← Общие книги

Общие книги · id 10746

حاضر العالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (226 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ففي مجالات الكيمياء: كانوا أوَّل من جعلوا البارود مادة متفجرة دافقة قابلة لإطلاق القذائف, كما وضعوا كثيرًا من قواعدها وأصولها التي نقلها عنهم الأوربيون بعد ذلك، وتوصَّلوا إلى كثير من الصناعات باستعمال المواد الكيمياوية في الطباعة والدباغة وصناعة المعادن. وفي الفيزياء: وضعوا كثيرًا من أسس هذا العلم, كما وضعوا نظرية الجاذبية, وتحدَّثوا عن "المغناطيسية" والبصريات، وغير ذلك. وفي الجغرافيا والرحلات: ارتادوا البحر والفجاج, واستكشفوا الكثير، وكان لهم إنتاج طيب، وظهر منهم أمثال: "الرازي والبكري، والعذري والإدريسي وابن بطوطة". وفي التعليم: ظهرت أساليب التعليم, وظهرت الجامعات: "جامعة قرطبة، وجامعة غرناطة، وجامعة إشبيلية", ووقف عليها ليس فقط المسلمون, بل هرع إليها غير المسلمين ينهلون من علمها, ويتعلمون منها كيف يتعلمون وكيف يعلِّمون. وأخيرًا نسوق بعض ما قاله غير المسلمين, والحق ما شهدت به الأعداء. يقول ماك كيب: لم تطلع الشمس على أهنأ وأرغد عيشًا، ولا أكثر رغبةً في التمتُّع بالجمال والعلوم والأعمال المجيدة من عرب الأندلس. ويقول كذلك: إن العرب الأندلسيين لو تجمَّعوا في فتح أوربا وبقوا فيها قرنين, وأقاموا فيها مدينتهم, كما فعلوا في الأندلس؛ لكنَّا الآن متقدمين خمسة قرون على ما نحن فيه. ثم يشير لى إغفال المؤرخين الأوربيين لحضارة الإسلام في الأندلس, ويسوق الأسباب لذلك: هكذا صارت الأندلس بعد أن فتحها الإسلام تعرف النوم وتمضي في ظلال النور، تقيم أعظم حضارة عرفها التاريخ، في كل مجالات العلم والمعرفة والفن، لولا ما أصابها بعد ذلك, فانتقلت إلى دور الفردوس المفقود.

стр. 72

ثانيًا: الفردوس المفقود: كيف ضاعت الأندلس؟ حديث الضياع حديث أليم, خاصَّة إذا كان عن الأندلس فردوس المسلمين وباب الإسلام إلى أوربا والغرب كله، ثُمَّ منارة حضارية إلى العالمين. لكن تشخيص الداء لازم لسلامة الدواء وسلامة الاستشفاء, ومن ثَمَّ كان لا بُدَّ من هذا الحديث. والأندلس ضاعت يوم ضاع الإسلام في قلوب أبنائها؛ ففسد الأمراء, وسكت العلماء, وفسد من بعد هؤلاء وأولئك بقية الناس. - ودَبَّ الترف وسرى في عروق الحاكمين, وامتدَّ من الحاكمين إلى مَنْ يلهم من الطبقات, ومع الترف يكون الفسق ويكون الفجور، وعرفت الأندلس القيان، والغناء, وارتخت أعصاب المترفين، وترهَّلت أجسادهم, ونعمت أطرافهم، فلم تعد صالحةً للجهاد، ومن ثَمَّ توقَّف الجهاد. وتنافس الحاكمون في اقتناء الإماء، وفي الشتبيب بالنساء، وفي تشييد القصور, وعرفت قرطبة: الزهراء، والكامل، والمجرَّد, والحائر، والروض، والمعشوق، والمبارك، والرستق، والتاج، وقصر السرور، وانهمك "الناصر" في عمارة الزهراء, حتى ترك الجمعات؛ فوقف الإمام منذر بن سعيد ينذر بالهلاك ويقول: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٢٨-١٣٥] .

стр. 73

ثم نوَّه بالزهراء وتلا قول الله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٩-١١٠] . وظهر من الحكام من يجهر بالمعاصي، والجهر بالمعصية إغراء بها, وتحريض عليها, فإن كان الجهر من الحكام فالإغراء أشد, والتحريض أعظم، وهكذا يشير المؤرخون إلى الحكم بن هشام, ثم إلى ولده عبد الرحمن, وإذا كان الأمر كذلك على مستوى أولي الأمر، فإن السقوط أشدّ, والتتابع بين العامَّة أفظع, وهكذا صدق قول الله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: ٦] . وفي القراءة الأخرى: "أمَّرْنَا مترفيها" بتشديد الميم, فمع التشديد يكون تشديد الله أشد. وكان مما صاحب الترف وزكاه على مستوى الجماهير، غزوٌ فكري حمله مبشرون وصلوا إلى الألف, وحملة مدرسون في المدارس وصلوا إلى ٤٨٥ مدرسًا، وحملته كئوس الخمر ينفق عليها البابا خمسمائة ألف فلورين "سنويًّا". وكان مما صاحبه على مستوى الأمراء مصاهرة النصارى؛ فنزوج أبو الحسن "الغني بالله" من النصرانية ثريَّا، وكان يستعين بأهلها "ملوك قشتالة" النصارى على ابن أخيه الزعل، وتتابع مَنْ قبله ومَنْ بعده أمراء في هذا الأمر، ولم يصغوا لقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ولا قوله: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 74

الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الممتحنة: ١] . وكان هذا هو عامل الانهيار الأول: الانهيار داخل النفس. وأعقبه انهيار آخر، انهيار داخل الصف. بما أصاب المسلمين في الأندلس من خلاف وشقاق، كان سببه الاقتتال على الجاه والمنصب، وبدأ أوّل ما بدأ في صفوف الأمراء والحاكمين، وامتدَّ عصبية مقيتة كريهة بين صفوف الفاتحين من قحطانيين وعدنانيين, ومن عرب وبربر، تفجَّرت القوميات والعصبيات كريهة, تقسم الصف وتفتته, وتطمع عدو الله وعدوه. وعرفت الأندلس الثورات، وعرفت الحروب الداخلية, ومن أسف أن يستعان فيها بالنصارى ضد المسلمين، فيضعف الأخيرون ويتقوَّى الأولون, يقفون متربصين انهيار الدولة الإسلامية هناك وراء الجبال في الشمال. ويأتي العامل الثالث والأخير ليجهز على ما بقي: تأتي حشود النصارى القابعة وراء جبال الشمال؛ لتجهز على ما بقي من قوة المسلمين, فقد فات المسلمون أن يطهروا هذه الجبال مِمَّنْ قبع وراءها من فلول الأسبان, فتقدموا غداة ضعف الدولة وانهيارها؛ ليتلَّمسوا طليطلة من ملكها التافه العاجز المسمَّى خطأ بالقادر "سنة ١٠٨٦"؛ لتكون هذه أول حملة صليبية يعقبها بثلاثة عشر عامًا نزول الصليبيين في بيت المقدس سنة ١٠٩٩هـ. وهكذا المسلمون جسد واحد؛ إذا أصيب في جانب صار عرضة لِأَنْ يُصَابَ في بقية الجوانب، أو هم كالبناء الواحد إذا تداعى في ناحية أمْكَنَ أن يسقط في أخرى.

стр. 75

وفي الخامس عشر من صفر ٦٠٩هـ "١٢١٢م" دارت آخر معركة بين قوات الموحِّدين وقوات قشتالة يقودها ألفنسو الثامن، فيهوي عَلَم الموحدين, ويرتفع عَلَمُ الصليبيين، ويذوق المسلمون الإبادة والنفي والهوان، حتى تستأصَلَ شأفتهم في فردوسهم المفقود. وما يجدون, بل ما يجيدون بعدها غير البكاء على الأطلال: تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان١ على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران حيث المساجد قد صارت كنائس مـ ... ـا فيهنّ إلّا نواقيس وصلبان حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثى وهي عيدان أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... أسرى وقتلى فما يهتز إنسان ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ... وأنتم -يا عباد الله- إخوان

стр. 76

ثالثًا: الطريق إلى الأندلس: هو الطريق المضاد لطريق الضياع، هو معنويًّا: من خلال النفس: أن يعمرها الإسلام والإيمان. وهو إعداد من خلال الصف: أن تعود إليه وحدته، فتعود الأمة الواحدة والدولة مسلَّحة مع الإيمان، بما استطاعت من قوة. وهو استراتيجيًّا: واجب الصف الإسلامي الأوَّل المرابط هناك في أرض المغرب الإسلامي، فليس بينها وبين الأندلس غير خطوات. فلا بُدَّ أن تعود الأندلس، فردوس الإسلام المفقود، الذي رفرف عليه علم الإسلام ثمانية قرون. لا بُدَّ أن تعود الأندلس -أرض المسلمين، والجهاد لعودتها فرض عينٍ تمامًا كالجهاد لاستعادة فلسطين.

стр. 77

٢- فلسطين المسلمة: ونحن نتعرّض لحاضر فلسطين باعتباره جزءًا من حاضر العالم الإسلامي يشكل قضية ومأساة, ولا نتعرض للماضي كتاريخ، وإنما نكتفي بوقائع سريعة في معرض بياننا كيف استُلِبَ الوطن الإسلامي في فلسطين، ثم نعرض لحاضر فلسطين من الناحيتين السياسية والاجتماعية, ثم نظرة إلى مستقبل فلسطين.

стр. 78

أولًا: كيف استُلِبَ الوطن الإسلامي في فلسطين؟ أ- تاريخ: البعض يرجع ذلك تاريخيًّا إلى أوّل مؤتمر صهيوني انعقد في بال ١٨٩٧ بزعامة تيودور هرتزل؛ حيث قرَّر اتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود، ووضع التخطيط اللازم للتنفيذ؛ فسار في خطَّين: خط دفع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وخط البحث عن الشرعية الدولية التي تساند هذا الاغتصاب أو تستره، وفي الوقت نفسه القوة الدولية التي تحمي هذا الاغتصاب بالقوة وبالشرعية معًا.١ وتأسَّس البنك الوطني اليهودي لهذا الغرض, وتأسَّست معه الجمعيات اليهودية العديدة التي تزكي في اليهود روح الصهيونية٢, وكان ذلك تنفيذًا للخطِّ الأول, وبدأت الهجرة تسير في خطٍّ بيانيٍّ بدأ بعدة آلاف، وانتهى اليوم بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة. وفي مدينة القدس الإسلامية -على سبيل المثال- كان عدد السكان اليهود

стр. 79

فيها صفر% سنة ١١٧٠م, "القرن الثاني عشر" واحد يهودي, سنة ١٧٥٠م "القرن السابع عشر" ١٥٠ يهوديًّا, سنة ١٩٧٧م "القرن العشرون" ١٤٢٠٠٠ مائة واثنين وأربعين ألف يهودي. وبدأ انتزاع الأرض من أيدي أهلها بالإغراء بالمال رغبًا, ثم بالتخويف والبطش بعد ذلك رهبًا, وسار انتزاع الأرض يأخذ الخط البياني التالي: في العشرينات: تراوحت ما بين ١٧.٤٩٧ سنة ١٩٢٣ إلى ١٧٦.١٢٤ دونمًا عام ١٩٢٦. في الثلاثينات: تراوحت ما بين ١٨.٨٩٣ سنة ١٩٣٢ إلى ٣٦.٩٩١ دونمًا عام ١٩٣٣, إلى ٦٧.١١٤ سنة ١٩٣٥. في الأربعينيات١: وفي نهاية سنة ١٩٤٦ قدرت السلطات البريطانية ما يملكه اليهود بمساحة ١.٦٢٤.٠٠٠ دونمًا، ومع ذلك فلم تكن تمثل غير ٧% من مساحة فلسطين. وفي سنة ١٩٦٧: ملكت إسرائيل كل أرض فلسطين وأضعافها, وتحقيقًا للخط الثاني كانت محاولة الشرعية الأولى مع دولة الخلافة,

стр. 80

مع السلطان عبد الحميد ﵀. قيل: إن هرتزل قابل للسلطان عبد الحميد بنفسه". وقيل: إنه أوفد إليه وفدًا من ثلاثة هم: ١- مزراحي قرصو "زعيم اليهود في سلانيك". ٢- جاك. ٣- ليون "وهما كذلك من زعماء اليهود". وعرضوا على السلطان عبد الحميد "في حضور تحسين باشا رئيس الوزراء": أ- أن يقوم اليهود بوفاء الديون المستحقَّة على الدولة العثمانية "وقدرها ١٣٣ مليون ليرة إنجليزية ذهبية". ب- بناء أسطول لحماية الإمبراطورية العثمانية "يتكلَّف ١٢٠ مليون فرنك فرنسي". ج- تقديم قرض بدون فائدة "قدره ٣٥ مليون ليرة ذهبية" لإنعاش مالية الدولة ومواردها, وذلك مقابل السماح لليهود بدخول فلسطين للزيارة في أيّ يوم من أيام السنة، والسماح ببناء مستعمرة لهم قرب القدس الشريف؛ وقد رفض الخليفة المفترى على تاريخه، وقيل: إنه بصق في وجه زعيمهم: ب- أرض بلا شعب إلى شعب بلا أرض "إسرائيل زانغويل". وكانت المحاولة الثانية في البحث عن الشرعية الدولية والحماية الاستعمارية عن طريق بريطانيا العظمى، واستطاع اليهود خلال الحرب العالمية الأولى والثانية أن ينجحوا في المشاركة في هذه الحرب, مما استمال بريطانيا العظمى إليهم، ثُمَّ كانت صلات هرتزل ووايزمان من بعد استثمارًا لهذه المشاركة, واستفادة منها ... ١.

стр. 81

وفي الوقت الذي كانت بريطانيا "العظمى" قد أعطت العهد للشريف حسين بمنح الاستقلال للدول العربية، والسماح بقيام خلافة "عربية إسلامية" يقوم عليها أحد الأصلاء من مكة أو المدينة -في نفس الوقت كانت الاتصالات باليهود قائمة، وكان التعاطف معهم أشد، وتَمَّ عقد اتفاقيتين سريتين في مارس سنة ١٩١٦ بين روسيا وانجلترا وفرنسا، وفي مايو سنة ١٩١٦ بين الدولتين الإخيرتين "والتي عرفت بمعاهدة سايكس-بيكو", وتقرَّر وضع أقليم فلسطين تحت حكم دولي يتمتَّع اليهود في ظله "بالمساواة السياسية والدينية والمدنية"١. ولم يعرف الشريف حسين الذي وثق في شرف بريطانيا "العظمى" بأمر هذه الاتفاقات إلّا بعد ستة شهور, وبعد قيام الثورة البلشفية في روسيا؛ حيث أعلنت عن هذه الاتفاقيات٢. وفي ٢ فبراير سنة ١٩١٧ أصدر اللورد "بلفور" وزير خارجية بريطانيا "العظمى" للتصريح التالي٣: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي، وسنبذل جهدنا لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًّا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتَّع

стр. 82

بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى". وبهذا أعطي "من لا يملك" لمن لا يستحق أوَّل حماية يتمّ التصريح بها، وأوَّل خطوة على طريق الشرعية الزائفة, ومع ذلك اعتبرها الصهيونيون تصديقًا بريطانيًّا رسميًّا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين, وذلك عن طريق الهجرة الجماعية وابتياع الأراضي١، ووافقت على التصريح فرنسا وإيطاليا في فبراير سنة ١٩١٨, وأمريكا في أكتوبر سنة ١٩١٨ ٢. وكانت تتمَّة المؤامرة البريطانية-الغربية, إعلان الانتداب على فلسطين بعد ضمِّها مع شرق الأردن والعراق إلى بريطانيا, واكتشف الشريف حسين ومن وراءه من العرب أنَّ فلسطين قد سُلِّمت لليهود، وأنَّ العرب جرى اقتسامهم بين الدول الحليفة٣.

стр. 83

وكانت المحاولة الثالثة والأخيرة إعلان دولة إسرائيل في ١٥ مايو سنة ١٩٤٨ في ظلّ حماية دولية إنجليزية أمريكية فرنسية روسية ... وسبقتها خطوة خطيرة على طريق الشرعية الدولية, هو قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧ قبل الإعلان بشهور ستة. هذا ما يراه البعض. ونحن معهم أنَّ هذا التسلسل كان السبيل لتنفيذ المخطَّط عمليًّا. ج- تاريخ أقدم: - لكننا مع البعض الآخر الذي يرجع الأمر إلى ما قبل هرتزل بقرنين أو يزيد، حين دعا الحاخام ليفا "١٥٢٠-١٦٠٩" من براغ- دعا إلى اتخاذ فلسطين وطنًا لليهود١. وأعقبه مورس هس "١٨١٢-١٨٧٥" الذي بدأ علمانيًّا، ثم صبأ إلى الماركسية مرتبطًا مع ماركس، لكنه أعرض عن الماركسية متجهًا إلى مثالية يهودية مغرقة في حب اليهود، وأصدر كتابه "روما والقدس" سنة ١٨٦٢ بسط فيه أفكاره، وتحدَّث عن أن اليهود "مدعوون مصيريًّا لتحويل العالم". وبدأت الصهيونية المنظَّمة، وظهرت حركة "أحباء صهيون" تحت زعامة ليوبنسكر "١٨٢١-١٨٩١" في مطلع الثمانينات. وفي أواخر الثمانينات والتسعينات جرت صياغة عقيدة الصهيونية على يد مدارس متعددة٢.

стр. 84

فالصهيونية العملية: ومن أشهر زعمائها دافيد غوردون "١٨٥٦-١٩٢٢", وقد جدَّد حركة "أحباء صهيون" التي تقوم على العمل في أرض إسرائيل, وإنشاء المستوطنات والمستعمرات. والصهيونية السياسية: ويقوم على زعمامتها ليوبنسكر في أوربا الشرقية، واليهودي الهنغاري تيودر هرتزل "١٨٦٠-١٩٠٤". ويقال: إن كليهما في البداية لم يكن مقتنعًا باتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود, وإن هرتزل كان في البداية يفضّل مواقع أخرى مثل: الأرجنتين وقبرص وشبه جزيرة سيناء, لكنه مع المؤتمرات الصهيونية التي انعقدت تغلَّب الاتجاه إلى فلسطين. وقد يؤكّد القول بأن هرتزل في البداية لم يكن متجهًا إلى فلسطين محادثائه مع الزعماء الإنجليز التي تَمَّ بناءً عليها إيفاد بعثة إلى سيناء سنة ١٩٠٦؛ لبحث مدى صلاحيتها على الطبيعة, لكنه من ناحية أخرى: فإن سيناء ملاصقة لفلسطين, وهي من ناحية التقديس عندهم لا تقل عن فلسطين, ففيها كلَّم الله نبيه موسى، وفيها كتبت الألواح, ونزلت الوصايا العشر، ثم هي امتداد طبيعي لدولة إسرائيل الموسَّعة، كما تكشَّفت أطماعهم عنها بعد ذلك "من الفرات إلى النيل، ملكك يا إسرائيل". أما الصهيونية الثقافية: فقد تزعَّم جناحها أحدها عام "١٨٥٦-١٩٢٧", وقد أعلن أن وجود الأمة اليهودية بخصائصها المتأصّلة هو ما يحقق الإنسان الأكثر كمالًا١. ونحن نرى أن مراحل استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين جرت على النحو التالي: ١- قبل القرن السادس عشر الميلادي.

стр. 85

كان الأمر مجرَّد أمل لم يصرح به. ٢- منذ القرن السادس عشر الميلادي: كانت مرحلة التفكير والدعوة. ٣- منذ القرن التاسع عشر الميلادي: كانت مرحلة التخطيط. ٤- في القرن العشرين: كانت مرحلة التنفيذ. وغني عن الذكر أن لا حقَّ لليهود -تاريخيًّا- في أرض فلسطين, فإنها منذ السنة الخامسة عشرة الهجرية أرض إسلامية, وهي قبل هذا التاريخ أرض عربية، وطوال خمسة آلاف سنة, فإن عمر اليهود على هذه الأرض الطيبة لم يجاوز ١٤٠مائة وأربعين سنة على فترتين، الفترة الأولى: بين سنة ١٠٠٠ قبل الميلاد حتى سنة ٩٢٧ قبل الميلاد, والفترة الثانية: بين سنة ١٤٢ قبل الميلاد حتى سنة ٧٥ قبل الميلاد كذلك. د- أمَّا الأسباب التي أدَّت إلى نجاح اليهود في استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين، فنحن نرجعها إلى الأسباب الآتية: ١- تخطيط اليهود وصبرهم على إنجاحه. وقد بدأ التخطيط تفكيرًا من مفكريهم كما أشرنا، ثم انتهى إلى إقرار خطة في مؤتمر بال ١٨٩٧ ترمي إلى تنمية الهجرة وشراء الأرض من ناحية، والبحث عن الحماية الدولية من دولة عظمى تظلها الشرعية الدولية الزائفة من ناحية أخرى. ويقال: إن البروتوكولات وضعت في المؤتمر الصهيوني الأول. وكلتا الخطتين تدلان على معرفة بأغوار النفس الإنسانية، وإدراك بالجو الدولي الموجود, واستغلال لأحداثه.

стр. 86

وصبرهم على تنفيذ ذلك التخطيط رغم الأحداث الجسيمة التي واجهتهم من بعده، فالاضطهاد الذي حدث لهم في مشرق أوربا، ثم الاضطهاد الذي حدث لهم في ألمانيا على يدي هتلر، ثم العقبات التي قامت في طريق إقامتهم دولتهم من مقاومة الشعب الفلسطيني, وانضمام الشعوب العربية الإسلامية إلى هذه المقاومة، ومن قبلها رفض الخلافة العثمانية لوجودهم، وتآمرهم على هذه الخلافة بما صرَّح به هرتزل في مذكراته من أنَّ السلطان عبد الحميد رفض الملايين العديدة لقاء فلسطين، فقبل حزب الاتحاد والترقي مليونين لتنفيذ نفس الغرض١. كل ذلك وغيره يكشف عن حسن تخطيط, وعن صبر في التنفيذ. وفي مقابل ذلك -ونقررها بكل أسف: انتفى التخطيط لدى الأمَّة الإسلامية, أو بالأصح لدى اليقظى من الأمة الإسلامية, وتوافر عندهم إخلاص بغير تخطيط، شابه في كثير من الأحيان "قلة الصبر" على التنفيذ، واستجابة لغير المخلصين؛ لإنهاء أوضاع تقلق اليهود٢. ٢- إبعاد الإسلام عن المعركة: واضح أن الإسلام كان الخطر الأول في المعركة. أولًا: بما يحمله لأبنائه من عقيدة تؤثر الموت في سبيل الله على الحياة

стр. 87

في ظلِّ عبودية تفرضها أذل أمة في الأرض، وبما يحمله كذلك دعوة إلى الجهاد, واعتباره فرض عين إذا غزيت ديار الإسلام. هذه العقيدة من غير سلاحٍ كفيلة -بإذن الله- بتحقيق النصر. فإذا أضفنا إليها أمر الإسلام: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . لو أحسنا فهم الأمر الرباني لوجدنا أن الإسلام يأمر: أ- بالتخطيط القوي؛ وهو ما يحمله لفظ الإعداد, وما يحمله لفظ القوة. ب- بالإعداد المعنوي. ج- بالإعداد العسكري؛ حشدًا، وتدريبًا، وتسليحًا. د- الإكثار من السلاح الثقيل, وهو ما تعنيه "رباط الخيل" بعد "القوة", فهو تخصيص للأهمية والخطر. ثانيًا: ما يحمله دخول الإسلام المعركة من دخول ثقل بشري لا قِبَلَ لليهود به, ونعني به الأمة الإسلامة التي تناهز اليوم ألف مليون من البشر. ثالثًا: ما يحمله دخول الإسلام من ثِقَلٍ سياسي واقتصادي لا قِبَلَ لليهود بمواجهته؛ فمصالح أصدقاء إسرائيل أكثرها في أمم الإسلام. واحتياجات مناصري اليهود الاقتصادي أكثرها في قبضة المسلمين. أما عن مظاهر إقصاء الإسلام عن المعركة وكيفيته: فقد بَدَا بَدْأً بما رتَّبه اليهود داخل دولة الخلافة نفسها, وقام على تنفيذه يهود الدونمة, ومنهم ومعهم حزب الاتحاد والترقي, وحزب تركيا الفتاة،

стр. 88

وهو ما عناه الكاتب الروسي سرجس نيلوس من اقتحام الأفعى للآستانة في طريقها إلى فلسطين١. ثم تأكَّد ذلك بإقصاء السلطان عبد الحميد الذي رفض عرض اليهود٢, ثم بالقضاء على الخلافة نفسها التي ما كان يمكن أن تسلِّم بقيام وطن يهودي وسط وطنها. واستمرَّت محاولات إقصاء الإسلام عن المعركة بتكوين الجامعة العربية "بدلًا من الجامعة الإسلامية" بفكر وزير الخارجية الإنجليزي, وقبل تمام الكارثة بثلاث سنوات, ويحمّل الجامعة العربية لواء الجهاد من أجل فلسطين, ثم تخدير بقية العالم عن النهوض للمعركة. وزاد إقصاء الإسلام عن المعركة بدخول جيوش سبع دول عربية إلى المعركة, فما حاجة بقية المسلمين للجهاد وقد تولَّته جيوش سبعة فيها أبطال ومغاوير. وحين دخل عنصر إسلامي شعبي إلى معركة فلسطين، وحين صرَّح إمامهم الشهيد بإعلان التعبئة الدينية للجهاد في فلسطين, وعزمه دخولها في عشرة آلاف مقاتل فدائي. وحين ذاق اليهود بأس أولئك المسلمين بما شهدوا هم به, وبما شهد به قادة الجيش المصري أمام القضاء المصري.

стр. 89

حين كان ذلك تَمَّت طعنة الفدائيين المسلمين من الخلف على يد الحكومة الحاكمة في ذلك الحين, فأصدرت قرارًا بحلّ جماعتهم، وقرارًا باعتقالهم، وكانت تتمَّة الخيانة قتل إمامهم في ميدانٍ عام على يد بعض رجال الشرطة السريين١. وفي كل مرة كان يتم لإسرائيل التوسّع في عامي ١٩٥٦، ١٩٦٧ كان يتم إدخال العنصر الإسلامي إلى السجون، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر مع تكرره في أعوام ٤٨، ٥٤، ٦٥ من قبيل المصادفات السعيدة. وتكشف وثيقة تضمنها حكم قضائي صدر في مصر في ٣٠/ ٣/ ١٩٧٥ عمَّا كانت تحمله السلطة الحاكمة وقت التوسُّع من أعداء للإسلام والمسلمين وتخطيط للقضاء عليهم١. ٣- إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة: منذ ذاق الإنجليز ومن بعدهم اليهود بسالة الشعب الفلسطيني وتضحيته وتصميمه على الدفاع عن وطنه، وإذ عرفوا أنه صاحب المصلحة الأول في الدفاع عن التراب الإسلامي في القدس وفلسطين, ومنذ ظهر منه أمثال الشهيد "عبد القادر الحسيني" قائد منطقة القدس, والشهيد "حسن سلامة" قائد المنطقة الوسطى,

стр. 90

فقد قرروا إقصاءه عن المعركة. وكانت قمَّة التخطيط والتنفيذ إدخال سبعة جيوش عربية إلى فلسطين؛ لتخوض المعركة مع اليهود "بالنيابة" عن الشعب الفلسطيني. وسبقها وعاصرها حرمان الشعب الفلسطيني من التدريب ومن التسليح, وتشكيك الجيوش العربية في أمانة الشعب الفلسطيني، واتهامه بالعمل لحساب العدو اليهودي١. وكنا نعجب كيف لجيش عربي يقوده إنجليزي صريح أن يخوض حربًا لصالح المسلمين، وضد اليهود الذين ضمن لهم الإنجليز بالوعد والتخطيط والتنفيذ قيام وطن لهم في فلسطين, وكنا نعجب لجيش, بل جيوش أخرى في بلاد يحتلها الإنجليز, كيف سمحوا لها بالمرور إلى فلسطين. حتى أدركنا أن المطلوب هو إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة, وفعلًا نجحت الخطة, وأقصي الشعب الفلسطيني عن المعركة, وسلمت أراضي فلسطين جزءًا جزءًا من الجيوش العربية الباسلة إلى إسرائيل المزعومة. وبعد أن انتهت حرب فلسطين سنة ١٩٤٨ كان الشعب الفلسطيني قد تَمَّ إقصاؤه حربيًّا من المعركة, وتَمَّ بعد ذلك إقصاؤه سياسيًّا عنها, فتحوَّلت القضية أمام الأمم المتحدة إلى نزاع بين دول ذات سيادة عربية وإسرائيلية.٢

стр. 91

وحين بدت بادرة ظهور العنصر الفلسطيني سنة ١٩٦٧, تَمَّ حشد القادرين منهم فيما سُمِّيَ بجيوش التحرير الفلسطيني؛ ليتمَّ التهامهم في أول ضربة لليهود في يونية سنة ١٩٦٧, وقامت جيوش أخرى بالواجب في القضاء على العنصر الفلسطيني الثائر. بعضها في مذبحة "أيلول الأسود" التي قُتِلَ فيها اثنان وعشرون ألفًا على يد جيش عربي, والبعض الآخر في مذابح تل الزعتر وما قبلها وما بعدها, وتدخَّل جيش عربي ليتمَّ النصر ويتوجَّه ويحميه١.

стр. 92

ثانيًا: الحاضر الأليم في فسلطين من الناحية السياسية: أ- الدولة شعب وإقليم وسيادة: والشعب الفلسطيني اليوم موزَّع بين الأقطار، ممزَّق بين المنظمات والأحزاب, مما سنزيده تفصيلًا عند الكلام عن الناحية الاجتماعية إن شاء الله. وإقليم فلسطين اليوم غير موجود على الخريطة السياسية, موجود بدلًا منه دولة إسرائيل, وهي لم تكتف بأراضي فلسطين, بل ابتلعت في توسيع سنة ١٩٧٦ الجولان من سوريا, والضفة الغربية من الأردن، وشبه جزيرة سيناء من مصر, والأراضي التي ابتلعتها في التوسّع الأخير أضعاف ما امتلكت من قبل بغير حق. ولا سيادة لشعب فلسطين على أرض فلسطين, بل ولا سيادة له في مكان آخر, والمنظمة التي نشأت في أواخر الستينات نشأت إلى جوارها تيارات أخرى, بل مزَّقها من الداخل تيارات مختلفة, وأشارت أصابع الاتِّهَام إليها في مذبحة أيلول وما لحقها من مذابح. إنها مهدت، وأحيانًا شاركت. وهي على أي حال قد احتوتها التيارات التي احتوت كثير من الأنظمة ومن المنظمات في المنطقة, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. ب- الشرعية للغصب الإسرائيلي تتمّ باعتراف أصحاب الحق نفسه: حرصت إسرائيل منذ قيامها بل ومن قبل قيامها أن تستر غصبها بشرعية رفضها أصحاب الحق يوم أن قالوا: "إنَّ من لا يملك أعطى من لا يستحق".

стр. 93

لكنها -بكل أسف- اليوم في دور اعتراف أصحاب الحق نفسه. ومتى تَمَّ ذلك فقد انتفى عن إسرائيل كل ما قيل من اغتصاب وسلب لأرض الإسلام, ومن هنا كانت الخطورة. وقد سبق هذه الخطوة تمهيد على النحو التالي: ١- تمهيد إعلامي: بأنَّ إسرائيل أمر واقع، وأن لا قِبَلَ للعرب بدفعها عن فسلطين. ٢- تمهيد حربي: بإحراز بطولة -ولو جزئية- في جانب العرب، ليبدو قبول "السلام" من موقع القوة، فلا يرفضه الشعب العربي باعتباره استسلامًا. ٣- تمهيد اقتصادي: بإحداث خنق اقتصادي للشعب العربي في المنطقة, خصوصًا الجزء منه الذي يصدر للمعركة, حتى يلوّح "السلام" إنقاذًا للشعب مما يعانيه. ٤- تمهيد سياسي: وذلك بإحاطة إسرائيل بأنظمة تعمل لحساب الصهيونية -عن قصد أو غير قصد- بتحطيم معنويات الشعوب، وتحطيم قيمهم وأخلاقهم، والتمهيد إعلاميًّا للاعتراف بالغصب, بل وللتعاون مع للغاصب، وحسبنا أن نعرف أن نظامًا ما استطاع يهودي أن يتسلَّل إليه وتسمَّى بغير اسمه، وصار يعدل في الوزارة ويبدل، وقد عرضت عليه هو الوزارة فأبى بنصيحة من كبراته في إسرائيل؛ لأن مكانه أقوى من وزير. وفي نظام آخر وصل عملاء الصهيونية وأعضاء الماسونية إلى حد تسيير دفة الحكم والجلوس على رأسه، وكان من وزرائهم اليهودي, أو مَنْ هو متزوّج بيهودية, ولا شَكَّ أن ذلك كله لم يحدث إلّا بعد أن قامت دولة إسرائيل, وارتؤي أنَّ الأنظمة الرجعية صارت عاجزة عن تحقيق الهدف, بل هي

стр. 94

حجر عثرة في سبيل تحقيق الهدف, ومن ثَمَّ عرفت المنطقة "مودة" الانقلابات العسكرية١. ج- المستقبل السياسي لإسرائيل: المغفَّلون أو الغافلون يعتقدون أن إسرائيل بعد الاعتراف بها والصلح معها, سوف تقنع بما هي عليه, وتاريخ الصهيونية وطبيعتها وأهدافها وكتبها, كل ذلك يأبى عليها ذلك. وحسبهم أن يقرأوا التلمود، وأن يقرأوا البروتوكولات، بل أن ينظروا إلى ما كتب في الكنيست نفسه, فلم يعد الأمر عندهم حياء. وبِلُغَةِ أصحاب الحقّ تحدَّث رئيس إسرائيل في يوم أليم٢ على أنهم أصحاب حق يستردون أرض الأجداد, وكأنَّ الذين عاشوا عليها أربعة عشر قرنًا ليسوا أصحاب حقٍّ عاشوا تحت راية الإسلام، وكأنهم قبل الإسلام حين عاشوا قرونًا عديدة ليسوا أصحاب حقوق, وتحدث رئيس إسرائيل عن العبقرية اليهودية وعمَّا يمكن أن تفعله في المنطقة. ولئن كان حديثه عن الناحية الاقتصادية, فإننا نقدم عليها الناحية السياسية، فنقول: إنه إن ظل الوضع المفتوح فبوسع العبقرية اليهودية أن تفعل ما تشاء في المنطقة، ولها أن تحرك الدُّمَى بما ترى، ولها أن تغير

стр. 95

الدمى إن ضاقت بها الشعوب, أو أحاطتها الشكوك, ولها أن تمضي في التوسُّع بعد ذلك غير عابثة بالضمانات, فما ضمانات اليوم بأعظم ولا أبقى من وعود الأمس وقرارته. كل ذلك لأنَّ إسرائيل أسقطت من حساباتها حاليًا الإسلام وأهله, بعد ما نزل على رءوسهم من ضربات تدوّخ وتكسر وتقتل. لكن عقيدتنا في الله لم تتزعزع، وإيماننا بانتصار الإسلام لم يهن ولن يهون ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .

стр. 96

ثانيًا: من الناحية الاجتماعية: أ- شعب تمزَّق: مزَّقته الخلافات قديمًا وحديثًا١. ومزَّقه التشريد وحياة الخيام. ومزَّقة الجوع والعري والمرض. ب- شعب تحلَّل: تحلَّل فكريًّا بعد ما مزَّقته تيارات عديدة: علمانية، شيوعية، وجودية، يهودية٢, وتحلَّل خلقيًّا بعد ما مزَّقه التشريد والحاجة، وسرى فيه الانحلال٣، وتحلَّل أسريًّا بعدما تمزقت الأسرة الواحدة بين بلاد

стр. 97

وأقطار, ولم يعد فيها من ينصت إلّا لنداء البطن وما حوى. كل ذلك إلّا من رحم ربي. ج- شعب يهودي: "إنَّ أمام العرب في إسرائيل ثلاث خيارات: أ- اعتناق الدين اليهودي. ب- الطرد خارج البلاد. ج- الإبادة التامَّة. "ابن جوريون" "سنصل إلى وقت تعرف فيه كيف نمنع من لا يضع القلنسوة اليهودية فوق رأسه أن يعيش بيننا" "جولدا مائير". "إن فرعون أخطأ ولم يصب الغرض؛ حيث سلك ببني إسرائيل الإرهاب والتنكيل فانتصروا عليه, وسجَّل التاريخ عليه لعنات ما اقترفه، ولكنه لو أنشأ مدارس وجامعات يغيِّر فيها أفكارهم، ويقتلهم قتلًا معنويًّا, ويجعلهم ينحرفون عن هدفهم الأصلي، فيعيشون عالة على غيرهم بلا هدف يتفانون في تحصيله، لو فعل ذلك لأراح، ولسجَّل التاريخ مفخرة خدمة العلم بدلًا من لعنات البطش والإرهاب، "الفيلسوف الهندي أكبر إله آبادي".

стр. 98

ولتحقيق هذه الغاية تمضي برامج الإعلام، ومناهج التعليم لتحقيق هذه الغاية١. ولتحقيق هذه الغاية تمضي السياسة الاقتصادية نحو تنمية الحاجة لدى العرب القاطنين القانطين داخل إسرائيل. ولهذه الغاية تمضي سياسة "التهجير" و"الاستيطان" ونزع ملكية العرب المقيمين في فلسطين٢.

стр. 99

ثالثًا: مستقبل فلسطين الحديث عن المستقبل حديث شائك؛ إذ لا يعلم الغيب إلّا الله, لكن الله سبحانه أجاز لنا "الإعداد", وذلك قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ , والإعداد يقتضي "التوقع" بالنسبة للسمتقبل, والعمل على أساسٍ من ذلك التوقع. والله جعل لنا كذلك "سننًا كونية" تعيننا على ذلك التوقع، منها ما يؤخذ من قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ومن قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ومن قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . فمن خلال هذا وذاك نستطيع بعون الله -دون رجمٍ بالغيب- أن نرسم صورة المستقبل من خلال الأحداث، ثم نحاول رسمها من خلال الإيمان. ٢- المستقبل من خلال الأحداث: من خلال الأحداث يستطيع المجتهد أن يستنبط ما يلي: أ- لا مستقبل لفلسطين: ذاك منطق الأحداث وتوقعاتها, إن الصهيونية وضعت أقدامها، وأنَّى لها أن تتزحزح, وإنها في كل جولة تكسب الجديد، فتنقلب مطالبة العرب بالجديد, وتنسي القديم وهو ما نراه، من مطالبة بالجلاء عن الأراضي التي احتلت سنة ١٩٦٧؛ وكأن الاحتلال الذي تَمَّ قبل سنة ١٩٦٧ قد صار أمرًا شرعيًّا وحقًّا مقررًا لليهود. وفي الجولة القادمة -إن بقيت الأوضاع على ما هي عليه- تكون

стр. 100

أراضي ١٩٧٦ أمرًا شرعيًّا وحقًّا مقررًا لليهود، وتكون المطالبة بالأراضي التي احتلت بعد ذلك. والمجتمع الدولي -بتأثير الصهيونية والصليبية العالمية- يضفي الشرعية ويحرسها في كل توسّع صهيوني. فالمجتمع الدولي -بالتأثير السابق- هو الذي قسَّم أرض فلسطين ١٩٤٧ بين اليهود والعرب, وكانت من قبل خالصة للعرب وحدهم، ولم يكن لليهود فيها أدنى نصيب, والمجتمع الدولي هو الذي عاد بعد ذلك يصدر القرار ٢٤٢, والقرار المعدَّل له؛ ليعترف بفلسطين كلها لليهود, وليطالبهم فقط بالجلاء عن الأراضي العربية الأخرى التي احتلتها إسرائيل, علاوة على فلسطين ١٩٦٧. وغدًا تحتل إسرائيل أراضي أخرى, فيكون قرار المجتمع الدولي الاعتراف بالأراضي القديمة, والمطالبة بالجلاء عن الجديد. ومَثَلٌ أخير: إن القدس المسلمة قبلة المسلمين الأولى, وثالث الحرمين فيها. إن إسرائيل تعلن أنها عاصمتها, وأنها لا تتنازل عنها، وتعلن أمريكا تأييدها لها في ذلك. وهكذا. ب- المستقبل للصهيونية: المستقبل للصهيونية إن بقيت الأوضاع على ما هي عليه، فالسنن الكونية تعمل في جانب من يعمل، ولا تعمل في جانب من يتقاعد أو يتكاسل أو يتجابن. وواضح أن الصهيونية تعمل مخططة, ثم منفذة, وإنَّ العرب والمسلمين يتصايحون ويكتفون بالصياح, ويتسابون

стр. 101

فيما بينهم, ويتقاتلون كذلك فيما بينهم أشداء على المؤمنين رحماء باليهود، أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين. والصهيونية كما يبين من مخطَّطاتها لا تكتفي بفلسطين.. أنها تحلم بالدولة الكبرى من الفرات إلى النيل.. وتحلم من بعدها بسيادة العالم كله.. وخطواتها التنفيذية تؤكّد أنها تنفِّذ ما تحلم به وما تخطط له.. ونجاحها فيما مضى قد يكون دليلًا على نجاحها فيما بقي.. ويظهر التخطيط والتنفيذ الصهيوني الخبيث فيما كتبه مناحم بيحن في كتابه "التمرُّد" حيث يقول: إذا أنت أخضعت رجلًا للدرجة الأولى من المعاناة, فإنه يظل يكافح لكي يعود إلى نقطة البداية، ولكنك إذا دفعته إلى أسفل السلَّّم, فسوف لا يفكر في العودة إلى حالة اللامعاناة, بل سوف يحلم فقط بالرجوع إلى المرحلة السابقة مباشرة، ولعله يكون قد نسي ما يجري وراء هذه المرحلة الأخيرة من مراحل المعاناة١" وهذا هو التخطيط الذي تقوم به إسرائيل مع العرب أجمعين, وهو أن تدفعهم إلى الهاوية حتى لا يفكروا إلا في المرحلة التي قبلها مباشرة. وإذن فأرض الكنانة في مصر مهددة.. مسجد رسول الله ﷺ في المدينة مهدد كذلك.. هذا كله بشرطين: أن تبقى أوضاعنا على ما هي عليه. أن تبقى السنن الكونية تحدث تأثيرها. لكن حتى يكون تقويمنا صحيحًا لا بُدَّ من النظرة الأخرى. فلها نعيش..

стр. 102

٢- المستقبل من خلال الإيمان: النظرة الإيمانية تختلف كثيرًا عن النظرة من خلال الأحداث وحدها, وهي في اختلافها تقوم على أسس مغايرة: ١- إن الله سبحانه خالق السنن الكونية قادر على أن يعطِّلها أو يغيرها, فمن السنن الكونية أن النار تحرق, لكن إرادة الله حين شاءت جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم.. ومن السنن الكونية أن الماء يغرق, لكن إرادة الله حين شاءت فرقت البحر فرقين، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] . ٢- إنه إلى جوار السنة الكونية في أنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, فإن مفهوم المخالفة أنهم إن غيَّروا ما بأنفسهم غيَّر الله ما بهم, مؤكدًا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ومن هنا المنطلق, ومن هنا يبدأ العلاج إن كنا نريد عودة فلسطين. ونضع بعون الله الشروط: أ- لا بُدَّ من التغيير من القمة إلى القاعدة, من الرأس إلى القدم. لا بُدَّ من تغير كلي لما بأنفسنا, حتى يغير الله ما بنا. ب- لا بُدَّ أن يكون التغيير على أساس الإسلام؛ لأن التغيير من غير إسلام لا يكون معه نصر الله, ولا يكون هو التغيير الذي عناه الله. وقد رأينا أنهم حين أرادوا سلب فلسطين أبعدوا الإسلام عن المعركة, وتمثَّل ذلك في إنشاء الجامعة العربية "بديلًا وامتصاصًا للجامعة الإسلامية" قبل إعلان دولة اليهود بثلاث سنين.

стр. 103

ثم تمثَّل في دخول الجامعة العربية وجيوشها؛ لتكون حائلًا دون تحرُّك جيوش إسلامية أخرى, ففيها الغناء والكفاءة. ثم تمثَّل في التآمر على العناصر الإسلامية التي بدأت خوض المعركة؛ للحيلولة دون نزولها بثقلها إلى المعركة. وقبل ذلك كله تآمرهم على دولة الخلافة الإسلامية تنفيذًا لما قالوه في أنَّ الأفعى اليهودية لا بُدَّ أن تمر بالآستانة في طريقها إلى إسرائيل. وعلى ذلك, فإذا كانت فلسطين قد استُلِبَت لمَّا أُبْعِد الإسلام عن المعركة, فإنها لن تعود إلّا إذا عاد الإسلام إلى المعركة. والإسلام فوق ما قدمنا يقدم: ثقلًا عقيديًّا يغيِّر الكيفية التي تدار بها المعركة وبغير نتجيتها.. ثقلًا بشريًّا, ولهذا أثره في استراتيجية الحروب.. ثقلًا سياسيًّا بوقوف الدول الإسلامية كلها -بدلًا من الدول العربية المحدودة- خلف المعركة.. ثقلًا اقتصاديًّا بوقوف موارد الدول الإسلامية -وهي اليوم أغنى دول العالم- خلف المعركة.. ومن قبل ذلك, ومن بعد ذلك, ما أشرنا إليه من نصر الله الذي لا يتنزَّل إلّا على نوعية معينة ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ . ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٥-١٢٦] .

стр. 104

ملحق "١": نموذج من محاولات التهويد من خلال برامج التعليم ١: "الجامعة العبرية في أورشليم" رمزي: قل لي من فضلك, أين مكتب التسجيل للجامعة؟ مائير: اس - اس "يهمس" تفضل معي. أرجو المعذرة لأني طلبت منك السكوت قبل لحظة, فقد كنَّا في غرفة الدرس, وهناك ممنوع التكلُّم، وعلى كل حال فأهلًا وسهلًا بك.. اسمي مائير. رمزي: تشرفنا.. واسمي رمزي. مائير: تشرفنا. رمزي: قل لي يا أخ مائير، أنت طالب قديم هنا في الجامعة؟ مائير: طالب بالسنة الثالثة.. واعتقد أنك أنت طالب جديد. أليس كذلك؟ رمزي: الحقيقة.. جئت الآن للتسجيل. مائير: وماذا تريد أن تدرس؟ رمزي: التاريخ واللغة العبرية. مائير: إذن, فإنك تريد أن تكون معلمًا ثانويًّا. رمزي: هكذا بالضبط.. فأنا أحب مهنة التدريس. مائير: تفضل.. سأدلك على مكتب التسجيل. رمزي: ما هذا؟ كل هؤلاء ينتظرون بالدور؟ مائير: نعم. فاليوم كما تعلم هو بداية فترة التسجيل, وطلاب كثيرون

стр. 105

من شتى أنحاء البلاد يأتون للتسجيلو ولا تنس يا رمزي أنك تريد التسجيل في كلية الآداب، وهذا الكلية هي أكبر الكليات. رمزي: لماذا؟ هل السبب هو وجود مواضيع أكثر من باقي الكليات؟ مائير: نعم.. هذا هو السبب.. ما رأيك يا رمزي في أن تتفضل معي لنشرب القهوة هنا في الطابق الأسفل.. أليس ذلك بأفضل من أن نقف ساعة هنا.. اطلب من الطالبة التي تقف أمامك أن تحفظ لك دورك. رمزي: أنا.. وماذا أقول لها؟ مائير: قل لها أنك ستعود بعد عشر دقائق. رمزي: هل تسمحي لي من فضلك؟ راحيل: نعم.. أيمكنني أن أؤدي لك شيئًا؟ رمزي: وددت أن أرجوك أن تحفظي لي الدور وراءك.. سأعود بعد عشر دقائق. راحيل: بكل سرور.. عد متى شئت. رمزي: قل لي يا مائير.. من أين حضرتك؟ مائير: من تل أبيب. "ويجلس الطالبان الخياليان لشرب القهوة على حساب مائير اليهودي, ويدور بينهما حديث يقطر ذوقًا ومعرفة من مائير، وجهلًا من رمزي, إلى أن يقول الأول". مائير: نعم.. وكلية الأداب ليست أكبر هذه الكليات فحسب, بل هي أقدمها, وتعمل في نطاق هذه الكليات عدة معاهد, وأهم هذه المعاهد: معهد العلوم اليهودية.. يمكنك أن تدرس أي موضوع يتعلق بالعلوم اليهودية مثل: اللغة العبرية, أو الأدب العبري، أو علوم التوراة, أو علوم التلمود, أي: الشرع اليهودي, أو تاريخ الشعب الإسرائيلي, أو اليهودي في العصر الحديث, وغيرها من المواضيع.

стр. 106

رمزي: إذن أنا سأكون طالبًا في هذا المعهد، فاللغة العبرية تابعة له. "ويطول الحديث ويعرِّف خلاله مائير اليهودي رمزي العربي على أقسام الجامعة ودراستها, إلى أن يقول رمزي". رمزي: الحقيقة يا أخ مائير إنها كانت مناسبة سعيدة للقائك والتعرف عليك.. أظن أن الوقت قد جاء, فلنعد إلى الدور. أعتقد أن هذا مكاني.. شكرًا يا.... راحيل: راحيل اسمي. مائير: إلى اللقاء يا رمزي, وآمل أن أراك غدًا.. وعلى كل حال فتفضَّل إلى غرفتي, فأنا في منازل الطلاب. رمزي: شكرًا.. شكرًا جزيلًا, سآتي إن شاء الله. أرى أننا سنبقى بالدور هنا نصف ساعة على الأقل. راحيل: لقد تعبت قدماي, فأنا واقفة هنا منذ أكثر من ساعة. رمزي: إذا أردت الاستراحة فأذهبي واجلسي هناك على الكرسي. "ثم ينتقل الحديث بين راحيل "الفتاة اليهودية ورمزي" يقول في نهايته: رمزي: شكرًا يا راحيل على المعلومات القيمة التي استقيتها منك. راحيل: لا شكر على واجب. رمزي: إلى اللقاء في الدرس. راحيل: إلى اللقاء. رمزي: "يلتفت إلى زميل عربي" الحقيقة يا محمد أني أشعر بالارتياح, وأني جدّ معجب بالجو هنا في الجامعة.. فتصور أنى في اليوم الأول هنا اكتسبت صديقين مائير وراحيل، ومنهما استفدت الكثير.

стр. 107

الأرض السليبة تحت النفوذ الشيوعي مدخل ... ٣- الأرض السليبة تحت النفوذ الشيوعي: تقدمة: مساحة العالم العربي ربع مساحة العالم، والمساحة التي يسيطر عليها الشيوعيون خُمْس مساحة العالم الإسلامي، وعدد المسلمين الواقعين تحت الاستعمار الشيوعي يمثلون خُمْس المسلمين١. وذلك يدعونا إلى رفع الصوت بالنذير للغافلين، والنائمين، واللاهين من أمتنا الإسلامية. إن ميراث محمد ﵊ يحتله الكفر البواح الفاجر! وإن أعراض المسلمات وحرمات المسلمين تعبث بها أيدي الملاحدة الشيوعيين, وإن الفتنة التي يتعرَّض لها هؤلاء وأولئك من الكفر الحاكم أشد من القتل, وأكبر من القتل! ونكتفي بإذن الله بالإشارة إلى حال المسلمين في الاتحاد السوفييتي, ثم في الصين, ثم في بعض بلاد أخرى تحكمها الشيوعية.

стр. 108

أولًا: المسلمون في الاتحاد السوفيتي الأرض الإسلامية -ميراث محمد ﵊ أضعاف أرض روسيا, فأقاليم الإسلام في الاتحاد السوفيتي تشمل: ١- الأورال. ٢- استرخان. ٣- سيبيريا. ٤- القرم "وهي أغنى المناطق بالحاصلات الزراعية". ٥- القوقاز "وهي أغنى المناطق بالبترول وبعض المعادن". ٦- التركستان بلاد ما وراء النهر "منها إماما السنة: البخاري ومسلم، والمفسران: الزمخشري والنسفي، وأئمة البلاغة وإعجاز القرآن: عبد القاهر الجرجاني, وسعد الدين التفتازاني, ويوسف السكاكي, ومنها الفارابي وابن سينا، ومن علماء الرياضة والفلك خالد والبلخي, ومن علماء الهندسة: بنو موسى. ومنها البيروني، والماتوريدي الخوارزمي، والسرخسي والجوهري، وغيرهم. ومن الثروات المعدنية: ٢٥٠ منجمًا للذهب، ١٦ للفضة، ٤٦ الحديد، ٣٢ للرصاص، ٣٤٤ للبترول، ٧٠ للفحم، ١٣ للكبريت، ٦٣ للصوديوم, عدا الأورانيوم والفرام والزئبق والنحاس والقصدير والبلاتين. وهذه الأقاليم تمثّل الشمال الشرقي من العالم الإسلامي. وهي تمثّل من حيث المساحة تسعة أعشار مساحة الاتحاد السوفيتي "كانت ٤٠٠ ألف كيلو متر, فصارت بعد ضم البلاد الإسلامية ١٤ مليون كيلو متر". - بعد الثورة البلشفية أصدر مجلس قوميسيري الشعب البلشفي نداءً موجهًا إلى شعوب روسيا من المسلمين, كان من بين من وقعه لينين وستالين جاء فيه "مؤرخًا ٧ ديسمبر ١٩١٧": إن إمبراطورية السلب والعنف الرأسمالية توشك أن تنهار, والأرض التي تستند عليها أقدام اللصوص الاستعماريين تشتعل نارًا..

стр. 109

وفي وجه هذه الأحداث الجسام نتجه بأنظارنا إليكم أنتم يا مسلمي روسيا والشرق، أنتم يا من تشقون وتكدحون, وعلى الرغم من ذلك تحرمون من كل حق أنتم له أهل.. أيها المسلمون في روسيا.. أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم.. أيها الكرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركستان. أيها التتر والأتراك في القوقاز.. أيها الجبليون في اتحاد القوقاز.. أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم، وقبوركم, واعتدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم: سنكون حرية عقائدكم وعاداتكم، وحرية نظمكم القومية, ومنظماتكم الثقافية مكفولة لكم منذ اليوم.. لا يطغى عليها ولا يعتدي عليها معتد.. هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم، فأنتم أحرار, لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل.. إلى أن قال البيان: أيها الرفاق.. أيها الإخوان.. لنتقدم سويًّا في عزم وصلابة نحو مسلم عادل ديمقراطي. إن رايتنا تحمل معها الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم.. أيها المسلمون في روسيا.. أيها المسلمون في الشرق.. إننا ونحن نسير في الطريق الذي يؤدي بالعالم إلى بعث جديدٍ نتطلَّع إليكم؛ لنلتمس عندكم العطف والعون.. استجابت البلاد الإسلامية وأعلنت استقلالها "عن الحكم الروسي القديم". فهل تركها الحكم الذي يحمل الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم؟ في إبريل سنة ١٩١٧, أي: بعد أربعة شهور من البيان السابق, أصدر لينين أمرًا بالزحف على البلاد الإسلامية, وسارت الجيوش الروسية بالدبابات والطائرات والمدافع تدمر وتحصد ما في طريقها, وفي نهاية العام تَمَّ لها الاستيلاء على جمهورية "إيديل أورال"وشمال القوقاز، وحكومة خوقند، وتأخَّر استيلاؤها على شبه جزيرة القرم لعنف المقاومة فيها.

стр. 110

وفي سنة ٩١٩! تَمَّ الاستيلاء على جمهورية الأش ازود. وفي إبريل سنة ١٩٢٠ انتهت القرم، واستأنف الهجوم على جمهورية أذربيجان, واستطاعت إخضاعها. وفي نهاية سنة ١٩٢٠ استولت على جمهورية خيوة بعد أن ظلَّت تدافع دفاع المستميت. وفي سنة ١٩٢١ استأنف الهجوم على جمهورية بخارى, ودار فيها قتال مرير, ودافع أحفاد الإمام البخاري ﵁ عن ميراث محمد ﵊, لكنهم وحدهم لم يستطيعوا الوقوف في وجه الزحف الأحمر الثقيل, فهزمت جيوشهم المنظَّمة، لكنهم ظلوا يحاربون حرب عصابات مدة عشر سنوات دون أن يتلقوا أي معونة من العالم الإسلامي, ونشرت جريدة أزفسيتا في عددها الصادر ١٥ يولية سنة ١٩٢٢ تقريرًا للرفيق كالينين عن مجاعة القرم "نتيجة نقل الروس ما في الجزيرة من قوات ليضطروهم للتسليم". بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير ٣٠٢.٠٠٠, مات منها ١٤.٤١٣, ارتفع عددهم في شهر مارس إلى ٣٧٩.٠٠٠, مات منهم ١٩.٩٠٢, بلغ في إبريل ٣٧٧.٠٠٠, مات منهم ١.٢٧٥٤, وفي يونية ٣٩٢.٠٧٢, "ولم يذكر كم مات في هذا الشهر". وقد كان سكان القرم في سنة ١٩١٧: ٥ ملايين. فأصبحوا في سنة ١٩٤٠ ٤٠٠ ألف فقط, أقل من عُشْرِ السكان. وكانت المساجد ١٥٥٨ مسجدًا لم يبق منها إلّا العشرات. لجأت الثورة الشيوعية بعد أن استتبَّ لها الأمر إلى نفي شعوبٍ بأكملها ليحلَّ محلها الروس, وفي بيان لوكيل الجامع الأزهر ورئيس جماعة الكفاح الإسلامي أُرْسِل إلى الأمم المتحدة, قدَّم بعض المهاجرين من الحكم البلشفي الغاشم بعض الحقائق نذكر منها:
следующие страницы →