← Общие книги

Общие книги · id 1073

موقف المسلم من الفتن في ضوء حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما

نوال العيد

Полный текст (77 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة الحمد لله الذي فضَّل هذه الأمةَ على سائر الأمم، وأنزل إليها خير الكتب، وأرسل إليها خير الرسل، والصلاة والسلام على النبي الأمين، الذي ما ترك خيرة إلا ودل أمته عليه، وما ترك شرا إلا وحذر أمته منه؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن المتأمل الأحوال الزمان يقف عيانا على خبر رسول الله ﷺ بما يحدث وما سيحدث من تغيرات على كافة الأصعدة والمجالات الشرعية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والكونية وغيرها، ولأن أجل ما يحفظ وأثمن ما يعتني به دين العبد الذي به نجاته وفلاحه في الدنيا والآخرة، جاءت النصوص الشرعية لتبين خطر الفتن وموقف المسلم منها، لأنه إذا لم يرع حالها، ولم ينظر إلى نتائجها، ويبين له الموقف الشرعي في التعامل معها، أضحى دينه عرضة للأخطار، وصار ضحية للشبهات والشهوات، وتحولت الفتن من فتن خاصة صغيرة تستهدف الأفراد إلى عامة كبيرة تستهدف المجتمعات، وما كان لرسول الله ﷺ والحال كذلك أن يترك أتباعه دون

стр. 2

تهيئة نفوسهم لما سيستقبلون، وكيف يتعاملون، ليسيروا على نور وبصيرة تقيهم الضلال والزيغ والاضطراب والشك، فيصمدون والناس يتساقطون، ويفقهون والناس يجهلون، ويمسكون والخائضون يخوضون، فتأتي أعمالهم وأقوالهم مبنية على العلم الذي تلقاه رسول الله ﷺ عن ربه لا عن عقل قاصر، أو هوى متبع، أو جهل يودي بصاحبه. ولذا حرص سلف الأمة على جمع أحاديث الفتن واستشراحها والتفقه فيها، وأفردوا لها أبوابا خاصة في كتبهم، بل إن من أوائل الأبواب التي أفردت بالتصنيف عند المحدثين "باب الفتن" الذي صنف فيه نعيم بن حماد الخزاعي (ت ٢٢٨) كتابا قد طبع، (ثم سار على آثارهم الموفقون من أشياعهم واقفين مع الحجة والاستدلال يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل بأخذته طاروا إليه زرافات ووحدانا، وإذا دعاهم الرسول ﷺ إلى أمر انتدبوا إليه، ولا يسألونه عما قال برهانا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس) (١).

стр. 3

ونحن في هذا الزمان - زمان الفتن بألوانها - بحاجة لتأمل الآيات والأحاديث الواردة في الفتن، وأخذ العبر والعظات والأحكام، والخروج بفقه ما ينبغي عمله عند الفتن في ضوء كتاب الله وصحيح سنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح، ومن الأحاديث التي حوت قواعد مهمة في موقف المسلم من الفتنة الحديث الذي يرويه الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ الذي قال له الرسول فيه «الزم بيتك، وأملك عليك لسانك ودع عنك .... » وفي ضوء ما تقدم أحببت أن أضرب بسهمي في هذا الموضوع بالإضافة إلى ما يأتي: ١/ حاجة الناس الماسة في مثل هذه الأزمنة إلى طرح موضوع الفتن وبيان سبل النجاة منها. ٢/ اضطراب مواقف الناس عند الفتن لقلة علمهم وجهلهم. ٣/ التجرؤ على الثوابت والمسلمات والخوض في دين الله بغير علم ومن أناس غير مؤهلين. ٤/ خوض كثير من الناس في أمور عظام هي مزلة أفهام، ينبغي للمسلم الإمساك عنها.

стр. 4

٥/ خدمة أحاديث رسول الله ﷺ رواية ودراية. ٦/ اشتمال حديث عبد الله بن عمرو) على توجيهات وقواعد جامعة مهمة لا يستغني عنها مسلم عند وقوع الفتن. ٧/ بيان موقف أهل السنة والجماعة من الفتن وأحاديثها وأحداثها. ٨/ الحاجة الماسة لمثل هذه الموضوعات المعاصرة والحية في ساحة اليوم، لتدل المسلم على الهدى، وتزوده بالخير والتقى، وتنير له الطريق، وتنجيه من كل مزلق عميق. موضوعات البحث: قسمت البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة. المقدمة: وضمنتها: أهمية البحث، وخطة البحث. التمهيد: وفيه تعريف الفتن. المبحث الأول: أقسام الفتن. المبحث الثاني: تخريج حديث عبد الله بن عمرو، ودراسة إسناده.

стр. 5

المبحث الثالث: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: «الزم بيتك». المطلب الثاني: «املك عليك لسانك». المطلب الثالث: «ودع عنك أمر العامة، وعليك بأمر نفسك خاصة» الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

стр. 6

التمهيد وفيه تعريف الفتن وبيان استعمالاتها: تعريف الفتن: في اللغة: الفتن جمع ثنة، قال ابن فارس: «الفاء والتاء والنون، أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار» (١)، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضة والذهب، إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد (٢). قال الخليل: الف: الإحراق، يقال: ورق فتين أي فضة محرقة، ويقال للحرة فتين، كأن حجارتها محرقة (٣) ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤) أي أحرقوهم بالنار (٥). وافتتن الرجل، وفتن فهو مفتون، إذا أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله (٦)، والفتنة إعجابك بالشيء.

стр. 7

والفتنة الضلالة والإثم، والفاتن المضل عن الحق (١). والفنان الشيطان (٢)، وجاء في الحديث «المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان» (٣). ويقال فَتَنَ الرجل، أي زال عما كان عليه (٤)، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٥). والفتنة ما يقع بين الناس من القتال (٦)، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «إني أرى الفتن خلال بيوتكم» (٧). والفتنة القتل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٨). اصطلاحا: معنى الفتنة في الأصل: الاختبار والامتحان، ثم

стр. 8

استعملت في كل أمر يكشفه الامتحان عن سوء وفيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه، كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور والقتال عن جهل طلبأ للدنيا أو اتباعة للهوى، وغير ذلك (١). قال الإمام أحمد: «الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس» (٢). وعرفها الزمخشري بقوله: «والفتنة: الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ بالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم» (٣). وخلاصة هذه التعريفات: أن الفتنة هي: ما يميز حال الناس من الخير أو الشر سواء كان التمييز بالعطايا والنعم أو بالبلايا والنقم. العلاقة بين المدلول اللغوي والاصطلاح الشرعي للفتنة: إن العلاقة بين المدلول اللغوي والشرعي للفتنة تكمن في كون

стр. 9

الفتنة تُظهر المؤمن الصادق من الدَّعِي، وتنبئ عن سوء طويَّة من لم يستقر الإيمان في قلبه، وتُخرج الدَّغْل من قلوب المؤمنين، فيخرجوا بعد البلاء بقلوب صافية، وأفئدة مؤمنة، كما يحصل عند إدخال الذهب أو الفضة في النار، فيذهب الخبث، ويبقى الجيد (١)، والله أعلم.

стр. 10

المبحث الأول: أقسام الفتن * الفتن من حيث نوعها: تنقسم الفتنة من حيث نوعها إلى قسمين: فتنة الشبهات، وفتنة الشهوات. أ. فتنة الشبهات: وهي أعظمها وتتعلق بالعقول والقلوب كالتشكيك في الدين، والوقوع في الشرك أو البدع ونحوها. سببها: ضعف البصيرة وقلة العلم لاسيما إذا اقترن ذلك بفساد القصد وحصول الهوى، فقل ما شئت في ضلال سيء القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدي مع ضعف بصيرته وقلة علمه. فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (١) وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢). خطرها: تكمن خطورتها في أن مآل صاحبها إلى الكفر والنفاق، فهي فتنة المنافقين وأهل البدع على حسب مراتب بدعهم حيث اشتبه

стр. 11

عليهم الحق بالباطل والهدى بالضلال والعياذ بالله .. النجاة منها: تكون بتجريد اتباع الرسول ﷺ ، وتحكيم سنته، وذلك بتعلمها، فالهدي كله دائر على أقواله وأفعاله وكل ما خرج عنها فهو ضلال، فإذا عقد القلب على ذلك وأعرض عما سواه، بأن يزنه بما جاء به الرسول ﷺ فإن وافقه قبله، وإن خالفه رده ولو قاله من قاله؛ فهذا الذي ينجو من فتنة الشبهات، وإن فاته شيء من ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه، وعن المقدام بن معدي كرب يقول: «حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر أشياء ثم قال: يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته، يحدث بحديثين فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» (١). وعن أبي رافع وغيره رفعه قال: «لا ألفين أحدكم متكئًا على

стр. 12

أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو فيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (١). ب. فتنة الشهوات: وهي الغالبة كالافتتان بالنساء، أو بالمال الحرام، أو بالمنصب ونحوها. سببها: كثرة المعاصي، وفسق الأعمال، وسيطرة الدنيا على القلوب، أو الإسراف في الشهوات المباحة إلى اتباع الهوى، والغفلة عن الطاعة، ورفقة السوء، والاحتقار والاستهتار بما فعل من معاص، وعدم معرفة قدر الدنيا .. خطرها: تُحدِث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء، والزرع والثمار والمساكن؛ قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢) وهي سببٌ لزوال النِّعم.

стр. 13

النجاة منها: يكون باليقين بوعد الله ووعيده، بتذكر الآخرة وما فيها، وباستشعار عظمة الله تعالى ومعرفته حق المعرفة قال تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وقد ذكر في القرآن هذين القسمين في آية واحدة في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ (٢)، أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق: هو النصيب المقدر ثم قال: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ فهذا الحوض بالباطل وهو الشبهات. فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان من الاستمتاع بالخلاق والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.

стр. 14

فالأول: هو البدع وما والاها وهو فساد من جهة الشبهات، والثاني: فسق الأعمال وهو فساد من جهة الشهوات. ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه. وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع والهوى على العقل (١). ففتنة الشبهات تدفع بالعلم واليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر واليقين بوعد الله ووعيده، واستشعار عظمته سبحانه، ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. وجمع بينهما أيضا في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣)

стр. 15

فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات. الفتن من حيث الزمن: تنقسم الفتن من حيث زمنها إلى: فتن الحياة، وفتن الممات. والأصل في هذا التقسيم حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمْ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» (١). فالفتنة الأولى: فتنة (المحيا): بفتح الميم ما يعرض للمرء مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها والجهالات، أو هي الابتلاء مع زوال الصبر (٢)، أو هي كل ما يعطاه الإنسان من خير أو شر؛ فإن كان خيرًا امتحن فيه، هل يؤدي شكر النعمة؟ وإن كان شرا؛ هل يصبر

стр. 16

عليه، وهي أكثر من أن تحصى. والثانية: فتنة (الممات) وفي تفسيرها قولان: أ/ ما يفتن به المرء عند الموت، وأضيفت له لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، وقد تسمى هذه الفتنة بفتنة الاحتضار لأن الشيطان قد يفتن الآدمي تارة بتشكيكه في خالقه وفي معاده، وتارة بالتسخط على الأقدار، وتارة بإعراضه عن التهيؤ للقدوم إلى ربه بتوبة من زلة واستدراك لهفوة إلى غير ذلك (١). ب/ أو المراد بفتنة الممات: فتنة القبر أي سؤال الملكين، وقد صح في حديث أسماء «إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة الدجال» (٢) ولا يكون مع هذا الوجه متكررا مع قوله «عذاب القبر» لأن العذاب مرتب عن الفتنة والسبب غير المسبب. قال النووي: وأما الجمع بين فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر فهو من باب ذكر الخاص بعد العام ونظائره كثيرة (٣).

стр. 17

الفتن من حيث حجمها: تنقسم الفتن من حيث حجمها: إلى فتن صغار وفتن كبار عظيمة. ودليل هذا التقسيم ما جاء عن حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ أنه قال: وَاللَّهِ إنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بكُلِّ فِتْنَةٍ هي كَائِنَةٌ، فِيما بَيْنِي وبيْنَ السَّاعَةِ، وَما بي إلَّا أَنْ يَكونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسَرَّ إلَيَّ في ذلكَ شيئًا، لَمْ يُحَدِّثْهُ غيرِي، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قالَ: وَهو يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فيه عَنِ الفِتَنِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَهو يَعُدُّ الفِتَنَ: منهنَّ ثَلَاثٌ لا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شيئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ منها صِغَارٌ وَمنها كِبَارٌ». قَالَ حُذّيْفَةُ فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي» (١) (٢). وقوله (ومنهن فتن كرياح الصيف) أي فيها بعض الشدة وإنما خص الصيف لأن رياح الشتاء أقوى. وقيل: أي فيها شيء من الشدة، ولكنها شدة تنقضي وليست كرياح الشتاء (٣).

стр. 18

وجاء عن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁، قالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ في الفِتْنَةِ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ كما قالَ، قالَ: هَاتِ، إنَّكَ لَجَرِيءٌ، قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ ومَالِهِ وجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، والصَّدَقَةُ، والأمْرُ بالمَعروفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ: ليسَتْ هذِه، ولَكِنِ الَّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ. قالَ: يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا بَأْسَ عَلَيْكَ منها، إنَّ بيْنَكَ وبيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا (١). فدل الحديث على: أن الفتن منها ما هو خاص لكل فرد لا ينفك عنه، ومنها ما هو عام على الجميع وهي التي سأل عنها عمر ﵁. قال ابن رجب: «والفتنة نوعان: أحدهما: خاصة تختص بالرجل في نفسه. والثاني: عامة تعم الناس. فالفتنة الخاصة: ابتلاء الرجل في خاصة نفسه بأهله وماله وولده وجاره، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢)، فإن ذلك غالبا يلهي عن طلب

стр. 19

الآخرة والاستعداد لها، ويشغل عن ذلك .... فظهر بهذا: أن الإنسان يبتلى بماله وولده وأهله وبحاره المجاور له، ويفتتن بذلك، فتارة يلهيه الاشتغال به عما ينفعه في آخرته، وتارة تحمله محبته على أن يفعل لأجله بعض ما لا يحبه الله، وتارة يقصر في حقه الواجب عليه، وتارة يظلمه ويأتي إليه ما يكرهه الله من قول أو فعل، فيسأل عنه ويطالب به، فإذا حصل للإنسان شيء من هذه الفتن الخاصة، ثم صلي أو صام أو تصدق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر كان ذلك كفارةً له، وإذا كان الإنسان تسوؤه سيئته، ويعمل لأجلها عملا صالحا كان ذلك دليلا على إيمانه. وأما الفتن العامة: فهي التي تموج موج البحر، وتضطرب، ويتبع بعضها بعضا كأمواج البحر، فكان أولهما فتنة قتل عثمان ﵁، وما نشأ منها من افتراق قلوب المسلمين، وتشعب أهوائهم وتكفير بعضهم بعضا، وسفك بعضهم دماء بعض، وكان الباب المغلق الذي بين الناس وبين الفتن عمر ﵁، وكان قتل عمر كسرة لذلك الباب، فلذلك لم يغلق ذلك الباب بعده أبدًا. وكان حذيفة أكثر الناس سؤالا للنبي ﷺ عن الفتن، وأكثر الناس علمأ بها، فكان عنده عن النبي ﷺ علم بالفتن العامة والخاصة، وقد

стр. 20

حدث عمر بتفاصيل الفتن العامة، وبالباب الذي بين الناس وبينها، وأنه هو عمر، ولهذا قال: إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، والأغاليط: جمع أغلوطة، وهي التي يغالط بها … وهذا مما يستدل به على أن رواية مثل حذيفة يحصل بها لمن سمعها العلم اليقيني الذي لا شك فيه؛ فإن حذيفة ذكر أن عمر علم ذلك وتيقنه كما تيقن أن دون غد الليلة، لما حدثه به من الحديث الذي لا يحتمل غير الحق والصدق. وقد كانت الصحابة تعرف في زمان عمر أن بقاء عمر أمان للناس من الفتن (١). وفي تشبيهه ﷺ الفتن بأنها تموج كموج البحر إشارة واضحة إلى قوتها وشدتها، ثم إلى تتابعها، وإلى أنه لا يمكن لأحد الوقوف أمامها؛ لأنه لا يمكن لأحد أنْ يقف أمام موج البحر، وأن الناس أمام هذه الفتن ستضطرب حركتهم، ويختل توازهم، وتضيق صدورهم، وينقطع نفسهم، وهذه حال من يصارع الموج. وإذا علمنا أنّ أمواج البحر تتكاثر وتتعاظم، مع شدة الريح وانتشار السحاب؛ فإن لنا أن نتصور جو الفتن بأنه جو مظلم، فالذي

стр. 21

يشاهد موج البحر العاتي فتبدو أمامه زرقة البحر مع ظلمة السحاب وكثرته، مع شدة هبوب الرياح وقوها؛ فكذلك الذي يواجه هذه الفتن، تحيط به الظلمات والأعاصير، فهو مهموم مغموم ظاهرًا وباطنًا، وللموج صوت وأي صوت؟ ولهذه الفتن صوت، لا يسمع الواقف فيها صوت ما عداها، وإنما تطبق عليه، فهي كالصاخة، فيظل الواقف فيها حيرانة خائفة قلقًا، يتطلع إلى الأمان ولا يجده، وهل ينجو من البحر وشدة موجه إلا من بعد عنه، والناس حين يواجهون أمواج البحر مجتمعين، في أية حال من حالاته، فإنه يسمع لهم صراخ وعويل وتهارش وتخاصم، لا يسمع الواحد منهم الآخر، وكل يريد أن ينجو بنفسه، وقد يغرق الواحد منهم غيره لينجو هو (١). وقد تبلغ شدة الفتن إلى أن تخرج المسلم عن دينه، ففي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتن كقطع الليل المظلم، يصبح المرء مؤمنة، ويمسي كافرة، ويمسي مؤمنة ويصبح كافرة، يبيع أحدكم دينه بعرض قليل من الدنيا» (٢). وقد يبلغ ثقل هذه الفتن وشدتها على المسلم أن يتمنى الموت

стр. 22

ويرجوه كي يتخلص من البلاء، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني كنت مكانه» (١).

стр. 23

المبحث الثاني: حديث عبدالله بن عمرو تخريجاً ودراسةً الأحاديث في باب الفتن، وسبل النجاة منها، وما يجب على المسلم فعله حين تحيط به كثيرة، و منها حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر صفة الفتنة، والضوابط الشرعية لمن ابتلي بها، وحديث عبد الله أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١) قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيمٍ، حدثنا يُونُسُ. يعني: ابْنَ أَبِي إِسحاقَ. عَنْ هِلالِ بنِ خَبَّابٍ أَبي العلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ عَمْرٍو قَالَ: بَينَمَا نَحنُ حَولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ ذَكَروا الفِتنةَ - أو ذُكِرت عندَهُ قالَ: (إذا رأيتَ النَّاسَ قد مرَجَت عُهودُهُم وخفَّت أماناتُهُم وَكانوا هَكَذا وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ) قالَ: فقمتُ إليهِ فقلتُ لَهُ كيفَ أفعلُ عندَ ذلِكَ جعَلَني اللَّهُ فداكَ قالَ: (الزَم بيتَكَ واملِكْ عليكَ لسانَكَ وخذ ما تعرفُ ودع ما تُنكرُ وعليكَ بأمرِ خاصَّةِ نَفسِكَ ودَع عنكَ أمرَ العامَّةِ)

стр. 24

تخريج الحديث: أخرجه أبو داود ٤/ ٢١٧ (٤٣٤٢)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ١٥/ ٩ (٣٨٢٧٠)، والطحاوي في «مشكل الآثار» ٣/ ٢١٧ (١١٨١)، والطبراني في «الدعاء» ١/ ٥٤٦ (١٩٦٣)، والخطابي في «العزلة» ١/ ١٠، وأبو نعيم في "الحلية" ٣/ ١٧٢٣ من طريق أبي نعيم به نحوه. - وأخرجه النسائي في «الكبرى» ٦/ ٥٩ (٩٩٦٢)، وفي «عمل اليوم والليلة» ١/ ٢٣٠ (٢٠٥)، وأبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» ٢/ ٣٦٣، وابن المبارك في «مسنده» ١/ ١٥٩ (٢٥٧)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» ٢/ ٣٣٧ (٤٣٨)، والحاكم في «مستدركه» ٤/ ٢٨٢ (٧٧٥٨) - ٤/ ٥٢٤ (٨٦٠٠) من طرق عن يونس بن أبي إسحاق به نحوه. وتوبع عكرمة: فأخرجه أبو داود ٤/ ٢١٦ (٤٣٤٤)، وأحمد ١١/ ٦٣٤ (٧٠٦٣)، والطحاوي في «مشكل الآثار» ٣/ ٢١٧ (١١٧٦)، والحاكم في «مستدركهـ» ٢/ ١٧١ (٢٦٧١) - ٤/ ١٤٨١ (٨٣٤٠) من طرق عن عمارة بن عمرو بن حزم.

стр. 25

- وأخرجه البزار في «مسنده» ٦/ ٤٤٧ (٢٤٨٤) من طريق سعيد بن زربي، و (٢٤٨٥) من طريق عقبة بن أوس (١). - وأخرجه أحمد ١١/ ٦٢٦ (٧٠٤٩) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. - وأخرجه أبو عمرو الداني ٢/ ٣٦٥، وأحمد ١١/ ٥٤ (٦٥٠٨)، من طريق الحسن مع خلاف في سماعه من عبد الله بن عمرو بن العاص. كلهم: عكرمة، وسعيد بن زربي، وعقبة بن أوس، وعمرو بن شعيب عن أبيه، وعمارة بن عمرو، والحسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص به، غير أن رواية يونس بن أبي إسحاق عن هلال بن خباب عن عكرمة عن عبد الله بن عمرو قد تفردت بلفظ «الزم بيتك، وأمسك عليك لسانك» ولم يتابعه عليها أحد، حتى أن شاهد هذا الحديث

стр. 26

من حديث أبي هريرة ﵁ (١) وغيره (٢) لم تأت فيه هذه

стр. 27

الزيادة، وهلال بت خباب. كما ذكره ابن حجر: صدوق تغير بأخرة (١)، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف (٢).

стр. 28

دراسة الإسناد والحكم على الحديث: قال الألباني في السلسلة الصحيحة (١): «قال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي. قال المنذري والعراقي: «سنده حسن» نقله المناوي في «الفيض»، و أقرهما و هو كما قالا، فإن هلالا هذا فيه كلام يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إلا إذا خولف، و قد توبع على أصل الحديث … (ثم ساق ثلاثة طرق ليس فيها زيادة الزم بيتك، وأمسك عليك لسانك) … وقال: مما يلاحظ أن هذه الطرق الثلاث، ليس فيها الزيادة التي في الطريق التي قبل هذه «الزم بيتك و املك عليك لسانك» فالقلب يميل إلى أنها زيادة شاذة، لأن الذي تفرد بها وهو هلال بن خباب وفيه كلام كما سبق، فلا يحتج به إذا خالف الثقات». وأصل هذا الحديث علقه البخاري (٤٨٠) بلفظ: «يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بقيت في لحثالة من الناس بهذا» ووصله إبراهيم الحربي في «غريب الحديث»، وحنبل بن إسحاق في «الفتن» كما في الفتح ١/ ٥٦٦، ١٣/ ٣٩، وفي تغليق التعليق ٢/ ٢٤٥.

стр. 29

والحديث صححه الحاكم ٤/ ٣١٥ فقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه المنذري في «الترغيب والترهيب» ٣/ ٤٤٣، والعراقي في «تخريج الإحياء» ٢/ ٢٣٢، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٠٥) وقال: «وهو كما قالا أي أن الحديث حسن - فإن هلالا هذا فيه كلام يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إلا إذا خولف، وقد توبع على أصل الحديث» وصححه شعيب الأرنؤوط. فالذي يظهر من خلال هذا أن أصل الحديث صحيح، وزيادة هلال شاذة في حديث عبد الله بن عمرو كما قال الألباني ﵀، وقد صحت من حديث غيره والله أعلم. شواهد لهذه الزيادة: صحت هذه الزيادة من أحاديث أخر، فللحديث شاهد من حديث عقبة، وثوبان، وأبي موسى الأشعري ﵁. قال الألباني في الصحيحة (١/ ٤١٦) ٢٠٦: «لكن قد ثبتت هذه الزيادة: «الزم بيتك … » في أحاديث أخرى». أما حديث عقبة بن عامر فقد أخرجه الترمذي ٤/ ٦٠٥ عَنْ

стр. 30

أَبِي أُمَامَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ (١). - وأما حديث ثوبان فقد أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٣/ ٢١ والصغير ١/ ١٤٠، وفي مسند الشاميين (١/ ٣١٣) عن عيسى بن سليمان الشيزري

стр. 31

قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (طُوبَى لِمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ، وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ). وقال: لا يروى هذا الحديث عن ثوبان إلا بهذا الإسناد تفرد به عيسى بن سليمان وهو ثقة (١). وأما حديث أبي موسى الأشعري ﵁ فقد أخرجه أبو داود في سننه ٤/ ١٦٤: عن عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قال حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قال حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ الْقَائِمِ والْقَائِمُ فِيْهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي» قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ «كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ» (٢).

стр. 32

المبحث الثالث: موقف المسلم من الفتنة في ضوء حديث عبد الله بن عمرو ﵁ - المتأمل لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ يقف على وصف رسول الله ﷺ لمرحلة زمنية يعيشها بعض أفراد أمته، يذكر رسول الله ﷺ أبرز أوصاف هذه المرحلة بعد أن ديرت عنده الفتن، فأخبر أنه (يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة و يبقي حثالة من الناس) كما جاء في المستدرك من طريق عمارة بن حزم (١)، وتأمل إلى (يغربل) و (حثالة) وكأن الناس ينقون بغربال ليذهب خيارهم، وتبقى الحثالة الرديئة السيئة في ذلك الزمن، والحثالة في اللغة (٢): الرديء من كل شيء، وفي ذاك الزمان -أعاذنا الله منه - تكثر حثالة

стр. 33

الناس والمقصود أراذلهم وشرارهم ومن لا خير فيهم. ثم عدد رسول الله ﷺ أهم أوصاف هؤلاء الحثالة: (قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم) أي: اختلطت وفسدت العهود، فصار نقض العهد أبرز سمات أفراد تلك الفترة الزمنية فلا ترعى حرمة ميثاق، ولا يطمأن لعهد، وأصبحت الأمانة عند أولئك الأفراد محل الخيانة لا الصون والحفظ، مع أن الإسلام يرقب من معتنقه أن يكون ذا ضمير يقظ، تصان به حقوق الله وحقوق الناس، وتحرس به الأعمال من دواعي التفريط والإهمال، والأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، وهي ترمز إلى معان شتي، مناطها جميعا شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسئول عنه أمام ربه (١) ومن تأمل كثيرا من الآيات يقف على هذا المعنى، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، وقال ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣)، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٤)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).

стр. 34

ولا تزال هذه الفتن في الانتشار حتى تصير هذه الأخلاق الذميمة سمة مجتمعية وخصلة عامة، فيدب الاختلاف وتنتشر الفوضى، حتى إن رسول الله ﷺ استخدم صورة حية لتوضيح هذا المعنى الذي قد لا يتصوره بعض من يعيش في المجتمع النبوي، المجتمع الذي كان شعاره الأمانة والوفاء والاجتماع ونبذ الافتراق، فشبه حال اختلاف المجتمع بتداخل الأصابع فيما بينها، و قد جاء في حديث عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «واختلفوا فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه» قال الحافظ عند شرحه حديث حذيفة (١): (يجتمع معه في قلة الأمانة وعدم الوفاء بالعهد وشدة الاختلاف، وفي كل منهما زيادة ليست في الآخر). وللعظيم آبادي (٢) تفسير آخر لمعنى الحديث، حيث قال: (أي: يمزج بعضهم ببعض، ويلتبس أمر دينهم، فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر). وفي كلام صاحب العون إشارة إلى اختلاط أمر الناس لكثرة الفساد، ولا مانع من حمل الحديث على كلا المعنيين، فكلاهما صحيح.

стр. 35

ولحرص صحابة رسول الله ﷺ على العلم، سأل عبد الله بن عمرو رسول الله ﷺ عن موقف المسلم الذي ينجو به من هذه الفتن، وهو ما عنونت به مطالب هذا المبحث. أعاذنا الله من الفتنة، فأرشده ﷺ إلى خطوات عملية لاجتنابها، وقد جاءت أدلة أخرى تذكر ضوابط شرعية لموقف المسلم من الفتنة، نورد بعضها إجمالا، قبل التفصيل للضوابط الواردة في حديث عبد الله بن عمرو ﵁، ومن هذه الضوابط: ١. الاعتصام بالكتاب والسنة، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). ٢. التقوى وملازمة العبادة. قال ﷺ : «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» (٢). ٣. لزوم جماعة المسلمين. قال ﷺ : «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية» (٣).

стр. 36

٤. اعتزال مواطن الفتن يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) و عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ لِمَا مَعَهُ مِنْ الشَّبَهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ» (٢). ٥. التثبت والتأني وعدم العجلة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٣). ٦. لزوم الدعاء والتعوذ بالله من الفتن. «صعد النبي ﷺ ذات يوم المنبر فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم، … فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي ﷺ : ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه صورت في الجنة والنار حتى رأيتهما

стр. 37

دون الحائط» (١). ٧. الالتفاف حول العلماء الربانيين. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢). وعن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي ﷺ أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٣) فتأمل كيف انتفع أبو بكرة ﵁. بكلمة سمعها من رسول الله ﷺ فاعتزل الفتن. وقد اقتصرت على هذه الخطوات العملية التي جاءت بها النصوص الشرعية، وإلا فهي كثيرة لكني أردت قرب منفعة البحث، ومن أراد الاستزادة فليرجع للكتب المؤلفة في هذا الباب (٤).

стр. 38

المطلب الأول: «الزم بيتك» مر في المبحث الثاني (١) «أن هذه الزيادة شاذة من حديث عبد الله بن عمرو، لكنها ثابتة من أحاديث أخرى، فأوردت لصحتها. إن أول توجيه ذكره ﷺ عند الفتن، واضطراب أحوال الناس،: (الزم بيتك). قال الطيبي: «(الزم) بكسر فسكون ففتح، (بيتك) أي: محل سكنك بيتا أو خلوة أو غيرهما، والأمر في الظاهر وارد على البيت، وفي الحقيقة على المخاطبة أي: تعرض لما هو سبب لزوم البيت من الاشتغال بالله والمؤانسة بطاعته والخلو عن الأغيار» (٢). والأمر بلزوم البيت يلقي إضاءة على موضوع العزلة الذي هو غاية في الأهمية، وهو خطير، إذا لم تعرف أحكامه وحكمه، وأوقاته وآثاره، وايجابيات وسلبياته، ويجب القصد والاعتدال في الخلطة والعزلة، وهذا ما مثل به الإمام الخطابي ﵀ خلاصة رأيه

стр. 39

في العزلة، وهو من رواد هذا الموضوع إن لم يكن رائده. وقد اختلفت مذاهب العلماء في: الخلطة والعزلة للمؤمن، وأيهما أفضل، على قولين: القول الأول: ذهب سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وآخرون (١) إلى أن العزلة أفضل، أفضل، واستدل هؤلاء على تفضيل العزلة بما يلي: ١. قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٢) ثم قال تعالى في الآية بعدها: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (٣). إشارة إلى أن ذلك ببركة العزلة. ٢. واحتجوا أيضا بقول موسى ﵇: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٤) ففزع إلى العزلة عند اليأس منهم. ٣. وبقوله تعالى في أصحاب الكهف ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥).

стр. 40

ويجاب: بأن الأدلة المتقدمة الذكر إنما وردت في شأن عزلة الكفار والمحاربين للمسلم في دينه، وليست في عزلة المؤمنين، فهي خارجة عن موضع النزاع فلا يستدل بها (١). ٤. واستدلوا بحديث عقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو (٢). ٥. وبحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله: أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره» (٣). يقول الغزالي: (وفي الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر، فأما قوله لعقبة بن عامر فلا يمكن تنزيله إلا على ما عرفه ﷺ بنور النبوة من حاله، وأن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة، فإنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك، ورب شخص تكون سلامته في العزلة بذلك لا في المخالطة، كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج إلى
следующие страницы →