صوابا أقره الله على هذا الحكم، وإلا نزل الوحي عليه ينبهه إلى حكم الله فيها.
وكما كان رسول الله ﷺ هو المرجع للتشريع، كان له سلطة القضاء وتطبيق النصوص التشريعية على كل ما يحدث من وقائع وتصرفات، وهي السلطة التي استمدها من الله ، فقد كان ﵊ مأمورا من ربه بالحكم والفصل في الخصومات، قال : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١، وقال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
فتولى رسول الله ﷺ القضاء بنفسه، وولاه غيره أيضًا، لكن القضاء كان موقوفًا على رسول الله ﷺ لا يولي أحدًا في القضايا التي يحضرها رسول الله ﷺ ، ولا يتقدم أحد بين يديه، وأما فيما غاب عن رسول الله ﷺ في الجهات والأقاليم، فقد بعث عليا ومعاذ بن جبل إلى اليمن، والأحاديث تحكي بعض وقائع رفعت إلى رسول الله ﷺ ، ليقضي فيها بنفسه، كما تحكي أيضًا توليته بعض الصحابة منصب القضاء، بجانب تفويضه إليهم الولاية العامة لأمور الناس في النواحي التي وجههم إليها، وقيامهم بتوضيح أمور الدين لهم، وتعليمهم إياها.
بل إن رسول الله ﷺ كان أيضًا على قمة السلطة التنفيذية، فهو -بجانب كونه رسولًا- رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة بخلاف بعض الرسل السابقين، فكان بعضهم رسولًا فقط، لا حاكما كموسى وعيسى ﵉، وبعضهم كان حاكما ورسولًا كداود وسليمان ﵉. وقد درجت الأنظمة الحديثة على فصل السلطات الثلاث حتى لا تطغى سلطة في سلطة، فقد يشرع أصحاب السلطة التنفيذية القوانين على هواهم، كما هو حادث الآن في الدولة المتخلفة، أو يخترع القضاة قوانين تتفق وأغراضهم، لكن هذا المعنى لا يوجد بالنسبة لرسول الله ﷺ ، فهو معصوم من أن يحكم بالهوى، فلا خوف من أن يجمع ﷺ بين السلطات الثلاث، لعصمة الله لرسوله.
стр. 37
الدليل على أن الرسول كان يقضي في القضايا بنفسه:
مما يدل على أن رسول الله ﷺ كان يقضي في القضايا بنفسه ما رواه الإمام البخاري بسنده١ عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة، أخبرته أن أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" ٢.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، عن أم سلمة، زوج النبي -صلى الله عليه
стр. 38
وسلم، أنها قالت: جاء رجلان يختصمان في مواريث بينهما قد درست١، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ٢، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا ٣ في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، قال رسول الله ﷺ : "أما إذن فقوما فاذهبا فلتقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".
وقد بعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد إلى مكة٤، وبعث معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب إلى اليمن، وفوض إليهما ولاية القضاء بين الناس. كل واحد منهما في جهة، روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثه الرسول إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب
стр. 39
الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله "؟ , قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله "؟، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله".
وروى الإمام أحمد، عن علي بن أبي طالب، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن، قال: قلت: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث، ولا علم لي بالقضاء؟ قال: "إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك"، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين بعد١.
وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال عبد الله بن مسعود: لها مثل صداق نسائها. لا وكس٢، ولا شطط٣، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع٤ بنت واشق، امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعود، رواه أحمد والأربعة وهم أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الترمذي وحسنه٥.
وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، أن الجدة جاءت إلى أبي بكر
стр. 40
رضي الله عنه، فسألته ميراثها، فقال لها: ما لك في كتاب لله شيء فارجعي حتى أسال الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة، حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس، فقال أبو بكر، هل معك أحد غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله عنه١.
فهذه الأحاديث تدل على أن سلطة القضاء كانت لرسول الله ﷺ يقوم به بنفسه، وإن كانت القضايا التي رفعت إلى رسول الله ﷺ بالمعنى المتعارف في الخصومات قليلة، وإنما كان يسأل عن الحكم فيجيب٢.
ودلت الأحاديث أيضًا على أنه كما كان علي الصلاة والسلام يقوم بالقضاء بنفسه، كان يكله في بعض النواحي إلى بعض المسلمين. ممن يثق في قدرتهم على القيام بهذا المنصب٣.
стр. 41
كان منصب القضاء في عهد الرسول، يضاف إلى منصب الولاية العامة:
كان منصب القضاء في عهد رسول الله ﷺ يضاف إلى منصب الولاية العامة، التي توكل إلى شخص من الأشخاص، لأن الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الوالي حينئذ كانت قليلة، والقضايا التي تعرض عليه كانت كذلك، فلا يحتاج عمل القاضي حينئذ إلى تفرغ ممن يقوم به، ولم يثبت أن رسول الله ﷺ ولى أحد القضاء خاصة، وإنما الثابت أن التولية كانت له ليكون رسولا لرسول الله ﷺ ، ونائبا عنه ليقوم بتعليم الناس أمور دينهم، وإفتائهم فيما يعن لهم من أمور، والقضاء بينهم فيما يجد من حوادث ووقائع، وجمع الصدقات من الأغنياء، فكانت ولاية من يوليه الرسول ﷺ ولاية عامة لا فصل بين ولاية القضاء وغيرها من الولايات١.
стр. 42
مرجع من يقوم بالقضاء:
وكان مرجع من يقوم بالقضاء من أصحاب رسول الله ﷺ في حياته كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يجدوا فيهما نصا اجتهدوا مستعينين بالقواعد العامة التي أرستها شريعة الإسلام، فإذا اطمأنت قلوبهم إلى ما قضوا به نفذوه، وإلا رجعوا إلى رسول الله ﷺ .
стр. 43
القضاء في عصر الخلفاء الراشدين
مدخل
...
القضاء في عصر الخلفاء الراشدين:
سبق أن بينا أن رسول الله ﷺ كان يتولى القضاء بنفسه، ولما فتح الله على المسلمين بعض الأمصار أرسل عليها بعض الولاة، وكان الوالي حاكمًا وفي نفس الوقت قاضيًا ومعلما، ومرشدًا، فكان الولاة يقضون بين الناس في حياة رسول الله ﷺ ، وظل الحال كذلك في أيام خلافة أبي بكر ﵁، فكان أبو بكر يقضي بين الناس في المدينة -وهي عاصمة الدولة في عهده أيضًا- وولاة الأمصار يتولون القضاء بالأقاليم التي ولوا عليها.
стр. 44
ولكن لما كان عهد أبي بكر ﵁ عهد فتن واضطراب١ فلم تتح له الأحداث أن يفعل فعل عمر فيما يتصل بالقضاء.
ففي عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ أصبح القضاء يخصص له من يقوم به فقط، دون أن يسند إليه أية أعمال أخرى، بعد أن كان في زمن رسول الله ﷺ ، وزمن خلافة أبي بكر ﵁، جزءًا من الولاية العامة.
وذلك لأنه لما اتسعت الدولة الإسلامية في عهد عمر، واتسع نطاق العمران واختلط غير المسلمين بالمسلمين، وكثرت المهام التي تتطلب من الولاة أن يتفرغوا للنظر فيها، وظهر كثير من القضايا التي تحتاج من القضاة أيضا إلى تفرغهم لهذا العمل؛ لأنه كلما اتسع المجتمع البشري وتعدد، كثرت فيه القضايا، وكلما قل قلت فيها القضايا. لما كان كل ذلك فصل عمر القضاء عن عمل الوالي في بعض الولايات الكبيرة، كالكوفة، والبصرة، ومصر؛ لأنه أصبح من المتعسر على الخليفة أو نائبه أن يجمع بين النظر في الأمور العامة والفصل في القضايا التي ظهرت في هذه المجتمعات الجديدة الكبيرة.
فولى كلا من عبد الله بن مسعود، وشريح بن الحارث الكندي قضاء الكوفة دون الولاية عليها، واستعمل على قضاء البصرة كذلك أبا مريم الحنفي، ثم لما رأى منه ضعفا عزله، وولى مكانه كعب بن سور الأزدي، واستعمل على قضاء مصر قيس بن أبي العاص٢.
стр. 45
عمر أول من أنشأ بيت مال المسلمين:
وكذلك من الثابت تاريخيا أن عمر ﵁ كان أول من أنشأ بيت مال المسلمين فهو أول من دون الدواوين في الإسلام، وهو كذلك أول من رتب أرزاق القضاة، فجعل للقاضي سليمان بن ربيعة الباهلي خمسمائة درهم في كل شهر، ورتب لشريح مائة في كل شهر أيضًا١.
وكما كان القضاء في أيام رسول الله ﷺ موقوفًا عليه لا يولي أحد فيما يحضره من قضايا، فلا يتقدم أحد بين يديه، وإنما يرسل القضاة في النواحي، فقد كان الحال كذلك في أيام الخلفاء الراشدين ﵃، فظلوا على سيرة الرسول ﷺ ، في توليهم جميع ما حضرهم من الأحكام الشرعية، من صلاة، وبعث وترتيب الجيوش، وغير ذلك٢.
стр. 46
الدائرة القضائية للقضاة أيام الخلفاء الراشدين:
يظهر -كما يرى بعض الباحثين- أن الدائرة القضائية كانت ضيقة للقضاة في أيام الخلفاء الراشدين، فلم يكن من اختصاصهم الحكم إلا في الخصومات المدنية، وأما القصاص والحدود -وهي العقوبات التي حددها الشرع، كعقوبة الزنا والسرقة وشرب الخمر- فلم تكن من اختصاصهم، بل كانت من اختصاص الخلفاء، وولاة الأمصار، وهذا يدل على أهمية قضايا القصاص والحدود, وأنه ليس لأي إنسان أن يحكم فيها, بل لا بد من الاحتياط الشديد فيمن يتولى الفصل في هذه القضايا، يؤيد هذا أن المصادر تنقل لنا قضايا حكم فيها الخلفاء والأمراء بالقتل قصاصا، أو حكموا فيها بجلد السكران، ولم تنقل المصادر أن قاضيا ليس أميرا على إقليم قضى بعقوبة من هذه العقوبات أو قام بتنفيذها.
وكذلك كانت العقوبات التأديبية مثل الحبس لا يأمر بها القاضي, بل يأمر بها الخليفة أو عامله.
وانتهى عصر الخلفاء الراشدين على هذا، فلما كان عصر معاوية بن أبي سفيان، كتب إلى قاضي مصر سليم بن عتر يأمره بالنظر في الجراح، وأن يرفع ذلك إلى صاحب الديوان، فيكون سليم بن عتر هذا أول من نظر في قضايا الجنايات، وحكم فيها١.
стр. 47
طريقة اختيار القضاة:
نظرا لعظم هذا المنصب، وخطره وسموه، كان التشديد في اختيار من يتولى القيام به، ولذلك كان عمر بن الخطاب -وهو الذي فصل القضاء عن الولاية- يتشدد في اختيار القاضي، ومما أثر عنه قوله: "ما من أمير أمر أميرًا، أو استقضى قاضيًا محاباة، إلا كان عليه نصف ما اكتسب من الإثم، وإن أمره أو استقضاه لمصلحة المسلمين كان شريكه فيما عمل من طاعة الله تعالى، ولم يكن عليه شيء مما عمل من معصيته"١.
стр. 48
مرجع القاضي في أحكامه:
الكتاب الكريم هو المرجع الأول الذي يجب الرجوع إليه عند التعرف على أي حكم من الأحكام، والسنة هي المرجع الثاني بعد كتاب الله الكريم، وعلى هذا كان يسير الخلفاء الراشدون والقضاة في عهدهم, كما كان الولاة يسيرون في حياة رسول الله ﷺ ، فإذا لم يكن في الكتاب الكريم، وسنة رسول الله ﷺ الحكم الذي يراد للقضية، فهذا مجال القياس وغيره من الأدلة الأخرى، وأخذ رأي الآخرين بما يتفق والقواعد الشرعية العامة.
والحديث المروي عن معاذ بن جبل يبين هذا المنهج، فيذكر العلماء أن رسول الله ﷺ عندما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا قال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء"؟ , قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله"؟ , قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله"؟ , قال: أجتهد ولا آلو "أي: لا أقصر في الاجتهاد والبحث"، فضرب رسول الله صدره بيده وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله".
وكان من يتولى القضاء تتوافر فيه صفة الاجتهاد، وهذه تؤهله لاستنباط الحكم من الكتاب الكريم، أو السنة الشريفة، أو إعمال القواعد العامة التي أتت بها الشريعة الإسلامية.
أخرج البغوي عن ميمون بن مهران١ قال: "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين, وقال أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء، فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، وإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله، جمع رءوس الناس وخيارهم، فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به.
وكان عمر يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا يكر قضى فيه قضاء قضى به، وإلا دعا رءوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به".
وكان القضاء ملازما للإفتاء، كما يظهر من قضاء أبي بكر وعمر.
стр. 49
اختيار القضاة، ووظيفة قاضي القضاة
مدخل
...
اختيار القضاة، ووظيفة قاضي القضاة:
كان رسول الله ﷺ يختار القاضي، وكذلك الخلفاء الراشدون بعده كانوا يعينون القضاة، وفي عهد الدولة الأموية فوض معظم الخلفاء أمراء الولايات في أمر اختيار القضاة، ثم لما قامت الدولة العباسية استرد أبو جعفر المنصور حق تعيين الخلفاء للقضاة، فولى عبد الله بن لهيعة الحضرمي على مصر سنة ١٥٥هـ، فصار القاضي يعين من قبل الخليفة لا من قبل الوالي١.
стр. 50
القضاة" كان من اختصاص شاغلها تقليد من يصلح لمنصب القضاء، في أنحاء البلاد التي تخضع للخلافة، وله أيضًا حق عزله إذا أصبح مستحقا للعزل، ومن حقه أن يتفقد أحوال القضاة، فينظر في أقضيتهم، ويراجع أحكامهم، ويتتبع أخبارهم وسيرتهم بين الناس، بل كان له الحق في نقض أحكامهم.
وقد نقل هذا النظام عن الفرس، فقد كان عندهم وظيفة "قاضي القضاة"، وأول ظهور هذه الولاية كان في بغداد، وكان لقب "قاضي القضاة" لا يطلق إلا على قاضي بغداد.
وكان أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم أحد تلاميذ أبي حنيفة هو أول من شغل هذا المنصب, فكان أول من دعي بقاضي القضاة في الدولة الإسلامية، وهو أيضًا أول من غير لباس العلماء إلى هيئة خاصة، وكانت ملابس الناس كلها شيئًا واحدا، لا تميز فيه لأحد على أحد، وكان لا يقلد أحد القضاء ببلاد العراق، وخراسان والشام، ومصر إلا إذا أشار به القاضي أبو يوسف، وقد عمل من خلال ولايته هذه على نشر مذهب إمامه، فقد كان يولي القضاء أتباع مذهب أستاذه أبي حنيفة١.
стр. 51
اختصاصات القاضي:
بين الماوردي الأمور التي من حق القاضي ذي الولاية العامة أن يباشرها وهي عشرة أمور:
أولا: الفصل في المنازعات وقطع التشاجر والخصومات، إما صلحا عن تراض بين الطرفين وهذا جائز، وإما إجبارًا بحكم بات من القاضي، وتنفيذه حينئذ واجب.
ثانيا: استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى من يستحقها، بعد ثبوت الاستحقاق بالإقرار أو البينة أو غيرهما من وسائل الإثبات.
ثالثا: ثبوت الولاية على من كان ممنوعًا من التصرف لعدم أهليته بجنون، أو صغر، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه١، أو فلس، حتى يحفظ الأموال على مستحقيها، ويصحح أحكام العقود فيها.
رابعا: النظر في الأوقاف، بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وقبض غلتها وصرفها في سبلها.
خامسًا: تنفيذ الوصايا طبقا لما اشترطه الموصي فيما أباحه الشرع ولم يحظره، فإن كانت لمعينين كان تنفيذها بالإقباض، وإن كان في موصوفين كان تنفيذها أن يتعين مستحقوها بالاجتهاد ويملكوا بالإقباض.
سادسًا: تزويج المرأة التي لا ولي لها بالرجل الكفء، ولا يرى أبو حنيفة هذا الأمر من حقوق ولاية القاضي في شأن كل امرأة لا ولي لها، بل في شأن الصغيرة فقط التي لا ولي لها؛ لأنه يجوز عنده أن تنفرد المرأة البالغة بعقد الزواج، أي: تتولاه بنفسها لنفسها ولغيرها.
سابعًا: إقامة الحدود على مستحقيها، فإن كانت من حقوق الله تعالى تفرد باستيفائها من غير أن يطالب بها أحد، إذا ثبتت هذه الحدود بالإقرار أو البينة، وإن كان من حقوق الآدميين كان استيفاؤها موقوفًا على طلب من مستحقها، ويرى أبو حنيفة أن كلا النوعين: حقوق الله وحقوق
стр. 52
الآدميين لا تستوفى إلا بخصم مطالب.
ثامنًا: النظر في مصالح عمله، من الكف عن التعدي في الطرقات، والأفنية، وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية، وله أن ينفرد بالنظر فيها وإن لم يحضره خصم، ويرى أبو حنيفة أنه لا يجوز للقاضي أن ينظر فيها إلا بحضور خصم مستعد.
قال الماوردي: "وهي من حقوق الله تعالى التي يستوي فيها المستعدي وغير المستعدي، فكان تفرد الولاية بها أخص".
تاسعًا: تصفح شهوده وأمنائه، واختيار النائبين عنه من خلفائه.
عاشرًا: التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف١.
وواضح أن الأخير من واجبات القاضي التي لا يجوز له تركها فلا يظهر عد الماوردي هذا الأمر من حقوق ولاية القاضي.
هذا واختصاصات القاضي يمكن أن تحدد في مجال قضايا معينة كالجنايات, وكذلك يمكن أن يخصص له مكان معين لا يتعداه إلى غيره؛ لأن هذه أمور تخضع للمصلحة، وما يكون مناسبا لعصر قد لا يكون مناسبا لعصر آخر، فكل عصر ينظم القضاء بما يتلاءم مع ظروفه والمستجدات التي قد تتطلب نوعا من النظام لم يكن مطبقا في عصور سابقة، ويوضح ابن تيمية أن صلاحيات القاضي لا تتعين من جهة الشرع، وإنما بموجب ألفاظ التولية والأحوال والعرف٢.
стр. 53
التحكيم:
في بعض الأحيان لا يلجأ الخصمان إلى القاضي للفصل بينهما، وإنما يلجآن إلى شخص لا يتولى منصب القضاء، فيحكمانه بينهما، إما لبعدهما عن مكان القاضي، أو اختصارا لإجراءات التقاضي، أو لأي غرض آخر، وهذا هو الحَكَم أو المحكم.
وقد كان التحكيم معروفا في الجاهلية قبل مجيء الإسلام، ورتبة الحكم أو المحكم أقل من رتبة القاضي لعدة أمور.
أحدها: أن حكم المحكم يقتصر على من يرضى بحكمه عند فريق من العلماء.
الثاني: أن القاضي يقضي في أمور ليس من حق المحكم أن يحكم فيها، كالقصاص والحدود عند فريق من العلماء أيضًا، فحكم المحكم ليس مطلقا في كل قضية كالقاضي عند بعض العلماء.
الثالث: عموم ولاية القاضي، فيتعدى الحكم الصادر عنه، إلى غير المتخاصمين، كما في القتل الخطأ وما ماثل هذا، بخلاف المحكم.
هل التحكيم مشروع؟
يرى الحنفية والمالكية والحنابلة جواز التحكيم١. وأما الشافعية فقد اختلفت الآراء في فقههم، وأقوى الآراء عندهم جواز التحكيم، وهذا كما يفهم من كتبهم, قول قوي للشافعي رضي الله تعالى عنه، وقد نقلوا قولا آخر للشافعي بعدم
стр. 54
جواز التحكيم، وعللوا لهذا بأن التحكيم فيه افتئات١ على رئيس الدولة ونوابه، فلا يجوز لهذا المعنى.
وقد أجيب على هذا بأن المحكم ليس له سلطة الحبس، ولا استيفاء عقوبة لإنسان ثبت عنده ما يستوجبها، لئلا يخرق أبهة رئيس الدولة ولا نوابه، وعلى هذا فلا يتحقق هذا الافتيات عليهم.
ويوجد رأي ثالث لبعض فقهاء الشافعية، يقول بجواز التحكيم بشرط عدم وجود قاض بالبلد؛ لأنه في هذه الحال توجد الضرورة المجيزة لذلك، أما إذا كان بالبلد قاض فلا يجوز التحكيم لعدم وجود الضرورة٢.
دليل القائلين بمشروعية التحكيم:
استدل القائلون بمشروعية التحكيم بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول، أما الكتاب الكريم فقول الله ﵎: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٣.
وأما السنة الشريفة، فيما روي أن أبا شريح قال: يا رسول الله، إن قومي إذا اختلفوا في شيء فأتوني، فحكمت بينهم فرضي عني الفريقان، فقال ﷺ : "ما أحسن هذا" رواه النسائي، والبيهقي٤. ولو لم يكن التحكيم مشروعا لما
стр. 55
استحسنه رسول الله ﷺ ، فرسول الله لا يستحسن شيئًا لا يجوز.
وقد عمل ﷺ بحكم سعد بن معاذ في بني قريظة، لما اتفقت اليهود على الرضا بحكمه فيهم مع رسول الله ﷺ ، وقد حكم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، وكان حكم سعد بن معاذ حكما لمحكم وليس لقاض؛ لأن اليهود رضوا به حكما.
وأما الإجماع، فقد ثبت أن التحكيم وقع لجمع من الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد مع اشتهاره، فكان إجماعا، والإجماع هو أحد الأدلة الشرعية بعد الكتاب الكريم وسنة رسول الله ﷺ لما روي أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
وأما المعقول؛ فلأنه ما دام الشخصان اللذان يرضيان بالتحكيم لهما ولاية على نفسيهما فيكون التحكيم صحيحا.
هل شروط القاضي شروط المحكم؟
يرى بعض الفقهاء أنه لا بد أن تكون الشروط المطلوبة في القاضي متوافرة في المحكم؛ لأن المحكم عندهم منزل منزلة القاضي، فلا بد أن تكون أهلية القاضي متحققة فيه وقت التحكيم ووقت الحكم جميعًا. وبعض الفقهاء يخفف في شروط المحكم فلا يشترط فيه شروط القاضي، ولذلك نرى الحنفية مع أنهم يشترطون البلوغ في القاضي كغيرهم من الفقهاء، فإننا نجد بعضهم يرى عدم اشتراط البلوغ في المحكم.
стр. 56
فيرى بعض الحنفية جواز تحكيم الصبي المأذون، ومع أن الحنفية يرون أنه لا يجوز تحكيم الكافر إذا حكمه المسلمون بينهم، فإنهم يرون جواز تحكيمه بين الذميين أي: المواطنين في الدولة الإسلامية غير المسلمين؛ لأنه عندهم من أهل الشهادة عليهم، ويرون كذلك جواز تقليد الذمي القضاء ليحكم بين أهل الذمة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام عن شرط الإسلام في القاضي.
وسنتكلم في الفصل الأول إن شاء الله تعالى عن شروط الصلاحية للقضاء، وإذا كان من شروط القاضي عند الجمهور -كما سنعلم فيما بعد- أن يكون رجلا، فإنه لا بد أن يكون المحكم رجلا عند من يرى أنه منزل منزلة القاضي، وأما الحنفية فلأنهم يرون صحة قضاء المرأة إذا وليت القضاء -مع إثم موليها- في الأمور التي تصح فيها شهادتها، يرون أيضًا صحة حكم الحكم إذا كان امرأة، وحكمت في الأمور التي تصح أن تشهد فيها، وهي ما عدا قضايا الحدود والدماء١.
ونجد بعض المالكية يرى عدم صحة تحكيم المرأة، وبعضهم يرى صحة تحكيمها.
ومن شروط القاضي الإسلام، والحرية أي: لا يكون عبدًا، فكذلك يكون من شروط المحكم عند من ينزل المحكم منزلة القاضي، وعلى هذا فلا يجوز تحكيم الكافر، والعبد، وأجاز الحنفية كما أشرنا أن يكون الحكم ذميا إذا حكمه ذميان؛ لأنه -عند الحنفية- من أهل الشهادة فيما بين الذميين، فالحنفية يرون قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض فيكون من أهل الحكم عليهم٢
وأصل الخلاف بين العلماء في صفات المحكم أن من جعل المحكم من باب الوكالة، لم يشترط فيه صفات تزيد عن صفات الوكل فالشرط الوحيد أن لا يكون ذاهب العقل، وأما من جعل ذلك من باب الولاية في حكم خاص، فقد اشترط أن يتحقق فيه شرط القاضي عنده٣
стр. 57
رجوع أحد الخصمين عن التحكيم:
بين العلماء أن من حق كل من المتخاصمين أن يرجع عن تحكيمه قبل شروع المحكم في الحكم١؛ لأن الحكم لا يثبت إلا برضاه، فكان هذا كما لو وكل إنسان إنسانًا آخر في التصرف في بعض الأمور، ولكن الموكل رجع عن التوكيل قبل أن يتصرف الوكيل بمقتضى الوكالة، فإن له ذلك، فلا بد من استمرار الرضا حتى يحكم.
وأما إذا كان رجوع أحد الخصمين بعد شروع المحكم في الحكم، ففيه رأيان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم، فأشبه ما إذا رجع عن التحكيم قبل الشروع في الحكم.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن هذا يؤدي إلى أنه إذا رأى أي من المتخاصمين أن المحكم سيحكم لغير صالحه رجع عن التحكيم، فيبطل المقصود بالتحكيم.
стр. 58
إذا حكم المحكم:
إذا حكم المحكم في المسألة التي ينظرها، هل يكون المتخاصمان ملزمين بهذا الحكم، أم أن لكل منهما أن يرفضه أو يقبله؟
اختلف الفقهاء على رأيين في هذه المسألة:
الرأي الأول: أنه ينفذ حكمه عليهما، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو قول راجح للشافعي ويراه أيضًا فقهاء الحنابلة وفقهاء الشيعة الإمامية، وفقهاء الإباضية١.
الرأي الثاني: أنه لا يلزمهما ما حكم به إلا بتراضيهما، وهذا قول للشافعي مقابل لقوله السابق.
مستند كل رأي:
أما الرأي الأول فقد استدل له بما يأتي:
أولا: ما روي عن رسول الله ﷺ قال: "من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون".
ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه لولا أن حكم الحاكم يلزمهما لما لحقه هذا الذم.
ثانيا: القياس على الذي تولى الحكم من جهة رئيس الدولة، فكما أن المولى من جهة رئيس الدولة -وهو القاضي- إذا حكم في قضية ينفذ حكمه من غير وقف على رضا أي من الخصمين، فالمحكم أيضًا يجب أن ينفذ حكمه ولا يشترط رضا أي من الطرفين بهذا الحكم قياسًا على القاضي٢
وأما الرأي الثاني فقد علل له بأن رضاهما معتبر في الحكم، فكذا في لزومه٣
стр. 59
ما يجوز التحكيم فيه وما لا يجوز:
تنقسم المنازعات من حيث جواز التحكيم وعدم جوازه إلى قسمين:
١- قسم اتفق العلماء على جواز التحكيم فيه، ويشمل الحقوق المالية وعقود المعاوضات، وما يصح فيه العفو والإبراء١.
٢- قسم اختلف العلماء فيه، هل يجوز التحكيم فيه أم لا، وهو ما عدا ما ذكرنا كالزواج، واللعان، والقذف، وبقية الحدود والقصاص، وإليك تفصيل الكلام في هذا.
اتفقت الروايات في الفقه الحنفي على أنه لا يجوز التحكيم في الحدود الواجبة حقا لله ﵎ "كحد السرقة، وحد الزنا، وحد شرب الخمر، وذلك لأن رئيس الدولة أو من ينيبه هو المتعين لاستيفائها. وهذا الرأي -كما قلنا- باتفاق الروايات في الفقه الحنفي، وهو أيضًا ما يراه فقهاء المالكية٢. وفقهاء الشافعية، وقد صرح الشافعية بأن التعزير أيضًا -وهو العقوبة غير المقدرة- إذا كان حقا لله ﵎ لا يجوز التحكيم فيه٣.
وتكون عقوبة التعزير واجبة حقا لله تعالى في الجرائم، التي تتعلق بالاعتداء على الدين أو حياة الناس العامة، كما في سب الأديان غير الإسلام، أو إلقاء القاذورات في الطريق العام، أو إغراء الناس بالفساد كراقصة في الشارع العام، أو محلات لبيع، أو تأجير أشرطة "الفيديو" لتي تشيع الانحلال الأخلاقي، فهذه من حقوق الله ﵎ التي يجب تعزير فاعليها٤.
ويرى الرملي من فقهاء الشافعية أن حق الله المالي الذي لا طالب له معين كالكفارات والزكاة لا يجوز فيه أيضًا؛ لأنه يشترط مع حد الله تعالى والتعزير إذا كان حقا له بأن لا طالب معين لهما، وصرح بعض فقهاء الحنابلة بأنه يجوز التحكيم في الحدود وغيرها٥.
стр. 60
التحكيم في حد القذف والقصاص:
اختلفت آراء فقهاء المذهب الحنفي في حد القذف "أي: عقوبة اتهام الغير بجريمة الزنا بلا بينة" والقصاص، فيرى بعضهم جواز التحكيم فيهما، ويرى البعض الآخر عدم جواز التحكيم.
وقد علل للرأي القائل بجواز التحكيم في القصاص بأن الاستيفاء إليهما، وليس الحاكم هو المتعين للاستيفاء كما في الحدود الخالصة لله ،
стр. 61
والقصاص من حقوق الإنسان, فيجوز فيه التحكيم قياسا على التحكيم في الأموال.
وأما الرأي الثاني القائل بأن التحكيم لا يجوز في الحدود والقصاص، فقد علل له بأن حكم المحكم حجة فقط في حق اللذين حكماه، وليس حجة في حق غير المحكمين، فيكون في هذا شبهة والقصاص والحدود تدرأ بالشبهات.
وأيضًا فلأنه لا ولاية لهما على دمهما، ولهذا لا يملكان الإباحة، فلو قال شخص لشخص: اقتلني، فإنه لا يصح هذا الأمر الصادر منه، فلا يحل للآخر أن يقتله بناء على هذا الأمر١.
عند المالكية:
يرى المالكية أن التحكيم لا يجوز إلا في قضايا الأموال والجراح، سواء أكانت عمدا أم خطأ، ولو كانت الجراح عظما كقطع اليد أو الرجل، ويرون أن كل الحدود لا يجوز التحكيم فيها، وبناء على هذا فإن حد القذف لا يجوز التحكيم فيه، وقد عللوا لعدم جواز التحكيم في الحدود مطلقًا بأنه قد تعلق بها حق لغير الخصمين، فالحدود حق لله تعالى شرعت للزجر عن اقتراف الجرائم التي تستوجبها٢.
وكذلك يرى المالكية أن التحكيم لا يجوز في القصاص، وعللوا لهذا بنفس التعليل الذي عللوا به في جانب الحدود، وهو أن الحق في القصاص لله تعالى؛ لأن القصاص إنما شرع للزجر عن الاعتداء على حياة الإنسان.
стр. 62
وقد عد بعض فقهاء المالكية سبعة أمور لا يجوز التحكيم فيها، معللين ذلك بأن هذه الأمور لها قدر عظيم، فوجب أن يحتاط في شأنها، فلا يحكم فيها إلا من ولته الدولة ولاية عامة، والذي توليه الدولة ولاية عامة لا يكون ذلك إلا بعد التعرف على صفاته وقدراته التي تقتضي ذلك، ويكون في الأغلب مأمونا أمره، أو يكون الحاكم قدمه لمعنى يختص به في ضرورة داعية إليه.
وأيضًا فلأن هذه الأمور تعلق بها حق لغير الخصمين إما لله تعالى، أو للإنسان، فوجب أن يحكم فيها القضاة لا المحكمون، وهذه الأمور السبعة هي:
١- الحدود: كالجلد، والرجم، وقطع يد السارق، وغيرها.
٢- اللعان١.
٣- القتل، سواء أكان عقوبة للارتداد عن الإسلام، أو لجريمة قطع الطريق، أو قصاصًا في النفس.
٤- الولاء٢.
٥- النسب.
٦- الطلاق.
٧- العتق.
стр. 63
وقالوا إن الأمور التي تعلق بها حق الله تعالى هي: الحدود، والقتل، والعتق، والطلاق. فالحدود حق لله تعالى؛ لأنها وجبت زجرا عن ارتكاب ما يوجبها, والقتل قد يكون عقوبة لردة، أو لجريمة قطع الطريق، وكل هذا حق لله تعالى للتعدي على حرماته.
وقالوا إن الذي يدل على أن الحق في الطلاق لله تعالى أن المطلقة طلاقا بائنا لا يجوز إبقاؤها في عصمة مطلقها ولو رضيت بذلك.
والذي يدل على أن الحق في العتق لله تعالى أنه لا يجوز رد العبد للرق مرة ثانية بعد ما عتق, ولو رضي هو بذلك.
وأما الأمور التي تعلق بها حق الإنسان فهي: اللعان، والولاء، والنسب، فإن الحق في اللعان للولد؛ لأنه يترتب على اللعان قطع نسبه، والولد غير الخصمين اللذين هما الزوج والزوجة.
والحق في الولاء قد يكون لإنسان غير الخصمين, إذا كان النزاع بين المعتق وشخص آخر في الشخص المعتوق، بأن ادعى كل منهما أنه أعتقه.
والحق في النسب قد يكون لإنسان غير الخصمين, إذا كان النزاع بين الأب ورجل آخر، فالأب ينفي نسب الابن ويقول إن هذا ليس ابني، والرجل الآخر يقول إنه ابنك.
ومع أن بعض المالكية -كما ذكرنا- عد سبعة أمور لا يجوز التحكيم فيها، هي التي بيناها، فإن البعض الآخر منهم زاد عدة أمور أخرى هي أيضا عنده من
стр. 64
اختصاص القاضي لا الحكم، فلا يجوز عند هذا البعض التحكيم في فسخ الزواج ولا في إثبات الرشد، أو ضده وهو السفه "أي: عدم إحسان التصرف في الأموال" لشخص من الأشخاص، ولا يجوز في أمر الغائب مما يتعلق بماله، وزجته، وحياته وموته، ولا يجوز في الحبس، ولا في عقد مما يتعلق بصحته وفساده.
وقرر المالكية أن كل الأمور التي لا يجوز التحكيم فيها إذا حدث فيها تحكيم، وكان حكم المحكم صوابا فإنه يمضي، وليس لأحد الخصمين، ولا للقاضي حق نقضه؛ لأن حكم الحكم عندهم يرفع الخلاف كحكم القاضي, ولكن إذا نفذ الحكم، فإن الحاكم يؤدب المحكم؛ لأنه افتات على رئيس الدولة -إذا كان حكمه شرعيا- وعلى نوابه، وأما إذا حكم ولم ينفذ ما حكم به فلا أدب عليه، كما لو كان قد حكم بقتل، فعفى عن المحكوم عليه١. وبين المالكية أن الأمور التي تختص برئيس الدولة كالإقطاعات إذا حكم فيها المحكم لا ينفذ حكمه.
عند الشافعية:
وأما الشافعية فعلى الرأي القوي عندهم يجوز التحكيم في القصاص, ويوجد رأي غير قوي عندهم يقول بأن التحكيم لا يجوز إلا فيما دون القصاص والزواج، ونحوهما كاللعان وحد القذف٢.
عند الحنابلة:
يرى بعض فقهاء الحنابلة أنه ينفذ حكم المحكم في جميع الأحكام إلا في أربعة أشياء: الزواج، واللعان، والقذف، والقصاص، وقال أبو الخطاب من فقهاء الحنابلة: ظاهر كلام أحمد أنه ينفذ حكمه في هذه الأربعة٣.
وصرح صاحب كشاف القناع من فقهاء الحنابلة بأن حكمه ينفذ في كل الأمور من مال، أو قصاص، أو حد، أو زواج، أو لعان، أو غيرها٤ وكذلك يرى الشيعة الإمامية أن حكم المحكم ينفذ في كل الأمور٥.
стр. 65
التحكيم بحل مشكلة المسلمين في البلاد غير الإسلامية
...
التحكيم يحل مشكلة المسلمين في البلاد غير الإسلامية:
المسلمون الآن موجودون بكثر في البلاد التي لا تدين بالإسلام, كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، والبلاد التي لا دين لها على الإطلاق، كروسيا. وقد تحدث بينهم خلافات تستدعي الحكم فيها بين طرفي النزاع، واللجوء إلى القاضي في هذه البلاد هو لجوء إلى قاض لا يتوفر فيه شرط الإسلام، وهو ما لا بد منه في القاضي الذي يحكم بين مسلمين. كما سنبين ذلك -إن شاء الله تعالى- عند الكلام عن شروط القاضي. وهذه مشكلة تعترض المقيمين في هذه البلاد. والحل -كما نرى- هو اللجوء إلى شخص مسلم ليكون حكما بين طرفي النزاع، وبشرط أن يكون هذا الشخص تتوفر فيه شروط المحكم، وبعض المذاهب الفقهية -كما سبق بيانه- يتوسع في الأمور التي يجوز للمحكم أن يحكم فيها، وصرح بعض فقهاء الحنابلة بأن حكم المحكم ينفذ في كل القضايا سواء أكانت داخلة في مجال الأموال، أم شئون الأسرة، أم غير ذلك من القضايا.
стр. 66
إلا أنه قد تنشأ مشكلة أخرى في هذه البلاد، هي أنه قد يحتاج الحكم الذي حكم به المحكم إلى توثيق حكومي، وأرى أنه في هذه الحالة -بعد حكم المحكم- يلجأ طرفا النزاع إلى القاضي غير المسلم في هذه البلاد بوصفه جهة توثيق حكومية لا جهة قضاء، ما دام أن هذا لا بد منه في هذه البلاد، فإذا حكم القاضي غير المسلم بنفس الحكم الذي حكم به المحكم الذي اختاراه ليحكم بينهما قبل ذلك فلا مشكلة، وتتخذ إجراءات التوثيق الحكومي بعد هذا الحكم الذي قضى به القاضي غير المسلم، واتفق مع الحكم الذي حكم به المحكم، وأما إذا اختلف الحكمان: حكم المحكم وحكم القاضي غير المسلم فلا ينفذ حكم القاضي غير المسلم، غير أنه إذا كان هذا الحكم الذي قضى به القاضي غير المسلم غير مناف لأحكام الشريعة الإسلامية، لكنه يحتاج إلى تنازل أحد طرفي النزاع عن بعض حقه الذي حكم له به المحكم قبل ذلك، فمن الممكن أن يتصالح الطرفان أمام المحكم الذي ارتضياه أولا، أو أمام محكم آخر، أو بينهما بدون تحكيم، نقول: من الممكن أن يتصالحا على فض النزاع بينهما على أساس هذا الحكم الذي قضى به القاضي غير المسلم، لا بوصفه حكما ملزما من القاضي غير المسلم، وإنما بوصفه صلحا يحل المشكلة حلا يتفق ونظام البلد الذي يقيمان فيه، وبشرط أن يتحقق الرضا التام من كل من طرفي النزاع.
ثم أما بعد, فنحب أن نختم مباحث المقدمة بالكلام عن حكم الإهداء للقاضي وجعل أجر للقاضي، هل يجوز أم لا.
стр. 67
حكم الهدية للقاضي:
بين العلماء ان الهدية للقاضي تكون حرامًا إذا كانت ممن له خصومة عند القاضي، أو من غلب على ظنه بأنه سيخاصم.
وكذلك تحرم الهدية إذا كانت ممن لم يهد إليه شيئا قبل أن يتولى القضاء, أو كان له عادة في الإهداء إليه لكنه زاد عليها قدرا من أجل توليه هذا المنصب؛ لأنها -كما قال العلماء- توجب الميل القلبي إلى المهدي، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة "هدايا العمال سحت". وأما قبول النبي ﷺ للهدايا فكان ذلك؛ لأنه ﷺ معصوم من الوقوع في الحكم بالميل إلى أحد الخصوم.
وبيّن العلماء أنه لو أعطي للقاضي مال ليحكم بغير الحق, أو ليمتنع من حكم بحق، فهذا هو الرشوة المحرمة بإجماع علماء الأمة. ومثل ذلك ما لو كان القاضي يمتنع من الحكم بالحق إلا إذا أخذ مالا. لكن ذلك مع كونه حرامًا إلا أنه كما بين العلماء أقل إثما، وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم. وفي رواية "والرائش" وهو الماشي بينهما.
ورخص بعض العلماء في الرشوة إذا كانت لو لم يدفعها صاحب الحق فسيضيع عليه ماله بالباطل, فتكون رخصة لصاحب الحق وحراما على المرتشي.
وحكم الرائش أي: الواسطة بينهما هو حكم موكله، وأما إذا كانت الهدية ممن عادته أنه كان يهدي إلى القاضي قبل أن يتولى منصب القضاء، وقبل أن يترشح لهذا المنصب، لقرابة أو لصداقة مثلا، ولا توجد خصومة للمهدي حاضرة أمام القاضي ولا مترقبة، فتجوز الهدية إن كانت بقدر ما تعود المهدي سواء أكان ذلك من ناحية الكم أو الكيف؛ وذلك لأن التهمة -أي: الشك والريبة- منتفية حينئذ، بخلاف ما إذا كانت بعد الترشيح لهذا المنصب أو مع الزيادة على العادة، فتكون حراما في الجميع إن كانت الزيادة في الوصف, كأن كان يهديه قماشًا من قطن فأهدى إليه صوفا، فإن كانت في القدر ولم تتميز حرم الجميع كذلك. وأما إذا تميزت الزيادة، فإنه يحرم الزيادة فقط١.
هذا وسنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى.
стр. 68
جعل أجر للقاضي من الخزانة العامة للدولة:
علماؤنا ﵃ مختلفون في هذه المسألة، فبعضهم يرى كراهة أخذ الأجر على القضاء، وبعضهم لا يكره أن يأخذ القاضي الأجر على القضاء. ومن هؤلاء الإمام الغزالي، قال في إحياء علوم الدين: كل من يتولى أمرا تتقوى به مصلحة المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه فله في بيت المال حق الكفاية، قال: ويدخل في ذلك العلوم كلها أعني التي تتعلق بمصالح الدين١.
وجواز الأجر على القضاء هو رأي جمهور العلماء، بين ذلك ابن حجر العسقلاني ثم نقل قول أبي علي الكرابيسي صاحب الشافعي: "لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق٢ على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة, ومن بعدهم, وهو قول فقهاء الأمصار لا أعلم بينهم اختلافا".
стр. 69
ومع أن الكرابيسي لم يبلغه اختلاف بين العلماء في هذه المسألة فإن فيها في الواقع اختلافا, وإن كان ذلك لم يبلغ الكرابيسي، بيّن هذا الاختلاف ابن حجر العسقلاني وغيره من العلماء، قال ابن حجر العسقلاني، في مجال بيان حكم رزق الحاكم: "ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم، وعن أحمد: لا يعجبني، وإن كان، فبقدر عمله مثل ولي اليتيم، واتفقوا على أنه لا يجوز الاستئجار عليه" ا. هـ١.
فنخلص مما ذكرناه أن أكثر أهل العلم يرون جواز أخذ رزق من الخزانة العامة للقاضي، والبعض من العلماء يرون كراهة ذلك، ونقول أيضًا: إن بعض فقهاء الزيدية٢ يرى أنه يحرم الأجرة على القضاء لمن تعين عليه، وكان عنده كفايته من النفقة، فإن لم تكن عنده كفايته وكان ذا حرفة يشغله القضاء عنها حل له أخذ الأجرة دفعا للضرر، فإن لم يتعين وله كفاية كره أخذ الأجرة؛ لأنه قربة.
هذه هي آراء العلماء، وإليك بيانا لدليل كل رأي.
الاستدلال للرأي القائل بكراهة أخذ الأجر على القضاء:
استدل لهذا الرأي بعدة أمور، منها:
أولا: القضاء هو أمر بمعروف ونهي عن المنكر، وكان لا يجوز لمن أمر بمعروف أو نهى عن منكر أن يأخذ على فعله أجرا، فكذلك القاضي لا يأخذ على فعله أجرا؛ لأنه يفصل بين معروف ومنكر، وبين حق وباطل، قال المهلب: "وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ
стр. 70
عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ فأرادوا أن يجري الأمر فيه على الأصل الذي وصفه الله لنبيه"١.
ثانيا: المفتي لا يجوز له أن يأخذ أجرا على فتيا له؛ لأنه يأمر بحق وينهى عن باطل، فكذلك القاضي.
ثالثا: لا يجوز لأحد أن يأخذ أجرًا على تعليم الناس التوحيد والإسلام, فكذلك القضاء لا يأخذ عليه أجرا.
رابعًا: لئلا يدخل في هذا النوع من الحكم من لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس.
الاستدلال للرأي القائل بجواز أخذ الأجر:
استدل لهذا الرأي بما يأتي:
أولا: الجهاد في سبيل الله أمر مفروض على الناس أن يفعلوه، وخاصة الناس يقومون به دون العامة، ولا بأس أن يأخذ المجاهدون في سبيل الله أرزاقا من بيت المال، وهم إنما قاموا في ذلك بحق، وقاموا بفصل بين معروف ومنكر، وكذلك القضاء يجوز للقاضي أن يأخذ عليه أجرا.
ثانيا: أوجب الله ﵎ للعامل على الصدقة رزقا في عمالته، وجعل له سهما وحقا لقيامه وسعيه فيها، وقد قام عامل الصدقة بفرض من فروض الله ، إذ أخرج حقا من حقوقه، فاستحق بذلك سهما مفروضا، وكذلك القاضي يستحق سهما يفرض له.
стр. 71
ثالثًا: ثبت أن أصحاب النبي ﷺ كأبي بكر وعمر، كانوا يأخذون لأنفسهم أرزاقهم من بيت مال المسلمين "الخزانة العامة للدولة" وكذلك من بعدهم من الخلفاء، فعن عروة عن عائشة ﵂ قال: لما استخلف أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه".
وثبت أن عمر ﵁ أخذ أيضًا وروي عنه قوله: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف. وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الأحنف قال: كنا بباب عمر -فذكر قصة: وفيها- فقال عمر: "أنا أخبركم بما أستحل: ما أحج عليه وأعتمر، وحلتي الشتاء والقيظ، وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا بأسفلهم" وكان شريح بن الحارث بن قيس النخعي الذي ولاه عمر قضاء الكوفة، ثم قضى لمن بعث بالكوفة زمنا طويلا، كان يأخذ على القضاء أجرا١.
رابعًا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما عامل استعملنا، وفرضنا له رزقا، فما أصاب بعد رزقه فهو غلول".
ثم قال أصحاب هذا الرأي: "وذلك واسع له، ومن تعفف عن ذلك فهو أفضل،
стр. 72
وأعلى منزلة إن شاء الله"١، وقال ابن القاص٢: "وهذا كله إذا كان من مال الله من بيت مال المسلمين، فأما أن يجري له أهل عمله رزقا فلا يجوز له قبوله، وكذلك لو أجراه رجل منهم، أو أجراه السلطان من مال نفسه".
والرأي القائل بجواز أخذ الأجر هو ما نختاره، إذ إن القضاء يحتاج إلى انشغال القاضي بأمور الناس، وقد يترتب على هذا أن يترك كثيرا من أمور نفسه لا يتولاها بنفسه، وقد يؤثر ذلك على ما يعتمد عليه في الإنفاق على نفسه وعلى من يعولهم من زوجة، وأولاد، أو غيرهم.
وقد روى البخاري بسنده أن عبد الله بن السعدي أخبر أنه قدم على عمر في خلافته، فقال له عمر ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة٣ كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا فقلت:
стр. 73
أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ : "خذه فتموله وتصدق به" ١. فما جاءك من هذا المال -وأنت غير مشرف ولا سائل٢. فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك"٣. قال الإمام الطبري: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة، وجباة الفيء، وعمال الصدقة، وشبههم، لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العمالة على عمله"٤.
وفي ختام هذه المسألة نحب أن نبين أن بعض العلماء يرى أن أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعا، ومن تركه إنما تركه تورعا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك جزما، وقال هذا البعض من العلماء أيضًا, ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختلف إذا كان الغالب حراما٥.
стр. 74
حق التقاضي مكفول للجميع:
تؤكد النصوص الشرعية أن لكل فرد الحق في أن يدعي ليطال بحق يرى أنه يستحقه، ففي بعض المواقف نجد الرسول ﷺ يلبي -بدون أدنى غضاضة- طلب من أراد القصاص منه، فقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري١ قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئا إذ أكب رجل، فطعنه رسول الله ﷺ بعرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال له رسول الله ﷺ : "تعال فاستقد" قال: بل عفوت يا رسول الله.
وفي غزوة بدر الكبرى وقف ﷺ بين الصفوف يعدلها بقضيب في يده فمر برجل يدعى سواد بن غزية حليف بني النجار، وهو خارج من الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقال: استقم يا سواد، فقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثت بالحق والعدل أقدني من نفسك "أي: اجعلني أقتص منك"، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: "استقد يا سواد"، "أي: اقتص مني" فاعتنقه سواد وقبل بطنه، فقال رسول الله ﷺ : "ما حملك على ذلك"؟ , فقال: يا رسول الله قد حضر ما ترى, فأردت أن يكون آخر العهد أن يمس جلدي جلدك، فدعا له بخير٢.
ورو ابن كثير أن رسول الله ﷺ خرج على الناس في مرضه الذي توفي فيه، فقال: "أيها الناس، ألا من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت
стр. 75
شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد، ولا يقول قائل: أخاف الشحناء من قبل رسول الله، ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي، وإن أحبكم إلي من أخذ حقا إن كان له علي أو حللني، فلقيت الله وليس لأحد عني مظلمة" ١.
وقد التزم أصحاب رسول الله ﷺ بهذا المبدأ، فقد ثبت عن أبي بكر ﵁، أنه قال لرجل شكا إليه عاملا "أي: واليا" أنه قطع يده ظلما: لئن كنت صادقا لأقيد بك منه.
وثبت عن عمر ﵁ أنه كان يقيد من نفسه، وروى أبو داود قال: خطب عمر فقال: إني لم أبعث عمالي "ولاتي" ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فُعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلا أدب بعض رعيته تقصه منه؟ قال أي والذي نفسي بيده أقصه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه.
وروى ابن حزم أن رجلا كان مع أبي موسى الأشعري، وكان ذا صوت ونكاية في العدو، فغنموا فأعطاه أبو موسى الأشعري بعض سهمه، فأبى أن يأخذ إلا جميعا, فضربه عشرين سوطا، وحلق رأسه، فجمع شعره ورحل إلى عمر فدخل عليه، فأخرج شعره فضرب به صدر عمر، وقص قصته، فكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: إن فلانا قدم علي فأخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك به فعزمت عليك إن كنت فعلت به ذلك في ملأ من الناس، فعزمت عليك لما جلست له في ملأ من الناس حتى يقتص منك. وإن كنت فعلت به ذلك في خلاء