Полный текст (206 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
التعليق:
إن مسألة محاكمة المسيح وصلته تتناقض مع حقائق هامة في سباق ما جاء "بالأنبياء والأناجيل" فسرد تفاصيل لمخاوف الكهنة والكتبة من أن يسرقوا جسد المسيح من القبر - إنما هو خرافة أحاطت بسيرة المسيح في قول الكهنة لبيلاطس: "قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي: إني بعد ثلاثة أقوم، فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه، ويقولوا للشعب إنه قام من الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى، فقال لهم بيلاطس: عندكم حراس، اذهبوا واضبطوه كما تعلمون فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر".
وهذا يناقض رعاية الله لأبنائه وأنبيائه وأصفيائه في قصة دانيال في جب الأسود، وكيف حماه الله من الأسود الجائعة، فظل بينها وكأنها تحرسه حتى خضع الملك الوثني للقول: "يادانيال عبد الله الحي، هل إلهك الذي تعبده دائماً قدر على أن ينجيك من الأسود؟ فتكلم دانيال مع الملك: يأيها الملك، عش إلى الأبد، إلهي أرسل ملاكه، وسد أفواه الأسود، فلم تضرني لأني وجدت بريئاً قدامه، وقدامك أيها الملك".
وما موقف الكردينال بيا - الذي يتزعم الحركة المؤيدة لإسرائيل وصاحب وثيقة "تبرئة اليهود من دم المسيح" التي نشرت تفاصيلها الأهرام في ٢/١٠/١٩٦٤ - من هذا السند الذي جاء في إنجيل متى؟ أيهما أصدق: بحوثه، أم ما جاء بإنجيل متى؟ ... وما جاء بإنجيل متى كما يلي: "وفيما هما ذاهبتان إذا قوم من الحراس جاءوا إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة بكل ما كان، فاجتمعوا مع الشيوخ وتشاوروا، وأعطوا العسكر فضة كثيرة قائلين: قولوا إن تلاميذه أتو ليلا وسرقوه ونحن نيام. وإذا سمع ذلك عند الوالي نستعطفه ونجعلكم مطمئنين، فأخذوا الفضة وفعلوا كما علموهم، فشاع هذا القول عند اليهود إلى هذا اليوم".
٤ - الكتاب المقدس والتراجم
(أ) نسخة الفولجاتا:
كان للقديس جيروم أثر ظاهر في الحركات الإصلاحية. إذ قام بترجمة العهد القديم
стр. 142
من اللغة العبرانية إلى اللغة اللاتينية، وتنقيح العهد الجديد وترجمته من اللغة اليونانية إلى اللغة اللاتينية، ويعتبر هذا العمل أكبر الأعمال الكنسية، وتسمى هذه النسخة بالفولجاتا.
وظل يعمل فيها حتى وفاته سنة ٤٢٠ م، وقد كان الكتاب المقدس مغلقاً عليه حتى عهد الإصلاح سنة ١٤١٤ م.
وهذه الترجمة قد نقحت في سنة ١٥٩٢، سنة ١٩٠٧، ومازالت تعتبر عمدة التراجم للكنيسة الكاثوليكية، ومنها كانت الترجمة الإنكليزية المعروفة
Douai Bible
(ب) نسخة اكسفورد:
وفي سنة ١٣٧٥ م قام جون ويكلف بترجمة الفولجاتا من اللغة اللاتينية إلى اللغة الإنكليزية، وعاونه في ذلك علماء جامعة أكسفورد، وكان عمله هذا بمثابة القبس الذي أشعل النهضة الروحية السياسية التي اجتاحت أوربا في العصور الوسطى، حيث طالبت الشعوب المسيحية بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الإنكليزية ونشره لتداوله بينهم مما جعل الكنيسة الكاثوليكية - حرصاً منها على النسخ المقدسة - تستجيب لهذه النهضة، فكلفت الأسقف تشالور بترجمة الكتاب إلى اللغة الإنكليزية ترجمة تتفق ومشرب الكاثوليك وتمحض الأمر عن نسخة ديوى Douai Bible.
(جـ) نسخة ديوى Douai Bible
عكف الأسقف تشالور على ترجمة الكتاب المقدس من الفولجاتا من اللاتينية إلى الإنكليزية، وذلك في منتصف القرن السادس عشر مع بعض التغييرات الحديثة، وهذه التغييرات - في اعتبارهم - لم تؤثر إطلاقاً في جوهر معاني الكتاب المقدس أو مبادئه الأساسية، وطبع العهد الجديد في كلية ريمس سنة ١٥٨٢، ثم طبع العهد القديم في كلية ديوى سنة ١٦٠٩ وهذه النسخة تشتمل على أسفار الأبوكريفا، وعلى تقديم من البابا ليوس الثالث عشر والبابا بيوس الثاني عشر مع تذييل للأسفار كلها بالتحقيق التاريخي.
стр. 143
(د) التراجم إلى اللغات الحية:
من هذه النسخ سواء كانت باللاتينية أو الإنكليزية كانت التراجم إلى اللغات الحية ومنها اللغة العربية.
٥ - الكتاب المقدس والخط اللاتيني
إن اللغة اللاتينية تعرضت لتغيرات ضخمة في مدى قرنين ونصف قرن، وهي المدة الواقعة بين (تاكتيوس سنة ٥٥ - ١٣٠ م، وأغسطينوس سنة ٣٥٤ - ٤٣٠ م) .
ذلك أن انتشار المسيحية في الغرب خلال هذه الفترة لم ينشأ عنه إدخال ألفاظ جديدة من أصل يوناني فحسب، بل أدى أيضاً إلى استحداث كلمات جديدة وتعبيرات لم تكن معروفة من قبل لتلائم الآراء والمعتقدات والطقوس الدينية التي أتت بها المسيحية.
وقد نجم عن ذلك تغيير جسيم في اللغة اللاتينية، ويبدو الفاروق واضحاً بين اللغة اللاتينية الفصحى - كما كتبها شيشرون - واللغة اللاتينية الجديدة أو الدارجة التي استخدمها كتاب العصر المسيحي منذ عهد ترتوليان سنة ٢٠٠ فصاعداً، وهكذا انتهى عصر البلاغة والبيان الذي كان يمتاز به الأسلوب اللاتيني.
وثمة مظهر آخر من مظاهر التأخر الذي أصاب اللغة، وبالتالي أصاب أوربا في ذلك العصر، هو تدهور مستوى الخط في الكتابة وفي المخطوطات أو الوثائق الحكومية المعاصرة. ففي العصور القديمة كانت الكتب تدون على مجاميع من أوراق البردي، ولكنها منذ القرن الأول الميلادي أصبحت تدون على صفحات من الرقائق الجلدية مقطوعة على هيئة مربعات قائمة الزوايا أطلق عليها الكتب المربعة. ومعظم المخطوطات التي ترجع إلى العصر الميروفنجي أو العصر القوطي من هذا النوع.
أما الخط فكان على ثلاثة أحجام، لكل حجم منها اسم خاص به وهي:
١ - الحروف الكبيرة، وتسمى: ماجسكيل.
٢ - الحروف البوصية، وتسمى: يونيسكيل.
٣ - الحروف الصغيرة، وتسمى: ماينوسكيل.
ولم يلبث أن أدى انتشار الجهل إلى فساد الخط، وتعذر قراءته، فوقع الكتاب
стр. 144
بذلك في أخطاء عدة، مما أفسد الكتابة إفساداً يبدو بوضوح في الترجمة اللاتينية للإنجيل في ذلك العصر.
٦ - الكتاب المقدس والنسخ الخطية
(أ) نسخة الإسكندرية:
وتشمل أربعة مجلدات ضخمة، الثلاثة الأولى منها للعهد القديم، والرابع للعهد الجديد، أجمع العلماء على كتابتها في القرن الرابع الميلادي بمدينة الإسكندرية.
(ب) نسخة الفاتيكان:
يؤكد العلامة مونتفكون والعلامة بلانشيني أنها كتبت في القرن الخامس، ولا يشبهها إلا نسخة الإسكندرية، وهي محفوظة الآن في الفاتيكان بروما.
(جـ) النسخة السينائية:
اكتشفها العلامة تشيدرف الألماني، وقد كتبت في القرن الرابع، ولهذا الكشف كرر العلامة زيارته لدير سانت كاترين بسيناء سنة ١٨٤٤ م وسنة ١٨٥٦ م، وأخذ المخطوطات وأهداها إلى قيصر روسيا الإمبراطور إسكندر، ومازالت إلى الآن محفوظة بمكتبة بطرسبرج، وهناك مخطوطات أخرى في لبسيك.
(د) النسخة السبعينية:
وهي التي استدعى لها بطليموس فيلادلفيوس سبعين من أحبار اليهود إلى مدينة الإسكندرية سنة ٢٨٠ ق. م ليقوم كل منهم على حدة بترجمة التوراة من العبرانية إلى اليونانية، ثم يقابلوا تراجمهم بعضها على بعض ففعلوا ذلك وأظهرت المقابلة صحة الترجمة.
стр. 145
(ب) العقيدة المسيحية
ا - المسيحية دين الدولة
يرجع الفضل في انتشار المسيحية في ربوع الإمبراطورية الرومانية إلى رحلات بولس المدعو رسولا في آسيا وأوروبا، وإلى كتاباته التي تحتل المكانة الأولى بين كتابات الحواريين.
يرجع الفضل في تمكين المسيحية من الإمبراطورية الرومانية إلى اعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية، ثم اعترافه بها في مرسوم ميلان الشهير سنة ٣٣٣ م، وبهذا وضحت معالمها، وبرزت تعاليمها.
وهذا الانتشار أو التطور جعل المثقفين يأخذون بهذه الأمور متسائلين عن العلاقة بين الله والمسيح، محاولين تحديد هذه العلاقة، كما استفسروا عن طبيعة الملائكة، وعن المقصود بأن الخبز والنبيذ تحولا إلى لحم المسيح ودمه.
وسرعان ما احتلت هذه المسائل جانبا كبيرا من تفكير المسيحيين عندما غدت المسيحية دينا رسميا للدولة. وقد أدى هذا إلى تطور في أسلوب الدراسات اللاهوتية، وقيامها على منهاج يقتنع به المثقفون من معتنقي الديانة الجديدة. وقام بهذه المهمة مجموعة من كبار العلماء ومفكري المسيحية الذين يطلق عليهم لقب آباء.
٢ - الآباء وتطوير المسيحية
كان هؤلاء الآباء على معرفة بالفلسفة الكلاسيكية، فأفادوا منها - ولا سيما من الآراء الأفلاطونية الجديدة - في تأييد آرائهم، والتدليل عليها، وتقديم العقائد المسيحية في صورة علمية يتقبلها المثقفون.
هذا إلى أن هؤلاء عملوا على التوفيق بين تعاليم المسيحية من جهة ومطالب الدولة والكنيسة من جهة أخرى، ومن هؤلاء الآباء وأهمهم:
стр. 146
١ - القديس كليمنت الاسكندري في القرن الثالث الميلادي.
٢ - القديس جيروم حوالي (٣٣٠ - ٤٢٠ م)
٣ - القديس أوريجانوس حوالي (١٨٥ - ٢٥٤ م)
٤ - القديس أمبروز حوالي (٣٤٠ - ٣٩٧ م)
٥ - القديس أوغسطينوس حوالي (٣٥٤ - ٤٣٠ م)
٣ - المجامع الكنسية
ترتب على الاعتراف بالمسيحية دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية نتائج بعيدة الأثر في الكنيسة ونظامها، وكان الجهاز الذي يحكم شئون المسيحيين روحيا يطلق عليه الكنيسة الكاثوليكية (وكلمة "كاثوليك" كلمة لاتينية، ترادف "كوزميك" اليونانية، ومعناها الكونية) ، وكانت الكنيسة في أيام قسطنطين كنيسة واحدة يتزعمها الإمبراطور قسطنطين، ثم بدأ هذا الجهاز يتألف من رجال الكهنوت فحسب، وكان صراع عنيف بين الأباطرة والباباوات حول الزعامة في العصور الوسطى.
وقد ظهر على رأي الكنيسة بعدئذ خمسة بطارقة في خمس مدن رئيسية وهي:
١ - روما في إيطاليا.
٢ - بيت المقدس في فلسطين.
٣ - أنطاقية في الشام.
٤ - القسطنطينية في آسيا الصغرى.
٥ - الإسكندرية في وادي النيل.
وهؤلاء البطارقة يمكن تشبيههم بكبار الرؤساء الإداريين في الإمبراطورية الرومانية "كالولاة".
وكان الجهاز الكنسي يتدرج من القمة إلى مستوى الشعب، بأن يتبع هؤلاء البطارقة مجموعة من رؤساء الأساقفة، وهؤلاء الرؤساء من الأساقفة يشبهون في نظامنا السياسي المحافظين، ويمتد نفوذ الواحد منهم إلى عدة أسقفيات، وهذه الأسقفيات تشمل الكنائس والأديرة والمدارس والأوقاف الخيرية.
стр. 147
وتشمل الأسقفية الواحدة عدة أبروشيات، على كل أبروشيه قسيس راع، ويتبع الأبروشية الواحدة القساوسة المعلمون والمبشرون والشمامسة، ثم ينتهي هذا الجهاز ببسط نفوذه إداريا وروحيا على الشعب.
وهكذا ظهر هرم كهنوتي متدرج يشبه إلى حد كبير هرم الوظائف الإدارية في الإمبراطورية الرومانية.
وهذا الجهاز جعل من الكنيسة حكومة ثيوقراطية وراثية، تستمد نفوذها من المسيح، فهي بذل تعتمد على العقيدة المسيحية في سلطانها وسيطرتها على الشعب، من الملوك المزارعين والعمال.
ونجم عن هذا الجهاز الدقيق وعن تشبث رجال الدين بمراكزهم أن كان هناك صراع من أجل النفوذ، دفعهم إلى العمل لاستبعاد كل الشخصيات التي يتوجسون منها خفية في إثارة مشاكل أو منافسة على سلطان الكنيسة.
ومع هذا التشبث الدنيوي تعرضوا لأخطر مشكلة نجم عنها انقسام المسيحيين - بل الإمبراطورية الرومانية أيضا - إلى معسكرين، وثارت البغضاء الدينية والسياسية بينهما لمدة قرنين من الزمان.
هذه المشكلة هي تحديد العلاقة بين المسيح الابن والإله الآب.
المشكلة التي تعرضت لها الكنيسة .
حدث خلاف جوهري بين اثنين من رجال الكنيسة بالإسكندرية حول تحديد العلاقة بين المسيح الابن والإله الآب.
فقال آريوس - وهو أسقف إسكندري - إن المنطق يحتم وجود الآب قبل الابن، ولما كان المسيح الابن مخلوقا للإله الآب، فهو إذن دونه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعادل الابن الإله الآب في المستوى والقدرة، وبعبارة أخرى فإن المسيح مخلوق لا إله، بمعنى هذه الكلمة المطلق وإلا فإن المسيحيين يصبحون متهمين بعدم التوحيد وبعبارة إلهين.
وقال أثناسيوس - وهو شماس إسكندري - (لاحظ أيها القارئ التدرج الهرمي في الوظائف الدينية) إن فكرة الثالوث المقدس تحتم أن يكون الابن مساويا للإله الآب تماما في كل شيء، بحكم أنهما من عنصر واحد بعينه، وإن كان شخصين متميزين.
стр. 148
ويبدو أن الأثناسيوسيين أدركوا أن المسيحية تعتمد في دعوتها على مكانة المسيح، وأن أي اتجاه للتقليل من شأنه قد يؤدي إلى إضعاف الدعوة المسيحية.
ومن الواضح أن المذهب الأريوسي كان يتفق مع منطق المثقفين لأنه أراد أن يقيم العقائد المسيحية على أساس من المنطق والتعقل، في حين كان المذهب الأثناسيوسي يلائم تفكير عامة الناس من الدهماء الذين يحكمون عواطفهم قبل عقولهم.
وحسما للموقف دعا الإمبراطور قسطنطين إلى عقد مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م وفيه صدر قرار بإدانة آريوس أسقف الإسكندرية. وتوالت بعدئذ الدعوة إلى عقد مجامع يحضرها أساقفة المعمورة ليتدارسوا فيها شئون الكنيسة، وما يرتبط بها من نظام كهنوتي، وعقيدة، ولاهوت.
أشهر المجامع الكنسية:
ومن أشهر وأهم هذه المجامع - بعد مجمع نيقية آنف الذكر - المجامع الآتية:
١ - مجمع صور سنة ٣٣٤ م:
في هذا المجمع الذي عقده الإمبراطور قسطنطين صدر قرار بإلغاء قرارات مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م، وصدر قرار بالعفو عن آريوس وأتباعه، وبقبول تعاليمه.
وكان هذا القرار تبرئة للمسيحية من الشرك:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
٢ - مجمع خلقدونيا سنة ٤٥١ م:
أصبح رابع مجمع مسكوني ديني بإغفال مجمع صور سنة ٣٣٤، وفيه اتخذ قرار بأن للمسيح طبيعتين: طبيعة إلهية، وطبيعة إنسانية، متحدتين اتحادا وثيقا، وكان هذا القرار في عهد البابا ليو الأول، ويعرف هذا المذهب بالمذهب الملكاني.
٣ - مجمع القسطنطينية الثاني سنة ٥٥٣ م:
стр. 149
في هذا المجمع استصدر قرار بتأييد مذهب الطبيعة الواحدة، وساند هذا التأييد الإمبراطور جستنيان، إرضاء لزوجته ثيودورا وتنكيلا بالبابا فجيليوس وتشجيعا ليعقوب براديوس معتنق مذهب الطبيعة الواحدة، ومؤسس كنيسة اليعاقبة، وقد جاء ذكرهم بكونهم جيراناً يقيمون على مشارف الجزيرة العربية.
٤ - مجمع القسطنطينية الثالث سنة ٨٦٠ م:
وقد اتخذ هذا المجمع قرارا بإدانة مذهب الطبيعة الواحدة، فكان هذا نقضا لقرار سنة ٥٥٣ م.
٥ - مجمع نيقية الثاني سنة ٧٨٧ م:
وقد اتخذ قرارا بإدانة اللا أيقونية.
٦ - مجمع القسطنطينية الرابع سنة ٨٦٩ م:
ويعتبر هذا المجمع نقطة الانقسام الكنسي، ففيه اتخذ قرار بإدانة البطريرك فسوتيوس وعزله. ومن هذا الوقت بدأ الانشقاق المذهبي بين الشرق والغرب وانتهى بالانقسام التام بين المسيحيين، إذ تكون على أثره كنيستان:
كنيسة شرقية: أطلق عليها أرثوذكسية. وتعني مستقيمة الرأي، وقاعدتها القسطنطينية.
وكنيسة غربية: بقيت على اسمها كاثوليكية وقاعدتها روما.
هذا بالإضافة إلى مجمع كونستانس سنة ١٤١٤ ونسة ١٤١٨م، ومجمع بازل سنة ١٤٣١م.
هذه المجامع دعا إليها رجال الإصلاح الكنسي، لما رأوا عليه الكنيسة الكاثوليكية من الانحراف عن الكتاب المقدس.
وكان لهذه المجامع القوة الفعالة في حركة لوثيروس في أكتوبر سنة ١٥١٧م، ولو ثيروس راهب كاثوليكي استنار بنود الكتاب المقدس، فتكشف له سوء حالة الكنيسة والإكليروس وانحرافهم عن الحق، فندد بصكوك الغفران، وكان من الجرأة إلى حد أنه عرض حياته للحرمان وغضبة البابا عليه، وعرض جسده للموت حرقاً، وكان
стр. 150
من الجرأة أن ألضق معلقته المشهورة والمشتملة على ٩٥ بنداً كلها تنديد بالكفر والضلال.
ولم يقف الباب نيو العاشر مكتوف اليدين، بل استصدر حكمين ضد هذا الراهب، الحكم الأول بالحرمان من الحياة الأبدية، والحكم الثاني بإعدامه حرقاً بالنار.
وفي وسط هذه الغضبة العارمة كان الشباب الألماني سباقاً إلى إنقاذ حياة هذا الراهب، والإيمان بمبادئه، والضرب بأحكام البابا ليو العاشر عرض الحائط، وكان هذا التصرف بمثابة التفجير الذري الذي أصاب الكنيسة الكاثوليكية بتصدع عنيف لم تسكت عليه مدى الأيام، فوقعت الحروب الدامية واضطهادات التي يندي لها جبين الإنسانية.
ومع هذا انسلخت كنيسة ثالثة أطلق عليها اسم الكنيسة البروتستانتية (أي المحتجة) ، وهكذا لم ينصرم عام ١٥٢١م حتى كان على الأرض ثلاث كنائس كبرى:
١ - الكنيسة الكاثوليكية، وقاعدتها روما.
٢ - الكنيسة الأرثوذكسية وقاعدتها القسطنطينية.
٣ - الكنيسة البروتستانتية، وقاعدتها ألمانيا، ثم انتقلت إلى انجلترا ثم إلى الولايات المتحدة.
ومع تعدد هذه الكنائس الكبرى كانت كل كنيسة منها تنقسم على نفسها إلى عدة مذاهب، وكل مذهب له تفكيره الخاص في الإيمان، وكل مذهب له أنصاره.
٤ - الفلاسفة وتطوير العقيدة
١ - كليمنت الإسكندري (١٥٠ - ٣١٥ م) وأرويجانوس (١٨٥ - ٢٥٤م) :
وقد تزعم هذان فلسفة مسيحية منظمة، مقرها الإسكندرية، واعتمدا في طريقتهما على أسس مستقاة من الفسلفة الأفلاطونية.
وقد قال فرفريوس (٢٣٢ - ٣٠٤م) عن أوريجانوس: إنه مسيحي في أسلوب حياته، ولكنه يوناني في تفكيره ومنطقه.
стр. 151
وقد عاش أوريجانوس في الإسكندرية إبان نهضتها العلمية، حيث كانت تتلافى فيها الفلسفة اليونانية، والمناوية، والفيثاغورية، والمسيحية، فضلاً عن عقائد قدماء المصريين، والمذاهب الشرقية المستوردة من الهند وفارس والصين.
وعلى الرغم من الاعتراف بأوريجانوس أباً من الآباء - إلا أن تشبعه بالفسفة اليونانية أدى إلى اتهامه بالهرطقة التي أدانه بها مجمع القسطنطينية في القرن السادس.
على أن تيار الأفلاطونية استمر في تدفقه وتأثيره في الفكر المسيحي في القرن الرابع، ولم يلبث أن انتقل إلى الغرب عن طريق جريجورى اسقف نيسا سنة ٤٠٠ م تقريباً، فالقديس أمبروز أسقف ميلان سنة ٣٩٧ م تقريباً.
٢ - ديونسيوس الأريوباغى:
ظهر في القرن الخامس الميلادي، وكان قاضياً بمحكمة أثينا العليا، وله التأثير الفعال في تدعيم الفكر المسيحي بالآراء الأفلاطونية.
ومن آثاره: "اللاهوت الصوفي" أي العلم بالهه وبكل الأمور الإلهية علماً ذوقياً تجريبياً.
٣ - القديس أوغسطينوس (٤٥٣ - ٤٣٠ م) :
ومن آثاره أنه وضح القضاء والقدر، ومذهب حريق الإنسان.
٤ - بيوتيوس (٤٥٣ - ٥٢٤ م) :
وهو من أرسرة رومانية شريفة، تدرج في منصب الوزارة لثيودريك ملك القوط الشرقيين في إيطاليا.
ومن آثاره الرسائل التي كتبها في اللاهوت، ولخص فيها المبادئ الثالوث، وتجسد الأقنوم الثاني، وتتفق مبادئه مع الخطوط العريضة لعلم الأخلاق الأفلاطوني.
٥ - الصليب
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
стр. 152
(أ) قصة الصليب وفلسفته:
هذه الشبهة لها ماض سحيق يعود إلى أيام سيدنا موسى بين بني إسرائيل في "برية سيناء إذا تمردوا على الله وتنكروا له، فعاقبهم الله بالحيات والعقارب. ولما صرخوا إلى موسى يطلبون الخلاص من هذه الضربات أمره الله بأن يصنع حية نحاسية، ويعلقها على طرف خشبة، ويأمر التائب من بني إسرائيل بأن يرفع وجهه لينظر إليها، فيشفى".
لكن الأجيال توارثتها كعقيدة بقوة الرغبة في الخلاص من هذه الحية النحاسية، وضاع الحق بالباطل.
وظل بنو إسرائيل يقيمون لهذا الحية الأنصاب على المرتفعات حتى جاء حزقيا بن آحاز ملك يهوذا، وأراد أن يعمل ما هو مستقيم أمام الله، "فأزال المرتفعات، وكسر التماثيل، وقطع الصواري، وسحق حية النحاس التي عملها موسى، لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها، ودعوها بحشتان".
هذا هو التاريخ الكتابي لإقامة الصليب بمثابة الأله، من موسى سنة ١٤٠٠ ق. م، إلى حزقيا سنة ٥٣٨ ق. م. وظلت هذه العبادة قائمة برغم أن الوصية الإلهية الثانية من الوصايا العشر تنهى عن هذا: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاًَ".
(ب) التاريخ السياسي للصليب:
يحدثنا عنه السير آرثر فندلاي في كتابه (الكون المنشور) صحيفة ٥٨: "إن اكتشاف النار كان من أهم الاكتشافات التي وصل إليها الإنسان الأول في سابق العصور. لقد وجد أنه يمكنه توليد هذه النار باحتكاك قطعتين من العصى، ولما شاهد هذا اللهب العجيب سحر به وبهت إلى درجة أنه عبده، ومن ثم كانت عبادة النار".
وإسرائيل الأمة الموحدة - وهي تعيش هؤلاء الأقوام - توارثت عنهم الكثير ...
стр. 153
ولقد جاء ذكر العصوين بمواصفات أوحى الله بها إلى عبده موسى بقوله: "وتصنع عصوين من خضب السنط وتغشيهما بنحاس. وتدخل عصوين في الحلقات. فتكون العصوان على جانبي المذبح حيثما يحمل".
فأصبح أمر العصوين إسرائيل مزيجاً من الأمر الإلهي والعبادة الوثنية، فالعبادة الوثنية جعلت لتقريب الإله - الذي - يتعبدون له - أن ترمز إليه بعصوين متعامدتين على شكل صليب.
وعلى هذا أصح الصليب رمزاً للحياة والتضحية منذ الآف السنين.
وهذا الرمز وجد منقوشاً على الألواح الحجرية الموضوعة فوق القبور البالغة القدم.
ولقد شغل الصليب مكانة دينية مرموقة في مصر وفي آشور، وفارس، والهند.
ويقال: إن الإمبراطور قسطنطين قد اتخذه رمزاً للإيمان المسيحي نقلاً من المحورين المتعامدين الشمسة التي كانت جيوشه قد جاءت بها من بلاد الغال رمزاً لعبادتهم الشمس.
وعلى هذا يكون الصليب رمزاً دينياً قديماً جداً. لا يمت إلى المسيحية بصلة.
ويقول السير آرثر فندلاى أيضاً في كتابه (صخرة الحق) صحيفة ٧٢: "حتى سنة ٦٨٠ م لم تكن الفكرة قد تبلورت حول الرمز الذي يعطى لصلب عيسى. وقبل ذلك كان يرمز للنخلص مذراً. فاستبدل بالحمل رجل مربوط إلى صليب، ومذرا هو المسيح المخلص للفرس سنة ٤٠٠ ق. م."....
ثم يستأنف السر آرثر فندلاى حديثه في صحيفة ٤٣ من المرجع نفسه فيقول: "ولقد استخدم الصليب منذ الآف السنين كعلامة على الحياة، ففي مصر القديمة الفرعونية كان الصليب يستخدم كمركز للحياة، حتى إنه وجد في مدينة الأقصر بمصر على جدار معبد الأقصر كتابة قديمة تبشر بالأم العذراء، والروح القدس المصري كان يرسم قابضاً على صليب أمام وجه الأم العذراء، والروح القدس المصري كان يرسم قابضاً على صليب أمام وجه الأم العذراء، وفي المنظر بعد ذلك يصورونها وقد وضعت طفلاً إلهاً. وفي اليونان كان الصليب يستخدم كرمز للحب والتضحية وكذلك الأمر في التبت والهند".
стр. 154
ويسترسل السير آرثر فندلاى في كتابه (الكون المنشور) صحيفة ٧٨ فيقول: "إن قصة الصليب قيلت قبل عيسى على الستة عشر إلهاً مخلصاً، وقصص حياتهم على الأرض من المهد إلى اللحد ثم البعث - كلها متشابهة، وكأن كل ديانة ترث من سابقتها".
ونتيجة لهذا نشأت فكرة الفداء، فأولئك الذين يعبدون الشمس كانوا يقدموت آلاف الضحايا للشمس، وكان هذا العدد يتضاعف عندما يحل الكسوف، إذ كانوا يعتقدون أن الإله الشمس غاضب، أو أنه غير راض عن عباده، وكانوا يعتقدون عندما ينتهي الكسوف أن السبب في انتهائه فداء أحد زعماء القبيلة للشعب، بتقديم نفسه ضحية، وبهذا يعتبر ذلك الزعيم مخلصهم ومسيحهم، ويعتبر شخصاً إلهاً، حمل على نفسه عذاب شعبه.
وعلى هذا المنوال أحاطت بالمسيح ﵇ مثل هذه الضلالات، إذ قيل: إنه قد حصل على الأرض ظلام، "ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة".
وبذلك كان موته - كما يحققه التلمود اليهودي - على الطريقة المنصوص عليها في التوراة، بحيث رجم بالأحجار، ثم علق جسده على شجرة. وأحيطت هذه الحادثة بخرافات ومعتقدات الأقدمين الذين أنشأوها رغبة في تهدئة إلههم الشمس في وقت الكسوف.
وليس هذا بعجيب، فإن كهنة الهند قالوا - في مطلع سنة ١٩٦٢ - إن القيامة لابد أن تقوم، وفسر علماء الفلك قولهم هذا بحقيقة وجود الشمس والقمر والأرض على خط واحد، ولولا عناية الله وحفظه لخلقه لحل الدمار بالعالم، باختلال الجاذبية التي تحفظ توازن كل كوكب من هذه الكواحكب في مساره، ومع هذا حفظ الله الأجرام في أفلاكها دون فقدان جاذبيتها التي تحفظ سابحة في أفلاكها.
وأصبح الصليب معبود الأقدمين رمزاً للمحورين المتعامدين للمجموعة الشمسية، وينبغي تقديم الفدية حتى لا يقع كسوف شمس كما أشرت آنفاً.
ثم أصبح الصليب في ٦٢٢م وفي عهد الإمبراطور هرقل رمزاً للجيوش الصليبية، وكان ذلك عند استيلاء الدولة الفارسية الساسانية على فلسطنين وبيت المقدس سنة
стр. 155
٦١٧ م، إذ أعد الإمبراطور هرقل جيشاً صليباً لاسترداد الصليب الأعظم من يد الدولة الساسانية الغاضبة.
ويبدو أن وجهة نظر الإمبراطور في تعبئة جيش صليبي كانت محاولة يائسة لرد هجوم الفرس الذين لم يبقوا له من أملاكه سوى القسطنطينية، وكانت هذه العلامة القوة الدافعة للنصر الرائع.
ثم قامت الجيوش الصليبية بتنظيم حملات صليبية ضد جيوش المسلمين من سنة ١٠٩٧ - ١٢٥٠ - هذه الحملات السبع التي انتهى أمرها بالنتصار صلاح الدين الأيوبي انتصاراً رائعاً سنة ١١٨٧، واستيلائه على بيت المقدس. وتطهيره من تلكم الجيوش الباغية وبأسر لويس لبتاسع ملك فرنسا بالمنصورة سنة ١٢٥٠م.
هذه هي قصة الصليب من حيث التاريخ الكتابي، ومن حيث التاريخ السياسي.
هذه هي قصة الصليب الذي أصبح عقيدة ورمزاً للمسيحيين.
هذه هي قصة الصليب الذي مجده بولس المدعو رسولاً، وجعله موضع كرازته وتبشيره بقوله: "لأني لم أعزم شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً".
١ - الشعب اليهودي يمجد مسيح الله:
إن الشعب اليهودي - وهو الشعب الموحد لله - يخشى الله ويخشى مسيح الله ويؤيد هذا الصراع المريع بين شاول الملك في مطاردته لداود النبي بغسة قتله والتخلص منه ويشاء الله القدير أن يقع شاول في قبضة داود الذي هرب إلى الجبال ليحتمي من سطوة الملك وبطشه. لقد وقع شاول الملك ثلاث مرات في قبضة داود، وفي كل مرة كان داود يصفح عنه.
قال أبيشاى لدواد: "قد حبس الله اليوم عدوك في يدك فدعني الآن أضربه بالرمح إلى الأرض دفعة واحدة ولا أثنى عليه، فقال داود لأبيشاي: لا تهلكه، فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرأ؟! وقال داود: حي هو الرب، إن الرب سوف يضربه، أو يأتي يومه فيموت، أو ينزل إلى الحرب ويهلك، حاشا لي من قبل الرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب. فقال شاول: قد أخطأت".
стр. 156
هذا التصرف من داود النبي، هو التصرف السليم الذي تتحقق به إرادة الله (العفو عند المقدرة) ، الذي يقهر الخصم فيجبره على الاعتراف بخطئه كما اعترف شازل الملك بقوله لداود ﵇: قد أخطأت.
وعلى هذا نتبين أن الرسالة واحدة، رسالة الله، وكلمة الله هي واحدة، والهدف واحد، وهو شارة إلى ملك الكون، الله ﷻ ، وإنما تختلف الطريقة وتتلون الحقيقة في أعين الناس على حسب اختلاف عقولهم وأزمانهم، وإذا كان عيسى أو موسى أو محمد - صلوات الله عليهم أجميعن - رسل الله يبشرون بالكلمة، فإن الله ﷻ من ورائهم جميعاً، وأنبياء الله كمثل الكهرباء التي تسرى في المصابيح الكهربائية، فتشع بالضياء، أو تسرى في المحركات الآلية، فتولد الحركة، هذه الكلمة لا يمكن أن تسير بدون أضوائه المتلألئة في كل سماء، وإن كانت تحجبها أحياناً سحب من صنع البشر.
٢ - الحواريون ينظرون إلى المسيح كابن لله فكيف يتخلى عنه الله ؟
لقد ذكر الحواري متى في إنجيله قصة التجلي للمسيح عيسى ابن مريم وهذا نصها للفائدة التاريخية: "وبعد ستة أيام يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه، وصعد بهم إلى جبل عال منفردين. وتغيرت هيئته قدامهم، وأضاء وجهه كالشمس. وصارت ثيابه كالنور. وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه.. وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم، وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي سررت له اسمعوا، ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جداً، فجاء يسوع ولمسهم وقال: قوموا ولا تخافوا، فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده".
والأمر إلى هذا الحد لا يعود أن يكون قصة جميلة، لكن الأمر الخطير في هذه القصة هو وصية المسيح لهؤلاء التلاميذ الثلاثة بقوله: "لا تعلموا أحدا بما رأيتم".
ولنقابل هذه الحادثة بأخرى مماثلة مع اختلاف الحالة العاطفية من المجد إلى الموت، ومن البهجة والسرور إلى الكآبة والحزن، وها هي ذى القصة الثانية وقد وردت في الأناجيل الثلاثة: إنجيل متى ٢٦: ٣٦ - ٤٦، وإنجيل مرقس ١٤: ٢٢ - ٤٢، ثم إنجيل لوقا ٢٢: ٣٩ - ٤٦.
стр. 157
والقصة كما وردت في إنجيل لوقا: "وخرج ومضى كالعادة إلى جبل الزيتون وتبعه تلاميذه أيضاً. ولما صار إلى المكان قال لهم صلوا لكيلا تدخلوا في تجربة، وانفصل عنهم نحو رمية حجر، وجثا على ركبتيه وصلى قائلاً: يا أبتاه، إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس، ولكن لتكن، لا إرادتي. بل إرادتك. وظهر له ملاك من السماء يقويه. وإذا كلن في جهاد كلن يصلي باشد لجاجة، وصار عرقة كقطرات دم نازلة على الأرض، ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه، فوجدهم نياما من الحزن، فقال لهم: لمذا أنتم نيام؟ قوموا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة".
٣ - التباس الحوادث مما ينفي حادث الصلب عن المسيح:
هذه هي القصة ومنها تستخلص كينونة المسيح عيسى بن مريم كإنسان بشر، يصلي في جهاد، فينزل ملاك من السماء ليقويه ويشد من أزره ثم يعود إلى تلاميذه، فيجدهم ساعة هذه التجربة العظمى نياماً.
ومن هنا حدث لبس في شخصية المصلوب.
١ - كان مع تلاميذ طاهرا يصلي، وأولئك كانوا في سبات عميق نائمين.
٢ - ويتقدم يهوذا الاسخريوطي الجمع الذي يريد القبض عليه وينطق المسيح بمثله المشهور: "أبقبله تسلم ابن الإنسان؟ " تقدم الجمع الذين جاءوا بمشاعل ومصابيح وسلاح، ومن هذا يتبين أن الوقت كان ليلا دامساً: "جاءوا بمشاعل ومصابيح".
٣ - وإذا كان الله قد وهبه ملكاً ليقويه في أثناء الصلاة أفما كان الأولى به أن يحقق قول المسيح: "لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا اسلم إلى اليهود، لكن الآن ليست مملكتي من هذا العالم".
بل أكثر من هذا يتبين - بقراءة النص الآتي من إنجيل متى - تلك الخدعة الكبرى لموضوع القيامة على أثر الخدعة الصغرى بالصليب، وهذا هو النص: "وفي الغد الذي بعد الاستعداد اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس قائلين: يا سيد، قد تذكرنا أن ذلك المضل قال - وهو حي - إني بعد ثلاثة ايام أقوم. فمر بضبط القبر
стр. 158
إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ليلا ويسرقوه ويقولوا للشعب: إنه قام من الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى. فقال لهم بيلاطس: عندكم حراس، اذهبوا واضبطوه كما تعلمون. فمضوا وضبطوا القبر بالحراس، وختموا الحجر".
هذه تالفقرة يتبين منها النية المبينة لرسول الله، حوله تلاميذ لا حول لهم ولا قوة. حوله تلاميذ تركوه عند المحنة، فهذا يهوذا يسلمه، وذاك بطرس ينكره، وبقية التلاميذ قد تخلوا عنه ساعة المحاكمة إن كان حقاً هو الذي حوكم. والحقيقة أنه لم يحاكم، ولم يصلب، ولم يرقد في قبر، ولم يقم من بين الأموات، إنما كانت الواقعة تدور في فلك يهوذا الذي أراد الله له تنكيلاً، جزاء خيانته ورفع نبيه إليه، وفي هذا قال برنابا الحواري:
"فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله، على أني كنت بريئاً في العالم أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب، لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله".
ثك نجد أن هيرودس الملك يأبى أن يقتل نبي الله بقوله: "ولما أراد أن يقتله خاف من الشعب، لأنه كان عندهم مثل نبي" وبيلاطس الوالي الروماني يتبرأ من هذا الذنب العظيم بقوله: "إني برئ من دم هذا البار، أبصروا أنتم".
١ - أهو الله؟ إن كان كإله خلص آخرين، أما كان الأولى به أن يخلص نفسه؟!
٢ - أهو نبي ومسيح الله؟ إن الشريعة الموسوية تحرم القتل إطلاقاً، وقتل الأنبياء، فكيف يستقيم هذا الادعاء مع كونه نبياً؟!
٣ - أهو إنسان مجرد من تأييد الروح القدس له؟ وهنا يجوز أن يقتل لو كانت هنا أسباب قانونية تدفع إلى القتل اقتصاصاً، والمسيح عيسى ابن مريم كان رسول الله ونبيه الممسوح بالروح القدس، الذي قال: "إن الله يقدر أن يرسل إليه جيشاً
стр. 159
من الملائكة لحمايته والله لن يتخلى عنه". وفي حادثتى التجلي وجثيسماني انفرد بتلاميذه على الجبل وتراءى له في الأول أنبياء الله "إيليا وموسى" وفي الثانية ملائكة الله، ولعله في حادث القبض عليه قد ظلله الله بسحابة، ورفعه إليه، ولم يبق إلا يهوذا الذي شاءت العناية الإلهية أن يكون بديلاً للمسيح للموت اللعين. والقرآن وحده يحسم الأمر من الصلب.
٤ - موقف القرآن الكريم من الصلب:
قال تعالى:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
أيها القارئ المسلم، يجب عليك أن تشكر الله بالغداة والعشي على ما وصلت إليه من هداية وتوفيق. وأنت أيها القارئ المسيحي لعلك اقتنعت بأنك تعيش في طلاسم، تشرك بربك، وتقيم من الإنسان نداً لله، وتجعل من هذا الإنسان كبشاًَ لترضية الله. خبرنيبربك، أي إله هذا الذي تعتقد أن له الملك والسلطان ترضيه هذه الذبائح؟ أيرضيه ذبح إنسان برئ؟ إنها المسيحية التي تطورت، وأخذت من الوثنية الإغريقية، والوثنية الفرعونية والوثنية الفارسية، والوثنية الهندية، إنها خليط من عقائج وثنية لحضارات أمم قد اندثرت.
وفي هذا الظلام الدامس - أيها المسيحي - يتألق القرآن الكريم، ليكشف لك عن الله . فهذا هو الله الذي يخبرنا عنه الرسول في كلمة الله، في القرآن الكريم:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
فإذا كان النصارى يعتبرون موت المسيح عيسى بن مريم لغفران الخطايا فهذا اعتبار فيه مساس بقدرة الله، وبذاته جل شأنه، وفي هذا شرك بالله وضلال مبين.
ويؤكد القرآن الكريم أن الله لا يعوزه للوسيلة لتحقيق غفران الخطايا:
стр. 160
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
وبهذا استطاع أن يبرأ من كل ضلالة وفرية.
فيا أخي المسلم، إن الإسلام دين المنطق والعقل. لم يجعل الإسلام وساطة بين الله والإسلام، ولم يترك مقادير الناس تحت رحمة نفر منهم يلوحون لهم بسلطان الكنيسة بقولهم: "وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله لى الأرض يكون محلولاً في السماء".
ومن هنا نشأ بالكنيسة سر يطلق عليه سر التوبة: ويشتمل على:
١ - التوبة. ٢ - الاعتراف. ٣ - التأديبات الكنسية.
٤ - صكوك الغفران. ٥ - المطهر.
وعلى سبيل المثال فإن نص عقيدة الإعتراف على ما يلي: "الإعتراف في اللغة هو الإقرار بالشيء والتصريح به علناً، وفي اصطلاح الكنيسة هو إقرار الخاطئ بخطاياه - رجلاً كان أم إمرأة - أمام كاهن الله، إقراراً مصحوباً بالندامة والتأسف، والعزم الثابت على ترك الخطية وعدم الرجوع إليها، لينال الحل منه بالسلطان المعطى له من الله القائل: "من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت".
٦ - براءة الإسلام من الشبهات
ويحسم القرآن الكريم هذه الفلسفات التي انبثقت منه هذه الشبهات الآتية:
١ - في قولهم المسيح عيسى ابن مريم هو جوهر الله:
هذه الشبهة لها صلة وثيقة بالفكر اليهودي عن الله كما يصوره العهد القديم بأن الله مماثل للحوادث في القول: "وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار"، "نزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل. ودعا الله موسى إلى رأس الجبل فصعد موسى"، "فوقف الشعب من بعيد وأما موسى
стр. 161
فاقترب إلى الضباب حيث كان الله"، "ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل لصاحبه"، "فنزل الرب في السحاب. فوقف عنده هناك ونادى باسم الرب".
ولعل الله قد بين الأمر لعباده بقوله:
﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
ومع هذا فإن موسى ﵇ أراد أن يرى الله وجهاً لوجه فما استطاع إلى ذلك سبيلاً كما قررته التوارة في القول: "فقال أرني مجدك. فقال أجيز كل قدرتي قدامك. وأنادي باسم الرب قدامك وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم. وقال لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش". ومع أن موسى لم يقدر أن يرى الله كما قرهه القول: "لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش، فإن أحد الحواريين تقدم إلى المسيح بقوله: "يا سيد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع: أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب؟! ".
ومن هنا تمخضت فكرة أن المسيح هو جوهر الله وإذا تأملنا فيما كتبه متى أحد الحواريين بقوله: "ولما دخل السفينة تبعه تلاميذ وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة وكان هو نائماً فتقدم تلاميذه قائلين يا سيد نجنا فإننا نهلك".
والقرآن وحده الفيصل. ففي قوله :
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
стр. 162
وفي هذه الشبهة يقول الله وقوله الحق:
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
وقوله:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
ومن عجب أن كبير الحواريين ينفي عن المسيح شبه كونه جوهر الله بقوله: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة. الذي جال يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه".
٢ - وفي وقولهم إن المسيح عيسى ابن مريم ابن الله:
وردت هيه الشبهة على لسان بطرس أحد الحواريين، وفيها انبثق التعلم الكنسي بحق منح الغفران أو حرمانه عن عباد الله للكنهة فحسب، ففي القول الوارد بلسان متى: "فأجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحي ... وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات. أما مرقص أحد التلاميذ السبعين فإنه يقرر هذه الحقيقة بلا شبهة فيها يقول بطرس: "فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح".
стр. 163
ثم يقف المسيح من هذه الشبهة بقوله قولاًَ يجعل من الابن شخصية تتميز في جوهرها عن الروح القدس بحيث يفهم الإنسان أنهما شخصيتان متباينتان في قوله: "ومل من قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له. وأما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له"، بل يؤكد المسيح هذه النظرية بقوله: "قال لها يسوع: لا تلمسني لأني لم اصعد إلى أبي. ولكن أذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني اصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم". لهذا المجاز لم يقصد منه أن المسيح ابن الله إطلاقاً. ومع هذا فالقرآن وحده الفيصل في هذه الشبهة بقوله تعالى:
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾
وقوله تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
ومع هذا فإن الشريعة الموسوية ثارمة، فهي تطبق تطبيقاً حرفياً بلا تأويل أو تخريج يخرجها عن حقيقة بغيتها. وفي نظر السريعة الموسوية الإنسان الذي يجعل من نفسه ابناً لله يكون مجدفاً وينطبق عليه حكم الرجم. ولهذا قال بيلاطس: "خذوه أنتم واصلبوه لأني لست أحد علة علية. أجابه اليهود: لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يمون لأنه جعل نفسه ابن الله".
ومع أن صرختهم كانت تدوي بإعدام شبيه المسيح، إلا أن الجريمة في حد ذاتها لم تكن لتثير بيلاطس الحاكم الروماني ليصدر أمره بإعدام شبيه المسيح. حتى تصايح اليهود قائلين: "إن أطلقت عذا فلست محباً لقيصر. كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر".
وهنا خشى بيلاطس على أمن الإمبراطورية الرومانية وتأكيداً لحكمه أن يكون صادراً على حيثيات لا علاقة لها بالشئون الدينية في كون المسيح ابن الله، حيث إن هذا الاعتبار من صميم حقوق الكهنة في تطبيق شريعة موسى وتنفيذ الإعدام بالرجم، بل حيثيات تعرض أمن الإمبراطورية للانهيار، فأراد أن يتأكد أن الشخص الذي سيصدر حكم
стр. 164
الصلب عليه علته هي كونه ملك إسرائيل إذ قال لهم: "هوذا ملككم. فصرخوا: خذه أصلبه، قال لهم بيلاطس: أأصلب ملككم؟ أجاب رؤساء الكهن ليس لنا ملك إلا قيصر، فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب.. وكتب بيلاطس عنواناً ووضعه على الصليب وكان مكتوباً يسوع الناصري ملك اليهود" فما رأي أهل الكتاب إذن؟ وفي هذا ينتفي القول بأن المسيح ابن الله، وما هو إلا إنسان وعبد الله.
٣ - وفي قولهم إن المسيح عيسى ابن مريم أقنوم من الأقانيم الثلاثة:
مع أن حادثة الصلب حقيقة تاريخية، ومع ان الذي صلب كما حققه برنابا أحد الحواريين شبيه المسيح وليس المسيح ذاته، فإن مؤامرة القبض على المسيح وهو نبي الله كما أقر عن نفسه بقوله: "ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته".
وما جبل عليه الاسرائيليون من مناوأتهم للأنبياء كما أقره وسجله عليهم بقوله: ويل لكم لأنكم تبنون قبور الأنبياء وآباؤكم قتلوهم: إذا تشهدون وترضون بأعمال آبائكم لأنهم هو قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم لذلك أيضاً قالت حكمة الله إني أرسل إليهم أنبياء ورسلاً فيقتلون منهم ويطردون لكي يطلب من هذا الجيل دم جكيع الأنبياء المهرق منذ إنشاء العالم. من دم هابيل إلى ذم زكريا الذي أهلك بين المذبح والبيت".
وقد سبق أن تحدث نبي العهد القديم إيليا عن شراسة إسرائيل وبغضهم للحق وسعيهم للباطل وقتلهم للأنبياء بقوله: "غرت غيرة للرب إله الجنود لأن نبي إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف فبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها".
وعلى هذا فقد رأى رئيس الكهنة "أن يموت واحد من الشعب ولا تهلك الأمة كلها". ومع هذا فإن المصلوب على الصليب قد صرخ صرخة داوية قائلاً: "إلهي إلهي لماذا تركتني"، ثم يستسلم المصلوب على الصليب بقوله: "يا أبتاه في
стр. 165
يديك أستودع روحي. لوما قال هذا أسلم الروح".
وعلى هذا القياس فهناك شخصيات متباينة كل التباين فكيف بهم يقسمون الواحد إلى ثلاثة ثم يجمعون الثلاثة في واحد؟! والقرآن وحده يفرق بين الباطل والحق بقوله تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
وقوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
стр. 166
الباب الثامن العالم قبل بزوغ الإسلام
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
سارت الكنيسة - منذ أن أصبحت هيئة رسمية - على نهج النظام الإداري الإمبراطوري، وتطلب هذا النهج قيام شخصية عظيمة على رأسها، تعادل في الزعامة والقوة ما للإمبراطور على الإمبراطورية الرومانية بأسرها. ولعلنا نلاحظ فارقا واضحا بين الشرق والغرب، ففي الشرق تزعم الأباطرة الكنيسة منذ عهد الإمبراطور قسطنطين حتى غدوا يمثلون القيصرية البابوية.
ومن الواضح أن الإمبراطور قسطنطين وضع أساس هذه السياسة عندما شد من أزر المسيحية، واعترف بها ديناً رسمياً للدولة، وشيد القسطنطينية قاعدة الإمبراطورية "قيصرية بابوية".
وكان للإمبراطور الحق في دعوة المجامع الدينية لبحث مختلف المشاكل المتعلقة بالكنيسة والعقيدة المسيحية.
أما في الغرب فإن الوضع يختلف عن ذلك كثيرا، لأن الإمبراطورية الغربية أصبحت - بعد تقسيم العالم الروماني شرقي أو بيزنطي، ورماني غربي - ضعيف، لا تستطيع أن تفرض سيطرتها على الكنيسة والدولة جميعا كما حدث في الشرق.
ولكنها سرعان ما وجدت ضالتها المنشودة في شخص أسقف روما الذي تحول كرسيه إلى بابوية لها السيادة العليا على الكنيسة في مختلف أنحاء العالم الغربي. وترجع أسباب
стр. 167
ازدهار روما إلى أهمية المدينة ذاتها، فاستغل أساقفة روما هذه الأهمية والمكانة، لتحقيق نوع من السمو والزعامة على باقي أسقفيات الغرب.
وكان التنافس على أشدة بين القسطنطينية وروما، فاستندت القسطنطينية على أنها قاعدة الإمبراطورية السياسية، ومقر إقامة الأباطرة. واعتمدت روما على تشريف خليفة المسيح عيسى بن مريم، وهو بطرس الحواري، ومكانة بطرس في الكنيسة مكانة الصخرة التي بها يدعم الإيمان المسيحي، لهذا قال عنه المسيح: "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي"، وبالإضافة إلى هذا خول له المسيح حق الحل والربط، إذ أعطاه مفاتيح ملكوت السموات. وفي إنجيل متى: "وأنا أقول لك أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أنت كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السماء".
وإذا كان هذا التشريف لبطرس زعيم الحواريين ومقدم الرطل - فإن خلفاءه أساقفة روما أحق الناس بأن يرثوا عنه زعامة العالم.
والواقع أننا لم نعرف من أساقفة روما في القرن الرابع وبعد عصر قسطنطين إلا نفرا ارتبطت أسماؤهم بحوادث جسام، ومن هؤلاء البابا داماسوس ٣٣٦ - ٣٨٤ م الذي كتب مؤلفا استعرض فيه مكانة كرسي روما الأسقفي، وأكد سيادة البابوية وسموها، كما أنه عهد إلى القديس جيروم بترجمة الإنجيل إلى اللاتينية.
أما خليفته البابا سيركيوس ٣٨٤ - ٣٩٩ م فترجع إليه أولى المراسيم البابوية من عهده، التي تناولت مسائل معروضة على أسقف روما للبت فيها.
وبعد ذلك اشتهر البابا ليو الأول ٤٤٠ - ٤٦١ م الذي تم في عهده الاعتراف بسيطرة البابوية على كافة الكنائس المحلية في الغرب.
وفي سنة ٤٥٥ م أصدر الإمبراطور فالنشيان الثالث إمبراطور الغرب مرسوما إمبراطوريا يقضي بخضوع جميع أساقفة الغرب للكرسي البابوي.
وهكذا ازدهرت البابوية حتى وصل نفوذها السياسي والديني إلى القمة في عهد البابا جريجوري الأول ٥٩٠ - ٦٠٤ م.
стр. 168
من هذا نجد أن الاعتراف بالمسيحية دينا رسميا للدولة استلزم قيام تنظيم جديد للعلاقة بين الكنيسة من جهة، والدولة المجتمع من جهة أخرى، ذلك أن الامبراطورية الرومانية كان لها دين رسمي وكهنة يتمتعون بمساندة الحكومة وتأييدها. ولكن رجال الدين في العصر الوثني لم يحاولوا التدخل في شئون السلطة الزمنية مطلقا، على عكس الكنيسة التي أخذت تكتسب شيئا فشيئا جديدة منافسة للسلطة العلمانية، مما أوجد نفورا بين السلطتين الزمنية والروحية.
ونلاحظ أيضا أن تدخل الكنيسة في شئون السلطة الزمنية يمتد ويشتد بقوة تبعا لازدياد ضعف الإمبراطورية الرومانية، الذي أدى في النهاية إلى بسط سلطان الكنيسة المطلق وإحلالها محل الأباطرة في تصريف شئون الدولة.
وهكذا أصبح الأساقفة يضطلعون بعبء التنظيم الإداري في أقليم الإمبراطورية الرومانية، فضلا عن قيامهم بمهام التنظيم الكنسي.
ولقد كانت هناك مساجلات بين الأباطرة والباباوات، نذكر منها مساجلة بين فردريك والبابا أدريان الرابع، إذ قال فردريك ردا على رسالة البابا: "إننا نتسلم الإمبراطورية من الله عن طريق انتهاب الأمراء، وإن شريعة الله تقتضي أن يكون حكم العالم بواسطة سيد الإمبراطورية والبابوية، كما قضت تعاليم القديس بطرس بأنه يجب على الناس أن يخافوا الله وأن يحترموا الملك، وعلى هذا يعتبر كل من يقول بأننا تسلمنا التاج الإمبراطوري إقطاعاً من البابا ملحداً باطل العقيدة، لأنه يخالف أوامر الله وتعالم القديس بطرس".
وبهذا استطاع فردريك أن يجعل من نفسه السيد العظيم خليفة قيصر بروسيا ١١٥٢ - ١١٩٠ م.
وقال جريجوري السابع - الذي تولى منصب البابوية سنة ١٠٧٣ م - بشأن الكرسي البابوي: "إن قوة الملوك مستمدة من كبرياء البشر، وقوة رجال الدين مستمدة من رحمة الله، إن البابا سيد الأباطرة، لأنه يستمد قداسته من تراث سلفه القديس بطرس".
على أن هناك مشكلة دينية كبرى ظهرت في ذلك العصر وامتد أثرها عدة قرون في تاريخ غرب أوروبا، فضلا عن شرفها، وهذه المشكلة قامت حول عبادة الصور
стр. 169
والأيقونات ومهما كان الامر فإنه يبدو أن عبادة الأيقونات انتشرت انتشاراً سريعا واسعا في القرن الثامن، مما نشأ عنه صراع مستمر بين الأباطرة والبابوية وتطلب من الإمبراطور الأيسوري ليو الثالث علاجا سريعا لهذه المشكلة، بل هناك رأي يقول: إن الإمبراطور ليو استغل هذه المشكلة للقضاء على نفوذ الأديرة اليونانية بعد أن تضخمت ثروتها، وتضاعفت ممتلكاتها المعفاة من الضرائب، وازدادت حقوقها وامتيازاتها ومسموحاتها، مما جعلها خطرا على الدولة.
والغريب أن إثارة الحرب على الأيقونية بدأت في الدولة الإسلامية عندما أمر الخليفة يزيد بن عبد الملك سنة ٧٢٣ بإزالة جميع الأيقونات من الكنائس الواقعة داخل حدود الدولة العربية، ثم انتقلت الفكرة بعد ذلك إلى الدولة البيزنطية، بدأ ليو الثالث حملة ضد الأيقونات وعبادتها سنة ٧٢٦. وهنا لا نستطيع أن نجد تفسيرا لقوة الحركة اللاأيقونية في الشرق وضعفها في الغرب إلا أثر العقيدة الإسلامية التي قاومت الأصنام وعبادتها، فضلا عن تأثير اليهود الذين حرموا عبادة الصور وتقديسها.
كان المرسوم الذي أصدره ليو الثالث سنة ٧٢٦ بتحريم عبادة الأيقونات حازما وشديداً، إذ قضى بإزالة جميع التماثيل والصور الدينية من الكنائس والأديرة، وبدأ المواطنون فعلا في إزالة الصليب الكبير المقام فوق بوابة القصر الإمراطوري في القسطنطينية، ولم تلبث هذه الأعمال أن استفزت رجال الكنيسة لا سيما في الغرب حيث وقف البابا جريجوري الثاني ثم البابا جريجوري الثالث موقفا عنيدا من سياسة الإمبراطور اللا أيقونية حتى أصدر البابا جريجوري الثالث قرارا بحرمان الإمبراطور من رعوية الكنيسة سنة ٧٣١ م.
ويهمنا في هذا المقام أن النزال اللا أيقوني كان له أثره الخطير في إيطاليا والبابوية وعلاقتهما بالدولة البيزنطية، ذلك أن أواسط إيطاليا وروما ورافنا وقفت جميعا إلى جانب البابوية في المعسكر الأيقوني، على حين كانت صقلية وجنوب إيطاليا في جانب
стр. 170
الإمبراطور اللا أيقوني.
وقد رد الإمبراطور ليو الثالث على قرار البابا بالحرمان من الكنيسة بأن حرم البابوية من حقوقها وأملاكها في صقلية وجنوب إيطاليا وفصل الكراسي الأسقفية في هذه الجهات عن سلطان البابا الديني والقضائي، وجعلها تحت نفوذ وسلطان بطريق القسطنطينية.
وهكذا جاء النزاع اللا أيقوني ليزيد من حدة الشقاق بين الكنيستين الشرقية والغربية، مما كان له أثر واضح في مستقبل الحوادث التاريخية.
ولقد خلف الإمبراطور ليو الثالث ابنه قسطنطين الخامس (٧٤١ - ٧٧٥ م) الذي وجد أن طريقة العنف وحدها غير كافية لتحقيق سياسته اللا أيقونية وأن كثيراً من الناس استمروا يباشرون عبادة الصور والأيقونات الدينية سرا، ولهذا لجأ إلى عقد مجمع ديني في القسطنطينية سنة ٧٥٣، ٧٥٤ م لتأييد سياسته العدائية للبابا وللأيقونية.
وكان أن قرر هذا المجمع تحريم تصوير المسيح بأي شكل من الأشكال لأن هذه الصور والتماثيل تعبر عن طبيعته الإنسانية والإلهية في طابع مجسد بشري، وبذلك تطمس صفته الإلهية. أما صور القديسين فقد حرم المجمع عبادتها هي الأخرى بدعوى أن هذه العبادة ضرب من الوثنية وعبادة البشر.
وهكذا اتخذ قسطنطين من قرارات مجمع القسطنطينية سلاحاً قوياً ساعده على التطرف في اضطهاد الأيقونيين والتنكيل بالديريين بوصفهم أشد أنصار الأيقونية، بل إنه عمد إلى هدم الحياة الديرية في بلاده بمختلف الطرق والوسائل وإن لم يتمكن من تحقيق هدفه.
على أن هذا المجمع لم يكن مسكونيا إلا من الناحية الاسمية فقط لأن البابوية ردت على الدعوة لحضور هذا المجمع بإنزال اللعنة على كل من يحضره. وامتنع عن حضور
стр. 171
بطاركة أنطاكية وبيت المقدس والإسكندرية - الذين كانوا في حماية المسلمين - وبذلك لم يحضر المجمع سوى ثلاثمائة وأربعين أسقفاً تقريباً برئاسة بطريرك القسطنطينية.
هذا هو الصراع بين الأباطرة والبابوية، يشتد بقوة نفوذ الأباطرة، ويضعف بضعف نفوذهم، حتى آلت القوة نهائيا إلى البابوية التي استطاعت أن تفرض سيطرتها على الشعوب في شئونهم الدينية والدنيوية.
ولعل أقوى دليل على هذا هو المجموعة التي تنسب إلى البابا جريجوري السابع ١٠٧٣ - ١٠٨٥ م وتعرف باسم الإدارة البابوية.
وأهم موادها:
١ - البابا وحده هو الذي يتمتع بسلطة عالية.
٢ - البابا وحده يمتلك سلطة تعيين الأساقفة أو عزلهم.
٣ - جميع الأمراء العلمانيين يجب أن يقبلوا قدم الباب وحده.
٤ - للبابا وحده الحق في عزل الأباطرة.
٥ - لا يجوز عقد أي مجمع ديني عام إلا بأمر البابا.
٦ - ليس لأي فرد أن يلغي قرارا بابويا، ومن حق البابا وحده أن يلغي قرارات سائر الناس.
٧ - لا يسأل البابا عما يفعل، ولا يحاكم على تصرفاته.
٨ - للبابا وحده أن يجيز لرعايا أي حاكم علماني التحلل من العهود وإيمان الولاء التي أقسموها لحكامهم.
وهكذا كان الصراع بين الأباطرة والبابوية صراعاً مريراً على حساب الكنيسة وحدها.
стр. 172
وهكذا أيضا يبدو من هذه الإدارة البابوية أن البابوية آمنت إيمانا قويا بأن البابا له السلطة في حكم المجتمع المسيحي، وأنه يعزل الملوك والأباطرة بوصفه نائبا عن القديس بطرس.
ولهذا وجه جريجوري السابع مجمع روما الديني المنعقد سنة ١٠٧٥ م نحو اتخاذ قرار حاسم بشأن التقليد العلماني هذا نصه:
"أي فرد من الآن فصاعدا يتقلد مهام وظيفته الدينية من أحد الحكام العلمانيين يعتبر مطروداً من هذه الوظيفة ومحروماً من الكنيسة، ومن رعاية القديس بطرس، وإذا جرؤ إمبراطور أو ملك أو دوق أو كونت أو أي شخص علماني على تقليد أحد رجال الدين مهام وظيفته الدينية فإنه يحرم من الكنيسة فوراً".
هذه هي المسيحية وتدخلها في الشئون السياسية بالإضافة إلى نفوذها البعيد المدى في الأمور الكنسية والنظم الكنسية التي تمخضت عن الأسرار السبعة التي يدين لها بالولاء والخضوع كل مسيحي. وهذه الأسرار - من قبيل العلم بالأمر - هي:
١ - سر المعمودية (التنصير) ٢ - سر الميرون (المسحة المقدسة)
٣ - سر الأفخارستيا (العشاء الرباني) .
٤ - سر التوبة (الإعتراف) ٥ - سر مسحة المرضى.
٦ - سر الزيجة. ٧ - سر الكهنوت.
واعتبرت الكنيسة التقليدية (الكاثوليك والارثوذكس) منذ بداءتها هذه الأسرار السبعة. ولم يستبعدها، وينكرها سوى البروتستانت الذين انشقوا على الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، ولم يحصل بينهم اتفاق على عدد الأسرار، وارتأى أتباع الكنيسة البروتستانتية أنه لا يوجد إلا سران فقط وهما المعمودية والعشار الرباني، وحجتهم في ذلك أن الكتاب المقدس لم يذكر أن الأسرار الكنسية سبعة إطلاقا.
ولسنا في صدد تفنيده عقيدة، بل بصدد مجرد التمثيل للوقوف على شيء من التعاليم الكنسية التي تقدس كتقديس كلمة الكتاب المقدس.
وامتد النفوذ المسيحي وهيمن على أمور أخرى منها العلم، مما أدى إلى تحديد مجال الدراسات العلمية، لأن العقيدة المسيحية - كما قال المعاصرون - تقوم على أساس الإيمان، في حين يعتمد العلم على العقل والمنطق.
стр. 173
ويكفي أن يطلع المرء على كتابات مفكري العصور الوسطى مثل القديس أوغسطينوس ليدرك مدى التأخر العلمي الذي كانت عليه بلاد الغرب المسيحية.
هذا إلى أن إصرار الكنيسة على توجيه الناس إلى الحياة الباطنية "الجوانية" أعمى أنظار المعاصرين عن العالم الطبيعي المحيط بهم، فالقديس أوغسطينوس سنة ٣٥٤ - ٤٣٠ م يبدي دهشته من أن الناس يذهبون بتفكيرهم بعيدا إلى التأمل في ارتفاع الجبال، أو دراسة مدارات الفلك والكواكب، ويهملون التأمل في أنفسهم، بل إن القديس أوغسطينوس نفسه يهزأ من فكرة كون الأرض كروية، تلك النظرية التي عرفها اليونان قبل ذلك بقرون، ويصرح بأن فكرة نصف الكرة الشمالي يقابله نصف الكرة الجنوبي، وأن عليهما مخلوقات خلقها القدير لتدب عليهما - إنما هي فكرة باطلة هرطقية.
وإلى جانب هذا النحطاط في التفكسر العلمي انتشرت الاعتقاد بالخرافات والمعجزات بين أهالي أوروبا الوسطى حتى قضت هذه الشعوذة والأباطيل على البقية من المعرفة العلمية.
ويقول إميل لودفيج: "انتشرت الرهبانية ووجدت بيئة خصبة في مصر، والواقع أن الألوف من أولئك المصريين كانوا من الفلاحين، وليس من المحتمل أن ينتحل الرهبانية ملايين الفلاحين مع استمرارهم على زرع حقول أجدادهم، وقد عانى الفلاحون طائفة من المكاره مدة ثلاثة آلاف سنة من عهد الفراعنة، ومدة سبعمائة سنة من السلطان الأجنبي، وللمرة الأولى يقول أناس من أقوياء الإيمان للعبيد المضطهدين على ضفاف النيل ما ليس لديهم عنه فكر منهم، يقولون لهم إن الإنسان في الحياة الآخرة يحاكم على مقياس آخر فتتوقف سلامته على طهارة قلبه، لا على أبهة ضريحه".
"وتعلن هذه البشرى السارة بلغة الفلاح لأول مرة، وكان الفلاح كارهاً لإغريقية أفلاطون (أنصار الأفلاطونية الجديدة) وللاتينية عباد جوبيتر كابيتو لينوس ...
"ويظهر كهنة إيزيس عزلا، ويمكن الفقراء أن يشعوا ثورة كالتي وقعت منذ ثلاثة آلاف سنة، ويتصرفون في الأمر ببراعة فيوجهون الجموع ضد الأجنبي، ويعد الأغارقة والرومان من عبدة الأصناف للمرة الأولى لا من قبل النصارى، بل من قبل أتباع الدور القديم بمصر.
стр. 174
"وظاهرة ما بعد ذلك الحين هي اختلاط الأديان، لا اختلاط الشعوب واللغات وحده، واذهب إلى جزيرة بلاق الصغيرة التي يطاف حولها في نصف ساعة، تر أنه كان يقام في وقت واحد من كل يوم بشعائر يسوع وإيزيس، وينقلب معبد الملكة حتشبسوت المأتمى إلى مصح يوناني ثم إلى دير نصراني، واذهب إلى شوطئ بحيرة مريوط تر زمرة يهودية كانت تحتفل في كل خمسين يوما بعيد مشتق من أسطورة للإسكندر حولتها البدهية (البوذية) ، واذهب إلى معبد الكرنك تر أنه استعمل كنيسة، ويجعل النصارى الجدد بأدفو القديس أبولون من خليفة هوروس....
"ويستمع الفلاح المصري إلى هؤلاء الرهبان الذين كانوا يقولون إن يسوع الإله ذا الهالة ليس غير أوزيوس المحول ...
"ويعترف بالنصرانية في القرن الرابع فيفوق نصارى مصر مضطهديهم عنفا، ويظهر من هؤلاء النصارى أناس بلغوا من التعصب ما يهدمون به المعابد والكتابات والتماثيل والصور الجدارية التي لم يمسها أي شعب أجنبي في ألوف السنين، ويقتل من يزعم أنهم وثنيون بالمئات، وتقطع تلميذة أفلاطون الحسناء ومعلمة علم الفلك في الجامعة، هيباته، إربا وتحرق كصنيعة للشيطان، ولما نهب معبد السرابيوم من غير أن تنزل صاعقة على الهدامين، كان ذلك خلفة لأحد وجوه العالم القديم".
ومما زاد الامر سوءاً أن أوروبا في العصور الوسطى - وهي تعيش في ظلمات بعضها فوق بعض - تورث العالم المخطوطات القديمة، ومنها النسخ القديمة للكتاب المقدس، هذه الثروة الهائلة ورثها العالم من تلكم الأجيال التي تفشي فيها الجهل، ورداءة الخط وانحطاط اللغة. والإيمان بالخرافات والمعجزات.
فكيف للجيل الذي بلغ في مدى تفكيره الحر الطليق أن يصل إلى التفكير في الدوران حول الأرض، وإصابة العدو عي مئات الأميال من قاعدة الصواريخ دون أن تتحرك قوة للدولة المحاربة وأخيراً إلى القمر..
كيف لهذا الجيل أن يتقبل مثل هذه المخطوطات، ويستند إليها. ويعتمد على صحتها؟! إنني أرى المنطق يقول: كيف نؤمن بتراث موروث من عهد تفشي فيه الجهل، ورداءة الخط وانحطاط اللغة وهيمنة الكنيسة على الشئون الزمنية والدينية، وتفشي المعتقدات الباطلة، مثل صكوك الغفران، والمطهر، وغير ذلك مما ندد به
стр. 175
لوثيروس الراهب الألماني زعيم الإصلاح ومؤسس الكنيسة البروتستانتية في القرن السادس عشر؟
وقد كان من نتيجة هذا كله ذلك الفساد الذي استشرى، وعم ربوع الإمبراطورية الرومانية التي تعرضت بسببه للغزو الأجنبي.
ولذلك تعرضت الإمبراطورية البيزنطية في عقد هرقل لغزو الفرس، ففي سنة ٦١٤ م اجتاح الفرس بلاد الشام واستولوا على أورشليم (بيت المقدس) ، وفي سنة ٦١٦م استولوا على مصر.
ولم يشأ هرقل أن يستسلم لهذه الحروب من الجهتين: الشرقية (بلاد فارس) ، والغربية (الآفار) ، فاخذ يعد جيوشه لمحاربة الفرس، وأخذت الحملة التي أعدها بنفسه طابعا دينياً لاسترداد الصليب الأعظم، وبهذا الطابع الديني تجهزت الحملة التي مكنت هرقل من توجيه ضربه قاصمة إلى الفرس. فقدم سنة ٦٢٦ م عبر سهول دجلة والفرات نحو قلب الإمبراطورية الفارسية حيث أنزل بكسرى الثاني (٥٩٠ - ٦٢٨ م) هزينة ساحقة في ديسمبر سنة ٦٢٧ م قرب أطلال نينوى، وعندما فر كسرى الثاني من ميدان المعركة لحق به هرقل إلى المدائن عاصمة الفرس، مما أدى إلى قيام ثورة داخلية أطاحت بكسرى الثاني، وجعلت خليفته يعقد صلحاً مع الإمبراطور البيزنطي على العودة إلى الحدود التي كانا عليها من قبل سنة ٦١٤ م.
على أن أحوال الدولة الفارسية لم تستقر بعد ذلك، إذ تكاثرت الثورات والانقلابات الداخلية تعاقب على عرش فارس - في فترة تسع سنوات تالية - أربعة عشر حاكماً، مما مزق أوصال الدولة الفارسية وجعلها مسرحاً للفتن والقلاقل الداخلية.
وفي ذلك الوقت تعرضت الدولة الفارسية لغزو من نوع جديد، هو غزو لسحق الوثنية في موطنها.
عن ابن عباس ﵁: "أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين. فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: "فدعا عليهم رسول الله ﵊ أن يمزقوا كل ممزق" رواه البخاري ص٦ جـ٦.
стр. 176
ذلك النوع الجديد من الغزو هو انسياب الجيوش العربية مؤمنة بربها، ورسوله الكريم وبكتبه وملائكته وبرسله وباليوم الآخر، حتى أنهم الله عليها بنصر رائع في موقعة نهاوند سنة ٦٤١ م، وبذلك دالت دولة الفرس لتصبح جزءا من الوطن الإسلامي العربي الكبير.
* * *
стр. 177
الباب التاسع (أ) العالم في فجر الإسلام
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
علمنا فيما سبق أن دولتي الفرس والروم كانتا في شغل شاغل بالنزاع والحروب المستمرة فيما بينهما، مما صرفهما عن الاهتمام بما يجري في شبه الجزيرة العربية من مولد الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ سنة ٥٧٠ م تقريبا، والحدث التاريخي للهجرة النبوية الشريفة سنة ٦٢٢ م تقريباً، ثم ما تبع ذلك من إنهاء حالة الفوضى والتفكك السياسي والنزاع القبلي التي عاش فيها العرب قرونا طويلة، فقد أدى انتصار الإسلام إلى جعل العرب أمة، واحدة متساندة متماسكة، تخضع لحكومة واحدة تدين بدين واحد، شعاره: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
على أن رسالة الإسلام لم يقصد بها العرب وحدهم، بل العالم أجمع. ومن ثم أصبحت مهمة الرسول بعد أن تم له توطيد دعائم الإسلام في بلاد العرب أن يدعو الأمم المجاورة لاعتناق الإسلام قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
وقال تعالى:
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
وفي الحديث الشريف: "وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة. وبهذا يتضح الفارق بينه وبين الأنبياء قبله".
стр. 178
وقد كتب الرسول كتباً إلى الأباطرة والملوك حوله، يدعوهم إلى الإسلام دين الوحدانية. ومن كتبه كتاب رفعه إلى المقوقس حاكم مصر هذا نصه:
"من محمد بن عبد الله، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم القبط".
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
وقرأ المقوقس الكتاب، ثم طواه في عناية وتوقير، ووضعه في حق من عاج، ودفعه إلى واحدة من جواريه. والتفت بعد ذلك إلى حاطب ابن أبي بلعته يسأله أن يحدثه عن النبي، ويصفه له. فلما فعل فكر المقوقس مليا، ثم قال لحاطب: "قد كنت أعلم أن نبيا قد بقى أظن أنه يخرج من أرض العرب، ولكن القبط لا تطاوعني، وأنا أضن بملكي أن أفارقه".
وقد كان من حب الرسول لمصر ولأقباط مصر ما دفعه أن يوصي بهم خيرا بقوله: "استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحما". صدق رسول الله الكريم.
ويبدو أن بعض الرسل الذين أوفدهم النبي إلى ملوك الدول المجاورة وحكامها قد صادفوا إعراضاً بل امتهاناً، مما جعل النبي الكريم يعد العدة، ويأتمر بأمره تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ .
وجاهد الصحابة في سبيل الله جهاد حق وصدق، ونظمت الجيوش العربية دفاعا عن كيانها وكرامة دينها ومبادئها، وشعارها في كل هذا:
"لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ .
стр. 179
وزحفت الجيوش العربية عقب سنة ٦٣٢ م تنقض على الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، في عهد الإمبراطور هرقل وعلى الدولة الفارسية الساسانية في عهد ملوكها الذين يتعاقبون واحداً تلو الآخر، فتسحق الدولتين، وتتحقق نبوءة الملك نبوخذ نصر في الحلم الذي رآه وفسره له النبي دانيال، وهذا هو تفسير الحلم: "كنت تنظر وإذا بحجر يقطع من جبل بلا يدين هذا الحجر يسحق التمثال كعصافة تذروها الرياح". هذا الحجر هو الأمة العربية في شخص الرسول الكريم، سحق حضارات الأمم السابقة، ومنها الإمبراطورية الرومانية والدولة الفارسية الساسانية وأصبح الإسلام كالجبل وعلمه "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وليس العجيب في أمر الغزوات العربية الدفاعية ضد اعتداء الدول المعادية - أن العرب اجترءوا على مهاجمة الفرس والروم وهما أكبر إمبراطوريتين عرفهما العالم بل التاريخ منذ فجر المسيحية حتى القرن السابع المسيحي - ليس العجيب هذا، بل العجيب في الأمر أن العرب غزوا فارس في نفس الوقت الذي غزوا فيه إمبراطورية الروم، وأحرزوا انتصاراتهم الضخمة الرائعة على الدولتين في وقت واحد، إذ تحركت الجيوش الإسلامية في صحراء فلسطين سنة ٦٢٩ م على أثر انتهاء المعارك المريرة بين الإمبراطوريتين: الرومانية والفارسية، وكأن الله قد أراد للأرض خيرا بانتصار المسلمين إذ خذل به الباطل والبطش والغرور بعد أن مهد لذلك بما كانت تعانيه الإمبراطورية الرومانية من غزوات البرابرة المهاجمين لأراضيها في البلقان، وحركات انفصالية أخذت تقوى عند أقباط مصر، الآراميين في سوريا، والأرمن عند أطراف آسيا الصغرى، مما هدد كيانها ووحدتها تهديدا خطيرا.
وفي خلافة أبي بكر الصديق أمر بتسيير جيشين: أحدهما لغزو الروم، والثاني لغزو الفرس سنة ٦٣٣ م. وهكذا أخذت الجيوش العربية - بقيادة أبي عبيدة الجراح - تعمل في الشام ضد الروم، في حين كان الجيش الثاني بقيادة خالد بن الوليد يعمل في العراق ضد الفرس.
وقد حاول الإمبراطور هرقل إرسال قوة ضاربة بقيادة أخيه تيودور لإنقاذ الموقف في فلسطين، ولكن القائد العربي المغوار خالد بن الوليد أتى مسرعا من العراق لنجدة إخوانه بالشام، وبذلك أمكن إنزال هزيمة ساحقة بالقوات البيزنطية في موقعة أجنادين سنة ٦٣٤ م.
стр. 180
وعندما توفى الخليفة أبو بكر الصديق خلفه عمر بن الخطاب ٦٣٤ - ٦٤٤ م. الذي اتسعت في عهده فتوحات الإسلام، فاستولى المسلمون على دمشق سنة ٦٣٥ م، ثم على حمص بعد قليل، وعندئذ سار الإمبراطور هرقل، وحشد جيشاً من ثمانين ألفاً من رجاله لقتال العرب، ولكن خالد بن الوليد أنزل بالجيوش البيزنطية عند اليرموك سنة ٦٣٦ م هزيمة جديدة ساحقة.
ولما أدرك هرقل أنه من الصعب محاربة المسلمين ترك بيت المقدس تقع في أيدي المسلمين سنة ٦٣٧ - ٦٣٨ م.
ولم تكن انتصارات العرب على الفرس أقل سرعة من النتصاراتهم على الروم، ففي سنة ٦٣٧ م كان العرب قد فتحوا العراق، وفي سنة ٦٤١ م أحرزوا انتصاراً ساحقاً في نهاوند، مما فتح الطريق أمامهم إلى قلب بلاد الفرس.
ولم تجد مقاومة الفرس العنيفة في وجه العرب الذين تم لهم القضاء على يزدجرد الثالث أخر ملوك بني ساسان سنة ٦٥٢ م.
وبذلك اختفت الملكية الفارسية من الوجود وتم للعرب فتح فارس كلها.
وكان العرب من قوة الاستبسال والإيمان في الجهاد في سبيل الله في مستوى رفيع استطاعوا به فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص سنة ٦٤١ م، أي قبل أن ينتهوا من فتح فارس، ويعتبر فتح مصر بالذات مثلا واضحا على مدى ضعف الدولة الرومانية البيزانطية وانحلالها سياسيا.
ولعل ما عرف عن المسلمين من تسامح مع الشعوب المقهورة جعل تلك الشعوب تدرك أن خلاصها من الاضطهاد العنصري والديني الذي تلاقيه على أيدي البيزنطيين لن يكون إلا على أيدي هذه القوة الجديدة التي بدأت تتوغل في الإمبراطورية الرومانية المتداعية، وأخذ شعب مصر يترقب زحفها إلى مصر، ويتمنى مجيئها.
ويؤرخ (إميل لودفيج) انهيار الدولة الرومانية في مصر بقوله: "لم يستطع جوستينيان أن يشمل النيل بعدله، ولم يأل جوستينيان جهداً في نصر النصرانية فحمل البدويين والبليمي، وزنوج جوار دنقلة أيضا على العماد وكان هذا قبل ولادة
следующие страницы →