المقدمة
تقديم البحث
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم البحث:
أحمد الله ﵎ وأستعينه، وأستهديه، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فإن الشريعة الإسلامية وسائر الشرائع الإلهية، قد جاءت لتحقيق مصالح الناس، ولا شك في أن وجود القضاء في المجتمع الإنساني، هو إحدى الوسائل المحققة لهذه المصالح، فبه تحمى الحقوق وتصان عن الانتهاك، ويزال بوساطته تعدي الناس بعضهم على بعض، وهو أحد المناصب العظيمة التي تحقق العدل وتمنع الظلم، وترسي الحق، والعدل هو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، قال ﵎: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ١. والقسط هو العدل، فهما كلمتان مترادفتان, وأي طريق أدى إلى الوصول إلى العدل بين الناس كان مطلوبًا في الشرع، قال ابن القيم: "إذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريقة كان، فثم وجه الله ودينه، فأي طريق استخرج به العدل والقسط فهو من الدين وليس مخالفًا له"٢.
والقضاء وسيلة من أعظم وأسمى وسائل تحقيق العدل بين الناس، تحقيق العدل بينهم في العلاقات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية وكل نشاط من أنشطة الحياة بين الأفراد والدول، سواء أكانت هذه العلاقات بين المسلمين أم بينهم
стр. 2
وبين غيرهم.
ولمكانته السامية الجليلة تولاه الرسل فحكموا بين الناس، وولوه غيرهم، قال ﵎: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ١، وقال لرسوله -محمد ﷺ : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢. وقد ثبت أن الرسول ﷺ بعث القضاة إلى النواحي، فبعث معاذ بن جبل إلى اليمن، وعتاب بن أسيد إلى مكة.
وقد بين فقهاؤنا ﵃ أن شريعة الإسلامة توجب وجود القضاء في المجتمع، ووضحوا الشروط التي لا بد من توافرها فيمن يتولى هذا الأمر الخطير، هذه الشروط التي استنبطوها من القرآن، والسنة، وغيرهما من مصادر التشريع الإسلامي، وتكلموا عن طرق الإثبات أمام القاضي، وعما يجب على القاضي اتباعه عند نظره القضايا وفصله فيها، وعن أمور أخرى تتصل بهذا المنصب الجليل، وآمل أن يكون هذا البحث إسهامًا بسيطًا في خدمة الفقه الإسلامي، وإضافة لبنة صغيرة إلى هذا الصرح الشامخ, والتراث الجليل الذي ورثناه عن فقهائنا العظام، وأدعو الله أن يثيبني على ما بذلت فيه من جهد المقل، وأن يغفر لي إن أخطأت في فهم حكم، أو ترجيح رأي من آراء علمائنا على رأي آخر.
وقد خططت ليكون هذا البحث في مقدمة، وأربعة فصول.
стр. 3
أما المقدمة، فقد خصصتها للتعريف بالقضاء في لغة العرب، واصطلاح الفقهاء، وبيان حكم وجوده في المجتمع، والفرق بينه وبين التحكيم الذي كان موجودًا عند العرب قبل الإسلام.
وخصصت الفصل الأول لبيان شروط الصلاحية للقضاء، والأمور التي يعزل بها القاضي عن منصبه.
والفصل الثاني جعلته لبيان الدعوى، وأركانها، وشروط صحتها، ونظام الفصل فيها.
وجعلت الفصل الثالث للكلام عن وسائل الإثبات، فتكلمت عن الإقرار والبينة، ونكول المدعى عليه عن اليمين، ويمين المدعي مع الشاهد، ويمين المدعي إذا نكل المدعى عليه، والقسامة، والقافة، والقرائن، والقرعة، وختمت هذا الفصل بالكلام في قضيتين هامتين: أولاهما قضاء القاضي بعلمه، وثانيتهما هل يجوز للإنسان أن يستوفي حقه الذي ينكره الخصم بدون اللجوء إلى القضاء؟ وبينت الخلاف إن وجدته لعلمائنا في بعض وسائل الإثبات، وما استندت إليه آراء العلماء.
وأما الفصل الرابع الأخير، فعقدته للكلام عن أمور, وصفتها بأنها أصول في القضاء، وهي وجوب العدل بين الخصمين، وأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وأن حكم القاضي لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا، وأن القاضي لا يقضي بين الناس وهو غضبان، ولا يقبل الهدية ممن له خصومة عنده، ولا يقضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له، وأن الحكم بالاجتهاد الثاني للقاضي، وأنه يجوز الاستئناف في الأحكام.
стр. 4
وكان منهجي في هذا البحث أن كنت أكتفي بذكر آرء علمائنا في المسائل المختلف فيها، وبيان أدلة أصحابها، والمناقشات التي وردت عليها، ولا أختار رأيا إلا إذا بان لي أن الأرجح من حيث الدليل؛ لأن ترجيح رأي معين إنما هو كإفتاء للقارئ بهذا الرأي، ولا يحوز أن يفتي الإنسان إلا بما غلب على ظنه أنه الحق، فإن أكن وفقت في ترجيح الآراء فهذا من فضل الله ، وإن كان الخطأ قد وقع، فذلك مني ومن الشيطان، وأستغفر الله ﵎، وأختم كلمتي ببعض من الدعاء الذي علمنا الله إياه في قرآنه الحكيم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ، ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، اللهم آمين.
دكتور محمد رأفت عثمان
مدينة العين - الإمارات العربية المتحدة
الجمعة ٦ من ربيع الثاني سنة ١٤٠٨هـ، ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٨٧م
стр. 5
التعريف بالقضاء:
جرت عادة العلماء عندما يتعرضون لبيان معنى كلمة من الكلمات التي استعملت في مجال بيان الأحكام الشرعية، مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والزواج، والطلاق، والبيع، والإجارة، وغير ذلك من كلمات كانت موضوعًا للبحوث الفقهية، جرت عادتهم كمدخل للكلام عنها أن يوضحوا معناها في اللغة العربية أولا، ثم يبينوا بعد ذلك معناها عند علماء الشريعة، وهو ما
يعبرون عنه بمعناها في الاصطلاح؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية جاءت في بيئة عربية، فاقتضت حكمة الله ﵎ أن يكون كتابه الكريم بلغة العرب، وهو المصدر الأول للتشريع، والمصدر الثاني بعد الكتاب الكريم هو السنة النبوية الشريفة، والسنة هي أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته، والرسول ﷺ عربي يتكلم العربية، وكان من الطبيعي أن تستعمل الشريعة الإسلامية ألفاظًا كان العرب يستعملونها قبل ورود الشريعة، وفي كثير من الأحوال كان استعمال الشريعة للفظ العربي في معنى مختلف عن المعنى الذي كان العرب يستعملونه فيه قبل ورود الشريعة، وذلك واضح في ألفاظ مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وغير ذلك، فلفظ الصلاة قبل مجيء الإسلام كان يستعمل عند العرب في معنى الدعاء. ولكن عندما جاء الإسلام استعمل في أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم بشروط مخصوصة، ولفظ الزكاة استعمل في لغة العرب بمعنى النماء، وبمعنى التطهير، فيقال مثلا: زكا الزرع، ويكون المعنى نما الزرع، ويقال: زكت نفس فلان، ويكون المعنى طهرت نفس فلان، ولكن
الشريعة استعملت لفظ الزكاة في مال مخصوص يخرج من مال مخصوص ليدفع إلى طائفة خاصة، وهكذا في لفظ الصيام، ولفظ الحج،
стр. 6
وغيرها.
فمن الطبيعي -إذن- أن يتكلم العلماء عن معنى كلمة من الكلمات التي استعملتها الشريعة في لغة العرب، قبل أن يتكلموا عن معناها في الشريعة، أو عند علماء الشرع، أو ما يعبر عنه بمعناها في الاصطلاح، ومعنى الاصطلاح: إخراج اللفظ عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد١.
وجريا على هذه العادة عند العلماء سنبين أولا معنى كلمة "القضاء"، في لغة العرب ثم نبين معناها في اصطلاح علماء الشرع.
القضاء في لغة العرب:
يوجد في لغة العرب بعض الألفاظ التي لها أكثر من معنى، كلفظ العين، ولفظ القرء، فمن معاني لفظ العين، الجاسوس، والباصرة، وعين الماء، والذهب، وغير ذلك، ولفظ "القرء" أيضا وضع في اللغة العربية لمعنى الحيض، ولمعنى الطهر الذي يفصل بين كل حيضتين.
ولفظ "القضاء" من هذا القبيل، أي: من الألفاظ التي وضعتها العرب لأكثر من معنى، وترجع كل المعاني التي وضعتها العرب لهذا اللفظ. كما قال العلماء إلى معنى: انقضاء الشيء وتمامه٢.
стр. 7
فيطلق لفظ "القضاء" في اللغة العربية على الأمر، ومنه قول الله ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١ والمعنى: أمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه، ويطلق على الفراغ ومنه قول الله : ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ ٢، أي: فرغ، ويطلق على الفعل، مثل قوله : ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٣، ويطلق على الإرادة مثل قوله : ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤، ويطلق على الموت، مثل قوله ﵎: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ، ويطلق على الحكم والإلزام، مثل قضيت عليك بكذا، وقضيت بين الخصمين وعليهما٥، ويطلق على الأداء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي: أديتموها. ويطلق على الصنع والتقدير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ٦ ومنه القضاء والقدر، وغير ذلك من المعاني٧.
ويسمي العلماء هذا النوع من الألفاظ التي لها أكثر من معنى بالمشترك
стр. 8
اللفظي١.
القضاء في اصطلاح فقهاء الشريعة:
يحسن بنا قبل أن نذكر تعريف القضاء في اصطلاح فقهاء الشريعة أن نذكر
стр. 9
أن العلماء بينوا أن الحكم أعم من القضاء؛ وذلك لأن كلمة الحكم تصدق على أمرين:
أحدهما: حكم من حكمه خصمان.
والثاني: حكم من نصبه رئيس الدولة أو نائبه ليحكم بين الناس.
فبين اللفظين عموم وخصوص مطلق؛ لأن كل قضاء حكم، وليس كل حكم قضاء، وكذلك كل قاض حاكم، وليس كل حاكم قاضيًا١.
وهذا مثل العلاقة بين كلمة إنسان وكلمة حيوان، فكل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنسانًا؛ لأن الإنسان نوع من الحيوان هو الحيوان الناطق.
كما يحسن أيضًا أن نبين أن العلماء تكلموا عن القضاء في مجالين:
أحدهما: مجال العبادة كالصلاة، والصيام، والقضاء فيها عندهم هو أن تفعل خارج وقتها المحدود شرعا، والأداء فعلها في الوقت المحدود، وهو استعمال مخالف للوضع اللغوي لكنه اصطلاح بين العلماء لكي يميزوا بين الوقتين٢.
والمجال الثاني: وهو المجال الذي نتكلم فيه الآن، هو مجال الحكم بين الناس.
ولفقهاء الشريعة تعريفات متعددة للقضاء الذي هو الحكم بين الناس، نذكر أمثلة منها:
стр. 10
عند الحنفية:
عرفه علماء الحنفية بأنه: "الفصل بين الناس في الخصومات، حسما للتداعي، وقطعا للنزاع بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة"١.
وعند المالكية:
وعرفه ابن عرفة من علماء المالكية بأنه: "صفة حكمية، توجب لموصوفها٢ نفوذ٣ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح، لا في عموم مصالح المسلمين"، والمراد بنفوذ حكمه نفوذ جميع أحكامه، وبهذا يخرج التحكيم، وكذلك تخرج ولاية الشرطة وأخواتها؛ لأنها خاصة ببعض الأحكام، والحسبة فإنها خاصة بأحكام السوق.
ويخرج بجملة "لا في عموم مصالح المسلمين" الولاية العظمى أي: رياسة الدولة، فإن رياسة الدولة نفوذ حكمها عام في مصالح المسلمين٤. بخلاف القضاء، فليس للقاضي حق تقسيم الغنائم، وتفريق الزكاة، ولا ترتيب الجيوش، ولا قتال البغاة، ولا الإقطاعات٥.
стр. 11
وعرفه الدردير من علماء المالكة أيضًا، بأنه: حكم حاكم أو محكم بأمر ثبت عنده، كدين وحبس، وقتل، وجرح، وضرب، وسب، وترك صلاة، ونحوها، وقذف، وشرب، وزنا، وسرقة، وغصب، وعدالة، وضدها، وذكورة، وأنوثة، وموت، وحياة، وجنون، وعقل، وسفه، ورشد، وصغر، وكبر، ونكاح، وطلاق، ونحو ذلك، ليرتب على ما ثبت عنده مقتضاه، أو حكمه بذلك المقتضى١.
وبعد أن ذكر الدردير هذا التعريف، أراد أن يبين معنى عبارة، "ليرتب على ما ثبت عنده مقتضاه، أو حكمه بذلك المقتضى"، فقال: "مثاله: لو ثبت عنده دين أو طلاق، فالحكم تارة بالدين أو الطلاق، ليرتب على ذلك: الغرم: أو فراقها، وعدتها، أو يحكم بالغرم أو الفراق، لما ثبت عنده على حسب ما يقتضيه الحال من الرفع له".
ويلاحظ على هذا التعريف التطويل الذي لا داعي له؛ لأن التطويل يعاب في التعاريف، إذ التعاريف مبناها على الاختصار.
عند الشافعية:
وعرفه بعض فقهاء الشافعية بأنه: "فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى"٢. وعرفه بعض فقهائهم أيضًا أنه: "إلزام من له الإلزام بحكم الشرع"، وإن كان يرد على التعريفين أنهما غير مانعين؛ لأنهما شاملان لرياسة الدولة والتعريف الأول يشمل حكم المحكم أيضًا.
стр. 12
هذا وسلطة الإلزام ملاحظة في تعريف القاضي بخلاف المفتي؛ لأن المفتي وإن كان يتفق مع القاضي في أن كلا منهما مظهر لحكم الشرع، إلا أن القاضي له سلطة الإلزام والإمضاء، أي: تنفيذ الحكم بجانب إظهاره لحكم الشرع، وأما المفتي فليس له سلطة الإلزام والإمضاء، وإنما هو مظهر فقط لحكم الشرع في المسألة التي يستفتى فيها، ولذلك قال بعض العلماء: إن القيام بحق القضاء أفضل من الإفتاء١، وإن كان المفتي أقرب إلى السلامة وأبعد من القاضي عن الإثم٢.
وقد لاحظ أيضًا ابن رشد -أحد فقهاء المالكية- سلطة الإلزام الثابتة للقاضي، عند تعريفه للقضاء، فعرفه بأنه. "الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام"٣ ومن هذا التعريف أيضًا يتبين الفرق بين المفتي والقاضي.
عند الحنابلة:
وعرفه بعض فقهاء الحنابلة بأنه: "الإلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومات"٤. وهناك تعريف آخر في كتب الحنابلة هو "تبيين الحكم الشرعي والإلزام به، وفصل الخصومات"٥.
стр. 13
وعرفه الصنعاني بأنه: "إلزام ذي الولاية بعد الترافع". وذكر الصنعاني تعريفا آخر لغيره من العلماء هو أنه: "الإكراه بحكم الشرع في الوقائع الخاصة لمعين أو جهة"، ثم بيّن الصنعاني أن المراد بالجهة كما لو حكم القاضي لبيت المال "الخزانة العامة للدولة"، أو عليه١.
رأي القرافي:
ويرى القرافي -أحد كبار علماء المالكية- التعبير بإنشاء الإلزام بدلا من الإلزام، فقد عرف الحكم أي: القضاء بقوله: "إنشاء إلزام أو إطلاق"، فإنشاء الإلزام كما إذا حكم القاضي بلزوم المهر للزوجة، أو النفقة لها، أو حكم بلزوم الشفعة، وما ماثل هذا.
فالحكم بالإلزام هو الحكم، وأما الإلزام الحسي من حبس أو غيره فليس بحكم؛ لأن القاضي قد يعجز عن ذلك. وأما الحكم بالإطلاق فكما لو نظر القاضي في قضية أرض زال الإحياء عنها٢، فحكم بزوال الملك، فإنها تبقى مباحة
стр. 14
لكل أحد، أو زوال ملك الصائد عن صيد ند، فيجوز لكل أحد بعد ذلك أن يصيده١.
الرأي غير صحيح:
وهذا الرأي غير صحيح؛ لأن ولاية إنشاء الأحكام أو الإلزام بها ليست ثابتة للقاضي بل هي لصاحب الشرع خاصة، ولذلك يقول الفقهاء، إن حكم القاضي مظهر للحق وليس مثبتا له، أي: ليس منشئًا له.
فالإلزام الذي يصدر من القاضي إلزام في ظاهر الأمر فقط، أي: ليس إلزامًا حسيا، وأما التنفيذ الحسي فهو للسلطة التنفيذية، وهو تنفيذ للإلزام الذي ثبت بخطاب الشارع.
ولهذا فالصحيح أن القضاء إخبار وليس إنشاء، والإلزام الذي هو في ظاهر الأمر هو الذي يميز القضاء عن الفتوى، وتشترك الفتوى مع القضاء في أن كلا منهما إخبار عن الحكم الشرعي، ولكن الذي يميز القضاء عن الفتوى أن الفتوى إخبار عن الحكم ولا إلزام فيها، أما القضاء فهو إخبار عن الحكم على سبيل الإلزام٢.
هذا، ويمكن أن نختار من بين هذه التعريفات تعريف ابن رشد للقضاء، وهو "الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام".
стр. 15
ضرورة القضاء وسموه وخطره:
ضرورة القضاء:
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه الذي فطره الله عليه، لا يستطيع العيش -في يسر- منفردا، فلا تستقيم حياته إلا إذا عاش في جماعة، وإذا كان الناس لا يستطيعون الحياة الكاملة إلا مجتمعين، فلا بد أن تحدث نزاعات وخلافات حول الكثير من الأمور، لتعارض المصالح والرغبات، ولحب السيطرة، والاستيلاء على ما هو من حقوق الغير، وضن النفوس بحقوق الآخرين, فإذا لم يوجد رئيس لهذه الجماعة يكون حاسما للتنازع والتواثب، وظلم الناس بعضهم لبعض، ومؤديا الحقوق إلى أصحابها، أدى ذلك إلى حدوث ضرر جسيم، قَلّ أن يسلم منه أحد من أفراد الجماعة، ولذلك كان من الواجبات التي أوجبها الشرع -بإجماع العلماء- إقامة رئيس للدولة، لكي يحقق العدل ويمنع ظلم
البعض للبعض، ويؤكد شرع الله؛ لأن طبائع البشر قد جبلت على التظالم، وقَلّ من الناس من ينصف من نفسه, فلا بد من وجود سلطة قادرة قاهرة لها السيادة على الجميع تمنع المظالم وتقطع المنازعات التي هي مادة الفساد، وهذه السلطة تتمثل في رئيس الدولة.
رئيس الدولة مشتغل بما هو أهم من القضاء:
ومن المعلوم أن الرئيس الأعلى للدولة، مشتغل بما هو أهم من القضاء، ولا يستطيع أن يقوم بنفسه بكل الأمور التي نصب من أجلها، فهو يحتاج إلى من ينوب عنه ويقوم مقامه، فكان لا بد من وجود القاضي لينوب عن رئيس الدولة في رفع الظلم وإيصال الحقوق إلى أربابها، وكل ما هو من مصالح الناس، ولهذا كان رسول الله ﷺ يبعث القضاة إلى الآفاق، فبعث معاذ بن جبل
стр. 16
-﵁ إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة١.
سمو القضاء:
دلت النصوص الشرعية على أن في القضاء فضلا عظيمًا لمن قوي على القيام به وأداء الحق، من ذلك ما بينه رسول الله ﷺ من أن الله جعل فيه أجرا مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، فعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ فله أجر". رواه البخاري ومسلم٢.
وفي رواية صحح الحاكم إسنادها "فله عشرة أجور" لكن الإمام الشوكاني بين أن هذه الرواية التي رواها الحاكم والدارقطني في إسنادها فرج بن فضالة، وهو أحد الضعفاء في الحديث، فلا تقبل هذه الرواية، وكذلك توجد رواية أخرى عند أحمد بن حنبل بلفظ "إن أصبت القضاء فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت، فأخطأت فلك حسنة"، وهذه أيضًا رواية ضعيفة٣، فالثابت هو الرواية التي بينت أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران.
وقد أجمع علماء المسلمين على أن هذا الأجر في الحاكم إذا كان عالما مجتهدا، أما الجاهل فهو آثم بجميع أحكامه، حتى إن وافق حكمه الصواب، وأحكامه كلها مردودة عند بعض العلماء؛ لأن الإصابة في أحكامه اتفاقية٤.
стр. 17
القضاء من أعمال الطاعات:
والقضاء يعد من أعمال الطاعات والتقرب إلى الله إذا أخلص فيه القاضي وقصد به وجه الله؛ لأن في القضاء أمرًا بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وأداء للحقوق إلى أصحابها، وإصلاحا بين الناس، وتخليصا لبعضهم من بعض، وذلك كله من أبواب الطاعات والتقرب إلى الله ولذلك تولى النبي ﷺ القضاء، وتولاه الأنبياء قبله، عليهم الصلاة والسلام جميعًا، فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ قاضيًا إلى اليمن، وكذلك بعث معاذ بن جبل قاضيا.
خطر القضاء:
لكن يجب أن يلاحظ أنه إذا لم يقم صاحب هذا المنصب الخطير بما أوجبه الشرع، ولم يؤد الحق فيه، فإنه يعرض نفسه لخطر عظيم ووزر كبير، ولذلك نقل عن علمائنا السابقين ﵃ أنهم كانوا يتخوفون منه، ويمتنعون عن توليه أشد الامتناع، فقد حكى العلماء أن أبا حنيفة اجتنب القضاء، وصبر على الضرب، والسجن حتى مات في السجن، وقال: البحر عميق فكيف أعبر بالسباحة؟ ١. وامتنع الشافعي لما استدعاه المأمون للقضاء.
ويقال أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة٢.
ولشدة خطره نجد رسولنا ﷺ يقول فيما رواه أبو هريرة عنه: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين"، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود
стр. 18
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وصححه ابن خزيمة، وابن حبان.
فهذا الحديث الشريف يفيد عظم خطر منصب القضاء، يقول الصنعاني عند شرحه لهذا الحديث الشريف: "كأنه يقول من تولى القضاء فقد تعرض لذبح نفسه، فليحذره، وليتوقه، فإنه إن حكم بغير الحق مع علمه به، أو جهله له، فهو في النار".... وقال الصنعاني: "وقيل ذبح ذبحًا معنويا؛ لأنه إن أصاب الحق فقد أتعب نفسه في الدنيا، لإرادته الوقوف على الحق وطلبه، واستقصاء ما تجب عليه رعايته في النظر في الحكم، والموقف مع الخصمين، والتسوية بينهما في العدل والقسط، وإن أخطأ في ذلك لزمه عذاب الآخرة، فلا بد له من التعب والنصب"١.
وجه تشبيه القضاء بذبح بغير سكين:
ويذكر بعض العلماء وجه تشبيه القضاء بالذبح بغير سكين، فيقول: لأن السكين تؤثر في الظاهر والباطن جميعًا، والذبح بغير سكين يؤثر في الباطن بإزهاق الروح، ولا يؤثر في الظاهر، ووبال القضاء لا يؤثر في الظاهر، فإن ظاهره جاه وعظمة، لكن باطنه هلاك٢.
وبين الشيخ عبد الله الشرقاوي من علماء الشافعية، أن هذا الحديث محمول على عظم الخطر فيه، أو على من يكره له أن يتولى القضاء، أو يحرم عليه ذلك٣.
وروى الإمام مسلم عن أبي ذر قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ "أي: توليني عملا من الولايات العامة"، قال: "إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها"، قال الإمام النووي: هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي الخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلا وعدل فيها، فأجره عظيم، كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها والله أعلم٤.
وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي٥ أن رسول الله ﷺ قال: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار".
стр. 19
مشروعية القضاء:
من القرآن:
قامت الأدلة من الكتاب الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وإجماع علماء الأمة الإسلامية على أن القضاء مشروع، فمن الكتاب الكريم قول الله ﵎: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ
стр. 20
الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١، وقوله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٥.
من السنة:
وأما السنة، فمنها ما رواه عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث الشريفة.
من الإجماع:
وقد أجمع علماء المسلمين على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس٦.
стр. 21
الحكم الشرعي لوجود القاضي:
علمنا أن القضاء مشروع بمعنى أن الشرع أقره، لكننا سنتعرض هنا لجزئية أخرى هي مع أن القضاء مشروع، هل وجود القاضي من المباحات أو من الأمور المستحبة، أو من الأمور المفروضة؟ لأن من المعروف أنه قد يكون الشيء مشروعًا ومع ذلك هو جائز، أو مستحب، أو واجب، فما هو حكم وجود القاضي في المجتمع من هذه الناحية؟ بيّن العلماء أن القضاء من فروض الكفايات، قال شمس الدين الرملي: "بل هو أسنى فروض الكفايات حتى ذهب الغزالي إلى تفضيله على الجهاد".
معنى الفرض الكفائي:
ومعنى الفرض الكفائي أنه الأمر الذي طلب الشارع حصوله على سبيل الحتم والإلزام, من مجموع المكلفين لا من كل فرد، وذلك مثل القضاء، والإفتاء والجهاد في سبيل الله، ورد السلام إذا كان المرء في جماعة، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعلم الطب والصناعات التي يحتاج الناس إليها في حياتهم.
حكم هذا النوع:
حكم هذا النوع أنه إذا فعله البعض من المكلفين سقط الوجوب عن الباقين وأما إذا لم يفعله أحد فإن جميع القادرين على فعله يكونون آثمين.
ويتحول إلى واجب عيني:
وقد يتحول الواجب، الكفائي إلى واجب عيني، وذلك إذا كان يوجد شخص يستطيع القيام بهذا الواجب، ولا يوجد غيره يستطيع القيام به، كما لو
стр. 22
وجد شخص تتوافر فيه شروط القاضي, ولا يوجد غيره متوافرة فيه هذه الشروط، فيصير في هذه الحال تولي منصب القاضي ليس فرضًا كفائيا عليه، بل تحول إلى فرض عيني، فإذا لم يتولى هذا الشخص القضاء كان آثما؛ وذلك لأنه لا بد من وجود القضاء بين الناس؛ لأن أمورهم لا تستقيم بدونه، فكان واجبًا عليهم إيجاده بينهم، قال أحمد بن حنبل لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟
وكذلك لو كان هناك أكثر من واحد يصلح لتولي القضاء، وامتنعوا جميعا عن توليه، فإنهم يأثمون جميعا بتركه، كما لو ترك الجميع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال بعض العلماء: وفي هذه الحال يجبر رئيس الدولة أو من له السلطة أحدهم على تولي هذا المنصب١؛ وذلك لأنه إذا لم يجبر رئيس الدولة أو من له السلطة أحدا في هذه الحال، بقي الناس بلا قاض، وضاعت الحقوق، وذلك غير جائز، ويرى بعض آخر من العلماء أنه ليس من حق رئيس الدولة إجباره؛ لأن القضاء فرض كفاية، فلو أجبرناه عليه تعين عليه، أي: صار فرض عين لا فرض كفاية. لكن يرد على هذا بأن الفرض الكفائي يتحول إلى فرض عيني عندما لا يقوم القادرون بالفرض الكفائي.
إقامة قاض بين الناس فرض عين على رئيس الدولة:
بينا أن وجود القاضي بين أفراد المجتمع، ليحكم بينهم في خصوماتهم، ودعاواهم، فرض كفائي، فإذا وجد من يقوم بهذا الواجب فقد سقط الوجوب عن
стр. 23
الباقي، ونبين هنا أن العلماء قرروا أنه من الفروض العينية على رئيس الدولة أن يقلد شخصًا القضاء، فلا يجوز له أن يخلي المجتمع من قاض١.
ليس من اللازم أن يقوم غير رئيس الدولة بالقضاء:
وليس من اللازم أن يقوم غيره بالقضاء فمن الجائز أن يقوم رئيس الدولة بهذا المنصب, إذا كانت أعباء منصبه تسمح بهذا، فإذا لم تسمح الأعباء بقيامه بالقضاء وجب عليه أن يقيم للناس قاضيًا، والغالب أن واجبات منصب رئيس الدولة وتعددها لا تعطيه الوقت لتولي القضاء بجانب أعماله الأخرى.
الدليل على أن نصب القاضي فرض:
ومما يدل على أن نصب القاضي فرض، أن القاضي ينصب لإقامة أمر مفروض هو القضاء، قال الله : ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ٢، وقال ﵎ لنبينا محمد ﷺ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٣.
ولما كان القضاء هو الحكم بين الناس بالحق, والحكم بما أنزل الله ، فإن نصب القاضي يكون لإقامة الفرض فيكون فرضا.
ويدل على ذلك أيضًا أن نصب رئيس الدولة واجب شرعًا، للأدلة التي قامت على ذلك، ومنها إجماع الصحابة ﵃ على وجوب إقامة رئيس لهم يخلف رسول الله ﷺ في رعاية مصالحهم الدينية والدنيوية،
стр. 24
وكان ذلك في اجتماعهم في سقيفة بني ساعدة١, يوم وفاة رسول الله ﷺ .
والاحتياج إلى رئيس الدولة إنما هو لإيصال الحقوق إلى أصحابها، وإنصاف المظلوم من الظالم، وقطع المنازعات، وإقامة الحدود على مرتكبي الجرائم التي تستحقها, وغير ذلك من الأمور التي لا تتحقق إلا بوجود رئيس للدولة.
ومن المعلوم أن رئيس الدولة لا يمكنه أن يقوم بهذه الأمور التي نصب لها، وإنما يحتاج إلى نائب يقوم بهذه الأمور نيابة عنه في ذلك، وهو القاضي.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يبعث القضاة إلى النواحي المختلفة، فبعث معاذ بن جبل إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة كما بينا سابقا فكان نصب القاضي من ضرورات نصب رئيس للدولة، فكان فرضًا٢.
ينبغي اختيار الأفضل:
هذا، وقد بيّن العلماء أنه ينبغي لمن له ولاية تقليد القضاة, وهو رئيس الدولة أو من يقوم مقامه أن يختار لهذا المنصب من هو أقدر وأولى, لديانته وعفته وقوته دون غيره، استنادا إلى ما رواه الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تولى من أمر المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلا، وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين".
стр. 25
حكم قبول القضاء
مدخل
...
حكم قبول القضاء:
بين علماؤنا ﵃ أن قبول القضاء قد يكون في بعض الأحوال جائزًا، وقد يكون فرض عين وقد يكون حراما.
الحال الأولى: جواز قبول القضاء، وهي ما إذا كان الشخص تتوفر فيه الشروط التي يجب أن تتوافر في القاضي من عدالة، واجتهاد، وغيرهما، ويوجد غيره مثله تتوافر فيه هذه الشروط، فهذا لا يفترض عليه قبول القضاء، بل هو في سعة من القبول والترك.
الدليل على جواز القبول:
وقد استدل لجواز القبول بأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قضوا بين الأمم بأنفسهم، وقلدوا غيرهم القضاء، وأمروا بذلك، فقد بعث رسول الله ﷺ معاذا ﵁ إلى اليمن قاضيا، وبعث عتاب بن أسيد ﵁ إلى مكة قاضيًا كما قلنا سابقا، وكذلك ثبت عن الخلفاء الراشدين أنهم قضوا بأنفسهم، وقلدوا غيرهم القضاء، فقلد عمر بن الخطاب شريحا القضاء، وقرره عثمان وعلي ﵃ جميعًا.
الدليل على جواز الترك:
وأما جواز الترك فقد استدل عليه بما روي عن رسول الله ﷺ أنه حذر أبا ذر من الإمارة.
ما هو الأفضل؟
هذا، وإذا كان يجوز الترك والقبول، فما هو الأفضل، هل الأفضل له
стр. 26
قبوله أم الأفضل له تركه؟ قال بعض العلماء بهذا، وقال البعض الآخر بذاك.
دليل من قال بأن الترك أفضل:
أما القائلون بأن الترك أفضل فقد احتجوا بما روي عن رسول ﷺ أنه قال: $"من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" وهذا الحديث يجري مجرى الزجر عن تولي هذا المنصب.
دليل من قال بأن القبول أفضل:
وأما القائلون بأن القبول أفضل فقد احتجوا بأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قضوا بين أممهم بأنفسهم، وكذلك قضى الخلفاء الراشدون ولنا فيهم قدوة بعد رسول الله ﷺ ؛ ولأن القضاء بالحق إذا قصد به القاضي وجه الله ﵎ كان عبادة خالصة بل هو من أفضل العبادات.
الرد على الاستدلال بحديث من ولي القضاء:
ثم رد هذا الفريق على الاستدلال بحديث: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" بأن هذا الحديث محمول على القاضي الجاهل، أو على العالم الفاسق، أو الطالب للقضاء الذي لا يأمن على نفسه الرشوة، فيخاف أن يميل إليها، وبهذا يمكن التوفيق بين الأدلة١.
الحال الثانية: وجوب تولي القضاء, وهي ما إذا كان الشخص يصلح للقضاء، ولا يوجد شخص آخر تتحقق فيه هذه الصلاحية، فهذا يتعين على رئيس
стр. 27
الدولة أو من يمثله أن يوليه القضاء, ويتعين عليه أن يقبل هذا المنصب إذا ولاه؛ لأن القضاء فرض كفاية، ولا يستطيع أحد غيره أن يقوم به، فيتعين عليه كأي فرض آخر من فروض الكفايات إذا لم يوجد من يستطيع القيام به إلا واحد.
إذا لم يكن معروفًا عند رئيس الدولة:
وإذا لم يكن معروفا عند رئيس الدولة, أو من يقوم مقامه في تولية القضاة، لزمه أن يعرفه بنفسه، ويعرض نفسه عليه لتولي القضاء؛ وذلك لأن هذا المنصب يجري مجرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولو لم يكن يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا واحد وجب عليه ذلك.
لرئيس الدولة إجباره على تولي هذا المنصب:
وقد صرح بعض العلماء بأن لرئيس الدولة أن يكره من يعلم قدرته على القضاء لتولي هذا المنصب الخطير؛ وذلك لأنه لا بد أن تصل الحقوق إلى أربابها بإلزام المانعين منها، ولا يكون ذلك إلا بواسطة القضاء.
هذا وقد صرح فقهاء المالكية بأنه يجب قبول القضاء على الذي تتوافر فيه شروط القضاء, ويخاف فتنة على نفسه أو ماله أو ولده، أو على الناس إن لم يتول هو القضاء، أو يخاف ضياع الحق له أو لغيره إن لم يتوله، بل قالوا إنه يلزمه أن يطلب توليته القضاء من الحاكم, إن لم يطلب منه الحاكم توليه١.
الحال الثالثة: حرمة تولي القضاء، وهي حال ما إذا كان الشخص لا يحسن القضاء، ولم تجتمع فيه الشروط المطلوبة، فهذا يحرم عليه أن يقبل هذا المنصب.
دليل هذا:
يدل على هذا أن الرسول ﷺ بين أن من يقضي بين الناس على جهل معذب في النار، يقول ﷺ : "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار"، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم٢.
стр. 28
حكم طلب القضاء:
ما سبق كان بيانا لحكم قبول القضاء إذا عرضه رئيس الدولة أو من له سلطة تعيين القضاة على الشخص، ونتكلم هنا عن حكم السعي في طلب القضاء، بين ابن فرحون أحد أشهر علماء المالكية أن طلب القضاء يعتريه الأحكام الخمسة، فيكون واجبًا، أو مستحبا، أو حرامًا، أو مكروهًا، أو مباحًا، وإليك بيانا لهذه الأقسام الخمسة.
متى يكون واجبًا:
يكون واجبا إذا كان من أهل الاجتهاد، أي: له القدرة على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، أو من أهل العلم والعدالة، ولا يوجد قاض، أو يوجد قاض لكن لا تجوز ولايته أو ليس في البلد من يصلح للقضاء غيره.
стр. 29
أو لكونه إن لم يتول القضاء يتولاه من لا يجوز توليته.
أو كان القضاء بيد من لا يجوز بقاؤه عليه، ولا سبيل إلى عزله إلا بأن يتصدى هذا لهذا المنصب، فحينئذ يتعين عليه التصدي لذلك والسعي فيه، إذا كان يقصد بطلبه حفظ الحقوق، وجريان الأحكام على وفق شرع الله؛ لأن في تحصيله القيام بفرض الكفاية. أي: يجب طلب القضاء سواء أكان المكان شاغرًا، أو مشغولًا بمن لا يصلح للقضاء.
وصرح العلماء بأنه يلزمه أن يطلب القضاء ممن له سلطة تعيين القضاة، سواء كان من له سلطة تعيين القضاة عالما به، ولم يطلب منه أن يتولى القضاء، أم كان غير عالم به١.
متى يكون مستحبا:
يكون مستحبا كما لو كان هناك عالم خامل الذكر, لا يعرف رئيس الدولة أو من له سلطة تعيين القضاة، ولا الناس علمه، فلا يرجع إليه الناس لمعرفة الأحكام الشرعية لعدم شهرته، فأراد أن يسعى في القضاء، لنشر العلم ونفع الناس به.
متى يكون حراما:
كما إذا سعى في طلب القضاء، وهو جاهل لا تتوفر فيه أهلية القضاء، أو كان من أهل العلم وسعى في طلبه لكنه متلبس بفعل من الأفعال التي توجب صفة الفسق، كأن كان يشرب الخمر، أو غير ذلك من الأعمال المفسقة.
أو كان قصده بهذا المنصب أن ينتقم من أعدائه، أو قبول الرشوة من
стр. 30
المتخاصمين أمامه، وما ماثل هذا من المقاصد الممنوعة.
هذا ويمكن أن نقول كما يحرم طلب القضاء على من لم تكن شروط القاضي مستوفية فيه، فإنه كذلك يحرم على أي شخص أن يطلب منصبا عاما، لا تتوافر فيه الشروط المطلوبة لهذا المنصب، كالذي لا يستطيع إلا أن يعرف مجرد القراءة والكتابة، وليس عنده الكفاءة المطلوبة لعضوية المجالس التشريعية النيابية، ومع ذلك يدخل في هذه المجالس اعتمادًا على أن القانون الوضعي لا يشدد في الشروط ويكتفي بمجرد معرفة القراءة والكتاية.
متى يكون مكروها:
مثل ابن فرحون لهذا القسم بما لو كان يسعى في طلب القضاء لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناس، ثم قال: فهذا يكره له السعي، ولو قيل إنه يحرم كان وجهه ظاهرًا، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
ثم ذكر ابن فرحون صورة أخرى للكراهة، وهي ما إذا كان غنيا عن أخذ الرزق على القضاء، وكان مشهورًا بعلمه بين الناس، لا يحتاج أن يشهر نفسه وعلمه بالقضاء، ثم قال ابن فرحون: ويحتمل أن يلحق هذا بقسم المباح.
متى يكون مباحًا:
كما إذا كان فقيرًا وله عيال، فيجوز له أن يسعى في تحصيل القضاء لكي يسد حاجته.
وكما لو كان يقصد به أن يدفع ضررًا عن نفسه بتولي هذا المنصب٢.
стр. 31
القضاء عند العرب قبل الإسلام:
تبين كتب الأدب أنه كان في الجاهلية من يسمون بالحكام, الذين يفصلون بين الناس في الخلافات والمنازعات التي كانت تحدث بينهم في مسائل النسب، والفضل، والتركات، والدماء، ولم يكن هؤلاء -كما قد يظن البعض- قضاة بالمعنى المفهوم للقضاة اليوم، بل كانوا "محكمين" يقصدهم الناس برضاهم دون إجبار من أحد.
أمور يختلف فيها القضاء والتحكيم:
والقضاء والتحكيم يختلفان في أمور من أهمها:
أولا: أن القاضي موظف خصصته الدولة ليقضي بين الناس, وليس له الحق في أن يرفض النظر في الخصومات، أما الحكم أو "المحكم" فهو شخص عادي ليس له صفة رسمية، يلجأ إليه الناس للفصل في منازعاتهم, فإن شاء قبل أن يقوم بهذه المهمة، وإن شاء أبى، وليس لأحد حق إجباره على هذه المهمة.
ثانيًا: أن المدعي أو صاحب الحق إذا رفع دعواه إلى القاضي فإنه يصبح المدعى عليه ملزمًا بمخاصمة المدعي والحضور إلى مجلس القاضي، فإذا لم يحضر حكم القاضي عليه غيابيا، أما التحكيم فليس لأحد الخصمين حق في إجبار خصمه على المخاصمة والحضور أمام الحكم، ولا عبرة للتحكيم إلا إذا رضي الخصمان كلاهما به, وحضر كل منهما باختياره إلى الحكم.
стр. 32
ثالثًا: قضاء القاضي ملزم لكلا الطرفين في القضية التي نظرها، وإذا لم ينفذ المحكوم عليه ما حكم به القاضي اختيارا، فإن الدولة تجبره على التنفيذ ولو باستعمال القوة، أما حكم الحكم في الخصومات التي يحكم فيها فإنه لا ينفذ إلا إذا كان كل من الخصمين راضيًا بهذا الحكم١.
من هذا تبين أن القضاء ملزم في ثلاث نواح:
أولاها: أن القاضي ملزم بأن يقضي فيما يرفع إليه من قضايا.
ثانيتها: أن المدعى عليه ملزم بالخصومة والحضور أمام مجلس القاضي.
ثالثتها: أن الأحكام التي قضى بها القاضي ملزمة لكل من المتخاصمين.
فالتحكيم ليس ملزما "للمحكم" وليس ملزمًا للخصم، وكذلك ما حكم به المحكم, فإنه لا يلزم أيا من الخصمين إلا برضاه بذلك.
من هذا يتبين أن العرب في الجاهلية لم يعرفوا القضاء؛ لأن القضاء أحد المظاهر التي تدل على التنظيم الحكومي، ولم يكن للعرب قبل الإسلام حكومة بالمعنى الذي نعرفه للحكومات الآن٢، فلم تكن لهم إدارة منظمة لها السلطان الذي يخضع له الناس، وتعمل على أن يصل الحق إلى صاحبه، وتمنع أن يتعدى الناس بعضهم على البعض٣. وإنما كانوا بدوا أو شبه بدو يعيشون في قبائل شتى وكل قبيلة من هذه القبائل يجمع أفرادها رابطة الدم التي كانت موضع التقديس من كل عربي يعيش في شبه الجزيرة العربية.
وإذا كانت بعض المصادر تحدثنا عن "قاضي السوق" الذي يجلس في سوق عكاظ، فإن قاضي السوق لا يعدو أن يكون محكما, اختارته جماعة السوق ليحكم بينهم في أمور محدودة وموسم معين، ثم تنتهي مهمته.
وكذلك تبين المصادر أن بني سهم في مكة كانوا أصحاب "حكومة" ولكن هذه الحكومة لم تكن منصبا, وإنما كانت لقبا أطلق على بني سهم، لكثرة المحكمين منهم.
стр. 33
حكام اشتهروا في الجاهلية:
وهناك حكام اشتهروا في الجاهلية، كالأقرع بن حابس، وجابر بن زرارة، وأكثم بن صيفي، وعبد المطلب بن هاشم، جد رسول الله ﷺ .
حكام أيضًا من النساء:
وكان هناك أيضًا حكام من النساء قد اشتهرن، مثل حذام بنت الريان، التي قيل فيها:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وسحر بنت لقمان، وهند الإيادية، وغيرهن كثيرات١.
стр. 34
الاحتكام إلى شيخ القبيلة والعراف، والكاهن١:
كان يرأس القبيلة واحد من أبنائها تعتمد عليه في قيادتها في معاركها المتعددة التي تخوضها ضد القبيلة الأخرى نهبا لما لديها، أو استردادًا لحق انتزعته الأخرى منها.
وكان شيخ القبيلة حكما بين الناس في منازعاتهم وخلافاتهم، يلجئون إليه بوصفه رمزًا للسلطة والحكم.
وكان الناس أيضا يلجئون إلى العراف والكاهن للاستشارة في الأمور المغيبة.
لم يكن للحكام قانون مدون:
الحكام الذين كان يقصدهم الناس للفصل في قضاياهم لم يكونوا يحكمون بقانون مدون، وإنما يرجعون إلى عرفهم وتقاليدهم التي كونتها تجاربهم أحيانا، وما وصل إليهم عن طريق اليهودية أحيانًا٢.
وكان الحكم فيها يجري أحيانا بتوجيه من الغريزة والفطرة٣. يرتضون نظام يتفق ومفاهيمهم السازجة، فيصير بمرور السنين عرفا، لا يستطيع فرد أن يغير منه شيئا بسهولة، وسواء في هذا العرب الذين كانوا يعيشون في الصحراء، مثل: نجد وأطراف الحجاز, والعرب الذين أخذوا بشيء من الحضارة، الذين يقطنون المدن كمكة والمدينة، أو في أطراف شبه الجزيرة العربية، كممالك اليمن في الجنوب ومملكة الحيرة في الشمال الشرقي، ودولة الغساسنة في الشمال الغربي.
وكان لكل قبيلة عرف وتقاليد خاصة قد تخالف ما للقبائل الأخرى من أعراف وتقاليد, وقد تتفق معها في كثير أو قليل٤.
стр. 35
القضاء في عصر الرسول ﷺ
مدخل
...
القضاء في عصر الرسول ﷺ :
جرت العادة في الأنظمة الحديثة على فصل السلطة القضائية عن السلطة التشريعية، تمشيًا مع مبدأ فصل السلطات، فرجال القضاء غير رجال التشريع وهم جميعا غير رجال التنفيذ.
ولكن الوضع في عهد رسول الله ﷺ كان غير هذا الوضوع، فالرسول كان هو المرجع للتشريع، فكان المسلمون يرجعون إليه ليعلمون حكم الله فيما يعرض لهم من الحوادث، فإذا حدثت حادثة، أو شجر بينهم خلاف، فإن كان الرسول ﷺ بَيّن قَبْل ذلك لها حكما عملوا به، وإلا سألوه ﵊ فإذا اجتهد، وأخبرهم بالحكم، فإن كان اجتهاده
стр. 36
صوابا أقره الله على هذا الحكم، وإلا نزل الوحي عليه ينبهه إلى حكم الله فيها.
وكما كان رسول الله ﷺ هو المرجع للتشريع، كان له سلطة القضاء وتطبيق النصوص التشريعية على كل ما يحدث من وقائع وتصرفات، وهي السلطة التي استمدها من الله ، فقد كان ﵊ مأمورا من ربه بالحكم والفصل في الخصومات، قال : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١، وقال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
فتولى رسول الله ﷺ القضاء بنفسه، وولاه غيره أيضًا، لكن القضاء كان موقوفًا على رسول الله ﷺ لا يولي أحدًا في القضايا التي يحضرها رسول الله ﷺ ، ولا يتقدم أحد بين يديه، وأما فيما غاب عن رسول الله ﷺ في الجهات والأقاليم، فقد بعث عليا ومعاذ بن جبل إلى اليمن، والأحاديث تحكي بعض وقائع رفعت إلى رسول الله ﷺ ، ليقضي فيها بنفسه، كما تحكي أيضًا توليته بعض الصحابة منصب القضاء، بجانب تفويضه إليهم الولاية العامة لأمور الناس في النواحي التي وجههم إليها، وقيامهم بتوضيح أمور الدين لهم، وتعليمهم إياها.
بل إن رسول الله ﷺ كان أيضًا على قمة السلطة التنفيذية، فهو -بجانب كونه رسولًا- رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة بخلاف بعض الرسل السابقين، فكان بعضهم رسولًا فقط، لا حاكما كموسى وعيسى ﵉، وبعضهم كان حاكما ورسولًا كداود وسليمان ﵉. وقد درجت الأنظمة الحديثة على فصل السلطات الثلاث حتى لا تطغى سلطة في سلطة، فقد يشرع أصحاب السلطة التنفيذية القوانين على هواهم، كما هو حادث الآن في الدولة المتخلفة، أو يخترع القضاة قوانين تتفق وأغراضهم، لكن هذا المعنى لا يوجد بالنسبة لرسول الله ﷺ ، فهو معصوم من أن يحكم بالهوى، فلا خوف من أن يجمع ﷺ بين السلطات الثلاث، لعصمة الله لرسوله.
стр. 37
الدليل على أن الرسول كان يقضي في القضايا بنفسه:
مما يدل على أن رسول الله ﷺ كان يقضي في القضايا بنفسه ما رواه الإمام البخاري بسنده١ عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة، أخبرته أن أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" ٢.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، عن أم سلمة، زوج النبي -صلى الله عليه
стр. 38
وسلم، أنها قالت: جاء رجلان يختصمان في مواريث بينهما قد درست١، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ٢، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا ٣ في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، قال رسول الله ﷺ : "أما إذن فقوما فاذهبا فلتقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".
وقد بعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد إلى مكة٤، وبعث معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب إلى اليمن، وفوض إليهما ولاية القضاء بين الناس. كل واحد منهما في جهة، روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثه الرسول إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب
стр. 39
الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله "؟ , قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله "؟، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله".
وروى الإمام أحمد، عن علي بن أبي طالب، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن، قال: قلت: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث، ولا علم لي بالقضاء؟ قال: "إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك"، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين بعد١.
وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال عبد الله بن مسعود: لها مثل صداق نسائها. لا وكس٢، ولا شطط٣، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع٤ بنت واشق، امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود، رواه أحمد والأربعة وهم أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الترمذي وحسنه٥.
وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، أن الجدة جاءت إلى أبي بكر
стр. 40
رضي الله عنه، فسألته ميراثها، فقال لها: ما لك في كتاب لله شيء فارجعي حتى أسال الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة، حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس، فقال أبو بكر، هل معك أحد غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله عنه١.
فهذه الأحاديث تدل على أن سلطة القضاء كانت لرسول الله ﷺ يقوم به بنفسه، وإن كانت القضايا التي رفعت إلى رسول الله ﷺ بالمعنى المتعارف في الخصومات قليلة، وإنما كان يسأل عن الحكم فيجيب٢.
ودلت الأحاديث أيضًا على أنه كما كان علي الصلاة والسلام يقوم بالقضاء بنفسه، كان يكله في بعض النواحي إلى بعض المسلمين. ممن يثق في قدرتهم على القيام بهذا المنصب٣.