٤. اعتزال مواطن الفتن يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١)
و عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ لِمَا مَعَهُ مِنْ الشَّبَهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ» (٢).
٥. التثبت والتأني وعدم العجلة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٣).
٦. لزوم الدعاء والتعوذ بالله من الفتن. «صعد النبي ﷺ ذات يوم المنبر فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت
لكم، … فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي ﷺ : ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه صورت في الجنة والنار حتى رأيتهما
стр. 37
دون الحائط» (١).
٧. الالتفاف حول العلماء الربانيين. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).
وعن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي ﷺ أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٣) فتأمل كيف انتفع أبو بكرة ﵁. بكلمة سمعها من رسول الله ﷺ فاعتزل الفتن.
وقد اقتصرت على هذه الخطوات العملية التي جاءت بها النصوص الشرعية، وإلا فهي كثيرة لكني أردت قرب منفعة البحث، ومن أراد الاستزادة فليرجع للكتب المؤلفة في هذا الباب (٤).
стр. 38
المطلب الأول: «الزم بيتك»
مر في المبحث الثاني (١) «أن هذه الزيادة شاذة من حديث عبد الله بن عمرو، لكنها ثابتة من أحاديث أخرى، فأوردت لصحتها.
إن أول توجيه ذكره ﷺ عند الفتن، واضطراب أحوال الناس،: (الزم بيتك).
قال الطيبي: «(الزم) بكسر فسكون ففتح، (بيتك) أي: محل سكنك بيتا أو خلوة أو غيرهما، والأمر في الظاهر وارد على البيت، وفي الحقيقة على المخاطبة أي: تعرض لما هو سبب لزوم البيت من الاشتغال بالله والمؤانسة بطاعته والخلو عن الأغيار» (٢).
والأمر بلزوم البيت يلقي إضاءة على موضوع العزلة الذي هو غاية في الأهمية، وهو خطير، إذا لم تعرف أحكامه وحكمه، وأوقاته وآثاره، وايجابيات وسلبياته، ويجب القصد والاعتدال في الخلطة والعزلة، وهذا ما مثل به الإمام الخطابي ﵀ خلاصة رأيه
стр. 39
في العزلة، وهو من رواد هذا الموضوع إن لم يكن رائده.
وقد اختلفت مذاهب العلماء في: الخلطة والعزلة للمؤمن، وأيهما أفضل، على قولين:
القول الأول: ذهب سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وآخرون (١) إلى أن العزلة أفضل، أفضل، واستدل هؤلاء على تفضيل العزلة بما يلي:
١. قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (٢) ثم قال تعالى في الآية بعدها: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (٣). إشارة إلى أن ذلك ببركة العزلة.
٢. واحتجوا أيضا بقول موسى ﵇: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٤) ففزع إلى العزلة عند اليأس منهم.
٣. وبقوله تعالى في أصحاب الكهف ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥).
стр. 40
ويجاب: بأن الأدلة المتقدمة الذكر إنما وردت في شأن عزلة الكفار والمحاربين للمسلم في دينه، وليست في عزلة المؤمنين، فهي خارجة عن موضع النزاع فلا يستدل بها (١).
٤. واستدلوا بحديث عقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو (٢).
٥. وبحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله: أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره» (٣).
يقول الغزالي: (وفي الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر، فأما قوله لعقبة بن عامر فلا يمكن تنزيله إلا على ما عرفه ﷺ بنور النبوة من حاله، وأن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة، فإنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك، ورب شخص تكون سلامته في العزلة بذلك لا في المخالطة، كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج إلى
стр. 41
الجهاد، وذلك لا يدل على أن ترك الجهاد أفضل. وفي مخالطة الناس بمجاهدة ومقاساة، ولذلك قال ﷺ : «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (١)(٢).
٦. وبقوله ﷺ : «إن الله يحب العبد التقيَّ، الغنيَّ، الخفيَّ» (٣).
ومعنى الخفي على ما ذكره النووي ﵀: (الحامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه، وذكر. ﵀. أن في هذا الحديث حجة لمن يقول الاعتزال أفضل من الاختلاط، وفي المسألة خلاف .... ومن قال بالتفضيل للاختلاط قد يتأول هذا على الاعتزال وقت الفتنة ونحوها) (٤).
القول الثاني: وإليه ذهب أكثر التابعين، سعيد بن المسيب والشعبي وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وأحمد وجماعة، وهو قول الجمهور (٥) بأن الخلطة أفضل من العزلة.
стр. 42
واستدلوا بأدلة كثيرة أوردها وناقشها الخطابي والغزالي (١)، ومنها:
١. ما أمر الله به من الاجتماع، وما نفي عنه من الافتراق وحذر منه، فقال تعالى ذكره:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٢).
٢. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣)، ووجه الاستدلال حصول المنة من الله لرسوله بالتأليف بين قلوب المؤمنين، ولا يكون التأليف إلا مع الخلطة والاجتماع.
٣. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٤).
وأجاب الغزالي (٥) عن استدلالهم بقوله: (امتن على الناس بالسبب المؤلف وهذا ضعيف؛ لأن المراد به تفرق الآراء واختلاف المذاهب في معاني كتاب الله وأصول الشريعة. والمراد بالألفة: نزغ
стр. 43
الغوائل من الصدور، وهي الأسباب المثيرة للفتن المحركة للخصومات، والعزلة لا تنافي ذلك).
٤ - واحتجوا بقوله -: «المؤمن إلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» (١).
وقد أجاب عن استدلالهم بهذا الحديث الغزالي فقال: (وهذا ضعيف لأنه إشارة إلى مذمة سوء الخلق تمتنع بسببه الموالفة، ولا يدخل تحته الحسن الخلق الذي إن خالط ألف وألف، ولكنه ترك المخالطة اشتغالا بنفسه وطلبة للسلامة من غيره).
٥ - وبقوله ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً» (٢).
стр. 44
ووجه استدلالهم بهذه الأحاديث أم (قالوا: نطقت هذه الأخبار بأن المعتزل عن الناس، المنفرد عنهم،
مفارق للجماعة، شاذ عن الجملة، شاق لعصا الأمة، خالع للبقة، مخالف للسنة) (١).
والجواب عن ذلك أن يقال: (وهذا ضعيف. أيضا. لأن المراد به الجماعة التي اتفقت آراؤهم على إمام بعقد البيعة، فالخروج عليهم بغي، وذلك مخالفة بالرأي وخروج عليهم، وذلك محظور لاضطرار الخلق إلى إمام مطاع يجمع رأيهم، ولا يكون ذلك إلا بالبيعة من الأكثر، فالمخالفة تشويش مثير للفتنة فليس في هذا تعرض للعزلة) (٢).
٦. واحتجوا بقول النبي - (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ المُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) (٣).
стр. 45
وأوضح الصنعاني في كتابه «سبل السلام» المخالطة التي أرادها الحديث: (فيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ولكل حال مقال) (١).
وبالنظر لما تقدم من أدلة الفريقين نلحظ أنه لا يمكن تفضيل الخلطة على العزلة مطلقة ولا العكس، والمسألة تحتاج إلى تفصيل، وقد حقق الحافظ ابن حجر مسألة التفضيل بين الخلطة والعزلة فأفاد وأجاد، وأسوق كلامه ﵀، حيث قال: «وقد اختلف السلف في أصل العزلة فقال الجمهور الاختلاط أولى إما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك. وقال قوم:
العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين … وَقَالَ النَّوَوِيّ الْمُخْتَار
بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبلها، ما لم يحل دوها حائل شغل، ولا يمنع عنها مانع غذر، إنما نريد للعزلة ترك فضول الصحبة، وتبذ الزيادة منها، وحط العلاوة التي لا حاجة بك إليها، فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم، على ما يدعو إليه شعف النفوس، وإلف العادات، وترك الاقتصاد فيها، والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه، كان جديرة ألا يحمد غبه، وأن يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته، فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مُدْنِفَةٍ، وأسقام مُتْلِفَةِ، وليس مَنْ علم كمن كهل، ولا من جرب وامتحن كمن باده وخاطر؛ .... ) (١) وفي حديث عبد الله أشار النبي ﷺ إلى الزمان الذي يتعذر فيه إصلاح العامة، لاختلاف الناس وتناحرهم وتطاحنهم، وخفة
стр. 48
أحلامهم وأماناتهم، ومروج عهودهم ونذورهم، ووصف. ﷺ أهل ذلك الزمان بأنهم «حُثالة» من الناس، فهو إشارة إلى استقرار الانحراف العام، والغربة الشاملة، وغلبة الشر والفساد، غلبة لا يطمع معها في إصلاح العامة، ولا شك أن مثل هذا الزمان يكون لزوم البيت والانشغال بإصلاح النفس خير من استنزاف الطاقات وتشتيت الجهد في أمر يصعب، بل قد يطول المؤمن من هذا الزمن شرا، ولا يأمن على نفسه من الفتنة.
ولذا حمل كثير من أهل العلم أحاديث العزلة على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هي فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص.
ومن النصوص التي تدل على حمل أحاديث العزلة على وقت الفتن قول النبي ﷺ : «سَتَكُونُ فِتَنٌ، القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لها تَسْتَشْرِفْهُ، فمَن وجَدَ مَلْجَأً أوْ مَعاذًا، فَلْيَعُذْ بهِ» (١).
стр. 49
وحديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وحديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنها ستكون فتنٌ، ألا ثم تكون فتنةٌ، المضطجعُ فيها خيرٌ من الجالسِ، والجالسُ فيها خيرٌ من القائمِ، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعتْ، فمن كانت له إبلٌ فلْيلْحقْ بإبلِه، ومن كانت له غنمٌ فلْيلْحقْ بغنمِه، ومن كانت له أرضٌ فلْيلْحقْ بأرضِه، ومن لم يكن له شيءٌ من ذلك فليعمدْ إلى سيفِه، فيدقُّ على حدِّه بحجرٍ، ثم لْينجُ إن استطاع النَّجاءَ، اللهم هل بلَّغتُ، اللهم هل بلَّغتُ» (١).
أما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة، فالأصل فيها أن المسلم الذي يستطيع الخلطة فيخالط الناس، ويصير على أذاهم، ويوصل إليهم النفع الديني والدنيوي هو خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، بل يعتزل شرورهم، ويتفرد بنفسه.
стр. 50
المطلب الثاني: «املك عليك لسانك»
المسلم الحق هو الذي يحذر كل الحذر من لسانه؛ لأنه سوف يحاسب على كل كلمة بل كل لفظ ينطق به، يقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١)، وسئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج» (٢).
وسأل معاذ النبي ﷺ عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره النبي ﷺ برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال: "ألا أخبرك يملا ذلك كله؟ " قال: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "كف عليك هذا". فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا معاذ؛ وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم -أو على مَناخِرِهِم- إلا حصائدُ ألسنتِهم» (٣).
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: «إذا أصبح
стр. 51
ابنُ آدمَ فإنَّ أعضاءَه تُكَفِّرُ اللسانَ؛ تقول: اتقِ اللهَ فينا؛ فإنكَ إنِ استقمتَ استقمنا، وإن أعوججتَ اعوججنا» (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُهُ، ولا يستقيمُ قلبُهُ حتى يستقيمَ لسانُهُ، ولا يدخلُ الجنةَ حتى يأمنَ جارُهُ بَوائقَهُ» (٢).
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ» (٣).
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «هل تَدرون مَنْ المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا، يا رسولَ اللهِ، مَنْ لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ. قال: إنَّ المُفلِسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يَأتي يَومَ القِيامَةِ بِصِيامٍ وصَلاةٍ وزَكاةٍ، ويَأتي قد
стр. 52
شتَمَ عِرْضَ هذا، وقذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، فيُقعَدُ، فيَقُصُّ هذا مِنْ حَسَناتِه، وهذا مِنْ حَسَناتِه، فإنْ فنِيَت حَسَناتُه قبْلَ أنْ يَقضِيَ ما عليه مِنْ الخَطايا؛ أخَذَ مِنْ خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النَّارِ» (١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ صَمَت نَجا» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (٣).
قال الإمام النووي ﵀ معلقة على هذا الحديث:
стр. 53
(قلت: فهذا الحديث المتفق على صحته نص صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرة، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإمام الشافعي ﵀: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر) (١).
وذكر الإمام مالك في الموطأ: عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه - أنه دخل على أبي بكر الصديق وهو يحبذ لسانه -أي: يجره بشدة - فقال له عمر: مه! غفر الله لك، فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد (٢).
وقال النووي في الأذكار (٣): «بلغنا أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من
стр. 54
العيوب؟! فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته: ثمانية آلاف عيب، فوجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها، قال ما هي؟ قال: حفظ اللسان».
ما تقدم كله يؤكد أهمية حفظ الإنسان للسانه، والتحرز في حفظه في جميع الأزمنة والأوقات، ويتأكد حفظ اللسان في أوقات الفتن أكثر منه في غيره، كما جاء في قول رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو «أملك عليك لسانك»: (وأملك) بقطع الهمزة وكسر اللام (عليك لسانك) أي احفظه وصنه ولا تحره إلا فيما لك لا عليك، أو امسكه عما لا يعنيك، وخصه لأن الأعضاء تبع له، فإن استقام استقامت وإن أعوج اعوجت (١).
قال في مرقاة المفاتيح: «أملك عليك لسانك بفتح الهمزة وكسر اللام أي احفظ لسانك عما ليس فيه خير، والأظهر أن معناه أمسك لسانك حافظا عليك أمورك مراعية لأحوالك، ففيه نوع من التضمين» (٢).
стр. 55
وقد وردت أحاديث أخرى تؤكد أهمية حفظ اللسان عند الفتنة، وأن وقع اللسان في تلك الفتن أشد من وقع السيف:
منها حديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «تكون فتنة تَسْتَنْظِفُ العرب (١)، قتلاها في النار (٢)، اللسان فيها أشد من وقع السيف» (٣).
стр. 56
وتأمل قوله ﷺ : «اللسان فيها أشد من وقع السيف» يقول القاضي عياض: «أي: وقعه وطعنه على تقدير مضاف، ويدل عليه رواية: (إشراف اللسان) أي: إطلاقه وإطالته أشد من وقع السيف، لأن السيف إذا ضرب به أثَّر في واحد، واللسان تضرب به في تلك الحالة ألف نسَمَة (١).
وقال القرطبي ﵀: (قوله: «اللسان فيها أشد من وقع السيف»: أي: بالكذب عند أئمة الجور، ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ عن ذلك من النهب والقتل والجلد والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها) (٢).
ومن الأحاديث التي أشارت إلى خطر الكلمة في الفتنة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتنة صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ من أشرف لها اسْتَشْرَفَتْ له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف» (٣).
стр. 57
لقد وصفت الفتنة بأوصاف أصحابها، أي: لا يُسمع فيها الحق ولا ينطق به، ولا يتضح الباطل عن الحق، فهم لا يميزون فيها بين الحق والباطل، ولا يسمعون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل من تكلم فيها بحق أوذي ووقع في الفتن والمحن، ثم أخبر. ﷺ أن: «من أشرف لها استشرفت له» أي: من اطلع ينظر إليها جرّته لنفسها، فالخلاص في التباعد منها، والهلاك في مقاربتها.
وأخبر ﷺ أيضا أن: «إشراف اللسان فيها كوقوع السيف» أي: إطلاقه وإطالته بالكلام يعد كوقوع السيف في التأثير والمحاربة، وفي رواية: ((أشد من السيف)) (١).
قال ابن العربي: (وجه كونه أشد: أن السيف إذا ضرب ضربة واحدة مضت واللسان يضرب به في تلك الحالة الواحدة ألف نسمة، ثم هذا يحتمل أنه إخبار عما وقع من الحروب بين الصدر الأول، ويحتمل أنه سيكون وكيفما كان فإنه من معجزاته لأنه
стр. 58
إخبار عن غيب) (١).
والمتأمل لما سبق من الأحاديث يقف على موقف المؤمن وقت الفتنة، إنه الشخص الحذر المتحفظ الذي لا يطلق الكلمات لإيمانه بأن الله سائله عنها، وأن الكلمة سلاح يستخدم لشق صف الجماعة المسلمة، وتمزيق وحدتها، ولا يرضى المؤمن لنفسه أن يكون وسيلة يستخدمه الأعداء لبث الإشاعة ونشرها لا سيما في عصرنا الحالي الذي تنتقل الكلمة فيه بسرعة هائلة عبر وسائل الاتصال السريع.
ولو أننا تأدبنا بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله عند ورود أي خبر لكانت العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).
يقول ابن كثير في تفسير الآية: « .... إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها
стр. 59
صحة، وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه (١) .... عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كفى بالمرء بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» … وفي الصحيحين (٢)، عن المغيرة بن شعبة: «أن رسول الله ﷺ نهى عن قيل وقال»، أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين.
ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته (٣) حين بلغه أن رسول الله لا طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي لا فاستفهمه أطلقت نساءك؟! فقال: «لا» فقلت عمر: الله أكبر، وذكر الحديث بطوله.
وعند مسلم قال: فقلت: أطلقتهن؟ فقال: «لا» فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله لا نساءه، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
стр. 60
الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر» (١).
ويقول الشيخ السعدي تعليقا على الآية: «هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول ﷺ وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين، وسرورة لهم، وتحرزة من أعدائهم؛ فعلوا ذلك، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته؛ لم يذيعوه، ولهذا قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم
стр. 61
بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ، وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان، أم لا فيحجم عنه» (١).
إن على علماء الأمة وطلبة العلم فيها أن يؤصلوا للعامة على وجه العموم وللشباب على وجه الخصوص وجوب كف اللسان في الفتن، وضرورة التثبت والتبيين عند ورود الخبر، ورده إلى أولي الأمر وأهل الخبرة كما أرشدنا الحكيم الخبير، لا سيما في عصر العولمة وسرعة انتشار المعلومة.
المطلب الثالث: «خذ ما تعرف ودع ما تنكر، ودع عنك أمر العامة وعليك بخاصة نفسك»
المتأمل لهذا الجزء من الحديث يرى أن رسول الله ﷺ أمر عبد الله بن عمرو عند فساد الزمن، وقلة الصالحين وذهابهم، وخفة الذمم وضياعها - كما تقدم في التمهيد- بأمرين:
الأول: (خذ ما تعرف، ودع ما تنكر) وفي هذه اللفظة من الحديث
стр. 62
نصيحة ترسم للفرد المنهج الأمثل في تلقي الفرد في مثل الزمان الذي ذكر رسول الله ﷺ صفته، يقول المناوي في شرح الحديث: «(وخذ ما تعرف) من أمر الدين: أي الزم فعل ما تعرف كونه حقا من أحوالك التي تنتفع بها دنيا وأخرى، (ودع) اترك (ما تنكر) من أمر الناس المخالف للشرع وانظر إلى تدبير الله فيهم بقلبك، فإنه قسم بينهم أخلاقهم كما قسم بينهم أرزاقهم، ولو شاء لجمعهم على خلق واحد، فلا تغفل عن النظر إلى تدبيره تعالى فيهم، فإذا رأيت معصية فاحمد الله إذ صرفها عنك، وتلطف في الأمر والنهي في رفق وصبر وسكينة فإن قبل منك فاحمد الله وإلا فاستغفره لتفريطك» (١).
الثاني: (ودع عنك أمر العامة، وعليك بخاصة نفسك):
يرسم رسول الله ﷺ للمؤمن في هذا المقطع موقف المؤمن من مثل هذا المجتمع الذي استشرى فيه الفساد، وقلة الذمم، ولأهل العلم تأويلات للحديث:
أولها: يرى الإمام الخطابي أن المقصود بالخاصة في هذا الحديث ما يخص الإنسان في ذاته من إعانة أهله، وسياسة ذويه، والقيام
стр. 63
لهم، والسعي في مصالحهم، ويعتبر هذا التوجيه متعلقة بالمصالح الدنيوية، أما ترك العامة -عنده - فهو ترك التعرض لأمرهم، والتعاطي لسياستهم، والترأس عليهم، والتوسط في أمورهم (١). وإذا فستر الحديث بهذا المعنى صار المرء مطالبة بالاقتصار من الدنيا ومن مخالطة أهلها، على ما لابد له منه في تدبير أمور معاشه، ومعاش من يعول.
ثانيها: أن يراد به (الخاصة) أصحاب الإنسان وخلصاؤه وأصدقاؤه، لأنه يختصهم بالود والمصافاة، قال الشاعر:
إن امرءًا خصَّني عمْدًا مودّته … على التنائي لعندي غير مَكفورِ (٢)
وقال الأزهري: الخاصة الذي اختصصته لنفسك (٣).
وعلى هذا المعنى يكون مقصود الحديث أمر الإنسان المتبع بالاعتناء بأمر الخاصة من أصحابه وخلصائه وأودَّائه في الله،
стр. 64
والاهتمام بصلاح شئون دينهم ودنياهم، وملازمتهم، وترك أمر العامة.
ثالثها: (وعليك بخاصة أمر نفسك) أي استعملها في المشروع وكفها عن المنهي والزم أمر نفسك والزم دينك واترك الناس ولا تتبعهم (١). وقيل: اجتهد في خلاصك، ولا تهلك مع من هلك، كما جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: لا يغتر الإنسان بطريق الشر ولو كثر السالكون لها، ولا يزهد عن طريق الخير وإن قل السالكون لها، فليس العجب ممن هلك كيف هلك وإنما العجب ممن نجا كيف نجا، لأن الهالكين كثيرون (٢).
ولا مانع من حمل الحديث على ما ورد من تأويلات إذ لا تعارض بينها، فعلى المرء عند استحكام الفتن أن يلتفت إلى نجاة نفسه وصلاحها، وإقامة أمور أهله الدينية والدنيوية، وإصلاح حال أصحابه وأهل وده ممن يؤثر فيهم ويؤثرون فيه، والله أعلم.
стр. 65
وهذا يكون في الحال التي ينطبق عليها الوصف الوارد في الأحاديث، وهي على ضربين:
الأول: أن تقع في زمن خاص، في مكان خاص من أرض الإسلام، وهذا جائز وقوعه في كل عصر.
والثاني: أن تقع شاملة في الأرض كلها، بصورة تامة، وهذا ما ترجح من أنه يكون قبيل الساعة، حيث لا ينفع أمر ولا نهي، فيؤمر المؤمنون المتحلون بصفات الطائفة المنصورة أن يُعنَوْا بصلاح حالهم الخاص ويدعوا أمر العامة حتى يأتي أمر الله. والله أعلم (١).
وليس فيما تقدم دليل على سقوط شعيرة من شعائر الدين شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم أنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أولا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو
стр. 66
تقصير في المعروف (١).
إلا أن هناك بعض الحالات يسقط فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان دون الإنكار بالقلب، فإنه لا يسقط بحال:
١/ أن لا يقبل القول منه، ولا ينتفع به:
إذا غلب على ظن المؤمن عدم الفائدة من أمره ونهيه لم يجب عليه الأمر والنهي، بل استحب له ذلك؛ ليبقى صوت الشرع مسموعا معلنا يذكر الناس بأنه قائم لم يمت، يقول الإمام الغزالي في هذا المعنى: «أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره، ولكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، لكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين» (٢).
ومما يؤكد هذا المعنى حديث عبد الله بن عمرو موضوع البحث، و ما جاء عن أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: يا أبا
стр. 67
ثعلبة كيف تقول في هذه الآية (عليكم أنفسكم) (١) قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا (٢)، وهوى متبعة، ودنيا مؤثرة (٣) وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك - يعني بنفسك - ودع عنك العوام، فإن فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» (٤).
стр. 68
وقد روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالوا لم يأت تأويلها بعد إنما تأويلها في آخر الزمان (١).
ولا يفهم الإنسان من الآية أنه إذا اهتدى لا يضره ضلال غيره إذا ضل، أو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بالواجب، ولكن حديث أبي بكر ﵁ بين الحق حيث قام فحمد الله وأثنى عليه فقال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إلى آخر الآية -، وإنكم تضعوها على غير موضعها، وإني سمعت
стр. 69
رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه (١)، فقد بين أن ذلك يكون بعد أن يأمر الإنسان وينهى، وليس معني ذلك أنه يترك الأمر والنهي، ولكنه إذا أدى ما عليه فعند ذلك لا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى. أما أن يترك الأمر والنهي ويكفيه أن يكون قد اهتدى، فهذا ليس بصحيح (٢)، أو أن الآية محمولة على زمن لم يأت بعد كما تأولها كثير من الصحابة.
٢ - إذا لحق الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر ضرر.
فإذا كان يلحق المسلم من جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكروه معتبر يتضرر به في نفسه أو ماله أو جاهه (٣) سقط الوجوب عنه، دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: يا رب رجوتك وفرقت من الناس» (٤).
стр. 70
٣ - أن يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول مفسدة أعظم من ذلك المنكر.
فإنه حينئذ يترك الأمر والنهي. وهذه قاعدة عامة في الشريعة يقول فيها شيخ الإسلام: «وجماع ذلك داخل في «القاعدة العامة»: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بما وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا؛ أو يتركوها
стр. 71
جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر؛ ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا تنحي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة» (١).
ويدل على هذه القاعدة أدلة من السنة، كترك النبي ﷺ لعبد الله بن أبي المنافق (٢)، لتوقعه حصول ضرر أكبر على الإسلام
стр. 72
من بقائه، وكما ترك تغيير البيت وجعله على قواعد إبراهيم ﵇ (١)، وغيرها.
ويقول ابن القيم (٢): «إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وان كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر .... وقد قال رسول الله ﷺ : «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر، ولا ينزعن يدا من طاعته»، ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات، ولا يستطيع تغييرها بل لما فتح الله مكة
стр. 73
وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء، فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة».
стр. 74
الخاتمة
الحمد الله حمدا كثيرة، طيبا مباركا فيه كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه له الحمد في الأولى والآخرة.
وبعد: فهذا ما امتن الله به علي بعد هذه الرحلة العلمية المباركة التي تعرفت من خلالها على موقف المسلم من الفتن في ضوء حديث عبد الله بن عمرو - ? - وخلصت بهذه النتائج والتوصيات.
أهم النتائج:
• تنقسم الفتن إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تنقسم من حيث نوعها إلى: فتنة الشبهات، وفتنة الشهوات.
القسم الثاني: تنقسم من حيث زمنها إلى: فتن الحياة، وفتن الممات.
القسم الثالث: تنقسم من حيث حجمها: إلى فتن صغار، وفتن كبار عظيمة.
стр. 75
• صحة حديث عبد الله بن عمرو في الفتنة، وزيادة هلال شاذة في حديث عبد الله بن عمرو كما قال الألباني ﵀، والله أعلم.
• الخطوات العملية التي أوصى بها النبي لاجتناب الفتنة من خلال حديث عبد الله بن عمرو.
• لا يمكن تفضيل الخلطة على العزلة مطلقة ولا العكس، ولذا حمل كثير من أهل العلم أحاديث العزلة على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هي فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص؛ أما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة، فالأصل فيها أن المسلم الذي يستطيع الخلطة فيخالط الناس، ويصبر على أذاهم، ويوصل إليهم النفع الديني والدنيوي هو خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، بل يعتزل شرورهم، ويتفرد بنفسه.
• المسلم الحق هو الذي يحذر كل الحذر من لسانه؛ لأنه سوف يحاسب على كل كلمة بل كل لفظ ينطق به.
• وقع اللسان في الفتن أشد من وقع السيف.
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان يسقط في