فِي رِوَايَة لعَائِشَة أَنه ﷺ اعتم بهَا حَتَّى ذهب عَامَّة اللَّيْل وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عمر إِلَى آخر اللَّيْل وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه كتب إِلَيْهِ عمر صل الْعشَاء أَي اللَّيْل شِئْت وَلَا تغفلها وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَنه ﷺ أَخّرهَا حَتَّى انهار اللَّيْل وَغير ذَلِك وَكلهَا فِي الصَّحِيح قَالَ فَثَبت أَن اللَّيْل كُله وَقت لَهَا وَلكنهَا على أَوْقَات ثَلَاثَة إِلَى الثُّلُث أفضل وَإِلَى النّصْف دونه وَمَا بعده دونه وَأما ثَالِثا فَلِأَنَّهُ على ذَلِك التَّقْدِير يكون مناقضا لحَدِيث جَابر بن عبد الله أَنه ﷺ صلى الْعشَاء قبل غيبوبة الشَّفق وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة صلاهَا حِين ذهبت سَاعَة من اللَّيْل وَلما مر عَن عمر صل أَي اللَّيْل شِئْت أخرجه الطَّحَاوِيّ بطرق رِجَاله ثِقَات وَلِحَدِيث نعْمَان بن بشير كَانَ النَّبِي ﷺ يُصليهَا لسُقُوط الْقَمَر لثالثة وَلَا ريب أَن غرُوب الْقَمَر فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة من رُؤْيَته لَيْسَ بِشَرْط لدُخُول وَقت الْعشَاء فِي جَمِيع أَيَّام الدَّهْر فَإِن الْمَقْصُود من النَّقْل بِلَفْظ ظَاهره الْمُوَاظبَة بَيَان الْمَشْرُوع الْعَام لجَمِيع الْأمة وَلَو فرض على منوال فرض الْمحَال أَن الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمريْنِ على قدم سَوَاء فِي الإحتمال فَمَا أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة نواس بن سمْعَان من حَدِيث الدَّجَّال وَفِيه قُلْنَا يَا رَسُول الله فَذَلِك

стр. 201

الْيَوْم الَّذِي كَسنة تكفينا فِيهِ صَلَاة يَوْم قَالَ لَا أقدروا لَهُ يلْتَحق بَيَانا لهَذَا الْمُحْتَمل وَكَذَلِكَ عدَّة أَحَادِيث غَيره فِي هَذَا الْمَعْنى فَلَو شَرط غيبَة الشَّفق لدُخُول وَقت الْعشَاء لزم نسخ عمومات الْكتاب ومحكمات الْأَدِلَّة الْوَارِدَة فِي إِيجَاب الصَّلَوَات الْخمس على كل مُؤمن ومؤمنة بِالنِّسْبَةِ إِلَى سكان الأقطار الَّتِي لَا يغيب فِيهَا الشَّفق وَلذَلِك اخْتلف فِي مفاده فُقَهَاء الْأمة وعلماء الْملَّة فَإِن أَصْحَابنَا وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد ومالكا فِي رِوَايَة وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْقَدِيم ذَهَبُوا إِلَى أَن وَقت الْمغرب يَمْتَد إِلَى غرُوب الشَّفق مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الشَّفق وَذهب الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْجَدِيد وَمَالك فِي رِوَايَة إِلَى أَنه قدر مَا يُصَلِّي خمس رَكْعَات متوسطات بِوضُوء وأذان وَإِقَامَة فَحسب وَيدخل وَقت الْعشَاء بعده والشفق هُوَ الْبيَاض عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد بن حَنْبَل والمزني والصفرة فِيمَا أختاره الْجُوَيْنِيّ والحمرة عِنْد آخَرين وَذهب أَبُو سعيد الصخري من الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن آخر وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد آخر وَقت الْعَصْر إِلَى اصفرار الشَّمْس فَقَط وَمن مَذْهَب الْمُخَالفين أَن وَقت الظّهْر وَالْعصر وَاحِد وَكَذَا وَقت الْمغرب وَالْعشَاء وَجَوَاز الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر والحضر وَلَو كَانَ قَطْعِيا لزمَه الْإِجْمَاع وَلما سَاغَ هَذَا الْخلاف فِيمَا بَين هَؤُلَاءِ هَذَا وَالْمذهب أَن العلامات حَيْثُ مَا تحققت يجب مراعاتها وَلَا يجوز المساهلة فِي تحقيقها تحصيلا لليقين وسلوكا لطريق الإحتياط وَعَملا بقوله ﷺ دع مَا يريبك إِلَى مايريبك وَمهما لم يكن اعْتِبَارهَا وَلم يَتَيَسَّر مراعتها فَلَا يعبأ بهَا وَلَا يعْتَمد عَلَيْهَا فِي إِسْقَاط مَا ثَبت من الْفَرَائِض بالأدلة القطعية من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَهل فِي ذَلِك من رِيبَة فَيقدر وَقت الْمغرب بِمدَّة يغيب فِيهَا الشَّفق فِي الْأَيَّام الإعتدالية والأقطار الإستوائية ثمَّ يدْخل وَقت الْعشَاء إِن أمكن ذَلِك وَإِلَّا فبقدر مَا يغيب فِيهِ أسْرع من غيبته فِي هَذِه الْأَيَّام والأقطار ثمَّ الأسرع فالأسرع فَإِن لم يكن ذَلِك بِأَن لَا يكون بَين غرُوب الشَّمْس وطلوعها إِلَّا زمَان قَلِيل لَا يسع فِيهِ التَّقْدِير بِشَيْء

стр. 202

فَالْوَاجِب إِذن إِيقَاع الْمغرب وَالْعشَاء وَالْفَجْر بَين الْغُرُوب والطلوع فَإِن لم يكن بَينهمَا مُدَّة تسع فِيهَا تِلْكَ الْفَرَائِض فَيسْقط اعْتِبَار تِلْكَ العلامات بِالْكُلِّيَّةِ وَيرجع الْأَمر إِلَى التَّقْدِير فِي كل صَلَاة للضَّرُورَة وَيكون أَدَاء لما ثَبت فرضيته بالأدلة الْمُطلقَة فِي الْوُجُوب وتلخيص الْبَيَان أَن كَون الْأَوْقَات أسبابا لوُجُوب الصَّلَاة ووجودها مَشْرُوطًا بتحقق العلامات مِمَّا لَا مساغ لَهُ قطّ فَلَا نسلم فقد الْأَوْقَات بانتفائها وَلَا سُقُوط الصَّلَوَات بفقدانها وَلَو قدر التَّسْلِيم فِي ذَلِك لما عرف مِنْهَا عَلامَة بقاطع من نَص الشَّارِع وَهُوَ الغدوة والظهيرة والعشية والمساء والزلفة وَأما نَحْو صيرورة الظل وغيبوبة الشَّفق فَلَو ثَبت شرطا فَإِنَّمَا يثبت بِدَلِيل ظَنِّي وبمدخل من الرَّأْي على أَنه رُبمَا يسْقط بِحكم الشَّرْع اعْتِبَار الْأَركان فضلا عَن الشَّرَائِط والأسباب كَالْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَان وَطواف الزِّيَارَة فِي الْحَج وَالْقِيَام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود للْعُذْر وَقد تقرر فِي مقره أَن الْأَسْبَاب والشرائط إِنَّمَا تعْتَبر بِحَسب الْأَمَاكِن وَلَا يسْقط الْمُمكن بِسُقُوط مَا لَيْسَ بممكن هَذَا وَإنَّهُ لَو انْتَفَت تِلْكَ العلامات الْمعرفَة للمدة الفاصلة بَين أَوْقَات الصَّلَوَات أصلا بِأَن لَا يتَحَقَّق غرُوب الشَّمْس وَلَا طُلُوعهَا مُدَّة مديدة نصف سنة أَو أقل أَو بِأَن تطلع الشَّمْس كَمَا تغرب فَإِن مثل هَذِه المعمورة مُتَحَقق لَا محَالة فَإِن الْعِمَارَة مَوْجُودَة فِي عرض سِتّ وَسِتِّينَ من الشمَال مَعْرُوفَة من لدن عصر بطليموس بل فِي خَارج دَائِرَة قطب البروج فَإِن عرض ثَمَان وَسِتِّينَ قد بلغ إِلَيْهِ الْحَكِيم المسكوبي وَفِيه قلعة للروس يُقَال لَهَا قَوْله لَا تغرب فِيهَا الشَّمْس من أول الجموزاء إِلَى أول الْأسد مُدَّة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا وَلَا تطلع من حادي عشر الْقوس إِلَى عشْرين من الجدي مُدَّة تِسْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَرُبمَا يردهَا أشخاص من أهل الْإِسْلَام من أَفْرَاد الْعَسْكَر فِي خدمات الدولة ويعترض عَلَيْهِم هَذِه الْحَالة وَيطول أيامهم على الْغَايَة كَمَا فِي أَيَّام الدَّجَّال وَتَحْت القطبة وأقصى المنطقة الْبَارِدَة لَا ى تغرب الشَّمْس أَكثر من سِتَّة أشهر فَإِنَّهُ لَا تطلع الشَّمْس فِيهَا وَلَا تغرب إِلَّا بحركتها الْخَاصَّة الشرقية وَيُمكن أَن يكون طول يَوْم وَاحِد كَسنة من حَيْثُ الْحِكْمَة وَهل تجب الصَّلَوَات الْخمس وَالصَّوْم وَسَائِر الْعِبَادَات الْمُتَعَلّقَة بالأوقات

стр. 203

على سكان هَذِه الأقطار لم بر فِيهِ كَلَام فِي كتب الْمُتَقَدِّمين وَلم يرد خبر عَنْهُم فِي تصانيف وَاحِد من الْكِبَار المتبحرين وَقد كَانَت الْمَسْأَلَة معركة فِيمَا بَين الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين من أهل الْقرن السَّادِس وَبعده فِي وجوب الْعشَاء وَالْوتر وَعَدَمه على من لَا يجد وقتهما بِأَن لَا تتَحَقَّق الْمدَّة الفاصلة الَّتِي هِيَ مُدَّة غرُوب الشَّفق فِي الْأَيَّام المعتدلة والأقطار المتوسطة فَفِي الْفَتَاوَى الظهيرة والمضمرات والتتارخانية وَغَيرهَا أفتى الْبُرْهَان الْكَبِير فِي أهل بلد كَمَا تغرب الشَّمْس يطلع الْفجْر أَن عَلَيْهِم صَلَاة الْعشَاء وَالصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء لفقد وَقت الْأَدَاء وَقَالَ ابْن الْهمام فِي فتح الْقَدِير وافتى الْبُرْهَان الْكَبِير بوجوبهما وَفِي التيين شرح الْكَنْز للزيلعي عَن المرغيناني عَن الْبُرْهَان الْكَبِير نَحوه وَقَالَ التمرشاني الْغَزِّي فِي تنوير الإبصار وفاقد وقتهما مُكَلّف بهما وَقَالَ سري الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الشّحْنَة فِي الذَّخَائِر الأشرفية أَن الصَّحِيح خلاف مَا اخْتَارَهُ صَاحب الْكَنْز فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ فِي تَرْجَمَة الْكَنْز أَن الْفَتْوَى على الْوُجُوب وَفِي الْمُحِيط البرهاني عَن الصَّدْر الْكَبِير أَنه لَيْسَ عَلَيْهِم صَلَاة الْعشَاء هَكَذَا كَانَ يُفْتِي ظهير الدّين المرغيناني وَنَحْوه فِي الْمُضْمرَات وخلاصة الْفَتَاوَى وَلَو كَانُوا فِي بَلْدَة إِذا غربت الشَّمْس طلع الْفجْر لَا يجب عَلَيْهِم صَلَاة الْعشَاء وَفِي الْكَافِي للنسفي وَلَا يجب الْعشَاء على قوم لم يَجدوا وقته بِأَن يطلع فجر كَمَا غربت الشَّمْس لعدم سَبَب الْوُجُوب وَهُوَ وقته وَفِي الْكَنْز وَمن لم يجد وقتهما لم يجبا وَذكر الزَّاهدِيّ فِي الْمُجْتَبى شرح الْمُخْتَصر عَن الْبَدْر الطَّاهِر نَحْو مَا فِي الْمُحِيط وَنَحْوه فِي جَوَاهِر الْفِقْه لطاهر بن سَلام الْخَوَارِزْمِيّ وَقد نسب الْفَتْوَى بِالْوُجُوب إِلَى ظهير الدّين المرغيناني فِي غير وَاحِد من الشُّرُوح وَغَيرهَا وَبِالْجُمْلَةِ فمأخذ القَوْل بِالْوُجُوب هُوَ برهَان الدّين الْكَبِير ومأخذ القَوْل بِعَدَمِهِ هُوَ الصَّدْر الْكَبِير برهَان الْأَئِمَّة وَاخْتلف عَن المرغيناني وَقد شَارك فِي هَذَا اللقب وَالنِّسْبَة رجلَانِ من بَيت وَاحِد وَلم يبين أحد أَن الْمُفْتِي فِي هَذِه الْحَادِثَة أَيهمَا أَحدهمَا ظهير الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّزَّاق المرغيناني مَاتَ سنة سِتّ وَخَمْسمِائة وَهُوَ

стр. 204

جد صَاحب الْخُلَاصَة لأمة وَعم وَالِد قاضيخان وَثَانِيهمَا ابْنه ظهير الدّين أَبُو المحاسن حسن بن عَليّ المرغيناني صَاحب كتاب الْأَقْضِيَة وَغَيرهَا وَالظَّاهِر أَن تِلْكَ الْفَتْوَى بِالْوُجُوب منسوبة إِلَيْهِ ثمَّ صِحَة كَلَام الزَّيْلَعِيّ ترفع الِاحْتِمَال وَتبين أَنه هُوَ المُرَاد من المرغيناني وَمن برهَان الدّين الْكَبِير هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن عمر الْمروزِي بَعثه سُلْطَان سنجر بن ملك شاه السلجوقي إِلَى بخاري فِي مُهِمّ وَسَماهُ صَدرا سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ الْمَعْرُوف بالصدر الْمَاضِي والصدر الْكَبِير وبرهان الدّين الْكَبِير وبرهان الْأَئِمَّة وَهُوَ أَبُو الصُّدُور وَهَذَا اللقب مُقَارنًا لوصفه بالكبير لم يَقع إِلَّا عَلَيْهِ وَأما التَّعْبِير بالصدر الْكَبِير وبرهان الْأَئِمَّة وبرهان الدّين فقد وَقع عَلَيْهِ وعَلى جمَاعَة من أَوْلَاده وَغَيرهم وَلَعَلَّ الْمُفْتِي بالسقوط كَانَ أحدهم إِن صَحَّ ذَلِك وَلَا يساعد عصر وَاحِد مِنْهُم أَن يَحْكِي عَنهُ ظهير الدّين المرغيناني إِلَّا الصَّدْر الْمَاضِي والدهم وأخاف أَن يكون الزيلغي أخطأفينقله عَن المرغيناني ذَلِك وَأرى أَنه أَخذ من الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة وَزعم أَن صَاحبهَا ظهير الدّين المزغيناني وَجرى من جَاءَ بعده مِمَّن نسب إِلَيْهِ القَوْل بِالْوُجُوب على أَثَره وَلَيْسَ كَمَا زعم بل هُوَ ظهير الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد البُخَارِيّ مَاتَ سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة وَبِالْجُمْلَةِ أَن طَائِفَة من أَحْدَاث الْجُهَّال المتعصبين على الْحق المنهمكين فِي التَّقْلِيد المتهالكين فِي إِضَاعَة الصَّلَوَات قد حرفوا عبارَة الظَّهِيرِيَّة والمضمرات وَغَيرهَا وَزَادُوا فِيهَا كلمة لَيْسَ النافية وسلطوها على الْوُجُوب زعما مِنْهُم أَنه لَو لم تكن مَوْجُودَة فِي الْعبارَة لَكَانَ آخر الْكَلَام منافيا لأوله حَيْثُ قَالَ وَالصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء لفقد وَقت الْأَدَاء وَهُوَ زعم سقيم وَوهم عقيم فَإِن عِبَارَات تِلْكَ الْكتب محكمَة فِي عدم هَذِه الْكَلِمَة والنسخ مِنْهَا مطردَة عَلَيْهِ وَقد عرفت أَن الْخلاف فِيمَن لَا يجد الْوَقْت أصلا وَمن أفتى بِالْوُجُوب لم يبال بِعَدَمِ الْوَقْت وَذهب إِلَى وُجُوبه مَعَ عَدمه لِأَن الْوَقْت غير مَقْصُود بِالذَّاتِ وَلَا بِسَبَب حَقِيقَة وَيسْقط اعْتِبَاره بِأَدْنَى سَبَب كَمَا فِي عَرَفَة ومزدلفة وَأَيَّام الدَّجَّال بالِاتِّفَاقِ

стр. 205

وَيجوز الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر فِي وَقت أَحدهمَا وَكَذَا الْمغرب وَالْعشَاء عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَمن وافقهما وَقد أخرج الشَّيْخَانِ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ لما رَجَعَ من الْأَحْزَاب قَالَ لَا يصلين أحدا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَأدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق وَقَالَ بَعضهم لَا نصلي حَتَّى نأتيها وَقَالَ بَعضهم لم يرد ذَلِك منا فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَلم يعنف أحدا مِنْهُم وَقد رُوِيَ أَن بَعضهم صلاهَا بَعْدَمَا انتصف اللَّيْل وَقد قَامَ الدَّلِيل الْقطعِي على وجوب الْعشَاء بعد غرُوب الشَّمْس فَلَا يجوز تَركهَا بِانْتِفَاء سَبَب جعلي مُحْتَمل للسقوط والتكليف إِنَّمَا هُوَ بِقدر الوسع فَيجب أَدَاؤُهَا وَإِن لم يتَحَقَّق الْوَقْت أصلا لثُبُوت أصل الْوُجُوب فِي الذِّمَّة فَقَوْلهم الصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء متفرع على وجوب الْأَدَاء مَعَ عدم تحقق وَقت الْعشَاء وَلَا تنَافِي بَين أَطْرَاف الْكَلَام أصلا أَلا ترى الْمُحَقق ابْن الْهمام بَعْدَمَا بسط الْكَلَام فِي الْوُجُوب وزيف القَوْل بالسقوط قَالَ الصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء وَاعْترض عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيّ بِمَا هُوَ ظَاهر السُّقُوط لَا يكَاد يَصح وَتَبعهُ صَاحب الدُّرَر والجواهر وأمثالهما وَإِنَّمَا الْخلاف فِيمَن لَا يجد الْوَقْت أصلا وَإِن الْحق الأبلج فِيهِ هُوَ الْوُجُوب أَيْضا وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر وليت شعري مَاذَا يَقُول الزَّيْلَعِيّ وَأَتْبَاعه فِي الْمغرب هَل يرى سُقُوطه عَن هَؤُلَاءِ أَو يَجعله فرض الْوَقْت وَإِن دخل وَقت الْفجْر وَذكر الزَّاهدِيّ فِي الْمُجْتَبى حِكَايَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عَن الْحلْوانِي والبقالي وَأَن البقالي وَافقه فِيهَا وَقد انتحل هَذِه الْحِكَايَة عَن الزَّاهدِيّ رجال من الْمُتَأَخِّرين وشوشوا بِهِ عقيدة الْحق على أَهله وفرحوا بإضاعتهم الصَّلَاة مَعَ زعمهم البقالي هُوَ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الْخَوَارِزْمِيّ وَهُوَ مُتَأَخّر الزَّمَان توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ أَو سبعين وَخَمْسمِائة فَكيف يُمكن معاصرته للحلواني فَإِن وَفَاة الْحلْوانِي كَانَت سنة ثَمَان أَو تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَهَذَا الْوَصْف قد وَقع على عدَّة أشخاص يعرف كل مِنْهُم بالبقالي

стр. 206

وَقد وَقع النَّقْل عَنهُ فِي الْمُحِيط البرهاني وخلاصة الْفَتْوَى وفتاوى قَاضِي خَان وَفِي الْقنية وعصر هَؤُلَاءِ لَا ينجعه النَّقْل عَن أبي الْفضل البقالي لعدم سبق زَمَانه عَلَيْهِم وأيا مَا كَانَ فالبقالي من أهل الاعتزال فِي العقيدة ويلوح من كَلَام الزَّاهدِيّ تعصبه لإخوانه من أَرْبَاب تِلْكَ النحلة وَقَالَ ابْن الشّحْنَة فِي شرح الْمَنْظُومَة أَن كَلَام الزَّاهدِيّ لَا يُؤْخَذ بِهِ مَا لم يعضده نقل عَن غَيره وَلِهَذَا اعْترض عَلَيْهِ ابْن الْهمام وَقَالَ انْتِفَاء الدَّلِيل على الشَّيْء لَا يسْتَلْزم انتفاءه لجَوَاز دَلِيل آخر وَقد وجد وَهُوَ مَا تُوطأ من أَخْبَار الْإِسْرَاء من فرض الصَّلَاة خمْسا بَعْدَمَا أَمر أَولا بِخَمْسِينَ ثمَّ اسْتَقر الْأَمر على الْخمس شرعا عَاما لأهل الْآفَاق لَا تَفْصِيل فِيهِ بَين قطر وقطر وَمَا رُوِيَ من حَدِيث الدَّجَّال عِنْد مُسلم فقد أوجب أَكثر من ثَلَاثمِائَة عصر قبل صيرورة الظل مثلا أَو مثلين وَقس عَلَيْهِ فاستفدنا أَن الْوَاجِب فِي نفس الْأَمر خمس على الْعُمُوم غير أَن توزيعها على تِلْكَ الْأَوْقَات عِنْد وجودهَا لَا يسْقط بعدمها الْوُجُوب وَكَذَا قَالَ ﷺ خمس صلوَات كتبهن الله على الْعباد وَمن أفتى بِوُجُوب الْعشَاء يجب على قَوْله الْوتر أَيْضا انْتهى ولعمري أَن هَذَا الْكَلَام قد بلغ من التَّحْقِيق والإتقان الْغَايَة وَمن الطلاوة وَحسن الْبَيَان النِّهَايَة وَلَكِن قد كثر مدافعة الْمُتَأَخِّرين لَهُ ومناقشتهم فِيهِ وَذَلِكَ لإهمالهم الْفِقْه وَالْأُصُول وإغفالهم مَعَاني الْمَعْقُول ومدارك الْمَنْقُول وانتصر إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْحلَبِي فِي شرح الْمنية للبقالي وَقَالَ الحَدِيث ورد على خلاف الْقيَاس وَقَالَ القَاضِي عِيَاض إِنَّه حكم مَخْصُوص بذلك الْيَوْم شَرعه لنا صَاحب الشَّرْع وَلَو وكلنَا فِيهِ لاجتهادنا لكَانَتْ الصَّلَاة فِيهِ عِنْد الْأَوْقَات الْمَعْرُوفَة ولاكتفينا بالصلوات الْخمس انْتهى قَالَ الحسكفي فِي شرح تنوير الْأَبْصَار وَقيل لَا أبي لَا يُكَلف بهما لعدم سببهما وَبِه جزم فِي الْكَنْز والدرر والملتقى وَبِه أفتى البقالي وَوَافَقَهُ الْحلْوانِي وظهير الدّين المرغيناني وَرجحه الشُّرُنْبُلَالِيّ والحلبي

стр. 207

قلت كَلَام المحبط وَالْخُلَاصَة وَالْكَافِي والكنز وأمثالها مَحْمُول على من لم يجد الْوَقْت أصلا غير أَن الزَّيْلَعِيّ وَمن تَابعه لما زَعَمُوا أَن وَقت الْعشَاء لَا يُوجد إِلَّا بغروب الشَّفق نزلُوا هَذَا القَوْل على من لَا يغيب عَنهُ الشَّفق وبنوا كَلَامهم عَلَيْهِ وتصرفوا فِي الْعبارَات وَكَيف مَا كَانَ فقد أظهر الدَّلِيل فَسَاده وأبدت الْحجَّة عَلَيْهِ عواره وَأثبت ابْن الْهمام الْوُجُوب على الْإِطْلَاق وَأقَام برهانه وشيد أَرْكَانه وَلم يَأْتِ الشُّرُنْبُلَالِيّ فِي كِتَابه شرح الْمُلْتَقى وَلَا فِي امداد الفتاح بِشَيْء سوى مَا نَقله من كَلَام الْحلَبِي بعبارته الَّتِي بُطْلَانهَا أظهر من أَن يحْتَاج المُصَنّف إِلَى التَّأَمُّل فِيهِ فَإِن الْمُحَقق لَا يسلم أَولا فقدان الْوَقْت بِعَدَمِ غيبَة الشَّفق وَإِنَّمَا كَلَامه فِي إِثْبَات الْوُجُوب على من لَا يجد الْوَقْت أصلا ثمَّ لَا يسلم كَون الْوَقْت سَببا لِأَن السَّبَب هُوَ تتالي نعم الله تَعَالَى على عباده وَلَئِن كَانَ سَببا فَلَا نسلم أَن الْوَقْت الَّذِي هُوَ سَبَب غير مَوْجُود لِأَن مُدَّة الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي قطر تغيب فِيهِ الشَّمْس تكون أَرْبَعَة وَعشْرين سَاعَة سَوَاء تساوى اللَّيْل وَالنَّهَار أَو تَفَاوتا فِي الطول وَالْقصر وَلَا نسلم أَن الْوَقْت من الْأَسْبَاب والشروط لَا تحْتَمل السُّقُوط لِأَنَّهُ يسْقط بِأَدْنَى عِلّة مثل عَرَفَة ومزدلفة وَأَيَّام الدَّجَّال بالإتفاق وبعذر الْمَطَر وَالسّفر وَالْمَرَض وَغير ذَلِك عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه لكَونه وَسِيلَة غير مَقْصُودَة والنقض يمثل الْحَائِض وَالْكَافِر ظَاهر السُّقُوط فَإِنَّهُ حكم اسْتَثْنَاهُ الشَّرْع وَورد فِيهِ دَلِيل قَطْعِيّ من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَالْقَوْل بِأَن الْقيَاس على حَدِيث الدَّجَّال غير صَحِيح ظَاهر الْبطلَان لِأَن الْمُحَقق فِي غنى عَن وضع السَّبَب بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي صدد بَيَان الْمُعَرّف الآخر للْوُجُوب الْعَام وَإِن انْتَفَى الْمَعْرُوف الْمَعْهُود وَهُوَ الزَّوَال والغروب وَغَيرهمَا وَقد حكى النَّسَفِيّ فِي الْمُصَفّى شرح الْمَنْظُومَة عَن جمال الدّين المحبوبي أَنه قَالَ كسَالَى بُخَارى لَا يمْنَعُونَ عَن الصَّلَاة وَقت طُلُوع الشَّمْس لِأَن الْغَالِب أَنهم إِذا منعُوا عَن ذَلِك وَأمرُوا بالمكث فِي الْمَسْجِد إِلَى ارْتِفَاع الشَّمْس أَو بِالرُّجُوعِ ثمَّ الْحُضُور لم يَفْعَلُوا ذَلِك وَلم يقضوها وَلَو صلوها فِي هَذِه الْحَالة فقد أجَازه أَصْحَاب الحَدِيث وَالْأَدَاء فِي وَقت يُجِيزهُ بعض الْأَئِمَّة أولى من التّرْك

стр. 208

وَهَكَذَا نقل عَن الْحلْوانِي والمرغيناني فَانْظُر كَيفَ جوز هَؤُلَاءِ صِحَة الْفجْر عِنْد الطُّلُوع وَالْعشَاء قبل الغيبوبة بِنَاء على تَجْوِيز بعض الْأَئِمَّة مَعَ وُرُود النَّهْي عَنهُ ونصوص الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة القاضية على عدم الْجَوَاز مَخَافَة أَن يتركوها بِالْكُلِّيَّةِ بِمُجَرَّد الكسالة فَكيف يسوغ أَن يُفْتِي بِسُقُوط الْعشَاء عَمَّن لَا يغيب عَنْهُم الشَّفق بِجعْل إلهي وَسبب سماوي مَعَ نهوض براهين الْوُجُوب عَلَيْهِ نهوضا لَا مرد لَهُ وَلَيْسَ فِي الْعَالم قطر تغيب فِيهِ الشَّمْس ثمَّ كَمَا تغرب يطلع الْفجْر من جَانب آخر بل تتحول الْحمرَة من جِهَة الْمغرب متدرجة إِلَى الصُّفْرَة ثمَّ إِلَى الْبيَاض حسب دوران الشَّمْس تَحت الْأُفق إِلَى أَن ينتصف اللَّيْل ثمَّ ترجع على هَذِه الدراجة منعكسة قهقرى حَتَّى تطلع الشَّمْس من جِهَة الْمشرق وَعِنْدِي أَن نقُول الْفَتْوَى بالسقوط عَن الْحلْوانِي والمرغيناني والصدر الْكَبِير وأمثالهم لَا تصح أصلا وَإِن وجد فِي عدَّة كتب فَإِنَّهُ مَعَ خلوه عَن الْإِسْنَاد لَا دَلِيل بيتني عَلَيْهِ وَحسن الظَّن فيهم لَا يرخصنا فِي نسبه هَذِه المجازفة إِلَيْهِم وَمِمَّا يشْهد بذلك أَن إِسْلَام أهل بلغار كَانَ بِزَمَان كثير قبل زمَان أُولَئِكَ الْفُضَلَاء الَّذِي يعزى إِلَيْهِم الْإِفْتَاء بِسُقُوط الْعشَاء عَن سكان هَذِه الديار فِي لَيَال من السّنة تَنْتَهِي إِلَى غَايَة الْقصر فَمنهمْ من قَالَ أَنهم أَسْلمُوا فِي صدر ملك بني مَرْوَان فِي كبد الْقرن الأول من الْهِجْرَة وَمِنْهُم من قَالَ أَنهم أَسْلمُوا فِي خلَافَة الْمَأْمُون وَمِنْهُم من قَالَ فِي خلَافَة ابْن أَخِيه الواثق بِاللَّه ثمَّ ظهر الْإِسْلَام فيهم بِإِسْلَام ملك بلغار الماس خَان بن سلكي خَان فِي خلَافَة المقتدر فتسمى بالأمير جَعْفَر وَلأَحْمَد بن فضلان رِسَالَة كتب فِيهَا مَا شَاهده فِي سَفَره إِلَى بلغار ومدينة بلغار كَانَت على خمس وَخمسين دَرَجَة من الْعرض الشمالي وَعرض قزان أَكثر مِنْهُ بِخمْس وَأَرْبَعين دقيقة وطولها فِي سِتّ وَسِتِّينَ دَرَجَة وست وَأَرْبَعين دقيقة من جزائر الخالدات وَطول بلغار أَكثر مِنْهُ بِشَيْء نَحْو سِتّ عشرَة دقيقة فَكيف يتخيل أَنه خَفِي عَلَيْهِم شَأْن الشَّفق فَمَا تكلمُوا فِي مَسْأَلَة الْعشَاء بهَا نعم كَانَ الْأَمر وَاضحا لَهُم فِي ذَلِك حِين

стр. 209

كَانُوا فِي بِلَادهمْ لِمَكَانِهِمْ بِمحل عَظِيم من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَلَكنهُمْ لم يرَوا إِسْقَاط شَيْء من فَرَائض الله تَعَالَى وَمَا كَانَ لَهُم أَن يشكوا فِي هَذَا الحكم لما لَاحَ لَهُم من عُمُوم الْأَدِلَّة وَظُهُور الْبَرَاهِين القطعية وَالرِّوَايَات المستفيضه أم كَيفَ يهمل المتقدمون من أهل بلغار هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ فرط حَاجتهم إِلَيْهَا وَكَثْرَة ابتلائهم بهَا وَلم يستفتوا فِيهَا وَالْإِسْلَام غض المجنى جلو المغنى يحفظون حُدُوده ويلتزمون عهوده وَقد كَانَ فيهم من عُلَمَائهمْ جمَاعَة قبل عصر البقالي والحلواني وَبعده مثل عبد الْحَيّ ووالده عبد السَّلَام وَالْقَاضِي أَبُو الْعَلَاء حَامِد بن إِدْرِيس وَالْقَاضِي يَعْقُوب ابْن نعْمَان مؤرخ بلغار وَغَيرهم وهب أَنه لم يكن فيهم عُلَمَاء يفتون فِي الوقائع فَهَلا راجعوا إِلَى عُلَمَاء سَائِر الْأَمْصَار مَعَ كَثْرَة أسفارهم فِي الأقطار وشهرتهم بوفور التِّجَارَة وَحسن التمدن من قديم الْأَعْصَار وَمَا ظهر ذَلِك إِلَّا لِأَحْمَد بن فضلان وَغَيره من وُفُود الْعرَاق وعلماء دَار الْخلَافَة مَعَ طول مقامهم بهَا وورودهم مقامهم بهَا وورودهم إِلَيْهَا لتعليم الْإِسْلَام وإذاعة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام بل علمُوا ذَلِك وَلَكِن لم يشكوا فِي الْوُجُوب بل إِنَّمَا حدثت هَذِه الشُّبْهَة الغثة والريبة والرثة بعد انْقِرَاض الْفُقَهَاء وَذَهَاب الْعلمَاء ورئاسة الْجُهَّال وإشراف الْإِسْلَام على الزَّوَال وانتكاس حَال الْأَنَام واختلال مصَالح الْبَريَّة عِنْد اضمحلال الدولة العباسية فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون انْتهى كَلَام الناظورة وَهُوَ حرف من الْكتاب وقطرة من الْعباب وَكم فِيهِ من أَدِلَّة وبراهين على فَرضِيَّة صَلَاة الْعشَاء على جَمِيع الْمُكَلّفين من الْأمة على السوَاء غَابَ عَنْهُم الشَّفق أَو لم يغب تركناها مَخَافَة الإطالة فَمن شَاءَ تَفْصِيل ذَلِك فَليرْجع إِلَيْهِ وَأما مَسْأَلَة الصَّوْم فقد قَالَ الشَّامي فِي رد الْمُحْتَار حَاشِيَة در الْمُخْتَار لم أر من تعرض عندنَا لحكم صومهم فِيمَا إِذا كَانَ يطلع الْفجْر عِنْدهم كَمَا تغيب الشَّمْس أَو بعده بِزَمَان لَا يقدر فِيهِ الصَّائِم على أكل مَا يُقيم بنية وَلَا يُمكن أَن يُقَال بِوُجُوب مُوالَاة الصَّوْم عَلَيْهِم لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك فَإِن قُلْنَا بِوُجُوب الصَّوْم يلْزم القَوْل بالتقدير وَهل يقدر ليلهم بأقرب الْبِلَاد إِلَيْهِم كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّة هُنَا أَيْضا أم يقدر لَهُم بِمَا يسع

стр. 210

الْأكل وَالشرب أم يجب عَلَيْهِم الْقَضَاء فَقَط دون الْأَدَاء كل مُحْتَمل فَلْيتَأَمَّل وَلَا يُمكن القَوْل هُنَا بِعَدَمِ الْوُجُوب أصلا كالعشاء عِنْد الْقَائِل بِهِ فِيهَا لِأَن الْعلَّة عدم الْوُجُوب فِيهَا عِنْد الْقَائِل بِهِ عدم السَّبَب وَفِي الصَّوْم قد وجد السَّبَب وَهُوَ شُهُود جُزْء من الشَّهْر وطلوع فجر كل يَوْم هَذَا مَا ظهر لي وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 211

ذكر الأَرْض الجديدة اعْلَم أَنه قد حقق قوم من حكماء النَّصَارَى مُنْذُ مُضِيّ أَرْبَعمِائَة سنة من سني الْهِجْرَة أَرضًا جَدِيدَة مَا خلا أَرض الرّبع المسكون المنقسم على الأقاليم السَّبْعَة وسموها برا أعظم وينكي وَالدُّنْيَا الجديدة وأمريكا وَقَالُوا إحاطة المَاء لكرة الأَرْض لَيْسَ على مَا رسمه الْحُكَمَاء السَّابِقُونَ بل الْوَاقِع أَنه قد أحَاط عنصر المَاء كرة الأَرْض على صُورَة المنطقة لخصر الْإِنْسَان وكما أَن الأَرْض ظَهرت وانكشفت فِي هَذِه الْجِهَة الَّتِي قسموها على الأقاليم السَّبْعَة وسموها الرّبع المسكون وَصَارَت هِيَ مسَاكِن الْعَالم من بني آدم فَكَذَلِك انكشفت وَظَهَرت فِي الْجِهَة الْمُقَابلَة لتِلْك الْجِهَة وَصَارَت مسكنا لجموع من النَّاس وَهِي وَاقعَة على وضع لَو لم تكن الأَرْض فِي الْبَين لالتصقت أَقْدَام أشخاص كلتا الْجِهَتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَتبقى الرؤوس فِي جِهَة السَّمَاء فَكَانَ الأَرْض بِتَمَامِهَا خمس حصص وَالرّبع المسكون مِنْهَا الْمُسَمّى بالأقاليم السَّبْعَة ثَلَاث حصص وَالْأَرْض الجديدة حصتان أَو أَزِيد ثمَّ تحتوي تِلْكَ الدُّنْيَا الجديدة على الْبِلَاد الحارة والباردة وَيحصل مِنْهَا صنوف الْخشب والعشب والأدوية والأغذية وَهِي كَثِيرَة الْمَعَادِن من الذَّهَب وَالْفِضَّة وفيهَا المعابد وَالْكَنَائِس وَالْمكَاتب والعمائر الْعَظِيمَة وفيهَا كل شَيْء نَحْو مَا فِي هَذِه الدُّنْيَا كَأَنَّهَا هِيَ الرّبع المسكون بِعَيْنِه تسكنها أَقوام من النَّصَارَى وسلطنة هَذِه الأَرْض بِأَيْدِيهِم إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَلَهُم محاربات وقضايا ووقائع مَعَ البريطانية الَّذين هم حكام الْهِنْد الْيَوْم كَثِيرَة يطول شرحها ويخلق مَا لَا تعلمُونَ وَلَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ

стр. 212

ذكر فِي التَّارِيخ لَا يخفى أَن فن التَّارِيخ من الْفُنُون الَّتِي يتداولها الْأُمَم والأجيال وتشد إِلَيْهِ الركائب والرحال وتسمو إِلَى معرفَة السوقة والأغفال وتتنافس فِيهِ الْمُلُوك والأقيال ويتساوى فِي فهمه الْعلمَاء والجهال إِذْ هُوَ فِي ظَاهره لَا يزِيد على أَخْبَار عَن الْأَيَّام والدول والسوابق من الْقُرُون الأول تنمي فِيهَا الْأَقْوَال وتضرب فِيهَا الْأَمْثَال وتطرف بهَا الأندية إِذا غصها الاحتفال وَتُؤَدِّي إِلَيْنَا شَأْن الخليقة كَيفَ تقلبت بهَا الْأَحْوَال واتسع للدول فِيهَا النطاق والمجال وعمروا الأَرْض حَتَّى نَادَى بهم الارتحال وحان مِنْهُم الزَّوَال وَفِي بَاطِنه نظر وَتَحْقِيق وتعليل للكائنات ومباديها دَقِيق وَعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فَهُوَ لذَلِك أصيل فِي الْحِكْمَة عريق وجدير بِأَن يعد فِي علومها خليق وَأَن فحول المؤرخين فِي الْإِسْلَام قد استوعبوا أَخْبَار الْأَيَّام وجمعوها وسطروها فِي صفحات الدفاتر وأودعوها وخلطها المتطفلون بدسائس من الْبَاطِل وهموا فِيهَا أَو ابتدعوها وزخارف من الرِّوَايَات المضعفة لفقوها ووضعوها واقتفى تِلْكَ الْآثَار الْكثير مِمَّن بعدهمْ واتبعوها وأدوها إِلَيْنَا كَمَا سمعوها وَلم يلاحظوا أَسبَاب الوقائع وَالْأَحْوَال وَلم يراعوها وَلَا رفضوا ترهات الْأَحَادِيث وَلَا دفعوها فالتحقيق قَلِيل وطرف التَّنْقِيح فِي الْغَالِب كليل والغلط وَالوهم نسيب للْأَخْبَار وخليل والتقليد عريق فِي الْآدَمِيّين وسليل والتطفل على الْفُنُون عريض وطويل ومرعى الْجَهْل بَين الْأَنَام وخيم ووبيل وَالْحق لَا يُقَاوم سُلْطَانه وَالْبَاطِل يقذف بشهاب النّظر شَيْطَانه والناقل إِنَّمَا هُوَ يملي وينقل والبصيرة تنقد الصَّحِيح إِذا تمقل وَالْعلم يجلو لَهَا صفحات الصَّوَاب ويصقل

стр. 213

وَقد دون النَّاس فِي الْأَخْبَار وَأَكْثرُوا وجمعوا تواريخ الْأُمَم والدول فِي الْعَالم وسطروا وَالَّذين ذَهَبُوا بِفضل الشُّهْرَة وَالْأَمَانَة الْمُعْتَبرَة واستفرغوا دواوين من قبلهم فِي صُحُفهمْ الْمُتَأَخِّرَة هم قَلِيلُونَ لَا يكادون يجاوزون عدد الأنامل وَلَا حركات العوامل مثل ابْن اسحق والطبري وَابْن الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن عمر الْوَاقِدِيّ وَسيف بن عمر الْأَسدي والمسعودي وَغَيرهم من الْمَشَاهِير المتميزين عَن الجماهير وَإِن كَانَ فِي كتب المَسْعُودِيّ والواقدي من المطعن والمغمز مَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد الْإِثْبَات ومشهور بَين الْحفظَة والثقات إِلَّا أَن الكافة اختصتهم بِقبُول أخبارهم واقتفاء سُنَنهمْ فِي التصنيف وَاتِّبَاع آثَارهم والناقد الْبَصِير قسطاس نَفسه فِي تزييفهم فِيمَا ينقلون أَو اعتبارهم فللعمران طبائع فِي أحوله ترجع إِلَيْهِ الْأَخْبَار وَتحمل عَلَيْهَا الرِّوَايَات والْآثَار ثمَّ إِن أَكثر التواريخ لهَؤُلَاء عَامَّة المناهج والمسالك لعُمُوم الدولتين صدر الْإِسْلَام فِي الْآفَاق والممالك وتناولها الْبعيد من الغايات فِي المآخذ والمتارك وَمن هَؤُلَاءِ من استوعب مَا قبل الْملَّة من الدول والأمم وَالْأَمر العمم كالمسعودي وَمن نحى منحاه وَجَاء من بعدهمْ من عدل عَن الْإِطْلَاق إِلَى التَّقْيِيد ووقف فِي الْعُمُوم والإحاطة عَن الشأو الْبعيد فقيد شوارد عصره واستوعب أَخْبَار قطره وَاقْتصر على أَحَادِيث دولته ومصره كَمَا فعل أَبُو حَيَّان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية بهَا وَابْن الرفيق مؤرخ إفريقية والدول الَّتِي كَانَت بالقيروان ثمَّ لم يَأْتِ من بعد هَؤُلَاءِ إِلَّا مقلد وبليد الطَّبْع وَالْعقل أَو متبلد ينسج على ذَلِك المنوال ويحتذى مِنْهُ بالمثال وَيذْهل عَمَّا أحالته الْأَيَّام من الْأَحْوَال واستبدلت بِهِ من عوائد الْأُمَم والأجيال فيجلبون الْأَخْبَار عَن الدول وحكايات الوقائع فِي العصور الأول صورا قد تجردت عَن موادها وصفاحا انتضبت من أغمادها ومعارف تستنكر للْجَهْل بطارفها وتلادها إِنَّمَا هِيَ حوادث لم تعلم أُصُولهَا وأنواع لم تعْتَبر أجناسها وَلَا تحققت فصولها بكررون فِي موضوعاتهم الْأَخْبَار المتداولة بِأَعْيَانِهَا أتباعا لمن عَنى من الْمُتَقَدِّمين بشأنها ويغفلون أَمر الأجيال الناشئة فِي ديوانها بِمَا أوعز عَلَيْهِم ترجمانها فتستعجم صُحُفهمْ عَن بَيَانهَا ثمَّ إِذا

стр. 214

تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أَخْبَارهَا نسقا محافظين على نقلهَا وهما أَو صدقا لَا يتعرضون لبدايتها وَلَا يذكرُونَ السَّبَب الَّذِي رفع من رايتها وَأظْهر من آيتها وَلَا عِلّة الْوُقُوف عِنْد غايتها فَيبقى النَّاظر متطلعا بعد إِلَى افتقاد أَحْوَال مبادئ الدول ومراتبها مفتشا عَن أَسبَاب تزاحمها أَو تعاقبها باحثا عَن الْمقنع فِي تباينها أَو تناسبها حسب مَا ذكر ابْن خلدون فِي مُقَدّمَة تَارِيخه ثمَّ جَاءَ آخَرُونَ بإفراط الِاخْتِصَار وذهبوا إِلَى الِاكْتِفَاء بأسماء الْمُلُوك والاقتصار مَقْطُوعَة عَن الْأَنْسَاب وَالْأَخْبَار مَوْضُوعَة عَلَيْهَا أعداد أيامهم بحروف الْغُبَار كَمَا فعله ابْن رَشِيق فِي ميزَان الْعَمَل وَمن اقتفى هَذَا الْأَثر من المهمل وَلَيْسَ يعْتَبر لهَؤُلَاء مقَال وَلَا يعد لَهُم ثُبُوت وَلَا انْتِقَال لما أذهبوا من الْفَوَائِد وأخلوا بالمذاهب الْمَعْرُوفَة للمؤرخين والعوائد وَمن أحسن مَا ألف فِي فن التَّارِيخ وَأجْمع مَا جمع فِيهِ تَحْقِيقا وإتقانا فِي كتب الْقَوْم بعد سبر أغور الأمس وَالْيَوْم كتاب العبر وديوان الْمُبْتَدَأ الْخَبَر فِي أَيَّام الْعَرَب والعجم والبربر وَمن عاصرهم من ذَوي السُّلْطَان الْأَكْبَر لقَاضِي الْقُضَاة فَإِنَّهُ أنشأ فِي التَّارِيخ كتابا وَرفع بِهِ عَن أَحْوَال الناشئة من الأجيال حِجَابا وفصله فِي الْأَخْبَار وَالِاعْتِبَار بَابا بَابا وَأبْدى فِيهِ لأولوية الدول والعمران عللا وأسبابا وبناه على أَخْبَار الْأُمَم الَّذين عمروا الْمغرب فِي تِلْكَ الْآثَار وملأوا أكناف النواحي مِنْهُ والأمصار وَمَا كَانَ لَهُم من الدول الطوَال والقصار وَمن سلف من الْمُلُوك وَالْأَنْصَار سلك فِي ترتيبه وتبويبه مسلكا غَرِيبا واخترعه من بَين المناحي مذهبا عجيبا وَشرح فِيهِ من أَحْوَال الْعمرَان والتمدن وَمَا يعرض فِي الِاجْتِمَاع الإنساني من الْعَوَارِض الذاتية مَا يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ويعرفك كَيفَ دخل أهل الدول من أَبْوَابهَا حَتَّى تنْزع من التَّقْلِيد يدك وتقف على أَحْوَال من قبلك من الْأَيَّام والأجيال وَمَا بعْدك ثمَّ من أحسن التواريخ المختصرة كتاب الْمُخْتَصر فِي أَحْوَال الْبشر لأبي الفدا إِسْمَاعِيل صَاحب حماة الْملك الْمُؤَيد وَكتاب المواعظ وَالِاعْتِبَار فِي بَيَان الخطط والْآثَار للمقريزي ﵀ وَقد طالعناها على هَذِه الْمقَالة وأضفنا إِلَيْهَا أَشْيَاء وَالله يهدي إِلَيْهِ من يَشَاء

стр. 215

ذكر فضل علم التَّارِيخ وَتَحْقِيق مذاهبه والألماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط والأوهام وَذكر شَيْء من أَسبَابهَا اعْلَم أَن فن التَّارِيخ فن عَزِيز الْمَذْهَب جم الْفَوَائِد شرِيف الْغَايَة إِذْ هُوَ يوقفنا على أَحْوَال الماضين من الْأُمَم فِي أَخْلَاقهم والأنبياء فِي سيرهم والملوك فِي دولهم وسياستهم حَتَّى تتمّ فَائِدَة الِاقْتِدَاء فِي ذَلِك لمن يرومه فِي أَحْوَال الدّين وَالدُّنْيَا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى مآخذ مُتعَدِّدَة ومعارف متنوعة وَحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبهما إِلَى الْحق وينكبان بِهِ عَن المزلات والمغالط لِأَن الْأَخْبَار إِذا اعْتمد فِيهَا على مُجَرّد النَّقْل وَلم تحكم أصُول الْعَادة وقواعد السياسة وطبيعة الْعمرَان وَالْأَحْوَال فِي الِاجْتِمَاع الإنساني وَلَا قيس الْغَائِب مِنْهَا بِالشَّاهِدِ والحاضر بالذاهب فَرُبمَا لم يُؤمن فِيهَا من العثور ومزلة الْقدَم والحيد عَن جادة الصدْق وَكَثِيرًا مَا وَقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النَّقْل المغالط فِي الحكايات والوقائع لاعتمادهم فِيهَا على مُجَرّد النَّقْل غثا أَو سمينا لم يعرضوها على أُصُولهَا وَلَا قاسوها بأشباهها وَلَا سبروها بمعيار الْحِكْمَة وَالْوُقُوف على طبائع الكائنات وتحكيم النّظر والبصيرة فضلوا عَن الْحق وتاهوا فِي بيداء الْوَهم والغلط سِيمَا فِي إحصاء الْأَعْدَاد من الْأَمْوَال والعساكر إِذا عرضت فِي الحكايات إِذْ هِيَ مَظَنَّة الْكَذِب ومطية الهذر وَلَا بُد من ردهَا إِلَى الْأُصُول وعرضها على الْقَوَاعِد
следующие страницы →