مقدمة المترجم:
يعد جون ليونز من أهم اللغويين المعاصرين في بريطانيا عرف بعدد من الكتب في مقدمتها: علم اللغة التركيبي ١٩٦٣، وعلم اللغة النظري ١٩٦٨، وآفاق جديدة في علم اللغة ١٩٧٠، وتشومسكي ١٩٧٠، وعلم الدلالة ١٩٧٧، واللغة وعلم اللغة ١٩٨١.
ونقدم في هذه الطبعة "الجزء الأول" من كتاب "اللغة وعلم اللغة" وهو كتاب ألف لجمهور المثقفين إلى جانب المتخصصين في علم اللغة، وصدرت الطبعة الأولى منه عام ١٩٨١، وأعيد طبعه عام ١٩٨٢، ١٩٨٣، ١٩٨٤، و١٩٨٥، وربما كانت إعادة طبعه سنويا على النحو المشار إليه أمرا له دلالته، ويضم هذا الكتاب عشرة فصول هي على الترتيب: اللغة، وعلم اللغة، وأصوات اللغة، والنحو، والدلالة، والتغير اللغوي، وبعض المدارس والاتجاهات الحديثة، واللغة والعقل، واللغة والمجتمع، واللغة والثقافة، ويضم "الجزء الأول" الفصول الخمسة الأولى وهي تدور في إطار علم اللغة البحت الوصفي الذي يعتبره علماء اللغة لب تخصصهم العلمي بينما تدور الفصول الخمسة الأخرى في إطار علم اللغة التاريخي وعلم اللغة الموسع وقد نشر لكاتب هذه السطور ترجمة لفصلين منها في مجلة البيات التي تصدرها رابطة الأدباء في الكويت في العددين ٢٥٠ يناير ١٩٨٧، و٢٥١ فبراير ١٩٨٧ نشر في العدد الأول الفصل السابع "بعض المدارس والاتجاهات الحديثة"، ونشر في العدد الثاني الفصل العاشر "اللغة والثقافة".
ويتناول الفصل الأول "اللغة" سبع نقاط هي: ما اللغة؟ وبعض
стр. 2
تعريفات اللغة، والسلوك اللغوي والنظم اللغوية، واللغة والكلام، ووجهة نظر سيميولوجية وتصور التجانس، ولا توجد لغات بدائية.
ويتناول الفصل الثاني "علم اللغة" ست نقاط هي: فروع علم اللغة، وهل "علم اللغة" علم؟، والمصطلحات والرموز، وعلم اللغة وصفي وليس معياريا، وأولوية الوصف التزامني، والبنية والنظام.
ويتناول الفصل الثالث "أصوات اللغة" ست نقاط هي: الوسيلة الصوتية، والتمثيل الصوتي والهجائي، وعلم الأصوات النطقي، والوحدات الصوتية والصور الصوتية، والملامح المميزة والفونولوجيا التطريزية، والبنية الفونولوجية.
ويتناول الفصول الرابع "النحو" ست نقاط هي النحو والتصريف والصرف، والصواب النحوي والإنتاجية والاعتباطية، وأجزاء الكلام وأصناف الصيغ والفصائل النحوية، وبعض التصورات النحوية الإضافية، ومكونات البنية، والنحو التوليدي.
ويتناول الفصل الخامس "الدلالة" ست نقاط هي: اختلاف المعنى، والمعنى المعجمي وتعدد المعنى والترداف، والمعنى المعجمي: المعنى والدلالة الذاتية، والدلالة والنحو، ومعنى الجملة ومعنى القول، وعلم الدلالة الشكلي.
وفي النهاية أثبت قائمة بالمصطلحات الواردة في هذا الجزء باللغتين العربية والإنجليزية تلك التي ترجمها كاتب هذه السطور لأول مرة والتي يرجو لها القبول من قبل المتخصصين.
وقد آثرت في هذه الترجمة أن أكون دقيقا وملتزما إلى أقصى حد
стр. 3
ممكن وقد اعتمدت في التعليقات المثبتة في هوامش الكتاب على العديد من المراجع أخص منها "A First dicticonary of linguistice and phonetics لدافيد كرستال، والمعجم الفلسفي للدكتور مراد وهبة وقد ميزت التعليقات الخاصة بالمؤلف -وهي نادرة- بإضافة نسبتها إليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تنويه:
يود المترجم أن ينوه بالفضل الذي حظي به وحظيت معه هذه الترجمة من الأستاذ الدكتور محمود فهمي حجازي، ويتقدم له بجزيل الشكر والعرفان، كما يتقدم بجزيل الشكر والعرفان للأستاذ الدكتور مراد وهبة على ما اقتطعه من وقته الثمين في مناقشة بعض المفاهيم والمصطلحات الفلسفية.
المترجم
مصطفى زكي حسن التوني
القاهرة: ١٩٨٧
стр. 4
الفصل الأول: اللغة
أولا: ما اللغة ؟
يعد علم اللغة الدراسة العلمية اللغة، ومن الوهلة الأولى فإن هذا التعريف -وهو أحد التعريفات الموجودة في أكثر الكتب الأساسية وفيما يعالج هذا الموضوع معالجة عامة- تعريف واضح وضوحا كافيا، لكن ما الذي تعنيه بالضبط كلمتا لغة، وعلمية؟ وهل يمكن أن يعد وصفنا لعلم اللغة كما يمارس اليوم بالعلم وصفا صحيحا؟
ويمكن مقارنة السؤال "ما اللغة؟ " بالسؤال "ما الحياة؟ " وهناك من سيقول إن السؤال الأول قد يكون أقل عمقا من الثاني الذي تدور افتراضاته المسبقة حول العلوم البيولوجية وتوحدها، وبطبيعة الحال فإن هذا السؤال ليس من هذا النوع الذي يحمله عالم الأحياء سلف في ذهنه دائما أثناء عمله اليومي، فإن لذلك أكثر من إطار فلسفي له، وعالم الأحياء -كغيره من العلماء- يتعمق عادة في تفصيل بعض المشكلات الدقيقة لينعم النظر في متضمنات هذه الأسئلة العامة، ومع ذلك فإن المعنى المسلم به سلفا الذي يتضمنه السؤال: "ما الحياة؟ " -الافتراض المسبق الذي ذهب إلى أن كل الكائنات الحية تشترك في خاصة ما أو في مجموعة من الخصائص التي تميزها عن الكائنات غير الحية- يرسم حدود اهتمامات عالم الأحياء، ويبرر الاستقلال أو الاستقلال الجزئي لتخصصه، ومع أنه من الممكن أن يقال عن سؤال: ما الحياة؟ بهذا المعنى أنه يمد علم الأحياء بالمبرر القوي لوجوده، وهذا السؤال في حد ذاته لا يعدو كونه
стр. 5
تفسيرا خاصا يستغله عالم الأحياء، وكشف متضمناته الأكثر تفصيلا داخل عدة أطر نظرية مقبولة ينمي في الوقت الحاضر تأملات عالم الأحياء وبحثه من يوم لآخر، وهو ما ينطبق أيضا على اللغوي١ في علاقته بالسؤال: ما اللغة؟
وأول ما يلاحظ من السؤال: "ما اللغة؟ " أنه عند صياغته باللغة الإنجليزية "؟ What is Language" تستخدم كلمة اللغة "Language" في المفرد وبدون أداة التعريف، وصياغة السؤال بهذا الشكل يختلف نحويا -إن لم يكن دلاليا- عن السؤال الذي يشبه من حيث الظاهر "What is a Langnage؟ " وتحتوي لغات أوروبية على كلمتين وليس كلمة واحدة لترجمة الكلمة الإنجليزية Language ففي اللغة الفرنسية Langue و Langage وفي اللغة الإيطالية Lingua و Linguaggie وفي اللغة الأسبانية Lengua و Lenguaje وفي كل حالة يرتبط الاختلاف بين الكلمتين بالاختلاف الموجود في معنيي الكلمة الإنجليزية "Language" فعلى سبيل المثال تستخدم في اللغة الفرنسية كلمة "Langage" لتشير إلى اللغة بصفة عامة وتنطبق كلمة Langue على اللغات المحددة، ولا تسمح اللغة الإنجليزية للمتكلمين بها بأن يقولوا عن شخص ما: "He Possesses a Langage "الإنجليزية، الصينية، المالاوية، السواحلية....إلخ" فحسب، ولكن أيضا "He Possesses Language"٢ ويجعل الفلاسفة، وعلماء النفس، وعلماء اللغة عموما من معرفة اللغة أوضح ما يميز الإنسان عن غيره من سائر الحيوان،
стр. 6
وسنتناول جوهر هذا الادعاء في هذا الفصل، وأحب أن أؤكد هنا على حقيقة واضحة لكنها هامة ذلك أن أحدًا لا يستطيع معرفة لغة طبيعية أو استخدامها دون أن يكون قد عرف لغة طبيعية معينة أو استخدمها.
وقد استخدمت منذ لحظة مصطلح لغة طبيعية وهو ما يضعنا أمام نقطة أخرى، فكلمة لغة لا تنطبق على الإنجليزية، والصينية، والملاوية، والسواحلية.. إلخ فحسب وهو ما يتفق الجميع على أنه من المناسب تسميتها باللغات لكنها تنطبق كذلك على مختلف نظم الاتصالات الأخرى المتنوعة سواء أكانت تلك النظم مجموعة رموز أم مجموعة أرقام وهي موضع جدال، فعلى سبيل المثال أسس الرياضيون والمناطقة، وعلماء الكمبيوتر حديثا ولأغراض خاصة نظما رمزية وسواء أكان من الصواب تسميتها لغات أم لا فإنها صناعية أكثر منها طبيعية، ويكون الأمر كذلك حتى لو كانت مؤسسة على اللغات الطبيعية الموجودة سلفا وصارت لغة بلا نزاع مثل الإسبرانتو التي اخترعت في نهاية القرن التاسع عشر بهدف الاتصال العالمي، وهناك نظم أخرى من الاتصالات الخاصة بالإنسان وبغيره ينطبق عليها وصف طبيعية أكثر من وصف صناعية لكنها لا تبدو لغات بالمعنى الضيق لهذا المصطلح حتى ولو استخدمت كلمة لغة للإشارة إليها بشكل عام، لاحظ في هذا الشأن العبارات الآتية: لغة الإشارة، ولغة الجسد، ولغة النحل، وربما يذهب معظم الناس إلى أن كلمة لغة تستخدم هنا استخداما مجازيا أو استعاريا، ومن الطريف أن كلمة Langage لا كلمة Langue تستخدم عادة عند ترجمة مثل هذه العبارات إلى اللغة الفرنسية، والكلمة الفرنسية "Langage" "مثل الكلمة الإيطالية Linguaggio" والكلمة الأسبانية "Languaje" أكثر عمومية من الكلمة الأخرى التي تتزاوج معها ليس لأنها
стр. 7
تستخدم للإشارة إلى اللغة عموما فحسب ولكن أيضا؛ لأنها تنطبق على نظم الاتصال سواء أكانت طبيعية أم صناعية، خاصة بالإنسان أو بغيره، وتستخدم لها الكلمة الإنجليزية Language فيما يبدو أنه معنى مجازي.
ويهتم اللغوي -في المقام الأول- باللغات الطبيعية، والسؤال: ما اللغة؟ يحمل في طياته افتراضا مسبقا أن كل لغة من آلاف اللغات الطبيعية المميزة بوضوح المنطوقة في أنحاء العالم مثال نوعي لشيء ما أكثر عمومية، وما يريد اللغوي معرفته ما إذا كانت اللغات الطبيعية كلها تشترك فيما لا تشرك فيه معها نظم الاتصال الأخرى الخاصة بالإنسان أو بغيره ومن ثم يكون من الصواب أن نطلق عليها كلمة لغة وأن ننكر إطلاق هذا المصطلح على نظم الاتصال الأخرى باستثناء ما يتعلق بما تأسس على لغات طبيعية موجودة من قبل مثل الإسبرانتو وهو الأمر الذي سنتناوله في هذا الفصل.
стр. 8
ثانيا: بعض تعريفات اللغة
العثور على تعريفات اللغة ليس صعبا، فلنلق نظرة على بعضها، وكل تعبير من التعبيرات التالية التي تدور حول اللغة سواء أكان مقصودا به أن يكون تعريفا أم لا يثير نقطة أو أكثر مما سيشغلنا فيما بعد، وهذه التعبيرات مأخوذة كلها من الأعمال الأساسية لمشاهير اللغويين، وإذا ما أخذت في مجموعها فسوف تقدم بعض الإشارات التمهيدية للخصائص التي يميل اللغويون -على الأقل- إلى الاعتقاد بضرورتها للغة.
١- تعريف سابير "Sapir"؛ "١٩٢١: ٨":
"اللغة طريقة إنسانية بحتة غير غزيزية لتواصل الأفكار والانفعالات والرغبات بواسطة الرموز المنتجة إنتاجا إراديا"، ويعاني هذا التعريف من
стр. 9
عيوب عديدة، فمهما شرحنا المصطلحات: فكرة وانفعالا، ورغبة إجمالا فمن الوضاح أن هناك كثيرا مما تنقله اللغة لا يدخل في إطار أي منها, كما أن مصطلح "فكرة" بصفة خاصة غير دقيق بشكل متأصل، ومن الناحية الأخرى توجد نظم كثيرة من الرموز المنتجة إراديا لا نعدها لغات إلا بالمعنى المجازي لكلمة لغة، فعلى سبيل المثال ما تشير إليه الآن بشكل شائع عبارة "لغة الجسد" -التي تستخدم الإيماءات، وحركات الجسم، وحركة العين ... إلخ- قد تبدو ملائمة لتعريف سابير، وما إذا كانت اللغة إنسانية بحتة غير غريزية يفتح -والحق يقال- مجالا للشك، غير أن القضية كما سنرى هي ما إذا كان من المناسب أن نصف اللغات بالإنسانية البحتة وبانتفاء الغريزية منها، وهذه هي النقطة الرئيسية التي تؤخذ على تعريف سابير.
٢- تعريف بلوخ وتراجر "Trager, Bloch":
ورد عن بلوخ وتراجر في كتابهما "Outline of Linguistic Analysis" التعريف التالي: "اللغة نظام اجتماعي من الرموز المنطوقة الاعتباطية تتعاون به مجموعة اجتماعية، ويلفت النظر في هذا التعريف أنه على العكس من تعريف سابير لا يعطي أي اهتمام للوظيفة الاتصالية إلا على نحو غير مباشر وعلى سبيل التضمن، وبدلا من ذلك يضع التأكيد كله على الوظيفة الاجتماعية وهو إذ يفعل ذلك -كما سنرى بعد- يأخذ وجهة نظر أكثر ضيقا للدور الذي تلعبه اللغة في المجتمع، ويختلف تعريف بلوخ وتراجر عن تعريف سابير من حيث إنه قدم خاصة العرفية، وحصر بشكل واضح اللغة في اللغة المنطوقة "الأمر الذي يجعل ثمة تناقضا في عبارة "اللغة المنطوقة"", ويستخدم مصطلح اعتباطية هنا استخداما خاصا إلى حد ما سنعود إليه مرة أخرى، وسنعود كذلك إلى قضية العلاقة التي تربط بين اللغة والكلام، ويتطلب كل ذلك أن يقال في هذه النقطة إنه يقدر ما تلقى اللغات الطبيعية من اهتمام فإن
стр. 10
هناك علاقة وثيقة بين اللغة والكلام، ومنطقيا فإن الأخير "الكلام" يفترض سلفا الأول "اللغة" أي: إن المرء لا يستطيع الكلام دون استخدام اللغة "أي: بدون التكلم بلغة معينة"، لكن من الممكن أن يستخدم اللغة دون أن يتكلم، ومع ذلك فمن المسلم به أن اللغة مستقلة استقلالا منطقيا عن الكلام، وهناك مبرر جيد لأن تقول إنه في كل اللغات الطبيعية -كما نعرفها- أولوية تاريخية -وربما بيولوجية- للكلام على الكتابة، وهو ما يأخذ به معظم اللغويين.
٣- تعريف هاله "Hall":
ورد عن هاله في كتابه: "Essay on Language" التعريف الآتي: "اللغة نمط اجتماعي منظم يتواصل بها البشر ويتفاعل بها الواحد مع الآخر بواسطة الرموز الاعتباطية المسموعة - المنطوقة المعتاد استخدامها" وفيما بين النقاط التي نلاحظها هنا أولها على الإطلاق: حقيقة ورود كل من "التواصل"، و"التفاعل" في التعريف "ولفظة التفاعل أكثر شمولا من التعاون الواردة في التعريف السابق"، والثاني: إن مصطلح "مسموعة - منطوقة" يمكن أن يكافئ مصطلح "منطوقة" "ولا يختلف عنه إلا في إشارته إلى السامع والمتكلم على حد سواء "أي: إلى المرسل والمستقبل للرموز المنطوقة التي نتعرف عليها بوصفها أقوالا لغوية"، ويتعامل هامة مع اللغة- مثل سابير- على أنها نظام إنساني إنساني بحت، ومصطلح نمط اجتماعي منظم يوضح صراحة وجهة النظر إلى تذهب إلى أن اللغة التي يستخدمها مجتمع بعينه جزء من ثقافته، ومرة أخرى اختصت خاصة الاعتباطية من ضمن مجموعة الخصائص بملاحظة موجزة.
وأكثر العناصر الواردة في تعريف هاله أهمية -رغم ذلك- استخدامه مصطلح "معتاد استخدامها" وثمة أسباب تاريخية لهذا الأمر فلقد تأثر كل من
стр. 11
علم اللغة، وسيكولوجية اللغة بنظريات السلوكيين في المثير والاستجابة تأثرا قويا حوالي ثلاثين عاما لا سيما في أمريكا، واكتسب مصطلح "عادة" في الإطار النظري للسلوكية دلالة خاصة إلى حد ما، وقد استخدم هذا المصطلح للإشارة إلى جوانب سلوكية يمكن تمييزها بالاستجابات التي تقابل مثيرات معينة كما يمكن التنبؤ بها إحصائيا، وكثير مما لا نعتقد فيه عادة أنه "عادة" يقع في إطار مصطلح السلوكيين، وكثير من الكتب الأساسية في علم اللغة تعكس هذا الاستخدام التخصصي إلى حد ما مع ما تختاره وتلزم نفسها -على الأقل- بشكل أو بآخر من أشكال نظرية المثير والاستجابة الخاصة بالسلوكيين فيما يتصل بالاستخدام اللغوي واكتساب اللغة، ومن المقبول الآن بشكل عام أن هذه النظرية إن لم تكن قابلة للتطبيق تماما فإمكانية تطبيقها محدودة للغاية في علم اللغة وسيكولوجية اللغة على حد سواء.
ومن المفترض أن هاله يعنى باللغة "الرموز" الإشارات المنطوقة التي تنتقل بالفعل من المرسل إلى المستقبل في عملية الاتصال والتفاعل، وأصبح واضحا الآن أنه ليس هناك معنى لمصطلح "عادة" -بالمعنى التخصصي أو غير التخصصي- تكون أقوال اللغة فيه عادات أو مؤسسة من خلال العادات؟ وإذا كانت كلمة رمز لم تستخدم للدلالة على أقوال اللغة فحسب ولكنها استخدمت كذلك للدلالة على الكلمات والعبارات التي تكونها فإنه سيظل من الخطأ أن تتضمن أن المتكلم يستخدمها كلون من العادات في مناسبات خاصة بها، ومن أكثر الحقائق أهمية عن اللغة أنه لا توجد -بصفة عامة- علاقة بين الكلمات والسياقات التي تستخدم فيها للدرجة التي يمكن أن نتنبأ بذكر كلمات معينة -مثلما يمكن أن يتنبأ به عن السلوك المعتاد- من السياقات نفسها، فعلى سبيل المثال لا ننطق عادة قولا يتضمن كلمة طائر كلما وجدنا أنفسنا في موقف نرى فيه طائرا
стр. 12
مع أنه أكثر السياقات مدعاة لذكر هذه الكلمة وعليه فإن اللغة كما سنرى بعد استجابة حرة.
٤- تعريف روبنز "Robins"
لم يقدم لنا روبنز "١٤.٩: ١٩٧٩a" تعريفا للغة مطابقا للمواصفات فقد كان على حق حين رأى أن مثل هذه التعريفات "تتجه نحو الابتذال وعدم الفائدة ما لم تفترض سلفا بعض النظريات العامة في اللغة وفي التحليل اللغوي" لكنه صنع قائمة من الحقائق البارزة "الواجب أخذها في الاعتبار لدى أية نظرية جادة وهادفة" وناقشها، وقد ذكر في الطبعات المتتابعة لهذا الكتاب القيم أن اللغة نظام من الرموز: يتأسس معظمها على العرف البحت أو الاعتباطي غير أنه أكد تأكيد خاصا على مرونة تلك الرموز وقابليتها للتغير والتكيف، وربما لم تكن هناك مخالفة منطقية بين الرأي الذي يذهب إلى أن اللغات نظم للعادة "مع تفسير العادة بالمعنى الخاص" والرأي الذي أوضحه روبنز، ونظام العادة -رغم كل ما يمكن إدراكه- يتغير عبر الزمن بما يتفق مع الاستجابة لتغير احتياجات مستخدميه، لكن مصطلح "عادة" ليس مصطلحا من المصطلحات التي نربطها عادة بالسلوك القابل للتعديل والتكيف، وسنكون في حاجة إلى التركيز على فكرة الممدودية غير المحدودة فيما بعد، وسنرى حينئذ أنه يجب أن نفصل بين ممدودية نظام ما وقدرته على التحوير وممدودية مخرجات هذا النظام وقدرتها على التحوير، ومن الأهمية كذلك أن ندرك أنه يقدر ما يلقى النظام من عناية فإن بعض أنواع الممدوية والتحويرية -نظريا- أكثر أهمية من غيرها، فعلى سبيل المثال حقيقة أن الكلمات الجديدة تدخل مجموعة مفردات لغة من اللغات في أي وقت من الأوقات أقل كثيرا في الأهمية من الناحية النظرية- من حقيقة أن الأبنية النحوية الجديدة يمكن أن تنشأ-وتنشأ- بمعنى الوقت، وأحد الموضوعات الرئيسية في علم اللغة ما إذا
стр. 13
كانت هناك أية حدود لهذا النوع الأخير من إمكانية التحوير, وإذا كان الأمر كذلك فما هي تلك الحدود.
٥- تعريف تشومسكي "Chomsky":
والتعريف الأخير الذي نقتبسه هنا يثير ملاحظة مختلفة تماما: "من الآن سأعتبر اللغة مجموعة "محدودة أو غير محدودة" من الجمل، كل جملة محدودة من حيث الطول وتتركب من مجموعة محدودة من العناصر" وهذا التعريف مأخوذ من كتاب تشومسكي "Syntactic Structures" الذي أحدث لشره الحركة التي عرفت باسم النحو التحويلي، ويقصد هذا التعريف -بخلاف التعريفات السابقة- تغطية جوانب كثيرة من اللغات الطبيعية، غير أن اللغات الطبيعية كلها- تبعا لتشومسكي- في صورتها المكتوبة والمنطوق لغات حسب تعريفه ما دام لكل لغة طبيعية عدد محدود من الأصوات "وعدد محدود من الحروف الأبجدية على افتراض أنها ذات نظام ألفبائي للكتابة"، وطالما أمكن تمثيل الجمل فيها -والتي ربما كانت غير محدودة- بتتابعات محدودة من هذه الأصوات "أو الحروف"، ومهمة اللغوي أن يصف لغة طبيعية ما حتى يمكن التمييز بين العناصر المتتابعة المحدودة التي يمكن اعتبارها جملة والتي لا يمكن اعتبارها كذلك، وهي أيضا مهمة اللغوي النظري الذي يفسر سؤال: "ما اللغة؟ " كما لو أن معناه: "ما اللغة الطبيعية؟ " ليكتشف -إن استطاع- الخصائص البنيوية -إن وجدت- التي تتميز بها اللغة الطبيعية عن تلك التي تقابلها وتسمى لغة غير طبيعية.
وما اعتقده تشومسكي وأكد عليه بشكل متزايد في عمله الأخير ليس حقيقة وجوده هذه الخصائص البنيوية فحسب، ولكن كونها تجريدية ومعقدة
стр. 14
كذلك، وأنها خاصة بدرجة عالية لأداء أغراضها حتى إنه قد لا يمكن بدء تعلمها بعد الفترة التي يواجه فيها الطفل الصغير مشكلة اكتساب لغته القومية ويجب أن تكون معروفة للطفل بدرجة ما بشكل سابق عن خبرته بأي لغة طبيعية ومستقل عنها، ومستخدمة منه في عملية اكتساب اللغة، ولهذا يتمسك تشومسكي بوجهة النظر هذه حتى إنه ليصف نفسه بأنه عقلاني أكثر منه تجريبي، وسنعود مرة أخرىإلى هذا القضية "انظر ٧ - ٤".
وتعريف تشومسكي اللغة المقتبس هنا يختلف كثيرا عن التعريفات الأخرى من حيث المحتوى والأسلوب، فهو لا يذكر شيئا عن الوظيفة الاتصالية الخاصة باللغات الطبيعية واللغات غير الطبيعية، ولم يذكر شيئا عن الطبيعية الرمزية لعناصرها أو لتتابعاتها، وغايته أن يركز الانتباه على الخصائص البنيوية البحتة للغات وعلى فكرة أن هذه الخصائص يمكن أن تبحث بطريقة واضحة وضوح الرياضيات، وإسهام تشومسكي الرئيسي في علم اللغة أنه أعطى تأكيدا خاصا على ما يطلق عليه تبعية البنية "dependence strueture العمليات التي تتركب من خلالها الجمل في اللغات الطبيعية، وأنه صاغ نظرية عامة في النحو تأسست على تحديد خاص لهذه السمة "أنظر: ٤ - ٦".
والتعريف الخامس الذي اقتبسناه من قبل وناقشناه باختصار يعمل على إدخال بعض الخصائص التي جعلها بعض اللغويين سمات جوهرية للغات التي تعرفها، ويتبنى معظم اللغويين وجهة النظر التي تذهب إلى أن اللغات نظم من الرموز التي صممت لغرض الاتصال، وهو ما سنراه في القسم المعنون بوجهة نظر سيمولوجية، وعلم الإشارة كما سنرى فرع علمي يختص ببحث السلوك الرمزي والاتصال، والقضية التي تعنينا في هذه النقطة ما إذا كانت
стр. 15
هناك خاصة بسيطة أو مجموعة من الخصائص التي تميز اللغات الطبيعية عن النظم الإشارية الأخرى، وبعض الخصائص التي ذكرناها هنا- الاعتباطية والمرونة، والقدرة على التحوير، والتحرر من تحكم الإثارة، وتبعية البنية، وستضاف إلى هذه الخصائص خصائص أخرى في سياقها المناسب١ وسنتناول العلاقة بين اللغة والكلام في "١ - ٤".
стр. 16
ثالثا: السلوك اللغوي والنظم اللغوية
قد حان الوقت -على كل حال- لرسم المميزات الضرورية للمعنى الواقع في إطار مصطلح لغة، وقد سبق لي أن أشرت إلى الفارق بين اللغة بصفة عامة "وهو ما يشير إليه المصطلح الفرنسي "Langage"" واللغة المعينة "وهو ما يشير إليه المصطلح الفرنسي "Langue""، وبالمثل نجد الصفة من هذا المصطلح لغوي١ "Linguistie" غامضا كذلك "حتى عندما يكون من الممكن تعلقه باللغة أكثر من علم اللغة" فعلى سبيل المثال عبارة "القدرة اللغوية" التي استخدمها تشومسكي، وتابعه آخرون للإشارة إلى اتقان شخص ما للغة
стр. 17
ما تعني في الإنجليزية الدارجة -بالإضافة إلى الدلالة التي يقصدها تشومسكي وأتباعه- القدرة أو السهولة التي يمتلكها شخص ما لاكتساب اللغة عموما وليس لاكتساب لغة بعينها "وعندما تستخدم كلمة لغة استخداما وصفيا في الأسماء المركبة تخضع للنوع نفسه من الغموض انظر: القدرة اللغوة: "Language competence" واكتساب اللغة "Language acquisition" ومن المعتاد ألا يكون لهذا اللبس أثر إذ يتحدد وفقا للسياق وسأفصل بين المعنيين كلما كان ذلك ضروريا.
وحتى تستخدم لغة واحدة بعينها دون لغة أخرى عليك أن تسلك طريقا دون آخر، وكل من اللغة -عموما- واللغات المعينة يمكن أن ينظر إليها على أنها سلوك أو نشاط بعض هذا السلوك أو النشاط- على الأقل- يمكن ملاحظته وتعرفه بوصفه سلوكا لغويا ليس من قبل المراقبين المشاركين "أي: المتكلمين والمستمعين بقدر ما نحصر اهتمامنا في اللغة المنطوقة" فحسب، ولكن أيضا من قبل المراقبين غير المشاركين حينئذ في ذلك السلوك الاتصالي المشترك على وجه الخصوص، وفوق هذا فإن جوهر السلوك اللغوي ينبغي أن يكون بصفة عامة إن لم يكن في كل مناسبة هو الاتصال، وقد يكون من الممكن للمراقبين من الخارج أن يتعرفوا موضوع السلوك اللغوي حتى لو لم يكونوا على معرفة باللغة المعينة المستخدمة ولم يكن في مقدورهم تفسير الأقوال التي تعد نتاج السلوك موضع الملاحظة.
إذن يمكن أن ينظر إلى اللغة -وبشكل مبرر بما فيه الكفاية- من وجهة نظر سلوكية "وليست بالضرورة هي وجهة نظر المدرسة السلوكية"، غير أن اللغة -عموما- واللغات المعينة يمكن أن ينظر إليها من زاويتين أخريين على الأقل، ترتبط إحداهما بالتحديد الاصطلاحي الذي رسمه تشومسكي فيما بين
стр. 18
القدرة، والأداء، وترتبط الأخرى بمميز يختلف إلى حدما رسمه دي سوسير في اللغة الفرنسية مع مطلع هذا القرن بين اللغة "Langue" والكلام "parole"
وعندما نقول: إن أحد الأفراد يتكلم الإنجليزية فإننا نعني أحد أمرين: إما أنه يشترك عادة أو عرضا في هذا النوع المعين من السلوك أو أن لديه القدرة على الاشتراك في هذا النوع "سواء أكان يستخدمها أم لا"، ونشير إلى الأمر الأول بما يسمى الأداء ونشير إلى الأمر الثاني بما يسمى القدرة، ونستطيع أن نقول إن الأداء يفترض سلفا القدرة بينما لا تفترض القدرة سلفا الأداء، مع افتراض أن التمييز بين القدرة والأداء متفق عليه نسبيا، وتنسب نقطة أخرى لتشومسكي إذ مهما فسرنا بشكل إجمالي مصطلح "القدرة اللغوية" فمن الواجب أن نلاحظ أن السلوك اللغوي لأشخاص معينين في مناسبات معينة يحدده عوامل أخرى علاوة على القدرة اللغوية، وهناك الكثير ممن تناوله تشومسكي بالشرح المفصل لفكرة القدرة اللغوية تختلف حوله الآراء اختلافا بعيدا، غير أن هذا لا يعنينا في الوقت الحاضر "انظر ٧ - ٤"، ويكفي هنا أن نذكر -تبعا لتشومسكي- أن اللغوي لا يصف عند وصفه لغة معينة الأداء "أي: السلوك" بل يصف القدرة الخاصة بالمتكلمين بها، وبقدر ما تكون هذه القدرة لغوية بحتة يرتكز عليها آداؤهم ويصبح ممكنا من خلالها، فالقدرة اللغوية لشخص ما هي معرفته بلغة معينة، ومن هنا كان اهتمام علم اللغة بتمييز المحددات الخاصة بالقدرة اللغوية وتقديم تفسير نظري مقنع لها، وهو ما يصنف تبعا لتشومسكي إلى فرع علم النفس المعرفي.
والمميز بين اللغة "Langue" والكلام "Parole" -كما رسمه دي سوسير لأول مرة- يشمل عددا من المميزات المستقلة بشكل مقنع، وأكثر هذه المميزات أهمية ما يميز بين ما هو موجود بالقوة وما هو موجود بالفعل من
стр. 19
جهة وبين ما هو اجتماعي وما هو فردي من جهة أخرى "انظر: ٧ - ٣"، وما أسماه دي سوسير لغة "Langue" هو أي لغة معينة تكون ملكية مشتركة لكل أفراد جماعة لغوية معينة "أي: لكل أولئك المسلم بأنهم يتكلمون اللغة نفسها"، والمصطلح الفرنسي "Langue" -وهو كما رأينا- مصطلح بسيط من تلك الكلمات المعتادة التي تحمل معنى اللغة يترك عادة بلا ترجمة في اللغة الإنجليزية عندما يستخدم استخداما اصطلاحيا حسبما عناه دي سوسير، وسأدخل مصطلح النظام اللغوي بديلا عنه وسوف نجعله مقابلا للسلوك اللغوي على الأقل من حيث المبدأ فيما يتصل بثنائية دي سوسير: اللغة والكلام، والنظام اللغوي ظاهرة اجتماعية أو نمط اجتماعي منظم وهي في حد ذاتها تجريدية بحتة ليس له وجود فيزيائي لكنه يتحقق في مناسبات معينة في السلوك اللغوي لأفراد الجماعة اللغوية وعليه فإن ما يسميه تشومسكي القدرة اللغوية لا ينطبق بسهولة كافية على النظام اللغوي بل ينطبق على معرفة المتكلم العادي للنظام اللغوي، غير أن دي سوسير أعطى تأكيدا خاصا للطابع الاجتماعي في النظام اللغوي، ولذلك اعتقد أن علم اللغة أكثر ارتباطا بعلم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي منه بعلم النفس المعرفي، وقد أخذ بوجهة النظر هذه كثير من اللغويين الآخرين، ومع ذلك يتمسك غيرهم بأن النظم اللغوية يمكن بل يجب أن تدرس دراسة مستقلة عن متعلقاتها الاجتماعية والسيكولوجية، وسنعود إلى هذه النقطة في الفصل الثاني ودعنا الآن نذكر ببساطة أنه عندما نقول إن اللغوي يهتم باللغة فإننا نعني ضمنا أنه يهتم أساسا ببنية النظم اللغوية.
стр. 20
رابعا: اللغة والكلام
من المبادئ الأساسية لعلم اللغة الحديث أن اللغة المنطوقة أساسية أكثر من اللغة المكتوبة، ورغم ذلك فإنه لا يعني أن اللغة تطابق الكلام فمن الواجب أن يقيم حدا فاصلا بين الإشارات اللغوية والأداة التي تتحقق من خلالها تلك الإشارات، لذلك فإنه من الممكن أن نقرأ بصوت مرتفع ما هو مكتوب ومن الممكن كذلك أن نكتب ما نقوله ويستطيع المتكلمون المثقفون من أبناء اللغة أن يخبرونا -بصفة عامة- عما إذا كانت عملية تحويل الإشارات اللغوية من وسيلة إلى أخرى قد تمت بطريقة سليمة أم لا، وبقدر حرية اللغة في اتخاذ الوسيلة التي تتحقق من خلالها إشارتها اللغوية سنذهب إلى أن اللغة لها خاصة إمكانية تغيير الوسيلة، وهذه الخاصة ذات أهمية قصوى ولا تتطلب من المرء سوى اهتمام ضئيل في مجال مناقشتنا لطبيعة اللغة، وهي خاصة تعتمد -كما سنرى- على خصائص أخرى وتسهم معها في مرونة النظم اللغوية وقدرتها على التكيف.
إذن كيف تعد اللغة المنطوقة أساسية أكثر من اللغة المكتوبة؟ ولماذ يميل كثير من اللغويين إلى اعتبار أهم الخصائص الواضحة للغات الطبيعية كونها نظما إشارية متطوقة؟
أول هذه الأسباب أن اللغويين رأوا أن من واجبهم تصحيح التحيز الموجود في النحو التقليدي والتعليم التقليدي للغة، فحتى وقت قريب كانت معظم عناية النحويين تكاد تقتصر على لغة الأدب، ويحصل الكلام العامي الدارج على قليل من الاهتمام، وقد كانوا جميعا -عادة- يتعاملون مع معايير الاستخدام الأدبي على أنها معايير الصواب للغة ذاتها، وكانوا يدينون الاستخدام
стр. 21
الدارج فهو بقدر ما يختلف عن الاستخدام الأدبي غير صحيح نحويا أو وضيع أو حتى غير منطقي، وقد حدث تقدم كبير في القرن التاسع عشر في إطار بحث التطور التاريخي للغات، فقد أدرك العلماء بشكل أكثر وضوحا من ذي قبل أن التغييرات في لغة النصوص المكتوبة في مراحل مختلفة -تغييرات مثل التي تمت عبر القرون لتحول اللغة اللاتينية إلى اللغات الفرنسية أو الإيطالية أو الإسبانية- يمكن على سبيل المثال أن تتضح من خلالها التغييرات التي حدثت في اللغة المنطوقة الناظرة للغة النصوص المكتوبة، واستمرارية اللغة الواحدة عبر الزمن وفي المكان الواحد غامض إلى حد بعيد في النصوص المكتوبة في الزمن الماضي والتي جاءتنا عبر الاتجاه المحافظ لتقاليد النساخ في ثقافات عديدة كما جاءتنا عبر الاستخدام المستمر في فترات زمنية طويلة في الوثائق الدينية والقانونية وفي الأدب بأسلوب الكتابة العتيق إلى حد بعيد، وكل اللغات الأدبية العظمى في العالم أخذت -في النهاية- من اللغة المنطوقة لجماعات معينة، وأكثر من ذلك فإنه من قبيل المصادفة التاريخية أن يكون استخدام منطقة أو طبقة اجتماعية أساسا لتطور اللغة الأدبية المشتركة في مجتمعات بعينها، ونتيجة لذلك ينظر الآن للهجات المناطق الأخرى أو الطبقات الاجتماعية الأخرى على أنها كما تكون عادة أقل مرتبة أو دون مستوى اللغة المشتركة أو على أنها أشكال مختلفة للغة، وهو ما يشكل دعامة للانحياز التقليدي في تفضيل اللغة المشتركة في شكلها المكتوب لدرجة تجعل من العسير على اللغوي أن يقنع غير المتخصصين بحقيقة أن اللهجات غير المشتركة -بصفة عامة- ليست أقل نظاما أو اطرادا من اللغات الأدبية المشتركة، وأن لتلك اللهجات معايير الصواب الخاصة بها الكامنة في استخدام متكلميها الأصليين، وأول المهام التي تواجه دارسي علم اللغة، وأكثرها صعوبة أن يكتسبوا القدرة على أخذ
стр. 22
اللغة المنطوقة في الاعتبار في عباراتها الخاصة بها دون الاعتقاد في أن نطق كلمة أو عبارة يحددها أو يجب أن يحددها هجاؤها.
والرغبة في إعادة التوازن من حيث تعاطف البحث المحايد مع الكلام واللغة المنطوقة لا تحقق -بطبيعة الحال- تبني مبدأ أن اللغة المنطوقة أكثر أساسية -وليس ببساطة لا تقل أساسية- عن اللغة المكتوبة، لكن ماذا تعني كلمة أساسية هنا؟ الأولوية التاريخية للكلام على الكتابة لا تفسح مجالا للشك، ولا نعرف أن هناك مجتمعا موجودا أو كان موجودا يوما ما لم تكن لديه القدرة على الكلام، وعلى الرغم من أن اللغات كما نراها اليوم في معظم أنحاء العالم إما مكتوبة أو منطوقة فإن الأغلبية العظمى من المجتمعات كانت إلى وقت قريب أمية تماما أو تسود فيها الأمية، ومع ذلك فالأولوية التاريخية أقل أهمية من الأنواع الأخرى للأولويات التي يتضمنها مصطلح أساسية في هذا السياق وهي الأولوية البنيوية، والأولوية الوظيفية، والأولوية البيولوجية التي يمكن إثباتها.
ويمكن أن تشرح الأولوية البنيوية للغات المنطوقة كما يلي: إننا إذا أهملنا -لحظة- أية اختلافات في الأسلوب يمكن أن توجد بين اللغتين المتناظرتين المكتوبة والمنطوقة، وافترضنا أن كل جملة منطوقة مقبولة يمكن أن تتحول إلى جملة مكتوبة مقبولة، وبالعكس لما كان لدينا سبب يدعونا إلى التفكير في أيهما قد أُخِذ من الآخر إلا أن يكون الأمر حقيقة تاريخية، وتعتمد بنية الجمل المكتوبة على مميزات شكلية يمكن تحديدها، وتعتمد بنية الجمل المنطوقة على مميزات صوتية يمكن تحديدها، وفي الحالة المثلى نظريا الخاصة بالتناظر المباشر الذي يربط بين الجمل المنطوقة والجمل المكتوبة فإن كل جملة مكتوبة ستكون متماثلة في الشكل "أي: لها البنية الداخلية نفسها" مع الجملة المنطوقة المناظرة لها، فعلى سبيل المثال إذا كانت الجمل المكتوبة تستخدم نظام الكتابة
стр. 23
الألفبائي فإن حروفا معينة ستقف في حالة تناظر مع أصوات معينة، وستقف مجموعات معينة من الحروف باعتبارها كلمات أو عبارات في حالة تناظر مباشر مع مجموعات معينة من الأصوات، ولا تحوز كل مجموعة من الحروف القبول كما لا تحوز كذلك كل مجموعة من الأصوات القبول، لكن هناك اختلافا هاما بين الحروف والأصوات في هذا الشأن، فالإمكانيات التي تستخدمها الأصوات في لغة معينة ليرتبط صوت بآخر تعتمد اعتمادا جزئيا على خصائص الوسيلة نفسها "تراكيب معينة من الأصوات لا يمكن نطقها أو من العسير نطقها"، وتعتمد جزئيا على تقييدات أكثر خصوصية تتعلق بتلك اللغة وحدها، وإمكانيات الحروف في ربط حرف بآخر لا يمكن التنبؤ بها بشكل كامل من خلال أشكالها، ومع ذلك يمكن التنبؤ إلى حد ما بها في كل اللغات التي تستخدم نظام الكتابة الألفبائي من خلال ارتباط أشكال معينة بأصوات معينة ومن خلال إمكانية ارتباط صوت بآخر في الكلام، لذلك فإنه -فيما يتصل بهذا الموضوع- تكون اللغة المنطوقة أكثر أساسية من الناحية البنيوية من اللغة المكتوبة حتى لو كان ثمة تشاكل -على الأقل في النموذج النظري- على مستوى تلك الوحدات الأوسع كالكلمات والعبارات، ويجب أن يلاحظ أن هذه النقطة لا تتعلق باللغات التي تستخدم نظاما للكتابة لا ترتبط فيه أشكال معينة بأصوات معينة ولكنها ترتبط بالكلمات، فهي لا تتعلق على سبيل المثال باللغة الصينية الكلاسيكية المكتوبة بخصائصها التقليدية كما لا تتعلق باللغة المصرية القديمة المكتوبة بالهيروغليفية، ويرجع ذلك -بشكل عام- إلى عدم وجود أولوية بنيوية للغة المنطوقة على اللغة المكتوبة، أما في اللغة الصينية فإن اللغة المكتوبة الواحدة تناظر اللهجات المنطوقة التي تتميز الواحدة عن الأخرى تميزا كبيرا، ولا يمكن لأبناء هذه اللهجات أن يفهم بعضهم بعضا إلى حد كبير.
стр. 24
والأولوية الوظيفية أكثر سهولة في شرحها وفهمها فحتى يومنا هذا وفي أكثر المجتمعات البيروقراطية والصناعية الحديثة تستخدم اللغة المنطوقة في نطاق من الأغراض أكثر اتساعا مما تستخدم فيه اللغة المكتوبة، ولا تستخدم الكتابة بديلا وظيفيا للحديث إلا في المناسبات التي يستحيل فيها الاتصال المنطوق المسموع أو ينعدم تأثيره أو الاعتماد عليه، وأمكن بفعل اختراع الهاتف والمسجل أن تستخدم اللغة المنطوقة في الحالات التي كان يتوجب فيها استخدام اللغة المكتوبة في الماضي, إذ كانت تستخدم للاتصال الذي يعتمد على البعد، وفي حفظ الوثائق القانونية والدينية والتجارية التي اخترعت الكتابة أصلا لها, وحقيقة أن النصوص المكتوبة استخدمت لمثل هذه الأغراض الهامة عبر التاريخ وكانت أوثق وأكثر دواما من الأقوال المنطوقة "أو أنها كانت كذلك قبل تطور الوسائل الحديثة لتسجيل الصوت" أسهمت في اتخاذ اللغة المكتوبة شكلا رسميا ومكانة أعظم في كثير من الثقافات.
ونأتى الآن إلى مسألة أكثر إثارة للجدل وهي الأولوية البيولوجية فهناك الكثير مما يدعو إلى الاعتقاد بأن الكائنات الإنسانية مبرمجة مقدما على نحو وراثي ليس لاكتساب اللغة فحسب ولكن أيضا لإنتاج الأصوات اللغوية, وإدراكها وهو ما يعد جزءا من العملية ذاتها، ومن الواضح أن ما يشير إليه اللغوي -بشكل عام- بأعضاء النطق: الرئتان، والوتران الصوتيان، والأسنان، واللسان ... ... .. إلخ كل هذه الأعضاء تؤدي وظائف بيولوجية أكثر أساسية من وظيفة إنتاج الإشارات المنطوقة فمما لا جدال فيه أن الرئتين تستخدمان في التنفس، وأن الأسنان تستخدم في طحن الطعام ... وهلم جرا، ويبدأ كل الأطفال، وعمرهم شهور قليلة في البأبأة "ما لم يعانوا من عدم القدرة الطبيعية أو من بعض العوائق العقلية" والبأبأة التي تشتمل على
стр. 25
إنتاج سلسلة من الأصوات أوسع مما قد تجده في كلام أولئك الذين يتصل بهم الأطفال لا يمكن تفسيرها بتقليد الطفل للأصوات التي يسمعها من حوله كالببغاء، وأكثر من ذلك فمن الممكن أن نبرهن بالتجربة أن الأطفال في مقدورهم وهم في الأسابيع الأولى من حياتهم أن يميزوا بين أصوات اللغة والأصوات الأخرى، وأنهم على استعداد لأن يعطوا انتباههم لها، أما الكائنات العليا التي تقترب من الإنسان فرغم أن لها أجهزة فسيولوجية تشبه ما للإنسان فإنها لا تبدو على نفس الاستعداد لإنتاج الأصوات الإنسانية أو تمييز خصائصها وربما كان ذلك السبب الرئيسي وراء فشل تعليم الشمبانزي اللغة المنطوقة بينما تحقق قدر كبير من النجاح في تعليمها لغات أو نظم شبيهة باللغات إشاراتها تنتجها اليد وتفسرها العين "ومعروف الآن أن جماعات الشمبانزي تتواصل فيما بينها في بيئاتها الطبيعية من خلال الإشارات الإيمائية والإشارات المنطوقة وتبدو الإشارات الإيمائية أكثر تمييزا وثراء من النداءات المنطوقة انظر: "١ - ٧" وأخيرا فإن هناك حقيقة مؤداها أنه بعد فترة الطفولة يكون نصفا مخ الإنسان مختلفين من الناحية الوظيفية فيسيطر أحد نصفي المخ الإنساني على القيام بعمليات معينة، والجانب الأيسر من المخ عند أغلب الناس هو الذي يقوم بمعالجة الإشارات اللغوية وهو أفضل من النصف الأيمن من حيث معالجة الأصوات اللغوية لا الأنواع الأخرى من الأصوات.
وشاهد من هذا النوع على الرغم من أنه غير قاطع إلا أنه مثير للتفكير بدرجة عالية فتبعا لأحد الافتراضات المقنعة تطورت اللغة الإنسانية -في بعض المراحل الخاصة بتطور الجنس البشري- من نظام اتصالي إيمائي أكثر منه نطقي، وثمة أسباب عديدة وراء احتمال حدوث ذلك وبغض النظر
стр. 26
عن صحة هذا الافتراض فإن الشاهد الذي ورد مختصرا في الفقرة السابقة يشير إلى أنه فيما يتصل بالإنسان في حالته الراهنة من التطور النشوئي تعد الأصوات وبالأخص سلسلة الأصوات المسموعة التي يمكن أن تنتجها أعضاء النطق الإنسانية الوسيلة الطبيعية أو الأساسية من الناحية البيولوجية التي تتحقق بها اللغة، وإذا كان الأمر كذلك فهناك مبرر للغويين ليس لاستخدامهم مصطلح أعضاء النطق فحسب، ولكن أيضا لافتراضهم علاقة ليست عارضة بين اللغات والكلام.
ورغم ذلك تظل حقيقية وجود اختلاف بين الأولوية البيولوجية والمنطقية وكما أكدنا من قبل فإن للغة درجة عالية من قابلية التحول في الوسيلة، وفي المجرى المعتاد للأحداث يكتسب الأطفال إتقان اللغة المنطوقة اكتسابا طبيعيا "أي: بفضل الموهبة الطبيعية البيولوجية وبدون تدريب خاص" أما القراءة والكتابة فكلتاهما مهارة خاصة يكتسبها الأطفال من خلال برامج تعليمية تعتمد عل المعرفة السابقة باللغة المنطوقة، ورغم ذلك فإن الكبار وليس الأطفال وحدهم في استطاعتهم أن يكتسبوا القراءة والكتابة دون صعوبة مفرطة، ومن الممكن إلى حد بعيد -رغم أنه ليس معتادا- أن يتعلم المرء اللغة المكتوبة دون معرفة مسبقة باللغة المنطوقة المرتبطة بها، ومن الممكن كذلك أن يتعلم المرء نظما اتصالية من الإشارات الإيمائية التي لا تعتمد على اللغة المنطوقة كما لا تعتمد على اللغة المكتوبة، وذلك مثل بعض النظم التي يستخدمها الصم والبكم، وإذا كان من الممكن أن نكتشف مجتمعا يستخدم نظاما اتصاليا كتابيا أو إيمائيا له كل الخصائص المميزة للغة لكنه لم يتحقق أبدا من خلال الوسيلة المنطوقة فإننا بالتأكيد سنشير إلى هذا النظام الاتصالي على أنه لغة، لذلك يجب ألا يؤكد المرء كثيرا على الأولوية البيولوجية للكلام.
стр. 27
وعلاوة على ذلك فإنه عندما نصل إلى قضية وصف لغات بعينها فإن هناك مبررا جيدا لتعامل اللغوي مع اللغتين المتناظرتين المكتوبة والمنطوقة على أنهما متماثلتان في الشكل بدرجة أو بأخرى، فالتطابق التام لا يكون إلا في النموذج النظري -كما قلنا من قبل- فلم يخترع بعد نظام للكتابة يمدنا بما يمثل كل الخصائص المميزة للكلام "بخلاف نظم الكتابة الصوتية التي صاغها علماء الأصوات لهذا الغرض وحده" ويتبع ذلك أن هناك -بشكل عام- طرقا عديدة مختلفة لنطق الجملة الواحدة المكتوبة، وتختلف هذه الطرق من حيث النبر، والتنغيم ... إلخ، وتؤدي علامات الترقيم واستخدام الحروف المكتوبة بالخط المائل والحروف الاستهلاكية الكبيرة التي تبدأ بها الجملة كثيرا مما يقوم به النبر والتنغيم في اللغة المنطوقة من أغراض غير أن الأولى لا تستطيع أن تمثل الأخيرة تمثيلا كافيا، ويجب أن تأخذ حقيقة أنه يوجد دائما اختلاف بنيوي، ووظيفي بين اللغتين المنطوقة والمكتوبة التي تناظر الواحدة منهما الأخرى تقديرا مناسبا كذلك، ويتنوع مدى الاختلاف -لأسباب تاريخية وثقافية- من لغة إلى أخرى، ففي اللغة العربية واللغة التأميلية -على سبيل المثال- نرى الاختلاف من حيث المعجم والقواعد النحوية كبيرا الغاية، وهو أقل وضوحا في اللغة الإنجليزية غير أنه حتى في اللغة الإنجليزية توجد كلمات وعبارات وتراكيب نحوية نشعر أنها عامية للغاية بالنسبة للغة المكتوبة "مثل: "Load of old cobbe"" أو بالعكس أدبية للغاية بالنسبة للغة المنطوقة" مثل:
"any arrangements made heretofore sorwithstandigo"
ويكشف المصطلحان: عامي وأدبي أمورا، فهناك فاصل واضح -من حيث المبدأ- بين العامي والمنطوق من ناحية، وبين الأدبي والمكتوب من ناحية أخرى، وهذا الفاصل من الصعوبة المحافظة عليه عند التطيق، وبخصوص بعض اللغات لا يثير الفاصل المميز بين وسيلة وأخرى "الكتابة في مقابل النطق"، ولا الاختلافات الخاصة بالأسلوب "العامي في مقابل الأدبي" اهتماما كبيرا، وكذلك الأمر في الفاصل المميز بين الاختلافات في الوسيلة، والاختلافات في اللهجة "المشتركة في مقابل غير مشتركة.... إلخ"، والافتراض النظري للتماثل في الشكل بين اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة جزء لا يتجزأ مما سيشار إليه فيما بعد بتصور التجانس.
стр. 28
خامسا: وجهة نظر سيميولوجية
وصفت السيميولوجية وصفا متنوعا على أنها علم الإشارات أو أنها السلوك الرمزي أو أنها النظم الاتصالية، وثمة مناقشات كثيرة في إطار السيميولوجية تتعلق بالاختلاف بين الإشارات والرموز والعلامات، وبمجال مصطلح الاتصال١، ولأغراضنا الراهنة سنعتبر السيميولوجيا تتعلق بنظم الاتصال، وسوف نفسر مصطلح "اتصال" تفسيرا مجملا إلى حد ما بحيث لا يتضمن بالضرورة اتجاها نحو تقديم معلومات، ولا يكون ذلك إذا فسرنا المصطلح بالطريقة التي يمكن للمرء أن يتكلم عن الاتصال الحيواني دون أن يبدأ ببعض القضايا الفلسفية المثيرة للجدل.
وثمة تصورات معينة تتصل بالبحث في كل النظم الاتصالية الإنسانية وغير الإنسانية، الطبيعية والصناعية، فالإشارة تمر من المرسل إلى المستقبل "أو مجموعة
стр. 29
من المستقبلين" وتأخذ الإشارة شكلا معينا وتحمل معنى معينا "أو رسالة"، والعلاقة بين شكل الإشارة ومعناها يؤسسها ما يعرف بشكل شائع في السيميولوجيا بالشفرة "بالمعنى العام إلى حد ما للمصطلح" فالرسالة يرمز لشفرتها المرسل ويحل شفرتها المستقبل.
وتعد اللغات الطبيعية -من وجهة النظر هذه- شفرات، ويمكن مقارنتها بالشفرات الأخرى من جميع النواحي: من ناحية قناة الاتصال التي تمر من خلالها الإشارات، ومن ناحية شكل الإشارات أو بنيتها، ومن ناحية نوع الرسائل التي يمكن أن يرمز لشفرتها أو مجالها وهلم جرا، وتقبع المشكلة في تحديد خصائص الشفرات أو النظم الإشارية التي تعمل من خلالها والتي لها أهميتها فيما تهدف إليه عملية المقارنة، وتلك التي لا أهمية لها أو التي هي أقل أهمية، ويجعل هذه المشكلة أكثر تعقيدا أن الكثير من هذه الخصائص التي يمكن أن يختارها المرء باعتبارها خصائص حاسمة يمكن تدرجها، ولهذا فإنه ربما كان مهما للغاية أن نقارن الشفرات من خلال درجة وجود الخاصة المشتركة وليس ببساطة من خلال وجودها أو عدمه والمقارنات السخيفة إلى حد بعيد التي تعقد بين اللغات ونظم الاتصال التي تستخدمها أجناس معينة من الطيور والحيوانات تقوم -على أساس اختيار خصائص معينة- باستبعاد الخصائص الأخرى وتفشل في أن تولي اهتماما بإمكانية تدرج الخصائص.
وبقدر ما تلقى قناة الاتصال من اهتمام تكون الحاجة إلى الكلام ضئيلة سوى أن اللغة -بخلاف الشفرات التي تستخدمها كثير من الحيوانات إن لم تكن جميعها- تتميز بدرجة عالية إلى حد بعيد بوجود خاصة قابلية التحول في الوسيلة فيها، وقد تناولنا هذه النقطة في القسم السابق، ومفهوم الوسيلة
ومفهوم القناة -بالطبع- مرتبطان ارتباطا وثيقا من حيث إن
стр. 30
خصائص الوسيلة مأخوذة من خصائص القناة الطبيعية للتوصيل، ومع هذا فإنه من الأهمية أن نميز بين المفهومين فيما يتصل باللغة، فكلتا اللغتين المنطوقة والمكتوبة يمكن أن تنتقل عبر قنوات اتصال متنوعة، وعندما نستخدم مصطلح "وسيلة" أكثر من "قناة" فإننا لا نعنى بالمرور الفعلي للإشارات في مناسبات معينة، ولكننا نعنى بالاختلافات الوظيفية والبنيوية المصوغة في صورة نظام والتي تميز بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة، وذلك على الرغم من أن المفارقة قد تبدو من الوهلة الأولى في أن اللغة الإنجليزية المكتوبة يمكن أن تنتقل عبر القناة المسموعة المنطوقة "أي: بواسطة الكلام"، واللغة الإنجليزية المنطوقة يمكن أن تنتقل عن طريق الكتابة "على الرغم من أن ذلك غير مرض إلى حد بعيد في الكتابة الهجائية المعتادة".
وربما كانت أكثر خصائص اللغة لفتا للأنظار عند مقارنتها بالشفرات أو بنظم الاتصال مرونتها، وتعدد استعمالاتها، فنحن نستخدم اللغة للتعبير عن انفعالاتنا، ومشاعرنا، أو لكي نلتمس تعاون رفاقنا، أو لكي نصوغ وعودنا ووعيدنا، أو لكي نصدر أوامرنا، أو نوجه أسئلتنا أو لنصوغ أحكامنا، ويمكننا أن نشير إلى الماضي، وإلى الحاضر، وإلى المستقبل وإلى الأشياء البعيدة عن سياق القول وحتى إلى تلك الأشياء التي لا حاجة لوجودها ولس من الممكن إيجادها، وليس هناك نظام اتصال خاص بالإنسان أو بغير الإنسان يبدو أن له شيئا ما يشبه هذه الدرجة من المرونة وقابلية التغير، وفيما بين الخصائص الأكثر وضوحا والتي تسهم في مرونة اللغة وتعدد استعمالاتها "أي: في كل نظام لغوي وفي أي نظام لغوي" هناك أربع خصائص تذكر بشكل متكرر للتذكر وهي: الاعتباطية، والازدواجية، والتمايز، والإنتاجية.
стр. 31
١- الاعتباطية١ ويستخدم هذا المصطلح هنا بمعنى خاص إلى حد ما ليعني شيئا ما مثل "تعذر التفسير من خلال بعض المبادئ الأكثر عمومية" وأكثر الأمثلة وضوحا على الاعتباطية في اللغة -والمثال الذي يذكر بشكل أكثر تكرارا- يتصل بالعلاقة التي تربط بين المعنى والشكل، بين الإشارة والرسالة، وهناك أمثلة متفرقة في كل اللغات لما يعرف تقليديا بظاهرة التسمية بالمحاكاة الصوتية: لاحظ العلاقة غير الاعتباطية بين الشكل والمعنى في الكلمات الآتية المسماة بالمحاكاة الصوتية مثل cuckoo" "peewit" "crash"٢" في اللغة الإنجليزية، غير أن الأغلبية العظمى من الكلمات في كل اللغات غير مسماة بالمحاكاة الصوتية فالعلاقة بين ألفاظها ومعانيها اعتباطية فلفظ كلمة ما لا يمكن أن ينبأ عن معناها كما أن معنى كلمة ما لا يمكن أن ينبأ عن لفظها.
ومن الواضح أن العرفية -بهذا المعنى- تزيد من مرونة نطام الاتصال وتعدد استعمالاته فاتساع المعجم ليس مقيدا بضرورة التوافق بين الشكل والمعنى من خلال بعض المبادئ الأكثر عمومية، ومن الناحية الأخرى فحقيقة أن حلقة الوصل بين الشكل والمعنى على مستوى الوحدات المعجمية للنظم اللغوية -بشكل عام- اعتباطية لها أثرها في العبء الكبير الذي يقع على الذاكرة في عملية اكتساب اللغة، وارتباط صيغة معينة بمعنى معين يجب أن نعرفه في كل وحدة معجمية بشكل مستقل، إذن الاعتباطية التي من هذا
стр. 32
النوع من وجهة النظر السيميولوجية لها فوائدها وأضرارها فهي تجعل النظام اللغوي أكثر مرونة وتكيفا، لكنها تجعل تعلمه أكثر صعوبة وإرهاقا كذلك، وتوجد نقطة إضافية فالاعتباطية في أي نظام سيميولوجي تجعل تفسير الإشارات أكثر صعوبة بالنسبة لأي فرد يتصدى لتفسير هذه الإشارات ولا يعرف النظام، ولهذا أيضا فوائده وأضراره بالنسبة لمستخدمي النظام العاديين، ومن المفترض أن يتفوق الجانب المفيد على الجانب الضار، أما معظم النظم الاتصالية الخاصة بالحيوان ففيها رابطة لا اعتباطية بين شكل الإشارة ومعناها.
ولا تنحصر الاعتباطية بقدر ما تلقى اللغة من اهتمام في العلاقة بين الشكل والمعنى، فهي تتسع كذلك -بدرجة كبيرة إلى حد ما- لما يتعلق بكثير من البنية النحوية الخاصة بلغات معينة بقدر ما تختلف نحويا الواحدة عن الأخرى، ولم لم يكن الأمر كذلك لكان تعلم اللغات الأجنبية أكثر سهولة.
والأكثر إثارة فرضية تشومسكي التي تذهب إلى أن مقدارا كبيرا مما هو مشترك في البنية النحوية للغات الإنسانية جميعها -بما في ذلك العملية التي هي من نوع خاص إلى حد بعيد والخاصة بتبعية البنية- اعتباطي كذلك بمعنى أنه لا يمكن تفسيرها أو التنبؤ بها من خلال وظائف اللغة، أو الأحوال البيئية التي تكتسب فيها للغة وتستخدم فيها، أو طبيعة العملية الإدراكية الإنسانية عموما، أو أي عامل من هذا النوع، ووجهة نظر تشومسكي أن الكائنات الإنسانية موهوبة وراثيا بمعرفة المبادئ العامة الاعتباطية المزعومة التي تحدد الأبنية النحوية في جميع اللغات، وكل ما نحتاج أن نقوله هنا عن هذه النظرية أن اللغويين لا يتفقون جميعا على أن مثل هذه المبادئ العامة -كما يمكن تأسيسها- اعتباطية بالمعنى المقصود، وكثير من
стр. 33
البحوث الحديثة في علم اللغة النظري تكرث جهودها في محاولة بيان أنها ليست كذلك، وسنعود إلى هذه النقطة في الفصل الثامن.
٢- الازدواجية١ ونعني بها أن اللغة مستويين بنيويين فوحدات المستوى الأساسي تتكون من عناصر المستوى الثانوي ولكلا المستويين أسسه التنظيمية الخاصة، وستلاحظ أنثى أدخلت مميزا اصطلاحيا بين "عنصر" و"وحدة" وهذا ليس مميزا اصطلاحيا مشتركا في علم اللغة ومع ذلك فهو ذو ملائمة تفسيرية معينة وسيلتزم به في هذا الكتاب.
ونستطيع الآن أن نعتبر أن عناصر اللغة المنطوقة هي الأصوات "أو بشكل أوضح كما سيتضح في الفصل الثالث الفونيمات"، ولا تحمل الأصوات في حد ذاتها معنى، ووظيفتها الوحيدة أن يتجمع الواحد منها مع الآخر لتكوين وحدات لها -بصفة عامة- معنى محدد، ويرجع ذلك إلى أن عناصر المستوى الأدنى وهي الأصغر لا معنى لها بينما عناصر المستوى الأعلى وهي الأكبر لها معنى مميز -بصفة عامة إن لم يكن بشكل ثابت- يمكن التعرف عليه، ومن ثم وصفت العناصر بأنها ثانوية ووصفت الوحدات بأنها أساسية، ونظم الاتصال كلها لها مثل هذه الوحدات الأساسية لكن هذه الوحدات ليست بالضرورة مؤلفة من عناصر، ولا يكون للنظام خاصة الازدواجية إلا إذا كانت فيه الوحدات والعناصر كلاهما، ومعظم نظم الاتصال الخاصة بالحيوان لا تنتهج
стр. 34
هذا النهج -بشكل واضح- وتلك التي تنتهج هذا النهج لا تتركب وحداتها الواحدة مع الأخرى بالطريقة التي تتركب بها الكلمات الواحدة مع الأخرى في كل اللغات الإنسانية لتكون العبارات والجمل.
وفائدة الازدواجية أنه يمكن أن نركب عددا ضخما من الوحدات المختلفة من عدد صغير من العناصر، فعدة آلاف من الكلمات -على سبيل المثال- تتركب من ثلاثين أو أربعين صوتا، ولو أن هذه الوحدات الأساسية أتيح لها التركيب المنظم بطرق متنوعة فإن عدد الإشارات المتميزة التي يمكن أن تنقل -وبالتبعية عدد الرسائل المختلفة- سيتزايد بدرجة هائلة، وكما سنرى فيما بعد ليس هناك حد لعدد الإشارات اللغوية المتميزة التي يمكن أن تتركب في لغات معينة.
٣- التمايز١ ويقابل الاختلاف المتصل أو المتواصل، والتمايز في حالة اللغة خاصة للعناصر الثانوية، ولكي نوضح ذلك فإن الكلمتين: "bit"
стр. 35
و"bet" مختلفتان في الصيغة في كلتا اللغتين المنطوقة والمكتوبة، ومن الممكن فعلا أن يصدر صوت حركة بطريقة وسط بين الحركتين اللتين تذكران عادة في نطق هاتين الكلمتين، لكننا إذا استبدلنا هذا الصوت المتوسط بالحركة التي في bit أو bet في السياق نفسه فلن تكون النتيجة أننا سننطق كلمة ثالثة تتميز عن الكلمتين السابقتين أو تشاركهما خصائصهما ولكننا سننطق بشيء ما لا يعد كلمة عن الإطلاق أو يعد صورة نطقية خاطئة لإحدى الكلمتين، فما يميز صيغة معينة في اللغة -بصفة عامة- ليس الترجيح أو الموازنة وإنما العناصر جميعها سلبا أو إيجابا.
وبناء عليه فإن التمايز لا يعتمد اعتمادا منطقيا على الاعتباطية، فهي تتفاعل معها لتزيد من مرونة النظم اللغوية وتعددا استعمالاتها فعلى سبيل المثال من الممكن من حيث المبدأ أن تكون كلمتان مختلفتان الحد الأدنى للاختلاف غير أنهما متمايزتان في الصيغة متشابهتين في المعنى إلى حد بعيد وهو ما لا يحدث بوجه عام، فالكلمتان "bet" "bit" لا يزيد الشبه بينهما في المعنى عن أي زوج تختاره بشكل عشوائي من كلمات اللغة الإنجليزية، وحقيقة أن الكلمات التي تختلف الحد الأدنى من الاختلاف في الشكل تختلف عادة في المعنى إلى حد بعيد أكثر من اختلافها الحد الأدنى لها أثرها في تعضيد التمايز في الاختلاف الشكلي بينهما ففي معظم السياقات يكون ذكر إحداها أكثر احتمالا إلى حد بعيد من ذكر غيرها, وهو ما يقلل احتمالات عدم الفهم في الأحوال الرديئة من الإرسال الإشاري، وفي نظم الاتصال الخاصة بالحيوان يرتبط عادة اللاتمايز "أي: التنوع المستمر" باللااعتباطية.
٤- الإنتاجية لنظام اتصالي ما خاصة تجعل تركيب الإشارات الجديدة وتفسيرها ممكنا، ونعني بالإشارات الجديدة تلك الإشارات التي لم تواجهنا من
стр. 36
قبل، والإشارات لا توجد في بعض القوائم -مهما كانت ضخامة هذه القوائم- بحيث يجد مستخدم اللغة منفذا إليها, ومعظم نظم الاتصال الخاصة بالحيوان تبدو محدودة للغاية من حيث عدد إشاراتها التي يمكن أن تُرْسَل وأن تستقبل من قِبَل مستخدميها، ومن الناحية الأخرى تمكن جميع النظم اللغوية مستخدميها من تركيب أقوال كثيرة بغير حدود -لم يسبق سماعها أو قراءتها من قبل- وفهمها.
وقد لاقت خاصة الإنتاجية توكيدا في المؤلفات اللغوية الحديثة لا سيما تلك التي تُعْزى لتشومسكي مع إشارة خاصة إلى قضية تفسير اكتساب الأطفال للغة وحقيقة أن الأطفال يكون في مقدورهم -في مرحلة مبكرة إلى حد بعيد- إنتاج الأقوال التي لم يسمعوها من قبل دليل على أن اللغة لا تكتسب عن طريق المحاكاة والذاكرة وحدهما.
ويجب أن نؤكد عند مناقشة الإنتاجية أنه ليس هناك مثل القدرة على تركيب أقوال جديدة في أهميتها الحاسمة، عند تقييم النظم اللغوية فعلى سبيل المثال القول بأن نظام الاتصال الذي تستخدمه مملكة النحل للاستدلال على مصدر رحيق الزهرو له خاصة الإنتاجية يكون مضللا إلى حد بعيد إذا كنا نعني بذلك أن النظام -من هذه الناحية- يشبه اللغات الإنسانية، فالنحل ينتج إشارات متنوعة كثيرة بلا حدود "تختلف من حيث ذبذبة أجسامها، ومن حيث درجة الزاوية التي تتخذها في مواجهة الشمس"، غير أنه يوجد اختلاف مستمر في الإشارات ورابطة لا اعتباطية بين الإشارة والرسالة، ولا يمكن أن يستخدم النحل هذا النظام ليحمل معلومات عن أي شيء سوى اتجاه مصدر الرحيق والمسافة التي تفصل بينهما.
ومما يلفت النظر حول الإنتاجية في اللغات الطبيعية أنها بقدر ما هي واضحة
стр. 37
في أبنيتها النحوية فهي غاية التعقيد والتنوع من حيث المبادئ التي تضمنها وتشكلها، غير أن هذا التنوع والتعقيد -كما ألح تشومسكي بما لم يفعله غيره- ليس على عواهنه أي: إنه محكوم بقانون، وفي إطار الحدود التي رسمتها قوانين النحو التي ربما كانت عالمية إلى حد ما ونوعية خاصة بلغات معينة إلى حد ما أيضا يكون للمتكلمين الأصليين الحرية في تركيب أقوال كثيرة بلا حدود بطريقة خلاقة -وهي الطريقة التي يراها تشومسكي طريقة إنسانية مميزة- وترتبط فكرة الخلق وفقا لقوانين حاكمة ارتباطا وثيقا بالإنتاجية وهي التي كانت لها أهمية عظمى في تطور التوليدية.
والخصائص الأربعة العامة التي سبق ذكرها ومناقشتها باختصار وهي: الاعتباطية، والازدواجية، والتمايز، والإنتاجية تترابط جميعها من طرق عديدة، وهذه الخصائص ليس موجودة فحسب -بقدر ما نعلم- في اللغات كلها ولكنها موجودة فيها بدرجة عالية إلى حد بعيد، وإذا ما وجدنا هذه الخصائص في أي نظام اتصالي خلاف اللغة موضع البحث فلن تبدو موجودة بنفس درجة وجودها أو متداخلة بنفس الطريقة كما هي في اللغة.
وعلى كل حال يستحق أيضا أن نوضح أن تلك الخصائص الأربعة التي تستقل بشكل تام في القناة والأداة كليهما أقل تميزا في الجانب غير المنطوق من الإشارات اللغوية، وأن الأقوال ليست مجرد تتابعات من الكلمات فهناك ظاهرتان صوتيتان متميزتان إلى حد ما تعلوان الكلمات المتتابعة "أي: الأجزاء المنطوقة" في أي قول متكلم به وهما: موسيقى الكلام والمصاحبات اللغوية، وتشمل السمات الموسيقية في الكلام أشياء مثل النبر، والتنغيم١،
стр. 38
وتشتمل المصاحبات اللغوية على ظواهر مثل سرعة الأداء وارتفاع الصوت.. إلخ، ويرتبط كذلك بالقول المتكلم به ظواهر غير منطوقة متنوعة "حركات العين، وإيماءات الرأس، وتعبيرات الوجه، واللفتات، وحركات الجسم ... إلخ" وتسهم بشكل إضافي في تحديد بنية القول أو معناه ويمكن أيضا أن توصف بالمصاحبات اللغوية، ولا يتعامل اللغوي -في العادة- إلا مع ظواهر موسيقى الكلام ضمن السمات المنطوقة كما يحددها النظام اللغوي في حد ذاته, وعلى كل حال فإن الظواهر الخاصة بموسيقى الكلام، والمصاحبات اللغوية كليهما تعد جزءا متمما للسلوك اللغوي المعتاد عبر الوسيلة المنطوقة، وبقدر ما تفتقد الأنواع المختلفة من الاتصال الحيواني الخصائص العامة الأربعة: الاعتباطية، والازدواجية، والتمايز، والإنتاجية -أو على الأقل لا تظهر فيها بالدرجة التي تظهر بها في الجزء المنطوق من اللغة- فإن السمات الخاصة بموسيقى الكلام والمصاحبات اللغوية في السلوك اللغوي تشبه إلى حد بعيد السمات الخاصة بالأنواع المختلفة من الاتصال الحيواني.
إذن هل ينفرد الإنسان باللغة؟ الإجابة على هذا السؤال يشبه الإجابة على السؤال: "هل الإنسان متفرد بين الحيوانات؟ " فهي تعتمد إلى حد بعيد على الخصائص التي يقرر المرء أن يركز عليها وأن يجعلها حاسمة في تعريف اللغة، ومن الجائز على حد سواء أن نركز على الاختلافات الواضحة من حيث النوع ومن حيث الدرجة بين اللغة واللا لغة أو على التماثلات الأقل وضوحا، وقد يميل اللغوين وعالم النفس، والفيلسوف إلى التأكيد على أوجه الاختلاف بينما يركز السيميولوجي، وعالم الأحياء، وعالم الأجناس على أوجه الشبه.
стр. 39
سادسا: تصور التجانس
إلى الآن كنا نتعامل مع ما سأشير إليه بتصور التجانس: وهو الاعتقاد أو الافتراض الذي يذهب إلى أن جميع أفراد الجماعة اللغوية الواحدة يتكلمون لغة واحدة على نحو دقيق، ومن الممكن بطبيعة الحال أن نعرف مصطلح جماعة لغوية بالطريقة التي تسلك في التعريف فهي تلك التي لا يوجد اختلافات منظومة في النطق أو النحو أو المعجم في كلام أفرادها، لكن إذا ما فسرنا هذا المصطلح بالجروع إلى أية مجموعة من الناس يقال عنها عادة أنها تتكلم بلغة واحدة، وذلك مثل اللغة الإنجليزية أو اللغة الفرنسية أو اللغة الروسية فسيكون إذن بمثابة كشف تجريبي عما إذا كان كل أفراد جماعة لغوية معينة يتكلمون بالطريقة نفسها من جميع النواحي أم لا.
ويوجد في كل الجماعات اللغوية الصغرى في أنحاء العالم اختلافات واضحة إلى حد ما في اللكنة١ واللهجة٢، وفيما يتصل بمصطلحي اللكنة والهجة فإن
стр. 40
المصطلح الأول أكثر تحديدا من المصطلح الثاني فهو لا يشير إلا إلى الطريقة التي تنطق بها اللغة ولا يحمل أي تضمين -بأي شكل من الأشكال- يتعلق بالمفردات أو النحو، فعلى سبيل المثال من الممكن ومن غير الشائع على الإطلاق تمييز الأجنبي مباشرة بواسطة لهجته ولو كان يتكلم اللغة -بقدر العناية بالنحو والمعجم- بحيث لا يمكن تمييزه عن متكلمي اللغة الأصليين، وهو ممكن لمتكلمين أصليين يستخدمان لهجة واحدة، بالنظر إلى جوانبها الأخرى غير أنهما يتكلمانها بلكنة مختلفة اختلافا واضحا، وهو أمر شائع بصفة خاصة إذا كانت اللهجة موضع البحث قد اكتسبت -لأسباب تاريخية- مكانة اللغة المشتركة على المستوى الإقليمي أو القومي، فعلى سبيل المثال معظم المتعلمين من سكان إنجلترا الأصليين مولدا يتكلمون لهجة إنجليزية تقترب بشكل وثيق إلى حد ما من نوع معين من اللغة الإنجليزية المشتركة لكنهم يتكلمونها بلكنة تكشف عن أصولهم الجغرافية أو الاجتماعية، ويوجد مميز مرسوم -على الأقل في الاستخدام الدارج- بين اللكنة واللهجة ورغم ذلك يدرج كثير من اللغويين الاختلافات الخاصة باللكنة ضمن الاختلافات الخاصة باللهجة، وليس لهذه النقطة الاصطلاحية البحتة -في حد ذاتها- أية نتائج، لكن من الأهمية أن ندرك أن ما يعد من الجوانب الأخرى لهجة واحة يمكن أن تنطق بطرق مختلفة اختلافا واضحا، ولا يقل أهمية أن ندرك أنه حيث لا يوجد قبول واشتراك في اللغة على المستوى الإقليمي أو القومي مؤسس لمدة طويلة فإن الاختلافات في اللهجة التي تتجاوز النطق إلى النحو والمفردات تتجه إلى أن تكون أكثر وضوحا عما هي عليه لدى معظم الجماعة اللغوية التي تتكلم الإنجليزية هذه الأيام.
ورغم أن اللغوي يستخدم مصطلح لهجة ويربط هذا المصطلح -مثل غير المتخصص- بمصطلح اللغة بقوله إن اللغة من اللغات قد تتركب من لهجات عديدة مختلفة فهو لا يقبل التضمينات التي ترتبط بشكل شائع بمصطلح لهجة