← Язык

Язык · id 10748

اللغة وعلم اللغة

جون ليونز

Полный текст (255 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قبل، والإشارات لا توجد في بعض القوائم -مهما كانت ضخامة هذه القوائم- بحيث يجد مستخدم اللغة منفذا إليها, ومعظم نظم الاتصال الخاصة بالحيوان تبدو محدودة للغاية من حيث عدد إشاراتها التي يمكن أن تُرْسَل وأن تستقبل من قِبَل مستخدميها، ومن الناحية الأخرى تمكن جميع النظم اللغوية مستخدميها من تركيب أقوال كثيرة بغير حدود -لم يسبق سماعها أو قراءتها من قبل- وفهمها. وقد لاقت خاصة الإنتاجية توكيدا في المؤلفات اللغوية الحديثة لا سيما تلك التي تُعْزى لتشومسكي مع إشارة خاصة إلى قضية تفسير اكتساب الأطفال للغة وحقيقة أن الأطفال يكون في مقدورهم -في مرحلة مبكرة إلى حد بعيد- إنتاج الأقوال التي لم يسمعوها من قبل دليل على أن اللغة لا تكتسب عن طريق المحاكاة والذاكرة وحدهما. ويجب أن نؤكد عند مناقشة الإنتاجية أنه ليس هناك مثل القدرة على تركيب أقوال جديدة في أهميتها الحاسمة، عند تقييم النظم اللغوية فعلى سبيل المثال القول بأن نظام الاتصال الذي تستخدمه مملكة النحل للاستدلال على مصدر رحيق الزهرو له خاصة الإنتاجية يكون مضللا إلى حد بعيد إذا كنا نعني بذلك أن النظام -من هذه الناحية- يشبه اللغات الإنسانية، فالنحل ينتج إشارات متنوعة كثيرة بلا حدود "تختلف من حيث ذبذبة أجسامها، ومن حيث درجة الزاوية التي تتخذها في مواجهة الشمس"، غير أنه يوجد اختلاف مستمر في الإشارات ورابطة لا اعتباطية بين الإشارة والرسالة، ولا يمكن أن يستخدم النحل هذا النظام ليحمل معلومات عن أي شيء سوى اتجاه مصدر الرحيق والمسافة التي تفصل بينهما. ومما يلفت النظر حول الإنتاجية في اللغات الطبيعية أنها بقدر ما هي واضحة

стр. 37

في أبنيتها النحوية فهي غاية التعقيد والتنوع من حيث المبادئ التي تضمنها وتشكلها، غير أن هذا التنوع والتعقيد -كما ألح تشومسكي بما لم يفعله غيره- ليس على عواهنه أي: إنه محكوم بقانون، وفي إطار الحدود التي رسمتها قوانين النحو التي ربما كانت عالمية إلى حد ما ونوعية خاصة بلغات معينة إلى حد ما أيضا يكون للمتكلمين الأصليين الحرية في تركيب أقوال كثيرة بلا حدود بطريقة خلاقة -وهي الطريقة التي يراها تشومسكي طريقة إنسانية مميزة- وترتبط فكرة الخلق وفقا لقوانين حاكمة ارتباطا وثيقا بالإنتاجية وهي التي كانت لها أهمية عظمى في تطور التوليدية. والخصائص الأربعة العامة التي سبق ذكرها ومناقشتها باختصار وهي: الاعتباطية، والازدواجية، والتمايز، والإنتاجية تترابط جميعها من طرق عديدة، وهذه الخصائص ليس موجودة فحسب -بقدر ما نعلم- في اللغات كلها ولكنها موجودة فيها بدرجة عالية إلى حد بعيد، وإذا ما وجدنا هذه الخصائص في أي نظام اتصالي خلاف اللغة موضع البحث فلن تبدو موجودة بنفس درجة وجودها أو متداخلة بنفس الطريقة كما هي في اللغة. وعلى كل حال يستحق أيضا أن نوضح أن تلك الخصائص الأربعة التي تستقل بشكل تام في القناة والأداة كليهما أقل تميزا في الجانب غير المنطوق من الإشارات اللغوية، وأن الأقوال ليست مجرد تتابعات من الكلمات فهناك ظاهرتان صوتيتان متميزتان إلى حد ما تعلوان الكلمات المتتابعة "أي: الأجزاء المنطوقة" في أي قول متكلم به وهما: موسيقى الكلام والمصاحبات اللغوية، وتشمل السمات الموسيقية في الكلام أشياء مثل النبر، والتنغيم١،

стр. 38

وتشتمل المصاحبات اللغوية على ظواهر مثل سرعة الأداء وارتفاع الصوت.. إلخ، ويرتبط كذلك بالقول المتكلم به ظواهر غير منطوقة متنوعة "حركات العين، وإيماءات الرأس، وتعبيرات الوجه، واللفتات، وحركات الجسم ... إلخ" وتسهم بشكل إضافي في تحديد بنية القول أو معناه ويمكن أيضا أن توصف بالمصاحبات اللغوية، ولا يتعامل اللغوي -في العادة- إلا مع ظواهر موسيقى الكلام ضمن السمات المنطوقة كما يحددها النظام اللغوي في حد ذاته, وعلى كل حال فإن الظواهر الخاصة بموسيقى الكلام، والمصاحبات اللغوية كليهما تعد جزءا متمما للسلوك اللغوي المعتاد عبر الوسيلة المنطوقة، وبقدر ما تفتقد الأنواع المختلفة من الاتصال الحيواني الخصائص العامة الأربعة: الاعتباطية، والازدواجية، والتمايز، والإنتاجية -أو على الأقل لا تظهر فيها بالدرجة التي تظهر بها في الجزء المنطوق من اللغة- فإن السمات الخاصة بموسيقى الكلام والمصاحبات اللغوية في السلوك اللغوي تشبه إلى حد بعيد السمات الخاصة بالأنواع المختلفة من الاتصال الحيواني. إذن هل ينفرد الإنسان باللغة؟ الإجابة على هذا السؤال يشبه الإجابة على السؤال: "هل الإنسان متفرد بين الحيوانات؟ " فهي تعتمد إلى حد بعيد على الخصائص التي يقرر المرء أن يركز عليها وأن يجعلها حاسمة في تعريف اللغة، ومن الجائز على حد سواء أن نركز على الاختلافات الواضحة من حيث النوع ومن حيث الدرجة بين اللغة واللا لغة أو على التماثلات الأقل وضوحا، وقد يميل اللغوين وعالم النفس، والفيلسوف إلى التأكيد على أوجه الاختلاف بينما يركز السيميولوجي، وعالم الأحياء، وعالم الأجناس على أوجه الشبه.

стр. 39

سادسا: تصور التجانس إلى الآن كنا نتعامل مع ما سأشير إليه بتصور التجانس: وهو الاعتقاد أو الافتراض الذي يذهب إلى أن جميع أفراد الجماعة اللغوية الواحدة يتكلمون لغة واحدة على نحو دقيق، ومن الممكن بطبيعة الحال أن نعرف مصطلح جماعة لغوية بالطريقة التي تسلك في التعريف فهي تلك التي لا يوجد اختلافات منظومة في النطق أو النحو أو المعجم في كلام أفرادها، لكن إذا ما فسرنا هذا المصطلح بالجروع إلى أية مجموعة من الناس يقال عنها عادة أنها تتكلم بلغة واحدة، وذلك مثل اللغة الإنجليزية أو اللغة الفرنسية أو اللغة الروسية فسيكون إذن بمثابة كشف تجريبي عما إذا كان كل أفراد جماعة لغوية معينة يتكلمون بالطريقة نفسها من جميع النواحي أم لا. ويوجد في كل الجماعات اللغوية الصغرى في أنحاء العالم اختلافات واضحة إلى حد ما في اللكنة١ واللهجة٢، وفيما يتصل بمصطلحي اللكنة والهجة فإن

стр. 40

المصطلح الأول أكثر تحديدا من المصطلح الثاني فهو لا يشير إلا إلى الطريقة التي تنطق بها اللغة ولا يحمل أي تضمين -بأي شكل من الأشكال- يتعلق بالمفردات أو النحو، فعلى سبيل المثال من الممكن ومن غير الشائع على الإطلاق تمييز الأجنبي مباشرة بواسطة لهجته ولو كان يتكلم اللغة -بقدر العناية بالنحو والمعجم- بحيث لا يمكن تمييزه عن متكلمي اللغة الأصليين، وهو ممكن لمتكلمين أصليين يستخدمان لهجة واحدة، بالنظر إلى جوانبها الأخرى غير أنهما يتكلمانها بلكنة مختلفة اختلافا واضحا، وهو أمر شائع بصفة خاصة إذا كانت اللهجة موضع البحث قد اكتسبت -لأسباب تاريخية- مكانة اللغة المشتركة على المستوى الإقليمي أو القومي، فعلى سبيل المثال معظم المتعلمين من سكان إنجلترا الأصليين مولدا يتكلمون لهجة إنجليزية تقترب بشكل وثيق إلى حد ما من نوع معين من اللغة الإنجليزية المشتركة لكنهم يتكلمونها بلكنة تكشف عن أصولهم الجغرافية أو الاجتماعية، ويوجد مميز مرسوم -على الأقل في الاستخدام الدارج- بين اللكنة واللهجة ورغم ذلك يدرج كثير من اللغويين الاختلافات الخاصة باللكنة ضمن الاختلافات الخاصة باللهجة، وليس لهذه النقطة الاصطلاحية البحتة -في حد ذاتها- أية نتائج، لكن من الأهمية أن ندرك أن ما يعد من الجوانب الأخرى لهجة واحة يمكن أن تنطق بطرق مختلفة اختلافا واضحا، ولا يقل أهمية أن ندرك أنه حيث لا يوجد قبول واشتراك في اللغة على المستوى الإقليمي أو القومي مؤسس لمدة طويلة فإن الاختلافات في اللهجة التي تتجاوز النطق إلى النحو والمفردات تتجه إلى أن تكون أكثر وضوحا عما هي عليه لدى معظم الجماعة اللغوية التي تتكلم الإنجليزية هذه الأيام. ورغم أن اللغوي يستخدم مصطلح لهجة ويربط هذا المصطلح -مثل غير المتخصص- بمصطلح اللغة بقوله إن اللغة من اللغات قد تتركب من لهجات عديدة مختلفة فهو لا يقبل التضمينات التي ترتبط بشكل شائع بمصطلح لهجة

стр. 41

في الاستخدام الدارج، والأهم أنه لا يقبل أن تكون لهجة منطقة معينة أو طبقة اجتماعية معينة صورة منحطة أو متدهورة من اللهجة المشتركة فهو يعرف أن اللهجة المشتركة -من وجهة النظر التاريخية- التي قد يفضل غير المتخصص أن تنطبق على مصطلح "اللغة" أكثر من مصطلح "لهجة" لا تختلف -من حيث الأصل لا من حيث تطورها التالي- من حيث النوع عن اللهجات غير المشتركة، ويعرف أيضا أن اللهجات ما دامت تستخدم في مجال أوسع إلى حد ما من الوظائف في الحياة اليومية للمقاطعة أو الطبقة الاجتماعية التي تعمل فيها فهي لا تقل تنظيما عن اللغة المشتركة على المستوى الإقليمي أو القومي، وهذه النقاط قد أثرناها من قبل وسوف نعود إليها لتطويرها، ولضرب الأمثلة عليها، ولإدخال توصيفات محددة عليها عند الاقتضاء في الفصول الأخيرة من هذا الكتاب، واللغة المشتركة على المستوى الإقليمي أو القومي -من وجهة نظر ثقافية واجتماعية معاصرة- تعد بحق مختلفة إلى حد بعيد في الخصائص عن اللهجات غير المشتركة المرتبطة بها ارتباطا تاريخيا. ومن المعتاد كثيرا في الاستخدام اليومي للمصطلحين: لهجة ولغة أن يقوم التمييز بينهما إلى حد بعيد على اعتبارات ثقافية أو سياسية، فعلى سبيل المثال الماندارينية "Mandarin" والكانتونية "Cantonese" تسمى لهجات صينية "Chinese" لكنهما متميزتان الواحدة عن الأخرى أكثر من تميز اللغة الدانماركية "Danish" عن اللغة النرويجية "Norwegian"، وحتى أكثر من تميز اللغات الهولندية "Dutch" والفلمنكية "Flemish" والأفريكانز "Afrikaans" الواحدة عن الأخرى التي توصف وصفا متكررا بأنها لغات مختلفة، وقد يكون هناك تفكير في أن معيار الفهم المتبادل يكفي لرسم خط سياسي وثقافي محايد للفصل بين اللغات، وهو في الحقيقة المعيار الرئيسي الذي يطبقه اللغوي المتمرس عند إقامته حدود جماعة لغوية ما، لكن

стр. 42

هناك مشكلات، فكثيرا ما يكون الاختلاف اللهجي اختلافا تدريجيا ومتواصلا إلى حد ما عبر مساحة شاسعة من الأرض فلا يتمكن المتكلمون الذين ينتمون إلى منطقتين منفصلتين إلى حد بعيد من أن يفهم أحدهما الآخر، لكن ربما لم يكن هناك نقطة بين لهجتين متجاورتين ينهار عندها الفهم المتبادل حينئذ يوجد ما هو أكثر من ذلك مشكلة أكثر إزعاجا إذ إن الفهم ليس متماثلا دائما كما أن ليست حالة من كل شيء أو لا شيء، ومن الممكن بل من الشائع فعلا إلى حد بعيد أن يكون X فاهما معظم ما يقوله Y غير أن Y يفهم قليلا مما يقوله X أو لا يفهم شيئا مما يقوله وذلك عندما يتكلمان معا ويستخدم كل منهما لهجته الخاصة، وهكذا فإن رسم حدود حاسمة بين اللغات المتميزة وبين اللهجات المختلفة الخاصة بلغة واحدة صعب عادة إلى حد بعيد لأسباب متنوعة. وفي الحقيقة فإنه من المعتاد كثيرا ألا يوجد مميز حاسم يمكن وضعه بين لهجة منطقة ولهجة منطقة أخرى تكون مجاورة لها غالبا، ومع ذلك نحدد النطاق المكاني للهجة بشكل تقربي بواسطة المعيار الاجتماعي بالإضافة إلى المعيار الجغرافي، وإذا ما بحثنا القضية فسوف نجد دائما قدرا معينا من التنوع المنظوم في كلام أولئك الذين نعدهم ناطقين بلهجة واحدة، والملاذ الأخير أن نقبل أن لكل فرد لهجته الفردية١ أي: لهجته الشخصية كما يصوغها اللغويون وكل لهجة شخصية تختلف عن اللهجات الشخصية الأخرى بشكل مؤكد في المفردات والنطق وربما بدرجة طفيفة في النحو أيضا، وأكثر من ذلك فإن اللهجة الشخصية للفرد لا تثبت مرة واحدة وللجميع عند نهاية ما نعتبره مرحلة اكتساب اللغة أي: إنها عرضة للتغيير والاتساع على مر حياته. وإضافة إلى ما يمكن تفصيله بخصوص مجال "اللغة, اللهجة, اللهجة

стр. 43

الفردية" هناك بعد آخر للتنوع المنظوم في أقوال أفراد جماعة لغوية ما وهو البعد الخاص بالأسلوب، والاختلافات الأسلوبية كانت تشير من قبل إلى ما يتعلق بالمميز بين الأدبي والعامي، ويستمد هذا الفاصل من المميز بين اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة ويتطابق معه على الإطلاق، لكن هناك مما يتصل بالاختلافات الأسلوبية ما هو أكثر من ذلك، فكلما تكلمنا بلغتنا الأم أو كتبنا بها ننهج أسلوبا دون آخر تبعا للسياق وتبعا للعلاقات التي تربط بيننا وبين الشخص الذي نتحدث معه أو نكتب إليه وتبعا لطبيعة ما يتحتم علينا إيصاله والغرض منه، وتبعا لعوامل أخرى عديدة، وسواء أكانت الخيارات الأسلوبية التي نمارسها واعية أم غير واعية فإنها ليست أقل تنظيما أو تحديدا، وممارسة الاختيارات الأسلوبية المناسبة جزء هام من استخدامنا الصحيح والفعال للغة، ومن هنا كان في التعدد الأسلوبي لكل متكلم أصلي للغة ما حكمة عملية، وما دام الأمر كذلك فمن الممكن -من حيث المبدأ- أن نعد كل لهجة فردية نظاما لغويا منفصلا كما أن من الممكن -وهو ما لا يقل وجاهة- أن نعد كل أسلوب مميز نظاما لغويا مميزا.

стр. 44

سابعا: لا توجد لغات بدائية ما زال شائعا إلى حد ما أن تسمع غير المتخصصين يتكلمون عن لغات بدائية وهم يرددون حتى الأسطورة التي يحيط الشك بها من أن هناك بعض الشعوب تتكون لغتهم من مزاوجة مائة كلمة مأخوذة من الإيماءات، والحقيقة أن كل لغة درست حتى الآن -مهما كان المجتمع الذي يستخدمها يبدو لنا بدائيا أو غير متحضر في جوانب أخرى- برهنت عند البحث أنها نظام اتصالي معقد ومتطور بدرجة عالية، وبطبيعة الحال فإن الفكرة الإجمالية الخاصة بالتطور الثقافي من البربرية إلى المدنية في حد ذاتها موضع شك كبير غير أنه لا يناط باللغوي مسألة الحكم على صحتها، وما يمكن أن يقوله إنه لم يكشف بعد عن ارتباط بين المراحل المختلفة للتطور الثقافي التي مرت بها المجتمعات وبين نمط اللغة المنطوقة في تلك المراحل الخاصة بالتطور الثقافي، فعلى سبيل المثال ليس هناك شيء مثل نمط لغوي للعصر الحجري، وليس هناك -بقدر ما تلقى البنية النحوية العامة من اهتمام- نمط لغوي يحمل خصائص المجتمعات الجامعة للغذاء أو المجتمعات الرعوية من ناحية أو المجتمعات الصناعية الحديثة من الناحية الأخرى. وكان من القرن التاسع قدر كبير من التفكير في تطور اللغات من التعقيد البنيوي إلى البساطة ومن البساطة إلى التعقيد، ومعظم اللغويين في هذه الأيام يحجمون عن التفكير في التطور النشوئي للغات بهذا الشكل العام، ويدركون أنه إذا كان هناك أي اتجاه في تطور اللغة منذ نشأتها عند الإنسان من مرحلة ما قبل تاريخ الإنسان إلى وقتنا الحاضر فإنه ليس هناك شاهد يمكن أن يكشف عن أي اتجاه من خلال دراسة اللغات المتكلم بها في الوقت الحاضر أو المتكلم بها في الماضي ونعرف عنها شيئا ما، وكثير من التصورات المبكرة للعلماء عن تطور اللغات تنحاز لصالح ما يمكن أن نطلق عليه اسم اللغات التصريفية مثل اللاتينية والإغريقية. ويجب أن يقال شيء ما في هذه النقطة عن نشأة اللغة، وهي مشكلة شغلت عقل الإنسان وخياله منذ عهود سحيقة، وقد ناقشها بشكل شامل مناقشة علمانية مميزة عن الدين أو ما وراء الطبيعة فلاسفة الإغريق، ونوقشت في فترات متنوعة منذ ذلك الحين لا سيما في القرن الثامن عشر من وجهة نظر مماثلة إجمالا، وقد لعبت المناقشات الأولى دورا هاما في تطور النحو التقليدي، وقد ساعدت المناقشات التي دارت في أواخر القرن الثامن عشر والتي تعزى للفيلسوف الفرنسي كونديلاك "condillac" والفيلسوف الألماني هردر "Herder" على تمهيد الطريق نحو فهم أفضل للاعتماد المتبادل بين اللغة

стр. 45

والفكر والثقافة، ومنذ القرن التاسع عشر اتجه معظم اللغويين -باستثناء قلة قليلة إلى حد بعيد- إلى تنحية قضية نشأة اللغة بأكملها باعتبارها قضية خارج مجال البحث العلمي دائما، والسبب في ذلك كما رأينا أن اللغويين أدركوا عبر القرن التاسع عشر أنه مهما رجعوا إلى الوراء في تاريخ اللغات المعينة من خلال النصوص التي وصلت إلينا فإنه من المستحيل أن نعثر فيها على أية علامة من علامات التطور النشوئي من وضع أكثر بدائية إلى وضع أكثر تقدما. غير أن هناك شواهد أخرى بعضها جديد، ومرة أخرى أصبحت نشأة اللغة موضع مناقشة العلماء، وربما كان من السابق لأوانه أن نتحدث عن حلول، ومع ذلك فما يمكن أن نقوله إنه يبدو الآن أكثر إقناعا مما كان عليه منذ سنوات قليلة أن اللغة كانت في الأصل نظاما اتصاليا إيمائيا أكثر منه نظاما اتصاليا منطوقا، وبعض هذه الشواهد النجاح الذي لاقاه علماء النفس في تعليمهم الشمبانزي لغة معقدة إلى حد بعيد فهما واستخداما، وهي بهذا الخصوص نظم إيمائية شبيهة باللغة، ويبدو الآن أن فشل الشمبانزي في اكتساب الكلام في تجارب مماثلة في الماضي يفسره جزئيا على الأقل اختلافات بسيطة نسبيا لكنها هامة في جهاز النطق عند الإنسان وجهاز النطق عند الشمبانزي، واتضح أيضا من خلال دراسة الحفريات أن جهاز النطق عند الإنسان النياندرتالي١ يشبه إلى حد كبير النطق عند الشمبانزي وغيرها من الحيوانات الراقية أكثر مما يشبه جهاز النطق عندنا، ولدى الشمبانزي وغيرها من الحيوانات الراقية مجال محدود من النداءات المنطوقة غير أن

стр. 46

الاتصال فيما بينها يتم في بيئاتها الطبيعية بصورة شاملة إلى حد بعيد عن طريق الإيماءات، وما يفترضه هذا الشاهد وغيره أن اللغة قد تكون تطورت في البداية كنظام إيمائي في وقت ما عندما كان أسلاف الإنسان يقفون على أقدامهم ومن ثم كانوا أحرار اليدين وقد زاد حجم المخ واكتسب الإمكانيات الخاصة بمعالجة الوظائف المعقدة في نصف المخ المهيمن، وفي بعض النقاط ولأسباب بيولوجية مقبولة تحول النظام الإيمائي إلى نظام نطقي واكتسب نتيجة لذلك خاصة الازدواجية التي تسمح كما رأينا من قبل بزيادة كبيرة إلى حد بعيد في المفردات، ويترتب على ذلك ألا تكون جميع الخصائص المميزة للغات كما عرفناها موجودة فيها منذ البداية، وأن تكون اللغة قد تطورت في الحقيقة من اللا لغة. ومع ذلك تظل الحقيقة فليس فقط أن كل اللغات المعروفة توجد فيها القناة المسموعة المنطوقة التي تستخدم بشكل أساسي وطبيعي للتوصيل بل إنها جميعا كذلك ذات تعقيد متساو تقريبا بقدر ما تلقى أبنيتها النحوية من اهتمام. والاستثناء الوحيد الواجب من ذلك التعميم الأخير يتعلق باللغات الهجينة وهي لغات خاصة تستخدم في التجارة أو في أغراض شبيهة بين أولئك الذين ليس لهم لغة مشتركة أخرى، وتتميز اللغة الهجينة بأنها ذات قواعد بسيطة ومفردات محدودة للغاية إذا ما قورنت باللغة أو اللغات التي تقوم عليها، غير أنها تستخدم في أغراض محدودة للغاية، وعندما تستخدم ما تعد في الأصل لغة هجينة كلغة أم لجماعة لغوية -وهو ما يحدث عادة- فلا تزود نفسها بمفردات أكثر اتساعا فحسب بل تطور التعقيد النحوي الخاص بها كذلك ومن هذه الناحية أكثر مما يكون من ناحية نشأتها يميز اللغويين اللغات الهجينة

стр. 47

عما يعرف باللغات المولدة١ وهي لغات يمكن تتشابه إلى حد بعيد مع اللغات الهجينة لكنها ليست أقرب إلى اللغات البدائية -أي: من حيث البنية الناقصة- من أي لغة من آلاف اللغات الطبيعية التي لم تنشأ -كما تعرف- مثلما نشأت اللغات الهجينة "انظر: ٩ - ٣". وهناك بطبيعة الحال اختلافات واضحة في المفردات الخاصة باللغات المختلفة، وهو ما قد يجعل من الضروري تعلم لغة أخرى أو على الأقل مفردات خاصة لتدرس موضوعا معينا ولنتكلم عنه بطريقة مرضية، وبهذا المعنى قد تكون لغة مهيأة بشكل أفضل من لغة أخرى لأغراض معينة، ومع ذلك فإنه لا يعني أنها أغنى أو أفقر -بشكل جوهري- من الأخرى، فاللغات الحية كلها يمكن أن نفترض أنها نظم اتصالية طبيعية وفعالة، ووفقا لتغير الحاجات الاتصالية لمجتمع ما تتغير لغته وفاءا لتلك الاحتياجات الجديدة، فالمفردات تتسع إما عن طريق الكلمات المقترضة من اللغات الأخرى أو عن طريق خلقها من صيغ أخرى، وحقيقة إن لغات كثيرة تنطق بها ما تعرف أحيانا بالبلدان النامية ينقصها كلمات خاصة بالتصورات والمنتجات المادية للعلم الحديث والتكنولوجيا لا تتضمن أن اللغات موضع البحث أكثر بدائية من اللغات التي فيها مثل هذه الكلمات فلا يعني ذلك سوى أن تلك اللغات المعينة لم تستخدم حتى الآن لمثل ذلك الذي يشمله تطور العلم والتكنولوجيا.

стр. 48

ويجب أن نؤكد في النهاية أن مبدأ "عدم وجود لغات بدائية" كفرضية عمل ليس سوى نتيجة تجريبية للبحث اللغوي، ويجب أن نسمح بإمكانية اختلاف اللغات في التعقيد اللغوي، ولم يكتشف اللغويون حتى الآن هذه الاختلافات، وليس من العلمية أن ننكر وجود هذه الإمكانية أو بعبارة أخرى أن ننكر أن اللغة اللاتينية أكثر نبلا أو أفضل تعبيرا من لغة الهوتنتون١ "Hottentot" أو من إحدى اللغات الأسترالية الخاصة بالسكان الأصليين.

стр. 49

الفصل الثاني: علم اللغة أولا: فروع علم اللغة يمكن -كما رأينا- أن تدرس كل من اللغة عموما، واللغات المعينة من وجهات نظر مختلفة، ومن ثم يمكن أن ينقسم مجال علم اللغة ككل إلى مجالات فرعية تبعا لوجهة النظر المتنبناة، وتبعا للتوكيد الخاص الذي يولي لمجموعة من الظواهر أو الافتراضات أكثر من غيرها١. والمميز الأول يرسم بين علم اللغة العام، وعلم اللغة الوصفي، وهو في حد ذاته واضح المعالم إلى حد كاف، ويناظر ما يميز بين دراسة اللغة بشكل عام ووصف لغات معينة، والسؤال: "ما اللغة" الوارد في الفصل السابق والذي ذهبنا إلى أنه السؤال الرئيسي المحدد للفرع بأكمله يعد بشكل مناسب إلى حد بعيد السؤال الرئيسي لعلم اللغة العام، ولا يرتبط علم اللغة العام، وعلم

стр. 50

اللغة الوصفي أحدهما بالآخر على الإطلاق، وكلاهما يعتمد بشكل صريح أو ضمني على الآخر، فعلم اللغة العام يقدم التصورات والتصنيفات التي تحلل اللغات المعينة على أساسها، وعلم اللغة الوصفي يقدم بدوره المعلومات التي تؤكد الفرضيات والنظريات المطروحة أمام علم اللغة العام أو تفندها، فعلى سبيل المثال يمكن أن يصوغ اللغوي العام الفرضية التي تذهب إلى أن كل اللغات فيها أسماء وأفعال، واللغوي الوصفي يمكن أن يفند هذه الفرضية بدليل تجريبي على وجود لغة واحدة على الأقل لا يمكن عند وصفها تأسيس فارق مميز بين الأفعال والأسماء لكنه كي يفند هذه الفرضية أو يؤكدها يجب عليه أن يتعامل مع بعض التصورات الخاصة بالاسم والفعل التي يمده بها اللغوي العام. وتوجد بطبيعة الحال كل أنواع الأسباب وراء الرغبة في وصف لغة معينة، وكثير من أولئك الذين يعملون في علم اللغة الوصفي لا يعملون فيه بسبب اهتمامهم بتقديم معلومات لعلم اللغة العام أو باختبار النظريات والفرضيات المتضاربة ولكن بسبب رغبتهم في إخراج مرجع نحوي أو معجم لأغراض عملية غير أن هذا لا يؤثر في الاعتماد المتبادل للفرعين المتكاملين: علم اللغة العام، وعلم اللغة الوصفي. ولقد عني اللغويون كثيرا خلال القرن التاسع عشر ببحث تفاصيل التطور اللغوي للغات معينة، وبصياغة فرضيات عامة عن التغير اللغوي، والفرع العلمي الذي يتناول هذه القضايا يعرف الآن -وبشكل مألوف إلى حد بعيد- بعلم اللغة التاريخي١، ومن الواضح أنه في علم اللغة التاريخي كما في

стр. 51

علم اللغة التزامني يمكن للمرء أن يصب اهتمامه على اللغة عموما أو على اللغات المعينة، ومن المناسب أن نذكر هنا مصطلحين فنيين إضافيين: تاريخي "diachronic" وتزامني "aynchronic"، وقد استخدمهما لأول مرة فريدناند دي سوسير "صاحب المميز الذي أشرنا إليه في الفصل السابق بين الكلام واللغة"، والوصف التاريخي للغة من اللغات يتتبع التطور التاريخي لهذه اللغة ويسجل التغيرات التي تحدث فيها بين نقطتين زمنيتين متتاليتين أي: إن المصطلح "diachronic" يكافئ المصطلح "historical"، والمصطلح "sychronic" يكافئ المصطلح "non - historical" والوصف التزامني للغة ما يقدم بيانا عن اللغة كما تكون في نقطة زمنية معينة. والثنائية الثالثة هي التي تربط بين علم اللغة النظري وعلم اللغة التطبيقي١، وباختصار يدرس علم اللغة النظري اللغة واللغات بقصد بناء نظرية لبنيتها ووظائفها بغض النظر عن أية تطبيقات عملية قد تكون للبحث في اللغة واللغات، بينما لعلم اللغة التطبيقي -حسب ما يعني به- تطبيق تصورات علم

стр. 52

اللغة ونتائجه على مهام عملية متنوعة تشمل تعليم اللغة، والمميز بين النظري والتطبيقي مستقل من حيث المبدأ عن المميزين الآخرين اللذين ذكرناهما حتى الآن، ويوجد -عند التطبيق- اختلاف ضئيل بين مصطلحي "علم اللغة النظري" "وعلم اللغة العام" يسلم به معظم أولئك الذين يستخدمون مصطلح "علم اللغة النظري" فهدف علم اللغة النظري صياغة نظرية مرضية لبنية اللغة عموما، وبقدر ما يلقى علم اللغة التطبيقي من اهتمام يكون من الواضح أنه يعتمد على كلا الفرعين الدراسيين اللغويين العام والوصفي. والثنائية الرابعة والأخيرة تتعلق بوجهة نظر أضيق، ووجهة نظر أشمل في مجال الدراسة اللغوية، وليس هناك مميز اصطلاحي مقبول بصفة عامة، وسوف نستخدم المصطلحين١ "علم اللغة البحت" "microliguistics" وعلم اللغة الموسع٢ "macrolinguistics" على أن تقول إن المرء يتبنى في علم اللغة البحت وجهة النظر الأضيق وفي علم اللغة الموسع يتبنى وجهة النظر

стр. 53

الأشمل٢، ويعنى علم اللغة البحت في حالته الأكثر ضيقا ببنية النظم اللغوية فحسب بما لا يتعلق بالطريقة التي تكتسب بها اللغة، أو يحتفظ بها في المخ، أو تستخدم في وظائفها المتنوعة، ومما لا يتعلق بالاعتماد المتبادل بين اللغة والثقافة، وبما لا يتعلق بالميكانيكية الفسيولوجية والسيكولوجية التي يشتمل عليها السلوك اللغوي باختصار بما لا يتعلق بأي شيء خلاف النظام اللغوي لذاته وفي حد ذاته "كما عبر سوسير أو بالأحرى محررو كتابه" ويعنى علم اللغة الموسع في حالته الأكثر شمولا بكل شيء يتعلق بأي شكل من الأشكال -على الإطلاق- باللغة أو اللغات. ولما كانت كثير من فروع المعرفة -خلاف علم اللغة- تعنى باللغة فلن تكون مستغربة تلك المناطق المتداخلة بين فروع المعرفة العديدة التي تقع في إطار علم اللغة الموسع والتي تأخذ أسماء مميزة مثل: علم الاجتماع اللغوي، وعلم النفس اللغوي، وعلم الأجناس اللغوي، وعلم الأسلوب ... إلخ. وما ينبغي أن نؤكد عليه أن المميز بين علم اللغة البحث، وعلم اللغة الموسع مستقل عن المميز بين علم اللغة النظري وعلم اللغة التطبيقي، وهناك -من حيث المبدأ- جانب نظري في كل فرع من فروع علم اللغة الموسع، ويحدث كذلك في مجالات علم اللغة التطبيقي مثل تعليم اللغة أن يكون من

стр. 54

الضروري الأخذ بوجهة النظر الأشمل أكثر من وجهة النظر الأضيق الخاصة ببنية اللغات ووظائفها، وهو ما يفسر إدماج بعض المؤلفين ما يسمى هنا بعلم اللغة الموسع في إطار علم اللغة التطبيقي. وسوف نلقي نظرة على بعض مجالات علم اللغة الموسع في الفصول الأخيرة وقد يعتقد أن علم اللغة -من جهة الأهمية المعترف بها للغة في كثير من فروع المعرفة- ينبغي أن يأخذ الرؤية الممكنة الأكثر شمولا الخاصة بمادة بحثها، وهنا مفهوم يكون ذلك فيه صحيحا، والمشكلة أنه لا يوجد الآن، وربما لم يوجد من قبل إطار نظري مرض يمكن أن نرى من خلاله اللغة -في وقت واحد- بوجهة النظر النفسية، والاجتماعية، والثقافية، والجمالية، والعصبية "ولا نذكر وجهات نظر أخرى عديدة وثيقة الصلة على حد سواء" وأكثر اللغويين يذهبون هذه الأيام إلى أن علم اللغة البحت النظري التزامني يشكل لب تخصصهم العلمي ويعطيه مهما كان الوحدة والتماسك، ونصف هذا الكتاب تقريبا سيكرث لهذا اللب الرئيسي، وبقيته سيهتم بعلم اللغة التاريخي وبمجالات منتقاة من علم اللغة الموسع.

стр. 55

ثانيا: هل "علم اللغة" علم ؟ يعرف علم اللغة١ عادة بأنه العلم الذي يختص بمجال اللغة أو أنه الدراسة العلمية للغة، ويجب ألا يمر دون دون تعليق الواقع الفعلي الخاص بوجود قسم في هذا الكتاب، وفي الدراسات التمهيدية الأخرى لعلم اللغة، يخصص بشكل واضح لمناقشة الوضع العلمي لعلم اللغة، ورغم كل شيء فإن فروع المعرفة

стр. 56

ذات المكانة العلمية غير المتنازع عليها لا تشعر بالحاجة إلى تحقيق دعواها بكونها علوما، لماذا يعنى علم اللغة بالدفاع عن أحقية هذا اللقب؟ ولماذ وهو بصدد الدفاع عن مصداقية علميته يعطي انطباعا عن إصرار زائد إلى حد بعيد؟ للقارئ الحق كل الحق في أن يكون شاكا ومرتابا. والنقطة الأولى التي يجب الإشارة إليها أن كلمة "science"؛١ في اللغة الإنجليزية أضيق بكثير -من حيث ما تشير إليه- من كثير من الكلمات المترجمة المكافئة لها والمقبولة تقليديا في اللغات الأخرى مثل "wissenchaft" الألمانية، و"nauka" الروسية، وحتى "sciencs" الفرنسية، ويعاني علم اللغة أكثر مما تعانيه معظم فروع المعرفة من المتضمنات الخاصة إلى حد بعيد للكلمتين الإنجليزيتين "science" و"scientific" اللتين تشيران أولا وقبل كل شيء إلى العلوم الطبيعية ومناهج البحث المميزة لها، ويظل هذا صحيحا على الرغم من أن عبارات مثل: "العلوم الاجتماعية"، و"العلوم السلوكية"، وحتى "العلوم الإنسانية" شائعة بشكل متزايد، فهل يجب علينا إذن أن نفسر كلمة "science" الواردة في عنوان هذا القسم لتعني ببساطة: "فرع أكاديمي من فروع المعرفة مؤسس على نحو لائق"؟ ويوجد المزيد مما يتصل بهذه المسألة خلاف هذا التفسير المقترح، ومعظم اللغويين الذين يؤيدون تعريف تخصصهم بالدراسة العلمية للغة يفعلون ذلك؛ لأنهم يحملون في أذهانهم ما يميز الطريقة العلمية والطريقة غير العلمية في معالجة الأمور، وربما كانوا على خلاف حول بعض متضمنات مصطلح "علمي" كغيرهم من فلاسفة العلم ومؤرخيه، إلا أنهم متفقون- بصفة عامة- حول

стр. 57

الاختلافات الأساسية بين الدراسة العلمية للغة والدراسة غير العلمية لها، ولنبدأ إذن بنقاط الاتفاق هذه. أولى هذه النقاط وأهمها أن علم اللغة تجريبي أكثر منه حدسي أو تأملي فهو يتعامل مع المعلومات الواضحة التي يمكن التثبت منها والتي حصلنا عليها عن طريق الملاحظة أو التجربة، والإنصاف بالتجريبية -بهذا المعنى- يعد السمة المميزة إلى حد بعيد للعلم في نظر معظم الناس، ويرتبط بخاصة كونه مؤسسا بطريقة تجريبية كونه موضوعيا، واللغة شيء ما نميل إلى أخذه كقضية مسلم بها، وشيء ما نألفه منذ الطفولة بطريقة عملية بعيدة عن التفكير وهذه الألفة العملية تميل إلى أن تحل محل الفحص الموضوعي، وتوجد كل أنواع التحيزات الاجتماعية، والثقافية, والقومية المرتبطة بوجهة نظر غير المتخصص في اللغة وفي اللغات المعينة، فعلى سبيل المثال قد يعتقد أن نبرة أو لهجة للغة ما معينة أنقى بشكل متأصل من غيرها أو مرة أخرى ربما كانت أكثر بدائية من غيرها، وتتطلب الموضوعية -على الأقل إلى حد بعيد- أن تقابل معتقدات كهذه بالتحدي، وإما أن نحدد مصطلحات كنقي وبدائي بشكل واضح أو تستبعد. وكثير من الأفكار التي تدور حول اللغة والتي يخضعها اللغوي للمناقشة إذا لم يتخل عنها تماما قد تبدو قضية معنى شائع بكل ما في الكلمة من معنى، غير أنها كما علق بلومفيلد على طريقة المفاهيم الشائعة في التعامل مع القضايا اللغوية "تشبه الأمور الكثيرة الأخرى التي تبدو على غير حقيقتها كمفهوم شائع، وهي في الحقيقة معقدة بدرجة عالية، ومأخوذة من أمد غير بعيد من تأملات فلاسفة العصور القديمة والوسطى"، وليس لدى اللغويين جميعهم ما لدى بلومفيلد من نظرة عدم الرضا لهذه التأملات الفلسفية عن اللغة، لكن

стр. 58

ما يقصده -بصفة عامة- صحيح، فالمصطلحات التي يستخدمها غير المتخصص في الحديث عن اللغة، والمواقف التي يتخذها إزاءها لها تاريخها، وستبدو عادة تلك المصطلحات والمواقف -بوضوح- قل تسليما بها أو أقل قابلية للتطبيق أو الاستعمال إذا ما عرف شيئا عن أصولها التاريخية. ولن نبحث تاريخ علم اللغة في هذا الكتاب، ومع ذلك فإن بعض التعليقات العامة مرتبة، ومن عادة الدراسات التمهيدية لعلم اللغة أن ترسم مميزا حادا بين النحو التقليدي وعلم اللغة الحديث واضعة للمواقف العلمية لعلم اللغة الحديث في مواجهة المواقف غير العلمية للنحو التقليدي، ويوجد مبرر جيد لرسم هذا المميز، وإظهار أن الكثير من التصورات الخاطئة الشائعة عن اللغة والمتداولة في مجتمعنا يمكن تفسيرها تاريخيا من خلال الافتراضات الثقافية والفلسفية التي تحدد تطور النحو التقليدي, وسنذكر بعض هذه التصورات الخاطئة وسنتناولها بالمناقشة في القسم التالي، ومع ذلك ينبغي أن نؤكد على أن علم اللغة -كغيره من فروع المعرفة- لم يشيده في الماضي تحدي القواعد والأصول التقليدية فحسب بل تطويرها وإعادة تشكيلها أيضا، وتهمل أكثر الأعمال الحديثة في علم اللغة وهي بصدد وصفها المتقدم العظيم الذي حدث في البحث العلمي في اللغة في المائة سنة الماضية التأكيد على استمرارية النظرية اللغوية الغربية من مهدها إلى وقتنا الحاضر، وتنطوي على مفارقة تاريخية إلى حد ما أيضا في فشلها في معالجة النحو التقليدي من خلال الأهداف التي حددها بنفسه، ويجب ألا ننسى أن المصطلحين: علم, وعلمي "أو إرهاصاتهما" قد فسرا تفسيرا مختلفا في مراحل مختلفة. ويجب أن نوضح أن ما يشار إليه بصفة عامة بواسطة مصطلح "النحو التقليدي" -أي: النظرية اللغوية الغربية التي ترجع إلى عصر النهضة، وفي العصور الوسطى إلى الرومان وتعود قبل ذلك إلى المدرسة الإغريقية-

стр. 59

أكثر ثراء وتنوعا مما هو معروف بشكل شائع، وأكثر من ذلك فمن المعناة كثيرا أن يدرس تلك الصورة المشوهة غير المفهومة للنحو التقليدي أجيال من الطلاب الكارهين لها، وفي السنوات القليلة الماضية بدأ اللغويون في تبني وجهة نظر أكثر توازنا بشأن إسهام النحو التقليدي- وسنواصل استخدام هذا المصطلح- في تطوير تخصصهم العلمي، ولا تزال كثير من البحوث تجري حول المصادر الأساسية المتبقية من الفترات الأولى إلا أن العديد من الكتب التي تؤرخ لعلم اللغة المتاحة في الوقت الحاضر تقدم بيانا مرضيا حول نشأة النحو التقليدي وتطوره أكثر مما كان متاحا لجيل بلومفيلد والجيل التالي له. دعنا الآن نعود إلى الحالة الراهنة لعلم اللغة، إنه -بلا ريب- أكثر موضوعية وتجريبية في مواقفه وافتراضاته المعلنة في كل الأحوال من النحو التقليدي، وسنلقي نظرة أكثر تفصيلا على بعض هذه المواقف والافتراضات في القسم التالي، لكن هل هو -عتد التطبيق- تجريبي وموضوعي كما يدعي هناك -بالتأكيد- مجال للشك، ويوجد أيضا مجال للاختلاف في أكثر مستويات المناقشة تعقيدا فيما يتعلق بطبيعة الموضوعية العلمية وإمكانية تطبيق ما يشار إليه -عموما- بالمنهج العلمي في دراسة اللغة. وفي واقع الأمر لن يقبل العلماء وفلاسفة العلم بوجود منهج تحقيق مفرد يمكن تطبيقه في كل فروع العلم لفترة طويلة وعلى نطاق واسع، ومصطلح "المنهج العلمي" بالذات أصبح عتيقا وباليا منذ القرن التاسع عشر، ويعتقد أحيانا أن التحقيق العلمي يجب أن يقوم على أساس التعميمات الاستقرائية المؤسسة على الملاحظة الحرة نظريا، وهو في الحقيقة ما يتمسك كثير من الناس بأن مصطلح "المنهج العلمي" يتضمنه، لكن القليل من العلماء هم الذين يعملون

стр. 60

وفق هذه الطريقة دائما حتى في العلوم الطبيعية، وعلى كل حال فإن الموضوعية العلمية معناها لا يتضمن بالتأكيد أن العالم يجب أن يمتنع عن التنظير وعن صياغة الفرضيات العامة حتى يجمع القدر الكافي من المعلومات، فالمعلومات العلمية التي تظهر عادة تستمد من التجربة ولا تخضع لها، وتتضمن الملاحظة اهتماما مختارا، فليس هناك شيء مثل نظرية محايدة، وملاحظة غير مقيدة بفرضية، ومجموعة معلومات، ويمكننا أن نستخدم عبارة حديثة متداولة وهي إن الملاحظة بالضرورة ومنذ البداية نظرية محملة وهذه العبارة يرجع أصلها إلى بوبر. والعبارة مثيرة للفكر والجدل، وقد نشأت رد فعل لوجهة النظر التجريبية القوية في العلم التي طرحها أصحاب المذهب الوضعي المنطقيون في الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية، وطلاب علم اللغة يجب أن يعرفوا شيئا ما عن المذهب التجريبي١، والمذهب الوضعي٢، وبدون هذه المعلومات- رغم أنه لا حاجة إلى التعمق أو التفاصيل- من غير المتوقع أن يفهموا بعض المقالات النظرية والمنهجية التي تصنف مدارس علم اللغة في الوقت الحاضر، وما يلي يعد الحد الأدنى الضروري من المعلومات الخلفية نقدمها -بقدر الإمكان- بغير

стр. 61

تحيز وبغير التزام بأي جانب في مجالات المناقشة المعروفة، والمناقشات التي يجب إضافتها وثيقة الصلة ليس بعلم اللغة فحسب ولكن بالعلم ككل، ولكن لها ارتباط خاص باللغوي بصدد تلك التطورات الحديثة في علم اللغة وفلسفة اللغة المرتبطة بأعمال تشومسكي وأفكاره التي لها أثرها الجدير بالاعتبار إلى حد بعيد على المناقشة الأعم الخاصة بالمذهب التجريبي والمذهب الوضعي التي أثارها الفلاسفة وعلماء النفس والعلماء الاجتماعيين الآخرين "انظر ٧ - ٤". والمذهب التجريبي يتضمن ما هو أكثر بكثير من تبني الطرق التجريبية في التحقيق والإثبات، ولذلك يوجد مميز حاسم يرسم بين التجريبي "empiricist" والاتصاف بالتجريبية "cmpirical"، ومصطلح "المذهب التجريبي" يشير إلى وجهة النظر التي تذهب إلى أن كل المعلومات تأتي عن طريق التجربة -والكلمة الإغريقية "empeiria" تعني تقريبا "التجربة" وعلى الأخص الآتية من الملاحظة والمعلومات الحسية، ويقابل مصطلح "المذهب العقلي" في جدال فلسفي استمر طويلا, وهي من الكلمة اللاتينية "ratio" وتعني في هذا السياق العقل "mind/ inellect /resson" ويؤكد أتباع المذهب العقلي على الدور الذي يلعبه العقل في اكتساب المعرفة ويتمسكون -بصفة خاصة- بوجود تصورات أو قضايا أولية١ "تعني كلمة أولية في التفسير التقليدي لها "المعرفة التي لا تعتمد على غيرها"" يفسر العقل في ضوئها المعلومات المستمدة من التجربة، وسوف نعود إلى بعض الجوانب الأخرى الأكثر خصوصية من الجدل الدائر بين المذهب التجريبي والمذهب العقلي٢ عند مناقشتنا للتوليدية "انظر ٧ - ٤".

стр. 62

ولسنا في حاجة -فيما نحن بصدده- لرسم مميز بين المذهب التجريبي والمذهب الوضعي فالأول له تاريخ أطول وهو أرحب مجالا باعتباره موقفا فلسفيا، لكنهما صهران طبيعيان مرتبطان ارتباطا وثيقا بكل ما يعنينا هنا، ويعتمد المذهب الوضعي على المميز بين ما يسمى بالمعلومة الوضعية للتجربة والتأمل الواقع وراء نطاق الخبرة بأنواعها المختلفة، ويتجه المذهب الوضعي إلى أن يكون علمانيا مجافيا لما وراء الطبيعة من حيث النظرة، ويستبعد أي احتكام للكينونات اللافيزيائية، وقد كان هدف المناطقة من أتباع المذهب الوضعي في دائرة فينا إنتاج نظام مفرد للعلم الموحد تتمثل فيه الكتلة الكلية للمعرفة الوضعية وهي في نهاية المطاف مثل مجموعة من القضايا المصوغة صياغة دقيقة. وقد تخلى في الوقت الحاضر مبدأ التحقيق والإثبات "على الرغم من أنه يلعب دوره في صياغة نظرية الحقيقة المشروطة للمعنى "انظر ٥ - ١"" ويجوز مبدأ الردية "reductionism" قبولا أقل بكثير -بصفة عامة- من قبل العلماء والفلاسفة عما كان الأمر عليه عندما كتب بلومفيلد كتابه الأساسي المشهور في علم اللغة عام ١٩٣٣، وذكر بلومفيلد في هذه النقطة لأنه ولا عجب ألزم نفسه بشدة بالمذهبين التجريبي والوضعي، وهو ما يتضح بشكل حقيقي بينما يذهب التجريديون إلى أن التجربة مصدر العلم ويشبهون العقل قبل التجربة بصفحة بيضاء وقد يسمى هذا المذهب بمذهب الحسين وثمة مذهب ثالث هو مذهب النقديين الذين يحاولون التوفيق بين الدعوى المتعارضة التي يدعيها أصحاب المذهبين الآخرين ويمكن القول بأن الفارق بين المذهب العقلي والمذهب التجريي أن أتباع المذهب الثاني يرفضون أفكار أتباع المذهب الأول رفضا تاما, بينما لا ينكر أتباع المذهب الأول إلا أن يكون هناك علم ضروري صادق مصدره التجربة وحدها فالعقل له القدرة على ابتداع المعاني والتصورات وللتأليف بينها بفطرته ويطبع العلم الإنساني برمته بطابع الصدق والحمق.

стр. 63

إلى حد بعيد في الفصل الثاني من كتابه، وقد ارتبط -في الواقع- ارتباطا وثيقة بحركة وحدة المعرفة، وأقرت كلية مبدأ الردية الأمر الذي جعله أكثر من أي شخص آخر بالنسبة لعلم اللغة -وبصفة خاصة في أمريكا- مثالا للعلمية الحقيقية، ومن ثم يوجد ميراث للمذهبين التجريبي والوضعي في علم اللغة يمكن بيانه تاريخيا. ولم يعد مبدأ الردية المذهب الوضعي بصفة أعم مثيرا لمعظم العلماء كما كان الأمر يوما ما، ومما هو مقبول اليوم على نطاق واسع أنه ليس هناك ما يعد منهجا علميا واحدًا يمكن تطبيقه في كل المجالات، وأنه لا يسمح بوجود مداخل متنوعة باعتبارها مسألة ضرورة قصيرة الأمد في فروع المعرفة المختلفة فحسب ولكن قد يكون ذلك مبررا لمدة طويلة أيضا بسبب الاختلافات الخاصة بموضوعات البحث التي لا يمكن اختزالها، وقد عبر بعض فلاسفة العلم عن شكوكهم حول منهاج أتباع المذهب الوضعي بصدد تفسير العمليات العقلية بواسطة المناهج والتصورات المميزة للعلوم الطبيعية وذلك منذ القرن السابع عشر أيام ديكارت وهوبز، وكثير من علم النفس وعلم الاجتماع في القرن العشرين ومثله الكثير مما يدخل في علم اللغة في القرن العشرين يتصف بالوضعية، غير أن -فروع المعرفة الثلاثة كلها وبصورة أكثر وضوحا علم اللغة- دخلت فيها الوضعية حديثا تحت وطأة اعتبارها عقيمة وغير قادرة على أداء مهامها. قصارى القول إنه لم يعد هناك إجابة مرضية عما إذا كان فرع من فروع المعرفة يتصف بالعلمية أم لا يتصف بها حتى لو كانت الإجابة ممكنة عن طريق الرجوع إلى ما يعرف بالمنهج العلمي، وكل علم مؤسس بشكل جيد يستخدم أبنيته النظرية المميزة ومناهجه الخاصة به في الحصول على المعلومات وتفسيرها، وما أشرنا إليه في الفصل السابق كتصور -النظام اللغوي- يمكن أن يوصف

стр. 64

بطريقة أكثر علمية كبناء نظري، والقضايا التي يمكن أن تثار حول حقيقة هذه الأبنية تشبه إلى حد كبير تلك التي يمكن أن تثار حول الأبنية الموجودة في الطبيعة والكمياء الحيوية، ومع ذلك فمن الأفضل أن نتعرف على كل بناء نظري معروض من حيث ما يفي به فيما يتعلق بالمعلومات. وكل ما قلناه عن المذهب التجريبي والمذهب الوضعي وعن المكانة الراهنة لما يعرف بالمنهج العلمي يميل إلى أن يكون حقيقيا وغير متنازع عليه، ولنتحول الآن إلى نقاط الاختلاف. النقطة الأولى تتعلق بما تتضمنه فكرة بوبر الخاصة بالملاحظة التي تتصف بالنظرية المحملة، والخلاف حول استخدام مصطلح نظرية، وما يذكره بوبر مهجما له المميز الحاد الذي رسمه المناطقة أتباع المذهب الوضعي بين الملاحظة التي يلزم أن تكون محايدة نظريا وبنية النظرية التي يلزم أن تكون حالة من التعميم الاستقرائي، ولقد كان -بلا شك- على حق في تحديه حدة هذا المميز وعلى الأخص وجهة النظر التي تذهب إلى أن الملاحظة ومجموعة المعلومات يمكن -ويجب- أن تخطو خطوات إلى الأمام بصدد صياغة الفرضيات، وثمة قضية شائعة فاختيار المعلومات تحدده بعض الفرضيات التي يرغب العالم في اختيارها وليست القضية كيفية الوصول إليها، وحقيقية إن مفهوم أتباع المذهب الوضعي في عدم اختيارية الملاحظة ومجموعة المعلومات غير صحيح لا يعني عدم وجود فاصل -على الإطلاق- بين تصورات النظرية، وتصورات ما قبل النظرية، ومن التعامل السيئ لمصطلح نظرية أن ندرج تحتها كل الأفكار المكونة سلفا، والتوقعات التي يدنو بها المرء مما يمكن ملاحظته ويصنع اختياره، وسنتناول المميز بين تصورات النظرية وتصورات ما قبل النظرية في مواضع عديدة في الفصول الأخيرة، وسنفترض أن الملاحظة- رغم

стр. 65

أنها مختارة بالضرورة -يمكن أن تكون موضع ضوابط منهجية مرضية في علم اللغة كما هو الحال في العلوم التجريبية الأخرى. ونقطة الخلاف الثانية وهي ذات أهمية خاصة في علم اللغة في الوقت الحاضر تتعلق بدور الحدس والمشكلات المنهجية التي تثار في هذا الشأن، ويحمل مصطلح "حدس" في طياته ارتباطات يومية إضافية غير ملائمة، وكل ذلم مضمر عندما يشار إلى حدس المتكلم الأصلي عن لغته وهي أحكامه اللغوية غير المكتسبة بالثقافة حول قبول الأقوال أو عدم قبولها، وحول الأقوال التي تتكافأ أو التي لا تتكافأ وهلم جرا، وجاءت فترة اعتقد فيها بعض اللغويين -من حيث المبدأ- إمكانية التخلص من ضرورة سؤال المتكلمين الأصليين أن يصدروا مثل هذا الأحكام التخلص من ضرورة سؤال المتكلمين الأصليين أن يصدروا مثل هذه الأحكام الحدسية عن لغتهم ببساطة عن طريق جمع مجموعة كاملة ضخمة -بشكل كاف- من المعلومات المذكورة بطريقة محايدة وإخضاعها للتحليل الشامل المنظوم، ولا يأخذ بهذا الرأي في أيامنا هذه سوى قلة من اللغويين، وأصبح من الواضح أن كثيرا من الأقوال المذكورة بطريقة طبيعية تكون -لأسباب غير متصلة باللغة- غير مقبولة كما أنه لا توجد مجموعة كاملة من المواد مهما كانت ضخامتها تشمل أمثلة من كل نوع من الأموال المقبولة، غير أن تعامل اللغوي مع الشاهد الحدسي يظل موضع خلاف ولهذا الخلاف شقان. الأول يتعلق بقضية ما إذا كان الحدس الذي يشير إليه اللغوي يعد جانبا من القدرة اللغوية للمتكلم الأصلي أم لا، ولو أن الأمر كذلك فتبعا لتعريف تشومسكي للقدرة وحسب صياغته لأهداف علم اللغة يصبح الحدس نفسه جانبا ينبغي على ما وصف أي لغة معينة أن يقدم بشكل مباشر بيانا عنه، وقد لا يرغب معظم اللغويين في القول بأن وصف لغة ما ينبغي أن يعالج حدس

стр. 66

المتكلم الأصلي باعتباره معلومات وسنعود إلى هذه القضية عند مناقشتنا للتوليدية. والجانب الثاني من الخلاف يتعلق بكون أحكام المتكلم الأصلي كتقريرات أو أخبار عن السلوك اللغوي الخاص به وبغيره جديرة بأن يعول عليها، والرأي العام المجمع عليه بين اللغويين يبدو أنه يذهب إلى أن مثل هذه الأحكام -في جوانب معينة على الأقل- غير جديرة بالاعتماد عليها إلى حد بعيد، فالمتكلمون الأصليون لا يختلفون فيما بينهم على نحو متكرر حول ما يمكن قبوله عندما لا يكون هناك سبب آخر يدعو للاعتقاد بأنهم يتكلمون لهجات مختلفة فحسب ولكن أحكامهم يبدو أنها تتغير من حين لآخر، وأكثر من ذلك فإنه كثيرا ما يحدث أن يستبعد متكلم أصلي بعض الأقوال التي يضعها أمامه اللغوي الوصفي على أنها غير مقبولة, ثم إذا به يسمع أو يسمع نفسه يصدر ذلك القول نفسه في بعض سياقات الاستخدام الطبيعية، وبقدر ما يلقى استبطان اللغوي لغته من اهتمام فإنها على الأقل غير جديرة بالاعتماد عليها مثل حدس غير المتخصص، وإن كان ذلك يرجع عادة لأسباب أخرى، وقد يكون اللغوي أقل اهتماما من غير المتخصص بالمستويات المشتركة التقليدية للاستخدام الصحيح "فعلى سبيل المثال يقبل بسهولة تامة أنه من الطبيعي أن يقول lts me أكثر من lt is I" غير أن أحكامه أكثر عرضة لأن يشوهها إدراكه لم فيها من تضمينات لهذا الموضوع النظري أو ذاك، واستبطان اللغوي سلوكه اللغوي الخاص به وبغيره يمكن أن يعد- بصور جيدة- نظرية محملة إذا لم تعد الملاحظة المباشرة للحوار التلقائي كذلك. وهناك في الحقيقة مشكلات منهجية هامة إلى حد بعيد تتعلق بمجموعة

стр. 67

المعلومات الجديرة بأن يعول عليها في الإطار الكلي لموضوعات علم اللغة النظري إلا أنها ليست أكثر خطرا من تلك المشكلات المنهجية التي تواجه أولئك الذين يعملون في علم النفس أو علم الاجتماع أو العلوم الاجتماعية بصفة عامة، واللغوي في جوانب معينة في وضع أفضل مما فيه معظم العلماء الاجتماعيين حيث يتضح له إلى حد ما مدى ما يمكن ملاحظته في السلوك اللغوي ومدى ما لا يمكن ملاحظته، وأكثر من ذلك توجد مجالات جديرة بالاعتبار إلى حد بعيد في وصف أي لغة لا يكون -بالنسبة له- عول حدس المتكلم الأصلي وحتى استبطان اللغوي قضية خطيرة لذلك يجب ألا يبالغ المرء في المشكلات المنهجية التي تظهر في مجال البحث اللغوي. وقد أشرنا في الفقرة السابقة إلى علم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم الاجتماعية الأخرى وكثير من اللغويين وربما الأغلبية منهم يصنفون تخصصهم المعرفي ضمن العلوم الاجتماعية، غير أن علم اللغة لا يمكن تصنيفه بسهولة ضمن أي قسم من أقسام البحث الأكاديمي التي تعد أساسا للتفرقة بين العلم والفنون أو المميز الثلاثي للعلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية، والعلوم أو الدراسات الثقافية، والاستخدام المتزايد لعبارات مثل: "علوم الحياة"، "والعلوم السلوكية"، "والعلوم الإنسانية"، و"علوم الأرض" تشير إلى أن كثيرا من فروع المعرفة تشعر بالحاجة إلى إعادة التصنيف الاستراتيجي أو التكتيكي الذي يراعي قليلا المميزات التقليدية. وعلى كل حال فإن وجود علم اللغة -كتخصص جامعي- أو عدم وجوده في كلية دون أخرى يعد مسألة إدارية، وعلم اللغة كما أكدنا من قبل له روابطه الطبيعية بإطار أوسع من فروع المعرفة الأكادمية، والقول بأن "علم اللغة" علم لا ينفي أنه -بفضل موضوعات بحثه- يرتبط ارتباطا

стр. 68

وثيقا بفروع معرفية إنسانية شهيرة مثل الفلسفة والنقد الأدبي. وفي الفصول التالية سنذكر عددا من الأسس التي يسلم بها اللغويون في وقتنا الحاضر -بصفة عامة- وسنتناولها بالمناقشة، والجانب الأعظم منها يمكن أن يبدو مأخوذا من المثال العلمي للموضوعية، ومنذ أن أكد علم اللغة موضوعيته وصارت له استقلاليته التي ادعاها كثيرا في هذا الشأن عن النحو التقليدي أصبحت هذه الأسر تقف في مواجهة مع الأسس التي تحدد المواقف والافتراضات المميزة للنحو التقليدي.

стр. 69

ثالثا: المصطلحات والرموز لكل فرع علمي مفرداته التقنية الخاصة، ولا يستثنى علم اللغة في ذلك ومعظم المصطلحات الفنية التي يستخدمها اللغويون نشأت خلال عملهم، ويفهمها بسهولة أولئك الذين يدخلون هذا التخصص متعاطفين وغير متحاملين. ويحدث الاعتراض أحيانا عندما تكون المصطلحات اللغوية لعلم اللغة وكذلك اللغة التي يستخدمها معقدة بلا ضرورة، لماذا يميل اللغوي هكذا إلى خلق مصطلحات جديدة؟ ولماذا لا يقنع بأن يتحدث عن الأصوات، والكلمات وأقسام الكلام بدلا من اختراع مصطلحات فنية جديدة كالوحدة الصوتية "الفونيم"١، والوحدة الصرفية "المورفيم"٢ والوحدة النحوية٢؟

стр. 70

والإجابة على ذلك أن معظم المصطلحات المتداولة التي تستخدم فيما يتعلق باللغة -وكثير منها نشأ عرضا كمصطلحات فنية للنحو التقليدي- غير دقيقة وملبسة، وهذا لا يعني أن اللغوي -ككل المتخصصين- قد لا يكون مذنبا في أوقات الحذلقة الاصطلاحية في غير موضعها، وعلى كل حال ومن حيث المبدأ فإن المفردات التخصصية في علم اللغة إذا سيطر عليها الاستخدام المناسب المنظم فإنها ستعمل على التوضيح أكثر من التعمية، إنها تزيل قدرا كبيرا من اللبس والفهم الخاطئ المحتمل. وما يتعلق بالمصطلحات العلمية يتعلق بالرموز، فنحن نستخدم اللغة لنتحدث عن كل من اللغة عموما واللغات المعينة، ونحن إذ نفعل ذلك نحتاج إلى أن يكون في إمكاننا تحديد الجزء أو القسم أو السمة التي تختص باللغة المعنية

стр. 71

التي تشير إليها تحديدا دقيقا، واستخدام الاصطلاحات الرمزية الخاصة يجعل ذلك أكثر سهولة، فعلى سبيل المثال قد تكون في حاجة إلى التمييز بين معنى كلمة ما وصيغتها، أو بين كليهما والكلمة نفسها، ولا توجد -من سوء الحظ- مجموعة من الاصطلاحات الرمزية مقبولة بشكل عام يمكن لهذه المميزات ولغيرها أن ترسم بواسطتها، وفي عملنا هذا سنصنع استخداما مميزا لعلامات التنصيص المفردة، وعلامات التنصيص المزدوجة, والحروف المائلة فعلى سبيل المثال سنميز بين كلمة "aable" المكتوبة بالحروف القائمة، والمكتوبة بالحروف المائلة، على أن تشير الأولى للمعنى وأن تشير الثانية للصفة "أو إحدى الصيغ الخاصة بها" وكي نستخدم هذين الرمزين يجب أن نحافظ على مميز -كما سنرى بعد- بين معنيين على الأقل لكلمة "كلمة" يشير المعنى الأول إلى ما نتوقع إدراجه في قائمة معجم اللغة ويشير المعنى الثاني إلى ما يكتب بين مسافات كسلسلة من الحروف في نص مكتوب. وهناك رموز أخرى أدخلت مؤخرا تمكننا من تمييز الصيغ المنطوقة من الصيغ المكتوبة، والصيغ المنطوقة بنوع "الصوتي" عن الصيغ المنطوقة بنوع "الفونولوجي" وهلم جرا، والقضية العامة التي أثرناها هنا أن تلك الاصطلاحات الرمزية المتنوعة -إن لم تكن جوهرية بصورة مطلقة- فهي على الأقل نافعة إلى حد بعيد لغرض الإشارة إلى المعلومات اللغوية وهي تجعل ما نتكلم عنه واضحا، ولها فائدة إضافية فهي تجبر اللغوي على التفكير بعناية في مميزات خاصة قد تمر دون ملاحظة في ظروف أخرى، وكثيرا ما يثبت صعوبة كونها ثابتة على الإطلاق عند تطبيق بعض الاصطلاحات الرمزية المعينة، وتؤدي هذه الصعوبة حينئذ إلى إعادة تحديد المميز النظري الذي صيغ الاصطلاح الرمزي لأول مرة، وهي إحدى الطرق التي يحدث بها التقدم في أي فرع من فروع المعرفة.

стр. 72

رابعا: اللغة وصفي وليس معياريا ... رابعا: علم اللغة وصفي وليس معياريا ١: يستخدم مصطلح "وصفي" "deseriptive" هنا بمعنى مختلف عن المعنى الذي يقابل فيه "عام" من ناحية أو "تاريخي" من ناحية أخرى، والتقابل الذي يتعلق بهذا المكان هو ذلك الذي يربط بين كيف تكون الأشياء، وكيف يجب أن تكو الأشياء والمصطلح البديل المعياري "prescriptive" بالمعنى الذي يقابل فيه المصطلح "وصفي" "descriptive" هو "normative" والقول بأن علم اللغة وصفي "أي: غير معياري" يعني أن اللغوي يحاول كشف القوانين التي تسير الجماعة اللغوية -في أدائها اللغوي الفعلي- وفقا لها وتسجيلها ولا يسعى إلى فرض قوانين ومستويات صواب أخرى "أي: دخيلة" عليهم. ومن الممكن أن يلتبس استخدام كلمة "قانون" -وقد فرغت للتو من التفرقة بين الوصفية والمعيارية- بين هذين المعنيين المختلفين إلى حد بعيد، ويتحدث اللغويون -سواء أكان ذلك صوابا أم خطأ- بهذه المصطلحات، وربما كان مفيدا لهذا السبب أن نوضح الاختلاف بين نوعين من القوانين -دعنا نطلق عليهما القوانين الداخلية، والقوانين الخارجية على الترتيب- من شيء آخر خلاف استخدام اللغة، لنتكلم عن السلوك الجنسي في مجتمع بعينه فلو أننا تبنينا وجهة النظر الوصفية البحتة "أي: غير المعيارية" في بحث السلوك الجنسي فسوف نحاول الكشف عن كيفية السلوك الفعلي للناس ما إذا كانوا يمارسون الجنس غير الشرعي، وإن كانوا يمارسونه فما نوع هذا الجنس وفي أي مرحلة من العمر، وما إذا كان الأزواج والزوجات مخلصين

стр. 73

-أو غير مخلصين- بدرجة واحدة لزوجاتهم أو لأزواجهن وهلم جرا، وبقدر ما يكون سلوك مجموعات معينة داخل المجتمع محكوما في الواقع بمبادئ يمكن تحديدها -سواء أكان أفراد هذه المجموعات يعترفون بهذه المبادئ أو حتى على وعي بها أم لا- نستطيع أن نقول إن سلوكهم محكوم بقانون: القوانين الداخلية في سلوكهم العملي، لكن مثل هذه القوانين "إن صح أن نسميها قوانين" مختلفة إلى حد بعيد في هيئتها إن لم يكن في محتواها عن قوانين السلوك التي قد يحكم بها القانون أو الدين المعتنق -ببساطة- قواعد السلوك وآدابه الواضحة المتعارف عليها، والناس في ممارستهم قد يقرون -أو لا يقرون- ما أدعوه بالقوانين الخارجية "أي: الدخيلة أو غير الداخلية" للسلوك الجنسي، وأكثر من ذلك قد يوجد اختلافات بين كيف يتصرفون وكيف يتكلمون أو حتى يفكرون فيما فعلوه، وكل هذه الاختلافات لها متعلقاتها المتبادلة التي تتصل بالسلوك اللغوي، والمميز الأكثر أهمية على كل حال هو الذي يربط بين القوانين الخارجية "أي: المعيارية" والقوانين الداخلية "أي: الوصفية"، فالمعيارية أوامر "قل كذا أو لا تقل كذا"، والوصفية تقريرات "الناس تقول كذا أو لا تقول كذا". وسبب إلحاح اللغويين هذه الأيام على ما يميز بين القوانين الوصفية والقوانين المعيارية يعود ببساطة إلى أن النحو التقليدي يتصف بالمعيارية اتصافا شديدا، ويراه النحاة كما لو كانت مهمته صياغة مستويات الصواب وفرضها -إن لزم الأمر- على متكلمي اللغة، وكثير من القواعد المعيارية للنحو التقليدي، تبدو معروفة للقارئ مثل: لا تستخدم أبدا نفيا مزدوجا مثل "I didnt do nothing" ولا تختم الجملة بحرف جر مثل "thats the"؛ "man l was spesking to" وأين الفعل "to be" يأخذ حالة واحدة بعده

стр. 74

وقبله، وعليه يجب أن تصحح "lts me" إلى "lts l" وأن تكون "Ain t" خطأ وأنه يجب ألا نقسم المصدر كما في "l want you to clearly understand" حيث أدخلت "clearly" بين "to" و"understand". والتفكير في الأمثلة المذكورة كورة أعلاه يظهر بسرعة أنها متغايرة الخواص إلى حد بعيد، وهناك بعض اللهجات الإنجليزية لا يستخدم فيها أبدا ما يسمى بالنفي المزدوج "أي: لا تستخدم فيها أبدا "l didt do nothing" كمكافئ العبارة: "l did t do anything" في اللغة الإنجليزية المشتركة" غير أن هناك لهجات أخرى تعد فيها -من وجهة النظر الوصفية البحتة- البنية الصحيحة، وعندما تقدم الأسباب لإدانة النفي المزدوج باعتباره غير صحيح -بواسطة بعض المبادئ المعيارية- فيما يتعلق بذلك الاستخدام الفعلي الذي قد يحكم عليها وتوجد على غير المستوى المطلوب يكون المنطق بمثابة محكمة الاستئناف، ويخبرنا المنطق بأنه يقال إن نفيين يصنعان إثباتا، وهو ما يقتضي تعليقات عديدة، أولها إن هذا القول يدل على الفهم الخاطئ لما يقوم به المنطق وكيفية قيامه بها، غير أننا لسنا في حاجة إلى التعمق في البديهات المنطقية، ولا في القضية المعقدة عن كيفية ارتباطا ما يدعى بالمنطق الطبيعي للسلوك اللغوي المعتاد بنظم المنطق التي شيدها المناطقة وبحثوها، والقضية ببساطة أنه لا يوجد شيء مختل منطقيا بشكل متأصل فيما يسمى بالنفي المزدوج، وفي اللهجات التي يستخدم فيها باطراد تؤدي دورها بطريقة منظمة تماما وفق القوانين النحوية ومبادئ التفسير الداخلية لسلوك الجماعات اللهجية، موضع البحث، والقضية الثانية التي تتولد في الذهن أن ما يسمى ببنية النفي المزدوج لا يمكن وصفه وصفا مناصبا كما يؤدي دوره في لهجات إنجليزية معينة دون أن نأخذ في حسابنا عنصري النبر والتنغيم، وتجيز قوانين اللغة الإنجليزية المشتركة "أي: القوانين المتأصلة في السلوك اللغوي للمتكلمين بلهجة إنجليزية معينة" قولك

стр. 75

I didn t do nothing "لتعني على وجه التقريب Its not true"؛ "that I did nothing" بشرط أن تكون didnt منبورة أو أن تكون do أو nothing منطوقة بنبر ثقيل بشكل خاص وذلك مع تضمينات أو افتراضات مسبقة إضافية، وفي اللهجات التي يكون فيها "I didnt do nothing" مع نبر عادي غير مشدد يمكن أن تعني "I didt do anything" يكون لها أيضا المعاني التي لها في اللغة الإنجليزية المشتركة غير أن النبر والتنغيم يمنعان اللبس، وأخيرا يمكن أن نلاحظ وجود لغات كثيرة يذكر فيها ما يطلق عليه بنية النفي المزدوج في اللهجة الأدبية المشتركة وذلك مثل اللغة الفرنسية، واللغة الإيطالية، واللغة الإسبانية، واللغة الروسية -ولا نذكر سوى قلة من اللغات الأوروبية الحديثة الأكثر شيوعا، وحتى أعظم اللهجات مكانة في الإغريقية القديمة- الإغريقية الكلاسيكية كما استخدمت في كتابات أفلاطون "Plato" أو سوفوكليس "sophocles" أو ثوسيديدس "Thucydides" أو المؤسس الأول للمنطق أرسطو "Aristotle" نفسه سيوجد فيها بنية النفي المزدوج على الرغم من أن النحو التقليدي قد أخذ مصادره من وصف اللهجات الأدبية الإغريقية القديمة! وبعض القواعد المعيارية الأخرى في النحو التقليدي مثل تخطئة انقسام المصدر "to clearly understand" أو الخاصة بـ"Its me" مأخوذة من تطبيق مبادئ وتصنيفات -أسست في المقام الأول لوصف الإغريقية واللاتينية- على اللغة الإنجليزية، واللغات التي تكون فيها الصيغ التي ينطبق عليها مصطلح "مصدر" صيغ أحادية الكلمة هي اللغة الإغريقية واللغة اللاتينية، واللغة الفرنسية، واللغة الجرمانية، واللغة الروسية.. إلخ، وتبعا للنحو التقليدي فإن الصيغ الثنائية الكلمة "to understand"؛ و"to go". إلخ تسمى أيضا مصادر مع أن وظيفتها تشبه جزئيا فقط وظيفة
следующие страницы →