← Общие книги

Общие книги · id 1074

محمد في التوراة والإنجيل والقرآن

إبراهيم خليل أحمد

Полный текст (206 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن المؤلف: الشيخ / إبراهيم خليل أحمد (من كبار علماء النصارى مَنَّ الله عليه بالإسلام) الناشر: دار المنار - ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م عدد الأجزاء: ١ تنبيه: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

تقديم للمؤلف الحمد لله الذي هداني للإسلام ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، والصلاة والصلام على سدينا محمد وعلى آل بيته أجمعين ... أما بعد: فقد نشأت نشأة دينية، وكان طبيعياً أن خصصت حياتي وجهادي ومالي في سبيل الله مخلصاً متفانياً ابتغاء مرضاته. والله قد خلق الإنسان وفضله على سائر خلقه بما حباه وكمله بنعمة العقل والقدرة على التعقل والإدراك، وكان لهذا حقاً لله سبحانه أن يخاطب الإنسان على ما يفعله إن كان خيراً فخير، وإن شراًَ فشر. والله تمكيناً للإنسان من العزة وبالعقل لم يفرض كيانه فرضاً سواء أرضى أو لم يرض، بل توخى هبته للإنسان من العقل، ومن العقل أراد أن يدخل إلى قلب الإنسان بالإيمان، لهذا قيل في الإنجيل للباحثين عن الحق: "وتعرفون الحق والحق يحرركم". وفي هذا المعنى يقول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" [رواه أحمد وابو داود والترمذي] ويقول تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ بَلْ يتجه الله جل شلأنه إلى أُلئك الذين لم ينهموا بنعمة البصر فيستلهمهم البصيرة بقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ . وهكذا يهدي الله الإنسان إلى الطاقات العظمى لنعمة العقل لتكون أساس الإيمان. والتاريخ شاهد صدق كل رجال من كبار اللهوتيين الذين نشدوا الحق واستبسلوا له، فهذا آريوس في القرن الثالث الميلادي الذي استبسل لعقيدته عن المسيح ﵇ بما يتقارب مع عقيدة المسلم عنه. وذاك لوثيروس الذي نادى بالإصلاح الديني وحمل لواء الإصلاح في عزم وتصميم

стр. 3

ونادى بأن الله وحده هو الغفور الرحيم وأن البشر جميعهم سواسية أمامه لا فضل لكاهن على مواطن بالتقوى. وفي هذا يقول نبي الله داود ﵇: "باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته، الذي يغفر جميع ذنوبك، الذي يشفي كل أمراضك" بل يؤكد أن الغفران لله جل شأنه وحده فيقول: " عند كثرة همومي في داخلي تغرياتك تلذذ نفسي". وبهذا يخلص إلى الحقيقة التي يؤمن بها المسلم والتي يوضحها قول داود ﵇: "كنت تراقب الآثام يارب يا سيد فمن يقف. لأنه عندك المغفرة لكي يخاف منك". إذن الطريق إلى الله واضح العالم، والوصول إليه رائده المنطق والعقل، والرسالات السماوية جميعها تناشد الإنسانية ما قاله المسيح ﵇: "الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" وفي هذا المعنى يقول : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والذي حفزني إلى البحث بغية النفع العام هو ما تنبأ به المسيح ﵇ عن الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ بقوله: "الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" ومن دواعي الاطمئنان واليقين، أن هذا السند يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقوله تعالى: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ من هنا بدأت في اطمئنان ويقين تام أبحث عن هذا الرسول النبي الأمي الذي تنبأ عنه المسيح ﵇ وأشار إليه بقوله، "المسيا المنتظر"

стр. 4

ومن هنا بدأت أربط بين رأي آريوس في القرن الثالث الميلادي، وآراء لوثيروس في القرون الوسطى، والنبوءات العديدة في التوراة والإنجيل، والأنبياء والمزامير عن الرسول المصطفى حتى مكنني الله من إخراج هذا المؤلف الطيب لأمة خيرة. وكان ما استرعى نظري عن الإعداد لهذا البحث العناصر الآتية: ١ - الوحدانية. ٢ - الغفران. ٣ - المبادئ وتقويمها بالأشخاص. ٤ - الرسالات السماوية. ١ - الوحدانية. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وأخذت أتامل الوحدانية في القرآن الكريم، الأمر الذي يستطيع العالم وغير العالم فهمه واستيعابه وإدراكه والإيمان بما يتضمنه من المعاني، من غير إجهاد الفكر، أو عناء الدرس والتحصيل. وقارنتها بالوحدانية التر وردت في إنجيل متى في الباب الأول والعدد الأخير: الآب والابن والروح القدس "إله واحد آمين" وعند دراستي النص الأصلي علمت أن هذه العبارة لم ترد في الأصل اليوناني. هذا بالإضافة إلى بلبلة أفكار عامة الناس وحيرة جهابذة العلماء في الدفاع عن هذه العقيدة السقيمة التي كشف التاريخ عنها القناع. وأكد العلامة جارسلاف كرينى أستاذ الحفريات من جامعة أكسفورد في كتابه "ديانة قدماء المصريين" أن عقيدة التثليث مستمدة من الوثنية الفرعونية. ٢ - الغفران: قرأت بتأمل وتقكر قوله تعالى:

стр. 5

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقارنت بين هذه الآية وما ورد في الإنجيل عن الغفران: "بدون سفط دم لا تحصل مغفرة"، وبالقول: "هكذا أحب الله حتى بذل ابنه الحبيب لكيلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية". قارنت بين العقيدتين: الأولى: أن رحمة الله ومغفرته تكون لعباده دون قيد أو شرط مادي. الثانية: أنها مقيدة بقيود من جانب الله ببذل ابنه الحبيب حسبما يعتقدون، ومن جانب المرء بضرورة الإيمان بهذا الابن. ومن هذه العقيدة نشأت فريضة كنسية تعرف بسر الأفخار ستبا، أو سر الشكر، وفيخا يؤمن المسيحي باستحالة الخبز إلى جسد المسيح، واستحالة الخمر إلى دم المسيح حقيقة، وبتناولهما تصير في حياة أبدية. ومن هذه العقيدة نشأت صكوك الغفران، وما أدراك ما صكوك الغفران! إنها بدعة وخروج عن الحق الإلهي، وكم ندد بها زعماء الإصلاح في القرن الخامس عشر وعلى رأسهم لوثيروس الألماني ثك زوينجلي ثم كلفن وغيرهم. فحمدت الله على رحمته الواسعة ومغفرته اليقينة بدون قيد ولا شرط مادي، بل بتوبة صادقة وعزم على الحياة الطاهرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [صدق الله العظيم] ٣ - المبادئ وتقويمها بالأشخاص: قرأت قول الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وقرأت ما جاء بالإنجيل: "إذن لسنا أولاد جارية، بل أولاد حرة". وزال عني العجب للتفرقة العنصرية عند الأمرييكن في أيامنا هذه بين البيض

стр. 6

والسود، وزاد إعجابي وإجلالي للمسلمين أن سيد القوم يقف بجانب المواطن العامل والمزارع والتاجر والموظف، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، راكعين، ساجدين يخشون ربهم ويرجونه الرضا والعفو، فأيقنت أن مجد الإسلام والمسلمين في هذا التساند الجميل، والتآخي الحبيب، "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى". ٤ - الرسالات السماوية: قرأت قول المسيح ﵇، ومثاله: "خرج الزارع ليزرع وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق" وقرأت كتابة بولس. ومثاله: "فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكني أرى قاموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعشائي، ويحى أنا الشقي من ينقذني من جسد الموت هذا؟! ". قولان: أحدهما للمسيح يمتاز بالبساطة ووضوح التعبير، وثانيهما يمتاز بعمق وغور المعاني، وكلاهما ينسب إلى الله جل شأنه. وقرأت في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ... ﴾ . وما قبل فاتحة القرآن الكريم إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ﴾ إلخ السورة، وتأملت وتدبرت، وإذا بالله العزيز الحكيم يحسم الأمر بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ثم يتحدى الله خلقه بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . فازددت إيماناً ورسوخاً، وقرتت قراراً، واعتزلت الخدمة الدينية وظيفة، وانتهجت نهج الأعمال الحرة. فعملت بشركة استندر ستيشيزي بالقاهرة من سنة ١٩٥٥ إلى سنة ١٩٥٩ لكسب عيشي بالحق والأمانة، ومازالت تربطني بالكنيسة روابط كثيرة. ويشاء الله أن يهيدني إليه، أليس هو القائل: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ .

стр. 7

ويشاء الله أن يعقد بيني وبينه حباً ووداً قائماً، فيهدي إلى سيادة الدكتور محمد عبد المنعم الجمال حيث تلاقينا على تفسير القرآن الكريم، فوسعني في قلبه حباً، وإعجاباً، ووسعني بمنزلة منزلة وكرامة في دراسة وتفسير للقرآن الكريم، وآليت على نفسي أن أعلنها صراحة بقبول الإسلام ديناً، وبراءتي من كل دين يغاير ويخالف دين الإسلام. ودخلت وأبنائي الأربعة إلى دين الله أفواجاً، نسبح بحمده وتمت كل الإجراءات القانونية من تغيير شهادات الميلاد بموجب قرار وزاري صادر من وزارة الصحة قسم المواليد بتاريخ ٣٠/٥/١٩٦٠ م. وبهذا انتهيت من الجهاد لاعتناق الإسلام حيث بدأت الجهاد في سبيل الله ورسوله الكريم بحياة إسلامية مضيئة مشرقة نقية طاهرة، وبالدعوة القوية المفعمة بالحب والإخلاص للقرآن الكريم والإسلام الحنيف. وفقنا الله لما يريد، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. إبراهيم خليل أحمد سابقاً: القس إبراهيم خليل فيلبس * * *

стр. 8

تقريظ للمغفور له الأستاذ علي حسب الله الأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة (سابقاً) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، أرسله الله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، ففتح به قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وارتفع شأنه وعلا ذكره بأولئك الطيبين الطاهرين، الذين سبقوا إلى الإيمان به، ونصروا الرسول بأموالهم وأنفسهم، فسجل الله ذكرهم في كتابه الكريم. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿سَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ لقد أرسل الله محمداً ﷺ بقواعد الحق، ومبادئ الفطرة السليمة، التي تصلح بها أمور الناس في الدنيا والآخرة، والتي يتقبلها العقل البشري بقبوب حسن إذا بعد التأثر برواسب الجهل، وبواعث الانحراف والضلال، ومن تقليد الآباء، والاعجاب بمظاهر دنيوية لا تمت إلى الحق والخير بصلة، وإذا أراد الله بعبد من عباده الخير والهداية بصره بما في الحق من جمال وانسجام، وبما في تلك العوامل والبواعث من انحراف عن الصراط المستقيم، واتجاه إلى سوء المصير، فسلك إلى الحق طريقه، وبعد عن طريق الهلاك:

стр. 9

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ والأخ السيد "إبراهيم خليل أحمد" من المثل الطيبة للتحول من الضلال إلى الهدى بتوفيق من الله تعالى، وبدارسة عاقلة بصيرة، وهو من الأدلة الصادقة على أن توجه إلى الله قبله، ومن تقرب إليه شبراً تقرب الله منه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب منه باعاً. لقد أثار العليم الخبير وجدانه بآية سمعها من كتابه الكريم: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ فكانت مصباحاً أضاء جوانب قلبه، ووجهه إلى البحث عن الحقيقة، فأخذ يصارع - بإرادة قوية، وعقل واع، ونية طيبة - عقيدة قديمة، تغلقت بقلبه منذ وجد عليها الآباء وقد بوأته متعباً وجاها، وأغدقت عليه رزقاً حسناً، واستمر في ضالة العقلي والنفسي دون أن يلويه عن غرضه منصب أو جاه، أو يفكر فيما هو فيه من سعة الرزق، وما يمكن أن يصير إليه من حاجة. حتى شرح الله صدره وهداه إلى دين الحق أغناه عن كل ما كان فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ لقد رأى من أول الواجبات عليه أن يضع تحت سمع الناس وبصرهم ما وفقه الله إليه من دلائل الحق ومعالم الهدى، فقد يهدي الله به رجلاً واحداً فيكون خيراً له من الدنيا وما فيها، فجعل باكورة عمله في الإسلام ذلك الكتيب، الصغير في حجمه، والكبير في قيمته: "محمد ﷺ في التوراة والإنجيل" لينبه به الغافلين، ويحفز إلى التفكير همم العاقلين.

стр. 10

وكان من أظهر ما وجه إليه الأذهان في هذا الكتيب أمور تعتبر في الدين من أصول العقيدة والسلوك المستقيم، وهي من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يماري فيها عقل الإنسان، ومن هذه الأمور: ١ - وحدة الإله: إن وجود هذا الكون - بما فيه من نظام محكم، وتناسق دقيق - يقتضي عقلاً وجود موجد متصف لكل صفات الكمال التي تلائم دقة نظامه وأحكام تناسقه، وهذه قضية سهلة لا التواء فيها، ومن زعم أن الكون لا خالق له، فهو مكابر، يعترف بالأثر وينكر المؤثر. ومن زعم أن له أكثر من خالق فعليه الدليل، ولن يجد دليلاً على وجود معدوم، وإذا لم نكن مطالبين بإقامة الدليل على نفي التعدد، لأن المطالب بالدليل هو المثبت لا النافي - فقد تفضل العليم الحكيم على المنحرفين القائلين بالتعدد بالتنبيه على ما في مقالتهم من فساد بقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وبهذا يتقرر في العقل ما قرره القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ويقابل هذه العقيدة السهلة السمحة في الإسلام - عقيدة التثليث المعقدة في المسيحية، التي تنزل الله من عليائه ليحل في بعض خلقه، أو ترفع بعض المخلوقين إلى منزلة الخالق، مما يبلبل أفكار عامة الناس، ويحير جهابذة العلماء. وقد بين السيد إبراهيم في بحثه أن هذه العقيدة دخيلة على المسيحية، وليس لها وجود في الأصل اليوناني للإنجيل، بل هي مأخوذة من الوثنية الفرعونية، والمبادئ البابلية التي وجدت في لوحة أثرية عثر عليها في بابل، ويرجع تاريخها إلى سنة ١٢٠٠ ق. م ولم تقرر هذه العقيدة عند المسيحيين إلا في مجمع نيقية المنعقدة سنة ٣٢٥ م م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين بسبب الخلاف بين الأسقف آريوس والشماس أثناسيوس الإسكندريين. قال الأسقف: إن المسيح مخلوق لله، ومتصف بكل الصفات الإنسانية وتعتريه كل العواطف البشرية، من نوم ويقظة، وفرح وحزن، وغير ذلك، فلا يكون إلهاً بحال.

стр. 11

وقال الشماس: إن المسيح ابن الله، والابن لابد أن يكون مساوياً للأب، لأنهما من عنصر واحد، فلابد أن يكون المسيح إلهاً مثل أبيه. وقد صدر قرار بإدانة الأسقف، لأن فكرته تقلل من شأن المسيح، كأن المسيح لا يرتفع شأنه - وهو بشر - إلا إذا وضع - برغم أنف العقل والنصوص الدينية - في مصاف الآلهة. وفي سنة ٣٣٤ دعا الإمبراطور قسطنطين إلى مجمع صور، الذي قرر إلغاء قرارات مجمع نيقية، وعفا عن الأسقف، وقبل تعاليمه. ثم مازالت المجامع تنعقد، وتقرر القرارات المختلفة - مما يدل على اضطراب العقيدة وعدم اعتمادها على أساس - حتى انقسم المسيحيون بسبب قرارات مجمع القسطنطينية الرابع سنة ٨٦٩ م - قسمين، وأصبح لهم كنيستان: شرقية أرثوذكسية بالقسطنطينية، وغربية كاثوليكية بروما، ثم كانت حركة مارتن لوثر سنة ١٥١٧م التي نشأت بسسها كنيسة ثالثة بروتستانتية بألمانيا، انتقلت بعد إلى انجلبترا والولايات المتحدة. وقد اكتشفت حديثاً فوق هضبة بجوار البحر الميت - مخطوطات يرجع تاريخها إلى سنة ١٠٠ ق. فيها معلومات تصحح الفكرة الخاطئة عن ألوهية المسيح ﵇، وقد أرسل الدكتور تريفور صورة منها إلى الدكتور و. ف. ألبرايث - وهو حجة في علم آثار الإنجيل فهنأه على هذا الكشف، وقال: إنه " لا يشك أحد في العالم في صحة هذه المخطوطات التي ستحدث ثورة في فكرتنا عن المسيحية". ويؤخذ من هذه المخطوطات أن عيسى ﵇ ابن الإنسان وليس ابن الله كما ادعى أتباعه من قبل. ٢ - غفران الذنوب: يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

стр. 12

ويقول : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ويقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي الحديث القدسي أن رب العزة ﷻ يقول: "يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، وبهذا كان باب التوبة في الإسلام مفتوحاً لكل من يطرقه من بني الإنسان، وتقبل توبة التائب - بندمه على ما فرط منه، ومعاهدته ربه على عدم العودة إلى ما يغضبه، ولا تتوقف على شيء من غيره. أما في المسيحية "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" و"أحب الله العالم حتى بذل ابنه الحبيب لكيلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية"، وهو كلا تظهر عليه مسحه الوضع البشري، لاستهواء أفئدة العامة، وحملهم على حب المسيح، والإيمان به. ولا يدري عاقل كيف يصل العجز بالإله إلى الحد الذي لا يستطيع معه أن يغفر للبشر إلا بتقديم ابنه الحبيب قرباناً، فإلى من يتقرب؟ وإلى من يتقدم بالرجاء؟ وكيف تغفر ذنوب السابقين واللاحقين بتقديم ابنه قرباناً؟ وهل هذا إلا فتح لباب المعصية في المستقبل اعتماداً على هذا الغفران؟ وقد نقل إلينا إبراهيم في هذا الموضع كلام العلامة روى ديسكون سميث في كتابه "ضوء جديد على البعث" إذ قال: "لا يوجد متدين مهما كان مذهبه أو فرقته يعتقد أن الله العظيم قد أرسل ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا تساوي - في مجموعها منذ بدء الخلق إلى نهايته - كوكباً من الكواكب المتناهية في الصغر، لكي يعاني موتاً وحشياً على الصليب، لترضيه النقمة الإلهية على البشر، ولكي يساعد جلالته على أن يغفر للبشرية على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي - ألا وهو الفداء - الذي لا يستسيغه عقل ... ولماذا لا نقول: إن الله العالم بما سيكون سمح بتضحية رسوله لا ليغفر للبشرية جرائمها، بل لتكون هذه الحادثة سبباً في انتشار الإنجيل".

стр. 13

وقد ذكر السيد إبراهيم أن الصليب اتخذ شعاراً منذ آلاف السنين قبل المسيح ﵇، وجاء في إنجيل برنابا - أن المسيح ﵇ لم يقتل ولم يصلب، وإنما وقع القتل والصلب بشبيه به، وأن محمداً ﷺ متى جاء سيكشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله، وقد نفى القرآن الكريم ذلك حقاً في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ٣ - المساواة بين الناس: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ويقول الرسول الكريم محمد ﷺ : "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم". ويقول ﷺ : "لا فصل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود - إلا بالتقوى" فالقياس الذي يتفاضل به الناس عند الله هو التقوى والعمل الصالح، أما الجنس واللون فلا أثر لشيء منهما في رفعة شأنهم أو ضعته. أما الأناجيل الموضوعة فقد ورد فيها تفاخرهم بأنهم أولاد حرة لا أولاد أمة: "إذن لسنا أولاد جارية، بل أولاد حرة". ولا يزال لهذا المعنى رواسب في نفوس القوم إلى اليوم، يظهر أثرها في التفرقة العنصرية في أمريكا وجنوب أفريقيا. ٤ - البشارة بمحمد ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ وقد بين السيد إبراهيم أن هذه البشارة وردت في التوراة والإنجيل. وردت في التوراة في قوله: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، لأجعل كلامي

стр. 14

في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به" وهي عبارة مجملة، فسرها اليهود بمجئ رسول منهم، لا من ولد إسماعيل، وكأن الله تعالى جعل هذه العبارة مجملة، وألهمهم هذا التفسير حفظاً لهذه البشارة، لأنهم لو عرفوا أن الرسول المبشر به سيكون من ولد إسماعيل لأخفوها أو محوها وقد أثبتت الأيام أن الرسول المبشر به هو محمد ﷺ . ورد في الإنجيل ما يدل على انتقال النبوة من ولد إسحاق إلي ولد إسماعيل في قوله: "الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عحيب في أعيننا، كذلك اقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطي لأمة تعمل أثماره". والحجر الذي رفضه البناءون كناية عن إسماعيل ﵇ جد محمد ﷺ الذي قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبهم البناء فيقولون: ألا وضعت ها هنا لبنة ليتم البناء؟ فأنا اللبنة جئت فختمت الأنبياء". وقال المسيح ﵇ للحواريين: "إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا وأما مت جاء ذاك - روح الحق - فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آيته". ويؤخذ من المخطوطات التي عثر عليها بجوار البحر الميت كذلك أن عيسى كان مسيا المسيحيين وأن هناك مسيا آخر سيأتي بعده، وقد قال عنه المسيح: "ومتى جاء المعزى - البار قليط - فهو يشهد لي". ومحمد ﷺ هو الذي جاء بعده، فشهد له وأنصفه، ودافع عنه وعن العقيدة الصحيحة التي جاء بها. وقد جاء في إنجيل برنابا - الذي استبعدته الكنيسة في عهدها الأول، وحرم البا جلاسيوس قراءته سنة ٤٩٢ م - ما يؤيد هذه المخطوطات ما فيها من إجمال قال: "فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله - على أني كنت بريئاً في العالم - أراد الله أن يهزأ الناس في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله،

стр. 15

الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمونون بشريعة الله". وبهذا تكون البشارة في الإنجيل المختلفة مطابقة للبشارة في التوارة، فللبشرية نبي كموسى، من وسط إخوتهم، وينزل عليه كتاب يكلم الناس بما فيه، وهو روح الحق، لا يتكلم من نفسه، بل بما يوحى به إليه، وصدق الله العظيم في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ومهما أخفى القوم من الأناجيل الصحيحة فإن القرآن الكريم قد تكفل ببيان ما لابد من بيانه مما أخفوا، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهكذا يسلط السيد إبراهيم خليل الأضواء على أشهر مواضع الخلاف بين الديانتين المسيحية والإسلامية بخبرته السابقة، ويستخلص الحق فيما وقع فيه الخلاف، مؤيداً ما اهتدى إليه بالعقل والنقل، ومبيناً منشأ ما عليه القوم من انحراف في العقيدة، وأن الحكام وبعض رجال الدين أرادوا بتضليلهم الولاية على الشعب واستغلاله. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. علي حسب الله.

стр. 16

تقريظ للمغفور له الشيخ عبد الحليم محمود علي شيخ الجامع الأزهر السابق: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وصحبه والتابعين، وبعد: فقد طوف بنا الأخ الفاضل الأستاذ إبراهيم خليل أحمد، على مراحل التحريف للدين المسيحي مستنداً لها بأسانيد تاريخية ودينية في عرض مقارن. وخلص من كل ذلك إلى دين الحق الذي يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وليحق الحق، ويبطل الباطل ولو كره الكافرون. ولقد تحدث سيادته عن دخوله في الإسلام بعد أن تداركته عناية الله، إذ سمع قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ فشرح الله صدره للإسلام، وأخذ يبحث في قضايا الوحدانية، والغفران وتقييم المبادئ بالأشخاص، والرسالات السماوية في عرض مقارن. وهو في هذا العرض التاريخي الدقيق المستند إلى النصوص والوثائق الصحيحة والمنطق العقلي يؤيد الإسلام تاريخياً فيما أتى به القرآن وحياً من السماء. وممن أثبت هذا من علماء الغرب بصورة واضحة سافرة، الأستاذ (شارل جنيبير) أكبر أستاذ لتاريخ الأديان في فرنسا، مع أنه من أسرة مسيحية، وكتبه مشهورة معروفة، ومكانته العلمية ذائغة شائعة.

стр. 17

وإننا أمام هذه الرسالة القيمة، لنشكر الأستاذ إبراهيم خليل أحمد، فلقد وفق كل التوفيق في إخراجها للناس إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل في حيدة تامة، لك يكن مدفوعاً بدوافع عاطفية أو مادية، وإنما كان من عشاق الحق لذاته، غير مبال بما يصيبه في سبيله. ونرجو الله تعالى أن يديم له التوفيق والرشاد. وقد بين أن التثليث دخيل على المسيحية الحقة، وأنه مستورد من الوثنية الفرعونية، كما صرح بذلك الأستاذ (جارسلاف كرينى) أستاذ الحفريات بجامعة (أكسفورد) في كتابه (ديانة قدماء المصريين) وأن هذا التثليث لم يوجد في الأصل اليوناني. وصكوك الغفران، واستحالة الخبز إلى جسد المسيح ﵇، خروج عن الحق الإلهي، كما صرح بذلك زعماء الإصلاح في القرن الخامس عشر، وعلى رأسهم: (لوثيروس الألماني) وبشرت التوراة بالرسول محمد ﷺ . ففي سفر التثنية ٣٣: ٣ "جاء الرب من سيناء، اشرق لهم من سعير، تلألأ من جبل فاران". وتلك هي الرسلات الثلاث: لموسى وللمسيح، ولمحمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة والتسليم. وهذا مصداق قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ . لأن منبت التين والزيتون مهجر إبراهيم. ومولد عيسى ﵉، وطور سيناء مكان مناجاة الله تعالى لموسى ﵇، وفاران في مكة: مولد الرسول محمد ﷺ . وجاء في أسفار الأنبياء عليهم الصلاة: أنه ﷺ روح الحق، والفارقليط، والمعزى، وأنه لا يتكلم إلا بما سمع من الله تعالى، وأنه اساس الحق ورأس زاويته، وهو البار الذي تنبأت به زوجة الوالي الروماني. والمخطوطات والآثار القديمة، تثبت بشرية المسيح ووحدانية الله، ومجئ محمد عليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد صرح إنجيل برنابا بذلك كله.

стр. 18

وكلمة (مسيا) آرامية معناها (رسول) وعند مجئ الرسول علية الصلاة والسلام يسجد العالم شكراً وسيجعل كل سنة هذا اليوبيل بدل كل مائة سنة، وهذا الذي قاله برنابا معناه: الحج في الإسلام وهو الركن الخامس منه. وكلمة (إنجيل) معناها: بشرى، لأن المسيح ﵇ جاء مبشراً بقدوم محمد ﵇. وتعاليم المسيح ﵇ تهدم التعصب الطائفي والعنصري كما جاء في قصة الكاهن الذي مر عليه وتركه، ولقد صرح الأسقف الإسكندري (آريوس) بأن المسيحية قد حرفت بما دخل عيلها من المبادئ الفلسفية المستوردة من الهند والصين وفارس، ومصر، فلم يبة إذ غير الرجوع للحق ولدين الحق الذي تكفل الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ولي أجمل من هذا ولا أحسن: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ . وبالله التوفيق. عبد الحليم محمود علي * * *

стр. 19

تقريظ لفضيلة الشيخ محمد الغزالي السقا مدير الدعوة بوزارة الأوقاف "سابقاً" دراسة الملل والنحل جزء مهم من ثقافتنا الدينية القديمة ... ودراسة النصرانية خاصة وكتبها المقدسة لديها موضوع احتذب انتباه العلماء المسلمين وكثرت فيه مؤلفاتهم. ولا عجيب، فإن العلاقات بين الإسلام والنصرانية ظلت متشابكة ومعقدة منذ أمد طويل. ومن المحزن أن تسفك فيها دماء كثيرة. وكان أولى بالفريقين أن يقبل كل على ما لدى الآخر يدرسه بعناية وتمحيص ثم يدع للفكر المجرد أن يصدر حكمة، وللرغبة الخالصة أن تأخذ وجهتها. ونحن - المسلمين - غير مسئولين عن الطريقة الدامية التي سارت فيها العلاقات العالمية بين الإسلام والصليبية. إن الحقد التقليدي جزء من السياسة الأجنبية نحو الإسلام. أما الإسلام فهو يقول لأتباعه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ لكن ما الذي أنزل إلى أهل الكتب الأولى؟ أن المواريث السماوية بين أيدى القوم تحتاج إلى تأمل وطول نظر ففيها كلام حسن عن الله الواحد، وعن وصاياه للعالمين بالاستقامة والتقوى.

стр. 20

وهذا الكلام يستحق القبول والعناية. بيد أن هناك كلاماً آخر يشعر الإنسان الحصيف بقلق عندما يتلوه، ذاك الذي ينسب إلى الله الكبير صفات تتنزه عنها ذاته العليا ... ثم ذاك الذي يؤرخ لأنبياء الله وهم قمم الإنسانية من أزلها إلى أبدها - فيبرزهم وكأنهم خريجو حانات وأحلاس شهوات. وشيء آخر لا يعود إلى هذه الكتب قدر ما يعود إلى أصحابها وهو تراطؤهم على جحد العروبة ونبيها الخاتم لما سبق، صاحب الرسالة التي قدر الله أن تصحب العالم في مراحل وجوده حتى الحصاد الأخير للنشاط الإنساني فوق الأرض. إن إنكاره نبوة محمد صلوات الله عليه وتناسى دلائلها الثابتة في الكتب المقدسة عند القوم شيء مستغرب. ومن حق الباحث المسلم أن يجلو غوامضه. وقد وفق الله الأخ المخلص السيد إبراهيم خليل أحمد إلى تأليف هذه الرسالة في هذا الموضوع، وسيادته خبير به، بل خبير بالعهد القديم والعهد الجديد. وعندي أن صحاب الدراسات الإسلامية لا يستكملون ثقافتهم حتى يطلعوا على أمثال هذه الرسائل ويتعرفوا منه ما لدى الآخرين من ثراث يقترب منا أو يبتعد عنا. وفق الله المؤلف الفاضل إلى خدمة الحق وأجزل مثوبته. ٣/١١/١٩٦٣ محمد الغزالي

стр. 21

رؤية مستنيرة لأسرار إسلامي بقلم / إبراهيم خليل أحمد القس إبراهيم خليل فيلبس/ سابقاً في ذروة العمل الديني كقسيس راعي الكنيسة الإنجيلية، وأستاذ العقائد واللاهوت بكلية اللاهوت الكندية بأسيوط، وزميل للمراسلين الأمريكيين والسويسرسسن والألمانيين بمصر، وكضالع معهم في الحركة التبشرية. من قمة هذا العمل بدأت دراسة مقارنة للإسلام مع المسيحية من عام ١٩٥٥ حتى ٢٥/١٢/١٩٥٩ عندما أعلنت إسلامي للمرسلية الأمريكية بمصر ثم اتخذت الإجراءات القانونية لإشهار الإسلام وكان عمري وقتئذ ٤٠ سنة واليوم قد بلغت: ١٣/٨/١٩٨٢ - ١٣/١/١٩١٩ = ٦٣ سنة، وسبعة شهور. يسعدني أن اقدم كتابي محمد ﷺ في التوراة والإنجيل والقرآن، في طبعته الخامسة وأقرر من قمة هذا العمر أن الآيات الكريمة في سورة الأعراف في قوله : ﴿ ... الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] كانت مشجعاً لي لدراسات مقارنة بدأتها في صمت في خلال خمس سنوات، حتى أتاني اليقين فدخلت وأبنائي وكريمتي في دين الله نسبح بحمده، ونستغفره على ما تقدم وما تأخر من ذنوبنا. وأقرر أن اللقاء الإسلامي المسيحي بالخرطوم عام ١٩٨٠م/ ١٤٠١ هـ جعلني أتفرغ لدراسات مقارنة لأقدم للإسلام وزاداً ينفع كل داعية إسلامي على بصيرة في الدعوة الإسلامية. وتقديمي لكتابي (محمد ﷺ ) إنما هو خلاصة الكتاب في ملزمة واحدة، بل هو رؤية لأسرار إسلامي. فأقول ويقول كبار اللاهوتيين المعاصرين - بالرغم من

стр. 22

البصمات البشرية الفادحة من زيادة وحذف، ومن تغيير وتبديل، ومن إسقاط وإقحام في أسفار الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) فإنه لازالت أجزاء برمتها على حالتها الأولى فلم تصب ببصمات بشرية على الإطلاق، ظلت أصلية برهان ساطع على قطع من التوراة الأصلية، وقطع من مقالات المسيح عيسى ابن مريم الأصلية وهي الإنجيل الأصلي. نعم فالكتاب المقدس المتداول الآن على اختلاف الترجمات في عصرنا هذا، وأمامي نسخة للترجمة العربية البيروتية/ الطبعة الثامنة - عام ١٩٣٦ بمعرفة جمعية التوراة الأمريكية المنشأة عام ١٨١٦ بنيويورك، لا زال يشمل أجزاء هامة ووحيدة للتوراة والإنجيل الحقيقيين، وهي كثرة والحمد لله، حتى أن كل من يؤمن بالله وبرسوله المسيح عيسى ابن مريم، ويتبع الكتاب المقدس تماماً في حالته الراهنة، فإن الكتاب المقدس بما يشمله من أجزاء أصلية سيقوده إلى الإسلام ولا ريب. كما قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] إن أولئك الذي يتبعون تعاليم موسى تماماً، وأولئك الذين يتبعون تعاليم عيسى تماماً ﵉، حتى في حالتهما المتداولة إنما يقادون بفضل الله ونعمته إلى إنجاز وإيقاء ما يطلبه الله منهم. ولا ريب أن هذا الاختيار الروحي قد مارسه ذوو العقول المتحررة، والقلوب المتعطشة، إلى معرفة الحق، ولا غزو أن أقدم ذاتي مثالاً حياً حتى بعد أن جاوزت الثلاثة والستين سنة من العمر أن الله شرح صدري للإسلام فأخذت طريقي إليه هجرة لله ولرسوله. يحتوي الكتاب المقدس على نصوص شديدة الوضوح حول رسالة وشخصية الرسول النبي الأمي محمد ﷺ . وضوحاً بيناً لا لبس فيه. حتى إن كثيراً من اليهود والنصارى الغيورين ليسعدون بقبول محمد رسولاً نبياً عند ظهوره. ولكن القرون اللاحقة للمنازعات اللاهوتية، والتي انعقد لأجلها العديد من المجامع المسكونية، شهدت موجة رهيبة ومحمومة لتدوين المخطوطات المقدسة، وما أصابها من تحوير وتنقيح وزيادة ونقص، وحذف وإقحام، كانت هذه البصمات البشرية في تدوين الكتاب المقدس غشاوة سميكة تخفي الحقيقة. وفي هذه القرون، ولد قانون الإيمان".

стр. 23

وغشى بشروحات مذهبية، فإذا ما نحيث هذه وتلك فإن الحقيقة ستظهر في جلاء ووضوح، ومن ثم يستطع العلماء الباحثون أن يهتدوا بهذه الخيوط الربانية. دور الكتابة في الهداية: نحن معشر المسلمين نؤمن أن التوراة الصلية والإنجيل الأصلي موحى بهما من الله على عبديه ورسوليه موسى وعيسى ﵉، ونحن معشر المسلمين نعلم أن المسيح عيسى ابن مريم بعثه ربه رسولاً إلى بني إسرائيل، فلما ابتدأ رسالته الجهارية بينهم، وجد أن توراة موسى قد تعرضت لبصمات بشرية. فلقد فقدت في عهد مملكة يهوذا، واكتشفت في أيام يوشيا ملك يهوذا، ثم تعرضت للضياع حتى الغزو البابلي في عهد نبوخذ نصر ملك بابل، ثم أعيد تدوينها بعد عودة اليهود المسبيين في بابل إلى أرض فلسطين في عهد كورش ملك الفرس، من ثم تعرضت التوراة إلى عوامل تغيير جسيمة وخطيرة للغاية. لقد تعرضت في إعادة التدوين إلى اللامبالاة، وإضافات توحي بمذاهب وعقائد المحررين والنساخ، من هذا فإن المسيح رأى فيها أجزاء مازالت على أصلها من وحي الله دون أن تمسه يد ولا فكر بشري، لهذا جاهر بقوله لليهود المتعنتين وغيرهم: "ولا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل". (إنجيل متى ٥: ١٧، ١٨) وبهذا التصريح فإن المسيح عيسى ابن مريم يصادق على جوهر التوارة، ولقد تعرض إنجيل المسيح عبر ستمائة سنة مثلما عانت التوراة من البصمات البشرية، فضلاً عن رداءة الخط في التدوين والنسخ، بالإضافة إلى المخطوطات العبرية والآرامية واليونانية التي أعد بها كتاب العهد الجديد. ظهر رسول الله ﷺ في عام ٦١٠ م برسالة التوحيد، وتلقى من ربه قرآناً كريماً حيث يقول الله سبحانه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٥] وحفظه الله مصداقاً لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] هذا القرآن نزل مصدقاً للتوراة والإنجيل اللذين نزلا على موسى وعيسى ﵉، فضلاً عن

стр. 24

أنه مهين عليهما، وفي هذا قال الله سبحانه كما في المائدة: ٤٤ - ٤٨. يقول كيرت "إن الكتاب المقدس المتداول حالياً لا يحتوي على التوراة والإنجيل المنزلين من الله، ولقد اعترف علماء باحثين أنفسهم باللمسات البشرية في إعداد هذا الكتاب المقدس". ويقول جيمس هيستنج: "ومع هذا فإننا نتوقع أن نجد خلال صفحات الكتاب المقدس بعض الأجزاء من التوراة والإنجيل الأصليين مما يتحتم معه دراسة جادة، لكي تجعل مضمون الكتاب المقدس مفهوماً". إن ما يتميز به الكتاب المقدس حتى في حالته الراهنة. هو أنه يشير إلى أن التنزيل الألهي إنما يتوالى على من اصطفاهم الله لحمل رسالته من الأنبياء والمرسلين، وسيكمل التنزيل بالنبي الخاتم، نبي وحيد واحد مميز، ورسالته ستكون مستوعبة ومهيمنة، ونبوته ستكون عالمية حتى إنه لن يكون هناك حاجة لرسول بعده. وتقرر التوراة أنها تنزيل من رب العالمين: ودعا الله موسى إلى رأس الجبل فصعد موسى (خروج ١٩: ٢٠) ، ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات (خروج ٢٠: ١) وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل (تثنية ٣١: ٩) . ويقرر المسيح عيسى ابن مريم قائلاً: فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل (إنجيل متى ٥: ١٨) . ويقول لتلاميذه: ومتى قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون، أو بما تقولون، لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه (إنجيل لوقا ١٢: ١١، ١٢) .

стр. 25

ويقرر بطرس في رسالته الثانية قائلاً: لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين بالروح القدس (رسالة بطرس الثانية ١: ٢١) ويقرر بولس في رسالته إلى تلميذه تيموثاوس قائلاًَ: كل الكتاب هو موحي به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح (٢ تي ٣: ١٦) إنه من الميسور على الله أن يتكلم في وضوح وجلاء، عن أشياء قبل حدوثها بآلاف السنين مما تعدون، وبالحرى فإنه من المستحيل استحالة قطعية أن يفعل هذا الإنسان. من هذه الأحداث في امتداد التاريخ مجازاة الله سبحانه لإبراهيم ﵇، إيمانه وأمانته وصلاحه وإخلاصه كافأه الله بأن جعله أبا للمؤمنين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب والملك، فضلاً عن أن الله قطع على نفسه ميثاقاً لإبراهيم ونسله قائلاً: "وقال بذاتي أقمست يقول الرب إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيراً، كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه في نسلك جميع أمم الأرض من أجل أنك سمعت لقولي" (تكوين ٢٢: ١٦ - ١٨)

стр. 26

وفي (سفر التكوين ١٧: ٢٣ - ٢٦) يقول: فأخذ إبراهيم إسماعيل ابنه وجمع ولدان بيته وجميع المبتاعين نفضته، كل ذكر من أهل بيت إبراهيم، وختن لحم غرلتهم في ذلك اليوم عينه كما كلمه الله، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غرلته، وكان إسماعيل ابنه ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته. في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه. وفي (سفر التكوين ٢٥/٩) يقول: وأسلم إبراهيم روحه ومات بشيبة صالحة شيخاً وشبعان أياماً، وانضم إلى قومه. ودفنه إسحاق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة في

стр. 27

حقل عفرون بن صوحو الحثى الذي أمام ممرا. الحقل الذي اشتراه إبراهيم من بني حث، هناك دفن إبراهيم وساره امرأته (تك ٢٥: ٨ - ١٠) . إن الكتاب المقدس على بينة بأن في تشل إسماعيل بن إبراهيم ﵉ النبي الخاتم، ومن ثم فإن الكتاب المقدس يحمل كل الدلالات على بنوة إسماعيل الحقيقية، فضلاً عن كونه بكر إبراهيم، ولم يكن ولن يكون بأي ذريعة يتذرع بها أحبار اليهود ابناً غير شرعي. ومن هذا فإن الكتاب المقدس بالنسبة لليهود هو السجل الأساسي لمفاضلاً الله لإسحاق الابن الثاني لإبراهيم، ومن سلالته تسلسل الأنبياء، ومنهم موسى كليم الله، وعيسى كلمة الله ﵉، ولكن ماذا عن الابن الأول لإبراهيم الذي هو إسماعيل؟ إن سفر التكوين يروى لنا بكل الأسى قصة انقلاب سارة على إسماعيل وأمه هاجر جاريتها المصرية: تعود إلى طنوح سارة في تحقيق الميراث لابنها إسحاق، ذلك الميراث الكائن في الميثاق: "لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات" (تكوين ١٥: ١٨) فتعار من هاجر التي ولدت إبراهيم ابنه البكر إسماعيل، وأن هذه الأثرة الموغلة في القدم تدل على الولع بالانتماء إلى الجنس السامي العبراني، هذه الأثرة مليئة بعناصر متناقضة. E. A. Speiser, Genesis (New York, ١٩٦٤) The Anchor Bible, Vol. I, P. P ١٥٦, ١٥٧ وقد جاءت هذه الرواية في سفر التكوين هكذا. "وأما ساراى امرأة أبرام فلم تلد له، وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر، فقالت ساراى لأبرام: هو ذا الرب قد أمسكني عن الولادة، أدخل على جاريتي لعلى أرزق منها بنين، فسمع أبرام لقول ساراى، فأخذت ساراى امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان، وأعطتها لأبرام رجلها زوجة له فدخل على هاجر فحبلت، ولما رأت أنها حبلت صغرت مولاتها في عينيها. فقالت ساراى لأبرام ظلمي عليك. أنا دفعت جاريتي إلى حضنك، فلما رأت أنها حبلت صغرت في عينيها. يقضي الرب بيني وبينك، فقال أبرام لساراى هو ذا جاريتك في يدك افعلي

стр. 28

بها ما يحسن في عينيك. فأذلتها ساراى فهربت من وجهها" (تكوين ١٦: ١ - ٦) . وحاصل ذلك فإن سفر التكوين أغلق الباب دون إسماعيل، وأمه هاجر زوجة أبيه إبراهيم، منذئذ فصاعداً إلا إسحاق وسارة أمه أصبحا ذا شأن "وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده" (تكوين ١٧: ١٩) "ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك ساره في هذا الوقت في السنة الآتية" (تكوين ١٧: ٢١) ومن المفارقات أن ميثاق الله لإبراهيم لم يتحرف إطلاقاً، ذلك عندما أراد الله مجازاة إبراهيم لأمانته بأن أخذ على نفسه ميثقاً لتوريث إبراهيم ونسله أرض الميعاد، لم يكن إسحاق في الصورة بعد فيقول سفر التكوين: "وقال أبرام أيضاً إنك لم تعطني نسلاً وهوذا ابن بيتي وارث لي، فإذا كلام الرب إليه قائلاً لا يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك" (تكوين ١٥: ٣، ٤) وهذا هو الميثاق بنصه الكامل: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاً قائلاًَ: لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات" (تكوين ١٥: ١٨) وحدد الميثاق الأماكن التي ينتزعها من سكاناه لذنوبهم وهي: "القينيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين والببوسيين" (تكوين ١٥: ١٩، ٢٠) وفي هذه الفترة يقول سفر التكوين: "وأما ساراى امرأة أبرام فلم تلد له" (تكوين ١٦: ١) بل كان إسماعيل هو الابن الوحيد لإبراهيم من هاجر جارية سارة، وكان إسماعيل قرة عين أبويه فقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك (تكوين ١٧: ١٨) فاستجاب له ربه قائلاً: "وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً. اثنى عشر رئيساً يلد وأجعله أمة كبيرة" (تكوين ١٧: ٢٠) . ولقد جعل الله الختان لكل ذكر لإبراهيم ونسله فريضة ابدية، وعلامة عهد مع الله فيقول سفر التكوين: "وتكلم الله معه قائلاً: أما أنا فهوذا عهدي معك، وتكون أباً لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيراً جداً، وأجعلك أمماً وملوك يخرجون، وأقيم عهدي بيني وبينك، وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً، لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً. وأكون الهمهم" (تكوين ١٧: ٣ - ٨) فما هو العهد إذن؟ يقول سفر التكوين: "وقال الله لإبراهيم: وأما أنت فتحفظ عهدي، أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم، هذا

стр. 29

هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختن منكم كل ذكر، فتختنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم، ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم، وليد البيت والمبتاع بفضة من كل ابن غريب ليس من نسلك يختن ختاناً وليد بيتك والمبتاع بفضة، فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً، وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي" (تكوين ١٧: ٩ - ١٤) واستجاب إبراهيم لأمر ربه فيقول سفر التكوين: "فأخذ إبراهيم إسماعيل ابنه، وجميع ولدان بيته وجميع المبتاعين بفضته، كل ذكر من أهل بيت إبراهيم، وختن لحم غرلتهم في ذلك اليوم عينه، كما كلمه، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غرلته، وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه" (تكوين ١٧: ٢٣ - ٢٥) . استحقاق نسل إسماعيل لحقوق البكورية: يدافع جيمس هيستنج عن حق البكورية إسماعيل فيقول: لقد جانب التوفيق كتاب سفر التكوين. أولئك الذين حاولوا أن يجعلوا نسل إسماعيل واستحقاقه لحقوق البكورية أقل مرتبه زعماً أن انتهاؤه لأمه هاجر جارية إسماعيل يفقده حق البكورية، فهم يزعمون أن هاجر جارية سارة، وأن سارة هي الحرة، ومن ثم فإن البكورية لإسحاق ابن سارة الزوجة الحرة، وبهذا الصنيع فإنهم يغفلون قانون الأسرة الواضح والصريح المنصوص في التوارة في سفر التثنية، ووفقاً لهذا القانون فإن حقوق الابن البكر لا يمكن إسقاطه بسبب الوضع الإجتماعي للأم، هذا الحق الشرعي قج بينه الناموس بالنسبة للرجل الذي يجمع في معيشته أكثر من زوجة، وحالة إبراهيم تنطبق عليها الشريعة إن هوى النفس والأثرة لا تحرم الابن البكر حقه، ولا تحتم خطوة الله للزوجة الحرة فيجعل الله عهده مع ابنها والشريعة صريحة. نص شريعة حق البكورية "إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة، فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة، فإن كان الابن البكر للمكروهة فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكراً على ابن المكروهة البكر، بل بعرف ابن

стр. 30

المكروهة بكراً ليعطيه نصيب اثنين من كل ما يوجد عنده، لأنه هو أول قدرته له حق البكورية" (تثنية ١٢: ١٥ - ١٧) ومع هذه الصراحة في النص إلا أن التوراة أغفلت هذا المبدأ المنصف، وصارت تعطي من البداية إلى النهاية النصيب المضاعف من المجد لابن المحبوبة أو الحرة، فأعطت إسحاق ابن سارة الزوجة الحرة، وهو الابن الثاني لإبراهيم أعطته حق البكورية، وأيدته بالنص القائل: "ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآنية" (تكوين ١٧: ٢١) وأن هذا التصرف يجعل التوراة والكتاب المقدس متناقض مع الشريعة، ومجانب للعدل. فإن النصيب المضاعف وحق البكورية تخص إسماعيل وسلالته، ولا يمكن أن تكون الحالة الاجتماعية الممجوحة لأمة بكونها جارية سارة أن تبخس هذه الحقوق على الإطلاق. ولم يكن إسماعيل وحده الذي جنت عليه التوراة، بل هذا هو رأوبين الابن البكر ليعقوب من أمه ليئة الزوجة المكروهة انتزعت منه البكورية، ومنحتها ليوسف ابن راحيل الزوجة المحبوبة، فيقول سفر التكوين: "وبنو رأوبين بكر إسرائيل لأنه هو البكر، ولأجل تدنيسه فراش أبيه أعطيت بكوريته لبني يوسف بن إسرائيل فلم ينسب بكراً، لأن يهوذا اعتز على إخوته ومنه الرئيس وأما البكورية فليوسف" (أخبار الأيام الأول ٥: ١، ٢) ويوسف هذا قد حظى منذ ولادته بحب أبيه فاصطفاه عن باقي إخوته مما أثار حسدهم وبغضهم له: "وأما إسرائيل فأحب يوسف اكثر من سائر بنيه لأنه ابن شيخوخته، فصنع له قميصاً ملوناً، فلما رأى إخوته أن أباه أحبه أكثر من جميع إخوته أبغضوه، ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام" (تكوين ٣٧: ٣، ٤) إن ذرية إسماعيل صارت معلومة لدى الإسرائيليين بأنهم سكان الصحراء العربية

стр. 31

ولم تكن مصادفة لأن واحداً من الأثنى عشر رئيساًَ من ابناء إسماعيل ذلك الابن المسمى قيدرا. وأن اسم قيدار صار أكثر شهرة في مجال النبوة من أنبياء بني إسرائيل وتقول التوراة: "وهذه مواليد إسماعيل بن إبراهيم الذي ولدته هاجر المصرية سارة لإبراهيم، وهذه أسماء بني إسماعيل بأسمائهم حسب مواليدهم، نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار وأدبئيل ومبسام ... أثنا عشر رئيساً حسب قبائلهم" (تكوين ٢٥: ١٢ - ١٦) . وبعض نصوص الكتاب المقدس تبين أن قيدار رمز للعرب عامة كما يقول أرمياً: "فاعبروا جزائم كتيم، وانظروا وأرسلوا إلى قيدار وانتبهوا جداً، وانظروا هل صار مثل هذا، هل بدلت أمة آلهة وهي ليست آلهة، أما شعبي فقد بدل مجده بما لا ينفع، ابهتي أيتها السموات من هذا، واقشعري وتحيري جداً يقول الرب، لأن شعبي عمل شرين، تركوني أنا ينبوع المياة الحية لينفروا لأنفسهم آباراً مشققة لا تضبط ماء" (إرميا ٢: ١٠ - ١٣) . ويقول حزقيال: "العرب وكل رؤساء قيدارهم تجاريدك بالخزفان والكباش والأعتدة في هذه كانوا تجارك" (حزقيال ٢٧: ٢١) . ويقول أشعياء: "كل غنم قيدار تجتمع إليك كباش نبايوت تخدمك تصعد مقبولة على مذبحي وأزين بيت جمالي" (أشعياء ٦٠: ٧) . وهذا دلالة هامة على أن ذرية قيدار صارت مرموقة عند الله سبحانه، وليست هذه الشهوة عفواً، ولكن بهدف رباني، وغرض لا مثيل له ليؤكد لبني إسرائيل أن من نسل هذا يولد الذي حياته وأعماله، فضلاً عن سمو ذاته سيتحقق فيه النصيب المضاعف لحقوق البكر من المجد لسلالة إسماعيل ولا ريب. إن طبيعة المجد المضاعف تبدأ بالظهور في العهد القديم في سفر أشعياء التي تتلق بإيفاء وعد الله ليبارك به الجنس البشري "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تكوين ٢٢: ١٨) من خلال ذرية إبراهيم.

стр. 32

ومع هذا الوضوح إلا أن بعض المفسرين سواء أكانوا يهوداً أو نصارى، يزعمون أن هذه البركات إنما تنصب انصباباً على المسيح عيسى ابن مريم في ذاته وفي رسالته، ويقف الإصحاح الثاني والأربعون من سفر أشعياء ليجلى الحقيقة في ايهما يكون المجد المضاعف في عيسى أم محمد فيقول: "هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم ... " إلى أن يقول: " ... لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته" (أشعياء ٤٢: ١ - ٤) فاشعياء يتبنأ عن نبي تشكل نبوته اشتمالاً للجنس البشري كافة، بعكس أنبياء بني إسرائيل ومنهم المسيح عيسى ابن مريم الذين تحددت رسالاتهم إلى بني قومهم من بني إسرائيل. وأشعياء ينتبأ عن رسالة هذا النبي، بل عن ذاته قائلاً: "وض٢عت روحي عليه فيخرج الحق للأمم" (أشعياء ٤٢: ١) فسيقوده الروح الأمين لوضع رواسخ وأسس العدل الاجتماعي في الأرض، وعن ذاته وصفاته فيقول أشعياء: "لا يصيح ولا يسمع في الشارع صوته" (أشعياء ٤٢: ٢) بمقابلة هذا مع رسالة المسيح عيسى ابن مريم، فضلاً عن قصر مدتها إذ لا تعدو سنوات ثلاث ونصف السنة، مهد لها سايفة يوحنا المعمدان الذي لم يمهله قوى الشر فأنهت حياته في السجن، وجعلت رأسه ثمناً لنزوة طائشة لهيرودس ملك اليهودية قدمها لماجنة مبتذلة ابنة هيروديا زوجة أخيه فيلبس التي كانت على علاقة غير شرعية معه، كان قد قال له يوحنا: "لا يحل أن تكون لك، ولما أراد أن يقتله خاف من الشعب، لأنه كان عندهم مثل نبي" (إنجيل متى ١٤: ٣ - ٥) هذا بينما نبوة هذا النبي من سلالة إسماعيل سيمتد بها الأجل لفترة كافية لاستتباب الحق على الأرض، ولتأسيس مجتمع مؤمن موحد حقاً وشعب على أسس العدل والحق والنقاء والطهارة الجوانية والظاهرية، ومن ثم قلإنه سيصبح كما تنبأ أشعياء قائلاً: "أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم" (أشعياء ٤٢: ٦) . وما هو أروع وأكثر انبهاراً حول عبوديته الخصوصية لله الواحد الأحد، فإنه محمد سليل إسماعيل هو وحده الذي تتطابق شخصيته مع شخصية الجد الأعلى قيدار، إذ يتنبأ اشعياء فيقول في وضوح وجلاء: "لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها

стр. 33

قيدار، لتترنم سكان طالع، من رءوس الجبال ليهتفوا" (أشعياء ٤٢: ١١) . هذه الوضوح يتجلى في نبوة اشعياء عن ذات النبي سليل إسماعيل فيقول: "هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشراع صوته، قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ. إلى الأمان يخرج الحق. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته" (أشعياء ٤٢: ١ - ٣) . ويقول: "هكذا يقول الرب خالق السموات وناشرها، باسط الرض ونتائجها، معطي الشعب عليها نسمة، والساكنين فيها روحاً، أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم. لتفتح عيون العمى لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة" (أشعياء ٤٢: ٥ - ٧) . ولا ريب أن أشعياء تنبأ فقال عن سلالة إسماعيل سكان جزيرة العرب: "لترفع البرية ومدنها صوتها الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع، من رءوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الرب مجداً ويخبروا بتسبيحه في الجزائر، الرب كالجبار يخرج، كرجل حروب بنهض غيرته، يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه" (المرجع السابق/ أشعياء ٤٢: ١١ - ١٣) . إن هذه النبوة لا تنطيق على أحد من أنبياء بني إسرائيل حتى المسيح عيسى ابن مريم، فقد كفانا تدليلاً عن رسالته للمرأة الكنعانية التي تضرعت إليه قائلاً: "أرحمنى يا سيد يا ابن داود ابنتي مجنونة جداً) (متى ١٥: ٢٢) فرد عليها وأجاب: "قال لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (متى ١٥: ٤) . زد على ذلك أنه أوصى تلاميذه قائلاً: "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى ١٠: ٥ - ٦)

стр. 34

من هذين النصين على حسب رواية متى يتبين أن رسالة المسيح كانت محددة لبني قومه، وهنا يسأل طائل كيف خرجت رسالة المسيح من أورشليم إلى الأمم؟ كيف صارت عالمية؟ والجواب عن هذا يمكن فيما رواه لوقا في سفر أعمال الرسل. ولوقا استقى معلوماته وكتابته للإنجيل المعروف باسمه وبسفر الأعمال هذا كما يعترف في صدر إنجيله قائلاً: "إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا. كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفليس، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به" (إنجيل لوقا ١: ١ - ٤) ويقول في صدر سفر أعمال الرسل: "الكلام الأول أنشأته ياثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به" (أعمال الرسل ١: ١) إذن مصادر تدوين إنجيل لوقا، وسفر أعمال الرسل هي كما قال: "كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة" (لوقا ١: ٢) على هذا الأساس سنعالج خروج الدعوة من أورشليم إلى الأمم: لم يكن يسوع المسيح هو الذي أعطى رسالته طبيعة الشمول والعالمية، أبداً ولكن من؟ إنه شاول مضطهد الكنيسة الذي زعم أن المسيح تراءى الله وجعله تلميذاً. وعلى أثر هذا الانقلاب تسمى باسم بولس تيمناً تيمناً باسم الوالي الروماني بجزيرة قبرص، واسمه سرجيوس بولس "وهو رجل فهيم. فهذا دعا برنابا وشاول والتمس أن يسمع كلمة الله" (أع ١٣: ٧) . ويروى سفر الأعمال كيفية قيامه بالعمل مع تلاميذ يسوع المسيح: "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس: أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه" (أع ١٣: ٢) . كما يروي كيفية حلول الروح القدس عليه: "وأما شاول الذي هو بولس أيضاً فامتلأ من الروح القدس" (أع ١٣: ٢) .

стр. 35

كيفية الخروج بالدعوة إلى الأمم يروى سفر الأعمال أن بولس وقف في مجمع أنطاكية يتكلم محاجاً اليهود: الذين "جعلوا يقاومون ما قاله بولس مناقضين ومجدفين. فجاهر بولس وبرنابا وقالا كان يجب أن تكلموا أنتم أولاً بكلمة الله. ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلى الأمم" (أع ١٣: ٤٥، ٤٦) ليس فحسب به إنه أقحم نبوة أشعياء ٤٢: ٦ وألصقها بنفسه وفي هذا تمويه وتضليل إذ قال: "لأن هكذا أوصانا الرب قد أقمتك نوراً لأمم لتكون أنت خلاصاً إلى أقصى الأرض" (أع ١٣: ٤٧) نبوة تنبأ بها أشيعاء عن محمد ﷺ انتحلها لنفسه - ليس هذا فحسب، بل شطر الدعوة إلى شطرين وشطر التلاميذ في مجموعهم في كفة وشخصه في كفة أخرى فقال: "وأما المعتبرون أنهم شيء مهما كانوا لا فرق عندي الله لا يأخذ بوجة إنسان، لإغن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا على بشيء. بل بالعكس إذ رأوا أنى أؤتمنت على إنجيل الغرلة كما اؤتمن بطرس على إنجيل الختان. فإن الذي عمل في بطرس لرسالة الختان عمل في أيضاً للأمم. فإذا علم بالنعمة المعطاة إلى يعقوب وصفاً ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هو فللختان" (رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٢: ٦ - ٩) . وبولس قد أحاط نفسه بهالة من التقديس فزعم أنه كارميا الذي إليه كانت كلمة الرب قائلاً: "قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبياً للشعوب" (أرميا ١: ٥) فتتداعي في ذهنه المخزون من المحفوظات اليهودية وادعى قائلاً: "ولكن لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته. أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم للوقت، لم أستشر لحماً ودماً، ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت أيضاً إلى دمشق" (غلاطية ١: ١٥ - ١٧) . أما الإنجيل الذي كرز به لم يكن إنجيل المسيح، بل إنجيل شخصي إذ قال: "ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضاً إلى أورشليم مع برنابا آخذاًَ معي تيطس أيضاً، وإنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالانفراد

стр. 36

على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً" (غلاطية ٢: ١، ٢) إنه بعد أربع عشرة سنة صعد إلى أورشيلم وكان التلاميذ يخافونه، فأخذه برنابا وقدمه إليهم "ولما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ، وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ، فأخذه برنابا وأحضره إلى الرسل وحدثهم كيف أبصر الرب في الطريق وأنه كلمه وكيف جاهر في دمشق باسم يسوع. فكان معهم يدخل ويخرج في أورشليم ويجاهر باسم الرب يسوع" (أع ٩: ٢٦ - ٢٨) . هذه فذلكة موجزة حول شاول الذي هو بولس لتوضيح الرؤيا حول ادعائه أنه رسول المسيح يسوع، وإذا كان هذا مع بولس فإن بطرس فتح الباب للأمم. كيف كان ذلك؟ يحاجج بطرس اليهود قائلاً: "فسمع الرسل والإخوة الذين كانوا في اليهودية أن الأمم أيضاً قبلوا كلمة، ولما صعد بطرس إلى أورشليم خاصمه الذين من أهل الختان قائلين إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة، وأكلت معهم، فابتدأ بطرس يشرح لهم بالتتابع قائلاً أنا كنا في مدينة يافا أصلي فرأيت في غيبة رؤيا إناء نازلاً مثل ملاءة مدلاة بأربعة أطراف من السماء فأتى إلى فتفرست فيه متأملاً فرأيت دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء، وسمعت صوتاً قائلاً لي: قم يا بطرس اذبح وكل فقلت كلا يارب لأنه لم يدخل فمي قط دنس أو نجس فأجابني صوت ثانية من السماء: ما كهره الله لا تنجسيه أنت، وكان هذا على ثلاث مرات ثم انتشل الجميع إلى السماء ايضاً. وإذا ثلاثة رجال قد وقفوا للوقت عند البيت الذي كنت فيه مرسلين إلى من قيصرية. فقال لي الروح أن أذهب معهم غير مرتاب في شيء وذهب معي أيضاً هؤلاء الإخوة الستة، فدخلنا بيت الرجل، فأخبرنا كيف رأي الملاك في بيته قائماً وقائلاً له: أرسل إلى يافا رجالاً واستدع سمعان الملقب بطرس، وهو يكلمك كلاماً به تخلص أنت وكل بيتك، فلما ابتدأت أتكلم حل الروح القدس عليهم كما علينا أيضاً في البداءة

стр. 37

فتذكرت كلام الرب كيف قال إن يوحنا عمد بماء وآما أنتم فستعمدون بالروح القدس. فإن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا ايضاً بالسوية مؤمنين بالرب يسوع المسيح فمن أنا بقادر أن أمنع الله، فلما سمعوا ذلك سكتوا وكانوا يمجدون الله قائلين إذا أعطى الله الأمم أيضاً التوبة للحياة" (أعمال الرسل ١١: ١ - ١٨) إذن من هذه الشواهد يتبين بكل وضوح أن يسوع المسيح لم يجعل لرسالته طبيعة الشمول، ولكنهما شاول الذي هو بولس وبطرس تحت ظروف وقوعهما في غيبوبة بالنسبة لبطرس ومقاومة اليهود لبولس تنتهي إلى فتح الباب للأمم. هذا ولم يكن المسيح عيسى ابن مريم أو أي أحد الأنبياء العبرانيين ينتمي بأي شكل إلى قيدار، إذن فإن الوعد بنبي عظيم من بين العرب هو ما أشار إليه أشعياء باستيفاء حول النبوة بسليل قيدار. ولم يكن أشعياء إلا مؤيداً لموسى كليم الله، فإن الله سبحانه قد أوحى إلى عبده موسى ﵇ بأن الله سيقيم نبياً من وسط إخوتهم - إن العرب سلالة إسماعيل الابن البكر لإبراهيم أبناء عم إسحاق الابن الثاني لإبراهيم، يستحوذون انتباه عالمي ورجاء الأمم، إذ جاء في التوراة: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك. وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي أتكلم به باسمي أنا أطالبه" (تثنية ١٨: ١٨، ١٩) هذا المنتظر يتحتم أن يكون مماثلاً لموسى: فموسى مؤسساً لشعب إسرائيل وقائداً لهم، ورائداً يهديهم سواء السبيل. فهذا النبي المرتجى ينبغي أن يكون مؤسساً وقائداً ورائداً لمجتمع أهل الإيمان هذا فضلاً عن أن رسالة هذا النبي المرتجى ستمكث أمداً طويلاً كافياً لأنجاز أهداف حقيقية متماسكة. * * *

стр. 38

The Gospel Preview: The Paraclete رؤية مبصرة للإنجيل: الباراقليط إن إنجيل يسوع المسيح يعطي وصفاً محدداً وبتركيز عن ذاتية لذلك الذي فيه يتحقق الوعد ليجعل سلالة إسماعيل أمة عظيمة تأكيداً للوعد الذي جاء في سفر التكوين: الوعد لإبراهيم: "وأجعله أمة كبيرة" (تكوين ١٧: ٢٠) . الوعد لإبراهيم ثانياً: "سأجعله أمة لأنه نسلك" (تكوين ٢١: ١٣) الوعد لهاجر: "لأني سأجعله أمة" (تكوين ٢١: ١٨) . ونحن سنتاول إنجيل يوحنا في دراسة تحليلة حول النبأ بالنبي المرتجى الخاتم. فنقول ويقول العلماء الباحثون إنجيل حسب رواية يوحنا ليس بإنجيل يسوع المسيح الذي اشار إليه بولس في رسالته إلى أهل رومية إذ قال عن إنجيل المسيح: "فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه" (رومية ١: ٩) . وقال: "لأني لست أستحي بإنجيل المسيح" (رومية ١: ١٦) أين هذا الإنجيل؟ لا ندري ... وبغض النظر عن عدم وجود إنجيل المسيح فماذا يحدثنا إنجيل يوحنا؟ يعتبر إنجيل يوحنا صورة وصفية لحياة المسيح عيسى ابن مريم، وتعاليمه، وممارسته لآيات الله من شفاء المرضى إلى إخراج الشياطين إلى إقامة الموتى بإذن الله وضمن إنجيله أجزاء من كلمات المسيح والآيات التي صنعها الله بيديه ومع هذا فإن المسيح قد أخبر تلاميذه ولا سيما المقربين إليه بطرس ويعقوب ويوحنا فأنبأهم بأن خدمته تقترب إلى نهايتها "وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني" (يوحنا ١٦: ٥) ومن ثم أنبأهم بأن الرسالة لم تكتمل بعد وأن النبوة لم تختتم بعد، ولم يتركهم حيارى بل أنبأهم بالنبي الخاتم والرسالة التي ينزلها رب العالمين عليه ليسأنف حركة النبوة "إن لي أموراً كثيرة أيضاً لقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني" (يوحنا ١٦: ١٢ - ١٤) .

стр. 39

هذا النبي الخاتم رجاء الإنسانية يحدثنا يوحنا عنه قائلاًَ: ١ - يسوع يخبر تلاميذه بالرحيل: "لا تضطرب قلوبكم، أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي في بيت أبي منازل كثيرة وإلا فإني كنت قد قلت لكم أن أمضي لأعد لكم مكاناً" (يوحنا ١٤: ١، ٢) ٢ - يسوع يخبر تلاميذه بالنبي المنتظر: "إن كنت تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق ... " (يوحنا ١٤: ١٥ - ١٧) . ٣ - يسوع يؤكد لتلاميذه ملامح النبي المنتظر: "بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يوحنا ١٤: ٢٥، ٢٦) . ٤ - يسوع يثنى تأكيداته عن شخصية النبي المنتظر: "ومتى جاء المعزى الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء" (يوحنا ٢٦، ٢٧) . وقبل الاسترسال في شخصية النبي المنتظر نتساءل من هو يسوع المسيح بشهادات تلاميذه؟ : على أثر امتلاء التلاميذ بموهبة الروح القدس في أثناء اجتماعهم بدارهم في أورشليم يوم الخمسين. استقر الروح على المجتمعين وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا. فتحير اليهود الأمر الذي دفع بطرس أن يخطب فيهم قائلاً: ١ - "أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال. يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون" (أعمال الرسل ٢: ٢٢) . ٢ - "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه. ونحن شهود

стр. 40

بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم" (أعمال الرسل ١٠: ٣٨، ٣٩) هذا هو المسيح عيسى ابن مريم عزى تلاميذه بأن أنبأهم بالنبي المنتظر ورسالته: إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني" (إنجيل يوحنا ١٦: ١٢ - ١٤) . قد يثار حول النص الأخير من إنجيل يوحنا ١٦: ١٢ - ١٤ جدل بأن يسوع المسيح كان يتنبأ عن مكوث الروح القدس بينهم إلى الأبد من أجل خير معاصريه حتى خمسمائة عام على الأقل وقبل ظهور محمد ﷺ رسولاً. ولدحض هذا الجدل ولتأكيد أن هذه نبوة واضحة حلية عن شخص سيبعثه الله رسولاً نبياً للإنسانية كافة نقول وتقرر الأناجيل أن حديث يسوع المسيح ومواعظة بين تلاميذه المقربين وجمهور المؤمنين تحمل في مضمونها ومدلولها أنباء عن المستقبل وتوجيهات إلى الأجيال المتعاقبة في مستقبل الأيام ... مثال ذلك حديثه عن يوم الدينونة: "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته. وحينئذ بجازي كل واحد حسب علمه. الحق أقول لكم إن القيام ها هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته" (متى ١٦: ٢٧، ٢٨) . مثال آخر عن مجيئه الثاني: "وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر" (متى ٢٤: ٣) "والحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتي يكون هذا كله. السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول. وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات إلا أبي وحده" (متى ٢٣: ٣٤ - ٣٦) . واضح كل الوضوح أن هؤلاء التلاميذ الذين يتبعون يسوع المسيح لن يتمتد بهم الأجل ليشاهدوا أيا من يوم الدينوية ولا مجيئه الثاني بل لا حتى حدوثهما.
следующие страницы →