Полный текст (229 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
خطْبَة الْكتاب
الْحَمد لله الَّذِي كَانَ وَلم يكن مَعَه شَيْء من الأكوان فخلق الأَرْض وَالسَّمَوَات واستوى على الْعَرْش وَخلق الْإِنْسَان وَعلمه الْبَيَان ثمَّ حكم على الْكل بالفناء وَقَالَ فِي الْكتاب ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ وسينقلهم إِلَى البرزخ وَمِنْه إِلَى دَار الْجَزَاء الَّتِي نطق بهَا الحَدِيث وأثبتها الْقُرْآن وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على مصطفاه مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله الَّذِي بَعثه إِلَى الْخلق أَجْمَعِينَ وَختم بِهِ الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَبعد
فَاعْلَم أَن التَّارِيخ عبارَة عَن يَوْم ينْسب إِلَيْهِ مَا يَأْتِي بعده وَيُقَال أَيْضا التَّارِيخ عبارَة عَن مُدَّة مَعْلُومَة تعد من أول زمن مَفْرُوض لتعرف بهَا الْأَوْقَات المحدودة وَلَا غنى عَن التَّارِيخ فِي جَمِيع الْأَحْوَال الدُّنْيَوِيَّة والأمور الدِّينِيَّة وَلكُل أمة من أُمَم الْبشر تَارِيخ تحْتَاج إِلَيْهِ فِي معاملاتها وَفِي معرفَة أزمنتها تنفرد بِهِ دون غَيرهَا من بَقِيَّة الْأُمَم وَأول الْأَوَائِل الْقَدِيمَة وأشهرها هُوَ كَون مبدأ الْبشر وَلأَهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس فِي كيفيته وسياقة التَّارِيخ مِنْهُ خلاف لَا يجوز مثله فِي التواريخ وكل مَا تتَعَلَّق مَعْرفَته ببدء الْخلق وأحوال الْقُرُون السالفة فَإِنَّهُ مختلط بتزويرات وأساطير لبعد الْعَهْد وَعجز المعتنى بِهِ عَن حفظه
стр. 2
وَقد قَالَ الله ﴿ألم يأتكم نبأ الَّذين من قبلكُمْ قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله﴾
وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ يقْرَأ هَذِه الْآيَة وَيَقُول كذب النسابون وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون مثله
وَعَن أبي مجلز قَالَ قَالَ رجل لعَلي بن أبي طَالب أَنا أنسب النَّاس قَالَ إِنَّك لَا تنْسب النَّاس قَالَ بلَى قَالَ عَليّ أَرَأَيْت قَوْله ﴿وعادا وَثَمُود وَأَصْحَاب الرس وقرونا بَين ذَلِك كثيرا﴾ قَالَ أَنا أنسب ذَلِك الْكثير قَالَ أَرَأَيْت قَوْله ﴿وَالَّذين من بعدهمْ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله﴾ فَسكت
وَعَن عُرْوَة ابْن الزبير قَالَ مَا وجدنَا أحدا يعرف مَا وَرَاء معد ابْن عدنان
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ مَا بَين عدنان واسماعيل ثَلَاثُونَ لَا يعْرفُونَ
وَقَالَ أهل التَّفْسِير فِي هَذِه الْآيَة عدم الْعلم من غير الله أما أَن يكون رَاجعا إِلَى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم أَي هَذِه الْأُمُور لَا يعلمهَا إِلَّا الله وَلَا يعلمهَا غَيره أَو يكون رَاجعا إِلَى ذواتهم أَي إِنَّه لَا يعلم ذَوَات أُولَئِكَ الَّذين من بعدهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَلم يبلغنَا خبرهم أصلا وَلَا مَانع من حمل الْآيَة على الْكل فَالْأولى أَن لَا يقبل من ذَلِك إِلَّا مَا يشْهد بِهِ كتاب أنزل من عِنْد الله يعْتَمد على صِحَّته لم يرد فِيهِ نسخ وَلَا طرْقَة تَبْدِيل أَو خبر يَنْقُلهُ الثقاة
وَإِذا نَظرنَا فِي التَّارِيخ وجدنَا فِيهِ بَين الْأُمَم خلافًا كثيرا وسأتلو عَلَيْك من ذَلِك مَا لَا أَظُنك تَجدهُ مجموعا فِي كتاب
والتاريخ كلمة فارسية أَصْلهَا ماه روز ثمَّ عربت قَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْبَلْخِي فِي كتاب مَفَاتِيح الْعُلُوم وَهُوَ
стр. 3
كتاب جليل الْقدر وَهَذَا اشتقاق بعيد لَوْلَا أَن الرِّوَايَة جَاءَت بِهِ
وَقَالَ قدامَة بن جَعْفَر فِي كتاب الْخراج تَارِيخ كل شَيْء آخِره وَهُوَ فِي الْوَقْت غَايَته يُقَال فلَان تَارِيخ قومه أَي إِلَيْهِ يَنْتَهِي شرفهم وَيُقَال ورخت الْكتاب توريخا وأرخته تَارِيخا اللُّغَة الأولى لتميم وَالثَّانيَِة لقيس
وَلكُل أهل مِلَّة تَارِيخ فَكَانَت الْأُمَم تؤرخ أَولا بتاريخ الخليقة وَهُوَ ابْتِدَاء كَون النَّسْل من آدم ﵇ ثمَّ أرخت بالطوفان وأرهت ببخت نصر وأرخت بفليبس وأرخت بالإسكندر ثمَّ باغشطش ثمَّ بالظينس ثمَّ بدقلطيانوس وَبِه تؤرخ القبط ثمَّ لم يكن بعد تَارِيخ القبط إِلَّا تَارِيخ الْهِجْرَة ثمَّ تَارِيخ يزدجرد فَهَذِهِ تواريخ الْأُمَم الْمَشْهُورَة وَلِلنَّاسِ تواريخ أُخْرَى قد انْقَطع ذكرهَا
فَأَما تَارِيخ الخليقة
وَيُقَال لَهُ ابْتِدَاء كَون النَّسْل وَبَعْضهمْ يَقُول بَدْء التحرك فَإِن لأهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس فِي كيفيته وسياقة التَّارِيخ مِنْهُ خلافًا كثيرا قَالَ الْمَجُوس وَالْفرس عمر الْعَالم اثْنَا عشر ألف عَام على عدد بروج الْفلك وشهور السّنة وَزَعَمُوا أَن زرادشت صَاحب شريعتهم قَالَ أَن الْمَاضِي من الدُّنْيَا إِلَى وَقت ظُهُوره ثَلَاثَة آلَاف سنة مكبة سة الأرباع وَبَين ظُهُور زرادشت وَأول تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَتَا سنة وثمان وَخَمْسُونَ سنة
وَإِذا حَسبنَا من أول يَوْم كيومرت الَّذِي هُوَ عِنْدهم الْإِنْسَان الأول وجمعنا مُدَّة كل من ملك بعده فَإِن الْملك ملصق فيهم غير مُنْقَطع عَنْهُم كَانَ الْعدَد مِنْهُ إِلَى الْإِسْكَنْدَر ثَلَاثَة آلَاف وثلاثمائة وأربعا وَخمسين سنة فَإِذا لم يتَّفق التَّفْصِيل مَعَ الْجُمْلَة قَالَ قوم الثَّلَاثَة الآلاف الْمَاضِيَة إِنَّمَا هِيَ من خلق كيومرت فَإِنَّهُ مضى قبله ألف سنة والفلك فِيهَا وَاقِف غير متحرك والطبائع غير مستحيلة والأمهات غير متمازجة والكون وَالْفساد غير
стр. 4
مَوْجُود فِيهَا وَالْأَرْض غير عامرة فَلَمَّا تحرّك الْفلك حدث الْإِنْسَان الأول فِي معدل النَّهَار وتولد الْحَيَوَان وتوالد وتناسل الْإِنْس فكثروا وامتزجت أَجزَاء العناصر للكون وَالْفساد فعمرت الدُّنْيَا وانتظم الْعلم
وَقَالَ الْيَهُود الْمَاضِي من آدم إِلَى الْإِسْكَنْدَر ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة وثمان وَأَرْبَعُونَ سنة
وَقَالَ النَّصَارَى الْمدَّة بَينهمَا خَمْسَة آلَاف وَمِائَة وَثَمَانُونَ سنة وَزَعَمُوا أَن الْيَهُود نقصوها ليَقَع خُرُوج عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ فِي الْألف الرَّابِع وسط السَّبْعَة الآلاف الَّتِي هِيَ مِقْدَار الْعَالم عِنْدهم حَتَّى تخَالف ذَلِك الْوَقْت الَّذِي سبقت الْبشَارَة من الْأَنْبِيَاء الَّذين كَانُوا بعد مُوسَى ابْن عمرَان ﵇ بِوِلَادَة الْمَسِيح عِيسَى وَإِذا جمع مَا فِي التَّوْرَاة الَّتِي بيد الْيَهُود من الْمدَّة الَّتِي بَين آدم ﵇ وَبَين الطوفان كَانَت ألفا وسِتمِائَة وستا وَخمسين سنة وَعند النَّصَارَى فِي إنجيلهم أَلفَانِ وَمِائَتَا سنة وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة
وتزعم الْيَهُود أَن توراتهم بعيدَة عَن التخاليط وتزعم النَّصَارَى أَن توراة السّبْعين الَّتِي هِيَ بِأَيْدِيهِم لم يَقع فِيهَا تَحْرِيف وَلَا تَبْدِيل وَتقول الْيَهُود فِيهَا خلاف ذَلِك وَتقول السامرية بِأَن توراتهم هِيَ الْحق وَمَا عَداهَا بَاطِل وَلَيْسَ فِي اخْتلَافهمْ مَا يزِيل الشَّك بل يُقَوي الجالبة لَهُ وَهَذَا الإختلاف بِعَيْنِه بَين النَّصَارَى أَيْضا فِي الْإِنْجِيل وَذَلِكَ أَن لَهُ عِنْد النَّصَارَى أَربع نسخ مَجْمُوعَة فِي مصحف وَاحِد أَحدهَا إنجيل مَتى وَالثَّانِي لمارقوس وَالثَّالِث للوقا وَالرَّابِع ليوحنا
قد ألف كل من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة إنجيلا على حسب دَعوته فِي بِلَاده
وَهِي مُخْتَلفَة إختلافا كثيرا حَتَّى فِي صِفَات الْمَسِيح ﵇ وَأَيَّام دَعوته وَوقت الصلب بزعمهم وَفِي نسبه أَيْضا وَهَذَا الإختلاف لَا يحْتَمل مثله وَمَعَ هَذَا فَعِنْدَ كل من أَصْحَاب مرقيون وَأَصْحَاب ابْن ويصان إنجيل يُخَالف بعضه هَذِه الأناجيل ولأصحاب ماني إنجيل على حِدة يُخَالف مَا عَلَيْهِ النَّصَارَى من أَوله إِلَى آخِره ويزعمون أَنه هُوَ الصَّحِيح وَمَا عداهُ بَاطِل وَلَهُم
стр. 5
أَيْضا إنجيل يُسمى إنجيل السّبْعين ينْسب إِلَى تلامس وَالنَّصَارَى وَغَيرهم ينكرونه
وَإِذا كَانَ الْأَمر من الإختلاف بَين أهل الْكتاب كَمَا قد رَأَيْت
وَلم يكن للْقِيَاس والرأي مدْخل فِي تَمْيِيز حق ذَلِك من باطله امْتنع الْوُقُوف على حَقِيقَة ذَلِك من قبلهم وَلم يعول على شَيْء من أَقْوَالهم فِيهِ
وَأما غير أهل الْكتاب فَإِنَّهُم أَيْضا مُخْتَلفُونَ فِي ذَلِك
قَالَ أشوس بَين خلق آدم وَبَين لَيْلَة الْجُمُعَة أول الطوفان ألفا سنة ومئتا سنة وست وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَأَرْبع سَاعَات
وَقَالَ ماشاه واسْمه منشا بن أثرى منجم الْمَنْصُور والمأمون فِي كتاب القرانات أول قرَان وَقع بَين زحل وَالْمُشْتَرِي فِي بَدْء التحرك يَعْنِي ابْتِدَاء النَّسْل من آدم كَانَ على مُضِيّ خَمْسمِائَة وتسع سِنِين وشهرين وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا مَضَت من ألف المريخ فَوَقع الْقُرْآن فِي برج الثور من الْمُثَلَّثَة الأرضية على سبع درج واثنتين وَأَرْبَعين دقيقة وَكَانَ انْتِقَال الْقَمَر من برج الْمِيزَان والمثلثة الهوائية إِلَى برج الْعَقْرَب والمثلثة المائية بعد ذَلِك بألفي سنة وَأَرْبَعمِائَة سنة وإثنتي عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر وَسِتَّة وَعشْرين يَوْمًا وَوَقع الطوفان فِي الشَّهْر الْخَامِس من السّنة الأولى من الْقُرْآن الثَّانِي من قرانات هَذِه الْمُثَلَّثَة المائية وَكَانَ بَين وَقت الْقرَان الأول الْكَائِن فِي بَدْء التحرك وَبَين الشَّهْر الَّذِي كَانَ فِيهِ الطوفان أَلفَانِ وَأَرْبَعمِائَة وَثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وَسِتَّة أشهر وَاثنا عشر يَوْمًا قَالَ وَفِي كل سَبْعَة آلَاف سنة وسنتين وَعشرَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام يرجع الْقرَان إِلَى مَوْضِعه من برج الثور الَّذِي كَانَ فِي بَدْء التحرك وَهَذَا القَوْل أعزّك الله هُوَ الَّذِي اشْتهر حَتَّى ظن كثير من أهل الْملَل أَن مُدَّة بَقَاء الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة فَلَا تغتر بِهِ وتنبه إِلَى اصله تَجدهُ أوهن من بَيت العنكبوت فَاطْرَحْهُ
وَقيل كَانَ بَين آدم وَبَين الطوفان ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وَخمْس وَثَلَاثُونَ سنة وَقيل كَانَت بَينهمَا مُدَّة أَلفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وست وَخمسين سنة وَقيل أَلفَانِ وَثَمَانُونَ سنة
стр. 6
وَأما تَارِيخ الطوفان
فَإِنَّهُ يَتْلُو تَارِيخ الخليقة وَفِيه من الإختلاف مَا لَا يطْمع فِي حَقِيقَته من أجل الإختلاف فِيمَا بَين آدم وَبَينه وَفِيمَا بَينه وَبَين تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر
فَإِن الْيَهُود عِنْدهم أَن بَين الطوفان وَبَين الْإِسْكَنْدَر ألفا وَسَبْعمائة واثنتين وَتِسْعين سنة وَعند النَّصَارَى بَينهمَا ألفا سنة وَتِسْعمِائَة وثمان وَثَلَاثُونَ سنة وَالْفرس وَسَائِر الْمَجُوس والكلدانيون أهل بابل والهند وَأهل الصين وأصناف الْأُمَم المشرقية يُنكرُونَ الطوفان وَأقر بِهِ بعض الْفرس لكِنهمْ قَالُوا لم يكن الطوفان بسوى الشَّام وَالْمغْرب وَلم يعم الْعمرَان كُله وَلَا غرث إِلَّا بعض النَّاس وَلم يتَجَاوَز عقبَة حلوان وَلَا بلغ إِلَى ممالك الْمشرق وَلم يعم الْعمرَان ممالك الْمشرق
قَالُوا وَوَقع فِي زمَان طهمورت أَن أهل الْمغرب لما أنذر حكماؤهم بالطوفان اتَّخذُوا المباني الْعَظِيمَة كالهرمين بِمصْر وَنَحْوهمَا ليدخلوا فِيهَا عِنْد حُدُوثه وَلما بلغ طهمورت الْإِنْذَار بالطوفان قبل كَونه بِمِائَة وَإِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة أَمر بِاخْتِيَار مَوَاضِع فِي مَمْلَكَته صَحِيحَة الْهَوَاء والتربة فَوجدَ ذَلِك بأصفهان فَأمر بتجليد الْعُلُوم ودفنها فِيهَا فِي أسلم الْمَوَاضِع وَيشْهد لهَذَا مَا وجد بعد الثلاثمائة من سني الْهِجْرَة فِي حَيّ من مَدِينَة أصفهان من التلال الَّتِي انشقت عَن بيُوت مَمْلُوءَة أعدالا عدَّة كَثِيرَة قد ملئت من لحاء الشّجر الَّتِي تلبس بهَا القسي وَتسَمى التور مَكْتُوبَة بِكِتَابَة لم يدر أحد مَا هِيَ
وَأما المنجمون فَإِنَّهُم صححوا هَذِه السنين من الْقرَان الأول من قرانات العلويين زحل وَالْمُشْتَرِي الَّتِي أثبت عُلَمَاء أهل بابل والكلدانين مثلهَا إِذْ كَانَ الطوفان ظُهُوره من ناحيتهم فَإِن السَّفِينَة اسْتَقَرَّتْ على الجودي وَهُوَ غير بعيد من تِلْكَ النواحي
قَالُوا وَكَانَ هَذَا الْقرَان قبل الطوفان بمائتين وَعشر ين سنة وَمِائَة وَثَمَانِية أيوام واعتنوا بأمرها وصححوا مَا بعْدهَا فوجدوا مَا بَين الطوفان وَبَين أول ملك بخت نصر الأول الفي سنة وسِتمِائَة وَأَرْبع سِنِين وَبَين
стр. 7
بخت نصر هَذَا وَبَين الْإِسْكَنْدَر أَرْبَعمِائَة وست وَثَلَاثُونَ سنة وعَلى ذَلِك بني أَبُو معشر أوساط الْكَوَاكِب فِي زيجه وَقَالَ كَانَ الطوفان عِنْد اجْتِمَاع الْكَوَاكِب فِي آخر برج الْحُوت وَأول برج الْحمل وَكَانَ بَين وَقت الطوفان وَبَين تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر قدر ألفي سنة وَسَبْعمائة وَتِسْعين سنة مكبوسة وَسَبْعَة أشهر وَسِتَّة وَعشْرين يَوْمًا وَبَينه وَبَين يَوْم الْخَمِيس أول الْمحرم من السّنة الأولى من سني الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة ألف ألف يَوْم وثلاثمائة ألف يَوْم وَتِسْعَة وَخَمْسُونَ ألف يَوْم وَتِسْعمِائَة يَوْم وَثَلَاثَة وَسَبْعُونَ يَوْمًا يكون من السنين الفارسية المصرية ثَلَاثَة آلَاف سنة وَسَبْعمائة سنة وَخمْس وَعِشْرُونَ سنة وثلاثمائة يَوْم وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا
وَمِنْهُم من يرى أَن الطوفان كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وَعند أبي معشر أَنه كَانَ يَوْم الْخَمِيس وَلما تقرر عِنْده الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة وَخرجت لَهُ الْمدَّة الَّتِي تسمى أدوار الْكَوَاكِب وَهِي بزعمهم ثَلَاثمِائَة ألف وَسِتُّونَ ألف سنة شمسية وأولها مقدم على وَقت الطوفان بِمِائَة ألف وَثَمَانِينَ ألف سنة شمسية حكم بِأَن الطوفان كَانَ فِي مائَة ألف وَثَمَانِينَ ألف سنة وسيكون فِيمَا بعد كَذَلِك وَمثل هَذَا لَا يقبل إِلَّا بِحجَّة أَو من مَعْصُوم
وَأما تَارِيخ بخت نصر
فَإِنَّهُ على سني القبط وَعَلِيهِ يعْمل فِي اسْتِخْرَاج مَوَاضِع الْكَوَاكِب من كتاب المجسطي ثمَّ أدوار قالليس وَأول أدواره فِي سنة ثَمَانِي عشرَة وَأَرْبَعمِائَة لبخت نصر وكل دور مِنْهَا سِتّ وَسَبْعُونَ سنة شمسية
وَكَانَ قالليس من جملَة أَصْحَاب التعاليم وبخت نصر هَذَا لَيْسَ هُوَ الَّذِي خرب بَيت الْمُقَدّس وَإِنَّمَا هُوَ آخر كَانَ قبل بخت نصر مخرب بَيت الْمُقَدّس بِمِائَة وَثَلَاث وَأَرْبَعين سنة وَهُوَ إسم فَارسي أَصله بخت برسي وَمَعْنَاهُ كثير الْبكاء والأنين وَيُقَال لَهُ بالعبرانية نصار وَقيل تَفْسِيره عُطَارِد وَهُوَ ينْطق وَذَلِكَ لتجنبه عَن الْحِكْمَة وتغريب أَهلهَا ثمَّ عرب فَقيل بخت نصر
стр. 8
وَأما تَارِيخ فيلبش
فَإِنَّهُ على سني القبط وَكَثِيرًا مَا يسْتَعْمل هَذَا التَّارِيخ من موت الْإِسْكَنْدَر الْبناء المقدوني وكلا الْأَمريْنِ سَوَاء فَإِن الْقَائِم بعد إلبناء هُوَ فيلبش فَسَوَاء كَانَ من موت الأول أَو من قيام الآخر فَإِن الْحَالة المؤرخة هِيَ كالفصل الْمُشْتَرك بَينهمَا
وفيلبش هَذَا هُوَ أَبُو الْإِسْكَنْدَر المقدوني وَيعرف هَذَا التَّارِيخ بتاريخ الإسكندرانين وَعَلِيهِ بنى تاون الإسْكَنْدراني فِي تَارِيخه الْمَعْرُوف بالقانون وَالله أعلم
وَأما تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر
فَإِنَّهُ على سني الرّوم وَعَلِيهِ يعْمل أَكثر الْأُمَم إِلَى وقتنا هَذَا من أهل الشَّام وَأهل بِلَاد الرّوم وَأهل الْمغرب والأندلس والإفرنج وَالْيَهُود
وَقَالَ أَبُو الريحان مُحَمَّد بن أَحْمد الْبَيْرُوتِي تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر اليوناني الَّذِي يلقبه بَعضهم بِذِي القرنين على سني الرّوم وَعَلِيهِ عمل أَكثر الْأُمَم لما خرج من بِلَاد يونان وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة لقِتَال دَارا ملك الْفرس
وَلما ورد بَيت الْمُقَدّس أَمر الْيَهُود بترك تَارِيخ دَاوُد ومُوسَى ﵉ والتحول إِلَى تَارِيخه فَأَجَابُوهُ وانتقلوا إِلَى تَارِيخه واستعملوه فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ بعد أَن عملوه من السّنة السَّادِسَة وَالْعِشْرين لميلاده وَهُوَ أول وَقت تحركه ليتموا ألف سنة من لدن مُوسَى ﵇ وبقوا معتصمين بِهَذَا التَّارِيخ ومستعملين لَهُ وَعَلِيهِ عمل اليونانيين وَكَانُوا قبله يؤرخون بِخُرُوج يونان بن نورس عَن بابل إِلَى الْمغرب
وَأول تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر يَوْم الْإِثْنَيْنِ أول تشرين الأول وموافقه الْيَوْم الرَّابِع من بَابه ومبادي الْأَيَّام عِنْدهم من طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا إِلَى أَن يصبح الصَّباح وتطلع الشَّمْس فقد كمل بليلة ومبادي الشُّهُور
стр. 9
ترجع إِلَى عدد وَاحِد لَهُ نظم يجْرِي عَلَيْهِ دَائِما شهور سنتهمْ اثْنَا عشر شهرا يُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا فِي الْعدَد وَهَذِه أسماؤها وَعدد أَيَّام كل شهر مِنْهَا تشرين الأول أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا تشرين الثَّانِي ثَلَاثُونَ يَوْمًا كانون الأول أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا كانون الثَّانِي أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا شباط ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَربع آذار أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا نيسان ثَلَاثُونَ يَوْمًا أيار أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا حزيران ثَلَاثُونَ يَوْمًا تموز أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا آب أحد وَثَلَاثُونَ يَوْمًا أيلول ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَشهر وَاحِد ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَربع يَوْم وَذَلِكَ أَنهم جعلُوا شباط كل ثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات ثَمَانِيَة وَعشْرين يَوْمًا وَربع يَوْم وجعلوه فِي السّنة الرَّابِعَة تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا فَيكون عدد أَيَّام سنتهمْ ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا ويجعلون السّنة الرَّابِعَة ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة وَسِتِّينَ يَوْمًا ويسمونها السّنة الكبيسة وَإِنَّمَا زادوا الرّبع فِي كل سنة ليقرب عدد أَيَّام سنتهمْ من عدد أَيَّام السّنة الشمسية حَتَّى تبقى أُمُورهم على نظام وَاحِد فَتكون شهور الْبرد وشهور الْحر وَأَوَان الزَّرْع ولقاح الشّجر وجني الثَّمر فِي وَقت مَعْلُوم من السّنة لَا يتَغَيَّر وَقت شَيْء من ذَلِك الْبَتَّةَ
وَكَانَ ابْتِدَاء الكبيس فِي السّنة الثَّالِثَة من ملك الْإِسْكَنْدَر وَبَين يَوْم الْإِثْنَيْنِ أول يَوْم من تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر هَذَا وَبَين يَوْم الْخَمِيس أول شهر الْمحرم من السّنة الَّتِي هَاجر نَبينَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب رَسُول الله ﷺ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة تِسْعمائَة سنة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَمِائَة وَخَمْسَة يَوْمًا وَبَينه وَبَين يَوْم الْجُمُعَة أول يَوْم من الطوفان ألفا سنة وَسَبْعمائة سنة وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ سنة وَمِائَة وَثَلَاثَة وَتسْعُونَ يَوْمًا وَبَين ابْتِدَاء ملك بخت نصر وَبَين أول تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر أَرْبَعمِائَة وَخمْس وَثَلَاثُونَ سنة شمسية وَمِائَتَا يَوْم وَثَمَانِية وَثَلَاثُونَ يَوْمًا
قَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ فِي كتاب الفلاحة النبطية أَن شهورهم هَذِه كل وَاحِد مِنْهَا اسْم رجل فَاضل عَالم
قف التَّحْقِيق عِنْد عُلَمَاء الْأَخْبَار أَن ذَا القرنين الَّذِي ذكره الله فِي
стр. 10
كِتَابه فَقَالَ ﴿ويسألونك عَن ذِي القرنين﴾ الْآيَات عَرَبِيّ قد كثر ذكره فِي أشعار الْعَرَب وَأَن اسْمه الصعب بن ذِي مراثد بن الْحَارِث الرائش بن الهمال ذِي سدد بن عَاد بن دلدار فخشد بن سَام بن نوح ﵇ وَأَنه ملك من مُلُوك حمير وهم الْعَرَب العاربة وَيُقَال لَهُم أَيْضا الْعَرَب العرباء
وَكَانَ ذُو القرنين تبعا متوجا وَلما ولي الْملك تجبر ثمَّ تواضع لله وَاجْتمعَ بالخضر وَقد غلط من ظن أَن الْإِسْكَنْدَر بن فيلبش هُوَ ذُو القرنين الَّذِي بنى السد فَإِن لَفْظَة ذُو عَرَبِيَّة وَذُو القرنين من ألقاب الْعَرَب مُلُوك الْيمن وَذَاكَ رومي يوناني
قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَكَانَ الْخضر فِي أَيَّام أفريدون الْملك بن الضَّحَّاك فِي قَول عَامَّة أهل الْكتاب الأول وَقبل مُوسَى بن عمرَان ﵇
وَقيل إِنَّه كَانَ على مُقَدّمَة ذِي القرنين الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ على أَيَّام إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇
وَقَالَ آخَرُونَ إِن ذَا القرنين هَذَا هُوَ أفريدون
وَقَالَ عبد الْملك بن هِشَام فِي كتاب التيجان فِي معرفَة مُلُوك الزَّمَان بَعْدَمَا ذكر نسب ذِي القرنين إجتمع بالخضر فِي بَيت الْمُقَدّس وَسَار مَعَه مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وأوتي من كل شَيْء سَببا كَمَا أخبر الله تَعَالَى وَبنى السد على يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَمَات بالعراق
وَأما الْإِسْكَنْدَر فَإِنَّهُ يوناني وَيعرف بالمجدوني وَيُقَال المقدوني
وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن ذِي القرنين مِمَّن كَانَ فَقَالَ من حمير قيل لَهُ فالإسكندر قَالَ كَانَ روميا حكيما بنى على الْبَحْر فِي أفريقية منارا وَأخذ أَرض رومة وأتى بَحر الغرب وَأكْثر من عمل المصانع والمدن
وَسُئِلَ كَعْب الْأَحْبَار عَنهُ فَقَالَ الصَّحِيح عندنَا من أخبارنا وأسلافنا
стр. 11
أَنه من حمير والإسكندر كَانَ رجلا من يونان من ولد عيصو بن اسحاق ابْن إِبْرَاهِيم وَرِجَال الْإِسْكَنْدَر أدركوا الْمَسِيح بن مَرْيَم مِنْهُم جالينوس وأرسطا طاليس
وَقَالَ الرَّازِيّ فِي التَّفْسِير وَمِمَّا يعْتَرض بِهِ على من قَالَ إِن الْإِسْكَنْدَر هُوَ ذُو القرنين أَن معلم الْإِسْكَنْدَر كَانَ أرسطا طاليس بأَمْره يأتمر وبنهيه يَنْتَهِي
واعتقاد أرسطا طاليس مَشْهُور وَذُو القرنين نَبِي فَكيف يَقْتَدِي بِنَبِي بِأَمْر كَافِر فِي هَذَا أشكال
وَقَالَ الجاحظ فِي كتاب الْحَيَوَان أَن ذَا القرنين كَانَت أمه آدمية وَأَبوهُ من الْمَلَائِكَة وَلذَلِك لما سمع عمر بن الْخطاب رجلا يُنَادي رجلا يَا ذَا القرنين قَالَ أفرغتم من أَسمَاء الْأَنْبِيَاء فارتفعتم إِلَى أَسمَاء الْمَلَائِكَة وَكَانَ عَليّ إِذا ذكره قَالَ ذَلِك الْملك الأمرط انْتهى
قلت وَفِي ذِي القرنين أقاويل كَثِيرَة ذكرتها فِي فتح الْبَيَان فِي مَقَاصِد الْقُرْآن تَفْسِير لي فِي أَرْبَعَة مجلدات
وَأما تَارِيخ أغشطش
فَإِنَّهُ لَا يعرف الْيَوْم أحد يَسْتَعْمِلهُ وأغشطش هَذَا هُوَ أول القياصرة وَمعنى قَيْصر بالرومية شقّ عَنهُ فَإِن أغشطش هَذَا لما حملت بِهِ أمه مَاتَت فِي الْمَخَاض فشق بَطنهَا حَتَّى أخرج مِنْهُ فَقبل قَيْصر بِهِ يلقب من بعده من مُلُوك الرّوم وَيَزْعُم النَّصَارَى أَن الْمَسِيح ﵇ ولد لأربعين سنة من ملكه وَفِي هَذَا القَوْل نظر فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْد سِيَاقَة السنين والتواريخ بل يَجِيء تَعْدِيل وِلَادَته ﵇ فِي السّنة السَّابِعَة عشرَة من ملكه
وَأما تَارِيخ الظينس
فَإِن بطليموس صحّح الْكَوَاكِب الثَّابِتَة فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالمجسطي لأوّل ملكه على الرّوم وسنو هَذَا التَّارِيخ رُومِية
стр. 12
ذكر السّنة الشمسية والقمرية
هِيَ عبارَة عَن عود الشَّمْس فِي فلك البروج إِذا تحركت على خلاف حَرَكَة الْكل إِلَى أَي نقطة فرضت إبتداء حركتها وَذَلِكَ أَنَّهَا تستو فِي الْأَزْمِنَة الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ الرّبيع والصيف والخريف والشتاء وتحوز طبائعها الْأَرْبَع وتنتهي إِلَى حَيْثُ بدأت
وَفِي هَذِه الْمدَّة يَسْتَوْفِي فِي الْقَمَر اثْنَتَيْ عشرَة وَأَقل من نصف عودة ويستهل اثْنَتَيْ عشرَة عودة مرّة فَجعلت الْمدَّة الَّتِي فِيهَا عودات الْقَمَر الإثنتا عشرَة فِي فلك البروج سنة للقمر على جِهَة الْإِصْلَاح وَأسْقط الْكسر الَّذِي هُوَ أحد عشر يَوْمًا بالتقريب فَصَارَت السّنة على قسمَيْنِ سنة شمسية وَسنة قمرية لوجميع من على وَجه الأَرْض من الْأُمَم أخذُوا تواريخ سنيهم من مسير الشَّمْس وَالْقَمَر فالآخذون بسير الشَّمْس خمس أُمَم اليونانيون والسريانيون والقبط وَالروم وَالْفرس والآخذون بسير الْقَمَر خمس أُمَم هم الْعَرَب الْيَهُود وَالنَّصَارَى والمسلمون والهند فَأهل قسطنطينية والإسكندرية وَسَائِر الرّوم والسريانيون والكلدانيون وَأهل مصر وَمن يعْمل بِرَأْي المعتضد أخذُوا بِالسنةِ الشمسية الَّتِي هِيَ ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم بالتقريب وصيروا السّنة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وألحقوا الأرباع بهَا فِي كل أَربع سِنِين يَوْمًا حَتَّى أنجبرت السّنة وَسموا تِلْكَ السّنة كبيسة لإنكباس الأرباع فِيهَا
وَأما قبط مصر القدماء فَإِنَّهُم كَانُوا يتركون الأرباع حَتَّى يجْتَمع مِنْهَا أَيَّام سنة تَامَّة وَذَلِكَ فِي كل ألف وَأَرْبَعمِائَة وَسِتِّينَ سنة ثمَّ يكسبونها سنة
стр. 13
وَاحِدَة وينفقون حِينَئِذٍ فِي أول تِلْكَ السّنة مَعَ أهل الْإسْكَنْدَريَّة وقسطنطينية
وَأما الْفرس فَإِنَّهُم جعلُوا السّنة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا من غير كبس حَتَّى اجْتمع لَهُم من ربع الْيَوْم فِي مائَة وَعشْرين سنة أَيَّام شهر تَامّ وَمن خمس السَّاعَة الَّذِي يتبع ربع الْيَوْم عِنْدهم يَوْم وَاحِد فألحقوا الشَّهْر التَّام بهَا فِي كل مائَة وست عشرَة سنة وَاقْتضى أَثَرهم فِي هَذَا أهل خوارزم القدماء والصغد وَمن دَان بدين فَارس
وَكَانَت الْمُلُوك البيشدادية مِنْهُم وهم الَّذين ملكوا الدُّنْيَا بحذافيرها يعْملُونَ السّنة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا كل شهر مِنْهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا سَوَاء وَكَانُوا يكبسون السّنة كل سِتّ سِنِين بِشَهْر ويسمونها كبيسة وكل مائَة وَعشْرين سنة بِشَهْر أَحدهمَا بِسَبَب خَمْسَة الْأَيَّام وَالثَّانِي بِسَبَب ربع الْيَوْم وَكَانُوا يعظمون تِلْكَ السّنة ويسمونها الْمُبَارَكَة
وَأما قدماء القبط وَأهل فَارس فِي الْإِسْلَام وَأهل خوارزم والصغد فتركوا الكسور أَعنِي الرّبع وَمَا يتبعهُ أصلا
وَأما العبرانيون وَجَمِيع بني إِسْرَائِيل والصابئون والحرانيون فَإِنَّهُم أخذُوا السّنة من مسير الشَّمْس وشهورها من مسير الْقَمَر لتَكون أعيادهم وصيامهم على حِسَاب قمري وَتَكون مَعَ ذَلِك حافظة لأوقاتها من السّنة فكبسوا كل تسع عشرَة سنة قمرية بِسِتَّة أشهر وَوَافَقَهُمْ النَّصَارَى فِي صومهم وَبَعض أعيادهم لِأَن مدَار أَمرهم على نسخ الْيَهُود وخالفوهم فِي الشُّهُور إِلَى مَذْهَب الرّوم والسريانيين
وَكَانَت الْعَرَب فِي جهالتها تنظر إِلَى فضل مَا بَين سنتهمْ وَسنة الْقَمَر وَهُوَ عشرَة أَيَّام وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ سَاعَة وَخمْس سَاعَة فيلحقون ذَلِك بهَا شهرا كلما تمّ مِنْهَا مَا يَسْتَوْفِي أَيَّام شهر وَلَكنهُمْ كَانُوا يعْملُونَ على أَنه عشرَة أَيَّام وَعِشْرُونَ سَاعَة وَكَانَ يتَوَلَّى ذَلِك النسأة من بني كنَانَة المعرفون بالقلامس واحدهم قلمس وَهُوَ الْبَحْر الغزير وَهُوَ أَبُو ثُمَامَة جُنَادَة بن عَوْف بن أُميَّة بن قلع وَأول من فعل ذَلِك مِنْهُم حُذَيْفَة بن عبد فقيم وَآخر من فعله أَبُو ثُمَامَة
стр. 14
واخذ الْعَرَب الكبس من الْيَهُود قبل مَجِيء دين الْإِسْلَام بِنَحْوِ مِائَتي سنة وَكَانُوا يكبسون فِي كل أَربع وَعشْرين سنة تِسْعَة أشهر حَتَّى تبقى أشهر السّنة ثَابِتَة مَعَ الْأَزْمِنَة على حَالَة وَاحِدَة لَا تتأخر عَن أَوْقَاتهَا وَلَا وَلَا تتقدم إِلَى أَن حج رَسُول الله ﷺ وَأنزل الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله فيحلوا مَا حرم الله زين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ فَخَطب ﷺ إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كهيأة يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض فَبَطل النسىء وزالت شهور الْعَرَب عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ وَصَارَت أسماؤها غير دَالَّة على مَعَانِيهَا
وَأما أهل الْهِنْد فَإِنَّهُم يستعملون رُؤْيَة الْأَهِلّة فِي شهورهم ويكبسون كل تِسْعمائَة سنة وَسبعين يَوْمًا بِشَهْر قمري ويجعلون ابْتِدَاء تاريخهم اتِّفَاق اجْتِمَاع فِي أول دقيقة من برج مَا وَأكْثر طَلَبهمْ لهَذَا الإجتماع أَن يتَّفق فِي إِحْدَى نقطي الاعتدالين ويسمون السّنة الكبيسة بذمات فَهَذِهِ آراء الخليقة فِي السّنة
ذكر الْأَيَّام
الْيَوْم عبارَة عَن عود الشَّمْس بدوران الْكل إِلَى دَائِرَة قد فرضت وَقد اخْتلف فِيهِ فَجعله الْعَرَب من غرُوب الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا من الْغَد وَمن أجل أَن شهور الْعَرَب مبينَة على مسير الْقَمَر وأوائلها مُقَيّدَة بِرُؤْيَة الْهلَال والهلال يرى لدن غرُوب الشَّمْس صَارَت اللَّيْلَة عِنْدهم قبل النَّهَار
وَعند الْفرس وَالروم الْيَوْم بليلة من طُلُوع الشَّمْس بارزة من أفق الْمشرق إِلَى وَقت طُلُوعهَا من الْغَد فَصَارَ النَّهَار عِنْدهم قبل اللَّيْل وَاحْتَجُّوا على قَوْلهم بِأَن النُّور وجود والظلمة عدم وَالْحَرَكَة تغلب على السّكُون لِأَنَّهَا وجود لَا عدم وَلَا حَيَاة وَلَا موت وَالسَّمَاء أفضل من الأَرْض وَالْعَامِل الشَّاب أصح وَالْمَاء الْجَارِي لَا يقبل عفونة كالراكد وَاحْتج
стр. 15
الْآخرُونَ بِأَن الظلمَة أقدم من النُّور والنور طَار عَلَيْهَا فالإقدام يبْدَأ بِهِ وغلبوا السّكُون على الْحَرَكَة بِإِضَافَة الرَّاحَة والدعة إِلَيْهِ وَقَالُوا الْحَرَكَة إِنَّمَا هِيَ الْحَاجة والضرورة والتعب نتيجة الْحَرَكَة والسكون إِذا دَامَ فِي استقصاآت مُدَّة لم يُولد فَسَادًا فَإِذا دَامَت الْحَرَكَة فِي الإستقصاآت واستحكمت أفسدت وَذَلِكَ كالزلازل والعواصف والأمواج وَشبههَا
وَعند أَصْحَاب التنجيم أَن الْيَوْم بليلة من موافاة الشَّمْس فلك نصف النَّهَار إِلَى موافاتها إِيَّاه فِي الْغَد وَذَلِكَ من وَقت الظّهْر إِلَى وَقت الْعَصْر وبنوا على ذَلِك حِسَاب أزياجهم وَبَعْضهمْ ابْتَدَأَ بِالْيَوْمِ من نصف اللَّيْل وَهُوَ صَاحب زيج شهربار أز انساه وَهَذَا هُوَ حد الْيَوْم على الْإِطْلَاق إِذا اشْترط اللَّيْلَة فِي التَّرْكِيب فَأَما على التَّفْصِيل فاليوم بِانْفِرَادِهِ وَالنَّهَار بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ من طُلُوع جرم الشَّمْس إِلَى غرُوب جرمها وَاللَّيْل خلاف ذَلِك وَعَكسه وحد بَعضهم أول النَّهَار بِطُلُوع الْفجْر وَآخره بغروب الشَّمْس لقَوْله تَعَالَى ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ وَقَالَ هَذَانِ الحدان هما طرفا النَّهَار
وعورض بِأَن الْآيَة إِنَّمَا فِيهَا بَيَان طرفِي الصَّوْم لَا تَعْرِيف أول النَّهَار وَبِأَن الشَّفق من جِهَة الْمغرب نَظِير الْفجْر من جِهَة الْمشرق وهما متساويان فِي الْعلَّة فَلَو كَانَ طُلُوع الْفجْر أول النَّهَار لَكَانَ غرُوب الشَّفق آخِره وَقد الْتزم ذَلِك بعض الشِّيعَة فَنَقُول تَارِيخ القبط يعرف عِنْد نَصَارَى مصر الْآن بتاريخ الشُّهَدَاء ويسميه بَعضهم تَارِيخ دقلطيانوس وَهُوَ أحد مُلُوك الرّوم المعروفه بالقياصرة ملك فِي منتصف سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة من سني الْإِسْكَنْدَر وَكَانَت أَيَّامه شنعة قتل فِيهَا من أَصْنَاف الْأُمَم وَهدم من بيُوت الْعِبَادَات مَا لَا يدْخل تَحت حصر وَكَانَ بَين يَوْم الْجُمُعَة أول يَوْم من تَارِيخ دقلطيانوس وَبَين يَوْم الْخَمِيس أول يَوْم من سنة الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة ثَلَاثمِائَة وثمان وَثَلَاثُونَ سنة قمرية وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَجعلُوا شهور السّنة الْقبْطِيَّة اثْنَي عشر شهرا كل شهر
стр. 16
مِنْهَا عددة ثَلَاثُونَ يَوْمًا سَوَاء فَإِذا تمت الْأَشْهر الإثنا عشر أتبعوها بِخَمْسَة أَيَّام زِيَادَة على عدد أَيَّامهَا وسمو هَذِه الْخَمْسَة أَبُو عمنَا وتعرف الْيَوْم بأيام النسىء فَيكون الْحَال فِي النسىء على ذَلِك وَثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات فَإِذا كَانَ فِي السّنة الرَّابِعَة جعلُوا النسيء ثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات كل سنة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَالرَّابِعَة يصير عَددهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَيرجع حكم سنتهمْ إِلَى حكم سنة اليونانين بِأَن تصير سنتهمْ الْوُسْطَى ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَربع يَوْم إِلَّا أَن الكبس يخْتَلف فَإِذا كَانَ كبس القبط فِي سنة كَانَ كبس اليونانين فِي السّنة الدَّاخِلَة وَأَسْمَاء شهور القبط توت بَابه هتور كيهك طوبه امشير برمهات برموده بشنش بودنة ابيب مسرى فَهَذِهِ اثْنَا عشر شهرا كل شهر مِنْهَا عدده ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَإِذا كَانَت عدَّة شهر مسرى وَهُوَ الشَّهْر الثَّانِي عشر زادوا أَيَّام النسىء بعد ذَلِك وَعمِلُوا النوروز أول يَوْم من شهر توت
ذكر أسابيع الْأَيَّام
أعلم أَن القدماء من الْفرس والصغد وقبط مصر الأول لم يَكُونُوا يستعملون الأسابيع من الْأَيَّام فِي الشُّهُور وَأول من استعملها أهل الْجَانِب الغربي من الأَرْض لَا سِيمَا أهل الشَّام وَمَا حواليه من أجل ظُهُور الْأَنْبِيَاء ﵈ فِيمَا هُنَالك وأخبارهم عَن الْأُسْبُوع الأول وبدء الْعَالم فِيهِ وَأَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام من الْأُسْبُوع الأول وبدء الْعَالم فِيهِ وَأَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام من الْأُسْبُوع ثمَّ انْتَشَر ذَلِك مِنْهُم فِي سَائِر الْأُمَم وَاسْتَعْملهُ الْعَرَب العاربة بِسَبَب تجاور دِيَارهمْ وديار أهل الشَّام فَإِنَّهُم كَانُوا قبل تحولهم إِلَى الْيمن بِبَابِل وَعِنْدهم أَخْبَار نوح ﵇
ثمَّ بعث الله تَعَالَى إِلَيْهِم هودا ثمَّ صَالحا ﵉ وَانْزِلْ فيهم إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن وَابْنه اسماعيل ﵉ فتعرب اسماعيل وَكَانَت القبط الأول تسْتَعْمل أَسمَاء الْأَيَّام الثَّلَاثِينَ من كل شهر فتجعل لكل يَوْم مِنْهَا اسْما كَمَا هُوَ الْعَمَل فِي تَارِيخ الْفرس
стр. 17
ومازالت القبط على هَذَا إِلَى أَن ملك مصر اغشطش بن بوحس فَأَرَادَ أَن يحملهم على كبس السنين ليوافقوا الرّوم أبدا فِيهَا فوجدوا الْبَاقِي حِينَئِذٍ إِلَى تَمام السّنة الكبيسة الْكُبْرَى خمس سِنِين فانتظر حَتَّى مضى من ملكه خمس سِنِين ثمَّ حملهمْ على كبس الشُّهُور فِي كل أَربع سِنِين بِيَوْم كَمَا تفعل الرّوم فَترك القبط من حِينَئِذٍ اسْتِعْمَال أَسمَاء الْأَيَّام الثَّلَاثِينَ لاحتياجهم فِي يَوْم الكبس إِلَى إسم يَخُصُّهُ
وانقرض بعد ذَلِك مستعملوا أَسمَاء الْأَيَّام الثَّلَاثِينَ من أهل مصر والعارفون بهَا وَلم يبْق لَهَا ذكر يعرف فِي الْعَالم بَين النَّاس بل دثرت كَمَا دثر غَيرهَا من أَسمَاء الرسوم الْقَدِيمَة والعادات الأول ﴿سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ وَكَانَت أَسمَاء شهور القبط فِي الزَّمن الْقَدِيم توت بودني أنور سواق طُوبَى ماكير فامينوت برموتي ماجون ياوني افيعي أبقيا وكل شهر مِنْهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلكُل يَوْم اسْم يَخُصُّهُ ثمَّ أحدث بعض رُؤَسَاء القبط بعد استعمالهم الكبس الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ الْيَوْم متداولة بَين النَّاس بِمصْر إِلَّا أَن من النَّاس من يُسمى كيهك كياك وَيَقُول فِي برهمات برمهوت وَفِي بشنس بشاش وَفِي مسرى ماسوري وَمن النَّاس من يُسَمِّي الْخَمْسَة الْأَيَّام الزَّائِدَة أَيَّام النسىء وَمِنْهُم من يسميها أَبُو عمنَا وَمعنى ذَلِك الشَّهْر الصَّغِير وَهِي كَمَا تقدم تلْحق فِي آخر مسرى وَفِيه يزْدَاد الْيَوْم الكبيس فَيكون سِتَّة أَيَّام حِينَئِذٍ ويسمون السّنة الكبيسة النقط وَمَعْنَاهُ الْعَلامَة من خرافات القبط أَن شهورهم هِيَ شهور سني نوح وشيث وآدَم مُنْذُ ابْتِدَاء الْعَالم وَإِنَّهَا لم تزل على ذَلِك إِلَى أَن خرج مُوسَى ببني اسرائيل من مصر فعملوا أول سنتهمْ خَامِس عشر نيسان كَمَا أمروا بِهِ فِي التَّوْرَاة إِلَى أَن نقل الْإِسْكَنْدَر رَأس سنتهمْ إِلَى أول تشرين
وَكَذَلِكَ المصريون نقل بعض مُلُوكهمْ أول سنتهمْ إِلَى أول يَوْم من ملكه فَصَارَ أول توت عِنْدهم يتَقَدَّم أول يَوْم خلق فِيهِ الْعَالم بمائتين وَثَمَانِية أَيَّام أَولهَا يَوْم الثُّلَاثَاء وَآخِرهَا يَوْم السبت
стр. 18
وَكَانَ توت أَوله فِي ذَلِك الْوَقْت يَوْم الْأَحَد وَهُوَ أول يَوْم خلق الله فِيهِ الْعَالم الَّذِي يُقَال لَهُ الْآن تَاسِع عشري برمهات وَذَلِكَ أَن أول من ملك على الأَرْض بعد الطوفان نمْرُود بن كنعان بن حَازِم بن نوح فعمر بابل وَهُوَ أَبُو الكلدانيين وَملك بَنو مصر أيم بن حام بن نوح ﵇ متش فَبنى منف بِمصْر على النّيل وسماها باسم جده مصر أيم وَهُوَ ثَانِي ملك ملك على الأَرْض وَهَذَانِ الْملكَانِ استعملا تَارِيخ جدهما نوح ﵇ واستن بسنتهم من جَاءَ بعدهمْ حَتَّى تَغَيَّرت كَمَا تقدم
قَالَ المقريزي فِي الخطط فِي ذكر تَحْويل السّنة الخراجية الْقبْطِيَّة إِلَى السّنة الْهِلَالِيَّة الْعَرَبيَّة إِنِّي قد استخرجت حِسَاب السنين الشمسية والسنين القمرية من الْقُرْآن الْكَرِيم بَعْدَمَا عرضته على أَصْحَاب التَّفْسِير فَذكرُوا أَنه لم يَأْتِ فِيهِ شَيْء من الْأَثر فَكَانَ ذَلِك أوكد فِي لطف استخراجي وَهُوَ أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي سُورَة الْكَهْف ﴿وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادوا تسعا﴾ فَلم أجد أحدا من الْمُفَسّرين عرف معنى قَوْله ﴿وازدادوا تسعا﴾ وَإِنَّمَا خَاطب الله نبيه ﷺ بِكَلَام الْعَرَب وَمَا تعرفه من الْحساب فَمَعْنَى هَذَا التسع أَن الثلاثمائة كَانَت شمسية بِحِسَاب الْعَجم وَمن كَانَ لَا يعرف السنين القمرية فَإِذا أضيف إِلَى الثلاثمائة القمرية زِيَادَة التسع كَانَت سِنِين شمسية صَحِيحَة
تَارِيخ الْعَرَب
فَإِنَّهُ لم يزل فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام يعْمل بشهور الْأَهِلّة وعدة شهور السّنة عِنْدهم اثْنَا عشر شهرا إِلَّا أَنهم اخْتلفُوا فِي أسمائها فَكَانَت الْعَرَب العاربة تسميها ناتق ونقيل وطليق وأسخ وأنخ وحلك وكسح وزاهر ونوط وحرف ويغش فناتق هُوَ الْمحرم ونقيل هُوَ صفر وَهَكَذَا مَا بعده على سرد الشُّهُور وَكَانَت ثَمُود تسميها مُوجب وموجر ومورد
стр. 19
وملزم ومصدر وهوبر وهوبل وموها وودمير ودابر وحيقل ومسيل فموجب هُوَ الْمحرم وموجر صفر إِلَّا أَنهم كَانُوا يبدأون بالشهور من ديمر وَهُوَ شهر رَمَضَان فَيكون أول شهور السّنة عِنْدهم
ثمَّ كَانَت الْعَرَب تسميها بأسماء أُخْرَى وهى موتمر وناجر وخوان وصوان وحنم وزبا والأصم وعادل ووبابق وواغل وهواع وبرك
وَمعنى المؤتمر أَنه يأتمر بِكُل شَيْء مِمَّا تَأتي بِهِ السّنة من أقضيتها
وناجر من النجر وَهُوَ شدَّة الْحر
وخوان فعال من الْخِيَانَة
وصوان بِكَسْر الصَّاد وَضمّهَا فعال من الصيانة
والزبا الداهية الْعَظِيمَة المتكاثفة سمي بذلك لِكَثْرَة الْقِتَال فِيهِ وَمِنْهُم من يَقُول بعد صوان الزبا وَبعد الزبا بائدة وَبعد بائدة الْأَصَم ثمَّ واغل وباطل وعادل وَرَنَّة وبرك فالبائد من الْقِتَال إِذْ كَانَ فِيهِ يبيد كثير من النَّاس وَجرى الْمثل فَقيل الْعجب كل الْعجب بَين جُمَادَى وَرَجَب وَكَانُوا يستعجلون فِيهِ ويتوخون بُلُوغ النَّار والغارات قبل رَجَب فَإِنَّهُ شهر الْحَرَام وَيَقُولُونَ لَهُ الْأَصَم لأَنهم كَانُوا يكفون فِيهِ عَن الْقِتَال فَلَا يسمع فِيهِ صَوت سلَاح
والواغل الدَّاخِل على شرب وَلم يَدعُوهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يهجم على شهر رَمَضَان وَكَانَ يكثر فِي شهر رَمَضَان شربهم الْخمر لِأَن الَّذِي يتلوه هِيَ شهور الْحَج
وباطل هُوَ مكيال الْخمر سمي بِهِ لإفراطهم فِيهِ فِي الشّرْب وَكَثْرَة استعمالهم لذَلِك الْمِكْيَال
وَأما الْعَادِل فَهُوَ من الْعدْل لِأَنَّهُ من أشهر الْحَج وَكَانُوا يشتغلون فِيهِ عَن الْبَاطِل
стр. 20
وَأما الزبا فَلِأَن الْأَنْعَام كَانَت تزب فِيهِ لقرب النَّحْر
وَأما برك فَهُوَ لبروك الْإِبِل إِذا حضرت المنحر
وَقد رُوِيَ أَنهم كَانُوا يسمون الْمحرم مؤتمر وصفر ناجر وربيع الأول نصار وربيع الآخر خوان وجمادى الأول حمتن وجمادي الْأُخْرَى الرنة وَرَجَب الْأَصَم وَهُوَ شهر مُضر وَكَانَت الْعَرَب تصومه فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَت تمتاز فِيهِ وتمير أَهلهَا وَكَانَ يَأْمَن بغضهم بغضا فِيهِ وَيخرجُونَ إِلَى الْأَسْفَار وَلَا يخَافُونَ وَشَعْبَان عَادل ورمضان ناتق وشوال واغل وَذُو الْقعدَة هواع وَذُو الْحجَّة برك وَيُقَال فِيهِ أَيْضا أبروك وَكَانُوا يسمونه الْمَأْمُون
ثمَّ سمت الْعَرَب أشهرها بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى الْآخِرَة وَرَجَب وَشَعْبَان ورمضان وشوال وَذي الْقعدَة وَذي الْحجَّة واشتقوا أسماءها من أُمُور اتّفق وُقُوعهَا عِنْد تَسْمِيَتهَا فالمحرم كَانُوا يحرمُونَ فِيهِ الْقِتَال وصفر كَانَت تصفر فِيهِ بُيُوتهم لخروجهم إِلَى الْغَزْو وشهرا ربيع كأنا زمن الرّبيع وشهرا جُمَادَى كَانَا يجمد فيهمَا المَاء لشدَّة الْبرد وَرَجَب الْوسط وَشَعْبَان يشعب فِيهِ الْقِتَال ورمضان من الرمضاء لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي فِيهِ القيظ وشوال تشيل فِيهِ الْإِبِل أذنابها وَذُو الْقعدَة لقعودهم فِي دُورهمْ وَذُو الْحجَّة لِأَنَّهُ شهر الْحَج وَأَنت إِذا تَأَمَّلت اشتقاق أَسمَاء شهور الْجَاهِلِيَّة أَولا ثمَّ اشتقاقها ثَانِيًا تبين ذَلِك أَن بَين التسميتين زَمَانا طَويلا فَإِن صفر فِي أَحدهمَا هُوَ صميم الحروب وَفِي الآخر رَمَضَان وَلَا يُمكن ذَلِك فِي وَقت وَاحِد أَو وَقْتَيْنِ متقاربين
وَكَانَت الْعَرَب أَولا تسْتَعْمل هَذِه الشُّهُور على نَحْو مَا يَسْتَعْمِلهُ أهل الْإِسْلَام إِمَّا بطرِيق آلهي أَو لِأَن الْعَرَب لم يكن لَهَا دراية بمراعاة حِسَاب الحركات النيرين فاحتاجت إِلَى اسْتِعْمَال مبادئ الشُّهُور لرؤية الْأَهِلّة وَجعلت زمَان الشَّهْر بِحَسب مَا يَقع بَين كل هلالين فَرُبمَا كَانَ بعض الشُّهُور تَاما أَعنِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَرُبمَا كَانَ نَاقِصا أَعنِي تِسْعَة
стр. 21
وَعشْرين يَوْمًا وَرُبمَا كَانَت أشهرا مُتَوَالِيَة تَامَّة أَكْثَرهَا أَرْبَعَة وَهَذَا نَادِر وَرُبمَا كَانَت أشهرا مُتَوَالِيَة نَاقِصَة أَكْثَرهَا ثَلَاثَة وَكَانَ يَقع حج الْعَرَب فِي أزمنة السّنة كلهَا وَهُوَ أبدا عَاشر ذِي الْحجَّة من عهد إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉
فَإِذا انْقَضى موسم الْحَج تَفَرَّقت العر. ب طالبة أماكنها وَأقَام أهل مَكَّة بهَا فَلم يزَالُوا على ذَلِك دهرا طَويلا إِلَى أَن غيروا دين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل فأحبوا أَن يتوسعوا فِي معيشتهم ويجعلوا حجهم فِي وَقت إِدْرَاك شغلهمْ من الْأدم والجلود وَالثِّمَار وَنَحْوهَا وَأَن يثبت ذَلِك على حَالَة وَاحِدَة فِي أطيب الْأَزْمِنَة وأخصبها فتعلموا كبس الشُّهُور من الْيَهُود الَّذين نزلُوا يثرب من عهد شمويل نَبِي بني إِسْرَائِيل وَعَلمُوا النسئ قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ مِائَتي سنة وَكَانَ الَّذِي يَلِي النسئ يُقَال لَهُ القلمس يَعْنِي الشريف
وَقد اخْتلف فِي أول من أنسأ الشُّهُور مِنْهُم فَقيل القلمس هُوَ عدي بن زيد وَقيل القلمس هُوَ سَرِير بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث بن مَالك بن كنَانَة وَأَنه قَالَ أرى شهور الْأَهِلّة ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا وَأرى شهور الْعَجم ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا فبيننا وَبينهمْ أحد عشر يَوْمًا فَفِي كل ثَلَاث سِنِين ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَفِي كل ثَلَاث سِنِين شهر وَكَانَ إِذا جَاءَت ثَلَاث سِنِين قدم الْحَج فِي ذِي الْقعدَة فَإِذا جَاءَت ثَلَاث سِنِين أخر فِي الْمحرم
وَكَانَت الْعَرَب إِذا حجت قلدت الْإِبِل النَّعْل وألبستها الْجلَال وأشعرتها فَلَا يتَعَرَّض لَهَا أحد إِلَّا خثعم
وَكَانَ النسئ فِي بني كنَانَة ثمَّ فِي بني ثَعْلَبَة بن مَالك بن كنَانَة
وَكَانَ الَّذِي يَلِي ذَلِك مِنْهُم أَبُو ثُمَامَة الْمَالِكِي ثمَّ من بني فقيم وَبَنُو فقيم هم النسأة وَهُوَ منسئ الشُّهُور وَكَانَ يقوم على بَاب الْكَعْبَة فَيَقُول إِن آلِهَتكُم الْعُزَّى قد أنسأت صفر الأول وَكَانَ يحله عَاما ويحرمه عَاما وَكَانَ أتباعهم على ذَلِك غطفان وهوازن وسليم وَتَمِيم وَآخر النسأة
стр. 22
جُنَادَة بن عَوْف بن أُميَّة بن قلع بن عباد بن حُذَيْفَة بن عبد بن فقيم وَقيل القلمس هُوَ حُذَيْفَة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عَامر بن ثَعْلَبَة ابْن الْحَارِث بن مَالك بن كنَانَة ثمَّ توارث ذَلِك مِنْهُ بنوه من بعده حَتَّى كَانَ آخِرهم الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَام أَبُو ثُمَامَة جُنَادَة
وَكَانَت الْعَرَب إِذا فرغت من حَجهَا اجْتمعت إِلَيْهِ فأحل لَهُم من الشُّهُور وَحرم فأحلوا مَا أحل وحرموا مَا حرم وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينسئ مِنْهَا شَيْئا أحل الْمحرم فأحلوه وَحرم مَكَانَهُ صفرا فحرموه ليواطئوا عدَّة الْأَرْبَعَة فَإِذا أَرَادوا الْهَدْي اجْتَمعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أجَاب وَلَا أعاب فِي أَمْرِي وَالْأَمر لما قضيت اللَّهُمَّ إِنِّي قد أحللت دِمَاء المحلين من طَيء وخثعم فاقتلوهم حَيْثُ ثقفتموهم أَي ظفرتم بهم اللَّهُمَّ إِنِّي قد أحللت أحد الصفرين الصفر الأول وأنسأت الآخر من الْعَام الْمقبل وَإِنَّمَا أحل دم طَيء وخثعم لأَنهم كَانُوا يعدون على النَّاس فِي الشَّهْر الْحَرَام من بَين جَمِيع الْعَرَب وَقيل أول من أنسأ سَرِير بن ثَعْلَبَة وانقرض فأنسأ من بعده ابْن أَخِيه القلمس واسْمه عدي بن عَامر بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث ابْن كنَانَة ثمَّ صَار النسيء فِي وَلَده وَكَانَ آخِرهم أَبُو ثُمَامَة جُنَادَة وَقيل عَوْف بن أُميَّة بن قلع عَن أَبِيه أُميَّة بن قلع عَن جده قلع بن عباد عَن جد أَبِيه عباد بن حُذَيْفَة عَن جد جده حُذَيْفَة بن عبد بن فقيم وَكَانَ يُقَال لِحُذَيْفَة القلمس وَهُوَ أول من أنسأ الشُّهُور على الْعَرَب فأحل مِنْهَا مَا أحل وَحرم مَا حرم ثمَّ كَانَ بعد عَوْف الْمَذْكُور وَلَده أَبُو ثُمَامَة جُنَادَة بن عَوْف وَعَلِيهِ قَامَ الْإِسْلَام وَكَانَ أبعدهم ذكرا وأطولهم أمدا يُقَال أَنه أنسأ أَرْبَعِينَ سنة وَلَهُم يَقُول عُمَيْر بن قيس جذل الطعان يفتخر
(وَأي النَّاس لم يسْبق بِوتْر ... وَأي النَّاس لم يعلك لجاما)
(أَلسنا الناسئين على معد ... شهور الْحل نَجْعَلهَا حَرَامًا)
وَقَالَ آخر
(أتزعم أَنِّي من فقيم بن مَالك ... لعمري لقد غيرت مَا كنت أعلم)
стр. 23
(لَهُم ناسئ يَمْشُونَ تَحت لوائه ... يحل إِذا شَاءَ الشُّهُور وَيحرم)
وَقيل كَانَت الْعَرَب تكبس فِي كل أَربع وَعشْرين سنة قمرية بِتِسْعَة أشهر فَكَانَت شهورهم ثَابِتَة مَعَ الْأَزْمِنَة جَارِيَة على سنَن وَاحِد لَا تتأخر عَن أَوْقَاتهَا وَلَا تتقدم وَكَانَ النسيء الأول للْمحرمِ فَسُمي صفر باسمه وَشهر ربيع الأول باسم صفر
ثمَّ والوا بَين أَسمَاء الشُّهُور فَكَانَ النسيء الثَّانِي بصفر فَسُمي الَّذِي كَانَ يتلوه بصفر أَيْضا وَكَذَلِكَ حَتَّى دَار النسيء فِي الشُّهُور الاثْنَي عشر وَعَاد إِلَى الْمحرم فَأَعَادُوا فعلهم الأول وَكَانُوا يعدون أدوار النسيء ويحدون بهَا الْأَزْمِنَة فَيَقُولُونَ قد دارت السنون من لدن زمَان كَذَا إِلَى زمَان كَذَا وَكَذَا دورة فَإِن ظهر لَهُم مَعَ ذَلِك تقدم شهر عَن فصل من الْفُصُول الْأَرْبَعَة لما يجْتَمع من كسور سنة الشَّمْس بَقِيَّة فضل مَا بَينهَا وَبَين سنة الْقَمَر الَّذِي ألحقوه بهَا كبسوها كبسا ثَانِيًا
وَكَانَ يظْهر لَهُم ذَلِك بِطُلُوع منَازِل الْقَمَر وسقوطها حَتَّى هَاجر النَّبِي ﷺ وَكَانَت نوبَة النسئ بلغت شعْبَان فَسُمي محرما وَشهر رَمَضَان صفر
وَقيل إِن الناسئ الأول نسأ الْمحرم وَجعله كبسا وَأخر الْمحرم إِلَى صفر وصفر إِلَى ربيع الأول وَكَذَا بَقِيَّة الشُّهُور فَوَقع لَهُم فِي تِلْكَ السّنة عَاشر الْمحرم وَجعل تِلْكَ السّنة ثَلَاثَة عشر شهرا وَنقل الْحَج بعد كل ثَلَاث سِنِين شهرا فَمضى على ذَلِك مِائَتَان وَعشر سِنِين وَكَانَ انقضاؤها سنة حجَّة الْوَدَاع وَكَانَ وُقُوع الْحَج فِي السّنة التَّاسِعَة من الْهِجْرَة عَاشر ذِي الْقعدَة وَهِي السّنة الَّتِي حج فِيهَا أَبُو بكر الصّديق ﵁ بالناسئ ثمَّ حج رَسُول الله ﷺ فِي السّنة الْعَاشِرَة حجَّة الْوَدَاع لوُقُوع الْحَج فِيهَا عَاشر ذِي الْحجَّة كَمَا كَانَ فِي عهد إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَلذَلِك قَالَ ﷺ فِي حجَّته هَذِه إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيئَةِ يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض يَعْنِي رُجُوع الْحَج والشهور إِلَى الْوَضع وَأنزل الله تَعَالَى إبِْطَال النسيء بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا﴾
стр. 24
يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله فيحلوا مَا حرم الله زين لَهُم سوء أَعْمَالهم) فَبَطل مَا أحدثته الْجَاهِلِيَّة من النسىء وَاسْتمرّ وُقُوع الْحَج وَالصَّوْم بِرُؤْيَة الْأَهِلّة وَللَّه الْحَمد
(ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام)
وَكَانَت الْعَرَب لَهَا تواريخ مَعْرُوفَة عِنْدهَا قد بادت فَمَا كَانَت تؤرخ بِهِ أَن كنَانَة أرخت من موت كَعْب بن لؤَي حَتَّى كَانَ عَام الْفِيل فأرخوا بِهِ وَهُوَ عَام مولد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ بَين كَعْب بن لؤَي والفيل خَمْسمِائَة وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ بَين الْفِيل وَبَين الْفجار أَرْبَعُونَ سنة ثمَّ عدوا من الْفجار إِلَى وَفَاة هِشَام بن الْمُغيرَة فَكَانَ سِتّ سِنِين ثمَّ عدوا من وَفَاة هِشَام بن الْمُغيرَة إِلَى بُنيان الْكَعْبَة فَكَانَ تسع سِنِين ثمَّ كَانَ بَين بنائها وَبَين هِجْرَة رَسُول الله ﷺ خمس عشر سنة ثمَّ وَقع
стр. 25
التَّارِيخ من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة
فَعَن سعيد بن الْمسيب قَالَ جمع عمر بن الْخطاب ﵁ النَّاس فَسَأَلَهُمْ من أَي يَوْم يكْتب التَّارِيخ فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب من يَوْم هَاجر رَسُول الله ﷺ وَترك أَرض الشّرك فَفعله عمر وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ قَالَ أَخطَأ النَّاس فِي الْعدَد مَا عدوا من مبعثه وَلَا من وَفَاته إِنَّمَا عدوا من مقدمه الْمَدِينَة
وَعَن عمر ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ التَّارِيخ من السّنة الَّتِي قدم فِيهَا رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وَقَالَ قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد كَانَ عِنْد عمر بن الْخطاب عَامل جَاءَ من الْيمن فَقَالَ لعمر أما تؤرخون تكتبون فِي سنة كَذَا وَكَذَا من شهر كَذَا وَكَذَا فَأَرَادَ عمر وَالنَّاس أَن بكتبوا من مبعث رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالُوا من عِنْد وَفَاته ثمَّ أَرَادوا أَن يكون ذَلِك من الْهِجْرَة ثمَّ قَالُوا من أَي شهر أَرَادوا أَن يكون من رَمَضَان ثمَّ بدا لَهُم فَقَالُوا من الْمحرم
وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان رفع إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب صك مَحَله شعْبَان فَقَالَ أَي شعْبَان هُوَ أشعبان الَّذِي نَحن فِيهِ أَو الْآتِي ثمَّ جمع وُجُوه الصَّحَابَة فَقَالَ إِن الْأَمْوَال قد كثرت وَمَا قسمنا مِنْهَا غير موقت فَكيف التَّوَصُّل إِلَى مَا يضْبط بِهِ ذَلِك فَقَالُوا يجب أَن يعرف ذَلِك من رسوم الْفرس فَعندهَا استحضر عمر الهرمزان وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ إِن لنا حسابا نُسَمِّيه ماه روز مَعْنَاهُ حِسَاب الشُّهُور وَالْأَيَّام فعربوا الْكَلِمَة وَقَالُوا مؤرخ ثمَّ جَعَلُوهُ اسْم التَّارِيخ واستعملوه ثمَّ طلبُوا وقتا يجعلونه أَولا لتاريخ دولة الْإِسْلَام فاتفقوا على أَن يكون المبدأ من سنة الْهِجْرَة وَكَانَت الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة من مَكَّة إِلَى
стр. 26
الْمَدِينَة وَقد تصرم من شهور السّنة وأيامها الْمحرم وصفر وَأَيَّام من ربيع الأول فَلَمَّا عزموا على تأسيس الْهِجْرَة رجعُوا الْقَهْقَرِي ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَجعلُوا التَّارِيخ من أول محرم هَذِه السّنة ثمَّ أحصوا من أول يَوْم فِي الْمحرم إِلَى آخر عمر رَسُول الله ﷺ فَكَانَ عشر سِنِين وشهرين وَأما إِذا حسب عمره الْمُقَدّس من الْهِجْرَة حَقِيقَة فَيكون قد عَاشَ ﷺ بعْدهَا تسع سِنِين وَأحد عشر شهرا واثنين وَعشْرين يَوْمًا وَكَانَ بَين مولده ﷺ وَبَين مولد الْمَسِيح ﵇ خمس مائَة وثمان وَسَبْعُونَ سنة تنقص شَهْرَيْن وَثَمَانِية أَيَّام
ابْتِدَاء تَارِيخ الْهِجْرَة
يَوْم الْخَمِيس أول شهر الله الْمحرم وَبَينه وَبَين الطوفان ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وَخمْس وَثَلَاثُونَ سنة وَعشرَة أشهر وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَبَينه وَبَين تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر المقدوني الرُّومِي بن فيلبس تِسْعمائَة وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سنة قمرية وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا تكون من السنين الشمسية تِسْعمائَة وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة ومائتان وَتِسْعَة وَثَمَانُونَ يَوْمًا مِنْهَا تِسْعَة أشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا وَبَينه وَبَين تَارِيخ القبط ثَلَاثمِائَة وَسبع وَثَلَاثُونَ سنة وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ يَوْمًا
وَقَالَ ابْن مَا شَاءَ الله إِن انْتِقَال الْمَمَر من الثَّلَاثَة الهوائية الَّتِي هِيَ برج الجوزاء دولتها إِلَى برج السرطان ومثلثة المائية الَّتِي كَانَت دولة الْإِسْلَام فِيهَا عِنْد تَمام سنة آلَاف وثلاثمائة وَخمْس وَأَرْبَعين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا من وَقت الْقرَان الأول الْوَاقِع فِي بَدْء التحرك يَعْنِي خلق آدم ﵇ وغن الْقُرْآن من هَذِه الْمُثَلَّثَة وَقع فِي أَربع درج ودقيقة وَاحِدَة من برج الْعَقْرَب وَهُوَ قرَان الْملَّة الإسلامية
قَالَ وَفِي السّنة الثَّانِيَة من هَذَا الْقُرْآن ولد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ بَين دُخُول الشَّمْس برج الْحمل فِي هَذِه السّنة وَبَين أول يَوْم من سنة الْهِجْرَة سنُون فارسية عدتهَا إِحْدَى وَخَمْسُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وست عشرَة سَاعَة فَكَانَ من وَقت الطوفان إِلَى وَقت قرَان الْملَّة
стр. 27
ثَلَاثَة الآف وَتِسْعمِائَة واثنتا عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا
وَزَعَمت الْيَهُود أَن من آدم ﵇ إِلَى سنة الْهِجْرَة أَرْبَعَة آلَاف واثنتين وَأَرْبَعين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَزَعَمت النَّصَارَى أَن بَينهمَا خَمْسَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَتِسْعين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَزَعَمت الْمَجُوس أَعنِي الْفرس أَن بَينهمَا أَرْبَعَة آلَاف وَمِائَة واثنتين وَثَمَانِينَ سنة وَعشرَة أشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا
وَقد عرفت أَن شهور تَارِيخ الْهِجْرَة القمرية وَأَيَّام كل سنة مِنْهَا عدتهَا ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَسدس يَوْم وَجَمِيع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَبْنِيَّة على رُؤْيَة الْهلَال عِنْد جَمِيع فرق الْإِسْلَام مَا عدا الشِّيعَة فَإِن الْأَحْكَام مَبْنِيَّة عِنْدهم على عمل شهور السّنة بِالْحِسَابِ على مَا ذكر المقريزي فِي ذكر الْقَاهِرَة وخلفائها
ثمَّ لما احْتَاجَ منجمو الْإِسْلَام إِلَى اسْتِخْرَاج مَا لابد مِنْهُ من معرفَة الاهلة وسمت الْقبْلَة وَغير ذَلِك بنوا أزياجهم على التَّارِيخ الْعَرَبِيّ وَجعلُوا شهور السّنة الْعَرَبيَّة شهرا كَامِلا وشهرا نَاقِصا وابتدأوا بالمحرم اقْتِدَاء بالصحابة ﵃ فَجعلُوا الْمحرم ثَلَاثِينَ يَوْمًا وصفر تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وربيع الأول ثَلَاثِينَ يَوْمًا وربيع الآخر تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وجمادي الأولى وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وجمادى الْآخِرَة تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَرَجَب وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَشَعْبَان تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا ورمضان ثَلَاثِينَ يَوْمًا وشوال تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَذَا الْقعدَة ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَذَا الْحجَّة تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَزَادُوا من أجل كسر الْيَوْم الَّذِي هُوَ خمس وَسدس يَوْمًا فِي ذِي الْحجَّة إِذا صَار هَذَا الْكسر أَكثر من نصف يَوْم فَيكون شهر ذِي الْحجَّة فِي تِلْكَ السّنة ثَلَاثِينَ يَوْمًا ويسمون تِلْكَ السّنة كبيسة وَيصير عَددهَا ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَخمسين يَوْمًا ويجتمع فِي كل ثَلَاثِينَ من الكبس أحد عشر يَوْمًا وَالله أعلم وَسَيَأْتِي الْكَلَام على تَارِيخ الْهِجْرَة أوسع من هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 28
تَارِيخ الْفرس
وَيعرف أَيْضا بتاريخ يزدجر فَإِنَّهُ من ابْتِدَاء تملك يزدجر بن شهريار بن كسْرَى ابرويز أرخ بِهِ الْفرس من أحل أَن يزدجر قَامَ فِي المملكة بَعْدَمَا تبدد ملك فَارس وَاسْتولى عَلَيْهَا النِّسَاء والمتغلبون وَهُوَ أَيْضا آخر مُلُوك فَارس وبقتله تمزق ملكهم وَأول هَذَا التَّارِيخ يَوْم الثُّلَاثَاء وَبَينه وَبَين تَارِيخ الْهِجْرَة تسع سِنِين وثلاثمائة وَثَمَانِية وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَأَيَّام سنة هَذَا التَّارِيخ تنقص عَن السّنة الشمسية ربع يَوْم فَيكون فِي كل مائَة وَعشْرين سنة شهر وَاحِد وَلَهُم فِي كبس السّنة آراء لَيْسَ هَذَا مَوضِع إيرادها وعَلى هَذَا التَّارِيخ يعْتَمد فِي زَمَاننَا أهل الْعرَاق وبلاد الْعَجم وَهَذِه أَسمَاء شهورهم فروردين ماردي بهشت خرداد تير شهريور مهرابان آذر دي بهمن اسفندار جعلُوا كل شهر مِنْهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَزَادُوا خَمْسَة أَيَّام فِي آخر اسفندار وسموها خَمْسَة مسترقة وَلَهُم لكل يَوْم من أَيَّام هَذَا الشَّهْر اسْم مَعْلُوم
تَارِيخ الْهِنْد
وَيُقَال لَهُ فِي لسانهم سنبت واساكا فَهَذِهِ أَسمَاء شهورهم جيت بيساكهه جيهه اساره ساون بهادون كوار كَأَنَّك اكهن بوس مماكهه بهاكن وينسب هَذَا التَّارِيخ إِلَى بكر ماجيت وَهُوَ كَبِيرهمْ من بَين مُلُوك الْهِنْد ومداره على السنين شمسية كَفعل غَيرهم من الْعَجم
تَارِيخ البرطانية
وهم النَّصَارَى مُلُوك الْهِنْد الْيَوْم فَهُوَ على سني الرّوم كَمَا تقدم وَهَذِه أَسمَاء شهورهم الإثنى عشر على لغتهم جنيوري فبروري مارج ابريل ماي جون جولاي اكست سبتمر اكتوبر نوفمبر ديسمبر فالأربعة الْأَشْهر
стр. 29
مِنْهَا وَهِي ابريل وجون وسبتمبر ونوفمبر ثَلَاثُونَ يَوْمًا والسبعة شهور الْبَاقِيَة مَا خلا فبروري إِحْدَى وَثَلَاثُونَ يَوْمًا أما فبروري فَهُوَ ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا ويجعلونه فِي السّنة الرَّابِعَة تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا ويسمونها الكبيسة ومبدأ هَذَا التَّارِيخ من ولادَة الْمَسِيح بن مَرْيَم ﵉ وَالله أعلم وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور
стр. 30
ذكر ابْتِدَاء الدول والأمم
وَالْكَلَام على الْمَلَاحِم والكشف عَن مُسَمّى الجفر
أعلم أَن من خَواص النُّفُوس البشرية التشوف إِلَى عواقب أُمُوره وَعلم مَا يحدث لَهُم من حَيَاة وَمَوْت وَخير وَشر سِيمَا الْحَوَادِث الْعَامَّة كمعرفة مَا بَقِي من الدُّنْيَا وَمَعْرِفَة مدد الدول أَو تفاوتها والتطلع إِلَى هَذَا طبيعة الْبشر مجبولة عَلَيْهِ وَلذَلِك نجد الْكثير من النَّاس يتشوفون إِلَى الْوُقُوف على ذَلِك فِي الْمَنَام وَالْأَخْبَار من الْكُهَّان لمن قصدهم بِمثل ذَلِك من الْمُلُوك والسوقة مَعْرُوفَة
وَلَقَد نجد فِي المدن صنفا من النَّاس ينتحلون المعاش من ذَلِك لعلمهم بحرص النَّاس عَلَيْهِ فيقفون لَهُم فِي الطرقات والدكاكين يتعرضون لنم يسألهم عَنهُ فتغدو عَلَيْهِم وَتَروح نسوان الْمَدِينَة وصبيانها وَكثير من ضعفاء الْعُقُول يستكشفون عواقب أَمرهم فِي الْكسْب والجاه والمعاش والمعاشرة والعداوة
وأمثال ذَلِك مَا بَين خطّ فِي الرمل ويسمونه المنجم وطرق الْحَصَى والحبوب ويسمونه الحاسب ونظرا فِي المرايا والمياه ويسمونه ضَارب المندل وَهُوَ من الْمُنْكَرَات الفاشية فِي الْأَمْصَار لما تقرر فِي الشَّرِيعَة من ذمّ ذَلِك وَأَن الْبشر محجوبون عَن الْغَيْب إِلَّا من أطلعه الله عَلَيْهِ من عِنْده فِي نوم أَو ولَايَة
وَأكْثر مَا بعتني بذلك ويتطلع إِلَيْهِ الْأُمَرَاء والملوك فِي آماد دولهم وَلذَلِك انصرفت الْعِنَايَة من أهل الْعلم إِلَيْهِ وكل أمة من الْأُمَم يُوجد
стр. 31
لَهُم كَلَام من كَاهِن أَو منجم أَو ولي فِي مثل ذَلِك من ملك يرتقبونه أَو دولة يحدثُونَ أنفسهم بهَا وَمَا يحدث لَهُم من الْحَرْب والملاحم وَمُدَّة بَقَاء الدولة وَعدد الْمُلُوك فِيهَا والتعرض لأسمائهم وَيُسمى مثل ذَلِك الْحدثَان
وَكَانَ فِي الْعَرَب الْكُهَّان والعرافون يرجعُونَ إِلَيْهِم فِي ذَلِك وَقد اخبروا بِمَا سَيكون للْعَرَب من الْملك والدولة كَمَا وَقع لشق فِي تَأْوِيل رُؤْيا ربيعَة ابْن نصر من مُلُوك الْيمن اخبرهم بِملك الْحَبَشَة بِلَادهمْ ثمَّ رُجُوعهَا إِلَيْهِم ثمَّ ظُهُور الْملك والدولة للْعَرَب من بعد ذَلِك وَكَذَا تَأْوِيل سطيح لرؤيا الموبذان حِين بعث إِلَيْهِ كسْرَى بهَا مَعَ عبد الْمَسِيح وَأخْبرهمْ بِظُهُور دولة الْعَرَب وَكَذَا كَانَ فِي جيل البربر كهان من أشهرهم مُوسَى بن صَالح من بني يقرن وَيُقَال من غمرة وَله كَلِمَات حدثانية على طَريقَة الشّعْر برطانتهم وفيهَا حدثان كثير ومعظمه فِيمَا يكون لزناتة من الْملك والدولة بالمغرب وَهِي متداولة بَين أهل الجيل وهم يَزْعمُونَ تَارَة انه ولي وَتارَة أَنه كَاهِن
وَقد يزْعم بعض مزاعمهم أَنه كَانَ نَبيا لِأَن عِنْدهم قبل الْهِجْرَة بِكَثِير وَالله أعلم
وَقد يسْتَند الجيل إِلَى خبر الْأَنْبِيَاء إِن كَانَ لعهدهم كَمَا وَقع لبني إِسْرَائِيل فَإِن أنبياءهم المتعاقبين فيهم كَانُوا يخبروهم بِمثلِهِ عِنْدَمَا يعنونهم فِي السُّؤَال عَنهُ
وَأما فِي الدولة الإسلامية فَوَقع مِنْهُ كثير فِيمَا يرجع إِلَى بَقَاء الدُّنْيَا ومدتها على الْعُمُوم وَفِيمَا يرجع إِلَى الدولة وإعمارها على الْخُصُوص
وَكَانَ الْمُعْتَمد فِي ذَلِك فِي صدر الْإِسْلَام آثارا منقولة عَن الصَّحَابَة وخصوصا مسلمة بني إِسْرَائِيل مثل كَعْب الْأَحْبَار ووهب بن مُنَبّه وأمثالهما وَرُبمَا اقتبسوا بعض ذَلِك من ظواهر مأثورة وتأويلات مُحْتَملَة وَوَقع لجَعْفَر وَأَمْثَاله أهل الْبَيْت كثير من ذَلِك مستندهم فِيهِ وَالله اعْلَم الْكَشْف بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْولَايَة
стр. 32
وَإِذا كَانَ مثله لَا يُنكر من غَيرهم من الْأَوْلِيَاء فِي ذويهم وَأَعْقَابهمْ وَقد قَالَ ﷺ أَن فِيكُم محدثين فهم أولى النَّاس بِهَذِهِ الرتب الشَّرِيفَة والكرامات الْمَوْهُوبَة
وَأما بعد صدر الْملَّة وَحين علق النَّاس على الْعُلُوم والإصطلاحات وترجمت كتب الْحُكَمَاء إِلَى اللِّسَان الْعَرَبِيّ فَأكْثر معتمدهم فِي ذَلِك كَلَام المنجمين فِي الْملك والدول وَسَائِر الْأُمُور الْعَامَّة من القرانات وَفِي المواليد والمسائل وَسَائِر الْأُمُور الْخَاصَّة من الطوالع لَهَا وَهِي شكل الْفلك عِنْد حدوثها وَقد يستندون فِي حدثان الدول على الْخُصُوص إِلَى كتاب الجفر ويزعمون أَن فِيهِ علم ذَلِك كُله من طَرِيق الْآثَار والنجوم لَا يزِيدُونَ على ذَلِك وَلَا يعْرفُونَ اصل ذَلِك وَلَا مُسْتَنده
فَاعْلَم أَن كتاب الجفر كَانَ أَصله أَن هَارُون بن سعيد الْعجلِيّ وَهُوَ راس الزيدية كَانَ لَهُ كتاب يرويهِ عَن جَعْفَر الصَّادِق وَفِيه علم مَا سيقع لأهل الْبَيْت على الْعُمُوم ولبعض الْأَشْخَاص مِنْهُم على الْخُصُوص وَقع ذَلِك لجَعْفَر ونظائره من رجالاتهم على طَرِيق الْكَرَامَة والكشف الَّذِي يَقع لمثلهم من الْأَوْلِيَاء وَكَانَ مَكْتُوبًا عِنْد جَعْفَر فِي جلد ثَوْر صَغِير فَرَوَاهُ عَنهُ هارة ن الْعجلِيّ وَكتبه وَسَماهُ التحفر باسم الْجلد الَّذِي كتب مِنْهُ لِأَن الجفر فِي اللُّغَة هُوَ الصَّغِير وَصَارَ هَذَا الإسم علما على هَذَا الْكتاب عِنْدهم وَكَانَ فِيهِ تَفْسِير الْقُرْآن فِي وَمَا بَطْنه من غرائب الْمعَانِي مروية عَن جَعْفَر الصَّادِق
وَهَذَا الْكتاب لم تتصل رِوَايَته وَلَا عرف عينه وَإِنَّمَا يظْهر مِنْهُ شواذ من الْكَلِمَات لَا يصحبها دَلِيل وَلَو صَحَّ السَّنَد إِلَى جَعْفَر الصَّادِق لَكَانَ فِيهِ نعم الْمُسْتَند من نَفسه أَو من رجال قومه فهم أهل الكرمات
وَقد صَحَّ عَنهُ انه كَانَ يحذر بعض قرَابَته بوقائع تكون لَهُم فَتُصْبِح كَمَا يَقُول
وَقد حذر يحيى ابْن عَمه زيد من مصر وَعَصَاهُ فَخرج وَقتل بالجوزان كَمَا هُوَ مَعْرُوف وَإِذا كَانَت الْكَرَامَة تقع لغَيرهم فَمَا ظَنك بهم علما
стр. 33
ودينا وآثارا من النُّبُوَّة وعناية من الله بِالْأَصْلِ الْكَرِيم تشهد لفروعه الطّيبَة وَقد ينْقل بَين أهل الْبَيْت كثير من هَذَا الْكَلَام غير مَنْسُوب إِلَى أحد
وَفِي أَخْبَار دولة العبيديين كثيرا مِنْهُ وَانْظُر إِلَى مَا حَكَاهُ ابْن الدَّقِيق فِي لِقَاء أبي عبد الله الشيعي لعبد الله الْمهْدي مَعَ ابْنه مُحَمَّد الحبيب وَمَا حَدَّثَاهُ بِهِ وَكَيف بعثاه إِلَى ابْن حَوْشَب داعيتهم بِالْيمن فَأمره بِالْخرُوجِ إِلَى الْمغرب وَبث الدعْوَة فِيهِ على علم لقنه أَن دَعوته تتمّ هُنَاكَ وَأَن عبد الله لما بنى المهدية بعد استفحال وولتهم بإفريقية
قَالَ بنيتها ليعتصم بهَا الفواطم سَاعَة من نَهَار وأراهم موقف صَاحب الْحمار أبي يزِيد بالمهدية وَكَانَ يسْأَل عَن مُنْتَهى موقفه حَتَّى جَاءَهُ الْخَبَر بِبُلُوغِهِ إِلَى الْمَكَان الَّذِي عينه جده عبيد الله فأيقن بالظفر وبرز من الْبَلَد فَهَزَمَهُ وَاتبعهُ إِلَى نَاحيَة الزاب فظفر بِهِ وَقَتله وَمثل هَذِه الْأَخْبَار عِنْدهم كَثِيرَة
وَأما المنجمون فيستندون فِي حدثان الدول إِلَى الْأَحْكَام النجومية أما فِي الْأُمُور الْعَامَّة مثل الْملك والدول فَمن القرانات وخصوصا بَين العلويين وَذَلِكَ ان العلويين زحل وَالْمُشْتَرِي يقرنان فِي كل عشْرين سنة مرّة ثمَّ يعود الْقرَان إِلَى برج آخر فِي تِلْكَ الْمُثَلَّثَة من التلبيث الْيمن ثمَّ بعده إِلَى آخر كَذَلِك إِلَى أَن يتَكَرَّر فِي الْمُثَلَّثَة الْوَاحِدَة اثْنَتَيْ عشرَة مرّة تستوي بِرُوحِهِ الثَّلَاثَة فِي سِتِّينَ ينة ثمَّ رَابِعَة فيستوي فِي الْمُثَلَّثَة بإثنتي عشرَة مرّة وَربع عودات فِي مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين سنة وَيكون انْتِقَاله فِي كل برج على التَّثْلِيث الْأَيْمن وينتقل من الْمُثَلَّثَة إِلَى الْمُثَلَّثَة الَّتِي تَلِيهَا أَعنِي البرج الَّذِي يَلِي البرج الْأَخير من الْقُرْآن الَّذِي قبله فِي الْمُثَلَّثَة وَهَذَا الْقُرْآن الَّذِي هُوَ قرَان العلويين يَنْقَسِم إِلَى كَبِير وصغير ووسط
فالكبير هُوَ اجْتِمَاع العلويين فِي دَرَجَة وَاحِدَة من الْفلك إِلَى أَن يعود إِلَيْهَا بعد تِسْعمائَة وَسِتِّينَ سنة مرّة وَاحِدَة
وَالْوسط هُوَ إقتران العلويين فِي كل مُثَلّثَة اثْنَتَيْ عشرَة مرّة وَبعد مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين سنة ينْتَقل إِلَى مُثَلّثَة أُخْرَى
стр. 34
وَالصَّغِير هُوَ اقتران العلويين فِي دَرَجَة برج وَبعد عشْرين سنة يقترنان فِي برج آخر على تثليثه الْأَيْمن فِي مثل دَرَجَة أَو دقائقة مِثَال ذَلِك وَقع الْقرَان فِي أول دقيقة من الْحمل وَبعد عشْرين يكون فِي أول دقيقة من الْقوس وَبعد عشْرين يكون فِي أول دقيقة من الْأسد وَهَذِه كلهَا نارية وَهَذَا كلهَا قرَان صَغِير ثمَّ يعود إِلَى أول الْحمل بعد سنتَيْن سنة ويسمي دور الْقُرْآن وَبعد مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين ينْتَقل من النارية إِلَى الترابية لِأَنَّهَا بعْدهَا وَهَذَا قرَان وسط ثمَّ ينْتَقل إِلَى الهوائية ثمَّ المائية ثمَّ يرجع إِلَى أول الْحمل فِي تِسْعمائَة وَسِتِّينَ سنة وَهُوَ الْكَبِير وَالْقرَان الْكَبِير يدل على عِظَام الْأُمُور مثل تَغْيِير الْملك والدولة وانتقال الْملك من قوم إِلَى قوم وَالْوسط على ظُهُور المتغلبين والطالبين للْملك وَالصَّغِير على ظُهُور الْخَوَارِج والدعاة وخراب المدن أَو عمرانها
وَيَقَع أثْنَاء هَذِه القرانات قرَان التحسين فِي برج السرطان فِي كل ثَلَاثِينَ سنة مرّة وَيُسمى الرَّابِع وبرج السرطان هُوَ طالع الْعَالم وَفِيه وبال زحل وهبوط المريخ فتعظم دلَالَة هَذَا الْقرن فِي الْفِتَن والحروب وَسَفك الدِّمَاء وَظُهُور الْخَوَارِج وحركة العساكر وعصيان الْجند والوباء والقحط ويدوم ذَلِك أَو يَنْتَهِي على قدر السَّعَادَة والنحوسة فِي وَقت قرانهما على قدر تيسير الدَّلِيل فِيهِ
قَالَ جراس بن أَحْمد الحاسب فِي الْكتاب الَّذِي أَلفه لنظام الْملك وَرُجُوع المريخ إِلَى الْعَقْرَب لَهُ أثر عَظِيم فِي الْملَّة الإسلامية لِأَنَّهُ كَانَ دليلها فالمولد النَّبَوِيّ كَانَ عِنْد قرَان العلويين ببرج الْعَقْرَب فَلَمَّا رَجَعَ هُنَالك حدث التشويش على الْخُلَفَاء وَكثر الْمَرَض فِي أهل الْعلم وَالدّين وَنقص ت أَحْوَالهم وَرُبمَا انْهَدم بعض بيُوت الْعِبَادَة
وَقد يُقَال أَنه كَانَ عِنْد قتل عَليّ ﵁ ومروان من بني أُميَّة والمتوكل من بني الْعَبَّاس فَإِذا روعيت هَذِه الْأَحْكَام مَعَ أَحْكَام القرانات كَانَت فِي غَايَة الْأَحْكَام
قَالَ أَبُو معشر فِي كتاب القرانات الْقِسْمَة إِذا إنتهت إِلَى السَّابِعَة وَالْعِشْرين من الْحُوت فِيهَا شرف الزهرة وَوَقع الْقرَان مَعَ ذَلِك ببرج
стр. 35
الْعَقْرَب وَهُوَ دَلِيل الْعَرَب ظَهرت حِينَئِذٍ دولة الْعَرَب وَكَانَ مِنْهُم نَبِي وَيكون قُوَّة ملكه ومدته على مَا بَقِي من دَرَجَات شرف الزهرة وَهِي إِحْدَى عشرَة دَرَجَة بتقريب من برج الْحُوت وَمُدَّة ذَلِك سِتّمائَة وَعشر سِنِين وَكَانَ ظُهُور أبي مُسلم عِنْد انْتِقَال الزهرة وَوُقُوع الْقِسْمَة أول الْحمل وَصَاحب الْجد المُشْتَرِي وَسَيَأْتِي قَول شادان الْبَلْخِي وَغَيره فِي انْتِهَاء مُدَّة تِلْكَ الْملَّة
قَالَ جراس سَأَلَ هُرْمُز افريد الْحَكِيم عَن مُدَّة اردشير وَولده وملوك الساسانية فَقَالَ دَلِيل ملكه المُشْتَرِي وَكَانَ فِي شرفه فَيعْطى أطول السنين وأجودها أَرْبَعمِائَة وَسبعا وَعشْرين سنة ثمَّ تزيد الزهرة وَتَكون فِي شرفها وَهِي دَلِيل فيملكون لِأَن طالع الْقرَان الْمِيزَان وَصَاحبه الزهرة
وَكَانَت عِنْد الْقرَان فِي شرفها فَدلَّ أَنهم يملكُونَ ألف سنة وَسِتِّينَ سنة
قَالَ جراس وانتقال الْقرَان إِلَى الْمُثَلَّثَة المائية من برج الْحُوت يكون سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة ليزدرجرد وَبعدهَا إِلَى برج الْعَقْرَب حَيْثُ كَانَ قرَان الْملَّة سنة ثَلَاث وَخمسين
قَالَ وَالَّذِي فِي الْحُوت هُوَ أول الإنتقال وَالَّذِي فِي الْعَقْرَب يسْتَخْرج مِنْهُ دَلَائِل الْملَّة قَالَ وتحويل السّنة الأولى من الْقرَان الأول فِي المثلثات المائية فِي ثَانِي رَجَب سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَلم يسْتَوْف الْكَلَام على ذَلِك
وَأما مُسْتَند المنجمين فِي دولة على الْخُصُوص فَمن الْقرَان الْأَوْسَط وهيئة الْفلك عِنْد وُقُوعه لِأَن لَهُ دلَالَة عِنْدهم على حُدُوث الدولة وجهاتها من الْعمرَان والقائمين بهَا من الْأُمَم وَعدد مُلُوكهمْ وأسمائهم وأعمارهم ونحلهم وأديائهم وعوائهم وحروبهم كَمَا ذكر أَبُو معشر فِي كِتَابه فِي القرانات وَقد تُوجد هَذِه الدّلَالَة من الْقرَان الْأَصْغَر إِذا كَانَ الْأَوْسَط دَالا عَلَيْهِ فَمن هَذَا يُوجد الْكَلَام فِي الدول
وَقد كَانَ يَعْقُوب بن اسحاق الْكِنْدِيّ منجم الرشيد والمأمون وضع
стр. 36
فِي القرانات الكائنة فِي الْملَّة كتابا سَمَّاهُ الشِّيعَة بالجفر باسم كِتَابهمْ الْمَنْسُوب إِلَى جَعْفَر الصَّادِق وَذكر فِيهِ فِيمَا يُقَال حدثان دولة بني الْعَبَّاس وَأَنَّهَا نِهَايَة وَأَشَارَ إِلَى انقراضها والحادثة على بَغْدَاد أَنَّهَا تقع فِي انتصاف الْمِائَة السَّابِعَة وَأَن بانقراضها يكون انْقِرَاض الْملَّة وَلم نقف على شَيْء من خبر هَذَا الْكتاب وَلَا رَأينَا من وقف عَلَيْهِ وَلَعَلَّه غرق فِي كتبهمْ الَّتِي طرحها هلاكو ملك التتر فِي دجلة عِنْد استيلائهم على بَغْدَاد وَقتل المستعصم آخر الْخُلَفَاء
وَقد وَقع بالمغرب جُزْء مَنْسُوب إِلَى هَذَا الْكتاب يسمونه الجفر الصَّغِير وَالظَّاهِر أَنه وضع لبني عبد الْمُؤمن لذكر الْأَوَّلين من مُلُوك الْمُوَحِّدين فِيهِ على التَّفْصِيل ومطابقة من تقدم عَن ذَلِك من حدثانه وَكذب مَا بعده وَكَانَ فِي دولة بني الْعَبَّاس من بعد الْكِنْدِيّ منجمون وَكتب فِي الْحدثَان وَانْظُر مَا نَقله الطَّبَرِيّ فِي أَخْبَار الْمهْدي عَن أبي بديل من أَصْحَاب صنائع الدولة
قَالَ بعث إِلَى الرّبيع وَالْحسن فِي غزاتهما مَعَ الرشيد أَيَّام ابيه فجئتهما جَوف اللَّيْل فَإِذا عِنْدهمَا كتاب من كتب الدولة يَعْنِي الْحدثَان وَإِذا مُدَّة الْمهْدي فِيهِ عشر سِنِين فَقلت هَذَا الْكتاب لَا يخفى على الْمهْدي وَقد مضى من دولته مَا مضى فَإِذا وقف عَلَيْهِ كُنْتُم قد نعيتم إِلَيْهِ نَفسه قَالَا فَمَا الْحِيلَة فاستدعيت عَنْبَسَة الْوراق مولى آل بديل وَقلت لَهُ انسخ هَذِه الرقة واكتب مَكَان عشر أَرْبَعِينَ فَفعل فوَاللَّه لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت الْعشْرَة فِي تِلْكَ الورقة وَالْأَرْبَعِينَ فِي هَذِه مَا كنت أَشك أَنَّهَا هِيَ
ثمَّ كتب النَّاس من بعد ذَلِك فِي حدثان الدول منظوما ومنثورا ورجزا مَا شَاءَ الله أَن يكتبوه بأيدي النَّاس مُتَفَرِّقَة كثير مِنْهَا وَتسَمى الْمَلَاحِم وَبَعضهَا فِي حدثان الْملَّة على الْعُمُوم وَبَعضهَا فِي دولة على الْخُصُوص وَكلهَا منسوبة إِلَى مشاهير من أهل الخليقة وَلَيْسَ مِنْهَا أصل يعْتَمد على رِوَايَته عَن وَاضعه الْمَنْسُوب إِلَيْهِ فَمن هَذِه الْمَلَاحِم بالمغرب قصيدة ابْن مرانة من بَحر الطَّوِيل على رُوِيَ الرَّاء وَهِي المتداولة بَين النَّاس وتحسب
стр. 37
الْعَامَّة أَنَّهَا من الْحدثَان الْعَام فيطلقون الْكثير مِنْهَا على الْحَاضِر والمستقبل وَالَّذِي سمعناه من شُيُوخنَا أَنَّهَا مَخْصُوصَة بدولة لمتونة لِأَن الرجل كَانَ قبيل دولتهم وَذكر فِيهَا استيلاءهم على سبتة من يَد موَالِي بني حمود وملكهم لعدوة الأندلس وَمن الْمَلَاحِم بيد أهل الْمغرب أَيْضا قصيدة تسمى التّبعِيَّة أَولهَا
(طربت وَمَا ذَاك مني طرب وَقد يطرب الْغَائِب المغتضب)
قَرِيبا من خَمْسمِائَة بَيت أَو ألف فِيمَا يُقَال ذكر فِيهَا كثيرا من دولة الْمُوَحِّدين وَأَشَارَ فِيهَا إِلَى الفاطمي وَغَيره وَالظَّاهِر أَنَّهَا مصنوعة
وَمن الْمَلَاحِم بالمغرب أَيْضا ملعبة من الشّعْر الزجل منسوبة لبَعض الْيَهُود وَذكر فِيهَا أَحْكَام القرانات لعصرا العلويين والتحسين وَغَيرهمَا وَذكر منيته قَتِيلا بفاس وَكَانَ كَذَلِك فِيمَا زعموه وأبياته نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وَهِي فِي القرانات الَّتِي دلّت على دولة الْمُوَحِّدين وَمِنْهَا قصيدة ابْن الابار فِي حدثان دولة بني أبي حَفْص بتونس من الْمُوَحِّدين وَمِنْهَا ملعبة الهواثي على لُغَة الْعَامَّة فِي عرُوض الْبَلَد وَالْغَالِب عَلَيْهَا الْوَضع لِأَنَّهُ لم يَصح مِنْهَا قَول إِلَّا على تَأْوِيل تحرفه الْعَامَّة أَو المحرف فِيهِ من ينتحلها من الْخَاصَّة ومها ملحمة ابْن الْعَرَبِيّ الْحَاتِمِي فِي كَلَام طَوِيل شبه الألغاز لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله لتخلله أوفاق عددية ورموز ملغوزة وأشكال حيوانات تَامَّة ورؤوس مقطعَة وتماثيل من حيوانات غَرِيبَة وَفِي آخرهَا قصيدة على رُوِيَ اللَّام وَالْغَالِب أَنَّهَا كلهَا غير صَحِيحَة لِأَنَّهَا لم تنشأ عَن أصل علمي من نجامة وَلَا غَيرهَا
وَهُنَاكَ ملاحم أُخْرَى منسوبة لِابْنِ سينا وَابْن عقب وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهُمَا دَلِيل على الصِّحَّة لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يُؤْخَذ من القرانات
وملحمة أُخْرَى من حدثان دولة التّرْك منسوبة إِلَى رجل من الصُّوفِيَّة يُسمى الباجريقي وَكلهَا ألغاز بالحروف وَالْغَالِب أَنَّهَا مَوْضُوعَة وَمثل صنعتها كَانَ فِي الْقَدِيم كثيرا ومعروف الانتحال وَعند أهل الْهِنْد قصيدة فارسية وملحمة عجمية منسوبة إِلَى الشاه نعْمَة الله الْوَلِيّ الْهِنْدِيّ فِيهَا
стр. 38
حدثان دولة التيمورية الَّتِي كَانَت بِالْهِنْدِ وَالظَّاهِر أَنَّهَا مصنوعة وَلم يَصح شَيْء مِمَّا ذكر فِيهَا إِلَّا بِتَأْوِيل بعيد وتكلف طَوِيل لَا يلْتَفت إِلَى مثلهَا
وَحكى المؤرخون لأخبار بَغْدَاد أَنه كَانَ بهَا أَيَّام المقتدر وراق ذكي يعرف بالدانيالي يبل الأوراق وَيكْتب فِيهَا بِخَط عَتيق يرمز فِيهِ بحروف من أَسمَاء أهل الدولة وَيُشِير بهَا إِلَى مَا يعرف ميلهم إِلَيْهِ من أَحْوَال الرّفْعَة والجاه كَأَنَّهَا ملاحم وَيحصل على مَا يُرِيد مِنْهُم من الدُّنْيَا وَذكر فِيهَا كوائن أُخْرَى وملاحم مِمَّا وَقع وَمِمَّا لم يَقع وَنسب جَمِيعه إِلَى دانيال
قَالَ ابْن خلدون وَلَقَد سَأَلت أكمل الدّين ابْن شيخ الْحَنَفِيَّة من الْعَجم بالديار المصرية عَن هَذِه الملحمة وَعَن هَذَا الرجل الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ من الصُّوفِيَّة وَهُوَ الباجريقي وَكَانَ عَارِفًا بطرائقهم فَقَالَ كَانَ من القلندرية المبتدعة فِي حلق اللِّحْيَة وَكَانَ يتحدث عَمَّا يكون بطرِيق الْكَشْف ويومئ إِلَى رجال مُعينين عِنْده ويلغز عَلَيْهِم بحروف بِعَينهَا فِي ضمنهَا لمن يرَاهُ مِنْهُم وَرُبمَا يظْهر نظم ذَلِك فِي أَبْيَات قَليلَة كَانَ يتعاهدها فتنوقلت عَنهُ وولع النَّاس بهَا وجعلوها ملحمة مرموزة وَزَاد فِيهَا الخراصون من ذَلِك الْجِنْس فِي كل عصر وشغل الْعَامَّة بفك رموزها وَهُوَ أَمر مُمْتَنع إِذْ الرَّمْز إِنَّمَا يهدي إِلَى كشفه قانون يعرف قبله وَيُوضَع لَهُ وَأما مثل هَذِه الْحُرُوف فدلالتها على المُرَاد مِنْهَا مَخْصُوصَة بِهَذَا النّظم لَا يتجاوزه فَرَأَيْت من كَلَام هَذَا الرجل الْفَاضِل شِفَاء لما كَانَ فِي النَّفس من أَمر هَذِه الملحمة وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله وَالله أعلم وَبِه التَّوْفِيق وَهُوَ الْمُسْتَعَان
стр. 39
ذكر مَا قيل فِي مُدَّة أَيَّام الدُّنْيَا ماضيها وباقيها
اعْلَم أَن النَّاس اخْتلفُوا قَدِيما وحديثا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ قوم من القدماء الأول بالأكوار والأدوار وهم الدهرية وَهَؤُلَاء هم الْقَائِلُونَ بِعُود العوالم كلهَا على مَا كَانَت عَلَيْهِ بعد أُلُوف من السنين مَعْدُودَة وهم فِي ذَلِك غالطون من جِهَة طول أدوار النُّجُوم وَذَلِكَ أَنهم وجدوا قوما من الْهِنْد وَالْفرس قد عمِلُوا أدوارا للنجوم ليصححوا بهَا فِي كل وَقت مَوَاضِع الْكَوَاكِب فظنوا أَن الْعدَد الْمُشْتَرك لجميعها هُوَ عدد سني الْعَالم أَو أَيَّام الْعَالم وَإنَّهُ كلما مضى ذَلِك الْعدَد عَادَتْ الْأَشْيَاء إِلَى حَالهَا الأول وَقد وَقع فِي هَذَا الظَّن نَاس كثير مثل أبي معشر وَغَيره وَتبع هَؤُلَاءِ خلق وَأَنت تقف على فَسَاد هَذَا الظَّن إِن كنت تخبر من الْعدَد شَيْئا مَا وَذَلِكَ أَنَّك إِذا طلبت عددا مُشْتَركا بعده أعداد مَعْلُومَة فَإنَّك تقدر أَن تضع لكل زيج أَيَّامًا مَعْلُومَة كَالَّذي وَضعه الْهِنْد وَالْفرس فَهَؤُلَاءِ حَيْثُ جهلوا صُورَة الْحَال فِي هَذِه الأدوار ظنُّوا أَنَّهَا عدد أَيَّام الْعَالم فتفطن ترشد
وَعند هَؤُلَاءِ أَن الدّور هُوَ أَخذ الْكَوَاكِب من نقطة وَهِي سائرة حَتَّى تعود إِلَى تِلْكَ النقطة وَإِن الكور هُوَ اسْتِئْنَاف الْكَوَاكِب فِي أدوارها سيرا آخر إِلَى أَن تعود إِلَى موَاضعهَا مرّة بعد أُخْرَى
وَزعم أهل هَذِه الْمقَالة أَن الأدوار منحصرة فِي أَنْوَاع خَمْسَة
الأول أدوار الْكَوَاكِب السيارة فِي أفلاك تداويرها
الثَّانِي أدوار مراكز أفلاك التدوير فِي أفلاكها الحاملة
الثَّالِث أدوار أفلاكها الْحَالة فِي تِلْكَ البروج
стр. 40
الرَّابِع أدوار الْكَوَاكِب الثَّابِتَة فِي تِلْكَ البروج
الْخَامِس أدوار الْفلك الْمُحِيط بِالْكُلِّ حول الْأَركان الْأَرْبَعَة وَهَذِه الأدوار الْمَذْكُورَة مِنْهَا مَا يكون فِي كل زمَان طَوِيل مرّة وَاحِدَة وَمِنْهَا مَا يكون فِي كل ومانه قصير مرّة وَاحِدَة فأقصر هَذِه الأدوار أدوار الْفلك الْمُحِيط بِالْكُلِّ حول الْأَركان الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُ يَدُور فِي كل أَربع وَعشْرين سَاعَة دورة وَاحِدَة وَبَاقِي الأدوار يكون فِي أزمنة أخر أطول من هَذَا لَا حَاجَة لنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى ذكرهَا
قَالُوا وأدوار الْكَوَاكِب الثَّابِتَة فِي فلك البروج تكون فِي كل سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف سنة شمسية مرّة وَاحِدَة وَحِينَئِذٍ تنْتَقل أوجات الْكَوَاكِب وجوزهراتها إِلَى مَوَاضِع حضيضاتها ونوبهراتها وَبِالْعَكْسِ فَيُوجب ذَلِك عِنْدهم عود الْعَالم كلهَا إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من الْأَحْوَال فِي الزَّمَان وَالْمَكَان والأشخاص والأوضاع بِحَيْثُ لَا يتخالف ذرة وَاحِدَة وهم مَعَ ذَلِك مُخْتَلفُونَ فِي كمية مَا مضى من أَيَّام الْعَالم وَمَا بَقِي
فَقَالَ البراهمة من الْهِنْد فِي ذَلِك قولا غَرِيبا وَهُوَ مَا حَكَاهُ عَنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو الريحان مُحَمَّد بن أَحْمد الْبَيْرُوتِي فِي كتاب القانون المَسْعُودِيّ إِنَّهُم يسمون الطبيعة باسم ملك يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم ويزعمون أَنه مُحدث مَحْصُور الْمَوْت بَين مبدأ وانتهاء عمره كعمرها مائَة سنة برهموية كل سنة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ يَوْمًا زمَان النَّهَار بِقدر مُدَّة دوران الأفلاك وَالْكَوَاكِب لإثارة الْكَوْن وَالْفساد
وَهَذِه الْمدَّة بِقدر مَا بَين كل اجتماعين للكواكب السَّبْعَة فِي أول برج الْحمل بأوجاتها وجزهراتها ومقدارها أَرْبَعَة آلَاف ألف ألف سنة وثلاثمائة ألف ألف سنة وَعِشْرُونَ ألف ألف سنة شمسية وَهُوَ زمَان اثْنَي عشر ألف دورة للكواكب الثَّابِتَة على أَن زمَان الدورة الْوَاحِدَة ثَلَاثمِائَة ألف وَسِتُّونَ ألف سنة شمسية
وَاسم هَذَا النَّهَار بلغتهم الْكُلية وزمان اللَّيْل عِنْدهم كزمان النَّهَار وَفِي اللَّيْل تسكن المتحركات وتستريح الطبيعة من إثارة الْكَوْن وَالْفساد
следующие страницы →