Полный текст (229 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فِي القرانات الكائنة فِي الْملَّة كتابا سَمَّاهُ الشِّيعَة بالجفر باسم كِتَابهمْ الْمَنْسُوب إِلَى جَعْفَر الصَّادِق وَذكر فِيهِ فِيمَا يُقَال حدثان دولة بني الْعَبَّاس وَأَنَّهَا نِهَايَة وَأَشَارَ إِلَى انقراضها والحادثة على بَغْدَاد أَنَّهَا تقع فِي انتصاف الْمِائَة السَّابِعَة وَأَن بانقراضها يكون انْقِرَاض الْملَّة وَلم نقف على شَيْء من خبر هَذَا الْكتاب وَلَا رَأينَا من وقف عَلَيْهِ وَلَعَلَّه غرق فِي كتبهمْ الَّتِي طرحها هلاكو ملك التتر فِي دجلة عِنْد استيلائهم على بَغْدَاد وَقتل المستعصم آخر الْخُلَفَاء
وَقد وَقع بالمغرب جُزْء مَنْسُوب إِلَى هَذَا الْكتاب يسمونه الجفر الصَّغِير وَالظَّاهِر أَنه وضع لبني عبد الْمُؤمن لذكر الْأَوَّلين من مُلُوك الْمُوَحِّدين فِيهِ على التَّفْصِيل ومطابقة من تقدم عَن ذَلِك من حدثانه وَكذب مَا بعده وَكَانَ فِي دولة بني الْعَبَّاس من بعد الْكِنْدِيّ منجمون وَكتب فِي الْحدثَان وَانْظُر مَا نَقله الطَّبَرِيّ فِي أَخْبَار الْمهْدي عَن أبي بديل من أَصْحَاب صنائع الدولة
قَالَ بعث إِلَى الرّبيع وَالْحسن فِي غزاتهما مَعَ الرشيد أَيَّام ابيه فجئتهما جَوف اللَّيْل فَإِذا عِنْدهمَا كتاب من كتب الدولة يَعْنِي الْحدثَان وَإِذا مُدَّة الْمهْدي فِيهِ عشر سِنِين فَقلت هَذَا الْكتاب لَا يخفى على الْمهْدي وَقد مضى من دولته مَا مضى فَإِذا وقف عَلَيْهِ كُنْتُم قد نعيتم إِلَيْهِ نَفسه قَالَا فَمَا الْحِيلَة فاستدعيت عَنْبَسَة الْوراق مولى آل بديل وَقلت لَهُ انسخ هَذِه الرقة واكتب مَكَان عشر أَرْبَعِينَ فَفعل فوَاللَّه لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت الْعشْرَة فِي تِلْكَ الورقة وَالْأَرْبَعِينَ فِي هَذِه مَا كنت أَشك أَنَّهَا هِيَ
ثمَّ كتب النَّاس من بعد ذَلِك فِي حدثان الدول منظوما ومنثورا ورجزا مَا شَاءَ الله أَن يكتبوه بأيدي النَّاس مُتَفَرِّقَة كثير مِنْهَا وَتسَمى الْمَلَاحِم وَبَعضهَا فِي حدثان الْملَّة على الْعُمُوم وَبَعضهَا فِي دولة على الْخُصُوص وَكلهَا منسوبة إِلَى مشاهير من أهل الخليقة وَلَيْسَ مِنْهَا أصل يعْتَمد على رِوَايَته عَن وَاضعه الْمَنْسُوب إِلَيْهِ فَمن هَذِه الْمَلَاحِم بالمغرب قصيدة ابْن مرانة من بَحر الطَّوِيل على رُوِيَ الرَّاء وَهِي المتداولة بَين النَّاس وتحسب
стр. 37
الْعَامَّة أَنَّهَا من الْحدثَان الْعَام فيطلقون الْكثير مِنْهَا على الْحَاضِر والمستقبل وَالَّذِي سمعناه من شُيُوخنَا أَنَّهَا مَخْصُوصَة بدولة لمتونة لِأَن الرجل كَانَ قبيل دولتهم وَذكر فِيهَا استيلاءهم على سبتة من يَد موَالِي بني حمود وملكهم لعدوة الأندلس وَمن الْمَلَاحِم بيد أهل الْمغرب أَيْضا قصيدة تسمى التّبعِيَّة أَولهَا
(طربت وَمَا ذَاك مني طرب وَقد يطرب الْغَائِب المغتضب)
قَرِيبا من خَمْسمِائَة بَيت أَو ألف فِيمَا يُقَال ذكر فِيهَا كثيرا من دولة الْمُوَحِّدين وَأَشَارَ فِيهَا إِلَى الفاطمي وَغَيره وَالظَّاهِر أَنَّهَا مصنوعة
وَمن الْمَلَاحِم بالمغرب أَيْضا ملعبة من الشّعْر الزجل منسوبة لبَعض الْيَهُود وَذكر فِيهَا أَحْكَام القرانات لعصرا العلويين والتحسين وَغَيرهمَا وَذكر منيته قَتِيلا بفاس وَكَانَ كَذَلِك فِيمَا زعموه وأبياته نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وَهِي فِي القرانات الَّتِي دلّت على دولة الْمُوَحِّدين وَمِنْهَا قصيدة ابْن الابار فِي حدثان دولة بني أبي حَفْص بتونس من الْمُوَحِّدين وَمِنْهَا ملعبة الهواثي على لُغَة الْعَامَّة فِي عرُوض الْبَلَد وَالْغَالِب عَلَيْهَا الْوَضع لِأَنَّهُ لم يَصح مِنْهَا قَول إِلَّا على تَأْوِيل تحرفه الْعَامَّة أَو المحرف فِيهِ من ينتحلها من الْخَاصَّة ومها ملحمة ابْن الْعَرَبِيّ الْحَاتِمِي فِي كَلَام طَوِيل شبه الألغاز لَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله لتخلله أوفاق عددية ورموز ملغوزة وأشكال حيوانات تَامَّة ورؤوس مقطعَة وتماثيل من حيوانات غَرِيبَة وَفِي آخرهَا قصيدة على رُوِيَ اللَّام وَالْغَالِب أَنَّهَا كلهَا غير صَحِيحَة لِأَنَّهَا لم تنشأ عَن أصل علمي من نجامة وَلَا غَيرهَا
وَهُنَاكَ ملاحم أُخْرَى منسوبة لِابْنِ سينا وَابْن عقب وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهُمَا دَلِيل على الصِّحَّة لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يُؤْخَذ من القرانات
وملحمة أُخْرَى من حدثان دولة التّرْك منسوبة إِلَى رجل من الصُّوفِيَّة يُسمى الباجريقي وَكلهَا ألغاز بالحروف وَالْغَالِب أَنَّهَا مَوْضُوعَة وَمثل صنعتها كَانَ فِي الْقَدِيم كثيرا ومعروف الانتحال وَعند أهل الْهِنْد قصيدة فارسية وملحمة عجمية منسوبة إِلَى الشاه نعْمَة الله الْوَلِيّ الْهِنْدِيّ فِيهَا
стр. 38
حدثان دولة التيمورية الَّتِي كَانَت بِالْهِنْدِ وَالظَّاهِر أَنَّهَا مصنوعة وَلم يَصح شَيْء مِمَّا ذكر فِيهَا إِلَّا بِتَأْوِيل بعيد وتكلف طَوِيل لَا يلْتَفت إِلَى مثلهَا
وَحكى المؤرخون لأخبار بَغْدَاد أَنه كَانَ بهَا أَيَّام المقتدر وراق ذكي يعرف بالدانيالي يبل الأوراق وَيكْتب فِيهَا بِخَط عَتيق يرمز فِيهِ بحروف من أَسمَاء أهل الدولة وَيُشِير بهَا إِلَى مَا يعرف ميلهم إِلَيْهِ من أَحْوَال الرّفْعَة والجاه كَأَنَّهَا ملاحم وَيحصل على مَا يُرِيد مِنْهُم من الدُّنْيَا وَذكر فِيهَا كوائن أُخْرَى وملاحم مِمَّا وَقع وَمِمَّا لم يَقع وَنسب جَمِيعه إِلَى دانيال
قَالَ ابْن خلدون وَلَقَد سَأَلت أكمل الدّين ابْن شيخ الْحَنَفِيَّة من الْعَجم بالديار المصرية عَن هَذِه الملحمة وَعَن هَذَا الرجل الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ من الصُّوفِيَّة وَهُوَ الباجريقي وَكَانَ عَارِفًا بطرائقهم فَقَالَ كَانَ من القلندرية المبتدعة فِي حلق اللِّحْيَة وَكَانَ يتحدث عَمَّا يكون بطرِيق الْكَشْف ويومئ إِلَى رجال مُعينين عِنْده ويلغز عَلَيْهِم بحروف بِعَينهَا فِي ضمنهَا لمن يرَاهُ مِنْهُم وَرُبمَا يظْهر نظم ذَلِك فِي أَبْيَات قَليلَة كَانَ يتعاهدها فتنوقلت عَنهُ وولع النَّاس بهَا وجعلوها ملحمة مرموزة وَزَاد فِيهَا الخراصون من ذَلِك الْجِنْس فِي كل عصر وشغل الْعَامَّة بفك رموزها وَهُوَ أَمر مُمْتَنع إِذْ الرَّمْز إِنَّمَا يهدي إِلَى كشفه قانون يعرف قبله وَيُوضَع لَهُ وَأما مثل هَذِه الْحُرُوف فدلالتها على المُرَاد مِنْهَا مَخْصُوصَة بِهَذَا النّظم لَا يتجاوزه فَرَأَيْت من كَلَام هَذَا الرجل الْفَاضِل شِفَاء لما كَانَ فِي النَّفس من أَمر هَذِه الملحمة وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله وَالله أعلم وَبِه التَّوْفِيق وَهُوَ الْمُسْتَعَان
стр. 39
ذكر مَا قيل فِي مُدَّة أَيَّام الدُّنْيَا ماضيها وباقيها
اعْلَم أَن النَّاس اخْتلفُوا قَدِيما وحديثا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ قوم من القدماء الأول بالأكوار والأدوار وهم الدهرية وَهَؤُلَاء هم الْقَائِلُونَ بِعُود العوالم كلهَا على مَا كَانَت عَلَيْهِ بعد أُلُوف من السنين مَعْدُودَة وهم فِي ذَلِك غالطون من جِهَة طول أدوار النُّجُوم وَذَلِكَ أَنهم وجدوا قوما من الْهِنْد وَالْفرس قد عمِلُوا أدوارا للنجوم ليصححوا بهَا فِي كل وَقت مَوَاضِع الْكَوَاكِب فظنوا أَن الْعدَد الْمُشْتَرك لجميعها هُوَ عدد سني الْعَالم أَو أَيَّام الْعَالم وَإنَّهُ كلما مضى ذَلِك الْعدَد عَادَتْ الْأَشْيَاء إِلَى حَالهَا الأول وَقد وَقع فِي هَذَا الظَّن نَاس كثير مثل أبي معشر وَغَيره وَتبع هَؤُلَاءِ خلق وَأَنت تقف على فَسَاد هَذَا الظَّن إِن كنت تخبر من الْعدَد شَيْئا مَا وَذَلِكَ أَنَّك إِذا طلبت عددا مُشْتَركا بعده أعداد مَعْلُومَة فَإنَّك تقدر أَن تضع لكل زيج أَيَّامًا مَعْلُومَة كَالَّذي وَضعه الْهِنْد وَالْفرس فَهَؤُلَاءِ حَيْثُ جهلوا صُورَة الْحَال فِي هَذِه الأدوار ظنُّوا أَنَّهَا عدد أَيَّام الْعَالم فتفطن ترشد
وَعند هَؤُلَاءِ أَن الدّور هُوَ أَخذ الْكَوَاكِب من نقطة وَهِي سائرة حَتَّى تعود إِلَى تِلْكَ النقطة وَإِن الكور هُوَ اسْتِئْنَاف الْكَوَاكِب فِي أدوارها سيرا آخر إِلَى أَن تعود إِلَى موَاضعهَا مرّة بعد أُخْرَى
وَزعم أهل هَذِه الْمقَالة أَن الأدوار منحصرة فِي أَنْوَاع خَمْسَة
الأول أدوار الْكَوَاكِب السيارة فِي أفلاك تداويرها
الثَّانِي أدوار مراكز أفلاك التدوير فِي أفلاكها الحاملة
الثَّالِث أدوار أفلاكها الْحَالة فِي تِلْكَ البروج
стр. 40
الرَّابِع أدوار الْكَوَاكِب الثَّابِتَة فِي تِلْكَ البروج
الْخَامِس أدوار الْفلك الْمُحِيط بِالْكُلِّ حول الْأَركان الْأَرْبَعَة وَهَذِه الأدوار الْمَذْكُورَة مِنْهَا مَا يكون فِي كل زمَان طَوِيل مرّة وَاحِدَة وَمِنْهَا مَا يكون فِي كل ومانه قصير مرّة وَاحِدَة فأقصر هَذِه الأدوار أدوار الْفلك الْمُحِيط بِالْكُلِّ حول الْأَركان الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُ يَدُور فِي كل أَربع وَعشْرين سَاعَة دورة وَاحِدَة وَبَاقِي الأدوار يكون فِي أزمنة أخر أطول من هَذَا لَا حَاجَة لنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى ذكرهَا
قَالُوا وأدوار الْكَوَاكِب الثَّابِتَة فِي فلك البروج تكون فِي كل سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف سنة شمسية مرّة وَاحِدَة وَحِينَئِذٍ تنْتَقل أوجات الْكَوَاكِب وجوزهراتها إِلَى مَوَاضِع حضيضاتها ونوبهراتها وَبِالْعَكْسِ فَيُوجب ذَلِك عِنْدهم عود الْعَالم كلهَا إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من الْأَحْوَال فِي الزَّمَان وَالْمَكَان والأشخاص والأوضاع بِحَيْثُ لَا يتخالف ذرة وَاحِدَة وهم مَعَ ذَلِك مُخْتَلفُونَ فِي كمية مَا مضى من أَيَّام الْعَالم وَمَا بَقِي
فَقَالَ البراهمة من الْهِنْد فِي ذَلِك قولا غَرِيبا وَهُوَ مَا حَكَاهُ عَنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو الريحان مُحَمَّد بن أَحْمد الْبَيْرُوتِي فِي كتاب القانون المَسْعُودِيّ إِنَّهُم يسمون الطبيعة باسم ملك يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم ويزعمون أَنه مُحدث مَحْصُور الْمَوْت بَين مبدأ وانتهاء عمره كعمرها مائَة سنة برهموية كل سنة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ يَوْمًا زمَان النَّهَار بِقدر مُدَّة دوران الأفلاك وَالْكَوَاكِب لإثارة الْكَوْن وَالْفساد
وَهَذِه الْمدَّة بِقدر مَا بَين كل اجتماعين للكواكب السَّبْعَة فِي أول برج الْحمل بأوجاتها وجزهراتها ومقدارها أَرْبَعَة آلَاف ألف ألف سنة وثلاثمائة ألف ألف سنة وَعِشْرُونَ ألف ألف سنة شمسية وَهُوَ زمَان اثْنَي عشر ألف دورة للكواكب الثَّابِتَة على أَن زمَان الدورة الْوَاحِدَة ثَلَاثمِائَة ألف وَسِتُّونَ ألف سنة شمسية
وَاسم هَذَا النَّهَار بلغتهم الْكُلية وزمان اللَّيْل عِنْدهم كزمان النَّهَار وَفِي اللَّيْل تسكن المتحركات وتستريح الطبيعة من إثارة الْكَوْن وَالْفساد
стр. 41
ثمَّ يثور فِي مبدأ الْيَوْم الثَّانِي بالحركة والتكون فَيكون زمَان الْيَوْم بليلته من سني النَّاس ثَمَانِيَة آلَاف ألف ألف سنة وسِتمِائَة ألف ألف سنة وَأَرْبَعين ألف ألف سنة فَإِذا ضربنا لَك فِي ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ تبلغ سنو أَيَّام البرهموية ثَلَاثَة آلَاف ألف ألف ألف سنة وَعشرَة آلَاف ألف ألف سنة وَأَرْبَعمِائَة ألف ألف سنة شمسية فَإِذا ضربنا هَذَا فِي مائَة يبلغ عمر الْملك الطبيعي البرهموي من سنى النَّاس ثَلَاثمِائَة ألف بِأَلف ألف ألف سنة وَاحِد عشر ألف ألف ألف سنة وَأَرْبَعين ألف ألف سنة شمسية فَإِذا تمت هَذِه السنون بَطل الْعَالم عَن الْحَرَكَة والتكوين مَا شَاءَ الله ثمَّ يسْتَأْنف من جَدِيد على الْوَضع الْمَذْكُور
وقسموا زمَان النَّهَار الْمَذْكُور إِلَى تسع وَعشْرين قِطْعَة سموا كل أَربع عشرَة قِطْعَة مِنْهَا نوبا وَسموا الْخمس عشرَة قِطْعَة الْبَاقِيَة فصولا وَجعلُوا كل نوبَة محصورة بَين فصلين وكل فصل محصورا بَين نوبتين وَقدمُوا زمَان الْفَصْل على النّوبَة إِلَى تَمام الْمدَّة وزمان الْفَصْل هُوَ خمْسا الدّور والدور جُزْء من ألف جُزْء من الْمدَّة فَإِذا قسمنا الْمدَّة على ألف يحصل زمَان الدّور أَرْبَعَة آلَاف ألف سنة وثلاثمائة ألف سنة وَعشْرين ألف سنة وخمسا أَعنِي زمَان الْفَصْل ألف ألف سنة وَسَبْعمائة ألف سنة وَثَمَانِية عشرُون ألف سنة وزمان النّوبَة عِنْدهم أحد وَسَبْعُونَ دورا مقدارها من السنين ثَلَاثمِائَة ألف ألف سنة وَسِتَّة آلَاف سنة وَسَبْعمائة ألف سنة وَعِشْرُونَ ألف سنة
وَقد قسموا الدّور أَيْضا بِأَرْبَع قطع أَولهَا أعظمها وَهِي مُدَّة الْفَصْل الْمَذْكُور
وَثَانِيها ثَلَاثَة أَربَاع الْفَصْل ومدتها ألف ألف سنة وَمِائَتَا ألف سنة وَسِتَّة وَتسْعُونَ ألف سنة
وَثَالِثهَا نصف الْفَصْل ومدته ثَمَانمِائَة ألف سنة وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ ألف سنة
وَرَابِعهَا ربع الْفَصْل وَهُوَ عشر الدّور الْمَذْكُور ومدته أَرْبَعمِائَة ألف سنة وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ألف سنة
стр. 42
وَلكُل وَاحِد من هَذِه الْقطع الْأَرْبَع إسم يعرف بِهِ فاسم الْقطعَة الرَّابِعَة عِنْدهم كلكال لأَنهم يَزْعمُونَ أَنهم فِي زمانها وَأَن الَّذِي مضى من عمر الْملك الطبيعي على زعم حكيمهم الْأَعْظَم الْمُسَمّى عِنْدهم برهمكوت ثَمَان سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام
وَنحن الْآن فِي نَهَار الْيَوْم الْخَامِس من الشَّهْر السَّادِس من السّنة التَّاسِعَة وَمضى من النَّهَار الْخَامِس سِتّ نوب وَسَبْعَة فُصُول وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ دورا من النّوبَة السَّابِعَة وَثَلَاث قطع من الدّور الْمَذْكُور أَعنِي تِسْعَة أعشاره وَمضى من الْقطعَة الرَّابِعَة أَعنِي من أول كلكال إِلَى هَلَاك شككال عَظِيم مُلُوكهمْ الْوَاقِع فِي آخر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة للإسكندر ثَلَاثَة آلَاف سنة وَمِائَة سنة وتسع وَسَبْعُونَ سنة
وَقَالَ إِنَّمَا عرفنَا هَذَا الزَّمَان من علم إلهي وَقع إِلَيْنَا من عُظَمَاء أنبيائنا المتألهين رواياتهم جيلا بعد جيل على ممر الدهور والأزمان وَزَعَمُوا أَن مبدأ كل دور أَو فصل أَو قِطْعَة أَو نوبَة تتجدد أزمنة العوالم وتنتقل من حَال إِلَى حَال وَأَن الْمَاضِي من أول كلكال إِلَى شككال ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَة وتسع وَسَبْعُونَ سنة والماضي من النَّهَار الْمَذْكُور إِلَى آخر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة للإسكندر ألف ألف سنة وَتِسْعمِائَة ألف ألف سنة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ ألف ألف سنة وَتِسْعمِائَة ألف سنة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ ألف ألف سنة وَتِسْعمِائَة ألف سنة وَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ ألف سنة وَمِائَة سنة وَسبع وَسَبْعُونَ سنة فَيكون الْمَاضِي من عمر الْملك الطبيعي إِلَى آخر هَذِه السّنة سِتَّة وَعشْرين ألف ألف ألف ألف سنة وثلاثمائة ألف ألف ألف سنة وَخَمْسَة عشر ألف ألف ألف سنة وَسَبْعمائة ألف ألف سنة واثنين وَثَلَاثِينَ ألف ألف سنة وَتِسْعمِائَة ألف سنة وَسَبْعَة وَأَرْبَعين ألف سنة وَمِائَة سنة وتسعا وَسبعين سنة
فَإِذا زِدْنَا عَلَيْهَا الْبَاقِي من تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر بعد نُقْصَان السنين الْمَذْكُورَة مِنْهُ تحصل الْمَاضِي من عمر الْملك بِالْوَقْتِ الْمَفْرُوض وَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك
قَالَ الخطا والأيغر فِي ذَلِك قولا أعجب من قَول الْهِنْد وَأغْرب على مَا نقلته من زيج أدوار الْأَنْوَار وَقد لخص هَذَا القَوْل من كتب
стр. 43
أهل الصين وَذَلِكَ أَنهم جعلُوا مبادي سنيهم مَبْنِيَّة على ثَلَاثَة أدوار الأول يعرف بالعشري مُدَّة عشر سِنِين لكل سنة مِنْهَا إسم يعرف بِهِ وَالثَّانِي يعرف بالدور الإثني عشري وَهُوَ أشهرها خُصُوصا فِي بِلَاد التّرْك يسمون سنيه بأسماء حيوانات بلغتي الْخَطَأ والأيغر وَالثَّالِث مركب من الدورين جَمِيعًا ومدته سِتُّونَ سنة وَبِه يؤرخون سني الْعَالم وأيامه وَيقوم عِنْدهم مقَام أَيَّام الإسبوع عِنْد الْعَرَب وَغَيرهَا وَاسم كل سنة مِنْهَا مركب من إسميها فِي الدورين جَمِيعًا وَكَذَلِكَ كل يَوْم من أَيَّام السّنة وَلِهَذَا الدّور ثَلَاثَة أَسمَاء وَهِي شانكون وجونكون وخاون وَيصير بحسبها مرّة أعظم وَمرَّة أَوسط وَمرَّة أَصْغَر فَيُقَال جور شانكون الاعظم ودور جانكون الْأَوْسَط ودور خاون الْأَصْغَر وبهذه الأدوار يعتبرون سني الْعَالم وأيامه وجملتها مائَة وَثَمَانُونَ سنة
ثمَّ تَدور الأدوار الثَّلَاثَة عَلَيْهَا مرّة أُخْرَى وَاتفقَ وُقُوعهَا مبدأ الدّور الْأَعْظَم فِي الشَّهْر الأول من سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ليزدجرد وَاسْمهَا بلغتهم كادر وبلغة الْعَرَب سنة الْغَار
وَكَانَ دُخُول أول فرودين هَذِه السّنة من سني الْعَرَب يَوْم الْخَمِيس وَهُوَ بلغتهم سنّ جن
وَمن هَذَا الْيَوْم وعَلى هَذَا التَّارِيخ تترتب مبادي سنيهم وأيامهم فِي الْمَاضِي والمستقبل وشهورهم إثنا عشر شهرا لكل شهر مِنْهَا إسم بلغَة الخطا وبلغة الأيغر لَا حَاجَة بِنَا هُنَا إِلَى ذكرهَا ويقسمون الْيَوْم الأول بليلته اثْنَي عشر قسم كل قسم مِنْهَا يُقَال لَهُ جاغ وكل جاغ ثَمَانِيَة أَقسَام كل قسما مِنْهَا يُقَال لَهُ كه ويقسمون الْيَوْم بليلته أَيْضا عشرَة آلَاف فنك وكل فنك مِنْهَا مائَة مياو فَيُصِيب كل جاغ ثمانممائة وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ثَلَاث فنكا وَثَلَاث فنك وكل كه مائَة وَأَرْبَعَة أفناك وَسدس فنك وينسبون كل جاغ إِلَى صُورَة من الصُّور الإثنتي عشرَة ومبدأ الْيَوْم بليلته عِنْدهم من نصف اللَّيْل وَفِي منتصف جاغ كسكو
стр. 44
يتَغَيَّر أول النَّهَار وَآخره بِحَسب الطول وَالْقصر من قبل أَن كل جاغ ساعتان مستويتان
وَفِي منتصف النَّهَار ينتصف جاغ يوند وهم يكبسون فِي كل ثَلَاث سِنِين قمرية شهرا وَاحِدًا يسمونه سيون ليحفظوا بالكبس مبادي سني الشَّمْس فِي زمَان وَاحِد من سنة أُخْرَى ويكبسون أحد عشر شهرا فِي كل ثَلَاثِينَ سنة قمرية وَلَا يَقع عِنْدهم شهر الكبس فِي مَوضِع وَاحِد بِعَيْنِه من السّنة بل يَقع فِي كل مَوضِع مِنْهَا وكل شهر عدَّة أَيَّامه أما ثَلَاثُونَ يَوْمًا أَو تِسْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَا يُمكن عِنْدهم أَكثر من ثَلَاثَة أشهر متواليه تَامَّة وَلَا أَكثر من شَهْرَيْن ناقصين ومبادي شهورهم يَوْم الإجتماع إِن وَقع إجتماع النيرين نَهَارا فَإِن وَقع الإجتماع لَيْلًا كَانَ أول الشَّهْر فِي الْيَوْم الَّذِي بعد الإجتماع
وزمان السّنة الشمسية بِحَسب أرصادهم ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَأَلْفَانِ وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَثَلَاثُونَ فنكا وَالسّنة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ قسما كل قسم مِنْهَا خَمْسَة عشر يَوْمًا وَأَلْفَانِ وَمِائَة وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ فنكا وهمسة أَسْدَاس فنك وَلكُل قسم من هَذِه الْأَقْسَام إسم وكل سِتَّة أَقسَام مِنْهَا فصل من فُصُول السّنة فإسم أول قسم من فصولها الحن وأوله أبدا حَيْثُ تكون الشَّمْس فِي سِتّ عشرَة دَرَجَة من برج الدَّلْو وَهَكَذَا أَوَائِل كل فصل إِنَّمَا تكون فِي حُدُود أواسط البروج الثَّابِتَة
وَكَانَ بعد مدْخل الحن من أول الدّور الستيني فِي السّنة الْمَذْكُورَة أحد عشر فنكا وَسَبْعَة آلَاف وسِتمِائَة وَسِتِّينَ فنكا وإسم مدخله بِي خايني وَكَانَ بعد دُخُول السّنة الفارسية الْمَذْكُورَة بِنَحْوِ عشْرين يَوْمًا وَيبعد مدخله عَن أول الدّور فِي كل سنة بِقدر فصل سنة الشَّمْس على سنة الدّور وَهُوَ خَمْسَة أَيَّام وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فنكا فَإِن زَادَت الْأَيَّام على سِتِّينَ يَوْمًا كَانَ الْبَاقِي بعد الحن فِي تِلْكَ السّنة عَن أول الدّور الستيني ويتفاضل الْبعد بَينهمَا فِي كل سنة بِقدر فضل سنة الشَّمْس على سنة الْقَمَر الَّتِي هِيَ ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَثَلَاثَة آلَاف وسِتمِائَة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ فنكا وَمِقْدَار الْفضل بَينهمَا عشرَة أَيَّام وَثَمَانِية آلَاف
стр. 45
وَسَبْعمائة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فنكا وَخَمْسَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَسِتَّة أفناك نقص مِنْهَا هَذَا الْعدَد واحتسب بِالْبَاقِي فَإِذا عرفت هَذَا من حسابهم فاسعلم أَن عمر الْعَالم عِنْدهم ثَلَاثمِائَة ألف ون وَسِتُّونَ ألف ون كل ون عشرَة آلَاف سنة مضى من ذَلِك إِلَى أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ليزدجرد وَهِي دور شانكون الْأَعْظَم ثَمَانِيَة آلَاف ون وَثَمَانمِائَة ون وَثَلَاثَة وَسِتُّونَ ونا وَتِسْعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَأَرْبَعُونَ سنة فَتكون الْمدَّة الْعُظْمَى على هَذَا ثَلَاثَة آلَاف ألف ألف ألف ألف سنة وسِتمِائَة ألف ألف ألف ألف سنة بِهَذِهِ الصُّورَة ٣٦٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ والماضي مِنْهَا إِلَى السّنة الْمَذْكُورَة ثَمَانِيَة وَثَمَانُونَ ألف ألف سنة وسِتمِائَة ألف سنة وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ ألف سنة سَبْعمِائة سنة وَأَرْبَعُونَ سنة بِهَذِهِ الصُّورَة ٨٨٦٣٩٧٤ وَللَّه غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله
وَإِنَّمَا ذكرت طرفا من حِسَاب سني البراهمة وطرفا من حِسَاب سني الخطا والأيغر الْمُسْتَخْرج من حِسَاب الصين ليعلم أَن ذَلِك لم يَضَعهُ حكماؤهم عَبَثا ولأمر مَا جدع قصير أَنفه
وَكم من جَاهِل بالتعليم إِذا سمع أَقْوَالهم فِي مُدَّة سني الْعَالم يُبَادر إِلَى تكذيبهم من غير علم بدليلهم عَلَيْهِ وَطَرِيق الْحق أَن يتَوَقَّف فِيمَا لَا يُعلمهُ حَتَّى يتَبَيَّن أحد طَرفَيْهِ فيرجحه على الآخر ﴿وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾
وَقَالَ أَصْحَاب السَّنَد بوالهند وَمَعْنَاهُ دهر الدهران الْكَوَاكِب وأوجاتها وجوزهراتها تَجْتَمِع كلهَا فِي أول برج الْحمل عِنْد كل أَرْبَعَة آلَاف ألف ألف سنة وثلاثمائة ألف ألف سنة وَعشْرين ألف ألف سنة شمسية وَهَذِه مُدَّة سني الْعَالم
قَالُوا وَإِذا جمعت بِرَأْس الْحمل فَسدتْ المكونات الثَّلَاث الَّتِي يحويها عَالم الْكَوْن وَالْفساد الْمعبر عَنهُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهَذِه المكونات هِيَ الْمَعْدن
стр. 46
والنبات وَالْحَيَوَان فَإِذا فَسدتْ بَقِي الْعَالم السفلي خرابا دهرا طَويلا إِلَى أَن تتفرق الْكَوَاكِب والأوجات والجوزهرات فِي بروج الْفلك فَإِذا تَفَرَّقت فِيهَا بَدَأَ الْكَوْن بعد الْفساد فَعَادَت أَحْوَال الْعَالم السفلي إِلَى الْأَمر الأول وَهَذَا يكون عودا بعد بَدْء إِلَى غير نِهَايَة
قَالُوا وَلكُل وَاحِد من الْكَوَاكِب والأوجات والجوزهات عدَّة أدوار فِي هَذِه الْمدَّة يدل على كل دور مِنْهَا على شَيْء من المكونات كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي كتبهمْ مِمَّا لَا حَاجَة بِنَا هُنَا إِلَى ذكره وَهَذَا القَوْل منتزع من قَول البراهمة الَّذين تقدم ذكرهم
وَقَالَ أَصْحَاب الهازروان من قدماء الْهِنْد إِن لكل ثَلَاثمِائَة ألف مائَة ألف وَثَمَانُونَ ألف سنة شمسية يهْلك الْعَالم بأسره وَيبقى مثل هَذِه الْمدَّة ثمَّ يعود بِعَيْنِه ويعقبه الْبَدَل وَهَكَذَا أبدا يكون الْحَال لَا إِلَى نِهَايَة
قَالُوا وَمضى من أَيَّام الْعَالم الْمَذْكُورَة إِلَى طوفان نوح ﵇ مائَة ألف وَثَمَانُونَ ألف سنة شمسية وَمضى من الطوفان إِلَى سنة الْهِجْرَة المحمدية على صَاحبهَا الصَّلَاة والتحية ثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وَثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَأَيَّام وَبَقِي من سني الْعَالم حَتَّى يبتدىء ويفنى مائَة ألف وبضع وَسَبْعُونَ ألف سنة شمسية أَولهَا تَارِيخ الْهِجْرَة الَّذِي يؤرخ بِهِ أهل الْإِسْلَام
وَقَالَ أَصْحَاب الأزجهير مُدَّة الْعَالم الَّتِي تَجْتَمِع فِيهَا الْكَوَاكِب بِرَأْس الْحمل هِيَ وأوجاتها وجوزهراتها جُزْء من ألف جُزْء من مُدَّة السَّنَد هِنْد وَهَذَا أَيْضا منتزع من قَول البراهمة
وَقَالَ أَبُو معشر وَابْن نوبخت إِن بعض الْفرس يرى أَن عمر الدُّنْيَا إثنا عشر ألف سنة بعدة البروج لكل برج ألف سنة فَكَانَ ابْتِدَاء أَمر الدُّنْيَا فِي أول ألف الْحمل لِأَن الْحمل والثور والجوزاء تسمى أشرف الشّرف وينسب إِلَى الْحمل الْفَصْل وفيهَا تكون الشَّمْس فِي شرفها وعلوها وَطول نَهَارهَا وَلذَلِك الدُّنْيَا كَانَت إِلَى ثَلَاثَة آلَاف سنة علوِيَّة روحانية طَاهِرَة وَلِأَن السرطان والأسد والسنبلة منتقصة فَإِن الشَّمْس تنحط من علوها فِي أول دقيقة من السرطان
стр. 47
وَكَانَ قدر الدُّنْيَا وأبناؤها منحطا فِي ثَلَاثَة آلَاف الثَّانِيَة وَلِأَن الْمِيزَان أهبط الهبوط وبئر الْآبَار وضد البرج الَّذِي فِيهِ شرف الشَّمْس دلّ على أَنه أصَاب الدُّنْيَا فاكتسب أَهلهَا الْمعْصِيَة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس إِذا نزلتها الشَّمْس لم تَزْدَدْ إِلَّا انحطاطا وَالْأَيَّام إِلَّا نُقْصَانا فَلذَلِك دلّت على البلايا والضيق والشدة وَالشَّر وَحَيْثُ تبلغ الآلاف إِلَى أول الجدي الَّذِي فِيهِ أول ارْتِفَاع الشَّمْس وأشرافها على شرفها وَفِيه تزداد الْأَيَّام طولا والدلو والحوت اللَّذَان تزداد الشَّمْس فيهمَا صعُودًا حَتَّى تصل لِشَرَفِهِمَا فَيدل على ظُهُور الْخَيْر وَضعف الشَّرّ وثبات الدّين وَالْعقل وَالْعَمَل بِالْحَقِّ وَالْعدْل وَمَعْرِفَة فضل الْعلم وَالْأَدب فِي تِلْكَ الثَّلَاثَة آلَاف سنة وَمَا يكون فِي ذَلِك فعلى قدر صَاحب الْألف وَالْمِائَة وَالْعشرَة وعَلى حسب اتِّفَاق الْكَوَاكِب فِي أول سرطان صَاحب الْألف فَلَا يزَال ذَلِك فِي زِيَادَة حَتَّى يعود أَمر الدُّنْيَا فِي آخرهَا إِلَى مثل مَا كَانَ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهَا وَهِي فِي ألف الْحمل
وَكلما تقَارب آخر كل ألف من هَذِه الألوف اشْتَدَّ الزَّمَان وَكَثُرت البلايا لِأَن أَوَاخِر البرج فِي حُدُود النحوس وَكَذَلِكَ فِي آخر المئين والعشرات فعلى هَذَا الإنقضاء للدنيا إِذا كَانَ الزَّمَان يعود إِلَى الْحمل كَمَا بَدَأَ أول مرّة وَزَعَمُوا أَن ابْتِدَاء الْخلق بالتحرك كَانَ وَالشَّمْس فِي ابْتِدَاء الْمصير فدار الْفلك وَجَرت الْمِيَاه وهبت الرِّيَاح واتقدت النيرَان وتحرك سَائِر الْخَلَائق بِمَا هم عَلَيْهِ من خير وَشر والطالع تِلْكَ السَّاعَة تسع عشرَة دَرَجَة من برج السرطان وَفِيه المُشْتَرِي
وَفِي الْبَيْت الرَّابِع هُوَ بَيت الْعَافِيَة وَهُوَ برج الْمِيزَان زحل وَكَانَ الذَّنب فِي الْقوس والمريخ فِي الجدي والزهرة وَعُطَارِد فِي الْحُوت ووسط السَّمَاء برج الْحمل وَفِي أول دقيقة مِنْهُ الشَّمْس
وَكَانَ الْقَمَر فِي الثور وَفِي بَيت السَّعَادَة وَكَانَ الرَّأْس فِي برج الجوزاء وَبَيت الشَّقَاء وَفِي تِلْكَ الدقيقة من السَّاعَة كَانَ اسْتِقْبَال أَمر الدُّنْيَا فَكَانَ خَيرهَا وشرها وانحطاطها وارتفاعها وَسَائِر مَا فِيهَا على قدر مجاري البروج والنجوم وَولَايَة أَصْحَاب الألوف وَغير ذَلِك من أحوالها
стр. 48
وَلِأَن المُشْتَرِي كَانَ فِي السرطان فِي شرفه وزحل فِي الْمِيزَان فِي شرفه والمريخ وَالشَّمْس وَالْقَمَر فِي أَشْرَافهَا دلّت على كائنة جليلة فَكَانَ نشوء الْعَالم وبرز زحل فَتَوَلّى الآلف هُوَ وَالْمِيزَان وَكَانَ المُشْتَرِي فِي الطالع مَقْبُولًا وَكَذَلِكَ جَمِيع الْكَوَاكِب كَانَت مَقْبُولَة فَدلَّ على نَمَاء الْعَالم وَحسن نشوئه
وَكَانَ زحل هُوَ المستولي والعالي فِي الْفلك والبرج طَوِيل الطالع فطالت أَعمار تِلْكَ الْألف وقويت أبدانهم وَكَثُرت مِيَاههمْ وَكَون الْمِيزَان تَحت الأَرْض دلّ على خَفَاء أول حُدُوث الْعَالم وعَلى أَن أهل ذَلِك الزَّمَان ينظرُونَ فِي عمَارَة الْأَرْضين وتشيد الْبُنيان
ثمَّ ولى الْألف الثَّانِي الْعَقْرَب والمريخ وَكَانَ فِي الطالع المريخ فَدلَّ على الْقَتْل فِي ذَلِك الْألف وَسَفك الدِّمَاء والسبي وَالظُّلم والجور وَالْخَوْف والهم والحزان وَالْفساد وجور الْمُلُوك
وَولى الْألف الثَّالِث الْقوس وشاركه عُطَارِد والزهرة بطلوعهما وَكَانَ الذَّنب فِي الْقوس فَدلَّ المُشْتَرِي على النجدة فِي تِلْكَ الْألف والشدة وَالْجَلد والبأس والرياسة وَالْعدْل وتقسيم الْمُلُوك الدُّنْيَا وَسَفك الدِّمَاء بِسَبَب ذَلِك
ودلت الزهرة على ظُهُور بيُوت الْعِبَادَة وعَلى الْأَنْبِيَاء
وَدلّ عُطَارِد على ظُهُور الْعقل وَالْأَدب وَالْكَلَام وَكَون البرج مجسرا دلّ على انقلاب الْخَيْر وَالشَّر فِي تِلْكَ الْألف مَرَّات وعَلى ظُهُور ألوان من آيَات الْحق وَالْعدْل والجور
ثمَّ ولى الْألف الرَّابِع الجدي وَكَانَ فِيهِ المريخ فَدلَّ على مَا كَانَ فِي تِلْكَ الْألف من إهراق الدِّمَاء ودلت الشَّمْس على ظُهُور الْخَيْر وَالْعلم وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى وعبادته وطاعته وَطَاعَة أنبيائه وَالرَّغْبَة فِي الدّين مَعَ الشجَاعَة وَالْجَلد وَكَون البرج منقلبا هُوَ والبرج الَّذِي فِيهِ الشَّمْس دلّ على انقلاب ذَلِك فِي آخرهَا وَظُهُور الشَّرّ والتفرق وَالْقسم وَالْقَتْل وَسَفك الدِّمَاء وَالْغَضَب فِي أَصْنَاف كَثِيرَة وتحول
стр. 49
ذَلِك وتلونه وَكَون الجدي منحطا دلّ على أَنه يظْهر فِي آخر تِلْكَ الْألف الْحسن الشبيه بِصفة زحل والمريخ وَانْقِطَاع العظماء والحكماء وبوارهم وارتفاع السفلة وخراب العامر وَعمارَة الخراب وَكَثْرَة تلون الْأَشْيَاء
وَولى ألف الْخَامِس الدَّلْو بِطُلُوع الْقَمَر وَكَانَ الْقَمَر فِي الثور فَدلَّ الدَّلْو لبرودته وعسره على سُقُوط العظماء وعطلة أَمرهم وارتفاع السفلة وَالْعَبِيد ومحمدة البخلاء وَظُهُور الْجَيْش الْأسود والسواد وعَلى كَثْرَة التفتيش والتفكر وَظُهُور الْكَلَام فِي الْأَدْيَان ومحبة الْخُصُومَات وَكَون الْقَمَر فِي شرفه يدل على قهر الْمُلُوك وَظُهُور وُلَاة الْحق ونفاذ الْخَيْر وَظُهُور بيُوت الْعِبَادَة والكف عَن الدِّمَاء والراحة والسعادة فِي الْعَامَّة وثبات مَا يكون من الْعدْل وَالْخَيْر وَطول الْمدَّة فِيهِ وَكَون البرج مائيا يدل على كَثْرَة الأمطار وَالْغَرق وَآفَة من الْبرد يهْلك فِيهَا الْكثير
ويلي الآلف السَّادِس برج الْحُوت بِطُلُوع المُشْتَرِي وَالرَّأْس فَيدل على المحمدة فِي النَّاس عَامَّة وعَلى الصّلاح وَالْخَيْر وَالسُّرُور وَذَهَاب الشَّرّ وَحسن الْعَيْش وَلكُل وَاحِد من الْكَوَاكِب ولَايَة ألف سنة فَصَارَ عُطَارِد خَاتمًا فِي برج السنبلة
وَزعم ابْن نوبخت أَن من يَوْم سَارَتْ الشَّمْس إِلَى تَمام خمس وَعشْرين من ملك أنو شيروان ثَلَاثَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَسبع وَسِتُّونَ سنة وَذَلِكَ فِي ألف الجدي وتدبير الشَّمْس وَمِنْه إِلَى الْيَوْم الأول من الْهِجْرَة سبع وَثَمَانُونَ سنة شمسية وَسِتَّة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَمن الْهِجْرَة سبع وَثَمَانُونَ سنة شمسية وَسِتَّة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَمن الْهِجْرَة إِلَى قيام يزدجرد تسع سِنِين وثلاثمائة وَسَبْعَة وَثَلَاثُونَ يَوْمًا فَذَلِك الْجَمِيع إِلَى أَن قَامَ يزدجرد ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وست وَسِتُّونَ سنة
وَقَالَ أَبُو معشر وَزعم قوم من الْفرس أَن عمر الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة بعدة الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَزعم أَبُو معشر أَن عمر الدُّنْيَا ثَلَاثمِائَة ألف سنة وَسِتُّونَ ألف سنة وَأَن الطوفان كَانَ فِي النّصْف من ذَلِك على رَأس مائَة ألف وَثَمَانِينَ ألف سنة
стр. 50
وَقَالَ قوم عمر الدُّنْيَا تِسْعَة آلَاف سنة لكل كَوْكَب من الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة ألف سنة وللرأس ألف سنة وللذنب ألف سنة وشرها ألف الذَّنب وَأَن الْعمار طَالَتْ فِي تَدْبِير آلَاف الثَّلَاثَة العلوية وَقصرت فِي آلَاف الْكَوَاكِب السفلية
وَقَالَ قوم عمر الدُّنْيَا تِسْعَة عشر ألف سنة بِعَدَد البروج الإثني عشر لكل برج ألف سنة وَبِعَدَد الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة لكل كَوْكَب ألف سنة
وَقَالَ قوم عمر الدُّنْيَا أحد وَعِشْرُونَ ألف سنة بِزِيَادَة ألف للرأس وَألف للذنب
وَقَالَ قوم عمر الدُّنْيَا ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ ألف سنة فِي تَدْبِير برج الْحمل اثْنَا عشر ألف سنة وَفِي تَدْبِير برج الثور أحد عشر ألف سنة وَفِي تَدْبِير الجوزاء عشرَة آلَاف سنة فَكَانَت الْأَعْمَار فِي هَذَا الرّبع أطول وَالزَّمَان أجد ثمَّ تَدْبِير الرّبع الثَّانِي مُدَّة أَرْبَعَة وَعشْرين ألف سنة فَتكون الْأَعْمَار دون مَا كَانَت فِي الرّبع الأول وتدبير الرّبع الثَّالِث خَمْسَة عشر ألف سنة وتدبير الرّبع الرَّابِع سِتَّة آلَاف سنة
وَقَالَ قوم كَانَت الْمدَّة من آدم إِلَى الطوفان أَلفَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا وَمن الطوفان إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ تِسْعمائَة واثنتين وَأَرْبَعين سنة وَسَبْعَة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا فَذَلِك ثَلَاثَة آلَاف ومائتان وَثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة
وَقَالَ قوم من الْيَهُود عمر الدُّنْيَا سَبْعُونَ ألف سنة منحصرة فِي ألف جيل ولقفوا ذَلِك من قَول مُوسَى ﵇ فِي صلَاته أَن الجيل سَبْعُونَ سنة من قَوْله فِي الزبُور إِن إِبْرَاهِيم ﵇ قطع مَعَه الله تَعَالَى عهد بَقَاء الْبشر ألف جيل فجَاء من ذَلِك أَن مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعُونَ ألف سنة واستظهروا لقَولهم هَذَا بِمَا فِي التَّوْرَاة من قَوْله وَاعْلَم أَن الله إلهك هُوَ الْقَادِر الْمُهَيْمِن الْحَافِظ الْعَهْد وَالْفضل لمحبيه وحافظي وَصَايَاهُ لِأَلف جيل
стр. 51
وَذكر أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن المَسْعُودِيّ فِي كتاب أَخْبَار الزَّمَان عَن الْأَوَائِل أَنهم قَالُوا كَانَ فِي الأَرْض ثَمَان وَعِشْرُونَ أمة ذَات أَرْوَاح وأيد وبطش وصور مختلفات بِعَدَد الْمنَازل الْقَمَر لكل منزلَة أمة مُنْفَرِدَة تعرف بهَا تِلْكَ الْأمة ويزعمون أَن تِلْكَ الْأُمَم كَانَت الْكَوَاكِب الثَّابِتَة تدبرها وَكَانُوا يعبدونها
وَيُقَال لما خلق الله تَعَالَى البروج الاثْنَي عشر قسم دوامها فِي سلطانها فَجعل للْحَمْل اثْنَي عشر ألف عَام وللثور أحد عشر ألف عَام وللجوزاء عشرَة آلَاف عَام وللسرطان تِسْعَة آلَاف عَام وللأسد ثَمَانِيَة آلَاف عَام وللسنبلة سَبْعَة آلَاف عَام وللميزان سِتَّة آلَاف عَام وللعقرب خَمْسَة آلَاف عَام وللقوس أَرْبَعَة آلَاف عَام وللجدي ثَلَاثَة آلَاف عَام وللدلو ألفي عَام وللحوت ألف عَام فَصَارَ الْجَمِيع ثَمَانِيَة وَسبعين ألف عَام فَلم يكن فِي عَالم الْحمل والثور والجوزاء وحيوان وَذَلِكَ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف عَام
فَلَمَّا كَانَ عَالم السرطان تكونت دَوَاب المَاء وهوام الأَرْض
فَلَمَّا كَانَ عَالم الْأسد تكونت ذَوَات الْأَرْبَع من الْوَحْش والبهائم وَذَلِكَ بعد تِسْعَة آلَاف عَام من خلق دَوَاب المَاء والهواء
فَلَمَّا كَانَ عَالم السنبلة تكون الإنسانان الْأَوَّلَانِ وهما ادمانوس وحنوانوس وَذَلِكَ لتَمام سَبْعَة عشر ألف عَام لخلق دَوَاب المَاء وهوام الأَرْض ولتمام ثَمَانِيَة آلَاف عَام من خلق ذَوَات الْأَرْبَع وخلقت الأَرْض فِي عَالم الْمِيزَان
وَيُقَال بل خلقت الأَرْض أَولا وأقامت خَالِيَة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألف عَام لَيْسَ فِيهَا حَيَوَان وَلَا عَالم روحاني ثمَّ خلق الله تَعَالَى هوَام المَاء ودواب الأَرْض وَمَا بعد ذَلِك على مَا تقدم ذكره فَلَمَّا تمّ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف عَام لخلق دَوَاب المَاء وهوام الأَرْض ولتمام خَمْسَة عشر ألف عَام من خلق ذَوَات الْأَرْبَع ولتتمة سَبْعَة آلَاف عَام من لدن تكون الإنسانين خلقت الطُّيُور
стр. 52
وَيُقَال إِن مُدَّة مقَام الإنسانين ونسلهما فِي الأَرْض مائَة ألف وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف عَام مِنْهَا لزجل سِتَّة وَخَمْسُونَ ألف عَام وَللْمُشْتَرِي أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ ألف عَام وللمريخ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف عَام
وَيُقَال إِن الْأُمَم الْمَخْلُوقَات قبل آدم هِيَ كَانَت الجبلة الأولى وَهِي ثَمَان وَعِشْرُونَ أمة بِإِزَاءِ منَازِل الْقَمَر خلقت من أمزجة مُخْتَلفَة أَصْلهَا المَاء والهواء وَالْأَرْض وَالنَّار فتباين خلقهَا
فَمِنْهَا أمة خلقت طوَالًا زرقا ذَوَات أَجْنِحَة كَلَامهم قرقعة على صفة الْأسود
وَمِنْهَا أمة أبدانهم أبدان الْأسود ورؤسهم رُؤُوس الطير لَهُم شُعُور وآذان طوال وَكَلَامهم دوِي
وَمِنْهَا أمة لَهَا وَجْهَان وَجه أمامها وَوجه خلفهَا وَلها أرجل كَثِيرَة وَكَلَامهم كَلَام الطير
وَمِنْهَا أمة ضَعِيفَة فِي صور الْكلاب لَهَا أَذْنَاب وَكَلَامهم همهمة لَا يعرف
وَمِنْهَا أمة تشبه بني آدم أَفْوَاههم فِي صُدُورهمْ يصفرون إِذا تكلمُوا صفيرا
وَمِنْهَا أمة يشبهون نصف إِنْسَان لَهُم عين وَاحِدَة وَرجل يقفزون بهَا قفزا ويصيحون كصياح الطير
وَمِنْهَا أمة لَهَا وُجُوه كوجوه النَّاس وأصلاب كأصلاب السلاحف فِي رؤوسهم قُرُون طوال لَا يفهم كَلَامهم
وَمِنْهَا أمة مُدَوَّرَة الْوُجُوه لَهُم شُعُور بيض وأذناب كأذناب الْبَقر ورؤوسهم فِي صُدُورهمْ لَهُم شُعُور وثدي وهم إناث كُلهنَّ لَيْسَ فِيهِنَّ ذكر يلقحن من الرّيح ويلدن أمثالهن ولهن أصوات مطربة يجْتَمع إلَيْهِنَّ كثير من هَذِه الْأُمَم لحسن أصواتهن
стр. 53
وَمِنْهَا أمة على خلق بني آدم سود وُجُوههم ورؤوسهم كرؤوس الْغرْبَان
وَمِنْهَا أمة فِي خلق الْهَوَام والحشرات إِلَّا أَنَّهَا عَظِيمَة الْأَجْسَام تَأْكُل وتشرب مثل الْأَنْعَام
وَمِنْهَا أمة كوجوه دَوَاب الْبَحْر لَهَا أَنْيَاب كأنياب الْخَنَازِير وآذان طوال وَيُقَال أَن هَذِه الثَّمَانِية وَالْعِشْرين أمة تناكحت فَصَارَت مائَة وَعشْرين أمة
وَسُئِلَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ هَل كَانَ فِي الأَرْض خلق قبل آدم يعْبدُونَ الله تَعَالَى فَقَالَ نعم خلق الله الأَرْض وَخلق فِيهَا الْجِنّ يسبحون الله ويقدسونه لَا يفترون وَكَانُوا يطيرون إِلَى السَّمَاء ويلقون الْمَلَائِكَة ويسلمون عَلَيْهِم ويستعملون مِنْهُم خبر مَا فِي السَّمَاء
ثمَّ أَن طَائِفَة مِنْهُم تمردت وعتت عَن أَمر رَبهَا وبغت فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَعدا بَعضهم على بعض وجحدوا الربوبية وَكَفرُوا بِاللَّه وعبدوا مَا سواهُ وتغايروا على الْملك حَتَّى سَفَكُوا الدِّمَاء وأظهروا فِي الأَرْض الْفساد وَكثر تقَاتلهمْ وَعلا بَعضهم على بعض وَأقَام المطيعون لله تَعَالَى على دينهم وَكَانَ إِبْلِيس من الطَّائِفَة المطيعة لله والمسبحين لَهُ وَكَانَ يصعد إِلَى السَّمَاء فَلَا يحجب عَنْهَا لحسن طَاعَته
ويروى أَن الْجِنّ كَانَت تفترق على إِحْدَى وَعشْرين قَبيلَة وَأَن بعد خَمْسَة آلَاف سنة ملكوا علهم ملكا يُقَال لَهُ شملان بن أرس ثمَّ افْتَرَقُوا فملكوا عَلَيْهِم خَمْسَة مُلُوك وَأَقَامُوا على ذَلِك دهرا طَويلا ثمَّ أغار بَعضهم على بعض وتحاسدوا فَكَانَت بَينهم وقائع كَثِيرَة فأهبط الله تَعَالَى عَلَيْهِم إِبْلِيس وَكَانَ اسْمه بِالْعَرَبِيَّةِ الْحَارِث كنيته أَبُو مرّة وَمَعَهُ عدد كثير من الْمَلَائِكَة فَهَزَمَهُمْ وقتلهم
وَصَارَ إِبْلِيس ملكا على وَجه الأَرْض فتكبر وطغى وَكَانَ من امْتِنَاعه من السُّجُود لآدَم مَا كَانَ فأهبطه الله تَعَالَى إِلَى الأَرْض فسكن الْبَحْر
стр. 54
وَجعل عَرْشه على المَاء فألقيت عَلَيْهِ شَهْوَة الْجِمَاع وَجعل لقاحه لقاح الطير وبيضه
وَيُقَال إِن قبائل الْجِنّ من الشَّيَاطِين خمس وَثَلَاثُونَ قَبيلَة خمس عشرَة قَبيلَة تطير فِي الْهَوَاء وَعشر قبائل مَعَ لَهب النَّار وَثَلَاثُونَ قَبيلَة يسْتَرقونَ السّمع من السَّمَاء وَلكُل قَبيلَة ملك مُوكل يدْفع شَرها وَمِنْهُم صنف من السعالى يتصورون فِي صور النِّسَاء الحسان ويتزوجن بِرِجَال الْإِنْس ويلدن مِنْهُم وَمِنْهُم صنف على صور الْحَيَّات إِذا قتل أحد مِنْهُم وَاحِدَة هلك من وقته فَإِن كَانَت صَغِيرَة هلك وَلَده أَو عَزِيز عِنْده
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ إِن الْكلاب من الْجِنّ فَإِذا رأوكم تَأْكُلُونَ فَألْقوا إِلَيْهِم من طَعَامكُمْ فَإِن لَهُم أنفسا يَعْنِي أَنهم يَأْخُذُونَ بِالْعينِ
وَقد رُوِيَ أَن الأَرْض كَانَت معمورة بأمم كَثِيرَة مِنْهُم الطم والرم وَالْجِنّ البن وَالْحسن والبسن وَإِن الله تَعَالَى لما خلق السَّمَاء عمرها بِالْمَلَائِكَةِ وَلما خلق الأَرْض عمرها بالجن فعاثوا وسفكوا الدِّمَاء فَأنْزل الله عَلَيْهِم جندا من الْمَلَائِكَة فَأتوا على أَكْثَرهم قتلا وأسرا فَكَانَ مِمَّن أسر إِبْلِيس وَكَانَ إسمه عزرايل فَلَمَّا صعد بِهِ إِلَى السَّمَاء أَخذ نَفسه بالإجتهاد فِي الْعِبَادَة وَالطَّاعَة رَجَاء أَن يَتُوب الله عَلَيْهِ فَلَمَّا لم يجد ذَلِك عَلَيْهِ شَيْئا خامر الْمَلَائِكَة الْقنُوط فَأَرَادَ الله أَن يطهر لَهُم تكبره وإبانة مَا خَفِي عَنْهُم من مَكْتُوم أنبائه إِلَى عمَارَة الأَرْض قبل آدم مِمَّن أفسد فِيهَا أَشَارَ بقوله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْمَلَائِكَة ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ يعنون كَمَا فعل بهَا من قبل وَالله أعلم بمراده هَكَذَا قيل
وَيُقَال وَالَّذِي يَنْبَغِي التعويل عَلَيْهِ والتصبير إِلَيْهِ مَا ورد بِهِ الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة المطهرة من بَدْء الْخلق وَمَا كَانَ وَمَا يكون وَهُوَ قَلِيل جدا وَمَا أَتَى النَّاس بِهِ من الْقَصَص وأساطير الْمَخْلُوقَات قبل آدم وَبعده
стр. 55
فَلَا يقبل مِنْهُ إِلَّا مَا يشْهد بِهِ نَص من كتاب أنزل من عِنْد الله تَعَالَى أَو خبر صَحِيح ورد من رَسُول الله ﷺ
وَأما مَا جَاءَ من أهل الْكتاب وَمن يضايقهم فَلَا نصدقه وَلَا نكذبه بل نتوقف فِيهِ وَنكل علمه إِلَى الله تَعَالَى وَلَا نقطع بِصِحَّتِهِ لِأَن أسانيده إِلَى الَّذين رووا عَنْهُم مُنْقَطِعَة معضلة غير متتابعة لبعد الْعَهْد وَطول الأمد ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ ﴿وَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ﴾ وَالنَّظَر فِي كتب التواريخ لَا يُورث إِلَّا خلافًا كثيرا وتعارضا شَدِيدا وحيرة مدهشة وباطلا لَاحق وَخطأ لَا صَوَاب وكذبا لَا صدق والخوض فِي أَمْثَال ذَلِك شَأْن السُّفَهَاء دون الْعُقَلَاء لِأَن مَا لم يكن سَبِيل إِلَى تَحْقِيقه لَا يحسن السلوك فِي طَرِيقه
قَالَ أَبُو بكر بن أَحْمد بن عَليّ وحشية فِي كتاب الفلاحة أَنه عرب هَذَا الْكتاب وَنَقله من لِسَان الكلدانيين إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَأَنه وجده من وضع ثَلَاثَة حكماء قدماء وهم صعريت وسوساد وفوقاي إبتدأوه الأول وَكَانَ ظُهُوره فِي الْألف السَّابِع من سَبْعَة آلَاف سني زحل وَهِي الْألف الَّتِي يُشَارك فِيهَا زحل الْقَمَر وتممه الثَّانِي وَكَانَ ظُهُوره فِي آخر هَذِه الْألف وأكمله الثَّالِث وَكَانَ ظُهُوره بعد مُضِيّ أَرْبَعَة آلَاف سنة من دور الشَّمْس الَّذِي هُوَ سَبْعَة آلَاف سنة وَأَنه نظر إِلَى مَا بَين زمَان الأول وَالثَّالِث فَكَانَ ثَمَانِيَة عشر ألف سنة شمسية وَبَعض الْألف التَّاسِع عشر
وَقد اخْتلف أهل الْإِسْلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا فروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ الدُّنْيَا جُمُعَة من جمع الْآخِرَة وَالْيَوْم ألف سنة فَذَلِك سَبْعَة آلَاف سنة
وروى سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح قَالَ قَالَ كَعْب الْأَحْبَار الدُّنْيَا سِتَّة آلَاف سنة
стр. 56
وَعَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ قد خلا من الدُّنْيَا خَمْسَة آلَاف سنة وسِتمِائَة إِنِّي لأعرف كل زمَان مِنْهَا وَمن فِيهِ من الْأَنْبِيَاء فَقيل لَهُ فكم الدُّنْيَا قَالَ سِتَّة آلَاف سنة
وروى عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أجلكم فِي أجل من كَانَ قبلكُمْ من صَلَاة الْعَصْر إِلَى مغرب الشَّمْس أخرجه الشَّيْخَانِ
وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الحقب ثَمَانُون عَاما الْيَوْم مِنْهَا سدس الدُّنْيَا يوالحقب هُنَا بِكَسْر الْحَاء وَضمّهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن أَحْمد بن يَعْقُوب الْهَمدَانِي فِي كتاب الأكاليل وَكَانَ الدُّنْيَا جُزْءا من أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا وَخمْس وَسدس يَوْم فَإِذا كَانَت الدُّنْيَا سِتَّة آلَاف سنة وَالْيَوْم ألف سنة تكون سِنِين قمرية سِتَّة آلَاف سنة فَإِذا جَعَلْنَاهُ جُزْء وضربناه فِي أَجزَاء الحقب وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَسَبْعمائة سنة وَثَلَاث وَعِشْرُونَ وَثلث خرج من السِّتين ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ ألف ألف ألف وثلاثمائة ألف ألف وَأَرْبَعُونَ ألف الف وَإِذا كَانَت جُمُعَة من جمع الْآخِرَة زِدْنَا مَعَ هَذَا الْعدَد مثل سدسه وَهَذَا عدد الحقب
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ الصَّوَاب من القَوْل مَا دلّ على صِحَّته الْخَبَر الْوَارِد فَذكر قَوْله ﵇ أجلكم فِي أجل من كَانَ قبلكُمْ من صَلَاة الْعَصْر إِلَى مغرب الشَّمْس
وَقَوله ﵇ بعثت أَنا والساعة كهاتين وأشاء بالسبابة وَالْوُسْطَى وَقَوله ﵇ بعثت أَنا والساعة جَمِيعًا إِن كَادَت لتسبقني
قَالَ فمعلوم إِن كَانَ الْيَوْم أَوله طُلُوع الشَّمْس وَآخره غرُوب الشَّمْس
وَكَانَ صَحِيحا عَن النَّبِي ﷺ قَوْله أجلكم فِي أجل من كَانَ قبلكُمْ من صَلَاة الْعَصْر إِلَى مغرب الشَّمْس
стр. 57
وَقَوله بعثت أَنا والساعة كهاتين وَأَشَارَ بالسبابة وَالْوُسْطَى وَكَانَ قدر مَا بَين أَوسط أَوْقَات صَلَاة الْعَصْر وَذَلِكَ إِذا صَار كل شَيْء مثلَيْهِ على التَّحَرِّي إِنَّمَا يكون قدر نصف سبع الْيَوْم يزِيد قَلِيلا أَو ينقص قَلِيلا وَكَذَلِكَ فضل مَا بَين الْوُسْطَى والسبابة إِنَّمَا يكون نَحوا من ذَلِك
وَكَانَ صَحِيحا مَعَ ذَلِك قَوْله ﷺ لن يعجز الله أَن يُؤَخر هَذِه الْأمة نصف يَوْم يَعْنِي نصف الْيَوْم الَّذِي مِقْدَاره ألف سنة فَأولى الْقَوْلَيْنِ اللَّذين أَحدهمَا عَن ابْن عَبَّاس وَالْآخر عَن كَعْب قَول ابْن عَبَّاس إِن الدُّنْيَا جُمُعَة من جمع الْآخِرَة سَبْعَة آلَاف وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَ قد جَاءَ عَنهُ ﵇ أَن الْبَاقِي من ذَلِك فِي حَيَاته نصف يَوْم وَذَلِكَ خَمْسمِائَة عَام إِذا كَانَ ذَلِك نصف يَوْم من الْأَيَّام الَّتِي قدر الْوَاحِد مِنْهَا ألف عَام كَانَ مَعْلُوما أَن الْمَاضِي من الدُّنْيَا وَقت قَوْله عله السَّلَام سِتَّة آلَاف سنة وَخَمْسمِائة سنة أَو نَحْو ذَلِك
وَقد جَاءَ عَنهُ ﵇ خبر يدل على صِحَة قَول من قَالَ أَن الدُّنْيَا كلهَا سِتَّة آلَاف سنة لَو كَانَ صَحِيحا لم يعد القَوْل بِهِ إِلَى غَيره وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ الحقب ثَمَانُون عَاما الْيَوْم مِنْهَا سدس الدُّنْيَا فَتبين من هَذَا الْخَبَر أَن الدُّنْيَا كلهَا سِتَّة آلَاف سنة وَذَلِكَ أَنه حَيْثُ كَانَ الْيَوْم الَّذِي هُوَ من أَيَّام الْآخِرَة مِقْدَاره ألف سنة من سني الدُّنْيَا وَكَانَ الْيَوْم الْوَاحِد من ذَلِك سدس الدُّنْيَا كَانَ مَعْلُوما أَن جَمِيعهَا سِتَّة أَيَّام من أَيَّام الْآخِرَة وَذَلِكَ سِتَّة آلَاف سنة
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم السهلي وَقد مَضَت الْخَمْسمِائَةِ من وَفَاته ﷺ إِلَى الْيَوْم بنيف عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثين مَا يشْهد لشَيْء مِمَّا ذكر مَعَ وُقُوع الْوُجُود بِخِلَافِهِ وَلَيْسَ فِي قَوْله لن يعجز الله أَن يُؤَخر هَذِه الْأمة نصف يَوْم مَا يَنْفِي الزِّيَادَة على النّصْف وَلَا فِي قَوْله بعثت أَنا والساعة كهاتين مَا يقطع بِهِ على صِحَة تَأْوِيله يَعْنِي الطَّبَرِيّ فقد نقل فِي تَأْوِيله غير هَذَا وَهُوَ أَنه لَيْسَ بَينه وَبَين السَّاعَة بني وَلَا شرعة غير شرعته مَعَ التَّقْرِيب لحينها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾
стр. 58
وَقَالَ ﴿أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه﴾ ثمَّ رَجَعَ السُّهيْلي إِلَى تعْيين أمد الْملَّة من مدرك آخر لَو ساعده التَّحْقِيق وَقَالَ وَلَكِن إِذا قُلْنَا إِنَّه ﵇ إِنَّمَا بعث فِي الْألف الآخر بَعْدَمَا مَضَت مِنْهُ سنُون ونظرنا إِلَى الْحُرُوف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور وجدناها أَرْبَعَة عشر حرفا يجمعها قَوْلك ألم يسطع نَص حق كره ثمَّ تَأْخُذ الْعدَد على حِسَاب أبي جاد فَيَجِيء تِسْعمائَة وَثَلَاثَة
وَلم يسم الله تَعَالَى أَوَائِل السُّور إِلَّا هَذِه الْحُرُوف فَلَيْسَ يبعد أَن يكون من بعض مقتضياتها وَبَعض فوائدها الْإِشَارَة إِلَى هَذَا الْعدَد من السنين لما قدمْنَاهُ من حَدِيث الْألف السَّابِع الَّذِي بعث ﵇ فِيهِ
غير أَن الْحساب يحْتَمل أَن يكون من مبعثه أَو من وَفَاته أَو من هجرته وكل قريب بعضه من بعض فقد جَاءَ أشراطها وَلَكِن لَا تَأْتيكُمْ إِلَّا بَغْتَة
وَقد رُوِيَ أَنه ﵇ قَالَ إِن أَحْسَنت أمتِي فبقاءها يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَذَلِكَ ألف سنة وَإِن أساءت فَنصف يَوْم فَفِي الحَدِيث تتميم للْحَدِيث الْمُتَقَدّم وَبَيَان لَهُ إِذْ انْقَضتْ الْخَمْسمِائَةِ وَالْأمة بَاقِيَة
قَالَ ابْن خلدون قلت وَكَونه لَا يبعد لَا يَقْتَضِي ظُهُوره وَلَا التعويل عَلَيْهِ وَالَّذِي حمل السُّهيْلي على ذَلِك إِنَّمَا هُوَ مَا وَقع فِي كتاب السّير لِابْنِ اسحق فِي حَدِيث ابْني أَخطب من أَحْبَار الْيَهُود وهما أَبُو يَاسر وَأَخُوهُ حبي حِين سمعا من الأحرف الْمُقطعَة ألم وتأولاها على بَيَان الْمدَّة بِهَذَا الْحساب فبلغت إِحْدَى وَسبعين فاستقلا الْمدَّة وَجَاء حبي إِلَى النَّبِي ﷺ يسْأَله هَل مَعَ هَذَا غَيره فَقَالَ المص ثمَّ اسْتَزَادَ المر ثمَّ اسْتَزَادَ المر فَكَانَت إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فاستطال الْمدَّة وَقَالَ قد لبس علينا أَمرك يَا مُحَمَّد حَتَّى لَا نَدْرِي أقليلا أَعْطَيْت أم كثيرا ثمَّ ذَهَبُوا عَنهُ
وَقَالَ لَهُم أَبُو يَاسر مَا يدريكم لَعَلَّه أعْطى عَددهَا كلهَا تِسْعمائَة وَأَرْبع سِنِين
стр. 59
قَالَ ابْن اسحق فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ انْتهى
وَلَا يقوم من الْقِصَّة دَلِيل على تَقْدِير الْملَّة بِهَذَا الْعدَد لِأَن دلَالَة هَذِه الْحُرُوف على تِلْكَ الْأَعْدَاد لَيست طبيعية وَلَا عقلية وَإِنَّمَا هِيَ بالتواضع والأصطلاح الَّذِي يسمونه حِسَاب الْجمل نعم إِنَّه قديم مَشْهُور وَقدم الِاصْطِلَاح لَا يصير حجَّة وَلَيْسَ أَبُو يَاسر وَأَخُوهُ حبي من يُؤْخَذ رَأْيه فِي ذَلِك دَلِيلا وَلَا من عُلَمَاء الْيَهُود لأَنهم كَانُوا بادية بالحجاز غفلا عَن الصَّنَائِع والعلوم حَتَّى عَن علم شريعتهم وَفقه كِتَابهمْ وملتهم وَإِنَّمَا يتلقفون مثل هَذَا الْحساب كَمَا تتلقفه الْعَوام فِي كل مِلَّة فَلَا ينْهض لِلسُّهَيْلِي دَلِيل على مَا ادَّعَاهُ من ذَلِك انْتهى كَلَامه
وَقَالَ شَاذان الْبَلْخِي المنجم مُدَّة مِلَّة الْإِسْلَام ثَلَاثمِائَة وَعشر سِنِين وَقد ظهر كذب قَوْله وَللَّه الْحَمد
وَقَالَ أَبُو معشر يظْهر بعد الْمِائَة وَالْخمسين من سني الْهِجْرَة اخْتِلَاف كثير وَلم يَصح ذَلِك
وَقَالَ حراس إِن المنجمين أخبروا كسْرَى أنو شيروان بتملك الْعَرَب وَظُهُور النُّبُوَّة فيهم وَأَن دليلهم الزهرة وَهِي فِي شرفها والزهرة دَلِيل الْعَرَب فَتكون مُدَّة ملك نبوتهم ألفا وَسِتِّينَ سنة وَلِأَن طالع الْقُرْآن الدَّال على ذَلِك برج الْمِيزَان والزهرة صاحبته فِي شرفها
قَالَ وَسَأَلَ كسْرَى وزيره بزرجمهر عَن ذَلِك فَأعلمهُ أَن الْملك يخرج من فَارس وينتقل إِلَى الْعَرَب وَتَكون ولادَة الْقَائِم بامرة الْعَرَب بِخمْس وَأَرْبَعين سنة من وَقت الْقرَان وَأَن الْعَرَب تملك الْمشرق وَالْمغْرب من أجل أَن المُشْتَرِي دَلِيل فَارس قد قبل تَدْبِير الزهرة دَلِيل الْعَرَب وَالْقرَان قد انْتقل من الْمُثَلَّثَة المائية إِلَى برج الْعَقْرَب مِنْهَا وَهُوَ دَلِيل الْعَرَب أَيْضا وَهَذِه الْأَدِلَّة تَقْتَضِي بَقَاء الْملَّة الإسلامية بِقدر دور الزهرة وَهُوَ ألف وَسِتُّونَ سنة شمسية
стр. 60
وَسَأَلَ كسْرَى أبرويز أليوس الْحَكِيم عَن ذَلِك فَقَالَ مثل قَول بزرجمهر
وَقَالَ نفَيْل الرُّومِي وَكَانَ فِي أَيَّام بني أُميَّة تبقى مِلَّة الْإِسْلَام بِقدر مُدَّة الْقرَان الْكَبِيرَة وَهِي تِسْعمائَة وَسِتُّونَ سنة شمسية فَإِذا عَاد الْقُرْآن بعد هَذِه الْمدَّة إِلَى برج الْعَقْرَب كَمَا كَانَ فِي ابْتِدَاء الْملَّة وَتغَير وضع تشكيل الْفلك عَن هيأته فِي الِابْتِدَاء فَحِينَئِذٍ يفتر الْعَمَل ويتجدد مَا يُوجب خلاف الظَّن
قَالَ وَاتَّفَقُوا أَن خراب الْعَالم يكون باستيلاء المَاء وَالنَّار حَتَّى تهْلك المكونات بأسرها وَذَلِكَ إِذا قطع قلب الْأسد أَرْبعا وَعشْرين دَرَجَة من برج الْأسد الَّذِي هُوَ حد المريخ بعد تِسْعمائَة وَسِتِّينَ سنة شمسية من قرَان الْملَّة
وَيُقَال إِن ملك زابلستان وَهِي عزبة بعث إِلَى عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون بِحَكِيم اسْمه ددبان فِي جملَة هَدِيَّة فأعجب بِهِ الْمَأْمُون وَسَأَلَهُ عَن ملك بني الْعَبَّاس فَأخْبرهُ بِخُرُوج الْملك عَن عقبه واتصاله فِي عقب أَخِيه وَأَن الْعَجم تغلبهم فيتغلب الديلم أَولا فِي دولة سنة خمسين ثمَّ يسوء حَالهم حَتَّى يظْهر التّرْك من شمال الْمشرق فيملكون الْفُرَات وَالروم وَالشَّام فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون من أَيْن لَك هَذَا قَالَ من كتب الْحُكَمَاء وَمن أَحْكَام صصه بن داهر الْهِنْدِيّ الَّذِي وضع الشطرنج قلت وَالتّرْك الَّذين أَشَارَ إِلَى ظُهُورهمْ بعد الديلم هم السلجوقية وَقد انْقَضتْ دولتهم أول الْقرَان السَّابِع
وَقَالَ يَعْقُوب بن اسحاق الْكِنْدِيّ مُدَّة مِلَّة الْإِسْلَام سِتّمائَة وَثَلَاث وَتسْعُونَ سنة وَوَقع فِي الْملَّة حدثان دولتها على الْخُصُوص مُسْند من الْأَثر الإجمالي فِي حَدِيث خرجه أَبُو دَاوُد عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ وَالله مَا أَدْرِي أنسي أَصْحَابِي أم تناسوه وَالله مَا ترك رَسُول الله ﷺ من قَائِد فتْنَة إِلَى أَن تَنْقَضِي الدُّنْيَا يبلغ من مَعَه ثَلَاثمِائَة فَصَاعِدا إِلَّا قد سَمَّاهُ لنا باسمه وإسم أَبِيه وقبيلته
стр. 61
وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَمَا سكت عَلَيْهِ فَهُوَ صَالح وَهَذَا الحَدِيث إِذا كَانَ صَحِيحا فَهُوَ مُجمل ويفتقر فِي بَيَان إجماله وَتَعْيِين مبهماته إِلَى آثَار أُخْرَى يجود أسانيدها وَقد وَقع إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث فِي غير كتاب السّنَن على غير هَذَا الْوَجْه فَوَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث حُذَيْفَة أَيْضا قَالَ قَامَ رَسُول الله ﷺ فِينَا خَطِيبًا فَمَا ترك شَيْئا يكون فِي نَسيَه مقَامه ذَاك إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا حدث عَنهُ حفظه من حفظه ونسيه من قد علمه أَصْحَابه هَؤُلَاءِ وَلَفظ البُخَارِيّ مَا ترك شَيْئا إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا ذكره
وَفِي كتاب التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا صَلَاة الْعَصْر بنهار ثمَّ قَامَ خَطِيبًا فَلم يدع شَيْئا يكون إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا أخبرنَا بِهِ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه وَهَذِه الْأَحَادِيث كلهَا مَحْمُولَة على مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من أَحَادِيث الْفِتَن والإشراط لَا غير لإنه الْمَعْهُود من الشَّارِع ﷺ فِي أَمْثَال هَذِه العمومات وَهَذِه الزِّيَادَة الَّتِي تفرد بهَا أَبُو دَاوُد فِي هَذَا الطَّرِيق شَاذَّة مُنكرَة مَعَ أَن الْأَئِمَّة اخْتلفُوا فِي رِجَاله فتضعف هَذِه الزِّيَادَة الَّتِي وَقعت لأبي دَاوُد فِي هَذَا الحَدِيث من هَذِه الْجِهَات مَعَ شذوذها
وَقَالَ الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد بن حزم وَأما اخْتِلَاف النَّاس فِي التَّارِيخ فَإِن الْيَهُود يَقُولُونَ الدُّنْيَا أَرْبَعَة آلَاف سنة وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ الدُّنْيَا خَمْسَة آلَاف سنة وَأما نَحن يَعْنِي أهل الْإِسْلَام فَلَا نقطع على علم عدد مَعْرُوف عندنَا
وَمن أدعى فِي ذَلِك سَبْعَة آلَاف أَو أَكثر أَو أقل فقد قَالَ مَا لم يَأْتِ قطّ عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ لَفْظَة تصح بل صَحَّ عَنهُ ﷺ خِلَافه بل نقطع على أَن للدنيا أمدا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى
قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا أشهدتهم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَا خلق أنفسهم﴾
стр. 62
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أَنْتُم فِي الْأُمَم قبلكُمْ إِلَّا كالشعرة الْبَيْضَاء فِي الثور الْأسود أَو الشعرة السَّوْدَاء فِي الثور الْأَبْيَض
وَهَذِه نِسْبَة من تدبرها وَعرف مِقْدَار عدد أهل الْإِسْلَام وَنسبَة مَا بِأَيْدِيهِم من معمور الأَرْض وَأَنه الْأَكْثَر علم أَنا لدُنْيَا أمدا لَا يعده إِلَّا الله
وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ بعثت أَنا والساعة كهاتين وَضم أصبعيه المقدستين السبابَة وَالْوُسْطَى
وَقد جَاءَ النَّص بِأَن السَّاعَة لَا يعلم مَتى تكون إِلَّا الله تَعَالَى لَا أحد سواهُ فصح أَنه ﷺ إِنَّمَا عَنى شدَّة الْقرب لَا فضل الْوُسْطَى على السبابَة إِذْ لَو أردنَا ذَلِك لأخذت نِسْبَة مَا بَين الإصبعين وَنسب من طول الْأصْبع فَكَانَ يعلم بذلك مَتى تقوم السَّاعَة وَهَذَا بَاطِل وَأَيْضًا فَكَانَ تكون نسبته ﷺ إيانا إِلَى من قبلنَا بأننا كالشعرة فِي الثور كذبا ومعاذ الله من ذَلِك فصح انه ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ شدَّة الْقرب وَله ﷺ مُنْذُ بعث أَرْبَعمِائَة عَام ونيف وَالله تَعَالَى أعلم بِمَا بَقِي للدنيا فَإِذا كَانَ هَذَا الْعدَد الْعَظِيم لَا نِسْبَة لَهُ عِنْدَمَا سلف لقلته وتفاهته بِالْإِضَافَة إِلَى مَا مضى فَهُوَ الَّذِي قَالَه ﷺ من إننا فِيمَن مضى كالشعرة فِي الثور أَو الرَّقْمَة فِي ذِرَاع الْحمار
وَقد رَأَيْت بِخَط الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الله بن النَّاصِر قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي أَنه رأى بِالْهِنْدِ بَلَدا لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ ألف سنة
وَقد وجد مَحْمُود بن سبكتكين بِالْهِنْدِ مَدِينَة يؤرخون بأربعمائة ألف سنة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِلَّا أَن لكل ذَلِك أَولا وَلَا بُد نِهَايَة لم يكن شَيْء من الْعَالم مَوْجُودا قبله وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وَالله أعلم انْتهى
وَهَذَا نَاظر فِي طول أمد الدُّنْيَا وَلَعَلَّ المُرَاد بِهَذِهِ الْمَدِينَة بِالْهِنْدِ بَلْدَة قنوج بزنة سنور الَّتِي فتحهَا السُّلْطَان مَحْمُود وَهِي من الْمَدَائِن الْقَدِيمَة
стр. 63
لمملكة الْهِنْد وَدَار حكومتها وَلَا يعرف بلد أقدم زَمَانا مِنْهَا فِي أَرض الْهِنْد وتتلوها فِي الْقدَم بَلْدَة أجودهيا الَّتِي يُقَال لَهَا الْآن فيض آباد وَهِي بَلْدَة دارسة جدا حَتَّى يُقَال أَن بهَا قبر شِيث بن آدم ﵇ وَالله أعلم
وقنوج هَذِه كَانَت مسْقط رَأْسِي وملعب أترابي وَمجمع ناسي ومغنى عشيرتي وحامتي وموطن خاصتي وعامتي مُنْذُ ثَلَاثمِائَة سنة تَقْرِيبًا ثمَّ درج الْآبَاء والأمهات فِي خبر كَانَ وَلم يبْقى مِنْهُم أثر وَلَا عيان
(شرقني غربني ... أخرجني عَن وطني)
(فَإِن تغيبت بدا ... وَإِن بدا غيبني)
فَهِيَ الْيَوْم يلمع وَمَوْضِع بلقع بِمَا حل بهَا من ريب الْمنون وحوادث الدَّرْب الخؤون فَمَاتَ أَهلهَا وَخَربَتْ ديارها وتغيرت أحوالها وَعفى اسْمهَا وَلم يبْقى مِنْهَا إِلَّا رسمها
(وبادوا فَلَا مخبر عَنْهُم ... وماتوا جَمِيعًا وَهَذَا الْخَبَر)
(فَمن كَانَ ذَا عِبْرَة فَلْيَكُن ... فطينا فَفِي من مضى مُعْتَبر)
(وَكَانَ لَهُم أثر صَالح ... فَأَيْنَ هم ثمَّ أَيْن الْأَثر)
وَيُقَال أَنَّهَا من الْمُؤْتَفِكَات وَلَيْسَ بهَا الْآن إِلَّا عوام النَّاس صفر الْأَيْدِي من الْعلم والكمال والصفراء والبيضاء كَأَنَّهُمْ أموات غير أَحيَاء أَو صخور صماء
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس) وَإِلَّا مَا كَانَ يفنيها الْبِلَاد وَكَاد يمحو رسمها الفناء والعدم
(وَمَا النَّاس بِالنَّاسِ الَّذين عهدتهم ... وَمَا الدَّار بِالدَّار الَّتِي كنت تعرف)
فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَإِنَّا إِلَى رَبنَا لراغبون هَذَا وَقد ذكرنَا فِي كتَابنَا حجج الْكَرَامَة فِي آثَار الْقِيَامَة كلَاما أبسط من ذَلِك فِي بَيَان أمد الدُّنْيَا وَعمر الْعَالم وطرفا من حَال قنوج وَأَهْلهَا
стр. 64
ذكر أُمَم الْعَالم وَاخْتِلَاف أجيالهم وَالْكَلَام على الْجُمْلَة فِي أنسابهم
اعْلَم أَن الله اعْتَمر هَذَا الْعَالم بخلقه وكرم بني آدم باستخلافهم فِي أرضه وبثهم فِي نَوَاحِيهَا لتَمام حكمته وَخَالف بَين أممهم وأجيالهم إِظْهَارًا لآياته فيتعارفون بالأنساب ويختلفون باللغات والألوان ويتمايزون بالسير والمذاهب والأخلاق ويفترقون بالنحل والأديان والأقاليم والجهات
فَمنهمْ الْعَرَب وَالْفرس وَالروم وَبَنُو إِسْرَائِيل والبربر وَمِنْهُم الصقالبة والحبش والزنج
وَمِنْهُم أهل الْهِنْد والسند وَأهل بابل وَالْيَهُود والصين وَأهل الْيمن وَأهل مصر وَأهل الْمغرب
وَمِنْهُم الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود والصابئة وَالْمَجُوس وَمِنْهُم أهل الْوَبر وهم أَصْحَاب الْخيام وَالْحلَل وَأهل الْمدر وهم أَصْحَاب المجاشر والقرى والأطم
وَمِنْهُم البدو الظَّوَاهِر والحضر الأهلون
وَمِنْهُم الْعَرَب أهل الْبَيَان والفصاحة والعجم أهل الرطانة بالعبرانية والفارسية والإفريقية واللطينية والبربرية والهندية خَالف أجناسهم وأحوالهم وألسنتهم وألوانهم ليتم أَمر الله تَعَالَى فِي اعتمار أرضه بِمَا يتوزعونه من وظائف الرزق وحاجات المعاش بِحَسب خصوصياتهم ونحلهم
стр. 65
فتظهر آثَار الْقُدْرَة وعجائب الصَّنْعَة وآيات الوحدانية ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾
وَأَن الامتياز بِالنّسَبِ أَضْعَف المميزات لهَذِهِ الأجيال والأمم لخفائه واندراسه بدروس الزَّمَان وذهابه وَلِهَذَا كَانَ الِاخْتِلَاف كثيرا مَا يَقع فِي نسب الجيل الْوَاحِد أَو الْأمة الْوَاحِدَة إِذا اتَّصَلت مَعَ الْأَيَّام وتشعب بطونها على الأحقاب كَمَا وَقع فِي نسب كثير من أهل الْعَالم مثل اليونانيين وَالْفرس والبربر وقحطان من الْعَرَب فَإِذا اخْتلفت الْأَنْسَاب وَاخْتلفت فِيهَا الْمذَاهب وتباينت الدَّعَاوَى استظهر كل ناسب على صِحَة مَا ادَّعَاهُ بشواهد الْأَحْوَال والمتعارف من المقارنات فِي الزَّمَان وَالْمَكَان وَمَا يرجع إِلَى ذَلِك من خَصَائِص الْقَبَائِل وسمات الشعوب وَالْفرق الَّتِي تكون فيهم منتقلة متعاقبة فِي بنيهم
وَسُئِلَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى عَن الرجل يرفع نسبه إِلَى آدم فكره ذَلِك وَقَالَ من أَيْن يعلم ذَلِك فَقيل لَهُ فَمن إِسْمَاعِيل فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ من يُخبرهُ بِهِ
وعل هَذَا درج كثير من عُلَمَاء السّلف وَكره أَيْضا أَن يرفع فِي أَنْسَاب الْأَنْبِيَاء مثل أَن يُقَال إِبْرَاهِيم بن فلَان بن فلَان وَقَالَ من يُخبرهُ بِهِ وَكَانَ بَعضهم إِذا تَلا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين من بعدهمْ لَا يعلمهُمْ إِلَّا الله﴾ قَالَ كذب النسابون وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ لما بلغ نسبه الْكَرِيم إِلَى عدنان قَالَ من هَاهُنَا كذب النسابون وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا ثَبت فِيهِ أَنه علم لَا ينفع وجهالة لَا تضر إِلَى غير ذَلِك من الاستدلالات
وَذهب كثير من أَئِمَّة الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء مثل ابْن اسحق والطبري وَالْبُخَارِيّ إِلَى جَوَاز الرّفْع فِي الْأَنْسَاب وَلم يكرهوه محتجين بِعَمَل السّلف فقد كَانَ أَبُو بكر ﵁ أنسب قُرَيْش لقريش وَمُضر بل ولسائر
стр. 66
الْعَرَب وَكَذَا ابْن عَبَّاس وَجبير بن مطعم وَعقيل بن أبي طَالب وَكَانَ من بعدهمْ ابْن شهَاب وَالزهْرِيّ وَابْن سِيرِين وَكثير من التَّابِعين
قَالُوا وَتَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ فِي كثير من الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة مثل تعصيب الوراثة ولَايَة النِّكَاح والعاقلة فِي الدِّيات وَالْعلم بِنسَب النَّبِي ﷺ وَأَنه الْقرشِي الْهَاشِمِي الَّذِي كَانَ بِمَكَّة وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة فَإِن هَذَا من فروض الْإِيمَان وَلَا يعْذر الْجَاهِل بِهِ وَكَذَا الْخلَافَة عِنْد من يشْتَرط النّسَب فِيهَا وَكَذَا من يفرق فِي الْحُرِّيَّة والاسترقاق بَين الْعَرَب والعجم فَهَذَا كُله يَدْعُو إِلَى معرفَة الْأَنْسَاب ويؤكد فضل هَذَا الْعلم وشرفه فَلَا يَنْبَغِي أَن يكون مَمْنُوعًا
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس من هَاهُنَا كذب النسابون يَعْنِي من عدنان فقد أنكر السُّهيْلي رِوَايَته من طَرِيق ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَقَالَ الْأَصَح أَنه مَوْقُوف على ابْن مَسْعُود وَخرج السُّهيْلي عَن أم سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن الْبري بن اعراق الثرى
قَالَ وفسرت أم سَلمَة زيدا بِأَنَّهُ الهميسع والبري أَنه نبت أَو نابت واعراق الثرى بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيل وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم وَإِبْرَاهِيم لم تَأْكُله النَّار كَمَا لَا تَأْكُل الثرى
ورد السُّهيْلي تَفْسِير أم سَلمَة وَهُوَ الصَّحِيح وَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَاهُ معنى قَوْله ﷺ كلكُمْ بَنو آدم وآدَم من تُرَاب لَا يُرِيد أَن الهيسع وَمن دونه ابْن لإسماعيل لصلبه وعضد ذَلِك فِي بِاتِّفَاق الْأَخْبَار على بعد الْمدَّة بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل الَّتِي تستحيل فِي الْعَادة أَن يكون فِيمَا بَينهَا أَرْبَعَة آبَاء أوسبعة أَو عشرَة أَو عشرُون لِأَن الْمدَّة أطول من هَذَا كُله كَمَا ذكر فِي نسب عدنان فَلم يبْق فِي الحَدِيث متمسك لأحد من الْفَرِيقَيْنِ
وَأما مَا رَوَوْهُ من أَن النّسَب علم لَا ينفع وجهالة لَا تضر فقد ضعف الْأَئِمَّة رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ مثل الْجِرْجَانِيّ وَأبي مُحَمَّد بن الحزم وَأبي عمر بن عبد الْبر
وَالْحق فِي الْبَاب أَن كل وَاحِد من المذهبين لَيْسَ على إِطْلَاقه فَإِن
стр. 67
الْأَنْسَاب الْقَرِيبَة الَّتِي يُمكن التَّوَصُّل إِلَى مَعْرفَتهَا لَا يضر الإشتغال بهَا لدعوى الْحَاجة إِلَيْهَا فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة من التَّعْصِيب وَالْولَايَة والعاقلة وَفرض الْإِيمَان بِمَعْرِِفَة النَّبِي ﷺ وَنسب الْخلَافَة والتفرقة بَين الْعَرَب والعجم فِي الْحُرِّيَّة والإسترقاق عِنْد من يشْتَرط ذَلِك كَمَا مر كُله
وَفِي الْأُمُور العادية أَيْضا تثبت بِهِ اللحمة الطبيعية الَّتِي يكون بهَا المدافعة والمطالبة وَمَنْفَعَة ذَلِك فِي إِقَامَة الْملك وَالدّين ظَاهِرَة
وَقد كَانَ ﷺ وَأَصْحَابه ينسبون إِلَى مُضر ويتساءلون عَن ذَلِك وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ تعلمُوا من أنسابكم مَا تصلونَ بِهِ أَرْحَامكُم
وَهَذَا كُله ظَاهر فِي النّسَب الْقَرِيب وَأما الْأَنْسَاب الْبَعِيدَة الْعسرَة الْمدْرك الَّتِي لَا يُوقف عَلَيْهَا إِلَّا بالشواهد والمقارنات لبعد الزَّمَان وَطول الأحقاب إِذْ لَا يُوقف عَلَيْهَا رَأْسا لدروس الأجيال فَهَذَا قد يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ وَجه فِي الْكَرَاهَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ من ذهب من أهل الْعلم مثل مَالك وَغَيره لِأَنَّهُ شغل الْإِنْسَان بِمَا لَا يعنيه وَهَذَا وَجه قَوْله ﷺ فِيمَا بعد عدنان من هُنَا كذب النسابون لِأَنَّهَا أحقاب متطاولة ومعالم دراسة لَا تثلج الصُّدُور بِالْيَقِينِ فِي شَيْء مِنْهَا مَعَ أَن علمهَا لَا ينفع وجهلها لَا يضر كَمَا نقل وَالله الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب
ولنأخذ الْآن فِي الْكَلَام أَنْسَاب الْعَالم على الْجُمْلَة ونترك تَفْصِيل كل وَاحِد مِنْهَا إِلَى مَكَانَهُ
فَنَقُول إِن النسابين كلهم اتَّفقُوا على أَن الْأَب الأول للخليقة فَهُوَ آدم ﵇ كَمَا وَقع فِي التَّنْزِيل إِلَّا مَا يذكرهُ ضعفاء الإخباريين من أَن الحن والطم أمتان كَانَتَا فِيمَا زَعَمُوا من قبل آدم وَهُوَ ضَعِيف مَتْرُوك وَلَيْسَ لدينا من أَخْبَار آدم وَذريته إِلَّا مَا وَقع فِي الْمُصحف الْكَرِيم وَهُوَ مَعْرُوف بَين الْأَئِمَّة وَاتَّفَقُوا على أَن الأَرْض عمرت بنسله أحقابا وأجيالا بعد أجيال إِلَى عصر نوح ﵇ وَأَنه كَانَ فيهم أَنْبيَاء مثل شِيث وادريس وملوك فِي تِلْكَ الأجيال معدودون وَطَوَائِف مَشْهُورُونَ
стр. 68
بالنحل مثل الكلدانين وَمَعْنَاهُ الموحدون وَمثل السريانيين وهم الْمُشْركُونَ وَزَعَمُوا أَن أُمَم الصائبة مِنْهُم وَأَنَّهُمْ من ولد صابىء بن لمك بن أَخْنُوخ وَكَانَ نحلتهم فِي الْكَوَاكِب وَالْقِيَام لهياكلها واستنزال روحانيتها وَأَن من حزبهم الكلدانين أَي الْمُوَحِّدين
وَقد ألف أَبُو إِسْحَاق الصابىء الْكَاتِب مقَالَة فِي أنسابهم ونحلتهم وَذكر أخبارهم أَيْضا داهر مؤرخ السريانيين والبابا الصابىء الْحَرَّانِي وَذكروا استيلاءهم على الْعَالم وجملا من نواميسهم وَقد اندرسوا وَانْقطع أَثَرهم
وَقد يُقَال أَن السريانيين من أهل تِلْكَ الأجيال وَكَذَلِكَ النمرود والأزدهاق وَهُوَ الْمُسَمّى بِالضحاكِ من مُلُوك الْفرس وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح عِنْد الْمُحَقِّقين وَاتَّفَقُوا على أَن الطوفان الَّذِي كَانَ فِي زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأَرْض أجمع بِمَا كَانَ من خراب الْمَعْمُور وَهلك الَّذين ركبُوا مَعَه فِي السَّفِينَة وَلم يعقبوا فَصَارَ أهل الأَرْض كلهم من نَسْله وَعَاد أَبَا ثَانِيًا للخليقة وَهُوَ نوح بن لامك وَيُقَال لمك بن متوشلح بن أَخْنُوخ وَيُقَال أَخْنُوخ وَيُقَال أشنخ وَيُقَال أخنخ وَهُوَ إِدْرِيس النَّبِي فِيمَا قَالَه ابْن إِسْحَاق بن برد وَيُقَال بيرد بن مهلائيل وَيُقَال ماهلايل ابْن قاين وَيُقَال قينن بن أنوش وَيُقَال يانش بن شِيث بن آدم وَمعنى شِيث عَطِيَّة الله هَكَذَا نسبه ابْن إِسْحَاق وَغَيره من الْأَئِمَّة وَكَذَا وَقع فِي التَّوْرَاة نسبه وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَاف بَين الْأَئِمَّة
وَنقل ابْن إِسْحَاق أَن خنوخ الْوَاقِع اسْمه فِي هَذَا النّسَب هُوَ ادريس النَّبِي وَهُوَ خلاف مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَر من النسابين فَإِن ادريس عِنْدهم لَيْسَ بجد لنوح وَلَا فِي عَمُود نسبه
وَقد زعم الْحُكَمَاء الأقدمون أَيْضا أَن إِدْرِيس هُوَ هرمس الْمَشْهُور بِالْإِمَامَةِ فِي الْحِكْمَة عِنْدهم
وَكَذَلِكَ يُقَال أَن الصائبية من ولد صابىء بن لامك وَهُوَ أَخُو نوح وَقيل أَن صابىء متوشلخ جده
стр. 69
وَاعْلَم أَن الْخلاف الَّذِي فِي ضبط هَذِه الْأَسْمَاء إِنَّمَا عرض فِي مخارج الْحُرُوف فَإِن هَذِه الْأَسْمَاء إِنَّمَا أَخذهَا الْعَرَب من أهل التَّوْرَاة ومخارج الْحُرُوف فِي لغتهم غير مخارجها فِي لُغَة الْعَرَب فَإِذا وَقع الْحَرْف متوسطا بَين حرفين من لُغَة الْعَرَب فَتَردهُ الْعَرَب تَارَة إِلَى هَذَا وَتارَة إِلَى هَذَا وَكَذَلِكَ إشباع الحركات فد تحذفه الْعَرَب إِذا نقلت كَلَام الْعَجم فَمن هَهُنَا اخْتلف الضَّبْط فِي هَذِه الْأَسْمَاء
وَاعْلَم أَن الْفرس والهند لَا يعْرفُونَ الطوفان وَبَعض الْفرس يَقُولُونَ كَانَ بِبَابِل فَقَط وَأَن آدم هُوَ كيومرت وَهُوَ نِهَايَة نسبهم فِيمَا يَزْعمُونَ وَأَن افريدون الْملك فِي آبَائِهِم هُوَ نوح وَأَنه بعث لازدهاق وَهُوَ الضَّحَّاك فلبسه الْملك وَقَبله كَمَا ذَكرُوهُ فِي أخبارهم وَقد تترجح صِحَة هَذِه الْأَنْسَاب من التَّوْرَاة وَكَذَلِكَ قصَص الْأَنْبِيَاء الأقدمين إِذْ أخذت عَن مُسْلِمِي يهود أَو من نسخ صَحِيحَة من التَّوْرَاة ويغلب على الظَّن صِحَّتهَا وَقد وَقعت الْعِنَايَة فِي التَّوْرَاة بِنسَب مُوسَى ﵇ وَإِسْرَائِيل وشعوب الأسباط وَنسب مَا بَينهم وَبَين آدم صلوَات الله عَلَيْهِ وَالنّسب والقصص أَمر لَا يدْخلهُ النّسخ فَلم يبْق تحري النّسخ الصَّحِيحَة وَالنَّقْل الْمُعْتَبر
وَأما مَا يُقَال من أَن علماءهم بدلُوا مَوَاضِع من التَّوْرَاة بِحَسب أغراضهم فِي ديانتهم فقد قَالَ ابْن عَبَّاس على مَا نقل عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَن ذَلِك بعيد وَقَالَ معَاذ الله أَن تعمد أمة من الْأُمَم إِلَى كتابها الْمنزل على نبيها فتبدله أَو مَا فِي مَعْنَاهُ قَالَ وَإِنَّمَا بدلوه وحرفوه بالتأويل وَيشْهد لذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾ وَلَو بدلُوا من التَّوْرَاة ألفاظها لم يكن عِنْدهم التَّوْرَاة الَّتِي فِيهَا حكم الله وَمَا وَقع فِي الْقُرْآن الْكَرِيم من نِسْبَة التحريف والتبديل فِيهَا إِلَيْهِم فَإِنَّمَا الْمَعْنى بِهِ التَّأْوِيل اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يطرقها التبديل فِي الْكَلِمَات على طَرِيق الْغَفْلَة وَعدم الضَّبْط وتحريف من لَا يحسن الْكِتَابَة بنسخها فَذَلِك يُمكن فِي الْعَادة ولاسيما وملكهم قد ذهب وجماعتهم انتشرت فِي الْآفَاق واستوى الضَّابِط مِنْهُم وَغير الضَّابِط والعالم وَالْجَاهِل وَلم يكن وازع
стр. 70
يحفظ لَهُم لذهاب الْقُدْرَة بذهاب الْملك فتطرق من أجل ذَلِك إِلَى صحف التَّوْرَاة فِي الْغَالِب تَبْدِيل وتحريف غير مُعْتَمد من عُلَمَائهمْ وَأَحْبَارهمْ
وَيُمكن مَعَ ذَلِك الْوُقُوف على الصَّحِيح مِنْهَا إِذا تحرى القاصد لذَلِك بالبحث عَنهُ ثمَّ اتّفق النسابون وَنَقله الْمُفَسِّرُونَ على أَن ولد نوح الَّذين تفرعت الْأُمَم مِنْهُم ثَلَاثَة سَام وَحَام وَيَافث وَقد وَقع ذكرهم فِي التَّوْرَاة وَأَن يافث أكبرهم وَحَام الْأَصْغَر وسام الْأَوْسَط
وَخرج الطَّبَرِيّ فِي الْبَاب أَحَادِيث مَرْفُوعَة بِمثل ذَلِك وَأَن سَام أَبُو الْعَرَب وَيَافث أَبُو الرّوم وَحَام أَبُو الْحَبَش والزنج وَفِي بَعْضهَا السودَان وَفِي بَعْضهَا سَام أَبُو الْعَرَب وَفَارِس وَالروم وَيَافث أَبُو التّرْك والصقالبة ويأجوج وَمَأْجُوج وَحَام أَبُو القبط والسودان والبربر
وَمثله عَن ابْن الْمسيب ووهب بن مُنَبّه
وَهَذِه الْأَحَادِيث وَإِن صحت فَإِنَّمَا الْأَنْسَاب فِيهَا مجملة وَلَا بُد من نقل مَا ذكره الْمُحَقِّقُونَ فِي تَفْرِيع أَنْسَاب الْأُمَم من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَاحِدًا وَاحِدًا
وَكَذَلِكَ نقل الطَّبَرِيّ أَنه كَانَ لنوح ولد إسمه كنعان وَهُوَ الَّذِي هلك فِي الطوفان قَالَ وتسميه الْعَرَب يام وَآخر مَاتَ قبل الطوفان اسْمه عَابِر
وَقَالَ هِشَام كَانَ لَهُ ولد إسمه بوناطر والعقب إِنَّمَا هُوَ من الثَّلَاثَة على مَا أجمع عَلَيْهِ النَّاس وَصحت بِهِ الْأَخْبَار
فَأَما سَام
فَمن وَلَده الْعَرَب على إختلافهم وَإِبْرَاهِيم وَبَنوهُ صلوَات الله عَلَيْهِم بإتفاق النسابين وَالْخلاف بَينهم إِنَّمَا هُوَ فِي تَفْرِيع ذَلِك أَو فِي نسب غير الْعَرَب إِلَى سَام
فَالَّذِي نَقله ابْن إِسْحَاق أَن سَام بن نوح كَانَ لَهُ من الْوَلَد خَمْسَة
стр. 71
وهم أرفخشد وارم ولاوذ واشود وغليم وَكَذَا وَقع ذكر هَذِه الْخَمْسَة فِي التَّوْرَاة وَأَن بني أشوذ أهل الْموصل وَبني غليم أهل خوزستان وَمِنْهَا الأهواز وَلم يذكر فِي التَّوْرَاة ولد ولاوذ
وَقَالَ ابْن اسحاق وَكَانَ للاوذ أَرْبَعَة من الْوَلَد وهم طسم وعمليق وجرجان وَفَارِس قَالَ وَمن العماليق أمة جاسم فَمنهمْ بَنو لف وَبَنُو هزان وَبَنُو مطر وَبَنُو الْأَزْرَق وَمِنْهُم بديل وراحل وظفار وَمِنْهُم الكنعانيون وبرابرة الشَّام وفراعنة مصر
وَعَن غير ابْن إِسْحَاق أَن عبد بن ضخم وأميم من ولد ولاوذ
قَالَ ابْن اسحاق وَكَانَت طسم والعماليق وأميم وجاسم يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَفَارِس يجاورونهم إِلَى الْمشرق ويتكلمون بِالْفَارِسِيَّةِ قَالَ ولد أرم عوص وكاثر وعبيل وَمن ولد عوص عَاد ومنزلهم بالرمال والأحقاف إِلَى حَضرمَوْت وَمن ولد كاثر ثَمُود وجدبس ومنزل ثَمُود بِالْحجرِ بَين الشَّام والحجاز
وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ عبيل بن عوص أَخُو عَاد
وَقَالَ ابْن حزم عَن قدماء النسابين أَن لاوذ هُوَ ابْن إرم بن سَام أَخُو عوص وكاثر
قَالَ فعلى هَذَا يكون جديس وَثَمُود أَخَوَيْنِ وطسم وعملاق أَخَوَيْنِ أَبنَاء عَم لحام وَكلهمْ بَنو عَم عَاد قَالَ ويذكرون أَن عبد بن ضخم ابْن إرم وَأَن أميم ابْن عَاد أرم
قَالَ الطَّبَرِيّ وَفهم الله لِسَان الْعَرَبيَّة عَاد وَثَمُود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم الْعَرَب العاربة وَرُبمَا يُقَال أَن من الْعَرَب العاربة يقطن أَيْضا ويسمون أَيْضا الْعَرَب البائدة وَلم يبْق على وَجه الأَرْض مِنْهُم أحد
قَالَ وَكَانَ يُقَال عَاد إرم فَلَمَّا هَلَكُوا قيل ثَمُود إرم ثمَّ هَلَكُوا فَقيل لسَائِر ولد إرم أرمان وهم النبط
стр. 72
وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ إِن النبط بَنو نبيط بن ماش بن ارْمِ والسريان بَنو سريان بن نبط وَذكر أَيْضا أَن فَارس من ولد أشوذ بن سَام وَقَالَ فِيهِ فَارس بن طبراش بن أشوذ وَقيل أمّهم من أميم بن لاوذ وَقيل ابْن غليم
وَفِي التَّوْرَاة ذكر ملك الأهواز واسْمه كرد لَا عَمْرو من بني غليم والأهواز مُتَّصِلَة بِبِلَاد فَارس فَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِل ظن أَن أهل الأهواز هم فَارس وَالصَّحِيح أَنهم من ولد يافث
وَقَالَ أَيْضا أَن البربر من ولد عمليق بن لاوذ وَأَنَّهُمْ بَنو ثميلة من مارب بن قاران بن عَمْرو بن عمليق وَالصَّحِيح أَنهم من كنعان بن حام وَذكر فِي التَّوْرَاة ولد ارْمِ أَرْبَعَة عوص وكاثر وماش وَيُقَال مشح وَالرَّابِع حول وَلم يَقع عِنْد بني إِسْرَائِيل فِي تَفْسِير هَذَا الشَّيْء إِلَّا أَن الجرامقة من ولد كاثر وَقد قيل أَن الكرد والديلم من الْعَرَب وَهُوَ قَول مَرْغُوب عَنهُ
وَقَالَ ابْن سعيد كَانَ لأشوذ أَرْبَعَة من الْوَلَد أيران ونبيط وجرموق وباسل فَمن ايران الْفرس والكرد والخزر وَمن نبيط النبط والسريان وَمن جرموق الجرامقة وَأهل الْموصل وَمن باسل الديلم وَأهل الْجَبَل
قَالَ الطَّبَرِيّ وَمن ولد أرفخشد العبرانيون وَبَنُو عَامر بن شالخ ابْن ارفخشد وَهَكَذَا نسبه فِي التَّوْرَاة وَفِي غَيرهَا أَن شالخ بن قينن بن ارفحشدر وَإِنَّمَا لم يذكر قينن فِي التَّوْرَاة لِأَنَّهُ كَانَ ساحرا وَادّعى الألوهية وَعند بَعضهم أَن النمرود من ولد ارفخشد وَهُوَ ضَعِيف
وَفِي التَّوْرَاة أَن عَابِر ولد اثْنَيْنِ من الْوَلَد هما قَانِع ويقطن وَعند الْمُحَقِّقين من النسابة أَن يقطن هُوَ قحطان عربته الْعَرَب هَكَذَا وَمن قَانِع ابراهيم ﵇ وشعوبه وَمن يقطن شعوب كَثِيرَة
فَفِي التَّوْرَاة ذكر ثَلَاثَة من الْوَلَد لَهُ وهم المرذاذ ومعربة ومضاض وهم جرهم وارام وهم حُضُور وسالف وهم أهل السلفات
стр. 73
وسبأ وهم أهل الْيمن من حمير والتبابعة وكهلان وهدرماوت وهم حَضرمَوْت هَؤُلَاءِ خَمْسَة وَثَمَانِية أُخْرَى ننقل إسماءهم وَهِي عبرانية وَلم نقف على تَفْسِير شَيْء مِنْهَا وَلَا يعلم من أَي الْبُطُون هم وهم بباراح أوزال ودفلا وعوثال وافيمايل وايوفير وحويلا ويوقاف
وَعند النسابين أَن جرهم من ولد يقطن فَلَا ادري من أَيهمْ
وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ أَن الْهِنْد والسند من نوفير بن يقطن وَالله أعلم
وَأما يافث
فَمن وَلَده التّرْك والصين والصقالبة ويأجوج وَمَأْجُوج بِاتِّفَاق من النسابين وَفِي آخَرين خلاف وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد على ماوقع فِي التَّوْرَاة سَبْعَة وهم كومر وياوان وماذاي وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعدهم ابْن إِسْحَاق هَكَذَا وَحذف ماذاي وَلم يذكر كومر وتوغرما واشبان وريغاث هَكَذَا فِي نَص التَّوْرَاة
وَوَقع فِي الْإسْرَائِيلِيات أَن توغرما هم الخزر وَأَن أشبان هم الصقالبة وَأَن ريغات هم الإفرنج وَيُقَال لَهُم برنسوس والخزر هم التركمان وشعوب التّرْك كلهم من بني كومر وَلم يذكرُوا من أَي الثَّلَاثَة هم وَالظَّاهِر أَنهم من توغرما ونسبهم ابْن سعيد إِلَى التّرْك ابْن مامورين سويل بن يافث وَالظَّاهِر أَنه غلط وَأَن عامور هُوَ كومر صحف عَلَيْهِ وهم أَجنَاس كَثِيرَة مِنْهُم الطغرغر وهم التتر والخطا وَكَانُوا بِأَرْض طمغاج والخزلقية والغز الَّذين كَانَ مِنْهُم السلجوقية وللهياطلة الَّذين كَانَ مِنْهُم الخلج وَيُقَال للهياطة الصغد أَيْضا
وَمن أَجنَاس التّرْك الْغَوْر والخزر القفجاق وَيُقَال الخفشاخ وَمِنْهُم يمك والعلان وَيُقَال اللاز وَمِنْهُم الشركس وازكش وَمن ماغوغ عِنْد الإسرائليين يَأْجُوج وَمَأْجُوج
стр. 74
وَقَالَ ابْن اسحاق انهم من كومر وَمن ماذاي الديلم ويسمون فِي اللِّسَان العبراني ماهان وَمِنْهُم أَيْضا همذان وجعلهم بعض الإسرائيليين من بني همذان بن يافث وعد همذان ثامنا للسبعة الْمَذْكُورين من وَلَده وَأما ياوان وإسمه يونان فَعِنْدَ الإسرائليين أَنه كَانَ لَهُ من الْوَلَد أَرْبَعَة وهم داورين واليشا وكيتم وترشيش وَأَن كيتم من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة هُوَ أَبُو الرّوم وَالْبَاقِي يونان وَأَن ترشيش أهل طرطوس وَأما قطوبال فهم أهل الصين من الْمشرق واللمان الْمغرب وَيُقَال أَن أهل إفريقية قبل البربر مِنْهُم وَأَن الفرنج أَيْضا مِنْهُم
وَيُقَال أَيْضا أَن أهل الأندلس قَدِيما مِنْهُم وَأما ماشخ فَكَانَ وَلَده عِنْد الإسرائليين بخرسان وَقد انقرضوا لهَذَا الْعَهْد فِيمَا يظْهر وَعند بعض النسابين أَن الأشبان مِنْهُم وَأما طيراش فهم الْفرس عِنْد الإسرائيليين وَرُبمَا قَالَ غَيرهم أَنهم من كومر وَأَن الخزر وَالتّرْك من طيراش وَأَن الصقالبة وبرجان والأشبان من ياوان وَأَن يَأْجُوج وَمَأْجُوج من كومر وَهِي كلهَا مزاعم بعيدَة عَن الصَّوَاب
وَقَالَ أهردشيوش مؤرخ الرّوم أَن القوط واللطين من ماغوغ وَهَذَا آخر الْكَلَام فِي أَنْسَاب يافث وَالله أعلم
وَأما حام
فَمن وَلَده السودَان والهند والسند والقبط وكنعان بِاتِّفَاق وَفِي آخَرين خلاف
وَكَانَ لَهُ على مَا وَقع فِي التَّوْرَاة أَرْبَعَة من الْوَلَد وهم مصر وَيَقُول بَعضهم مصرايم وكنعان وكوش وقوط فَمن ولد مصر عِنْد الإسرائيليين فتروسيم وكسلوحيم وَوَقع فِي التَّوْرَاة فلشنين مِنْهُمَا مَعًا وَلم يتَعَيَّن من أَحدهمَا وَبَنُو فلشنين الَّذين كَانَ مِنْهُم جالوت وَمن ولد مصر عِنْدهم كفتورع وَيَقُولُونَ هم أهل دمياط وَوَقع الأنقلوس بن أُخْت قيطش الَّذِي خرب الْقُدس فِي الجولة الْكُبْرَى على الْيَهُود وَقَالَ أَن كفتورع هُوَ قبطفاي وَيظْهر من هَذِه الصِّيغَة أَنهم القبط لما بَين الإسمين من الشّبَه وَمن ولد
стр. 75
مصر عناميم وَكَانَ لَهُم نواحي اسكندرية وهم أَيْضا يفتوحيم ولوديم ولهابيم وَلم يَقع إِلَيْنَا تَفْسِير هَذِه الْأَسْمَاء
وَأما كنعان بن حام
فَذكر من وَلَده فِي التَّوْرَاة أحد عشر مِنْهُم صيدون وَلَهُم نَاحيَة صيداء وايموري وكرساش وَكَانُوا بِالشَّام وانتقلوا عِنْدَمَا غلبهم عَلَيْهِ يُوشَع إِلَى إفريقية فأقاموا بهَا وَمن كنعان أَيْضا بيوسا وَكَانُوا بِبَيْت الْمُقَدّس وهربوا أَمَام دَاوُد ﵇ حِين غلبهم عَلَيْهِ إِلَى إفريقية وَالْمغْرب وَأَقَامُوا بهَا وَالظَّاهِر أَن البربر من هَؤُلَاءِ المنتقلين أَولا وآخرا إِلَّا أَن الْمُحَقِّقين من نسابهم على أَنهم من ولد مازيغ بن كنعان فَلَعَلَّ مازيغ ينتسب إِلَى هَؤُلَاءِ وَمن كنعان أَيْضا حَيْثُ الَّذين كَانَ ملكهم عوج بن عنَاق وَمِنْهُم عرفان واروادى وخوى وَلَهُم نابلس وسبأ وَلَهُم طرابلس وضمارى وَلَهُم حمص وحماة وَلَهُم أنطاكية وَكَانَت تسمى حماة بإسمهم وَأما كوش بن حام فَذكر لَهُ فِي التَّوْرَاة خَمْسَة من الْوَلَد وهم سفتا وسبأ وجويلا ورعما وسفخا وَمن ولد رعما شاد وهم السَّنَد ودادان وهم الْهِنْد وفيهَا أَن النمرود من ولد كوش وَلم يعنيه وَفِي تفاسيرها أَن جويلا زويلة وهم أهل برقة وَأما أهل الْيمن من ولد سبأ وَأما قوط فَعِنْدَ أَكثر الإسرائيليين أَن القبط مِنْهُم
وَنقل الطَّبَرِيّ عَن ابْن اسحاق أَن الْهِنْد والسند والحبشة من بني السودَان من ولد كوش وَأَن النّوبَة وقزان وزغاوه والزنج مِنْهُم من كنعان
وَقَالَ ابْن سعيد أَجنَاس السودَان كلهم من ولد حام وَنسب ثَلَاثَة مِنْهُم إِلَى ثَلَاثَة سماهم من وَلَده غير هَؤُلَاءِ الْحَبَشَة إِلَى حبش والنوبة إِلَى نوابة أَو نوى والزنج إِلَى زنج وَلم يسم أحدا من أباء الْأَجْنَاس الْبَاقِيَة وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة الَّذين ذكرُوا لم يعرفوا من ولد حام فلعلهم من أَعْقَابهم أَو لَعَلَّهَا أَسمَاء أَجنَاس
وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ أَن النمرود هُوَ ابْن كوش بن كنعان
следующие страницы →