مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فهذه الكلمات نخطها عن حاضر العالم الإسلامي.. مما رأينا بأعيننا، أو لمسنا بأيدينا, أو رجعنا إليه في مصادره ومظانِّه وإحصاءاته.
على أننا قد استعنا بتقارير مَنْ نثق في صدقهم من أمثال: رجال تحرير جبهة مورو، ورجال تحرير فطاني، وبعض مجاهدي فلسطين، وآخرين لم يشاءوا أن نكشف عنهم, وقد قبلنا تقارير هؤلاء.. كما يقبل القاضي شهادة الشهود بعد تمحصيها والثقة في صدقها، واضطررنا إلى البينة لما عزت المصادر الرسمية، أو شككنا في صدقها.
ونحسب أن هذه الكلمات هي المرجع الأوّل الحالي حول حاضر العالم الإسلامي، فلم نجد -فيما نعلم- شيئًا كُتِبَ بعد ما كتبه الكاتب الأمريكي "لوثروب ستوارد", وترجمه إلى العربية الأستاذ عجاج نويهض, وعلق عليه الأمير شكيب أرسلان.
وهي وإن حاولنا فيها مسح العالم الإسلامي كله, إلّا أن ذلك كان في شأن الخطوط العامَّة حول الواقع الفكري, أو الواقع السياسي, أو الواقع الاجتماعي، أو الواقع الاقتصادي. لكن ذلك لم يمنعنا من إفراد بحوث خاصَّة للقضايا الإسلامية الراهنة مثل: قضية فلسطين كقضية وطن إسلامي سليب، ومثل قضية الفلبين كقضية وطن إسلامي مجاهد, ومثل قضايا الأقليات وغيرها.
стр. 2
وقد اتسمت دراستنا -بفضل الله- سواء في خطوطها العامَّة, أو في تفصيلاتها, بمناسبة دراسة القضايا الخاصة, اتسمت بفضل الله وحده بالموضوعية والتعمق, بعدًا عن التجريح الشخصي، ثم بلوغًا إلى جذور القضية, وصولًا إلى حلٍّ لها.
ولقد كلَّفنا ذلك أن نرفع الأسماء حتى من المصادر التي نقلنا عنها، إيمانًا منَّا بأنَّ الموضوعية أصلح منهج لبلوغ الإصلاح، فوق أنها اتباع لسنة رسول الله ﷺ الذي كان ييتعد عن كل تجريح شخصي, فيرقى المنبر ليقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، وأخيرًا إيمانًا بأنَّ التطبيق على الأشخاص لا يكون إلّا عند عقد المحاكمات، وليس المجال مجال محاكمة ولا الأوان أوانها.
بيد أننا نؤمن في الوقت ذاته أن أولئك الذين خانوا الأمانة، وشاركوا في طعن قضايا العالم الإسلامي, أولئك لن يفلتوا.
فالأمّة الإسلامية بدأت يقظتها، ولن تعود إلى النوم الذي استغلّوا فيه غفلتها, والتاريخ يكتب ويسطر, وما غطَّاه ظلام الأمس سوف يكشفه نهار للغد.
والله سبحانه من قبل هؤلاء ومن بعدهم يسمع ويرى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ... ﴾ .
ونحن نؤمن بعد ذلك أنَّا بإذن الله ورثة هذا العالم، وأننا الأمة الوسط التي جعلها الله على الناس شاهدًا.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ, إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ, وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون﴾ . [الصافات ١٧١-١٧٣] .
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة ٥٦] .
الباب التمهيدي: وضع العالم الإسلامي وموقعه
العالم الإسلامي جغرافيًا
الموقع
...
الباب التمهيدي:
١- العالم الإسلامي جغرافيًّا:
١- الموقع:
ليس العالم الإسلامي كما يصوره الجغرافيون الأجانب نطاقًا صحراويًّا فقيرًا في موارده، متخلفًا في سكانه١.
- بل إنه يقع في "صرة العالم" ممسكًا بأطرافه، متحكمًا في محيطاته وبحاره وخطوط ملاحته، زاخرًا بأهمّ الأنهار، وأخصب الأراضي، وأعظم الثروات.
ومدخلا المحيط الهندي في أرض إسلامية "مضيق ملقا في الشرق بين الملايو وسومطرة، ومضيق باب المندب في الغرب", وبذا يمكن التحكُّم في الملاحة الدولية بين الشرق والغرب, ومدخلا البحر المتوسط في أرض إسلامية "شرقًا قناة السويس, وغربًا مضيق جبل طارق".
والبحر الأبيض كان يومًا كله بحيرة إسلامية, ولا تزال شواطئه الشرقية والجنوبية كذلك, والبحر الأسود والبحر الميت، والبحر الأحمر كذلك بحيرة إسلامية لولا إسرائيل.
وأنهار النيل ودجلة والفرات ونهر السند ونهر النيجر وغيرها تجري في بلاد إسلامية.
- ويبدأ غربًا عند محيط الطول ١٨ غربًا "بالساحل الإفريقي المطلّ على المحيط الأطلنطي".
стр. 5
ويمتد شرقًا إلى حدود إقليم سينكيانج أو التركستان الصينية وباكستان الغربية عند خط الطول ٩٠, أي أنه يمتد ١٠٨ درجة طولية.
- أمَّا عرضًا فيمتد ما بين خط العرض ٥٠ شمالًا "إقليم تركستان" إلى خط العرض ١٠ جنوب خط الاستواء "الجزر الإندونيسية في آسيا", أمَّا إفريقيا فيمتد إلى جنوب خط الاستواء حتى حدود الصومال.
ويكفي ما انتهى إليه أحد العلماء، من أنَّ مركز العالم كله -إذا أريد رسم دائرة -جغرافيًّا- أن نقول: إن الأمة الإسلامية أمّة وسط في موقعها، وأمثل الشيء أوسطه في كل شيء.
ومن ثَمَّ فإن العالم الإسلامي جغرافيًّا واستراتيجيًّا يتفوق في موقعه على أيّ بقعة في العالم كله.
٢- الموارد الطبيعية:
يقصد بالموارد الطبيعية.
الموارد التي يتكوَّن منها الغلاف الصخري أو القشرة الأرضية الصلبة.
والمواد التي يتكون منها الغطاء النباتي أو الحيواني.
والمواد التي يتألَّف منها الغلاف المائي والغلاف الهوائي.
أمَّا الغلاف الصخري فيشمل:
الثروة المعدنية, والتربة, والمياه الجوفية.
أمَّا الغطاء النباتي والحيواني فيشمل:
الثروة النباتية طبيعية كانت أو زراعية، وما يوجد على سطح الأرض من حيوان.
أما الغلاف المائي فيشمل:
الكائنات البحرية الحية ومنها الأسماك، وكذلك الأملاح المعدنية التي يستخلص منها بعض المعادن.
стр. 6
أمَّا الغلاف الجوي يقصد به:
عناصر المناخ اللازمة للإنتاج مثل:
الحرارة والضوء والأمطار١.
ولا تعتبر هذه الموارد اقتصادية حتى تستغلّ, أو يعرف الإنسان كيف يستغلّها؛ فالفحم، والبترول، والطاقة الشمسية, وغير ذلك, كلٌّ منها لم يكن موردًا اقتصاديًّا أو موردًا للثروة قبل أن يكتشف كيفية استغلاله.
ويمكن تقسيم الموارد الطبيعية إلى:
١- موارد غير قابلة للنَّفاد مثل: الرماد والصلصال.
٢- موارد متجددة مثل: الغطاء النباتي.
٣- موارد سريعة النفاد مثل: البترول والمعادن.
أما الموارد غير القابلة للنفاد:
فيملك العالم الإسلامي منها الكثير:
إن الأرض الخصبة الواسعة الممتدة في السودان، وفي ليبيا، وفي العراق, وفي غيرها من بلاد الإسلام، والصحاري الشاسعة الممتدة في جزيرة العرب، ومصر وغيرها من بلاد الإسلام, تعطي قدرة العالم الإسلامي وامتلاكه للموارد غير القابلة للنفاد.
أما الموارد المتجددة, والخاصة بالغطاء النباتي:
فإن ما يعيشه العالم الإسلامي من فقر وفاقة واحتياج للقمح وغيره من موادِّ الغذاء, كل ذلك مصطنع ومفروض, وإلّا فالعالم الإسلامي الذي يملك أنهار العالم وأغناها بالخصب والنماء "نهر النيل، ودجلة، والفرات، والسند.. إلخ" لا يمكن ولا يتصوّر أن يكون بحاجة إلى نبات يستورده من شرق أو غرب.
стр. 7
إن مساحات من الأفدنة تصل إلى الملايين في السودان والعراق وليبيا وباكستان، بل وفي مصر والجزيرة العربية, وهي صالحة وخصبة تمامًا لا تحتاج غير اليد العاملة، أو أنها كانت كذلك وقصرت الهمم والجهود والعقول عن مدِّها بالماء وإعادتها خصبة كما كانت, ويكفي أن نعلم أنَّ مصر كانت تزرع في عهد الرومان أكثر من ٩٠% من أراضيها, وهو أمر ثابت تاريخيًّا، ظلت تنقرض حتى بلغت في العصر الحديث إلى ٥% من أراضيها، وتسعون في المائة معطَّل لا يعمل، ولا ينتج!
أما الموارد سريعة النفاد:
مثل البترول والمعادن.
فيكفي أن نعرف هذه الحقائق:
أ- إن البترول وهو المصدر الأول للطاقة اليوم تنتج منه البلاد الإسلامية ٣٠.٦% من جملة الإنتاج العالمي، تليها الولايات المتحدة "٢٩.٦%".
أما احتياطي العالم الإسلامي فهو ٦٩.٣ من جملة الاحتياطي العالم١, فلو أضفنا إلى ما تصر الشركات الأمريكية والأجنبية على عدم كشفه إلّا في الوقت المناسب -لها طبعًا- لارتفع إنتاج البلاد الإسلامية, ولارتفع احتياطها كذلك.
ويكتفي أن نصرِّح -على مسئوليتنا- في هذا المكان أنَّ مصر تسبح في بحيرة من البترول، حيث يوجد البترول على يمينها وعلى شمالها, لولا إصرار الشركات الأمريكية والأجنبية الآخذة امتياز التنقيب عن البترول -لولا إصرار هذه الشركات على عدم الكشف عنه إلا بقدر!
ب- المعادن الأخرى:
وفي مقدمتها أهمها في الصناعات: الحديد والصلب, يوجد في البلاد الإسلامية في اتحاد ماليزيا، والجزائر والمغرب، وتونس، وتركيا, ومصر.
ويوجد في بلاد أخرى من بلاد المسلمين نعرفها بكميات أضخم تصر القوى العالمية المحتكرة على عدم الكشف عنها احتفاظًا لنفسها بالسرِّ أو بالثروة!
стр. 8
أما أنفس المعادن مثل الذهب والماس واليورانيوم.
فيوجد منه الكثير في بلاد الإسلام, لولا أنَّا لا نريد أن نصرِّح بما أبت هذه البلاد أن تصرِّح به!
أما الطاقات غير البترول:
فتوجد لدينا مساقط المياه التي تتولّد منها الكهرباء، ولدينا الزيت، والغاز الطبيعي, وتوجد في بلاد الإسلام طاقة لم تستغل بعد، وليس للعالم منها إلّا القليل وهي الطاقة الشمسية, وتدل أبحاث جادَّة وجديدة على أنه يمكن أن تتحوّل إلى أهم الطاقات لو أحسن استغلالها١.
أ- القدرة الإنتاجية:
هي تعتمد على ثلاثة عناصر:
١- العنصر البشري.
٢- الخامات.
٣- رأس المال.
فإذا قدر العالم الإسلامي أن يسقط -ولو مرة واحدة- الحدود المصطنعة فيما بين بلاده ودوله ودويلاته, فإنه يصير أكبر قوة اقتصادية في العالم كله.
فنحن نملك:
أ- من العنصر البشري: ألف مليون مسلم٢ لا يتوافر عددهم لأي دولة في العالم, فإذا أضفت إلى هذا العنصر عنصر الإخلاص الذي يتطلَّبه
стр. 9
الإسلام من أبنائه، وعنصر الإتقان كذلك, لكانت هذه الثروة البشرية هي أوّل وأكبر ثروات العالم الإسلامي.
ب- الخامات:
وقد قدمنا الحديث عنها, ونزيد أنه لا يوجد في العالم كله مكان تتوافر فيه كل المعادن، وكل الطاقات، وكل الخامات إلّا العالم الإسلامي.
ج- رأس المال:
والمنطقة الإسلامية الآن أغنى مناطق العالم برأس المال, لولا أنَّها تودعه في بنوك أمريكية وانجلترا، وتدعم بذلك اقتصاد هذه الدول من حيث تدري أو لا تدري.
وفي كل يجري خفض بعض العملات الأجنبية -عمدًا- لتتحقق الخسارة في جانب المسلمين المودعين أموالهم في تلك البنوك، وليتحقق الكسب لأصحاب هذه العملات!
وفي إحصاءٍ أخير تقدَّمت إحدى البلاد الإسلامية من حيث الدخل القومي على الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت حتى عهد قريب أغنى دول العالم!
فإذا أضفنا إلى ذلك وجود الأسواق الاستهلاكية ووفرة طرق الملاحة البرية والجوية والبحرية, وتوسط بلاد العالم الإسلامي بين العالم كله شرقه وغربه؛ لعرفنا كيف يمكن أن نكون أكبر قوة اقتصادية في العالم كله.
ولكن متى ينتبه المسلمون، ويملكون أمورهم في أيديهم؟ ١
стр. 10
٢- العالم الإسلامي فقهيًّا:
يقسِّم الفقهاء١ العالم إلى دار حرب ودار إسلام.
فالعالم الإسلامي -فقهيًّا- هو دار الإسلام, لكن ما هي دار الإسلام؟
يتفق الفقهاء على أن كل بلد يحكم بالإسلام فهو دار إسلام, لكن ما هو حكم الإسلام حتى لا نختلف في التطبيق؟
لا شكَّ أن شروطًا ثلاثة -مأخوذة من الكتاب والسنة- تلزم الشرعية على حكمٍ ما، للقول بأن الحكم فيه حكم الشريعة أو حكم الإسلام.
وهذه هي الشروط:
١- أن يكون لله الشرع ابتداء:
فذاك خالص حق الله, ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ .
بيد أن مع دائرة شرع الله، دائرة أخرى, قال فيها رب العالمين:
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾ ومن ثَمَّ فقد تركت هذه الدائرة لاجتهاد العلماء المجتهدين.
وبهذا يتحقق للتشريع الإسلامي الأصالة الربانية، كما تتحقق له المرونة والقدرة على مواجهة للقضايا، والحاجات المتجددة.
стр. 11
٢- أن تكون شريعة الله هي العليا:
فلا ترفع إليها شريعة، ولا تعلو عليها شريعة.
فإذا ذكر ان الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي, فإن ذلك يعني: إمكان قيام مصادر أخرى إلى جوارها, ومن ثَمَّ فقد ارتفعت هذه المصادر إلى مستواها.
وإذا ذكر أن الشريعة الإسلامية مصدر ثالث, فإن ذلك يعني أن تعلو على شريعة الله شرائع أخرى, وكلا الأمرين خروج على شرط أن تكون شريعة الله هي العليا, ودليله قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ , أي: لا يكن لكم رأي ولا شرع فوق قول الله ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .
ولا يتصور أن يحرم رفع صوت فوق صوت النبي وأن يحل رفع شرع أو قانون فوق شرع الله ورسوله.
وأخيرًا قول رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
وكلمة الله اسم جامع لكلماته، وبكلماته نزلت شرائعه!
فدون أن تكون شريعة الله هي العليا قتل وقتال هو في سبيل الله!
٣- أن تطبق شريعة الله كاملة غير مجزأة:
في مجالاتها المختلفة: عقيدة، وأخلاقًا، وشعائر ومعاملات.
فإن خلاف مجال من هذه المجالات عمدًا, فليست شريعة الله هي الحاكمة، ووجب القتال ليكون الدين كله لله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ .
ودليل هذا الشرط قوله سبحانه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ , وتسميته بعد ذلك بالجاهلية.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
стр. 12
وتسميته في تعطيل حكم واحد حرب الله ورسوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .
وتسميته مضادة ومحادَّة لله ورسوله "من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في حكمه" ١.
فإذا لم تسد الشريعة بلدًا فهو دار حرب -في رأي الفقهاء إلّا أبا حنيفة.
أمًَّا أبوحنيفة فهو يرى أنها دار الإسلام إن توافر لها شرطان:
شرط الأمان للمسلمين.
وشرط المتاخمة لغيره من بلاد المسلمين.
والبعض يقسِّم دار الإسلام إلى:
١- دار عدل: إذا سادها حكم الشريعة، وحكمها خليفة.
ومن ثَمَّ وجبت الهجرة إليها -على رأي الغالبية.
٢- دار بغي: وهي التي غلب عليها البغاة الخارجون على الخليفة الشرعي, ولا تزال كذلك حتى تستنقذ من أيديهم، ووجبت نصرة الخليفة الشرعي.
٣- دار بدعة: وهي التي غلب فيها حكم البدع، واختفى فيهاحكم السنة, وواجب المسلمين محابة البدعة ليكون الحكم لله.
٤- دار مسلوبة: وهي التي كانت بيد المسلمين تحكم بالإسلام، ثم غلب عليها الكفارة فسلبوها.
стр. 13
وفرض الجهاد لاسترجاعها.
ويقسِّم البعض دار الحرب إلى:
١- دار كفر: وهي التي يسود فيها حكم الكفار.
٢- دار عهد: وهي التي بيننا -نحن المسلمين- وبينهم ميثاق١.
ولكل تقسيم حكمه مما يبحث عادة في مجال أحكام السلم والحرب, أو بالعبارة الحديثة في مجال القانون الدولي!
стр. 14
٣- العالم الإسلامي بين غيره من العوالم:
عرفنا موقع العالم الإسلامي جغرافيًّا.
وعرفنا تقسيم العالم فقهيًّا.
والآن نبحث في تقسيم العالم سياسيًّا:
يتنازع السلطة السياسية على العالم معسكران:
"أ" المعسكر الرأسمالي:
ولئن كانت الرأسمالية مذهبًا اقتصاديًّا، فهو يجد الحماية السياسية؛ بحيث صار علمًا على معسكر بعينه، تسوده الرأسمالية مذهبًا اقتصاديًّا، وتسوده الديمقراطية من الناحية السياسية، وتسوده الوجودية ومذاهب التحرر من الناحية الاجتماعية.
وإلى منتصف هذا القرن -تقريبًا- كانت المملكة المتحدة تتربَّع على عرش الزعامة لهذا المعسكر، لكنها منذ ذلك الحين، وبناءً على رغبتها، طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية أن ترث نفوذها في الشرق الأدنى، ومن ثَمَّ قامت الولايات المتحدة بإرث ما سمحت به بريطانيا، وكذلك ما لم تسمح به، وورثت في النهاية زعامة هذا المعسكر.
وقد ناصرت الولايات المتحدة الأمريكية في الظاهر حركات التحرُّر، وأخفت بذلك تسللها إلى هذه المناطق, تفرض عليها الاستعمار الجديد الذي راحت تفرضه في مناطق كثيرة عن طريق "صناعة الزعماء", وصناعة الانقلابات, وصناعة الشعارات.
وبذا امتد نفوذ C.I.A "المخابرات المركزية الأمريكية", ومعها البنتاجون "مبنى وزارة الدفاع الأمريكية", وأخيرًا البيت الأبيض الأمريكي. امتدَّ
стр. 15
إلى مساحات واسعة خارج ما يُسَمَّى بالمعسكر الرأسمالي، ومن التناقض "الظاهري" أنَّ بعض هذه المساحات ترفع شعار الاشتراكية، وأن تتبع سياسيًّا المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
ب- المعسكر الاشتراكي:
ونعني بذلك المعسكر الذي يتَّحذ الاشتراكية العلمية منهجًا اقتصايًّا، وقد صار هذا الشعار الاقتصادي رمزًا لهذا المعسكر مميزًا له عن المعسكر الأول.
وهو يتخذ دكتاتورية البروليتاريا "شعارًا سياسيًّا", كما يتخذ التحلل الأخلاقي والأسري شعارًا اجتماعيًّا.
- وهو وإن بدا متناقضًا مع المعسكر الأول, إلّا أن الحقيقة غير ذلك.
فالمسيطرون على المعسكر الأول من اليهود، هم كذلك المسيطرون على الثاني -كما سنشير بإذن لله-
هذا من ناحية الحقيقة.
وحتى من ناحية الظاهر, فإن المعسكرين يقتريان؛ فالمعسكر الرأسمالي يطَعِّم رأسماليته الآن بشيء كبير من الاشتراكية، مثل تأميم الصناعات الكبيرة, وقوانين حماية العمال, وتحديد ساعات العمل.
والمعسكر الاشتراكي يطعّم اشتراكيته بشيء كبير من الرأسمالية مثل: إدخال نظام الحوافز, والسماح بالملكيات الصغيرة، والسماح بالنظام الأسري ... إلخ.
هذا من الناحية الاقتصادية.
ومن ناحية السياسية الخارجية, فمنذ أزمة كوبا سنة ١٩٦٢ بدأت سياسة
стр. 16
الوفاق, وهي شبيهة بما اتفقت عليه انجلترا وفرنسا سنة ١٩٠٤ من اتفاق ودي, ونعتقد أنه وفقًا لسياسة الوفاق تَمَّ توزيع النفوذ بين القوتين العظميين.
كذلك تَمَّ التقارب بين الولايات المتحدة والمارد الشيوعي الجديد "الصين", بقدر ما تَمَّ التباعد بين الأخيرة وبين الاتحاد السوفيتي.
ولا شكَّ أن الشيوعية تعيش هذه الأيام شبابها فلم يمض عليها غير خمسين عامًا، وهي مدة بسيطة في عمر الأمم، بينما تعيش الرأسمالية شيخوختها، وهو ما يمكن أن نستنتج منه أن الشيوعية هي الوريث الطبيعي للرأسمالية -ما لم ينهض أصحاب المعسكر الثالث- وهو ما بدا من اتساع رقعة الشيوعية يومًا بعد يوم, والتهامها لفيتنام ولاوس، وكمبوديا, واستمرارها في الالتهام.
ج- المعسكر الإسلامي:
ونحن نضعه معسكرًا ثالثًا إلى جوار المعسكر العظيميين.
باعتبار ما سيكون وهو قريب بإذن الله.
وباعتبار ما كان وهو قريب كذلك, لم يمض عليه إلّا قرابة نصف قرن.
لقد كان العالم الإسلامي يومًا هو المعسكر الوحيد الذي لا يناطحه معسكر آخر, ولسوف يكون كذلك بإذن الله.
وهو بمقتضى عدده، وموقعه، وطاقاته، وخبراته، يمكن، بل ينبغي أن يأخذ المقام الأول.
وما يعتريه اليوم من ضعف وتفكك هو وليد مؤامرات المعسكرين ومن وراءهما، وهو بحول الله تعالى وقوته، ثم يقظة أبنائه، ثم بمتضى سنن الله في كونه, سوف ينهض وسوف يعود.
وعلى أعداء الإسلام أن يختارو لأنفسهم ليوم قريب:
إما أن يكفوا عن حربنا في ديننا, وعن إخراجنا من ديارنا؛ ليكونوا
стр. 17
في مقام الأصدقاء, وإلا فليختاروا لأنفسهم موقع الأعداء، ويومئذ سوف ننفذ فيهم قول الله تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ .
ويشير البعض بعد ذلك إلى معسكر أو مجتمع وثني١.
لكننا لا نجد له وجودًا سياسيًّا, وما دام التقسيم أساسه سياسيًّا فلا ينبغي أن يكون المجتمع الوثني معسكرًا مستقلًّا, والله أعلم.
стр. 18
الباب الأول: واقع العالم الإسلامي
الفصل الأول: الواقع الفكري للعالم اللإسلامي
مدخل
...
الباب الأول: واقع العالم الإسلامي
الفصل الأول: الواقع الفكري للعالم الإسلامي
تقدمة:
قد يتداخل الحديثي عن الواقع الفكري مع الحديث عن الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي, باعتبار تفاعل هذه العناصر وتأثيرها المتبادل, لكننا نحاول بقدر الإمكان أن نستخلص هذا العنصر من بين تلك العناصر, محيلين إليها عند لزوم التفصيل إن شاء الله.
بيد أننا نقدِّم هذا العنصر على غيره من العناصر باعتبار أن أهمية الفكر من الأمة كأهمية الرأس من الجسد.
ولئن كانت العقيدة مكان القلب من الجسد, فإن السبيل الرئيسي إليها هو الفكر, ولذا كان عنصرا الإيمان: العلم والعمل، علم القلب وعمله, والعلم سبيله الفكر.
ولسوف تؤخر الحديث عن العقيدة إلى الحديث عن الواقع الاجتماعي باعتبار التناسق وليس الأهمية.
والنظرة المتعمقة إلى الواقع الفكري للأمة الإسلامية تؤدي إلى القول بأنَّ الأمة التي كان فكرها مستمدًّا ومصطبغًا بعقيدة التوحيد وشريعة القرآن، لم يعد فكرها كذلك.
والنظرة المتعمقة كذلك تؤدي إلى القول بأن الأفعى اليهودية التي أحنت أو أخفت رأسها حينًا، قد عادت فأطلَّت برأسها شيئًا فشيئًا, ثم راحت تنفث سمومها، سموم الفساد، وتشعل أو تؤجج نيران الفتن، ولا تزال تفعل حتى اليوم.
стр. 19
وشرب الغرب المسيحي سموم الأفعى اليهودية، وتلوَّى كما تلوَّت، وتلوَّن كما تلونث, وتظهر كذلك في شكل نظريات وفلسفات.
وشرب الشرق الشيوعي من السموم أكثر، ونفث بالتالي من الحقد ما هو أشد.
وكان كل ذلك على حساب الإسلام، بعد أن ضاعت أو ضيعت المسيحية في غمضة عين.
ووقف الإسلام، عقيدةً وفكرًا شامخًا؛ لأنه من عند الله الذي قطع العهد على نفسه أن يحفظه, لكن أهل الإسلام اصابهم -فكرًا- ما أصابهم، فإن يعودوا بعد إليهم ما ضاع، وأن يتولوا يستبدل الله بهم قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.
ونتحدث بإذن الله على التوالي حول:
١- الأفعى اليهودية تنفث سمومها.
٢- الفكر الغربي الصليبي في الشرق الإسلامي.
٣- الفكر الماركسي اليهودي في الشرق الإسلامي.
والله المستعان، وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
стр. 20
الأفعى اليهودية تنفث سمومها:
لا نريد أن نقع فريسة التهويل, كما لا نودّ أن نقع فريسة التهوين؛ فكلاهما إفراط وتفريط، بل نكون بين ذلك قوامًا، هو الوسط الأمثل الذي اخترناه منهاجًا لكتاباتنا, كما هو بإذن الله منهاج حياتنا.
وانطلاقًا من ذلك نقول بعون الله:
ليس صحيحًا أنه منذ مؤتمر "بال" ١٨٩٧ بدأت الأفعى اليهودية تنفث سمومها.
وليس صحيحًا كذلك أن الأمر بدأ قبل ذلك بقرنين, حين دعا الحاخام ليفا "١٥٢٠-١٦٠٩م" إلى اتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود.
لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير،
إنه منذ بزوغ فجر الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا حين كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءؤهم ما عرفوا كفروا به.
وإنه من قبل الإسلام منذ بزوغ فجر المسيحية حين ناصبوا المسيح عبد الله ورسوله العداء.
فمنذ ألفي عام "عشرين قرنًا" سجَّل التاريخ قيام الجمعية الخفية التي ناصبت المسيح العداء، واستمرَّت حتى جاء الإسلام فناصبته العداء، حتى تسمَّت في القرن السابع عشر "١٧١٧" باسم "الماسونية", ومارست دورها حقدًا على الأديان، وتحطيمًا لكل البشر من الجوييم "غير اليهود".
ثم سلخت جلدها وتلوَّنت بأسماء جديدة لما تكشف أمرها:
بناي برث/ شود يهوه/ المشرق التوراني/ الليونز/ الروتاري/ الكك
стр. 21
ونتحدث في اختصار عن مراحل الأفعى اليهودية بالنسبة للإسلام, لكنَّا قبل ذلك نحاول الكشف عن كنهها أو صفاتها.
أولًا: صفات الأفعى اليهودية:
١- ونحن نتلمّسها من أصدق كتاب، من القرآن الكريم, الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
١- وقاحة:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ ١
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ... ﴾ ٢
﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ ٣
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٤
٢- فتن وفساد:
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٥
٣- قتل وغدر وتحريف:
- ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٦
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
٥- جحدوا فكتبت عليهم الذلة:
- ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٢.
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٣.
- ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ ٤.
ثانيًا: مراحل الأفعى اليهودية:
ونحن نبدأ مع الإسلام فهو ما يعينينا في هذا المقام, وإن كان لنا أن نسجِّل أن الأفعى فعلت مع المسيح ﵇ ودعوته الكثير.
وعندما جاء محمد ﵊ برسالته، وكانوا من قَبْلُ يظنون أنَّ النبي المرسَل من بعد عيسى سيكون منهم، وكانوا يستفتحون على خصومهم بذلك, فلمَّا جاء من نسل إسماعيل لا إسحق أنكروه وكفروا به, وحاولوا في البداية التخلُّص منه بأكثر من طريق، وفي مقدمتها الاغتيال.
فحاولوا قتله بالسم مرة, لكن الله سبحانه أوحى إليه فتوقَّى الأكل من الشاة المسمومة، وحاولوا قتله بإلقاء الحجر عليه وهو جالس مرتكن إلى الحائط، لكن الله سبحانه كذلك أوحى إليه فتوقَّى القتل مرة أخرى.
ثم حاولوا تجميع الأعداء عليه وتأليبهم, حتى كانت غزوة الأحزاب التي زلزل المؤمنون فيها زلزالًا شديدًا، ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
стр. 24
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيداً﴾ ١.
ومن ثَمَّ كان إجلاؤهم:
١- بنو قينقاع.. لما غدروا، وكشفوا سوأة المرأة المسلمة، وقتلوا مَنْ دافع عنها.
٢- وبنو النضير.. لما غدروا كذلك، وحاولوا إلقاء الحجر على الرسول وهو مسند ظهره إلى حائطهم.
٣- وبنو قريظة.. أخيرًا لما تحالفوا مع الأحزاب, فعاد إليهم رسول الله صلى الله عليهوسلم بعد أن أجلى الله الكفَّار من حول الخندق، عاد إليهم وهو يقول للمسلمين: $"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلينَّ العصر إلّا في بني قريظة" وقتل الرجال، وسبى النساء والذرية٢.
وأنزل الله فيهم قوله:
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ .
وطهَّر الله منهم أرض الجزيرة على عهد رسول الله ﷺ .
وكان تصريح رسول الله ﷺ عشيَّة انتقاله إلى الرفيق الأعلى: "لا يجتمع في الجزيرة دينان".
وحملوا الحقد في نفوسهم، وأخفت الأفعى اليهودية رأسها حينًا، حتى أطلَّت على عهد عثمان بن عفان ﵁ تنفث سمومها، حتى بلغ الأمر حدَّ التآمر على حياته، فقُتِلَ ذو النورين وهو صائم يتلو القرآن.
ثم زاد نفث السموم على عهد عليّ ﵁ حتى تأجَّجت نار
стр. 25
الفتنة بين علي ومعاوية ﵄، ثم تأجَّجت ضد علي نفسه بما أعلنه الخوارج من كفر علي والذين معه، ومعاوية والذين معه، ثم بظهور الشيعة يعتنقون بعض مبادئ اليهود من رجعة علي، ومن تأليهٍ له، كما ألَّهوا من قبل المسيح ابن مريم.
وزادت الفرق، وزادت محاولات التفرقة الفكرية والعقائدية بين صفوف المسلمين.
وفي القرن الحادي عشر الهجري "السابع عشر الميلادي" تشكَّلت محافل الماسونية تحمل شعار "الإخاء - العدالة - المساواة", وتحمل في الحقيقة حقد اليهود على كل مَنْ عداهم من البشر "الجويجم", ويعتبرونهم حميرًا كلما نفق حمار ركبوا آخر بدلًا منه.
وفي درجات المبتدئين الأولى يكتفون ببث السموم دون الكشف عن حقيقة هدفهم, حتى إذا بلغ العضو "البناء" الدرجة الثالثة والثلاثين, صار التكريس معه على النحو التالي:
س: على أي شيء أقسمت؟
س: على التوراة.
س: هل علمت بكتاب سواه؟
س: نعم, هناك إنجيل وقرآن, وهذه الشرذمة خارجة عن الإيمان والبشرية.
س: هل تؤمن بهما؟
جـ: كلّا أؤمن بالتوارة فقط, الكتاب الصحيح الذي أنزل على موسى.
س: ما رأيك بالدينين المسيحي والإسلامي؟
جـ- المسيحي أخذ تعاليمه من التوراة, والإسلامي أخذ تعاليمه من التوراة والإنجيل.
س: هل الأصل أفضل أم الفرع؟
стр. 26
جـ: لا شكَّ أن الأصل أفضل! ١.
وتنهض الماسونية بأعبائها الخبيثة لتجنِّد في مجال الفكر أساطينه، تشكيكًا للناس في قيمتهم ومثلهم, ومحاولة لتهويدهم فكرًا أو اقترابهم منه.
وينضمّ لها أمثال: روسو وفولتير، ليمهدا للثورة الفرنسية ويشعلاها, وأمثال كارل مردخاي ماركس، واسحق مونيمر وثبشو وليفي دارون وشيف؛ ليخطط الأول دستور الشيوعية، وليقول الآخرون وكلهم يهود, ثم ليمتطي صهوتها بعد ذلك اليهودي أولياتوف "الملقب بلينين"٢.
وأمثال مدحت باشا ومصطفى كمال الشهير بأتاتورك مع حزب الاتحاد والترقي ليمهدوا، ثم ليقضوا على دولة الخلافة الإسلامية؛ لتجد الأفعى اليهودية طريقها إلى فلسطين عبر القسطنطينية؟
وتنفث الماسونية سمومها في مجال الفنون هبوطًا بالناس إلى مستوى حيواني حقير، وإغراقًا لهم في مستنقع الغرائز، حتى ليصير كشف الناس لعوراتهم أداءً للون من الفنون، وممارسة الغريزة الجنسية على الشاشة وعلى خشبة المسرح لونًا مستساغًا كذلك٣.
стр. 27
وفي مجال النصارى حقَّقت الماسونية كسبًا؛ إذ صدر قرار بتبرئة اليهود من دم المسيح، ثم أعلنت الكنيسة الكاثوليكية سماحها بالانتساب إلى المحافل الماسونية, الأمر الذي كان يمنعه من قبل. ١
стр. 28
٢- الفكر الغربي الصليبي في الشرق الإسلامي:
لا جرم أنَّ انتشار الإسلام قد هدَّد نفوذ المسيحية، بل بدَّد سلطانها في كثير من الأماكن، وتساطقت الإمبراطورية الرومانية أمام الزحف الإسلامي، وسقطت القسطنطينية, ومن بعدها معاقل كثيرة, حتى طرقت جيوش الفتح الإسلامي أبواب فينا في قلب أوربا, وحمل ذلك الغرب على الحقد على الإسلام، وأجَّجت اليهودية ومؤسساتها ونواديها الحقد بين النصارى والمسلمين، حتى اندلعت الحروب الصليبية.
وبدأ مع الحروب الصليبية الغزو الفكري للشرق الإسلامي؛ فقام المستشرقون بحملات التشكيك في العقيدة الإسلامية, وفي المصادر الإسلامية الأولى: القرآن والسنة، زاعمين أنها من وضع محمد ﵊, فعلوا ذلك إمَّا عن سوء نية نيلًا من الإسلام, أو عن جهل بلإسلام راجع إلى عدم القدرة على فهم لغة القرآن واستيعاب مصطلحات العلوم الشرعية.
ونشرت كتب المستشرقين في الشرق الإسلامي مترجمة, وحملها تلاميذهم الذين تلقَّوا على أيديهم السموم في أوربا خلال البعثات التعليمية, حملوها في عقولهم لينقلوها إلى الشرق الإسلامي على أنَّها حقائق علمية يضمِّنونها محاضراتهم وكتبهم وأحاديثهم.
وحمل التبشير بعد الاستشراق ومع الاستشراق سموم الحقد على الإسلام؛ ليحاول كذلك تشكيك المسلمين في عقائدهم هدمًا لها، ونقلًا لأصحابها من الإسلام إلى المسيحية.
ثم في مرحلة متأخرة إخراجًا للمسلمين من الإسلام دون إدخالهم إلى المسيحية, فهو يؤدي نفس النتيجة المرجوَّة. ١
стр. 29
وفي المرحلة الأخيرة يتهذّب الإخراج من الإسلام إلى الإبعاد عن الإسلام، ثم يتهذَّب الأخير تحت أسماء "التمدين" و"التحضُّر" والتغيير الاجتماعي.
ولئن كانت الصيغة التي يمارسها الفكر الصليبي الآن في منطقة الإسلام تهذّب وتنظيم وتتستُّر بشعارات عديدة, تحمل معاني التحضر والتمدن والتغيير الاجتماعي, فإن ذلك هو الأغلب الأعم.
لكن ذلك لم يمنع من استمرار ممارسة التبشير؛ كإخراجٍ من الإسلام وإدخالٍ في المسيحية، ولا تزال مناطق إسلامية تعاني ضراوة التبشير الذي يتَّخذ أسلحة العلم كلها مسخّرة في خدمة تحطيم العقيدة الإسلامية, ونقل المسلمين إلى النصرانية، كما يستخدم فيها أسلحة المال, يجري بغير حساب إغراءً لضعاف النفوس, واستغلالًا للفقر والفاقة التي مُنِيَت بها بعض مناطق المسلمين١.
كذلك وعلى ما سنشير، فإن أنظمة الحكم القائمة في أكثر البلاد الإسلامية متواطئة مع الصهيونية الصليبية في حلفها الجديد، مسخرة أجهزة الحكم -ثمنًا لما تجلس عليه من كراسي- لخدمة أغراض التهويد والتنصير, أو للتمهيد لها.
كذلك فإن الجيوش الوطنية تقوم بدور الحارس لتلك الأنظمة, فيما تنفذ
стр. 30
من أغراض -من بينها التهويد والتنصير أو التمهيد لهما, وتحل بذلك محل جيوش الاحتلال التي كانت تؤدي نفس الدور، وإن كان أكثر علانية وأكثر تنفيرًا، ومن هنا ندرك إصرار الكتل الدولية على تقوية جيوش أكثر الدول الإسلامية التي لا تعمل للإسلام.
وفي مجال الحديث عن الغزو الحديث للفكر الصليبي للمنطقة الإسلامية يكفي أن نشير إلى:
١- انتشار الفكر العلماني ١:
وهو صناعة في الأصل يهودية, قضت على نفوذ الكنيسة في أوربا, واستغلت فيه الماسونية المتغلغلة في الأوساط الفكرية طغيان الكنيسة وبطشها لتؤدي بسلطانها، فرفعت شعار العلمانية تحت شعار "ما لقيصر لقيصر, وما الله لله"؛ لتجعل سلطان الكنيسة داخل جدرانها, لا يغادر إلى المجتمع أو الدولة، وهو ما يسمَّى بفصل الدين عن الدولة، وهو ما عبَّرت عنه الثروة الفرنسية تعبيرًا دمويَّا حين نادت "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".
وتصدِّر الصليبية بعد ذلك هذا الفكر إلى المنطقة الإسلامية من خلال الكُتَّاب، ومن خلال عقول الأساتذة الذين يتخرَّجون في جامعات الغرب المسيحي, وينالون أعلى شهاداته، ولم يكن للمسجد في الإسلام ما كان من الكنسية في النصرانية, فلم يصادر حريَّات الناس, ولا اعتدى على عقولهم، ولا زعم لنفسه حق "الغفران" أو حق "الحرمان", وما انزلق علماؤه ورجاله إلى ما انزلق إليه رجال الكنيسة من تحلل وفسق وفجور.
стр. 31
ولا قام في تاريخ المسجد ما قام في تاريخ الكنيسة من استغلالٍ لها في المجال السياسي بلغ حدَّ إقامة محاكم التفتيش لمحاكمة الضمائر والقلوب.
ومن أسفٍ أن نقرِّر أنَّ من بأيديهم أمر الفكر بل والحكم في أكثر بلادنا الإسلامية يدينون بالعلمانية ويدينون لها، ويحرصون على كل مظهر يؤيدها ويؤكدها ويبعد عنهم شبهة "الرجعية" و"التدين".
ومن أسفٍ كذلك أن ينتقل الفكر العلماني ليصير دستور العمل، ومنهج الحكم, ومنطلق الحديث، بغير حياء ولا خجل ممن يحملون أسماء إسلامية، وأن يصير العلمانيون من رجال الفكر والحكم هم "النجوم" و"الأبطال" الذين يجري نسج قصص بطولتهم، ويسلّط الضوء عليهم، ليكونوا قدوة للجيل القائم من الشباب, ومن بعده من الأجيال القادمة.
ومن هنا ندرك لم ارتفع ذكر "مصطفى كمال أتاتورك" حتى صار البعض يعلن حتى اليوم أنه مثله الأعلى١.
ولم ارتفع ذكر "طه حسين" حتى صار في نظر البعض فلتةً لم يَجُدْ الزمن بمثلها, رغم فكره العلماني الواضح, والمتأثِّر بأساتذته من اليهود والماسون, ورغم وجود من كان يستحق لقب عميد الأدب العربي في زمنه من أمثال: مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد!
ولم ارتفع ذكر خلفاء مصطفى كمال أتاتورك في بلاد إسلامية أخرى، رغم خيانتهم الواضحة، بل رغم خياناتهم الثابتة التي لا تقل عن خيانة مصطفى كمال أتاتورك!
стр. 32
كل هذا ندركه أو ينبغي أن ندركه؛ لندرك مدى تغلغل الفكر الصليبي في شرقنا الإسلامي.
٢- انتشار الفكر القومي:
ما كانت القوميّة بالمعيار الإسلامي إلّا دعوة إلى عصبية قال فيها رسول الله ﷺ : "دعوها فإنَّها منتنة" , لكن حين أريد الكيد للإسلام والقضاء على دولته التي تتجمَّع تحت العقيدة الإسلامية أصرَّت الجمعيات السرية على الدعوة إلى القومية وإثارة نعرتها في كثير من البلاد٢.
فتشكَّلت داخل دول الغرب الصليبي الجمعيات السرية التي تدعو إلى القومية, أو تنادي بها, وراحت تحيك المؤامرات للإحاطة بدولة الخلافة وبنظام الحكم الإسلامي -أيًّا كان ضعفه ودرجة تمسكه,
وقامت على الفكر القومي جماعات وأحزاب، ولا تزال حتى اليوم تمسك بزمام الحكم والفكر بعد أن نجحت مع أعداء الإسلام في إسقاط دولة الخلافة الإسلامية, ولا يكتفي الفكر القومي بغزو العقول والقلوب عن طريق وسائل
стр. 33
الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز وكتب ونشرات, بل إنه يجاوز ذلك ليكون منهجًا من مناهج التعليم في مدارسنا وجامعاتنا, ويجد الحماية من أنظمة الحكم القائمة على نفس الكفر والمرتكنة إلى نفس المصدر؛ لأنَّ نظم التعليم ومناهج التربية تعكس آثار السياسة السائدة في مجتمعٍ ما -ولم يعد خافيًا على أحد في العالم الإسلامي ما منيت به نظم التربية والتعليم من فشل ذريع, وفشلهما انعكاس لفشل السياسة ونظم الحكم في العالم الإسلامي التي تقوم على العلمانية والقومية؛ لأنَّ كلا المرتكزين مستمد من التأثر والخضوع لمخططات الصهيونية والصليبية والإلحاد, تلك المخططات المتغلغلة في بلاد الإسلام.
وفي بلاد إسلامية تحرص على إسلامية تعليمها، تحرص مراكز القوى المتعاونة أو المتجاوبة مع الفكر الصليبي على إدخال مادَّة التربية القومية بديلًا عن مادَّة الثقافة الإسلامية, أو بعض دروس الدين الإسلامي.
ولم يعد خافيًا على كل ذي لبٍّ أنَّ المصدر للفكر القومي هو الصليبية المتعاونة مع الصهيونية، فنشأة هذا الفكر -متآمرًا- كان في البلاد الصليبية.
وصلته كذلك -متآمرًا- في صورة الأحزاب القومية لا تزال كذلك بالبلاد الصليبية, ودورة كذلك -متآمرًا- على الخلافة الإسلامية, ومن بعد ذلك على فكر الجامعة الإسلامية, كان مع الصليبية المتعاونة على الصهيونية.
٣- انتشار الفكر الوجودي وما يتبعه:
لا جرم أن فكر سارتر اليهودي وخليلته -لا حليلته- سيمون دي بوفوار, قد جاوز -عن عمد- حدود بلاده؛ ليصدَّر إلى الشرق الإسلامي.
ولا يحتاج الأمر إلى كبير جهد لندرك أن الفكر الوجودي بما يحمل معه من تحلُّل من كل القيود, وبما يغزو ذلك من خنافس وهيبز, وغير ذلك من الأصناف, كل ذلك إنما قامت على تصديره إلى وطن الإسلام الصليبية المتآمرة
стр. 34
مع الصهيونية قضاءً على روح الإسلام, وامتصاصًا لها من قلوب شباب المسلمين, وشغلًا لهم بالغريزة, وإغراقًا لهم في حمأتها الوبيئة، ومن ثَمَّ إبعادٍِ لهم عن الإسلام وذروة سنامة الجهاد؛ فالقلب الذي تشتغل فيه الغريزة, ويلتهب فيه أوارها, لا يمكن أن يفكِّر في الجهاد, ولا أن ينشغل به.
وإشعال نار الغريزة وسعارها لم يقتصر على الشباب من الذكور, بل امتدَّ إلى الجنسين, وساعد على ذلك:
أ- وسائل الإعلام المختلفة:
من إذاعة صوتية أو مرئية, ومن سينما وصحافة وكتب وقصص تدور حول قصص الجنس، بل وتعرض في أفلام بالصوت والصورة أداء العملية الجنسية, بل وصورها الشاذَّة كذلك!
ب- التوسُّع في تعليم البنات وتوظيفهن ١:
مما أعطى فرصة واسعة أمام الفتاة المسلمة لتبعد عن الوقاية، كما أعطاها الفرصة الواسعة للخلوة واللقاء.
ج- الاختلاط:
وكان قمة ما وصل إليه الفكر المنحلّ في شرقنا الإسلامي إشاعة الاختلاط
стр. 35
في مجال الوظيفة، وقبلها في الجامعة، ثم ما يزال يهبط به حتَّى جعله في المدارس الابتدائية والمتوسطة وأحيانًا الثانوية, وهي قمة سنّ المراهقة الخطير.
وغلَّفوا ذلك بنظريات علم النفس المصدَّرة من الغرب الصليبي، وكانت قمَّة الإطاحة بالقيم أن يكون في بعض المدارس الثانوية للبنين مدرسات في سن الشباب, تهدر معهنّ كرامة القدوة وكرامة العلم في أكثر الأحيان.
كل ذلك وغيره يجري في شرقنا الإسلامي, ويجري السماح له من أكثر الأنظمة الحاكمة, ويجاوز الأمر حدَّ السماح إلى التشجيع والحماية، في الوقت الذي لا يجد الفكر الإسلامي الأصيل نفس الفرص التي تتاح للفكر الصليبي.
ولنقدم الدليل على ذلك, قارن بين ميزانية البرامج الدينية والعلمية والتثقيفية الصحيحة, وميزانيات الأغاني الخليعة والتمثيليات الفاجرة.
ولا أقصد بذلك التشجيع له والحماية, كما يجري للغزو الصليبي المستورد, بل أقصد مجرَّد السماح.
إن العقبات والتضييق توضع أمام الفكر الإسلامي الأصيل، ويجاوز الأمر حدَّ التضييق أن يتخذ الصد عن سبيل الله صورة الفتنة والإرهاب، مما يردّ الفكر الإسلامي الأصيل حبيسًا في الصدور، أو قد يتبخَّر أمام قسوة الفتنة والإرهاب من داخل الصدور الضعيفة, يشكو إلى الله غربته في داره وبين أبنائه.
ويجري مع ذلك محاولات "تمييع" الفكر الإسلامي "أو تهويده" و"تنصيره", أو التقريب بينه وبين الفكر اليهودي أو النصراني، مع ما يحمله الأخير من انحرافٍ وتحريف, وما يحمله -الآن- من عداءٍ سافرٍ أو خفيّ للإسلام.
ويجري تشجيع مثل هذه الاتجاهات وحمايتها، وترويجها عن طريق المؤتمرات ووسائل الإعلام المختلفة، باسم التقريب بين الأديان، أو باسم الوحدة الوطنية, أو غيرها من الشعارات.
تلك كانت كلمات مختصرة عن الغزو الصليبي للشرق الإسلامي، لكنَّها بفضل الله تحمل الحق، وتحمل النذير.
اللهم قد بلغت. اللهم فاشهد.
стр. 36
٣- الفكر الماركسي اليهودي في الشرق الإسلامي:
فكر اليهودي مردخاي ماركس لم يعد خافيًا في بواعثه, ولا في حقيقته على أحد؛ فالماركسية -بمقاييس العلم- ليست بالنظرية المبتدعة التي لم يسبق إليها, بل هي تكرار لأفكار قديمة ترجع إلى ما قبل الميلاد، ثم هي في الحديث سرقة علمية من مجموعة فلسفات قال بها هيجل وفيورباخ, وجرى التوفيق أو التلفيق بين أجزائها، ومع ذلك بقيت تحوي التناقض, وتصطدم بالعلم في سماته الحديثة, كما تصطدكم بالفطرة والطبيعة في حالتها السوية السليمة.
ولا جرم أن بواعثها كثيرة:
منها: الباعث الشخصي فيما تحويه شخصية مردخاي ماركس، من حقدٍ على المجتمع الذي عاش فيه فقيرًا محرومًا عالة، حتى على أفراد عائلته من النساء، مما اضطره في مرحلة من مراحل حياته أن يلجأ إلى "النصب" كوسيلة للكسب١.
وما تحويه بعد ذلك من رغبة في الإتلاف والتحطيم ظهرت عليه في باكورة حياته, واعترف بها والده, وكفى بشهادة الوالد دليلًا على ولده٢.
وما تحويه أخيرًا من ميلٍ إلى التدلي والقذارة، ظهرت على مظهره وملبسه, وظهرت في سلوكه الماجن وحياته البعيدة عن القيم، والتي انعكست أو تورَّثت في إحدى بناته التي عاشت تعاشر إنسانًا بغير زواج، فلمَّا اكتشفت أنه متزوج من أخرى انتحرت٣.
стр. 37
ذلك الباعث الشخصي، لا بُدَّ أن يكون له تأثيره على فكر ماركس، حقدًا، وإتلافًا وتدليًّا، فإذا أضفنا إليه أنه يهودي من سلالة يهود, انطبعت كل انحرافات اليهود في نفسه، وغذّت ما فيها من حقد وإتلاف وتدلٍّ.
وكل إناء بما فيه ينضح.
فلا عجب إذا حوت الماركسية الحقد، والإتلاف، والتدلي.
أما البواعث الأخرى:
فقد تكون في البيئة التي شجَّعت على نشأة هذا الفكر وعلى انتشاره:
تلك البيئة التي بلغ فيها طغيان الإقطاع الزراعي, ومن بعده الإقطاع الصناعي, أقصى صنوف الاستغلال, والتي بلغ فيها طغيان الكنيسة وافتئاتها على العقول والقلوب أقصى درجات الطغيان، كما بلغ فيها تحلُّل أكثر رجالها أقصى درجات التحلُّل, واستغلالهم الدين لتحقيق الكسب المادي, وفرض الإتاوات, والتحالف مع الإقطاع الحاكم أقصى الدرجات كذلك.
كل ذلك على حساب شعوب أكثرها فقير ومحروم، ويتطلّع إلى الإنقاذ, فيسمع الصيحة الخادعة: "يا صعاليك العالم اتحدوا ...
فأمامكم عالم تغنمونه، وليس في أيديكم ما تفقدونه سوى الأغلال، فينخدع العالم المحروم بالصيحة، ويحسبها صيحة الإنقاذ، تمامًا كما قال رب العالمين:
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٤ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥] .
وهكذا تبدو الشيوعية بخداعها عارضًا ممطرًا؛ فإذا حلّت كانت ريحًا فيها عذاب أليم, تدمر كل شيء ...
وقد ترون في الأفعى التي تخفي رأسها, وتنفث سمومها؛ لتحقق ما تواصت به
стр. 38
توارتها المحرَّفة، أو فى تلمودها المنحرف، أو فيما أعقب ذلك، تدميرًا للأديان, بل تدميرًا للجنس البشري من الجويم "غير اليهود"؛ لتصل إلى خرافة سيادة الجنس اليهودي وامتلاكه للعالم١.
ولقد يؤكد ذلك:
١- إن صاحب الفكر "مردخاي ماركس" يهودي.
٢- إنَّ ممول الشيوعية يهود٢.
٣- إن صناع الثورة الشيوعية يهود٣.
٤- إن الذين توارثوا دولتها: لينين، ستالين، كانوا يهودًا.
٥- إنها تواصت بالإبقاء على الدين اليهودي وحده، رغم حملتها الساحقة على غيره من الأديان٤ "يقول ماركس: الدين أفيون الشعوب, ويقول روجيه جاوردي فيلسوف الحزب الشيوعي الفرنسي السابق: إن الدين انعكاس الشقاء الفعلي, واحتجاج على هذ الشقاء".
أما حقيقة الفكر:
فهو سرقة علمية سَطَا فيها مردخاي ماركس على فِكْرِ هيجل وفورباخ؛ ليشكِّل منها نظرية تقوم على المادة والتناقض.
ثم هي -كما نسجها ماركس- صارت متخلِّفة عن ركب العلم، تتمثَّل فيها الرجعية لمن يصر عليها.
стр. 39
ذلك أنَّ العلم لم يعد يعترف أنَّ المادة ما تقع عليه الحواس, كما قال بذلك ماركس، ومن خلال نظريات الثقب الأسود وصل العلم إلى أنَّ ما تدركه الحواس من المواد لا يمثل إلّا ٧%, أمَّا الـ٩٣% فهي مواد لم تدركها بعد الحراس.
فماذا يصير قول ماركس عن المادة بمعيار العلم؟
وهل يصح بعد ذلك أن يضفي صفة "العلمية" على اشتراكيته؟!
أمَّا حديثة عن أنَّ في كل مادة تناقضًا، فإنه يفتقر كذلك إلى الأساس العلمي؛ إذ أن الملاحظ من الاستقراء والتتبُّع أنَّ ما في المواد هو التزاوج والتكامل, وليس على النحو الذي نرى ونشاهد ابتداءً من الذرة, وانتهاءً إلى الجرم الكبير.
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
وإن عنصري السالب والموجب الموجود في المادَّة على اختلاف طبائعها وأنواعها "مثل الذرة والكهرباء والمغناطيس, بل والنبات والحيوان والإنسان".
هذان العنصران ليسا متناقضين، بل هما متكاملان ومتزاوجان، ما دام في حالتهما الطبيعية, وهو الوضع الأغلب الذي تبنى عليه الأحكام.
ومن هنا كان قول الله سبحانه:
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]
لكن ماركس لم يستطع إدراك هذه الحقيقة, وظنَّ التزاوج والتكامل متناقضًا بني عليه نظريته وتطبيقاتها الخاطئة.
ومن خلال تلك النظرية الخاطئة علميًّا في أساسيها "المادة والتناقض", قال ماركس بالتفسير المادي للتاريخ, وبفائض القيمة "في المجال الاقتصادي".
وبالصراع بين الطبقات في المجال الاجتماعي.
стр. 40
وبدكتاتورية البروليتاريا ودولة الصعاليك "في المجال السياسي".
وكذَّب العلم والتاريخ ماركس.
وكان من أول المكذبين له في القانون الأوَّل صديقه إنجلز؛ إذ أعلن أنَّ عوامل هامَّة تشكل التاريخ غير المادة, ومن بينهما الدين ذاته, وهو ليس بمادة١.
وفي فائض القيمة اعتبر حق العامل الكادح يأخذه الرأسمالي بغير مبرر لم يعد عصر "السبيرتيكا" أو التشغيل الأوتوماتيكي لعمليات الإنتاج، ولم يعد الربح مقابلًا لجهد العامل، بل إنَّ العامل خفَّ أو اختفى في كثير من المواقع؛ ليحلَّ محله المهندس أو المدير الإداري والفني والاقتصادي، وصار الجهد المادي الأكبر هو الآلة التي تمثّل الجانب الأكبر لرأس المال في المشروع٢.
وتساقطت "علميًّا" دعاوى ماركس.
وفي المجال الاجتماعي تساقطت كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات بتساقط دعوى التناقض نفسها التي قامت عليها دعوى الصراع.
وكذَّب التاريخ كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات، بما أثبته من قيام مجتمعات, وعلى مدى طويل ليس فيها الصراع بين الطبقات, وإنما بينها المودة والرحمة, يتمثَّله قول رسول الله ﵊: "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
وفي المجال السياسي سقطت دعاوى دكتاتورية البروليتاريا.
بما قام في الأنظمة الشيوعية الحاكمة من دكتاتورية طبقة لا تمتُّ إلى البروليتاريا بسبب، تعيش عيشة القياصرة أو الأكاسرة, ولا يزال ذهب الكرملين يظلهم، وزادوا عليه أن صارت لهم شوارع خاصة لا يسير فيها غيرهم من أبناء البروليتاريا أو الطبقة الكادحة.