← Общие книги

Общие книги · id 10746

حاضر العالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (226 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٣- الفكر الماركسي اليهودي في الشرق الإسلامي: فكر اليهودي مردخاي ماركس لم يعد خافيًا في بواعثه, ولا في حقيقته على أحد؛ فالماركسية -بمقاييس العلم- ليست بالنظرية المبتدعة التي لم يسبق إليها, بل هي تكرار لأفكار قديمة ترجع إلى ما قبل الميلاد، ثم هي في الحديث سرقة علمية من مجموعة فلسفات قال بها هيجل وفيورباخ, وجرى التوفيق أو التلفيق بين أجزائها، ومع ذلك بقيت تحوي التناقض, وتصطدم بالعلم في سماته الحديثة, كما تصطدكم بالفطرة والطبيعة في حالتها السوية السليمة. ولا جرم أن بواعثها كثيرة: منها: الباعث الشخصي فيما تحويه شخصية مردخاي ماركس، من حقدٍ على المجتمع الذي عاش فيه فقيرًا محرومًا عالة، حتى على أفراد عائلته من النساء، مما اضطره في مرحلة من مراحل حياته أن يلجأ إلى "النصب" كوسيلة للكسب١. وما تحويه بعد ذلك من رغبة في الإتلاف والتحطيم ظهرت عليه في باكورة حياته, واعترف بها والده, وكفى بشهادة الوالد دليلًا على ولده٢. وما تحويه أخيرًا من ميلٍ إلى التدلي والقذارة، ظهرت على مظهره وملبسه, وظهرت في سلوكه الماجن وحياته البعيدة عن القيم، والتي انعكست أو تورَّثت في إحدى بناته التي عاشت تعاشر إنسانًا بغير زواج، فلمَّا اكتشفت أنه متزوج من أخرى انتحرت٣.

стр. 37

ذلك الباعث الشخصي، لا بُدَّ أن يكون له تأثيره على فكر ماركس، حقدًا، وإتلافًا وتدليًّا، فإذا أضفنا إليه أنه يهودي من سلالة يهود, انطبعت كل انحرافات اليهود في نفسه، وغذّت ما فيها من حقد وإتلاف وتدلٍّ. وكل إناء بما فيه ينضح. فلا عجب إذا حوت الماركسية الحقد، والإتلاف، والتدلي. أما البواعث الأخرى: فقد تكون في البيئة التي شجَّعت على نشأة هذا الفكر وعلى انتشاره: تلك البيئة التي بلغ فيها طغيان الإقطاع الزراعي, ومن بعده الإقطاع الصناعي, أقصى صنوف الاستغلال, والتي بلغ فيها طغيان الكنيسة وافتئاتها على العقول والقلوب أقصى درجات الطغيان، كما بلغ فيها تحلُّل أكثر رجالها أقصى درجات التحلُّل, واستغلالهم الدين لتحقيق الكسب المادي, وفرض الإتاوات, والتحالف مع الإقطاع الحاكم أقصى الدرجات كذلك. كل ذلك على حساب شعوب أكثرها فقير ومحروم، ويتطلّع إلى الإنقاذ, فيسمع الصيحة الخادعة: "يا صعاليك العالم اتحدوا ... فأمامكم عالم تغنمونه، وليس في أيديكم ما تفقدونه سوى الأغلال، فينخدع العالم المحروم بالصيحة، ويحسبها صيحة الإنقاذ، تمامًا كما قال رب العالمين: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٤ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥] . وهكذا تبدو الشيوعية بخداعها عارضًا ممطرًا؛ فإذا حلّت كانت ريحًا فيها عذاب أليم, تدمر كل شيء ... وقد ترون في الأفعى التي تخفي رأسها, وتنفث سمومها؛ لتحقق ما تواصت به

стр. 38

توارتها المحرَّفة، أو فى تلمودها المنحرف، أو فيما أعقب ذلك، تدميرًا للأديان, بل تدميرًا للجنس البشري من الجويم "غير اليهود"؛ لتصل إلى خرافة سيادة الجنس اليهودي وامتلاكه للعالم١. ولقد يؤكد ذلك: ١- إن صاحب الفكر "مردخاي ماركس" يهودي. ٢- إنَّ ممول الشيوعية يهود٢. ٣- إن صناع الثورة الشيوعية يهود٣. ٤- إن الذين توارثوا دولتها: لينين، ستالين، كانوا يهودًا. ٥- إنها تواصت بالإبقاء على الدين اليهودي وحده، رغم حملتها الساحقة على غيره من الأديان٤ "يقول ماركس: الدين أفيون الشعوب, ويقول روجيه جاوردي فيلسوف الحزب الشيوعي الفرنسي السابق: إن الدين انعكاس الشقاء الفعلي, واحتجاج على هذ الشقاء". أما حقيقة الفكر: فهو سرقة علمية سَطَا فيها مردخاي ماركس على فِكْرِ هيجل وفورباخ؛ ليشكِّل منها نظرية تقوم على المادة والتناقض. ثم هي -كما نسجها ماركس- صارت متخلِّفة عن ركب العلم، تتمثَّل فيها الرجعية لمن يصر عليها.

стр. 39

ذلك أنَّ العلم لم يعد يعترف أنَّ المادة ما تقع عليه الحواس, كما قال بذلك ماركس، ومن خلال نظريات الثقب الأسود وصل العلم إلى أنَّ ما تدركه الحواس من المواد لا يمثل إلّا ٧%, أمَّا الـ٩٣% فهي مواد لم تدركها بعد الحراس. فماذا يصير قول ماركس عن المادة بمعيار العلم؟ وهل يصح بعد ذلك أن يضفي صفة "العلمية" على اشتراكيته؟! أمَّا حديثة عن أنَّ في كل مادة تناقضًا، فإنه يفتقر كذلك إلى الأساس العلمي؛ إذ أن الملاحظ من الاستقراء والتتبُّع أنَّ ما في المواد هو التزاوج والتكامل, وليس على النحو الذي نرى ونشاهد ابتداءً من الذرة, وانتهاءً إلى الجرم الكبير. ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] . وإن عنصري السالب والموجب الموجود في المادَّة على اختلاف طبائعها وأنواعها "مثل الذرة والكهرباء والمغناطيس, بل والنبات والحيوان والإنسان". هذان العنصران ليسا متناقضين، بل هما متكاملان ومتزاوجان، ما دام في حالتهما الطبيعية, وهو الوضع الأغلب الذي تبنى عليه الأحكام. ومن هنا كان قول الله سبحانه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] لكن ماركس لم يستطع إدراك هذه الحقيقة, وظنَّ التزاوج والتكامل متناقضًا بني عليه نظريته وتطبيقاتها الخاطئة. ومن خلال تلك النظرية الخاطئة علميًّا في أساسيها "المادة والتناقض", قال ماركس بالتفسير المادي للتاريخ, وبفائض القيمة "في المجال الاقتصادي". وبالصراع بين الطبقات في المجال الاجتماعي.

стр. 40

وبدكتاتورية البروليتاريا ودولة الصعاليك "في المجال السياسي". وكذَّب العلم والتاريخ ماركس. وكان من أول المكذبين له في القانون الأوَّل صديقه إنجلز؛ إذ أعلن أنَّ عوامل هامَّة تشكل التاريخ غير المادة, ومن بينهما الدين ذاته, وهو ليس بمادة١. وفي فائض القيمة اعتبر حق العامل الكادح يأخذه الرأسمالي بغير مبرر لم يعد عصر "السبيرتيكا" أو التشغيل الأوتوماتيكي لعمليات الإنتاج، ولم يعد الربح مقابلًا لجهد العامل، بل إنَّ العامل خفَّ أو اختفى في كثير من المواقع؛ ليحلَّ محله المهندس أو المدير الإداري والفني والاقتصادي، وصار الجهد المادي الأكبر هو الآلة التي تمثّل الجانب الأكبر لرأس المال في المشروع٢. وتساقطت "علميًّا" دعاوى ماركس. وفي المجال الاجتماعي تساقطت كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات بتساقط دعوى التناقض نفسها التي قامت عليها دعوى الصراع. وكذَّب التاريخ كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات، بما أثبته من قيام مجتمعات, وعلى مدى طويل ليس فيها الصراع بين الطبقات, وإنما بينها المودة والرحمة, يتمثَّله قول رسول الله ﵊: "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وفي المجال السياسي سقطت دعاوى دكتاتورية البروليتاريا. بما قام في الأنظمة الشيوعية الحاكمة من دكتاتورية طبقة لا تمتُّ إلى البروليتاريا بسبب، تعيش عيشة القياصرة أو الأكاسرة, ولا يزال ذهب الكرملين يظلهم، وزادوا عليه أن صارت لهم شوارع خاصة لا يسير فيها غيرهم من أبناء البروليتاريا أو الطبقة الكادحة.

стр. 41

وقامت دولة الصعاليك، على صعاليك الفكر والسياسة ولصالحهم, وليس لصالح الطبقات المحرومة الكادحة. نشأ هذا الفكر كله في أوربا. وطبّق في روسيا. لكنه بكل أسف انتقل إلى الشرق الإسلامي, وهو دخيل وغريب على أهله ودياره, نقله اليهود, كما صنعه اليهود. وهكذا تسامع الناس في مصر بنقلة الشيوعية إليها: هنري كوريل؟ داؤول كوريل. ريمون أجيون. وهم يهود "عاثوا بالشيوعية في مصر في مطلع هذا العصر. ولا تزال الصهيونية تغذي الشيوعية بالعملاء, وهي تفتح لها في إسرائيل حزبًا شيوعيًّا كان أوَّل من دعا إلى السلام مع دعاة الاشتراكية في الوطن العربي, لكن هذا الفكر اصطدم في الشرق الإسلامي بعقيدته. لم يقبل الناس دعوى الإلحاد التي تحملها الشيوعية. ومن ثَمَّ تلوت الأفعى وتلونت, وظهر تكتيك شيوعي جديد يعلن المسالمة مع العقيدة١، والاعتراف

стр. 42

بالأديان كمرحلة انتقالية حتى يتحقَّق التمكين للشيوعية, ثم يجري بعد ذلك القضاء على الدين, ومن ثَمَّ أعلنوا أنهم يريدون الشيوعية اقتصاديًّا مع الإبقاء على الإسلام كعقيدة, ونصحوا عملاءهم بألّا يهاجموا الدين, بل نصوحهم بأكثر من ذلك, بأن يؤدوا شعائر الدين؛ كالصلاة والصيام والحج، ليمكنهم من خلال ذلك أن يغزوا قلوب المسلمين "السذج" أو "البسطاء". ونجح العملاء إلى حدٍّ كبير. وتسمَّى بعضهم "بالحاج", وأصرَّ آخرون على التردد على بيت الله الحرام معتمرين أو زائرين أو حاجّين. وهم في التكلييف الشرعي الصحيح كفَّار ليس لهم أن يدنسوا المسجد الحرام ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] . لكنه الخداع من ناحية. وأعلنَّا في أكثر من مكانٍ أن الصلح بين الإسلام والشيوعية مرفوض١, وأن التعايش بينهما مستحيل؛ لأن الكفر والإيمان لا يتعايشان, والحق والباطل لا يصطلحان. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] .

стр. 43

وهي فتنة تُنْهَى الأمة الإسلامية عنها، ونسأل الله أن تنأى بنفسها عنها، فلا تقبل بالشيوعية أو الاشتراكية نظامًا اقتصاديًّا وللإسلام نظامه الاقتصادي. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . [المائدة: ٤٩-٥٠] .

стр. 44

الفصل الثاني: الواقع السياسي للعالم الإسلامي مدخل ... الفصل الثاني: الواقع السياسي للعالم الإسلامي: استبشر المسلمون في أواسط هذا القرن بتحرر بلادهم من الاستعمار العسكري الأجنبي، وزادت بشراهم أن أحسوا فترة أنهم -وبخاصة في المنطقة العربية- صاروا يشكلون ثقلًا دوليًّا, بالغ البعض إذ اعتبره القوة السادسة الدولية بعد الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي, والصين, واليابان, وأوروبا. ونسي الكثيرون حادثًا أليمًا وقع في مطلع هذا القرن، وحيكت من أجله المؤامرات الدولية، وانعقد في سبيله الكثير من المؤتمرات السياسية العالمية، نسوا حادث إلغاء الخلافة الإسلامية، التي وإن بدت ضعيفة في أواخر أيامها, لكنها كانت تجمع شمل المسلمين, وترهب عدو الله وعدوهم. كذلك لم يفطن الكثيرون إلى أنَّ الاستعمار العسكري حين رحل عن بلاد المسلمين لم يتركها بغير نفوذ، بل إنَّه خلَّف وراءه من كانوا أشد منه على الشعوب ظلمًا وعتوًّا، وإن تَخَفَّوْا وراء شعارات وأردية وأقنعة أخفت حقائقهم عن الشعوب ولا تزال، وأخيرًا فلقد بعدت الأنظمة الحاكمة عن جوهر النظام السياسي الإسلامي كما أراده رب العالمين في كتابه وسنة رسوله، معلنين ذلك صراحة، أو مخفين ذلك وراء شعارات الإيمان والإسلام؛ ليتأكد فيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٨-٩] . فهذه أمور ثلاثة نتناولها في حديثنا عن واقع العالم الإسلامي السياسي إن شاء الله. أولًا: غيبة الخلافة الإسلامية. ثانيًا: الاستعمار الجديد. ثالثًا: مدى البعد عن جوهر النظام السياسي الإسلامي.

стр. 45

١- غيبة الخلافة الإسلامية: من بعد وفاة رسول الله ﷺ اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة ليبحثوا مَنْ يكون إليه الأمر بعد الرسول ﷺ ، وتسامع الناس أنَّ الأنصار يرون الأمر فيهم، وسارع أبو بكر وعمر ﵄ لحسم الخلاف، وتأخَّر دفن الجثمان الطاهر -وهو عليهم جَدٌّ عزيز- حتى انتهوا من أمر الخلافة، وكان اجتماع المسلمين، وفي مقدمتهم كبار الصحابة، على ذلك النحو إجماعًا على وجوب الخلافة. ولفقهٍ أدركه السلف الصالح سمّوا الخلافة الإمامة العظمى بالقياس إلى الإمامة الصغرى إمامة الصلاة، ليتأكَّد بذلك وجوبها، وليتأكَّد مكانها بين سائر الواجبات. وعرف الفقهاء -من بعد- بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وأضاف البعض في نهاية العبارة لفظ "به" لتتأكَّد وظيفتا الخلافة الرئيسيتان: حراسة الدين. سياسة الدنيا بهذا الدين. "وظلَّت خلافة الإسلام تُظِلُّ المسلمين أكثر من ألف عام، تقيم شرع الله وهو أوّل الواجبات وأعلى الضرورات, وتجمع شمل المسلمين وهو كذلك من الواجبات والضرورات. صحيح أنه أصابها في فترات عديدة ضعف أو انحراف، لكنها بقيت رمزًا للأمرين: إقامة شرع الله. جمع شمل المسلمين.

стр. 46

وبقي إصلاحها بين الحين والحين رهينًا بصحوة المسلمين، وبأن يقيِّض الله من يلي أمرها مِمَّن يقدِّرها حتَّى قدرها، وبقاء الشيء ولو ضعيفًا على احتمال قوته وصلاحه خير بلا شكٍّ من القضاء عليه، ولم يقل أحد: إن حلَّ مشكلة المرض تكون بقتل المريض والقضاء عليه، وما ينبغي لعاقل أن يقوله وما يستطيع. - لكن حين آلت الخلافة إلى آل عثمان وحملوها أكثر من خمسمائة عام، وطرقوا بها أبواب فيينا, وأرهبوا اعداء الله في شرق وغرب، تجمَّع الأعداء وتآمروا, وراحوا يبحثون في أوربا "المسألة الشرقية", وكانت تعني -حينئذ- كيف يوقفوا المدَّ الإسلامي عن اجتياح ما بقي من أوربا. فلمَّا وهنت قوة الدولة العثمانية طمع الأعداء فانتقلوا في بحث "المسألة الشرقية" إلى كيف يقضون على "الرجل المريض". ومرَّ حادث إسقاط الخلافة الإسلامية بغير ردِّ الفعل الواجب. صحيح أنَّ إخواننا مسلمي الهند حملوا وهم فقراء ما يملكون, إلى مَنْ قارف جريمة الإسقاط، وصحيح أن إخواننا في مصر تنادوا بقيام الخلافة ولو في غير تركيا، وأصدر العلماء بيانًا بذلك، لكنَّهم حين اجتمعوا لبحث الأمر انفضَّ المؤتمر بغير قرار، رغم رغبة الملك القائم في الوصول إلى قرار ظنًّا منه أنه سيكون هو الخليفة, لكن الاحتلال البريطاني الذي كان قائمًا في مصر متحكمًا فيها هو الذي حالَ دون صدور هذا القرار. ولم يعد من ردِّ فعل بعد ذلك غير قصائد الرثاء, وما هطل بعد ذلك من دموع المسلمين١.

стр. 47

ولسنا في مقام تحليل أسباب السقوط، فلذلك مكانه١, ولكنَّا في مقام بيان أثر غيبة الخلافة في واقعنا السياسي. لقد غابت -أولًا- الدولة الحاكمة بشرع الله. وغابت -ثانيًا- الدولة التي تظل المسلمين وتجمع شملهم في وحدة حقة قائمة على وحدة العقيدة. وغابت -ثالثًا- الدولة التي كانت ترهب عدو الله وعدوهم، وكانت القوى العالمية تحسب له ألف حسابٍ, حتى بعد ضعفها ومرضها. وغابت -أخيرًا- الدولة التي عرف اليهود وتأكَّدوا أنه لا سبيل لهم إلى فلسطين إلّا بتحطيمها، وهو ما صرَّح به سرجي نيلوس العالم الروسي الذي نشر البروتوكولات. صرَّح به قبل قيامها بحوالي خمسين سنة, حين قال: إن الأفعى اليهودية لا بُدَّ أن تمرَّ بالآستانة في طريقها إلى فلسطين.

стр. 48

ومن بعد سقوط الخلافة: توزَّعت أسلاب الرجل المريض بين دول الاستعمار، فأخذت فرنسا سوريا ولبنان، وأخذت بريطانيا فلسطين والعراق, وتَمَّ كل ذلك ليجري التمهيد لقيام دولة إسرائيل على ما سنفصِّل في مكان آخر. ولما ارتأت الصهيونية والصليبية أن ترحل جنود الاحتلال الأجنبي، أحلَّت محلها من يقوم بنفس الدور، بغير خسائر للأجنبي، وبأداءٍ أفضل من الأجنبي, وهو ما نعالجه بإذن الله تحت عنوان: الاستعمار الجديد.

стр. 49

٢- الاستعمار الجديد: ما كان الاستعمار القديم إلّا حلقة من حلقات الاضطهاد الصهيوني الصليبي للعالم الإسلامي، قصدًا إلى إذلاله وتنفيذ مخطَّط لتحطيم عقيدته وقيمه, وأخيرًا سلب خيراته. وإنما كانت بالدرجة الأولى بثّ "التغريب وإشاعة التقاليد والثقافة الغريبين", وبعبارة أخرى: تحطيم عقيدة الإسلام وإبعاد مُثُلَه وقيمه وتقاليده. وهو ما صرَّح به قائد الحملة الفرنسية في طريقهما إلى لبنان, حين سأله الصحفيون عن بارجة المومسات التي كانت تسير مع سائر البوارج الحربية، فقال لهم: إن أثر البوارج الحربية قد يزول, أمَّا أثر هذه فلن يزول. لكن الاستعمار القديم كان يجد المقاومة من أبناء البلاد حين نزوله, وطوال مدة وجوده, وكان وجود البزَّة الصفراء الأجنبية مثيرًا لكل أنواع الحميِّة في عروق الشباب، إن لم يكن حمية الإسلام فحمية الوطنية وحمية الشرف والدفاع عن العرض، ومن ثَمَّ فإن الاستعمار القديم -من حيث لا يريد- كان يستثير المقاومة ويجعلها في حالة استعداد مستمر إن لم يصل إلى درجة الاستعداد الكامل، ولذا كانت خسائره في المال والأرواح كثيرة. ومن ناحية أخرى, فقد كان يلقي المقاومة "النفسية" إزاء ما يريد من تحطيم عقيدة الإسلام، الأمر الذي حاولته الحروب الصليبية من قبله وفشلت فيه. فلو أمكن تلافي خسائر المال والأرواح، وتلافي المقاومة النفسية لأوامره, لكان ذلك أفضل! - واهتدى الاستعمار الصليبي والصهيوني إلى أنَّ "النخبة الوطنية أقدر وأسرع في التغيير المطلوب" وتحوّل الاستعمار القديم إلى أسلوب جديد, هو غزو الشعوب من الداخل, عن طريق طائفة من خونة أهل البلاد.

стр. 50

ومن ثَمَّ جرى الإعداد لذلك بأكثر من سبيل: ١- صناعة الزعيم: وهي صناعة ابتدعها الغرب الصليبي؛ ليمتصَّ روح المقاومة لدى الشعوب الإسلامية, وليوفِّر على نفسه خسائر الأرواح والأموال، وليصل إلى تحقيق غرضه بأيسر طريق وأفضل وسيلة, دون خسارة عليه في الأرواح, وبأقل قدر من الأموال يشتري بها عشَّاق الزعامات. إنَّ ما كان الغرب الصليبي يضحي من أجله بأرواح أبنائه وأموالهم، ويلقى المقاومة من جموع الشعوب إما دينيًّا أو وطنيًّا، راح ينفذ على يد الزعيم المصنوع بغير هذا ولا ذاك، بل على العكس بترحيب جموع الشعوب المخدوعة في زعيمها المصنوع. وكانت أول تجربة لصناعة زعيم في المنطقة مصطفى كمال أتاتورك, حين جرى التخطيط لانسحاب الجيوش المحتلَّة لتركيا أمام جنوده، فبدا مصطفى كمال أنه القائد المظفَّر، ولم يستح أن يطلب لنفسه من البرلمان لقب "الغازي", ولم تضنّ عليه الجموع أن تقول: "يا خالد الترك جدِّد خالد العرب", ونجحت تجربة مصطفى كمال في أداء مهمة عجزت جيوش أوربا كلها عن أدائها، وهي تجربة إسقاط الخلافة الإسلامية, بما ترتَّب عليها من آثار سياسية خطيرة لا نزال نلمسها حتى اليوم بعد نصف قرن من الخيانة. وأخرجت من بعد مصطفى كمال طبعات جديدة. أخرجت مع التحسين الذي أشار إليه بعض كتابهم. وفي ظل طبعتين جديدتين من مصطفى كمال أتاتورك جرى التمكين لدولة اليهود في فلسطين, وجرى توسيعها سبعة أمثال حجمها. ثم جرى ما كانت تسعى إليه منذ قرن من الزمان -الحصول على شرعيِّة بوجودها من أصحاب الحق نفسه١.

стр. 51

وصارت صناعة الزعيم اختراعًا أمريكيًّا اشتهرت به في لعبة الأمم والشعوب، قد يصاحبه تأييد عسكري انقلابي، أو تأييد حزبي أو شعبي حسب الظروف. وقلَّدها فيه الاتحاد السوفيتي كذلك. وجرى التنسيق بين القوَّتين زمن الوفاق الذي نجم بعد أن أوشك الصدام أن يقع في أزمة كوبا سنة ١٩٦٢, وإن توزعت الأدوار ما بين مؤيد ومعارض. ٢- صناعة الانقلابات: وهي صناعة ابتدعتها في صورتها الحالية الولايات المتحدة الأمريكية منذ الخمسينيات, وقد تلتقي بها مع صناعة الزعيم، وقد تكتفي بزعيم واحد أو زعيمين تصنعهما, ثم تصنع من حولهما انقلابات مؤيدة ومعارضة تتوزَّع بينها الأدوار، وبالانقلاب العسكري تصير القوة العسكرية المحلية قوة مساندة للوضع الجديد، وبذلك تحلّ البزة الصفراء المحلية محلّ البزة الصفراء الأجنبية، حمايةً لنفس الغرض مع توفير خسائر المال والأرواح، وتجنُّب المقاومة أو المعارضة، وسحقها إن وجدت خسائر في جانب العدو المستفيد. وللانقلاب العسكري ميزة أخرى: إنه يأتي بأناس مجهول الهوية، وأحيانًا مجهولي النسب، ويصعب على الناس تتبّع هوياتهم وتتبع أنسابهم، ومن ثَمَّ فلا بأس أن يجلس على رأس شعب مسلم من له نسب باليهود، أو مصاهرة بالنصارى، أو يجمع بين الصنفين؛ ليحقق الوطنية بين الأديان الثلاثة١.

стр. 52

ويجري الاتفاق على تلك الصفقات السياسية وراء خطوط الهدنة اليهودية, أو في العواصم الأوربية، أو في أوكار الماسونية، والشعب المسلم الوادع يغطُّ في نوم عميق! على أنه دائمًا مع هذه الصفقات، فإن الطرف الأقوى يكون على استعداد دائمًا للتضحية بالطرف الضعيف، رغم ما قد يحاط به من مظاهر القوة والأبَّهة والسلطان, كما أنه في كل الأحوال يصنع البديل إذا تَمَّت التضحية بالعميل, أو هلك بأي سبب آخر من الأسباب, وقد يكون البديل شخصًا, وقد يكون نظامًا مغايرًا يحلّ محلَّ النظام القديم؛ ليضعف الربط بين القديم والجديد, وليستمر الخداع مدة أطول حتى يكشف الجديد. وفي الحقيقة: إنَّ مثل هذه الصفقات وإن بدت بين طرفين، إلَّا أنها أشبه بعقود الإذعان؛ إذ مَنْ رضي لنفسه العمالة ضد دينه أو وطنه لا يستطيع بعد ذلك أن يرفع رأسه, ولا أن يقف من الطرف الآخر موقف الند للند، بل إنّ موقفه دائمًا موقف الإذعان والخذلان. ٣- صناعة وتجارة الشعارات: والشعارات هي الأخرى تصنع كما يصنع الزعماء، وكما تصنع الانقلابات. ولقد بدأ ذلك منذ الثورة الفرنسية التي رفعت شعار: الحرية والإخاء والمساواة. وظهر فيما بعد أنَّ الحرية كانت لليهود الذين كانوا يمنعون كثيرًا من الحقوق, وأنَّ الإخاء كذلك لليهود الذين كانوا في درجة دنيا دون درجة المواطنين، والمساواة كذلك لليهود الذين كانت الفوارق بينهم وبين النصارى كبيرة وعديدة. وتلتها ثورات كثيرة ترفع الشعارات, كما تلتها انقلابات عسكرية كذلك ترفع الشعارات.

стр. 53

وللشعارات -عند صانعيها- فائدة مزدوجة: إنها أولًا تشغل الشعوب الساذجة الجوعى إلى المثل، العطشى إلى ما يحقق وجودها ويجعل الأمر بيدها. وإنها ثانيًا تبعد الشعوب العقائدية "مثل الشعوب الإسلامية" عن أن ترجع إلى إسلامها، فتصبح -مرة أخرى- قوة مهددة للصليبية وللصهيونية. وهكذا أتيح للثورات الشعبية، والانقلابات العسكرية، أن ينحرف بها زعماؤها عن خط الإسلام، وأن يرفعوا من الشعارات ما يتاجرون به, وما يُبْعِدُون به الشعوب عن الإسلام، وأهمَّ هذه الشعارات حديثًا شعار القومية الاشتراكية: بيد أنَّ الأمر لا يمنع من رفع شعار إسلامي، ما دام سيظل قاصرًا على دائرة الشعارات, على أنه في هذه الحالة يؤدي أكثر من مهمة: إنه أولًا يمتص المشاعر والطاقات الإسلامية المتفجرة. إنه ثانيًا يميِّعُها أو ينحرف بها, أو يعيشها على أمل التطبيق الذي لن يكون. إنه ثالثًا يكسب التأييد لنفسه، ويحقق في الوقت نفسه آمال العدو وأغراضه، بشيء من البطء المحسوب الحركة المضمون النتيجة، وفي بلاد تطبق الإسلام تكون الخطوة الوسطى هي نقلها من التطبيق والالتزام، إلى دائرة الشعار بغير تطبيق, والإعلان والدعاية بغير الفحوى والمضمون؛ ليبدّلوا بعد ذلك نعمة الله كفرًا, ويحلوا قومهم دار البوار. ٤- ضرب الحركات الإسلامية: تفجَّر في العالم الإسلامي بعد إلغاء الخلافة حركات إسلامية كثيرة، حملت أسماء عديدة، والتقى أكثرها على مفهوم الإسلام الشامل، بل وأشار بعضها إلى وجوب إعادة الخلافة, وإن تحفَّظت بأن دون ذلك خطوات وخطوات.

стр. 54

وما إن تعاظم دور هذه الجماعات والحركات١، حتى بدأ ضربها عن بعض الحكام، وكشفت وثائق نشرت أو عرضت أمام القضاء عن وقوف بعض الدول الغربية, ثم بعض الدول الشرقية وراء ضرب هذه الجماعات والحركات٢. ثم كشفت بعض الكتابات عن أنَّ اليهود أنفسهم وراء ضرب الحركات الإسلامية٣. - وكانت طريقة الضرب هو اصطناع القضايا، والإعلان عنها، وتعبئة أجهزة الإعلام المختلفة بالدعاية ضد الجماعة أو الحركات الإسلامية، ثم محاولة استئصالها عن طريق: الإعدام، والتعذيب، والسجن، والتضييق على المسجونين والمعتقلين، وقد بلغت الخسَّة أن صرَّحت إحدى الخطط الموضوعة بأنَّ من بين أهدافها: وهذه المرحلة إن نفذت بدقَّة ستؤدي إلى ما يأتي: ١- بالنسبة للمعتقلين: اهتزاز المثل والأفكار في عقولهم, وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض فيهم. ٢- وبالنسبة لنسائهم: سواء كنَّ زوجات أو أخوات أو بنات, فسوف يتحرَّرن بغياب عائلهن، وحاجتهنَّ المادية قد تؤدي إلى انزلاقهن". - لكن الذين كانوا وراء عمليات أو خيانات الضرب راجعوا حساباتهم، فرأوا أنَّهم هم الخاسرون. إن الذين سقطوا على حبال المشانق أو تحت سياط التعذيب لقوا الله

стр. 55

شهداء فهم رابحون، وإن الدعوة اشتدَّ عودها، وارتوت جذورها بهذه الدماء الطاهرة, فامتدت فروعها وأورقت وأثمرت من كل زوج بهيج. أمَّا الذين تساقطوا ضعفاء تحت سطوة الإرهاب، فهؤلاء كانوا عبثًا على الدعوة وتخلَّصت وتخفَّفَت منهم. ومن ثَمَّ فكَّروا في أسلوب جديد يمارسونه الآن: وهو الفتنة بالخبر بعد الفتنة بالشر. الفتنة بالجاه والمال والسلطان والدنيا. ومحاولة شقّ الصف الإسلامي وتعميق الخلافات بين اتجاهاته, وتغذية ذلك بالمساعدات وبغير المساعدات. - ونجحت الخطَّة الثانية فيما فشلت فيه الخطة الأولى. فتساقط بعض آخر تحت فتنة المال أو الجاه أو السلطان, أو غير ذلك من أعراض الحياة الدنيا، وكان بعضهم ممن ثبت في الفتنة الأولى. لكن سبحان مقلِّب القلوب من ناحية, والحمد لله من ناحية ثانية. فإن هؤلاء كذلك كانوا عبئًا على الدعوة تحفَّفت منهم, وسقوطهم أمام تلك المغريات يعني انطواءهم على ضعف يسقط عنهم الصلاحية للقيادة, بل ويسقط عنهم الصلاحية للدعوة. ومن ثَمَّ كان خيرًا. ويبدو أن "الأعداء" لم يكتشفوا بعد خسرانهم الجديد، مبهورين بالنجاح المحدود الذي حققوه فيما فشلوا فيه عندما جرَّبوا سلاح الإرهاب. - لكن ذلك لا يعني أن سلاح الإرهاب أُغْمِدَ إلى الأبد. إن وجود السلاح في يد الإنسان قد يغريه باستعماله دون أن تسبق ذلك الحسابات، وإن وجوده يعطيه شيئًا من الغرور قد يعميه عمَّا قدمنا من حقائق, أهمها: أنه في النهاية هو الخاسر.

стр. 56

ومن ثَمَّ فلا يستبعد أن يعود "الأغبياء" إلى استعمال السلاح الذي فشل من قبل سلاح الإرهاب١.

стр. 57

ويومئذ يقال لهم: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] .

стр. 58

٣- البعد عن جوهر النظام الإسلامي السياسي: - لا يمكن للقوى المعادية بعد كل ما بذلت أن تسمح بقيام النظام الإسلامي السياسي لا داخليًّا ولا خارجيًّا؛ لأنها إن سمحت كانت كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، أو كانت كمن بنى لنفسه بيتًا ثم راح يهدمه بغير سبب وبغير بديل، ولا يتصوّر ذلك من عاقل، ولا ينبغي أن نهوّن من ذكاء عدونا. قد يقال: إن ما يهم العدو هو ألّا يقوم نظام إسلامي يتَّخذ المنهج الإسلامي في سياسته الخارجية، وبالتالي فإنه قام نظام يتَّخذ المنهج الإسلامي في سياسته الداخلية فلا شيء في ذلك، ولا تتدخَّل القوى الدولية فيه؛ لأن ذلك تدخُّل في الشئون الداخلية لدولة أخرى لا يجوز دوليًّا. وكل هذا صحيح إذا لم يكن الأمر متعلقًا بالإسلام. فيوم اختارت -أو هكذا بدت- ألبانيا النظام الشيوعي, لم تتدخَّل القوى الغربية, وكذلك يوم اختارت -أو هكذا بدت- كوبا لنفسها النظام الشيوعي، لكن قد يحدث كذلك تدخُّل تغمض عنه القوى الأخرى من باب تجنُّب الصدام المباشر, كما حدث حين سحقت روسيا روح المقاومة في بولندا مقابل سكوت الشيوعية على عملية التأديب التي قامت بها في مصر إنلجلترا وفرنسا وإسرائيل سنة ١٩٥٦م, ثم ما حدث بعد ذلك في تشيكوسلوفاكيا. أما بالنسبة للمنطقة الإسلامية: فإنَّ بين جميع القوى المعادية توافقًا بل اتفاقًا على ألَّا تقوم للإسلام دولة، سواء طبَّقت الإسلام في حدودها الداخلية, أو جاوزت ذلك لتطبقه كذلك خارج حدودها. وما كان الغرب الصليبي ومن ورائه الصهيونية ليضيع جهوده وأمواله وأرواحه التي بذلها ابتداء ليوقف الزحف الإسلامي، ثم ليقضي على دولة الإسلام التي أسماها "الرجل المريض", ثم ليوزِّع تركة ذلك الرجل المريض.

стр. 59

وما كان ليضيِّعَ تلك الجهود بالسماح مرة أخرى بقيام دولة الإسلام؛ لأنها إن قامت داخل حدودها، فإنهم يعلمون أن المارد لن يظلَّ طويلًا داخل القمقم، ومن ثَمَّ فإنهم يحاربون أيَّ قيام لدولة الإسلام. ويحرِّمون ويحاربون أية خطوات تؤدي إلى ذلك، ولو كانت في صورة تضامن أو جامعة إسلامية، أو تطبيق جدّي للشريعة الإسلامية، أو جماعة يتعاظم أمرها وتنذر بقيام دولة إسلامية١. والبعد عن النظام الإسلامي يتخذ صورًا عديدة: ١- صورة عدم التطبيق للشريعة الإسلامية، أو صورة التطبيق الجزئي لها, والصورة الأولى قد يُكْتَفَى معها بشعار العلم والإيمان, أو غيره من الشعارات الإسلامية, والصورة الثانية قد يُكْتَفَى معها بالتطبيق في مجال الأحوال الشخصية, أوفي بعض الحدود التي يجري فيها التطبيق على الضعيف دون الشريف، مع ترك التعليم والإعلام والمجتمع بعيدًا عن عقيدة الإسلام وخلقه وسائر تعاليمه وأحكامه. ٢- صورة البعد بالأمَّة عن أن تكون أمة الإسلام: في وحدتها ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ . أو في استمساكها ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ومن ثَمَّ رأينا الفرق أو المزق تزعم لنفسها الشرعية, وتدَّعي لنفسها الإسلام. ٣- صورة البعد بالسلطة عن شرعية الإسلام. وأهمها رضا المسلمين بها أيًّا كانت صورة الرضا. وقبلها إقامتها لشريعة الإسلام.

стр. 60

الفصل الثالث: الواقع الاجتماعي للعالم الإسلامي: للإسلام نظامه الاجتماعي الذي ترى فيه: الفرد المسلم: ذكرًا كان أو أنثى، ملتزمًا بأحكام الإسلام، مقتديًا برسول الله ﷺ ، مؤديًا الواجب قبل أن يطالب بالحق؛ لأن الإسلام يعلّمه ويعوّده ذلك ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ , ولذلك كان أداء الواجب شرطًا للمطالبة بالحق. وهو ما يرقِّي في الفرد المسلم "الإيجابية"، ويزيده إيجابية شعوره بأنه مسئول, أيًّا كان موقعه في المجتمع $"كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راعٍ في بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها". وهو في النهاية عابد لله سبحانه, يتقدَّم في قبله حب الله ورسوله, وجهاد في سبيله على كل الدنيا، وترجح في نفسه الآخرة بنعيمها على الدنيا مهما كان زخرفها, ولذا فحرصه على الدنيا لا يجاوز يده إلى قلبه ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] هذا هو الفرد المسلم، لبنة الأسرة والمجتمع. أمَّا الأسرة المسلمة: فإنها تقوم على عمودين، رجل وامرأة: - كلاهما يبحث أول ما يبحث عن الإسلام في صاحبه. "إذا جاءكم ذو الدين فزوجوه, إلّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". "تنكح المرأة لأربع ... فاظفر بذات الدين تربت يداك". - وهي تقوم بعد ذلك على السكن، والمودَّة والرحمة.

стр. 61

يكون ذلك بين الزوجين، ويشع فيملأ البيت كله سكنًا ومودة ورحمة. - يحكم الإسلام علاقتهما، زواجًا واستمرارًا وإنهاءً أو طلاقًا. ويحكم العلاقات بين الآباء والأبناء، فيوجب على الآباء العطف وحسن الرعاية وتعويدهم الصلاة, ثم ضربهم عليها، والتفرقة بين الذكور والإناث في المضجع،.. إلخ. ويوجب على الأبناء الإحسان إلى الآباء، وألَّا يقولوا لهما أفٍّ ولا ينهروهما. وإن جاهداه على الإَشراك بالله فلا يطيعهما, ولكن ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ , ثم يحكم العلاقات بين الإخوة والأخوات, وبين سائر ذوي الرحم. ويوصي بالرحم خيرًا "الرحم قطعة مني, مَنْ وصلها وصلته، ومَنْ قطعها قطعته" , وينهي نهيًا جازمًا ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ . "لا يدخل الجنة قاطع رحم". وينظم في النهاية الأحكام المالية، كالميراث والوصية بما يحقق عدالة عجزت من البلوغ إليها كل الأنظمة، فلا تزال بريطانيا تعطي الإرث للابن الأكبر, ولا تزال الولايات المتحدة تطلق يد المورث في تركته فيوصي بها إلى عشيقته، أو كلبه, ويحرم أبناءه وأسرته. أما المجتمع المسلم: فهو مجموع هؤلاء الأفراد، ومجموع هؤلاء الأسر، يقوم كما يقومون على الالتزام وليس مجرد الانتماء. ويعرف التكافل بين أفراده حتى ليصير مثله "مثل المؤمنين في تراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسم بالسهر والحمى". ويتحقَّق التكافل اجتماعيًّا، كما يتحقق اقتصاديًّا، وأخيرًا يتحقق سياسيًّا متمثلًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ , ويشرحه

стр. 62

ويؤكده قول رسول الله ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قالوا: ننصره يا رسول الله مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: "بحجزه أو قصره عن ظلمه". وهكذا يتحقَّق تكافل سياسي، يقصر فيه الظالم عن ظلمه، وينتصر فيه للمظلوم من ظالمه، وهو ما حاول العرب الاقتراب منه قبل الإسلام بحلف الفضول الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "إنه لو عرض عليه بعد البعثة لقبله". ونماذج الفرد المسلم رجالًا ونساء، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، نماذج فريدة في التاريخ. نماذج للفرد المسلم الذي جاهد في ميدان القتال, وضرب أروع مَثَلٍ للتضحية والفداء, والذي جاهد بكلمة الحق يقولها عند مَنْ يخافه أو يرجوه. والمرأة المسلمة التي شاركت جهادًا في سبيل الله، تضميدًا للجروح, أو حثًّا على الجهاد, وأحيانًا إذا اقتضى الأمر تلثَّمت وقاتلت كما يقاتل الرجل. وجهادًا في إقامة البيت المسلم والمجتمع المسلم, محققةً قول رسول الله ﷺ : "حسن تبعُّل المرأة لزوجها يعدل الجهاد في سبيل الله". ونماذج الأسرة المسلمة المترابطة المتحابة التي يحترم فيها الصغير الكبير، ويعطف فيها الكبير على الصغير، والتي تتواصى بالصبر، والتي تخرج أجيالًا من الأبطال، كل هذه نماذج متكررة على مدى التاريخ الإسلامي، ونماذج المجتمع المسلم الذي يحمل الحق ويحمي الحق متكررة كذلك، حتى ليقرِّر المنصفون أن الانحراف وإن أصاب الإمارة في بعض الأحيان, أو أكثر الأحيان, فقد بقيت "العصمة" للأمة لا الإمام، مصدقًا لقول رسول الله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة". وكان ذلك سرًّا من أسرار خلود هذه الشريعة باعتبار الأمة المسلمة هي وعاؤها.

стр. 63

- ترى ماذا بقي من هذه الأحكام؟ وماذا بقي من هذه النماذج؟ - لا شكَّ أن الواقع أليم؛ فالفرد المسلم اليوم في الأغلب الأعمَّ لا يعرف الالتزام بأحكام الإسلام، يفتخر -إلّا من رحم ربي- بجهله بالإسلام, ما دام يعرف بعض الكلمات والأنظمة الغربية، ويتفلت من أحكام الإسلام عقيدةً وخلقًا وتعبدًا فوق تفلُّته من أحكام المعاملات. والمرأة المسلمة في الأغلب الأعمَّ غزاها الفكر الصليبي أو الصهيوني، قصدًا إلى إخراجها من فضائلها، وفي مقدِّمتها: الستر والعفة والشرف, فتعرض ما صانه الله بغير خجل ولا حياء، وتعرض نفسها بالتصرُّف أو النظرة أو البسمة مبتذلة رخيصة، وتهجر بيتها وأولادها ووظيفتها أو رسالتها الأصلية، زوجًا وأمًّا، وهي تعلم أنها إن أخلصت زوجة فهي كنزر كبير, أو هي بتعبير الحديث الشريف خير ما يكنز المرء, وإن أخلصت أمًّا؛ فالجنة تحت أقدامها، وهي مدرسة أو جامعة يتخرَّج فيها الجيل. - والأسرة المسلمة دبَّ فيها الوهن بعد ما بعدت عن أحكام الإسلام، فالعلاقات بين الزوجين متوترة, وعلى الأحسن فاترة. والعلاقات بين أفراد الأسرة الآخرين تفكَّكَت، تقليدًا للغرب الصليبي, ومظاهر قطع الرحم والخصام تزيد عن مظاهر الوئام والسلام. ومظاهر التظالم بين أفراد الأسرة الواحدة, والتشاحن على الميراث, وعلى غيره من أعراض الحياة الدنيا كثيرة وكبيرة وعميقة. - والمجتمع المسلم، لم يعد جسدًا واحدًا: تقطَّعت أوصاله وأجزاؤه على مستوى الأمة الإسلامية، فلم تعد واحدة، وتقطَّعت أوصاله وأجزاؤه داخل البلد الواحد إلى أحزاب

стр. 64

وفرق وعصبيات, وسادة الفكر الصليبي أو الصهيوني، أو ما يريده هذا وذاك أن يسود، وانتفى فيه التكافل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وانهار فيه الدين: انهار عقيدةً بين تفريط الكافرين والفاجرين والعاصين، وإفراط المسرفين الذين ارتدوا إلى النقيض الآخر, وانهار خلقًا بترك الصدق والأمانة والعِفَّة، وعاون على ذلك إعلامٌ فاجر لا يرعى الله ولا الأخلاق، ولا القيم، ويحقق للصهيونية والصليبية كل ما تبتغيه، عقيدةً وخلقًا وسلوكًا. كما ساعد على ذلك تعليم تفلّت أو يتفلَّت من قيود الإسلام، ليعلي قيمًا غير إسلامية، وليُقِرّ مناهج غير إسلامية في مجال الطبيعيات والعلوم الإنسانية والاجتماعية, وليزري عن عمد أو عن جهل بالدين ورجاله وعلمائه؛ فيزري بالتالي بقيمه وأحكامه. وفي النهاية انهارت أحكام الإسلام، فشاع الزنا, وساد الربا, وفشا الظلم، وتعارف الناس على المنكر، وتناهوا عن المعروف، وتعاونوا على الإثم والعدوان, وتعلَّق الناس بالصنفين اللذين ذكرهما رسول الله ﷺ : الأمراء والعلماء، فإذا بالأولين أوّل من دبَّ إليهم الفساد، وإذا بالآخرين آخر من دبَّ فيهم الفساد. كل ذلك إلّا ما رحم ربي. وإنما ترحمون بضعفائكم, ولولا شيوخ ركّع, وأطفال رضّع, وبهائم رتَّع، لحلَّ بنا العذاب.

стр. 65

الفصل الرابع: الواقع الاقتصادي للعالم الإسلامي - بالمعايير الاقتصادية السائدة: فإن اقتصاد العالم الإسلامي بواقعه الحالي أليم؛ فالدخل القومي في أكثر البلاد الإسلامية يضع الفرد المسلم في أقل من مستوى الآدميين, والواقع المشاهد يؤكد لغة الأرقام, وتزيد الأنظمة الاشتراكية الشعوب الإسلامية ضيقًا وضنكًا، وتعيِّشه في الطوابير, ويقضي فيها نصف يومه بحثًا عن حاجياته, وأحيانًا ضروراته. هذا إن وجد في جيبه الثمن أو التكاليف. والإنتاج القومي هو الآخر سيئ, والبلاد الإسلامية تتوزَّع بين أن تكون مزرعة تستجلب منها القوى العالمية موادّها الأولية, أو أن تكون سوقًا استهلاكيةً توزّع القوى العالمية سلعها أو تجارتها! وهي بالتالي محرَّمة من "الصناعات الثقيلة" والإنتاج الكبير. والبلاد التي آتاها الله بسطة في الرزق -وهي قليلة- تمتص أكثر رزقها القوى العالمية، بإيداع رءوس أموالها في بنوكها، وبتعرضها لتخفيض العملة بين الحين والحين، ثُمَّ بتصدير السلع الاستهلاكية الكمالية والترفيهية التي تمص ما بقي لدى تلك الدول المختلفة من رأس المال. وميزان المدفوعات مختلٌّ لدى أكثر الدول الإسلامية؛ لأن أكثرها تستورد أكثر مما تصدر!. هذا باختصار بالمعايير الاقتصادية السائدة.

стр. 66

- وبالمعايير الاقتصادية الإسلامية: فإن درجة الابتعاد عن النظام الإسلامي المالي تتفاوت بين الأنظمة المختلفة, ابتداءً من مخالفة أمر الله بترك الربا, وانتهاءً إلى الخروج التامّ عن النظام الإسلامي الذي كفل ملكيةً متوازنة, هي وسط بين الرأسمالية الطاغية والشيوعية الجائرة، كما كفل حرية اقتصادية متوازنة بين المذهب الفردي الذي يطلق إلى حد الخنق أو الاختناق. والذي يرفض الترف، وتنتفي فيه الندرة مشكلة المشاكل في الأنظمة الاقتصادية, تنتفي الندرة انتفاءً إيمانيًّا باعتقاد قدرة الله على رزق كل مخلوق، كما تنتفي انتفاءً ماديًّا بتحقق التكامل بين بلاد الإسلام زراعيًّا وصناعيًّا وتجاريًّا. مستقبل الاقتصاد الإسلامي: كنظام: هو الأمثل بين النظامين الرئيسين: الرأسمالية والاشتراكية. وكواقع: يمكن أن يطبق تتحقق له من الموارد والقدرات في البلاد الإسلامية ما لا يتحقق لاقتصاد آخر. فالموارد الزراعية والصناعية في المنطقة الإسلامية أغنى من أي منطقة أخرى, واليد العاملة متوافرة ورخيصة، وهي في نفس الوقت إن تحقَّق فيها الإسلام كانت أفضل الأيدي إتقانًا وأكثرها أمانة!. ورأس المال المتوفِّر لدى الدول الغنية يكفي لإمداد أي مشروع, ولا يلزم إلّا أن تتحقق "الأمة الإسلامية الواحدة"؛ لتكون بإذن الله أغنى أمة اقتصاديًّا, كما هي بإذن الله خير أمة أخرجت للناس, ويومها يمكن للعالم الإسلامي أن يكون أقوى القوى الاقتصادية العالمية, بل يمكنه أن يتحكَّم في الاقتصاد العالمي عن طريق صناعاته وأسواقه ورأس ماله وموقعه الاستراتيجي، وثقل شعبه وأمته!!.

стр. 67

الباب الثاني: قضايا إسلامية معاصرة الفصل الأول: أوطان سلبية مدخل ... الفصل الأول: أوطان سليبة تقدمة: الأوطان السليبة كثيرة في المشرق والمغرب. بدأت بالأندلس وانتهت بفلسطين. بيد أنَّا لا نستطيع أن نلمَّ بها جميعًا, ومن ثَمَّ فإننا نكتفي بفلسطين، ففيها عمل التآمر الصهيوني الصليبي على أحسن ما يكون التخطيط, ولا يزال إلى اليوم يعمل.

стр. 68

١- الأندلس: تقدمة: في نهاية القرن الأول الهجري، فُتِحَت الأندلس، فردوس الدنيا، فُتِحَت بسواعد المسلمين، ودمائهم، وجهادهم، ومثلت فيها أعظم حضارة عرفتها التاريخ، بينما أوربا تغرق في ظلمات القرون الوسطى. وبقي حكم الإسلام في الأندلس ثمانية قرون، تغترف فيها أوربا من حضارة الإسلام, وتتلمذ على أساتذته, ثم ضاعت الأندلس، ضاع فردوس الدنيا، ضيَّعها ملوكها، ضيَّعها التَّرَف، ضيَّعها الخلاف، ضيَّعها غزو الفكر قبل غزو السلاح. وبكى المسلمون الأندلس. كما بكوا من بعدها أرض بخارى والقرم والقوقاز. كما بكوا ضياع الخلافة الإسلامية في تركيا. كما بكوا ضياع مهبط الأديان في فلسطين، وبكوا معها القدس والمسجد الأقصى ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه﴾ . ونحن ندرس في هذه الكلمات الأندلس باعتبارها حاضرًا لا ماضيًا. باعتبارها حاضرًا سليبًا يذكِّر المسلمين مجدهم, ويذكِّرهم الجهاد لاستعادة فردوسهم المفقود, مع استعادة فلسطين والأقصى, واستعادة مثوى البخاري ومسلم, وغيرهم من علماء المسلمين في أرض الاتحاد السوفيتي. ثم لنأخذ العبرة. كيف كانت الأندلس؟ كيف صارت الأندلس؟

стр. 69

كيف ضاعت الأندلس؟ فنأخذ من الضياع كيف نتوقَّى الضياع. ونأخذ من الضياع كيف نسترد ما ضاع. والله المستعان وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. أولًا: الأندلس قبل الضياع قبل الضياع فترتان لا بُدَّ من الإشارة لهما: فترة ما قبل الفتح الإسلامي. ثم فترة ما بعد الفتح الإسلامي. ففي الإشارة إليهما عبرة لأولى الألباب. - الأندلس قبل الفتح الإسلامي: شبه جزيرة الأندلس "أسبانيا والبرتغال الآن" تقع في الجنوب الغربي من أوربا, وتحيط بها مياه المحيط من غربها, ومياه الأبيض المتوسط من جنوبها وشرقها, ويفصلها عن المغرب الإسلامي مضيق جبل طارق, وتتحصن بالجبال في أماكن عديدة. وهي بعد موقعها تتميّز بجمال طبيعتها, وباعتدال جوها, وبخصب أرضها. وقد كانت القرون الوسطى -قبل الفتح الإسلامي- تغرق في ظلمات الجهل والاستبداد، والفوارق الاجتماعية، وتحكُّم الإقطاع والكنيسة, ولنعلم إلى أي حدٍّ انحطَّت الكنيسة، لنا أن نعلم بعد الذي سقناه أنها كانت تحرّم الاغتسال والتطهير، ويعتبرون قذارة البدن تسير طرديًّا مع طهارة الروح، حتى ليفخر أحد رهبانهم بأنه لم يرتبك إثم غسل الرجلين طوال العمر, وحتى ليتندر آخر بأنه كانوا يعدون غسل الوجه حرامًا, حتى جاء الفتح الإسلامي فصاروا يدخلون الحمامات.

стр. 70

ويعتبرون النساء رجسًا ولو كنَّ أمهات أو شقيقات, ومن ثَمَّ لا يقتربون منهن، ولا يتحدثون إليهن، ويفرون منهن فرار الرجل من الجرب. ٢- الأندلس بعد الفتح الإسلامي: استمرَّ الفتح الإسلامي ما بين عامين وأربعة على اختلاف الروايات, وعمَّ نور الإسلام شبه الجزيرة, ودخل الناس طواعية في دين الله أفواجًا ... وشحذ الإسلام الهمم, وأنار بعد القلوب العقول، حتَّى تفتَّقت عن حضارة لم يعرف لها العالم ولا التاريخ مثيلًا. ويكفي أن نعرف أنها أنجبت بفضل الله ونوره: أ- أمثال ابن حبان القرطبي، شيخ المؤرخين، وصاحب أحكام القرآن الشهير بتفسير القرطبي، والمقتبس في أخبار بلاد الأندلس في عشرة أجزاء، أو غيرها من المؤلفات. ب- ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، ومؤسس فلسفة التاريخ، وصاحب مقدمة ابن خلدون، وما أعقبها من مجلدات كتاب "المبتدأ والخبر". ج- ابن حزم "الظاهري" صاحب كتاب المحلَّى "٩ أجزاء", والإحكام في أصول الأحكام في أصول الفقه، فضلًا عن أربعمائة مجلة آخر "٤٠٠". د- أبو القاسم المجريطي، الفلكي الشهير, الذي تُرْجِمَت كتبه إلى اللاتينية. وقد كان للمسلمين مراصد في قرطبة وطليطلة, فضلًا عن اختراعهم لأنواعٍ من الساعات سميت "الميقاتة". هـ- أبو القاسم الزهراوي, الطبيب المسلم الشهير, الذي توصَّل إلى استخراج الحصاة من المثانة أو تفتينها, وإجراء عمليات في العين, فضلًا عن بقية أفراد عائلة زهر التي اشتهرت بالطب رجالًا ونساءً. وفي مجالات أخرى برز المسلمون من أبناء الأندلس المسلم:

стр. 71

ففي مجالات الكيمياء: كانوا أوَّل من جعلوا البارود مادة متفجرة دافقة قابلة لإطلاق القذائف, كما وضعوا كثيرًا من قواعدها وأصولها التي نقلها عنهم الأوربيون بعد ذلك، وتوصَّلوا إلى كثير من الصناعات باستعمال المواد الكيمياوية في الطباعة والدباغة وصناعة المعادن. وفي الفيزياء: وضعوا كثيرًا من أسس هذا العلم, كما وضعوا نظرية الجاذبية, وتحدَّثوا عن "المغناطيسية" والبصريات، وغير ذلك. وفي الجغرافيا والرحلات: ارتادوا البحر والفجاج, واستكشفوا الكثير، وكان لهم إنتاج طيب، وظهر منهم أمثال: "الرازي والبكري، والعذري والإدريسي وابن بطوطة". وفي التعليم: ظهرت أساليب التعليم, وظهرت الجامعات: "جامعة قرطبة، وجامعة غرناطة، وجامعة إشبيلية", ووقف عليها ليس فقط المسلمون, بل هرع إليها غير المسلمين ينهلون من علمها, ويتعلمون منها كيف يتعلمون وكيف يعلِّمون. وأخيرًا نسوق بعض ما قاله غير المسلمين, والحق ما شهدت به الأعداء. يقول ماك كيب: لم تطلع الشمس على أهنأ وأرغد عيشًا، ولا أكثر رغبةً في التمتُّع بالجمال والعلوم والأعمال المجيدة من عرب الأندلس. ويقول كذلك: إن العرب الأندلسيين لو تجمَّعوا في فتح أوربا وبقوا فيها قرنين, وأقاموا فيها مدينتهم, كما فعلوا في الأندلس؛ لكنَّا الآن متقدمين خمسة قرون على ما نحن فيه. ثم يشير لى إغفال المؤرخين الأوربيين لحضارة الإسلام في الأندلس, ويسوق الأسباب لذلك: هكذا صارت الأندلس بعد أن فتحها الإسلام تعرف النوم وتمضي في ظلال النور، تقيم أعظم حضارة عرفها التاريخ، في كل مجالات العلم والمعرفة والفن، لولا ما أصابها بعد ذلك, فانتقلت إلى دور الفردوس المفقود.

стр. 72

ثانيًا: الفردوس المفقود: كيف ضاعت الأندلس؟ حديث الضياع حديث أليم, خاصَّة إذا كان عن الأندلس فردوس المسلمين وباب الإسلام إلى أوربا والغرب كله، ثُمَّ منارة حضارية إلى العالمين. لكن تشخيص الداء لازم لسلامة الدواء وسلامة الاستشفاء, ومن ثَمَّ كان لا بُدَّ من هذا الحديث. والأندلس ضاعت يوم ضاع الإسلام في قلوب أبنائها؛ ففسد الأمراء, وسكت العلماء, وفسد من بعد هؤلاء وأولئك بقية الناس. - ودَبَّ الترف وسرى في عروق الحاكمين, وامتدَّ من الحاكمين إلى مَنْ يلهم من الطبقات, ومع الترف يكون الفسق ويكون الفجور، وعرفت الأندلس القيان، والغناء, وارتخت أعصاب المترفين، وترهَّلت أجسادهم, ونعمت أطرافهم، فلم تعد صالحةً للجهاد، ومن ثَمَّ توقَّف الجهاد. وتنافس الحاكمون في اقتناء الإماء، وفي الشتبيب بالنساء، وفي تشييد القصور, وعرفت قرطبة: الزهراء، والكامل، والمجرَّد, والحائر، والروض، والمعشوق، والمبارك، والرستق، والتاج، وقصر السرور، وانهمك "الناصر" في عمارة الزهراء, حتى ترك الجمعات؛ فوقف الإمام منذر بن سعيد ينذر بالهلاك ويقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٢٨-١٣٥] .

стр. 73

ثم نوَّه بالزهراء وتلا قول الله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٩-١١٠] . وظهر من الحكام من يجهر بالمعاصي، والجهر بالمعصية إغراء بها, وتحريض عليها, فإن كان الجهر من الحكام فالإغراء أشد, والتحريض أعظم، وهكذا يشير المؤرخون إلى الحكم بن هشام, ثم إلى ولده عبد الرحمن, وإذا كان الأمر كذلك على مستوى أولي الأمر، فإن السقوط أشدّ, والتتابع بين العامَّة أفظع, وهكذا صدق قول الله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: ٦] . وفي القراءة الأخرى: "أمَّرْنَا مترفيها" بتشديد الميم, فمع التشديد يكون تشديد الله أشد. وكان مما صاحب الترف وزكاه على مستوى الجماهير، غزوٌ فكري حمله مبشرون وصلوا إلى الألف, وحملة مدرسون في المدارس وصلوا إلى ٤٨٥ مدرسًا، وحملته كئوس الخمر ينفق عليها البابا خمسمائة ألف فلورين "سنويًّا". وكان مما صاحبه على مستوى الأمراء مصاهرة النصارى؛ فنزوج أبو الحسن "الغني بالله" من النصرانية ثريَّا، وكان يستعين بأهلها "ملوك قشتالة" النصارى على ابن أخيه الزعل، وتتابع مَنْ قبله ومَنْ بعده أمراء في هذا الأمر، ولم يصغوا لقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ولا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 74

الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الممتحنة: ١] . وكان هذا هو عامل الانهيار الأول: الانهيار داخل النفس. وأعقبه انهيار آخر، انهيار داخل الصف. بما أصاب المسلمين في الأندلس من خلاف وشقاق، كان سببه الاقتتال على الجاه والمنصب، وبدأ أوّل ما بدأ في صفوف الأمراء والحاكمين، وامتدَّ عصبية مقيتة كريهة بين صفوف الفاتحين من قحطانيين وعدنانيين, ومن عرب وبربر، تفجَّرت القوميات والعصبيات كريهة, تقسم الصف وتفتته, وتطمع عدو الله وعدوه. وعرفت الأندلس الثورات، وعرفت الحروب الداخلية, ومن أسف أن يستعان فيها بالنصارى ضد المسلمين، فيضعف الأخيرون ويتقوَّى الأولون, يقفون متربصين انهيار الدولة الإسلامية هناك وراء الجبال في الشمال. ويأتي العامل الثالث والأخير ليجهز على ما بقي: تأتي حشود النصارى القابعة وراء جبال الشمال؛ لتجهز على ما بقي من قوة المسلمين, فقد فات المسلمون أن يطهروا هذه الجبال مِمَّنْ قبع وراءها من فلول الأسبان, فتقدموا غداة ضعف الدولة وانهيارها؛ ليتلَّمسوا طليطلة من ملكها التافه العاجز المسمَّى خطأ بالقادر "سنة ١٠٨٦"؛ لتكون هذه أول حملة صليبية يعقبها بثلاثة عشر عامًا نزول الصليبيين في بيت المقدس سنة ١٠٩٩هـ. وهكذا المسلمون جسد واحد؛ إذا أصيب في جانب صار عرضة لِأَنْ يُصَابَ في بقية الجوانب، أو هم كالبناء الواحد إذا تداعى في ناحية أمْكَنَ أن يسقط في أخرى.

стр. 75

وفي الخامس عشر من صفر ٦٠٩هـ "١٢١٢م" دارت آخر معركة بين قوات الموحِّدين وقوات قشتالة يقودها ألفنسو الثامن، فيهوي عَلَم الموحدين, ويرتفع عَلَمُ الصليبيين، ويذوق المسلمون الإبادة والنفي والهوان، حتى تستأصَلَ شأفتهم في فردوسهم المفقود. وما يجدون, بل ما يجيدون بعدها غير البكاء على الأطلال: تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان١ على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران حيث المساجد قد صارت كنائس مـ ... ـا فيهنّ إلّا نواقيس وصلبان حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثى وهي عيدان أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... أسرى وقتلى فما يهتز إنسان ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ... وأنتم -يا عباد الله- إخوان
следующие страницы →