Полный текст (206 стр.). Показаны 176–206 · переход к 181.
стр. 176
ذلك النوع الجديد من الغزو هو انسياب الجيوش العربية مؤمنة بربها، ورسوله الكريم وبكتبه وملائكته وبرسله وباليوم الآخر، حتى أنهم الله عليها بنصر رائع في موقعة نهاوند سنة ٦٤١ م، وبذلك دالت دولة الفرس لتصبح جزءا من الوطن الإسلامي العربي الكبير.
* * *
стр. 177
الباب التاسع (أ) العالم في فجر الإسلام
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
علمنا فيما سبق أن دولتي الفرس والروم كانتا في شغل شاغل بالنزاع والحروب المستمرة فيما بينهما، مما صرفهما عن الاهتمام بما يجري في شبه الجزيرة العربية من مولد الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ سنة ٥٧٠ م تقريبا، والحدث التاريخي للهجرة النبوية الشريفة سنة ٦٢٢ م تقريباً، ثم ما تبع ذلك من إنهاء حالة الفوضى والتفكك السياسي والنزاع القبلي التي عاش فيها العرب قرونا طويلة، فقد أدى انتصار الإسلام إلى جعل العرب أمة، واحدة متساندة متماسكة، تخضع لحكومة واحدة تدين بدين واحد، شعاره: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
على أن رسالة الإسلام لم يقصد بها العرب وحدهم، بل العالم أجمع. ومن ثم أصبحت مهمة الرسول بعد أن تم له توطيد دعائم الإسلام في بلاد العرب أن يدعو الأمم المجاورة لاعتناق الإسلام قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى:
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
وفي الحديث الشريف: "وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة. وبهذا يتضح الفارق بينه وبين الأنبياء قبله".
стр. 178
وقد كتب الرسول كتباً إلى الأباطرة والملوك حوله، يدعوهم إلى الإسلام دين الوحدانية. ومن كتبه كتاب رفعه إلى المقوقس حاكم مصر هذا نصه:
"من محمد بن عبد الله، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم القبط".
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
وقرأ المقوقس الكتاب، ثم طواه في عناية وتوقير، ووضعه في حق من عاج، ودفعه إلى واحدة من جواريه. والتفت بعد ذلك إلى حاطب ابن أبي بلعته يسأله أن يحدثه عن النبي، ويصفه له. فلما فعل فكر المقوقس مليا، ثم قال لحاطب: "قد كنت أعلم أن نبيا قد بقى أظن أنه يخرج من أرض العرب، ولكن القبط لا تطاوعني، وأنا أضن بملكي أن أفارقه".
وقد كان من حب الرسول لمصر ولأقباط مصر ما دفعه أن يوصي بهم خيرا بقوله: "استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحما". صدق رسول الله الكريم.
ويبدو أن بعض الرسل الذين أوفدهم النبي إلى ملوك الدول المجاورة وحكامها قد صادفوا إعراضاً بل امتهاناً، مما جعل النبي الكريم يعد العدة، ويأتمر بأمره تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ .
وجاهد الصحابة في سبيل الله جهاد حق وصدق، ونظمت الجيوش العربية دفاعا عن كيانها وكرامة دينها ومبادئها، وشعارها في كل هذا:
"لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ .
стр. 179
وزحفت الجيوش العربية عقب سنة ٦٣٢ م تنقض على الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، في عهد الإمبراطور هرقل وعلى الدولة الفارسية الساسانية في عهد ملوكها الذين يتعاقبون واحداً تلو الآخر، فتسحق الدولتين، وتتحقق نبوءة الملك نبوخذ نصر في الحلم الذي رآه وفسره له النبي دانيال، وهذا هو تفسير الحلم: "كنت تنظر وإذا بحجر يقطع من جبل بلا يدين هذا الحجر يسحق التمثال كعصافة تذروها الرياح". هذا الحجر هو الأمة العربية في شخص الرسول الكريم، سحق حضارات الأمم السابقة، ومنها الإمبراطورية الرومانية والدولة الفارسية الساسانية وأصبح الإسلام كالجبل وعلمه "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وليس العجيب في أمر الغزوات العربية الدفاعية ضد اعتداء الدول المعادية - أن العرب اجترءوا على مهاجمة الفرس والروم وهما أكبر إمبراطوريتين عرفهما العالم بل التاريخ منذ فجر المسيحية حتى القرن السابع المسيحي - ليس العجيب هذا، بل العجيب في الأمر أن العرب غزوا فارس في نفس الوقت الذي غزوا فيه إمبراطورية الروم، وأحرزوا انتصاراتهم الضخمة الرائعة على الدولتين في وقت واحد، إذ تحركت الجيوش الإسلامية في صحراء فلسطين سنة ٦٢٩ م على أثر انتهاء المعارك المريرة بين الإمبراطوريتين: الرومانية والفارسية، وكأن الله قد أراد للأرض خيرا بانتصار المسلمين إذ خذل به الباطل والبطش والغرور بعد أن مهد لذلك بما كانت تعانيه الإمبراطورية الرومانية من غزوات البرابرة المهاجمين لأراضيها في البلقان، وحركات انفصالية أخذت تقوى عند أقباط مصر، الآراميين في سوريا، والأرمن عند أطراف آسيا الصغرى، مما هدد كيانها ووحدتها تهديدا خطيرا.
وفي خلافة أبي بكر الصديق أمر بتسيير جيشين: أحدهما لغزو الروم، والثاني لغزو الفرس سنة ٦٣٣ م. وهكذا أخذت الجيوش العربية - بقيادة أبي عبيدة الجراح - تعمل في الشام ضد الروم، في حين كان الجيش الثاني بقيادة خالد بن الوليد يعمل في العراق ضد الفرس.
وقد حاول الإمبراطور هرقل إرسال قوة ضاربة بقيادة أخيه تيودور لإنقاذ الموقف في فلسطين، ولكن القائد العربي المغوار خالد بن الوليد أتى مسرعا من العراق لنجدة إخوانه بالشام، وبذلك أمكن إنزال هزيمة ساحقة بالقوات البيزنطية في موقعة أجنادين سنة ٦٣٤ م.
стр. 180
وعندما توفى الخليفة أبو بكر الصديق خلفه عمر بن الخطاب ٦٣٤ - ٦٤٤ م. الذي اتسعت في عهده فتوحات الإسلام، فاستولى المسلمون على دمشق سنة ٦٣٥ م، ثم على حمص بعد قليل، وعندئذ سار الإمبراطور هرقل، وحشد جيشاً من ثمانين ألفاً من رجاله لقتال العرب، ولكن خالد بن الوليد أنزل بالجيوش البيزنطية عند اليرموك سنة ٦٣٦ م هزيمة جديدة ساحقة.
ولما أدرك هرقل أنه من الصعب محاربة المسلمين ترك بيت المقدس تقع في أيدي المسلمين سنة ٦٣٧ - ٦٣٨ م.
ولم تكن انتصارات العرب على الفرس أقل سرعة من النتصاراتهم على الروم، ففي سنة ٦٣٧ م كان العرب قد فتحوا العراق، وفي سنة ٦٤١ م أحرزوا انتصاراً ساحقاً في نهاوند، مما فتح الطريق أمامهم إلى قلب بلاد الفرس.
ولم تجد مقاومة الفرس العنيفة في وجه العرب الذين تم لهم القضاء على يزدجرد الثالث أخر ملوك بني ساسان سنة ٦٥٢ م.
وبذلك اختفت الملكية الفارسية من الوجود وتم للعرب فتح فارس كلها.
وكان العرب من قوة الاستبسال والإيمان في الجهاد في سبيل الله في مستوى رفيع استطاعوا به فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص سنة ٦٤١ م، أي قبل أن ينتهوا من فتح فارس، ويعتبر فتح مصر بالذات مثلا واضحا على مدى ضعف الدولة الرومانية البيزانطية وانحلالها سياسيا.
ولعل ما عرف عن المسلمين من تسامح مع الشعوب المقهورة جعل تلك الشعوب تدرك أن خلاصها من الاضطهاد العنصري والديني الذي تلاقيه على أيدي البيزنطيين لن يكون إلا على أيدي هذه القوة الجديدة التي بدأت تتوغل في الإمبراطورية الرومانية المتداعية، وأخذ شعب مصر يترقب زحفها إلى مصر، ويتمنى مجيئها.
ويؤرخ (إميل لودفيج) انهيار الدولة الرومانية في مصر بقوله: "لم يستطع جوستينيان أن يشمل النيل بعدله، ولم يأل جوستينيان جهداً في نصر النصرانية فحمل البدويين والبليمي، وزنوج جوار دنقلة أيضا على العماد وكان هذا قبل ولادة
стр. 181
محمد بزمن قليل، وما كان من نزاع بين المذاهب وضعف في الحكومة البيزنطية قد اجتذب الفرس مرة ثانية، فدام احتلالهم العاصمة عشر سنين، ولكن القضاء على تلك الفوضى كان يتطلب أمة جديدة لم يقدر على استعبادها الأشوريون والفرس والمصريون والبطالمة والرومان.
"وكان أولئك الناس يحملون عن شمالهم سيوفا طويلة، وكانوا يحملون عن يمينهم سيوفا قصيرة محدبة الفصل داخلة في منطق، وكانوا يحملون تروسا مدورة، وكان النبالة منهم يلبسون جوارب وأحذية مستوية، وكان الفرسان منهم يلبسون جراميق وصدرات قصيرة وثلاثة أوشحة ملونة ملفوفة حول الخصر والصدر والرأس، ويدخل العرب في سنة ٦٤٠ م أي بعد وفاة محمد بسنين ثمان، حظيرة التاريخ والدلتا عن انطلاق ديني حربي، يدخلها أبناء البحر والصحراء هؤلاء، يدخلها سكان شبه الجزيرة المجاورة هؤلاء.
"ويستولى عمرو بن العاص، وكان قائدا لجيش الخليفة الثاني عمر، على ميناء بيلوزة، وهليوبوليس ومدن أخرى في الدلتا. ويقوم عمرو بن العاص ويعد نشيده مجدا لمصر، بذلك العمل خلافا لأمر مولاه عمر، الذي قدر عدم كفاية أربعة آلاف فارس لذلك الفتح. ومن النادر أن تسفر مثل تلك المخالفة عن مثل تلك الفائدة، ويدوم سلطان العرب هناك تسعمائة سنة بفضل تلك اليد القوية..
"ويلقي الفاتح حيرة في قلوب البيزنطيين.. وتقوم بيزنطة بأخر محاولة لاسترداد الإسكندرية فتجد جميع مصر مكافحة لها بجانب سادتها الجدد، وتهدم أسوار الإسكندرية بعد أن ظلت عاصمة الدنيا ثلاثة قرون ثم عاصمة مصر وأهم موانئ البحر المتوسط ستة قرون، ويبدو جميع نصارى مصر أنصارا شديدى الحمية للعرب الفاتحين، الذين طردوا السادة الأجانب فتركوا للأقباط الابن الذي هو جوهر الآب، ولم يكرهوهم على عبادة إله واحد ليس ذلك الابن من جوهره.
"ويبني حصن جديد، يبني الفسطاط بالقرب من منفيس وعلى رأس الدلتا، وينقل نحو الشمال نقلا خفيفا في غضون القرون الآتية، ويغدو عاصمة مصر، ويطلق العرب عليه اسم إحدى السيارات مارس التي مرت في ساعات إنشائه الأولى من دائرة نصف نهاره فيدعونه "القاهرة".
стр. 182
ويقول سير أرنولد: "إن ميخائيل الأكبر اليعقوبي كان يرى في فتح العرب المسلمين لمصر وفي انتصاراتهم المتلاحقة يد لعدالة الإلهية التي بعثت لتثأر لما نال الكنيسة المصرية من تعذيب واضطهاد".
ولقد أسرع المصريون إلى اعتناق الإسلام حباً وكرامة، لتعاليمه الصافية، وإيمانا منهم بأن المبادئ السامية التي يطبقها العرب المسلمون في سلوكهم معهم جديرة بأن تكون جزءاً من حياتهم الاجتماعية.
ويسترسل إميل لودفيج فيقول: "عاش السلاطين على شواطئ النيل مسالمين للنصارى قرونا كثيرة، ويقع الصراع ذات حين، وتصعب معرفة المسئول عن ذلك، ولا عجب، مادمنا لا نعرف المسئول عن الحوادث العصرية في الغالب، ومع ذلك يلوح أن التبعة تقع على النصارى، لما كان من رغبتهم في حمل الناس على اعتناق دينهم، وهل انتهك المسلمون حرمة بيت المقدس؟ كان المسيح خامس الأنبياء مرتبة لدى المسلمين، وكان محمد قد صرح بصحة دين اليهود والنصارى الأولين وبأن كتبهم المقدسة هي التي حرفت، ولم يستول العرب وخلفاؤهم على مصر حملا لها على الإسلام وما كان من بدئهم بالهجرة إليها قبل محمد إلى تلك الأرض الخصيبة الطيبة طلبا للحب والجزية، لا حباً لها لحمل الناس على دينهم، وإذ كان العرب يجهلون لغة مصر مع عدم ثقافة فإنهم تركوا إدارة مصر للأقباط الذين كانوا أقدر منهم على الحساب، ويقوم الأقباط بفتن منعاً لزيادة الضرائب في الدلتا فيبدى العرب شدة، وتصبح اللغة العربية لغة مصر الرسمية بعد قرنين فتحل بذلك محل اللغة القبطية، ويكون الأقباط أول من يتعلم اللغة العربية.
"وكان النصارى معتدين عندما حفزهم مقصد نبيل إلى الاستيلاء على القبر المقدس، ولكن القدس لم تظل نصرانية غير ١١٣ سنة من ثلاثة عشر قرناً ثم غدت قبضة المسلمين نهائياً".
ولقد سار المسلمون في نشر دعوتهم في ضوء المبدأ الأساسي للإيمان وهو:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
стр. 183
وليس هناك من دليل علة تقدير المسلمين للمواطنين ولو كانوا على غير دينهم وملتهم أوضح من سرعة انتشار الإسلام بين المصريين.
لقد استعادت الكنيسة القبطية في مصر في ظل الحكم الإسلامي قوتها ونفوذها، وأصبح الأقباط في مصر يؤدون طقوسهم الدينية في حرية مطلقة، بفضل المبادئ الإسلامية النقية الصافية".
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
هذه المبادئ السامية ساعدت العرب على الاستيلاء على قبرص سنة ٦٤٨ - ٦٤٩م وعلى رودس سنة ٦٥٣م، بل هاجموا القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ذاتها سنة ٦٦٧م ثم سنة ٦٧٢ - ٦٧٣م، في حين انتهوا من غزو شمال أفريقيا بأكمله سنة ٧٠٩م بفضل جهود موسى بن نصير.
* * *
стр. 184
(ب) التوسع الإسلامي وأثره
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾
كان للفتوحات الإسلامية الأثر البعيد في البلاد التي دخلت تحت لواء الإسلام، وظهر هذا الأثر بوضوح في شمال إفريقيا، إذ تحول شمال إفريقيا ومصر بأكملها من الحضارة اللاتينية إلى الحضارة العربية، ومن الديانة النصرانية إلى الديانة الإسلامية.
ولا عجب أن يسارع البرابرة - الذين طالما كانوا أشد عناداً في حروبهم - إلى الاندماج في تيار الحضارة، ويصبحوا مسلمين، ولم يكن هناك أي تدخل من جانبي السلطات الإسلامية الحاكمة في عقائد المسيحيين المصريين أو كنيستهم، ولم يحدث قط أن شكا أحد من المسيحيين من تعرض المسلمين له في مجال نشاط الديني، وفي هذا مكنتهى ما تصل إليه حرية العقيدة: أن تجد على اختلاف منازعها - حماية كاملة من الدولة.
وقد ينسى الغرب الحروب المذهبية الدامية منذ عهد لوثيروس إلى القرن الثامن عشر، ويأخذ على المسلمين في عهد الدولة الأموية حركة التذمر التي سادت أقباط مصر، والتي لم يكن من زرائها أي لون من ألوان الاضطهاد الديني، فهلا أخذ على الإمبراطور دقلديانوس أنه أذل المسيحيين، وحاول إبادتهم، حتى إن أقباط مصر ربطوا تقويمهم القبطي بهذا الاضطهاد الديني الذي حل بهم.
وهل ينسى الغرب الاضطهاد الديني السافر للعقيدة الذي جعل أقباط مصر يؤدون شعائرهم الدينية تحت الأرض أو في أقبية بعيدين عن أنظار الرومان؟ هل ينسى الغرب هذا كله وينسى ما حدث منذ ١٦٨٨ سنة، شهداء، الموافق نهاية القرن الثالث الميلادي في عصر الإمبراطور دقلديانوس.
стр. 185
الواقع يا غرب أن هذا التذمر الذي وقع من أقباط مصر في عهد الدولة الأموية لم يكن اضطهاد ديني، بل كانت أسبابه ترجع إلى ظروف اقتصادية بحتة اكتنفت الدولة الأموية في فترة من فترات توسعها السياسي والعمراني، وأرادت أن تعتمد في نفقاتها على دخلها القومي، مما استلزم فرض ضرائب على الولايات الإسلامية التي كانت مصر واحدة منها، ولم تفرض هذه الضرائب على أقباط مصر فحسب، بل عليهم وعلى المسلمين أيضاً، وهذه هي العدالة المطلقة في الواجبات التي تفرضها الدولة على المواطنين.
بل أكثر من هذا يا غرب، لقد استطاعت الأمة الإسلامية بعد توسعها السياسي شرقاً وغرباً - أن تقصم ظهر الأباطرة والملوك، وأن تغسل سبعمائة سنة عاشها الغرب في ظل الإمبرطورية الرومانية، والشرق في ظل الدولة الفارسية، استطاع الإسلام أن يغسل عقول سكان تلكم الأقاليم مما علق بها من عقائد فاسدة وتعاليم باطلة، وتقاليد سقيمة، استطاع الإسلام أن يضئ عليهم كضياء الشمس في وضح النهار، وكفى هذه الشعوب في هذه الأقاليم أن تتمتع بالنور الرباني الذي يشعه عليها القرآن الكريم وسنة الرسول الكريم.
وقد ازداد التوسع حتى بلغ سردينيا سنة ٧١١م، واسبانيا سنة ٧١٠ - ٧١٤م.
وإن أثر العرب والإسلام في تاريخ العصور الوسطى لا يقف عند حد التغييرات السياسية التر أحدثوها في أوضاع العالم المعروف، بل يبدو الأثر أشد ما يكون وضوحاً في الميدان الحضاري.
والحضارة العربية الإسلامية تقوم على دعامتين أساسيتين: هما اللغة العربية، والديانة الإسلامية، ومازالت السرعة التي انتشرت بها العربية اللغة العربية والديانة الإسلامية لغزاً يثير حيرة المفكرين.
فاللغة العربية ليست باللغة السهلة القليلة التعقيد حتى يقال إن سهولتنا أدت إلى سرعة انتشارها من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي، ومع هذا نجحت في أن تبسط سيادتها على جميع البلاد التي فتحها العرب، وحكموها زمناً طويلاً باستثناء فارس.
ولم يستطع الباحثون تفسير هذه الظاهرة: ظاهرة انتشار اللغة العربية إلا في ضوء انتشار العقيدة الإسلامية نفسها، وما تتطلبه هذه العقيدة من معرفة بأصول اللغة العربية لأداء فروض الدين.
стр. 186
ويقول بيكر: "إن أوروبا في العصور الوسطى نظرت إلى انتشار الإسلام من وجهة النظر الكنسية الدينية، وكأن الكنيسة قد أفزعها وآلمها ضياع البلاد بالشام ومصر وأعلي العراق، وكانت كلها ترتبط بأصول مسيحية، فراحت نفسر انتشار الإسلام في هذه البلاد بأنه لم يتم إلا بحد السيف".
وهم بهذا الادعاء يموهون على خوف ينتابهم ورهبة تسرى في أوصالهم عند سماعهم للإسلام والعرب. وقد سجل التاريخ أنهم لم يكن لهم شأن يذكر حين احتضنهم العامل الروماني الإمبراطور قسطنطين بحمليته لهم وحماية عقيدتهم، وذلك باستصدار قانون بمرسوم ميلان سنة ٣١٣م باعتبار المسيحية ديناً رسمياً للدولة، شأنها في ذلك شأن الوثنية.
أما الإسلام فهو كالعملاق الذي ولد ولم يركن إلى حماية دولة من الدول، بل استمد مجده من الله الملك القهار، فهو كالعملاق الذي يحمي ولا يهدد، يصون ولا يبدد، وهو في كل هذا يحرص كل الحرص على العزة والكرامة.
إزاء هذا لا يسعني إلا أن آتي بوجهات نظر الغرب عن الإسلام وهم فئتان: فئة يتحاملون على الإسلام، وفئة تنصف الإسلام بتحريهم التاريخ الصادق من غير تحيز.
فالفئة الأولى: غربيون يتحاملون على الإسلام:
يقول بيكر، ويقول برنارد لويس. مستدلين بقوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾
يقولان: إن انهيار سد مأرب في القرن السادس، وما أصاب البلاد من تقلب الأحوال الاقتصادية والاجتماعية - دفعهم إلى الهجرة، ولا فرق في ذلك بين الهجرات السابقة التي قام بها الآراميون والكنعانيون، والهجرات اللاحقة التي قام بها الغرب عقب ظهور الإسلام.
стр. 187
ويشاركهما في هذا الرأي توماس أرنولد، ويشتد تحاملاً عن سابقيه فيقول إن حركة التوسع العربي كانت هجرة جماعة نشيطة، دفعها الجوع والحرمان إلى أن تهجر صحاريها المجدبة، وتجتاح بلاداً أكثر خصباً كانت ملكاً لجيران أسعد منهم حظاً.
ومن الواضح أن هذه الآراء تتضمن كثيراً من التضليل والبعد عن الحقيقة.
ومع هذا فلنستمع إلى الفئة الثانية، إلى الغربيين الذين ينصفون الإسلام بتحقيقهم التاريخ الصادق من غير تحيز.
الفئة الثانية: غربيون يحققون التاريخ وينصفون الحق:
ليس أدل على إنصاف المسلمين وبيان حقيقة الغرض من أقول قادة الحرب المقهورين، فهذا هو الإمبراطور هرقل يسخط على الحاكم الروماني ويندد بانكساره أمام جيوش المسلمين، فيقول الحاكم مدافعاً عن نفسه: "إنهم أقل منا عدداً، ولكن عربياً واحداً يعادل مائة من رجالنا، ذلك أنهم لا يطمعون في شيء من لذات الدنيا، ويكتفون بالقليل من الكساء والغذاء في الوقت الذي يرغبون فيه في الاستشهاد، لأنه أفضل طريق يوصلهم إلى الجنة، على حين نتعلق نحن بأهداب الحياة، ونخشى الموت، يا سيدي الإمبراطور".
ويتحدث بيرون مؤكداً أن الحماسة الدينية وحدها هي التي أدت إلى نجاح العرب في حركتهم التوسعية، فيقول: "إن الفارق كبير بين الجرمان أو المغول الذين غادروا بلادهم ومعهم نساؤهم وأطفالهم وعبيدهم ومواشيهم بغية السلب والنهب والحصول على أرض جديدة تدر عليهم من خيراتها ما يكفل لهم عيشاً رغداً، والعرب الذين خرجوا في أوائل القرن السابع الميلادي ينادون بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، دون أن يصطحبوا معهم سوى سيوفهم وخيولهم".
حقيقة أن الفتح الإسلامي أعقبه حركة أخرى للتهجير والاستيطان في الولايات العربية الجديدة التي تم فتحها، ولكن هذه الحركة الأخيرة لم تبدأ إلا بعد أن انتهت الحركة الأولى بنحو قرنين من الزمان، تغيرت فيهما أوضاع البلاد المفتوحة وأصبحت جزءاً من الوطن العربي.
стр. 188
ومع هذا فإن بيكر "يؤكد أن النظرة السالفة التي مازال بعض المثقفين في أوروبا حتى اليوم يعتقدون صحتها، بعيدة عن الواقع لأن الوثائق المعاصرة كلها تثبت أن العرب لم يفرضوا دينهم على أهالي البلاد المفتوحة، بل فرضوا سيطرتهم السياسية لا غير.
فسيطرة العرب السياسية هي التي انتشرت بقوة السلاح أما الديانة الإسلامية نفسها فقد وجدت سبيلها إلى قلوب عدد كبير من أهالي البلاد المفتوحة، بدليل ما أجمعت عليه الوثائق من تسامح العرب المطلق مع المسيحيين واليهود على السواء. وهو تسامح لم يخطر على بال إنسان ولم يحظ به المسيحيون واليهود في ظل حكامهم السابقين".
"لا شك أن روح التسامي والتسامح التي عرف بها العرب، والتي لا يوجد لها نظير في الشرق أو الغرب في العصور الوسطى كان لها أكبر الأثر في تفهمهم للحضارات الأخرى السابقة تفهماً صحيحاً واضحاً، وفي تفهم الأوروبيين والإفريقيين لحضاراتهم تفهماً مفيداً".
ذلك بأن العرب لم يفرقوا في نشاطهم الحضاري بين المسلمين وغير المسلمين، بل سمحوا للنصارى واليهود بالتتلمذ عليهم والاستفادة منهم، فأقبل الأوروبيون في الأندلس وصقلية، والآسيويون في الشام وغيرها، على دراسة المعارف الإسلامية وترجمتها، ممتا ساعد على نهضة أوروبا في العصور الوسطى.
نظرة إلى التاريخ:
أصبح الإسلام قوياً بتضامن المسلمين، ووقف العالم بأسره أمام الفتوحات الإسلامية وكأنه أمام لغز، وعمل الكثير من العلماء والمؤرخين لفك طلسم هذا اللغز.
فالعرب الذين غزوا العالم الروماني في القرن السابع وأوائل القرن الثامن كانوا أقل عدداً من الجرمان الذين تدفقوا على الإمبراطورية الرومانية من قبل، ومع ذلك أذابت الحضارة الرومانية والعقيدة المسيحية تلك الشعوب الغازية في ذاتها فتلاشت نهائياً، في حين كان الانتصار الساحق في الجهات التي انتزعها العرب واستقروا فيها - مثل الشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس - سبيلاً إلى انتشار القرآن بنوره، والإسلام بتسامحه، فانتصر الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً، وما لبث تلك الشعوب التي دانت
стр. 189
للإسلام أن ذابت في دين الله وصارت مع الفاتحين بنعمته إخواناً مسلمين متحابين.
وهذه الظاهرة البارزة العظمى ليس لها سوى تفسير تاريخي واحد، هو أن الجرمان لم يكن لديهم من الطاقات النورانية أو الحضارية ما يواجهون به القوة الرومانية والكنيسة الكاثوليكية وسطوتها الروحية والدنيوية، فلم يلبثوا أن استوعبتهم الإمبراطورية الرومانية بحضارتها، والكنيسة بعقيدتها فذاب الغزاة في المجتمع الذي غزوه.
أما العرب فقد تقدموا وظهروا مزودين بعقيدة جديدة، وديانة سماوية أدت إلى تماسكهم، وحالت دون ذوبانهم في المجتمع الجديد، عالمين بقوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... ﴾
وقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
стр. 190
الباب العاشر ١ - لمحة من حياة محمد
(١) الرجل الكامل في القرآن
لقد طالما صور الكتاب في مختلف العصور والأمم صورة الرجل الكامل، صورة الشعراء والكتاب والفلاسفة والمسرحيون، صوروا هذه الصورة في العصور القديمة وما يزالون يصورونها حتى اليوم، ومع ذلك لن نجد صورة لهذا الرجل الكامل كهذه الصورة الفذة التي وردت في سياق سورة الإسراء، وهي ليست إلا بعض ما أوحى الله إلى رسوله من الحكمة، لايقصد بها إلى تصوير الرجل الكامل، وإنما يقصد بها أن يذكر الناس بعض ما يجب عليهم يقول الله تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ
стр. 191
أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ .
أي سمو بالنفس كذا السمو، وأي كمال لها كهذا الكمال، وأي طهر للذيل كذا الطهر! إن كل آية من هذه الآيات ليقف قارئها أمامها، مقدسا لما جمعت من القوة والروعة وسحر البيان وسمو المعنى والإعجاز في التصوير. وليت المقام هنا يتسع لهذه الوقفات!.. ولكن كيف يتسع الحديث عما تنطوي عليه هذه الآيات الست عشرة جدير بأن يستوعب مؤلفاً ضخماً.
(ب) القرآن وأدب النفس:
ولو شئنا أن نجئ بطرف مما في القرآن في أدب النفس، وتهذيب الأخلاق لا نفسح المجال إلى ما لا تنفسح له خاتمة الكتاب وحسبنا أن نذكر أنه ما خص كتاب على الخير والفضل ما خص القرآن، وما سما كتاب بالنفس الإنسانية ما سما بها القرآن، وما تحدث كتاب عن البر والرحمة، وعن الإخاء والمودة، وعن التعاون والوفاق، وعن الصدقة والإحسان، وعن الوفاء وأداء الأمانة، وعن سلامة القلب وصدق الطوية، وعن العدل والمغفرة، وعن الصبر والثبات، وعن التواضع والإذعان، وعن الخير والمعروف، وعن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة والإقناع والإعجاز في الأداء، ما تحدث القرآن. وما نهى كتاب عن الضعف والجبن وعن الأثرة والحسد، وعن البغض والظلم، وعن الكذب والنميمة، وعن التبذير والبخل، وعن الاعتداء والإفساد، وعن البهتان واللمز، وعن الغدر والخيانة، وعن كل رذيلة ومنكر، ما نهى القرآن، وبالقوة والاقناع والإعجاز التي نزل بها الوحي على النبي العربي.
وما من سورة تتلوها إلا وجدت فيها من الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والتوجه إلى الكمال ما تسمو به نفسك غاية السمو. اسمع إلى قوله تعالى في التسامح:
стр. 192
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ .
ويول الله تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
ولكن هذا التسامح الذي يدعو إليه القرآن لا يدفع إليه ضعف، وإنما يدفع إليه سمو الخلق وحرص على استباق الخيرات، وترفع عن الدنايا.
ويقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ .
ويقول تعالى:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ .
وهذا صحيح في أن الدعوى إلى التسامح دعوة إلى الفضل لا شيء من الضعف فيها، وإنما هو السمو النفساني الذي لا تشوبه شائبة.
هذا التسامح الذي يدعو القرآن إليه عن فضل، إنما أساسه الإخاء الذي جعله الإسلام دعامة حضارية، والذي أراد به أن يكون إخاء بين الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها. والإخاء الإسلامي يتضافر فيه العدل والرحمة من غير ضعف ولا استكانة. وهو إخاء تساو في الحق والخير والفضل غير متأثر بالعاجل من المنافع، بل يؤثر الآخذون به على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والآخذون به يخشون الله ولا يخشون غيره.
وهم لذلك الإباء والأنفة، وهم مع ذلك التواضع الجم، الصادقون الموفون بعهدهم إذا عاهدوا، الصابرون في البأساء والضراء وحين البأس، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، لا يصعر أحدهم خده ولا يمشي في الأرض مرحا، وقاهم الله شح أنفسهم، لا يقولون على اللهولا على عبادة الكذب، ولا يحبون أن
стр. 193
تشيع الفاحشة في الذين آمنو، يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذ ما غضبوا هم يستغفرون غيظهم ويعفون عن الناس، يجتنبون كثيرا من الظن ولا يتجسسون ولا يغتاب بعضهم بعضا، لا يأكلون أموالهم بينهم بالباطل، ولا يدلون بها إلى الحكام ليأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم، تتنزه نفوسهم عن الحسد وعن الخديعة وعن لغو القول وعن كل منقصة.
وهذه الصفات والأخلاق التي يقوم عليها أدب النفس ويهذب الخلق على مقتضاها، إنما تستند إلى النظام الروحي الذي نزل به القرآن الكريم والذي يتصل بالإيمان بالله.
(جـ) عظمة النبوة:
تظهر العظمة المحمدية في هذا الجانب المشرق من حياة الدعوة. كيف استطاع أن يؤلف بين رجال تباينت أفكارهم وأمزجتهم وجنسياتهم.
ألغى الفوارق بينهم، وصهرهم في بوتقة الإسلام إخواناً متحابين يرفعون هذا الشعار الإلهي:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
كان حريصاً على تأديبهم وتفجير الطاقات الكامنة فيهم، يهش لكل منهم كأنما يؤثره على الآخرين، يأسرهم بحديثه وجمال خلقه وفهمه العميق لمعادن الرجال فيأخذون عنه دون شك. يقول لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ويقول: "خذوا عني مناسككم" وكان دائب التربية والتوجيه لهم.
غذاهم بنور القرآن، فكانوا يجلسون إليه ويتلقون عنه، فإذا عادوا إلى منازلهم بادرتهم زوجاتهم: "كم نزل من القرآن؟ وكم حفظتم من حديث رسول الله؟ ".
كانوا كما وصفهم القرآن:
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ .
стр. 194
أعدهم لتحمل الأعباء ونشر الدين في الأرض. وسلحهم بكل أسلحة الحكم قادرين على سياسة الشعوب.
ولذا نرى رسول الله ﷺ قد ركز على الحجاز باعتبار مكة مركز الدائرة.
وإن محمداً في ثلاثة وعشرين عاماً أسس دولة. ووضع لها دستوراً، ونشر الإسلام في جزيرة العرب، ولم يمض على موته قليل حتى دق الإسلام أبواب الدنيا ناشراً العدل والرحمة، وجاء أبو بكر ليخضع الجزيرة لسلطان الدين، وخرج عمر ليلتحم مع فارس والروم ويقضي على نفوذ أعظم دولتين في ذلك الزمان.
ثم يركب المسلمون البحر في عهد عثمان ومن بعده، حتى أصبح البحر المتوسط بحيرة عربية، وانتشر الإسلام في كل أنحاء العمران.
غيرته على أصحابه:
كرمهم القرآن واعتبر الفوز لمن يحشر معهم:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .
وقوله تعالى:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ .
стр. 195
٢ - الزواج والطلاق في الإسلام
(أ) الزواج في الإسلام:
جاء الإسلام يسوى المرأة بالرجل في كل الحقوق والواجبات، فهي مكلفة بكل ما يكلف به الرجل من العبادات، وهي تبايع الرسول كما يبايعه الرجال سواء بسواء، وهي سيدة نفسها لا تتزوج إلا برضائها، وهي ترث من أبيها كما يرث الرجل، وقد ترث في بعض الأحوال أكثر مما يرث الرجل، إن كان الرجل أباً أو عماً.
ووصل الإسلام في رفع مكانة المرأة وتسويتها بالرجل إلى حد أن يقول القرآن الكريم:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ .
وهكذا سوى في الولاية بين الرجل والمرأة، ويدخل فيها ولاية الأخوة والمودة والتعاون المالي والاجتماعي، وولاية النصرة والحرية والسياسة.
هذه هي روح الإسلام وجوهر تعاليمه، ومع هذا فقد حشد المستشرقون والمبشرون كتبهم بالطعن على الإسلام ورسوله مستندين في ذلك إلى ما أباحته الشريعة من حل التزوج بأكثر من واحدة، ولو كانوا يعرفون العربية ويفقهون كتاب الله وقواعده ما استطاعوا أن يلصقوا بالإسلام ما ليس من شيمه.
وما اتفق خصوم الإسلام سيئو النية على شيء كما اتفقوا على خطة التبشير في موضوع الزواج على الخصوص، فكلهم يحسب المقتل الذي يصاب منه الإسلام في هذا الموضوع هو تشويه سمعة رسول الله، وتمثيله لأتباعه في صورة الرجل الشهوان الغارق في لذات الجسد، وهي صورة لا تلائم شرف النبوة ولا يتصف صاحبها بفضيلة الصدق في طلب الإصلاح، ورسالته العامة عن عفاف القلب والروح.
стр. 196
ولقد حاول خصوم الإسلام أن يجعلوا من مبدأ تعدد الزوجات وإباحته في الإسلام سلاحا يحاولون أن يحاربوه به. فكثيرا ما قالوا إن الإسلام يهدر كرامة الزوجة حين يبيح للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، ويزيد من النسل الذي يؤدي إلى الفقر والعوز.
إن الثابت في سيرة النبي ﷺ أنه ظل ذا زوجة واحدة حتى بلغ الرابعة والخمسين من عمره، ثم أخذ يعدد زوجاته في فترة امتدت من السنة الثالثة إلى السنة الثامنة من الهجرة، وهذه الفترة هي التي تواصلت فيها الحروم بين المسلمين والمشركين حتى انتهت بفتح مكة. ونتيجة للحروب المستمرة اختل التوازن العددي بين الذكور والإناث في مجتمع المسلمين بالمدينة وأصبح من المحتم إعالة الأرامل واليتامى اللاتي سقط عائلوهن في ميادين الجهاد.
وما كان لمصلح اجتماعي كالنبي ﷺ أن يهتم فقط بإطعام الأرامل دون الاهتمام بحماية عفتهن وهو أعلم الناس بأن الغريزة الجنسية شيء مغروس في الطبيعة البشرية، وأن إهمال شأنها خليق بأن يؤدي إلى فساد المجتمع.
والغريزة الجنسية هي ما عبر عنها بولس في رسالته إلى أهل رومية في عرض حديثه عن المرأة وارتباطها برجلها وتحررها من رباط الزوجية. وما يتعرض له الأعزب من نوازع نفسية فيقول: "ولكني أرى ناموسا آخر في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت"؟! ولا نجاة للإنسان إلا بعصمته بالزواج الحلال الطيب، كما بينه الإسلام.
ولقد دافع الفونس اتيين دينيه في كتابه (محمد رسول الله) ةفي رسالته (أشعة خاصة بنور الإسلام) عن مبدأ تعدد الزوجات دفاعا مجيدا، فيقول في مسايرة الطبيعة: لا يتمرد الإسلام على الطبيعة التي لا تغلب، وإنما هو يساير قوانينها ويزاول أزماتها بخلاف ما تفعل الكنيسة من مغالطة الطبيعة ومصادمتها في كثير من شئون الحياة، ومثل ذلك الفرض الذي تفرضه على أبنائها الذين يتخذون الرهبنة، فهم لا يتزوجون، وإنما يعيشون غرباء. فيوصي بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس بقوله: "فأريد أن تكونوا بلا هم غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته". ثم يحفز المرأة الأرمل على التنكر لطبيعتها وغريزتها الجنسية
стр. 197
فيوصيها بقوله: "المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حياً، ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا بحسب رأيي. وأظن أني أنا أيضا عند روح الله".
على أن الإسلام لا يكفيه أن يساير الطبيعة، وألا يتمرد عليه، وإنما هو يدخل على قوانينها ما يجعلها أكثر قبولا وأسهل تطبيقا في إصلاح ونظام ورضاء ميسور مشكور، حتى لقد سمى القرآن لذلك "بالهدى" لأنه المرشد إلى قوم مسالك الحياة، ولأنه الدال على أحسن مقاصد الخير.
والأمثلة العديدة لا تعوزنا، ولكننا للقصد نأخذ بأشهرها، وهو التساهل في سبيل تعدد الزوجات، وهو الموضوع الذي صادف النقد الواسع، والذي جلب للإسلام في نظر أهل الغرب مثالب جمة، ومطاعن كثيرة.
ومما لا شك فيه أن التوحيد في الزوجة هو المثل الأعلى، ولكن ما العمل وهذا الأمر يعارض الطبيعة ويصادم الحقائق، بل هو الحل الذي يستحيل تنفيذه؟
ومن هنا نادى بولس في رسالته إلى تيموثاوس قائلا: "فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم بلا امرأة واحدة.. يدبر بيته حسنا، له أولاد في الخضوع بكل وقار. وإنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته فكيف يعتني بكنيسة الله؟! " الأمر الذي يفهم منه ضمنا أن الزواج بأكثر من واحدة كان قائما.
إذن لم يكن للإسلام أمام الأمر الواقع، وهو دين اليسر، إلا أن يستبين أقرب أنواع العلاج فلا يحكم فيه حكما قاطعا ولا يأمر به أمرا باتاً.
والذي فعله الإسلام أول كل شيء أنه أنقص عدد الزوجات الشرعيات وقد كان عند العرب الأقدمين مباحا دون قيد، ثم أشار بعد ذلك بالتوحيد في الزوجة في قوله:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ .
وأي رجل في الوجود يستطيع أن يعدل بين زوجاته المتعددات؟! ولذا كان التعدد بهذا الشرط مستحيل التنفيذ. ولكن انظر كيف وضعه الإسلام وضعاً هو غاية في الرقة والدقة واللطف مع الحكمة.
стр. 198
ثم انظر هل حقيقي أن الديانة المسيحية بتقريرها الجبري لفردية الزوجة والتوحيد فيها، وتشددها في تطبيق ذلك قد منعت تعدد الزوجات؟! إن تعدد الزوجات قانون طبيعي، سيبقى ما بقى العالم، ولذلك فإن ما فعلته المسيحية لم يحقق الغرض الذي أرادته، فانعكست الآية معها، وصرنا نشهد الإغراء بجميع أنواعه. على أن نظرية التوحيد في الزوجة. وهي النظرية الآخذة بها المسيحية ظاهرا تنطوي تحتها سيئات متعددة ظهرت على الأخص في ثلاث نتائج واقعية شديدة الخطر جسيمة البلاء، تلك هي: الدعارة، وكثرة العوانس من النساء، والأبناء غير الشرعيين.
ولعل العلم الحديث قد أفصح عن الأهداف الإنسانية والعمرانية التي توخاها الإسلام في تعاليمه بالنسبة إلى سماحه بالزواج من أكثر من واحدة، فقد قرر أساتذة علم الاجتماع أمصال جينز برج ووستر مارك أن تعدد الزوجات كان النظام المتبع في الشعوب المتمدينة في حين كان نظام الزوجة هو النظام المتبع في الشعوب المتأخرة.
وإن الشعوب التي كانت تحرم الزواج بأكثر من واحدة إنما كانت تتبع تقاليد لا تتصل بالدين من قريب أو بعيد، كما أن الشعوب التي أجازت الزواج بأكثر من واحدة إنما أجازته طبقا لما رأت فيه من فوائد اقتصادية أو عمرانية دون نظر كذلك إلى الدين.
فلم يرد في الإنجيل نص صريح يدل على تحريم الزواج بأكثر من واحدة وإن الإسلام في إباحته تعدد الزوجات قد أباحه في حدود عينها لظروف حددها. وبقيود تجعل من العسير الأخذ به إلا في حالات اضطرارية ويكفي لبيان فضل الإسلام وسمو أهدافه أن نقارن مبدأ تعدد الزوجات بالحلول التي يقترحها مفكرو أوروبا وأمريكا اليوم لعلاج المشكلة الاجتماعية التي تنشأ دائما عقب الحروب بوجود عدد كبير من النساء اللاتي لا يجدن الزواج. والحل المفضل لديهم حتى الآن هو إباحة العلاقة الجنسية وحماية الأمومة غير الشرعية. والفرق بين الحلين هو الفرق بين مجتمعين يقوم أحدهما على أقوم المبادئ ويرغب في تأدية واجبه كاملا نحو أفراده، بينما يتجاهل الآخر واجبه نحو صيانة الأسرة، ويتساهل إلى حد بعيد في القيم الأخلاقية التي يجب أن تسود بين الناس.
وهو على كل حال زواج قانوني يكفل للمرأة ولأولادها احترام المجتمع وهو ما لا يكفله لهم الحل الآخر مهما عملت الدولة على كفالة احتياجاتهم المادية.
وبالرغم من عدم تبين البعض لأوجه الحكمة في شرعية الإسلام بتعدد الزوجات. فإنه في الأزمات الإجتماعية التي نشأت بسبب الحرب في كثير من نواحي العالم ما يبين
стр. 199
بجلاء حكمة العلاج الذي وضعه الإسلام لمثل هذه الأزمات صوناً لبناء المجتمع وحماية للمستوى الخلقي، وذلك بمنح المرأة نصف بيت إذا تعذر عليها الحصول على بيت كامل. ونصف البيت هو بيت على كل حال. وهو خير كثيراً من تركها بدون بيت. وتعدد الزوجات الشرعي خير بلا شك من تعدد الزوجات غير الشرعي.
ولا شك أن العالم سيهتدي يوما إلى حكمة تعدد الزوجات. كما سيهتدي إلى حكمة الطلاق، وهو الآخر موضع إنكار شديد.
أما تعدد الزوجات من الناحية الموضوعية فإن الإسلام لم يبتكره. كما أنه لم يستعره، فتعدد الزوجات من حيث هو نظام اجتماعي، وكان مألوفا أزمنة طويلة قبل بزوغ فجر الإسلام على شبه الجزيرة العربية والكتاب المقدس مليء بقصص عن زوجات إبراهيم وسليمان:
"وأرسل داود وتكلم مع أبيجايل ليتخذها له امرأة.. فقامت وسجدت على وجهها إلى الأرض، وقالت: هو ذا أمتك جارية لغسل أرجل عبيد سيدي.. وسارت وراء رسل داود وصارت له امرأة. ثم أخذ داود أخينوعم من يزرعيل فكانتا له كلتاهما امرأتين، فأعطى شاول ميكال ابنته امرأة داود لفلطى بن لايش الذي من حليم".
"فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات رجلها ندبت بعلها، ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا".
"وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون من أبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهو لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة وكانت له سبعمائة من النساء السيدات وثلاث مائة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه ... وراء آلهة أخرى فذهب سليمان وراء عشتورث الإلهة الصيدونيين وملكون رجس العمونيين.. وهكذا فعل لجميع نسائه العربيات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن".
وأما المصطفى ﷺ فإن زوجاته بعد السيدة خديجة ﵂ كن في الغالب
стр. 200
من الأرامل ذوات الأولاد لينفي كل شك في الدافع الذي دعا إلى تعدد الزوجات في صدر الإسلام، ويبين أي غرض نبيل قام عليه هذا المبدأ.
وإن التأمل في موقف صدر الإسلام إزاء الأرامل ذوات الأولاد ليجلو لنا بوضوح نظرة الإسلام إلى الزواج واعتباره إياه واجبا على الأفراد نحو المجتمع يقابله واجب على المجتمع نحو الأفراد بتيسير الزواج لمن يجدنه كالأرامل والمطلقات.
وهكذا حرر الإسلام المرأة تحريرا كاملا ورد إليها إنسانيتها، وانتشلها من العبودية إلى طريق العزة والكرامة، فسوى بينها وبين الرجل في جميع الحقوق. وقد علم الله من طبيعة خلقه أنه يمكن أن يعدل الإنسان القادر بين أربع فيؤدي لهن حقوقهن كاملة، أما ما زاد على ذلك فليس في مقدور الإنسان من حيث هو إنسان. فمن خاف عدم العدل، فلا يحل له أن يعدد الزوجات وإن أقدم عليه فهو آثم إثما كبيراً، وكفى بذلك زاجرا للمسلمين! ومن هنا يرى بعض الناس أن تعدد الزوجات يكاد يكون ممتنعا في نظر الدين:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ .
فالذي صنعه الإسلام هو تقييد تعدد الزوجات وعدم التشجيع عليه.
وأن إباحة الإسلام الزواج حتى أربع زوجات، هذه الإباحة تعد تقييدا لما كان سائدا قبل الإسلام، إذ كانت البيئة العربية تغلب عليها الإباحية والفوضى في الفروج إلى حد أن الزوج كان يبعث بامرأته إلى من ينكحها لتلد مثله. وهو نكاح الاستطراق.
وكان التقييد بأربع قد قيده بتحذير إلهي: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ مما يتحتم معه من الناحية العملية الاكتفاء بزوجة واحدة.
ويقول العقاد: "قال لنا بعض المستشرقين: إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية. قلنا إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر الجنسية لأنه لم يتزوج قط فلا ينبغي أن تصف محمداً بأنه مفرط الجنسية لأنه جمع بين تسع نساء.
فالنبي ﷺ أمكنه أن يسوس تسع زوجات ولم يؤثر عنهن خصام أو نزاع إلا مرات تعد على أصابع اليد، فمن أتيح له أن يجمع بين عدد من الزوجات فعليه أن يقتدي به في معاملة زوجاته بالعدل ومعالجة الشئون المنزلية بالأناة وسعة الصدر، وعلى النساء أن يتخذن من زوجات النبي الكثيرات مثالا صالحا يحتذينه من العفة والزهد وتدبير
стр. 201
المنزل والرضا بما قدر لهن من متاع في هذه الحياة الدنيا، وبذلك تسعد الأسرة بتمامها وتقوم بواجبها نحو الله ونحو المجتمع الإنساني.
"ولو أن المسلمين وغيرهم تأملوا في حياة النبي ﷺ مع نسائه. واقتدوا به في معاملة الأزواج والأبناء والأقارب كما أمرهم الله لعاشوا عيشة راضية مرضية".
هذه بعض الأسرار التي من أجلها شرع الله لنبيه أن يجمع بين عدد من الزوجات، فلم يعدد النبي الزوجات لمجرد قضاء الشهوة وهو أكمل خلق الله أخلاقا وأعفهم نفسا وأزهدهم في متاع الحياة الدنيا. وقد حرم الله عليه أن يتزوج غير نسائه أو يبدل واحدة منهن بغيرها. وقد عرفت أنه كان منهن الطاعنة في السن ومنهن غير الجميلة ولم يكن من بينهن من يصح أن يستمتع بها سوى واحدة أو اثنتين، فإذا كان محمدا شهوانيا، وكان يشرع لنفسه ما يوافق شهوته، فكيف يحرم على نفسه أن يتزوج ممن تصبو إليه نفسه ويلزمها أن تبقى مع من لا تشتهيه عادة!!
إنه بهذا التشريع يعذب نفسه ولا ينعمها، ألم يقل له رب العزة:
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ .
هؤلاء وزجاته اللواتي بنى بهن وجمع بينهن.. لم تكن واحدة منهن هدف اشتهاء كما يزعمون، وما من واحدة منهن إلا كان زواجه بها أدخل في باب الرحمة وإقالة العثار ولامواساة الكريمة، أو لكسب مودة القبائل وتأليف قلوبها بالمصاهرة، وهي بعد حديثة عهد بالدين الجديد إنه الواجب.. واجب الدعوة أو واجب النخوة وشتان ذلك وما يتشدقون به، من إثارة النزوة.
لا رهبانية في الإسلام:
ولعله لا يلخص مبادئ الإسلام في الطريق الوسط، إلا قوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
стр. 202
ويقول تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .
ومن هذه الآية الكريمة بتبين أن الحياة الإنسانية تقوم على أساس من الغريزة الجنسية، واتصال الذكر بالأنثى، ولكن الإسلام لا يقاوم ذلك وإنما يباركه في ظل النظام والشريعة.
فلا حرج في الزواج بل هو مندوب ومطلوب ليعمر الكون، لكن الحرج كل الحرج في أن يخرج الإنسان لإشباع غريزته عن السدود والقيود فيعتدي على أعراض الناس.
ويغلظ الإسلام في عقوبة الزنى زجرا للناس وحفظا للحقوق والأنساب.
ويروى عن رسول الله ﷺ أنه وصل إلى علمه أن نفرا من الصحابة نحوا نحو الرهبانية المسيحية، فآلى بعضهم على نفسه أن يظل طول الدهر صائما، وأقسم البعض الآخر ان يبيت الليل قائما، بينما نذر البعض الثالث ألا يتزوج النساء. فاشتد غضب الرسول على هذا النفر، واستنكر ما هموا بفعله، وقال قولته الخالدة التي قضت على الرهبانية في الإسلام.
"أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم لله، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" وقال قوم لرسول الله: إن فلاناً يصوم النهار ويقوم الليل، ويكثر الذكر، فقال: "أيكم يكفيه طعامه وشرابه؟ فقالوا: كلنا، قال: كلكم خير منه".
وهكذا حيث تجعل البوذية والمسيحية الرهبانية هن أعلى صور الكمال الإنساني، فإن الإسلام يحث أتباعه على العمل، والإنتاج والتعامل مع الحياة، والاستمتاع بطيباتها، ولكن في اتزان واعتدال، باتباع الطريق الوسط، الذي ترسمه وتحدده عشرات ومئات من الآيات القرآنية، التي تحض على الفضائل ومكارم الأخلاق والأدب العالي، مما لخصته أكمل تلخيصـ وأوجزته إيجازاً معجزاً هذه الآية الكريمة:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .
стр. 203
فشتان بين سماحة الإسلام وبين دعوة النصرانية للرهبنة:
"وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني. قال له تلاميذه: إن كان هذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج. فقال لهم: ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطى لهم، لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم، ويوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكون السموات. من استطاع أن يقبل فليقبل".
(ب) الطلاق في الإسلام:
إن خصوم الإسلام من المبشرين والمستشرقين يعتبرون الطلاق وصمة في جبين الإسلام.
ولقد أباح الله الطلاق للمسلمين لأنه قد تدعو إليه الضرورة القصوى، أما حيث لا ضرورة فسماه النبي ﷺ أبغض الحلال إلى الله، كما أن المسلمين اتفقوا على النهي عنه عند استقامة الزوجين، فمنهم من قال إنه نهي كراهة، ومنهم من قال: نهي تحريم.. وقد نهى الرسول عنه في قوله: "لا ضرر ولا ضرار".
أما الطلاق بسبب فلم يرفضه أحد، ولكن اختلفوا في بيان الأسباب، قال ابن عابدين: وأما الطلاق فالأصل فيه الحظر أي الحرمة، والإباحة للحاجة إلى الخلاص، فإذا كان بلا سبب أصلا لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص بل يكون حمقاً وسفاهة رأي ومجرد كفران للنعمة وإيقاع الأذى بالزوجة وبأهلها وأولادها. ولذا قالوا إلى سببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى، فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعا يبقى على أصله من الخطر، ولذا قال تعالى:
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ .
أي لا تطلبوا الفراق.
والطلاق في الإسلام، كما هو معلوم، حق من حقوق الزوج.
стр. 204
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ .
أما غير المسلمين، فمنهم من لم يجوز الطلاق أصلا إلا للزنى، كالأمة الإنجليزية، فأيهما اقترفه كافة للآخر أن يرفع الأمر إلى المحكمة ليفصل القاضي بينهما، أما أهل الولايات المتحدة بأمريكا فكانوا على هذه السنة، ثم وجدوا أن هناك أسبابا أخرى يتحتم معها الطلاق، ولكن لا فرقة عندهم إلا بقضاء قاض.
ولابد لجميعهم - يوماً - أن يرجعوا إلى ما قرره الإسلام من الأسباب. حقا إن الشريعة الإسلامية لم توقف تنفيذ الطلاق على حكم الحاكم، وبعض الناس يرون أن الأول أعدل، لأن فيه محاسبة الرجل والمرأة ما يعملان، فلم يخل السبيل للرجل يفعل ما يريد، ولكن دين الإسلام أقوى ركنا وأحكم وضعاً وأبعد مرمى، فلم يفعل ذلك إلا لحكمة صالحة ذلك أن في تعليق الطلاق على حكم القاضي بثبوت الزنى أقبح تشهير للمقترف، وأشنع سبة تنفر من مرتكبه القلوب، وتشوه سمعته في المجتمع.
ولا مجال للكثير من القول في الطلاق. فالواقع أن الشكوى ترتفع من الإجراءات نفسها لا من المبدأ ذاته، ويكفي أن نتأمل الآيتين الكريمتين:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ .
هذا، والديانة المسيحية لم تمنع الطلاق، وغاية ما ورد في الإنجيل أن "من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني" وذهبت المسيحية إلى أن توصي المرأة بعدم مفارقة زوجها أو تصالحه إذا فارقته: "وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب ألا تفارق المرأة رجلها وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها ولا يترك الرجل امرأته" وذهبت المسيحية إلى حد الترغيب في التبتل للحد من المشاكل والمضايقات: "وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أعطي رأيا كمن رحمه الرب أن يكون أميناً، فأظن أن هذا حسن بسبب الضيق الحاضر. إنه حسن للإنسان أن يكون هكذا".
стр. 205
وتنادى بعدم الانفصال: "أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال".
وفي حالة الانفصال لا يجوز للمنفصل أن يتزوج: "أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة".
وهذا المذهب تأخذ به الكنيسة الكاثوليكية وتتشدد به فيه.
وكل ما ذهب إليه المسيحية من تقنين أو تشريع فهي لم تتعرض لحكم الطلاق أصلا.
وكان الطلاق قبل الإسلام منتشرا في جميع أمم الشرق، لا فرق بين يهودي أو مسيحي أو وثني، وكذا بين الرومانيين، فلقد اعتبر قانون "الموائد الاثنتي عشرة" الطلاق جائزاً. ولعل الرومانيين في أخريات أمرهم أصلحوا كثيراً من شأن المرأة وأنصفوها. فإنهم بإجازتهم الطلاق إنما أرادوا حماية إنسانية المرأة، لأن الرجل في القرون الأولى كان لابد له أن يقتل امرأته عقابا لها على بعض الجرائم كالسكر. فكانت عند الرجل كالأمة، كما أنها إذا طلبت من زوجها الطلاق اعتبر ذلك منها قحة ونشوزا يخول له عقوبتها.
ويقول الأمير على في كتابة "سر الإسلام" إن المعتزلة لا يجوزون وقوع الطلاق إلا بحكم القاضي الشرعي العادل، فلابد أن يمتحن الأسباب بلا تحيز فيوقع الطلاق أو يرفضع حسبما يراه صالحا. وهو ما يتجه التفكير إليه الآن في بلادنا.
ومن هنا يظهر أن من طوائف الإسلام من يعلقون الطلاق بحكم القاضي، فلا يصح عندهم وقوع الطلاق من الزوج إلا بعد محاسبته وامتحان الأسباب التي يبديها للتفرقة. وإن من أكبر الدلائل على بغض الشرع الطلاق أن جعل للرجل أن يسترجع امرأته في الطلقة الأولى والثانية، حتى يتروى ويتدبر ويرجع إليه رشده، حتى إذا طلق الثالثة وجبت عقوبته بعدم جواز الرجعة حتى تتزوج غيره، لما تبين من أنه سفيه الرأي ضعيف العزم.
стр. 206
قال تعالى:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ .
ومن هنا نجد أن الأصل في الطلاق التحريم إلا لسبب.
ذلك أهم ما عنى به المبشرون والمستشرقون من المطاعن في الدين الحنيف وصاحبه، وتجاوزوا حد الأدب مع خير دين، وخير الرسل وخاتمهم.
* * *
المراجع
١ - القرآن الكريم.
٢ - الكتاب المقدس (أ) الطبعة الأمريكية ببيروت.
(ب) الطبعة اليسوعية.
٣ - تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط: للأستاذ يوسف كرم.
٤ - أوروبا العصور الوسطة "التاريخ السياسي":
للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور.
٥ - المسيح قادم: للدكتور علي عبد الجليل راضي.
٦ - أبو بكر الصديق: للدكتور محمد حسين هيكل.
٧ - قصص الأنبياء: للأستاذ عبد الوهاب النجار.
٨ - حياة محمد: للدكتور محمد حسين هيكل.
تنويه
ينبغي أن أثبت تقديري وشكري العميق للسادة الأساتذة الذين كرموا العالم الإسلامي بمؤلفاتهم وترجماتهم، الذين وضعوا بين يدي نصوصا بعضها فرنسي وبعضها إنجليزي لم يكن يسيراً حصولي عليها، وكتبهم المشار إليها بقائمة المراجع وفيها ترجمة لتلك النصوص.
إبراهيم خليل أحمد