Полный текст (737 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقد استخدم تصنيف النمو وفقًا لاتجاه التحليل النفسي في مجال محاولات وصف تطور الشخصية وفهم أسباب الاضطراب أو الخلل، وتحليل خلق الراشد باعتباره يمثل مظاهر مرحلة معينة على غيرها، وتفسير الظاهرة المرضية النفسية على أنها نكوص إلى مراحل طفلية سابقة.
وبالرغم من تعدد تصنيفات مراحل النمو بتعدد الأسس التي قامت عليها، إلا أن أكثر هذه التصنيفات شيوعًا تلك التي تستند على الخصائص الجسمية ويمكن إيجازها فيما يلي.
مرحلة ما قبل الميلاد "من الإخصاب إلى ٢٨٠ يومًا":
تمتد هذه الفترة منذ لحظة الإخصاب، حيث ينتج عن اتحاد البويضة بالحيوان المنوي كائن فريد إلى حد كبير على الرغم مما سيكون بينه وبين أسلافه وأبويه وإخوته وأخواته من تشابه أساسي, والطفل في فترة الحمل يعتبر من الناحية السلالية مالكًا لآلاف السنين من الحياة البشرية، والطفل في بطن الأم يكون في حماية تامة، فهو محصن نسبيًا ضد الأذى الذي ينجم عن عدم كفاية الغذاء، ولكنه يستطيع أن يخل بتوازن الحالة الغذائية عند الأم, ومع ذلك يتأثر تكوين الجنين بالحالة الصحية والنفسية العامة للأم، فقد يؤدي تعرض الأم لبعض الأمراض الجسمية أو استخدام بعض العقاقير إلى أحداث إصابات في بنية الجنين مما يؤدي إلى إحداث تلف في مراكز المخ أو غير ذلك.
стр. 37
الطفل حديث الولادة "الأسابيع الأولى بعد الولادة":
تبدأ هذه المرحلة مباشرة بعد قطع الحبل السري وتستمر ما بين ١٥، ٢٠ يومًا. ويبدأ الطفل في هذه المرحلة بالتكيف لظروف الوسط الخارجي في المحيط الجديد له بعد انتقاله من بطن الأم إلى هذا العالم الخارجي، فمنذ هذه اللحظة يتوقف إمداد الأم للطفل بالأكسجين والحرارة والتغذية بواسطة الحبل السري، ويبدأ الطفل بالرضاعة من ثدي أمه، ويتنفس الهواء عن طريق الرئتين، كما يقوم بحماية نفسه عن طريق تنسيق وتنظيم درجة الحرارة ما بين جسمه والوسط الخارجي بالرغم من أن هذا التنسيق يكون ناقصًا في هذا الوقت, ويبدأ الجسم بتكوين الأجسام المضادة ضد مختلف الأمراض المعدية، كما يتم في هذه المرحلة أيضًا سقوط الحبل السري.
وتتميز هذه المرحلة بكون وظائف جسم الطفل لم تكتمل بعد لعدم نضوج الجهاز العصبي المركزي وخاصة لحاء المخ، ولذلك فإن الطفل يحتاج إلى عناية خاصة دقيقة.
وتختلف مدة هذه المرحلة، مرحلة تكيف الطفل لظروف الحياة الجديدة، من طفل لآخر، ولذلك لا توجد حدود ثابتة تفصل هذه المرحلة عن المرحلة التالية، وقد تستمر عملية التكيف عند بعض الأطفال أكثر من ٢٠ يومًا.
عندما يولد الطفل يتحول من جنين إلى وليد وتستمر هذه الفترة حتى نهاية الشهر الثاني من عمره، وفي غضون تلك الفترة يعتمد الوليد اعتمادًا كليًا في تغذيته ورعايته على أمه.
ويقضي الطفل حديث الولادة الجزء الأكبر من وقته في النوم "حوالي ٢٠ ساعة يوميًا", وقد قامت "شارلوت بهلر" Buhler و"هتزر" Hitzer بدراسات عديدة على الأطفال في مراحل سنية مختلفة، وقاما بتسجيل كل ما يقوم به الطفل في غضون يومه، واستخلصا من دراستهما إلى حدوث أشياء معينة في المجال اليومي لكل مرحلة من العمر، وبالنسبة للطفل حديث الولادة فقد وجد أنه يقضي حوالي ٨٠% من ساعات يومه في النوم، أما الجزء الباقي فيكون موزعًا كما يلي:
стр. 38
أ- حالة النصف إغفاءة, وهو الوقت الذي لا يكون فيه الوليد مستغرقًا تمامًا في النوم ولا في تمام اليقظة.
ب- استجابات سلبية، وهي عبارة عن تلك الاستجابات الناتجة عن الخوف من المثيرات العنيفة أو المفاجئة والتي لا يكون الطفل متهيئًا لها.
وهي عبارة عن كل مثير مفاجئ أو صوت عال مفاجئ أو صرخة حادة أو اختلال في التوازن "فقد السند"، كما يدخل تحت نطاق تلك الاستجابات السلبية الصراخ والبكاء والذي يرجع أسبابه -في أغلب الأحيان- إلى الجوع أو البلل أو التبرز أو القيء وأحيانًا أخرى إلى أسباب غير معلومة.
جـ- تناول الطعام "الرضاعة"، في الفترة التي يقضيها الوليد الحديث متيقظًا يقضي معظمها في عملية الرضاعة, وكذلك القيام ببعض الحركات, واستقبال بعض المثيرات الحسية التي تقع على حواسه المختلفة.
مرحلة المهد "من أسبوعين إلى العامين":
وهذه المرحلة تمثل فترة العجز بسبب ضرورة اعتماد الطفل تمامًا على الآخرين لإشباع حاجاته, وبالتدريج يصير الطفل أكثر استقلالية من خلال تعلم ضبط عضلاته لكي يستطيع أن يقوم بتغذية نفسه، وأن يمشي وأن يلبس نفسه، وأن يتكلم، وأن يلعب.
ويكون وزن الطفل الوليد حوالي ٧ أرطال، ويزيد وزن الذكور عن الإناث بمقدار نصف رطل تقريبًا, والفروق الفردية في الوزن كبيرة، وقد يحدث نقص بسيط في الوزن عقب الولادة مباشرة، ولكنه يستكمل عادة بعد ذلك بأسبوع أو أسبوعين، ثم تزداد سرعة النمو فيبلغ الوزن في الشهر الخامس ضعف ما كان عليه، وفي نهاية السنة الأولى ثلاثة أمثاله, أما طول الوليد عند الولادة فيكون حوالي ٢٠ بوصة في المتوسط، ويزيد بمقدار ١٠ بوصات تقريبًا في السنة الأولى، وتظهر أولى الأسنان بين الشهرين السادس والسابع, ولكن الفروق في هذه الناحية كبيرة جدًا، ولا تكتمل المجموعة الأولى من الأسنان اللبنية أو المؤقتة إلا في حوالي السنة الثانية من العمر.
وتتميز مرحلة المهد بصفة عامة بالنمو السريع واستمرار تطور
стр. 39
جميع أجهزة وأعضاء جسم الطفل، ولذلك يحتاج الطفل إلى كمية كبيرة من الطعام بالنسبة لوزنه، ويجب أن نتذكر أن وظيفة الجهاز الهضمي لا تزال في هذه المرحلة في دور النمو، ولذلك يجب أن تكون تغذية الطفل منسجمة مع مدى نضج جهازه الهضمي وإلا حدث اضطراب في عمل هذا الجهاز، يستمر في هذه المرحلة أيضًا نمو الجهاز العصبي المركزي وخاصة لحاء المخ.
وسرعان ما يأخذ الطفل في هذه المرحة في تعلم الاستجابة للمثيرات المرتبطة باهتمام الكبار والصغار به جسميًا واجتماعيًا في البيت, فالطفل وإن كان كائنًا حيًا متكيفًا بذاته إلا أنه يعتمد أيضًا في تنشئته على بيئته بدرجة كبيرة, فاختلال التوازن في عملياته الجسمية يدفعه إلى الصراخ الذي يجعل الآخرين يستجيبون له. فإذا لم يظفر الطفل بالعناية إلا إذا صرخ فقط، فقد يتخذ من الصراخ وسيلة لجذب الانتباه إلى نفسه. أما إذا لقي اهتماما به وهو يناغي أو يقرقر، أو عندما يكون سعيدا فإن المناغاة والقرقرة قد تغدوان أيضًا طريقة مكتسبة للحصول على الاهتمام الاجتماعي.
وتتميز هذه المرحلة أيضًا بنمو جميع الوظائف التوازنية نموًا تامًا، كما تتصف بالنمو السريع للحاء النصفين الكرويين للمخ، الذي ينتج عنه بدء مركز التكلم في القيام بوظيفته فلا يقتصر الطفل على نطق بعض المقاطع والألفاظ بل يستطيع تركيب الجمل من الكلمات المفردة، وهكذا تأخذ لغته في النمو تدريجيًا.
مرحلة الطفولة المبكرة "من ٢-٥ سنوات":
يستمر في هذه المرحلة نمو أجهزة جسم الطفل وتتطور قدرته العقلية، ويزداد تطور وظائف المخ.
وتتميز هذه المرحلة بمعدل سريع في مسار النمو، يشمل مكونات النمو المختلفة الجسمية، والعقلية، والانفعالية والاجتماعية.
ففي هذه المرحلة يكون الطفل قد تعلم الاتصال الحسي الحركي في عملية المشي والحركة، وتناول الأطعمة الصلبة، كما تأخذ حصيلته اللغوية وعادته الكلامية في النمو، وتتخذ عملية التخلص من الفضلات
стр. 40
عنده صيغة اجتماعية، ويكتسب الحياء، وينمي مدركاته عن العالم الاجتماعي والمادي، ويرتبط انفعاليًا برفاقه، ويأخذ في التمييز بين الصواب والخطأ.
ولهذا فإن إتاحة الفرص الملائمة للنمو الكامل في الطفولة المبكرة تعتبر على أكبر جانب من الأهمية بالنسبة للمراحل التالية.
ويمكننا تخليص أهم مظاهر النمو من هذه المرحلة فيما يلي:
١- يتم في السنة الأولى للطفل كما سبق أن ذكرنا سيطرته على حركة ساقيه وقدميه وحركة الإبهام والسبابة, كما يتمكن من جذب الأشياء ودفعها من الوقوف منتصبًا, أما في السنة الثانية فيتمكن من المشي والجري ويستعمل كلمات وجمل بسيطة ويتمكن كذلك من سيطرته على حركة المعدة والمثانة ويبدأ في تكوين فكرة عن نفسه.
٢- أما في السنة الثالثة فيتمكن من التعبير عن نفسه في جمل مفيدة، ويبدي استعدادًا لفهم البيئة المحيطة به والاستجابة لمطالب الكبار، ولا يصبح بالتالي مجرد طفلا صغيرًا.
٣- وفي السنة الرابعة يسأل الطفل أسئلة كثيرة ويمكنه إدراك التجانس والتشابه. ويصل إلى مرحلة من التفكير يتمكن فيها من التعميم كما يتمكن فيها من الاعتماد على نفسه في الأعمال الروتينية اليومية.
٤- وفي السنة الخامسة يتم نضجه الحركي فيقفز ويقوم بالكثير من المهارات الحركية الأخرى ويتحدث حديثًا خاليًا من لكنة الأطفال، كما يجد نوعًا من الكبرياء في ملبسه ومظهره، وما يقوم به من أفعال ويكتسب ثقة في نفسه ويصبح مواطنا صغيرًا في عالمه الخاص.
ولأهمية هذه المرحلة بالنسبة لمسار النمو في المرحلة التالية، يؤكد علماء النفس والتربية على ضرورة الاهتمام بدور الحضانة خاصة مع متغيرات هذا العصر وخروج المرأة إلى العمل.
стр. 41
مرحلة الطفولة الوسطى "من ٦-١٠ سنوات":
تتصف هذه المرحلة بحدث خطير في حياة الطفل, ويتمثل في التحاقه بالمدرسة في حوالي سن السادسة وما يتوفر له من تنظيم عوامل استثارة النمو بالخبرات المدرسية والتربوية الملائمة.
ويصف علماء النفس التشريح هذه المرحلة بأنها فترة كمون نسبي في معدل النمو، ففيها يأخذ النمو في الإبطاء ويكون الجهاز التناسلي قد بلغ حوالي ١٩% من حجمه عند الشخص الراشد, ويبلغ الجسم في مجموعه ما يقرب من ٤٢% والمخ والجهاز العصبي ٩٠%، والجهاز الليمفاوي أيضًا٩٠% والواقع أن كل أجزاء الجسم تستمر في النمو في الطفولة الوسطى، غير أن مدى زيادة النمو في وحدة الزمن يكون بسيطًا، كما أن أثره في التدرج نحو النضح لا يلفت النظر، ويتم في هذه المرحلة نمو معظم أعضاء الجسم، وتسقط الأسنان اللبنية وتظهر محلها الأسنان الدائمة.
وإبان هذه المرحلة يزداد النمو في النمط الليمفاوي "الغدة التيموسية، والغدة الليمفاوية، الكتل الليمفاوية المعوية" فالمادة النسيجية كاللوزتين مثلا تبلغ في نموها حجمًا ضخمًا ثم تضمر، وكذلك تفعل الغدة التيموسية فإنها تأخذ في الضمور قرب مرحلة البلوغ.
ويبلغ المخ والحبل الشوكي معظم تطورهما في هذه المرحلة, ولذا فإن الكثير من المهارات اللغوية والحركية الهامة يتم اكتسابه فعلا بدخول الطفل المدرسة.
وتتصف هذه المرحلة بنمو الأعضاء التناسلية عند الذكور والإناث من الأطفال بمعدل أبطأ من معدل نمو سواها من أجزاء الجسم. غير أنه من الخطأ أن نفترض غياب كل المشاعر والميول الجنسية، فإن الكثيرين من الناس يرجعون بمعلوماتهم وخبراتهم المبكرة في هذه الناحية إلى مرحلة الطفولة الوسطى, وإذا كان الكثير من الآباء يميل إلى تسويف أي خطة للتربية الجنسية، إلا أنهم يفاجئون بأن الطفل قد حصل من رفاقه وملاحظاته وقراءاته على طائفة شتى من المعلومات في هذه الناحية.
ويتضمن النمو في هذه المرحلة تعلم المهارات الجسمية اللازمة للألعاب العادية ولتكوين اتجاهات سليمة نحو الذات ككائن حي نام، وتعلم
стр. 42
الوفاق مع الغير، والدور الاجتماعي لكل من الرجل والمرأة وتنمية المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، والمفاهيم الضرورية للحياة اليومية، وتنمية الضمير والخلق ومعايير القيم، وتحقيق الاستقلال الشخصي، وتنمية الاتجاهات الاجتماعية.
بالرغم من أن مرحلة التعليم الابتدائي تقسم عادة إلى مرحلتين، الطفولة المتوسطة من ٦-٩ سنوات، والطفولة المتأخرة من سن ٩-١٢ سنة، إلا أن "روبرت هافيجهرست" يعتبرها مرحلة واحدة، وتتصف هذه المرحلة عامة بالتعبيرات التالية:
١- يشعر الأطفال عادة في هذه السن برغبة أكيدة في تحقيق الذات وسط عالم الكبار لتبلور فكرتهم عن أنفسهم ورغبتهم في تأكيد ذواتهم مما يؤدي إلى سعيهم إلى الحذر من الكبار في تصرفاتهم والتكتم فيما يقومون به أو يفعلونه.
٢- تتميز هذه السن ببدء انطلاق الطفل من المنزل فيصبح إرضاء الأصدقاء أهم من إرضاء الآباء أو الكبار.
٣- يتميز الطفل في هذه السن بالنشاط والطاقة الزائدة مما يؤدي به إلى قضاء أكثر وقته خارج المنزل في اللعب ويصعب على الكبار انتزاعه من بين أصدقائه في اللعب؛ لذا قلما يلج المنزل إلا عندما يشعر بالجوع ويقوم بذلك وهو كاره لتركه أصدقائه في اللعب.
٤- يأخذ الأطفال في هذه السن الأمور بجدية تامة ويتوقعون الجدية من الكبار, لذا نراهم في حاجة إلى المعاملة الثابتة الخالية من التذبذب.
٥- تعتبر هذه المرحلة حدًا فاصلا بين المرحلة السابقة لها والتي كان فيها طفلا يعامل كطفل، والمرحلة التي تليها والتي يشب فيها عن الطوق، لذا يشعر طفل المدرسة الابتدائية بأنه لا ينتمي إلى عالم من هم أصغر منه ولا عالم من هم أكبر منه مما يؤدي إلى صعوبة التعامل معه ويزيد من مشقة الحصول على المعلومات من الأطفال في هذه السن.
стр. 43
مرحلة الطفولة المتأخرة "١٠-١٢ سنة":
تتحدد أهمية هذه الفترة بأنها مرحلة انتقالية بين الطفولة، والمراهقة مرحلة تهيئة للتغيرات الجذرية السريعة التي تأتي مع البلوغ.
في هذه المرحلة "الفترة" العمرية يكون الطفل عادة في الصف الخامس أو السادس من المدرسة الابتدائية، ونشاط النمو في هذه المرحلة استمرار لما حدث في المرحلة السابقة، ومن ثم تزيد معظم المدارس من اهتمامها باكتساب التلاميذ للمهارات والمعلومات والاتجاهات، وتعنى المدارس الحديثة بتأكيد المعنى والدافع في طرق التدريس، في حين ينصب التأكيد في المدارس التقليدية، على المادة أو الاستظهار والتدريب الشكلي، ونظرًا لأن هذه المرحلة تتميز بالنمو السريع وبظهور الخصائص الجنسية الثانوية فإن العادات والتقاليد الاجتماعية تصبح عاملا من عوامل تحديد العلاقات الاجتماعية بين البنين والبنات وتعديلها.
مرحلة المراهقة "من ١٢-٢٠ سنة":
وهي مرحلة البلوغ الجنسي ويكتشف الأطفال في الفترة من هذه المرحلة مع مراعاة ما بينهم من الفروق الفردية، عن كثير من الخصائص الجسمية التي تنبئ بنضج الوظائف الجنسية، ومن ذلك التغيرات السريعة في الخصيتين والمبيضين والتغيرات الهامة في توازن هرمونات الذكورة وهرمونات الأنوثة.
وفي هذه المرحلة يبلغ التنظيم الوظيفي للمخ Anesation Brain Funclional الحد الأقصى لنموه وتطوره، وتزول الغدة التيموسية Thymus وتبدأ الغدد التناسلية في العمل، كما تأخذ الوظائف الجسمية في النضوج نحو الذكورة أو الأنوثة.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن المسار الصحيح للنمو -كعملية متعاقبة- مستمرة متكاملة، مركبة منفردة يعتمد اعتمادًا بالغًا على التوجيه الأمثل لعملية التغير، وعلى عوامل استثارة النمو.
стр. 44
مفهوم المراحل في علم نفس النمو:
تبقى أخيرًا مسألة المراحل في علم نفس النمو، وهل صحيح أن نمو الطفل يمر بمراحل زمنية معينة كما يشير إلى ذلك بعض علماء سيكولوجية النمو؟
إن الجواب عن هذا السؤال ليس بالأمر اليسير باعتبار أن مفهوم المراحل ما يزال غامضًا في علم النفس، وإن الاختلاف في الآراء والنظريات قائم حتى الآن بين علماء النفس, ومؤتمر علم النفس الذي عقد في جنيف لعام ١٩٥٥، يشير بوضوح إلى هذا التناقض والغموض، "إن علم النفس التكويني هو بالفعل كما يقول بياجيه في وضع متناقض فيما يتعلق بتحديد المراحل", وجميع العلماء الذين يدرسون نمو الطفل يجدون أنفسهم مجبرين على اتباع المراحل الطبيعية أو المتفق عليها من خلال التطورات الحاصلة في نمو الطفل, والسؤال المطروح الآن، كيف يحدث النمو؟
هناك نظريات مختلفة في هذا الموضوع سنكتفي بأهمها ونعني بذلك نظرية "بياجيه" ونظرية "فالون" وما يهمنا في هذا الموضوع ليس النمو الجسمي أو البيولوجي عند الطفل بل النمو العقلي ونمو الشخصية.. وإذا كان النمو البيولوجي يتم بصورة متدرجة ومستمرة ولكن بدرجات مختلفة، فإن النمو السيكولوجي قد يكون مشابهًا أو موازيًا للنمو البيولوجي الذي يبدأ منذ تكوين الجنين ويستمر حتى الثامنة عشرة.
إن "فالون" Wallon ينظر إلى النمو على كونه مجموعة من المراحل تحدث فيها فترات من الراحة تعقبها قفزات في النمو, وهذه القفزات يطلق عليها "فالون" اسم "أزمات النمو", والنمو المقصود هنا ليس زيادة سنتيمترات في الوزن والحجم والقامة, أي إن النمو ليس زيادة في الكمية بل في الكيفية وفي حدوث وظائف جديدة عند الطفل, والنمو وحدة دينماميكية تتم عبر مراحل متعددة ينتقل فيها الطفل من حالات الضعف والتفكك إلى مرحلة الرجولة, ويعتقد "فالون" أن الانتقال من مرحلة نمو سابقة إلى مرحلة جديدة لا يتم دون حدوث تحولات مفاجئة, وهذا لا يعني انتفاء المرحلة السابقة، وإن النمو يتم بصورة أفقية أو على
стр. 45
شكل خط مستقيم, ويمكن للقارئ لزيادة المعلومات أن يطالع كتاب "فالون" عن "التطور السيكولوجي عند الطفل"، وكما توجد هناك فترات من النوم وفترات من اليقظة أو النشاط في حياة الكائن البشري، فإن النمو عند "فالون" يشبه إلى حد بعيد هذا التعاقب بين الهدوء والنوم من جهة وبين النشاط والتأزم من جهة, وهذا التعاقب القائم على التحولات الوظيفية يتم خلال مراحل متعددة: "مرحلة الجنين, مرحلة الولادة, المرحلة الانفعالية أو التعبيرية قبل بداية اللغة, المرحلة الانعاكسية المتجه نحو الأشياء, ومرحلة التأزم الشخصي في الثالثة ... إلخ".
أما النمو عند "بياجيه" فهو سلسلة متصلة الحلقات بحيث تعتبر كل مرحلة امتدادًا للمرحلة السابقة وتمهيدًا للمرحلة التالية, وهذا يعني أن النمو متدرج ومستمر ولا يقوم على مبدأ التعارض أو التناقض والتأزم كما هو الحال مثلا عند "فالون". وفيما يتعلب بالتطور العقلي. هناك إنباء في كل مرحلة، وهذا الإنباء يتطور في المراحل التالية وينتقل من حالة الغموض والتوازن الضعيف أو المختل إلى حالة الوضوح والتوازن المتكامل, فهناك الذكاء الحسي الحركي، وهناك الذكاء الحدسي والذكاء المحسوس أو العملي وأخيرًا الذكاء المجرد, وإذا قسم "بياجيه" النمو إلى مراحل وحاول أن يحصرها في حدود زمنية، فهذا لا يعني أن تلك الحدود واحدة وشاملة ومشتركة عند جميع الأطفال في المجتمعات المختلفة. إن العمليات العقلية المتبادلة والتي تبدأ مثلا في السابعة عند الطفل السويسري قد تتغير عند الطفل المصري أو الأفريقي باعتبار أن ظروف الحضارة والمجتمع بما في ذلك الأسس السيكولوجية مختلفة تمامًا, يضاف إلى ذلك أن العينات التي درسها بياجيه لم تكن ممثلة وكبيرة وشاملة, إذا اكتفى بدراسة بعض الأطفال في مدينة جنيف، وكان العدد قليلا بحيث لم يتجاوز العشرين أو المائة في دراسة كل مرحلة، ثم لم تتناول دراسات بياجيه الأطفال في مختلف مناطق سويسرا, وهذا يعني أن العينة لم تكن ممثلة ولا تسمح باستخلاص النتائج والتعميمات, وإذا ألقينا نظرة على الدراسات الأنثربولوجية والسوسيولوجية، فإننا نرى بأن مراحل النمو تختلف من مجتمع إلى آخر ولا يمكن بالتالي حصرها في سنة معينة. فالمراهقة التي تبدأ بصورة عامة في حدود ١٢-١٤ في المجتمعات الأوربية نرها تبدأ في حدود العاشرة مثلا في البلدان الأفريقية, وأزمة المراهقة التي تكلم عنها علماء النفس الغربيون قد لا نجدها في بعض المجتمعات كما هي الحال مثلا في جزر الساموا بحيث لا توجد روادع جنسية وأخلاقية.
стр. 46
وكذلك عقدة أوديب قد لا نجدها في بعض المجتمعات, وهذا يتوقف على طبيعة العلاقة الاجتماعية بين الطفل والأهل, ففي جزر تروبرياند تنصب عقدة أوديب على الخال وليس على الأب باعتبار أن الخال هو الأب الروحي والمسئول عن تربية الأطفال، ولا يمكن تحديد دور الأب نظرًا لتعدد علاقة الأم بالجنس الآخر, وإذا كان علماء النفس في أوربا ومنهم "بياجيه" قد عمدوا إلى تقسيم النمو إلى مراحل، فإن هذا الحماس لم يكن واردًا وبنفس الدرجة عند علماء النفس في أمريكا.
إن جيزل Gessell الذي يعتبر من أئمة علماء النفس التكويني لم يحدد بوضوح مراحل النمو المختلفة عند الطفل, بل يكتفي بدراسة النمو وعلاقة الطفل مع الآخرين منذ الولادة وحتى العاشرة, ومن العاشرة وحتى السادسة عشرة, وهو يتكلم عن الخصائص المميزة لكل سن, ويعتقد بوجود أزمة في النمو تبدأ في السادسة تقريبًا بحيث ينتقل الطفل من البيت إلى عالم المدرسة.
وإذا كان "فالون" يعتبر مثلا أن سن الثالثة هي مرحلة تأزم في شخصية الطفل تعرف بأزمة المعارضة، فإن علماء النفس يختلفون في تظرياتهم وتفسيراتهم, فمنهم من ينظر إلى النمو من وجهة التحليل النفسي كما فعل فرويد وأتباعه, ومنهم من ينظر إليه من ناحية التداخل الاجتماعي والانفعالي، ومنهم من ينظر إلى الموضوع من زاوية التطور العقلي والعمليات العقلية, ولا يمكننا الآن الدخول في التفاصيل.
ولكن كيف يحاول "بياجيه" الخروج من المأزق؟ وهل تقسيماته للنمو العقلي لا يمكن الاعتماد عليها لأنها ليست شاملة؟
إن المحور الأساسي عند "بياجيه" ليس الحدود أو التقسيمات الزمنية التي تتبدل وتتغير بالنسبة للأطفال والمجتمعات، ولكن تفكير "بياجيه" يرتبط بنظام التدرج أي تدرج العمليات العقلية ومرورها بمراحل تطور ثابتة, فهناك في المرحلة الأولى الذكاء الحسي الحركي، يليه الذكاء الحدسي فالذكاء المحسوس، وأخيرًا الذكاء المجرد, وإن معظم اختبارات "بياجيه" التي سيرد ذكرها فيما بعد تشير بوضوح إلى هذا التدرج الثابت في تطور العمليات العقلية، والبناء العام هو حصيلة البناءات العديدة المتدرجة والتي تصل أخيرًا بالطفل إلى درجة التوازن
стр. 47
والتفكير المنطقي, وينظر "بياجيه" إلى المراحل على كونها وسيلة أو أداة ضرورية لدراسة وتحليل العمليات العقلية, لذا لا تشكل المراحل هدفًا بحد ذاتها بل هي وسيلة لتسهيل الدراسة, ولكن هذا الرأي ليس مشتركًا بين علماء النفس الذين ينظرون إلى الموضوع من وجهات نظر مختلفة كما ذكرنا, لهذه الأسباب وغيرها لا يمكننا في الوقت الحاضر أن نتحدث عن وجود مراحل عامة ثابتة وبصورة مطلقة، والأبحاث المقبلة قد نجد جوابًا لهذه المسألة المعلقة.
فإن قسمت حياة الإنسان إلى مراحل فهذا فقط من أجل الدراسة, فنمو الكائن الإنساني سلسلة متصلة من الحلقات تتأثر بما قبلها وتؤثر فيما بعدها، وعلى ذلك فنظرتنا نظرة متكاملة كلية وليست نظرة جزئية لمراحل النمو الإنساني.
стр. 48
الفصل الثاني: محددات السلوك الإنساني
مدخل
...
الفصل الثاني: محددات السلوك الإنساني
كلما تقدم الوليد الإنساني في مدارج النمو، كلما لاحظنا حدوث تغيرات في جوانبه الجسمية والسلوكية، فالطفل ينمو جسميًا حيث يصبح أكبر من ذي قبل، كما أن نسب جسمه تتغير ويصبح تدريجيًا أقوى, قادرًا على إجراء استجابات أكثر تركيبًا وتعقيدًا ويمكنه تناول المشكلات الأكثر تعقيدًا, بالإضافة إلى أنه ينمي ميولا واتجاهات وقدرات مختلفة.
ويهتم معظم دراسي علم النفس النمو بوصف وتفسير هذه التغيرات التي تحدث للوليد الإنساني كلما تقدم في عمره الزمني، ويرون أن هذه التغيرات النمائية ما هي إلا سلسلة متدرجة من المراحل النمائية، كما أن البعض يرجع هذه التغيرات إلى أسباب سيكولوجية، ومنهم من يرجعها إلى أسباب بيئية، وفرق يرجعها إلى التفاعل بين الأسباب الوراثية والأسباب البيئية معًا.
وعمومًا، سنتأمل سويًا في ثنايا هذا الفصل محددات سلوك الوليد الإنساني كما سنتعرض لبعض النظريات التي حاولت تفسير حدوث التغيرات عند الطفل سواء في جوانبه الجسمية أو السلوكية.
стр. 49
النضج Maturation:
إن بعض التغيرات التي تحدث مع تقدم العمر الزمني قد تعزى إلى الوراثة البيولوجية، بالإضافة إلى حقيقة أننا كآدميون، حيث نجد هذه التغيرات تجعلنا مختلفون عن سائر الكائنات الحية الأخرى، فالطفل في نموه يصبح إنسانًا راشدًا، كما أن المواد الوراثية المكونة في كل خلية يمكن أن تتحكم في بعض جوانب النمو التي تحدث للوليد البشري، وهذا النمو يحدث مستقلا من التفاعل مع البيئة. بمعنى أنه يغفل التأثيرات الخارجية وفي تلك الحالة يسمى بالنضج, وسوف نرى في نهاية هذا الفصل بعض الميكانزمات النوعية والتي من خلالها تتحكم الوراثة في النمو الإنساني، كما سنرى أن ثمة تعويق في المواد الجينية المسببة بواسطة بعض العوامل كالفيروسات وأشعة x وكيماويات أخرى يمكن أن تغير وتبدل وبصورة متطرفة مجرى النمو الإنساني.
стр. 50
وتشير "هيرلوك" Hurloc ١٩٧٢ أن مجريات النضج تحدد وتؤثر على النمو، أو على الأقل تضع المحددات العامة للنمو، ومع ذلك فإنه بالنسبة لمعظم الكائنات البشرية نرى أن محددات النضج لا تقابل وتواجهه بصورة كلية، حيث أننا لا نصل مطلقًا إلى إمكاناتنا الحقيقية.
والنضج يؤثر على أنماط النمو المختلفة، سواء منها السلوكية أو الجسمية، ويشير كثير من علماء نفس النمو أن أنماطًا سلوكية إنسانية عديدة، تنمو من خلال النضخ فالقدرة على المشي مثلا، نجدها تتأثر بالحد الأدنى، فقط بخبرة التعلم, ويستدلون على ذلك بنتائج دراسات أطفال الهوبي Hopi بالهند، حيث نجد الأمهات قد اعتدن على ربط أطفالهن على ألواح خشبية هزازة حيث يمكن حملهم على ظهورهن، ويظل أطفال هذه القبائل مرتبطون بهذه الألوالح والأحبال أغلب الوقت خلال الثلاثة أشهر الأولى من حياتهم.
ونتائج دراسة "ماسون" Mussen ١٩٧٣ تشير إلى أنه على الرغم من أن هؤلاء الأطفال لم يستطيعوا تحريك أرجلهم عندما يحملون على طهور أمهاتهم، وبالتالي لم يكن لديهم الخبرة في استعمال العضلات المتطلبة في المشي, إلا أنه وجد أنهم عندما ينتزعون من تلك الألواح الخشبية الهزازة فإنهم يمشون في نفس العمر الزمني للأطفال الآخرين تقريبًا.
جملة القول أن فقدان فرصة التدريب الحركي للأذرع والأرجل لهؤلاء الأطفال لم يعق نمو المشي عندهم, وجدير بالذكر فإنه منذ لحظة الحمل نجد الجنين النامي يتفاعل في طرق معينة مع البيئة، وعمومًا يؤدي التفاعل بين الطفل والعالم الخارجي إلى تغييرات سلوكية، نقول حينئذ أن التعلم قد حدث, والكائنات الإنسانية يمكنها أداء أشكال بسيطة جدًا من التعلم حتى قبل الولادة SPelt؛ "١٩٤٨" ومع ذلك فمن الصعب للغاية بالنسبة للسيكولوجيين تحديد أي السلوك يعزى إلى النضج وأي منها يرجع إلى التعلم, وبصورة واضحة فإن النضج والتعلم يرتبطان بصورة وثيقة في تأثيراتهما على النمو الإنساني, فالنضج يفسر التشابهات الكثيرة بين الكائنات البشرية، كما أن العلاقة بين النضج والتعلم تلقي الضوء على تفرد سلوك الكائن الإنساني.
стр. 51
ولقد استخدم كثير من علماء نفس النمو مثل "جيزل وتمبسون" Gesell & Thomposn؛ "١٩٢٩", ستراير Strayer وهليجارد Hilgard؛ "١٩٣٣" التوائم المتماثلة للتمييز بين تأثير التعلم والنضج على النمو الإنساني, وتلك التوائم المتماثلة يكون لديها نفس الجينات الوراثية، فإن الاختلافات الملاحظة في أنماط سلوكهم يمكن أن تعزى إلى خبرات الحياة المختلفة, وأشارت نتائج الدراسات سابقة الذكر إلى وجود اختلافات سلوكية كثيرة عند التوائم المتماثلة كما وجدوا كذلك كثيرًا من التشابهات, ويجب أن نشير إلى أن التشابهات السلوكية عند التوائم المتماثلة لا يمكن أن نرجعها إلى العوامل الوراثية فقط، وبغض النظر عن التأثيرات البيئية، حيث نجد في أغلب حالات التوائم المتماثلة أنهم يقضون وقتًا طويلا معًا, وغالبًا ما يذهبا إلى مدرسة واحدة أو يوضعا في فصل دراسي واحد، كما أن لديهم سجلا صحيًا متشابها، وبصورة عامة يتقاسمون بيئة مادية واجتماعية متشابهة, وعلى ذلك فإن التأثيرات البيئية متشابهة بدرجة كبيرة أو على الأقل في بعض جوانبها بالنسبة للتوائم المتماثلة, وعلى ذلك فإننا لا نستطيع التأكد أن التشابه في سلوك التوائم المتماثلة يعزى إلى النواحي الوارثية وحدها, ومع ذلك فإن كثيرًا من الاختلافات التي تحدث ترجع إلى البيئة وليست إلى الوراثة.
واستخدم "هليجارد" Hilgard؛ "١٩٣٣" توائم متماثلة لدراسة التأثيرات النوعية للنضح عن عمليات التذكر والأداء الحركي، ودرس "هليجارد" زوجين من التوائم المتماثلة أعمارهم ما بين ١٦ شهرًا إلى ٤٥ شهرًا، وركز على سلسلة من المهارات المتضمنة الاستجابات الحركية والتذكرية, وكانت الاختبارات العددية, وهز الجرس على القدم, والمشي على امتداد مائدة ضيقة طويلة، ولم يظهر أي من التوأمين في بداية الدراسة أية قدرة في أي من هذه المهارات, وبعد ذلك أعطى التوأم "أ" تدريبًا خاصًا، ولم يعط التوأم "ب" أي تدريب, وبعد ثلاثة أشهر اختبر التوأمين، ولقد وجد "هيلجارد" أن التوأم الذي لم يحظ على أية تدريب قد لحق بسرعة بالآخر, ولم يتضح له أي فائدة قد اكتسب من التدريب المبكر, وأشار "هيلجارد" أن مهارات التوائم قد نمت أثناء النضج فقط، وأشار إلى أن التدريب لم يساعد في سوها.
وتأثير رئيسي للنضج على النمو في أنه يتيح أنواع جديدة من
стр. 52
السلوك الممكن لكي تظهر، فدراسات "جيزل" Gessll على الأنماط السلوكية الجديدة للأطفال يبدو أنها كانت ذاتية النشأة Autogenous، فالأنماط ذاتية النشأة أو التوليد يبدو أنها تظهر تلقائيًا بدون إعداد أو تدريب، والمشي ما هو إلا مثال جيد على ذلك من الممكن أن تتأخر عملية المشي عند الطفل بسب عدم توفير الغذاء الكافي والمناسب له، وبالتالي نجد أرجل الطفل لا تنمو بصورة كافية لكي تحمل وزنه, ومن جانب آخر فباستثناء هذا الحرمان، فيمكن أن نتوقع أن كل الأطفال يمكنهم المشي في نفس العمر الزمني تقريبًا أو في نفس مرحلة النمو بغض النظر عن توفير أي نوع من الخبرة التعليمية الخاصة لهم في هذا المجال.
وتشير نتائج دراسات سيكولوجية النمو أن الأنماط السلوكية ذاتية التولد والنشأة والتي ترجع إلى النضج فقط بدون أي تدريب أو ممارسة ضرورية، تكون محددة بالمهارات البسيطة جدًا، حيث نجد أنه كلما ازدادت السلوكية الأكثر تركيبًا وتعقيدًا قد تتطلب درجات معينة من النضج ولكنها لا تظهر مطلقًا بدون خبرات تعليمية خاصة إضافية، واللغة وكلام الطفل ما هو إلا مثال على ذلك السلوك المركب، وكما سنرى فيما بعد أن التعلم وليس النضج يعتبر المحدد الرئيسي في نمو المهارات الدراسية المركبة مثل القراءة والكتابة؟
الاستعداد Readiness:
يشير "ستون" Stone و"شيرش" Church؛ "١٩٧٣" إلى أن العلاقة بين النضج والتعلم علاقة دائرية، كل يغذى داخل الآخر، وبمعنى آخر يمكن القول أن النضج يحدث مقترنا بحالة استعداد أو تهيؤ لظهور أنماط سلوكية جديدة أكثر تركيبًا وتعقيدًا, ففي بعض الحالات نجد التهيؤ أو الاستعداد يعزى للسلوك الذي يستطيعه الطفل النامي, وكثير من خبرات التعلم تمدنا بدليل ذلك وتسمى هذه الحالة بالاستعداد للتعلم، ويشير كثير من علماء نفس النمو أن الأطفال لا يمكنهم التعلم إلا حين يكونوا على استعداد لعلم ذلك, فالتدريس ذو الفعالية تبعًا لهذا الاتجاه يعتمد على التوقيت المناسب للخبرة, كما أنه يعتمد على المعلومات الشاملة الكاملة للمرحلة النمائية التي يمر بها الطفل.
стр. 53
الفترات الحرجة أو الحاسمة للنمو:
يؤدي النضج إلى الاستعداد لأنماط سلوكية جديدة، ويشير علماء نفس الطفل بأنه توجد فترات حاسمة أو ذات حساسية كبيرة في نمو الأطفال والتي أثناءها يصبح تعلم أنماط سلوكية ممكنًا, ومن جانب آخر يشيرون إلى وجوب توفر تفاعلات بيئية معينة أثناء هذه الفترة لكي يتقدم النمو بصورة عادية والعامل الحاسم هنا هو التوقيت, فإن لم يحدث تفاعل مناسب أثناء فترة معينة، نجد النمو قد يبطئ أو يتوقف، وبمعنى آخر توجد فترات مناسبة وأخرى غير كذلك في نمو تعلم مهارات معينة, فالأطفال الذين يتلقون الانتباه والمديح لمحاولاتهم اللغوية المبكرة يكونون أميل إلى التكلم بطلاقة في عمر مبكر، إذا ما قورنوا بالأطفال الذين لا يتلقون استثارة لفظية عندما يكونون في حالة استعداد أو تهيؤ للتعلم, وعمومًا فإن الطفل الذي يفتقد فرصة التعلم يتوقع أن يكون لديه صعاب في نمو استجابات متعلمة أخرى تكون مفيدة للتعلم المدرسي.
ويحدث الحرمان من التعلم عندما لا نستطيع أن نمد الطفل بالرعاية والانتباه المناسب, وجدير بالذكر أن حرمان الطفل أثناء الفترات الحاسمة من النمو يمكن أن يسبب أذى وتخلفا مستمرا, كما أن سوء التغذية الشديد في المراحل المبكرة من العمر يمكن كذلك أن تسبب عملية تأخر يتعذر إلغاؤها.
وكرست عديد من الدراسات النمائية لتحديد الفترات الدقيقة حيث تكون الاستثارة المعطاة أكثر فائدة وجدوى, وأشارت نتائج دراسات عديدة أن سنوات ما قبل المدرسة تكون ذات أهمية كبيرة خاصة في نمو ذكاء الطفل، ويدافعون عن أهمية البرامج النظامية التعليمية المبكرة حتى تساعد الأطفال على تلقي الاستثارة المعرفية في طفولتهم المبكرة.
ويؤيدون كذلك توفير ما يسمى ببرامج Intervention أو الاستثارية للأطفال المعوقين من نقص الاستثارة، وأشاروا إلى أن التعليم يجب أن يبدأ من المهد Gradle بالنسبة لهم، وصممت كثيرًا من البرامج التعليمية المتدخلة لمساعدة الطفل على تعويض النقص المبكر للاستثارة.
ولقد استعمل مفهوم الفترات الحاسمة والاستعداد بصورة واسعة
стр. 54
بواسطة السيكولوجيين المهتمين بالنمو الاجتماعي والانفعالي وكذلك بالنمو المعرفي، فمثلا أشارت نظرية التحليل النفسي أن تعويق تكوين الارتباطات العاطفية الوثيقة في سن مبكرة من الطفولة قد يعيق قدرة الطفل فيما بعد في تكوين ارتباطات عاطفية شخصية وثيقة مع الأفراد الآخرين، كما اهتم كثير من الأطباء النفسيون وبصورة كبيرة بالتأثيرات الاجتماعية السلوكية التي تظهر فيما بعد مع تقدم الحياة بالطفل، وأشار "بولبي" Bowlby إلى عدد من الخصائص التي يتصف بها الطفل المحروم ونذكر منها.
- يتصف بالعلاقات السطحية الظاهرية مع الأفراد الآخرين.
- عدم القدرة على العناية بالأفراد الآخرين.
- يتعذر التأثير في سلوك هذا الطفل ويصعب توجيهه.
- يفتقد الاستجابة الانفعالية للمواقف التي تستدعي ذلك.
- يتصف بعدد من الحماقات كالسرقة وغيرها.
- افتقاد أو نقص في التركيز المدرسي.
ويشير بولبي إلى أن تغيير السلوك المرتبط بتلك الخصائص السابقة هو جد غاية في الصعوبة، ومع ذلك فكلما بكرنا في التقليل من حالة الحرمان التي يعاني منها الطفل أو إزاحتها كليًا كلما كانت الفرصة أكبر لتصحيح بعض الأذى أو الضرر على الأقل الذي يصيب الطفل, ويتصف الأطفال وبصورة لافتة -باستثناء الحالات المتطرفة المبكرة- بالمرونة، فالجميع طيعون لعمليات التدريب حتى أثناء الفترات الحاسمة من نموهم، وكما أشرنا فيما سبق إلى إخفاق كثير من البرامج المتدخلة للأطفال الصغار نجد كذلك صورة مماثلة في إخفاق البرامج التعويضية اللاحقة حيث تشير إلى صعوبات كثيرة في مهارات التدريس والتعليم، بعد مرور هذه الفترات الأمثل للتعليم.
стр. 55
ترسيخ النضج أو التعلم:
اهتمت كثير من دراسات سيكولوجية النمو بالعلاقة بين النضج والتعلم, هل هي علاقة ثابتة راسخة؟ أو هل يمكن إزالتها ومحوها؟
لقد أشار "ليرنز" Konard Lerenz الرائد في هذا المجال إلى أن بعض الحيوانات تولد بميل لتقبل مدى معينا من أشكال الأمومة وصورها، وبمجرد أن تحظى صورة الأم أو شكلها بالتقبل بواسطة الحيوان الصغير، نجده يتبعها كصورة لأمه في أي مكان، ويستخدم مصطلح الترسيخ لكي يعزى إلى الرباط الذي ينمو بصورة واضحة بين الحيوان الصغير وصورة الأم التي قد تتبنى ولقد استخدم "لورنس" أشهر من درس سلوك الحيوانات الأوز، وأشارت نتائجه إلى أنه بعد فترة قصيرة من الاحتضان فإن صغار الأوز سوف تتبع أول موضوع متحرك يأتي في مجال رؤيتها وبالتالي أمكن ترسيخ Imprint أو تثبيت هذا الموضع كأم للأوز.
وبطبيعة الحال، فقد كان عاديًا أن يكون أول موضوع متحرك يقدم لصغار الأوز كانت الأوزة الأم، ومع ذلك فقد تمكن "لورنس" أن ينتج مواقف صناعية حيث كان الموضوع المتحرك الأول أمام صغار الأوز موضوعات أو أشخاص أخرى غير الأوزة الأم "ولقد كان أحد هذه الموضوعات "لورنس" نفسه حيث كان يمشي أمام صغار الأوز ملوحًا بساعديه متهاديًا في مشيته".
ونتيجة لدراسات "لورنس" وزملائه، أشار إلى أن كثيرا من الحيوانات بما في ذلك الأوز والدجاج والماعز والخراف قد أظهرت هذه الاستجابة المترسخة "الثابتة" واكتشفوا أن هناك فترة حاسمة في حياة الحيوان الصغير لعمل تلك الاستجابة, فعند الأوز كانت ثلاثة أيام تقريبا بعد تواجده للحياة يمكن حدوث الآثار المميزة للترسيخ أو التثبيت, وجدير بالذكر فإن تكوين العلاقة بين الحيوانات الدنيا بواسطة عملية الترسيخ أو التثبيت ونمو الارتباطات العاطفية وبين الكائنات الإنسانية قد وضع في الاعتبار عند كثير من دارسي علم النفس.
стр. 56
مطالب النمو:
تعتبر طريقة "هافجهرست Havighurst" في تحديد مطالب النمو من أدق الأساليب الحديثة, حيث أشار إلى سلسلة لمطالب النمو Developmental Tasks؛ "١٩٥٠" ويحدد هافجهرست مطلب النمو على أنه المطلب الذي يظهر في فترة عمرية معينة من حياة الفرد. ويؤدي التحقيق الناجح لهذا المطلب إلى شعوره بالسعادة وإلى النجاح في إنجاز المطالب اللاحقة, بينما يؤدي إلى الإخفاق إلى شعور الفرد بالتعاسة وإلى عدم استحسان المجتمع وإلى صعوبة في تحقيق المطالب الأخرى.
وتعمل الشروط الداخلية والخارجية كصورة تفرض مطالب النمو، يشير "هافيجهرست" إلى مصادر ثلاثة لتلك المطالب:
١- النضج الجسمي.
٢- الضغوط الثقافية.
٣- قيم الفرد التي تؤلف جزءًا من شخصيته.
وفيما يلي نتناول أهم مطالب النمو وفقًا لمراحل النمو المختلفة، كما قررها "هافيجهرست" "١٩٥٢".
مطالب النمو في الميلاد إلى ست سنوات، "الرضيع والطفولة المبكرة":
- تعلم تناول الأطعمة الصلبة.
- تعلم المشي والكلام وضبط الإخراج.
- نمو الثقة في الذات والآخرين.
- استكشاف البيئة.
стр. 57
- تعلم التطابق مع آخر من نفس جنسه.
- تعلم الارتباط اجتماعيًا وعاطفيًا بالآخرين.
- تعلم التمييز بين الخطأ والصواب وتكوين الضمير.
مطالب النمو من السادسة حتى الثانية عشر "الطفولة الوسطى":
- ازدياد المعرفة عن العالم المادي والاجتماعي.
- تعلم دور الجنس المناسب.
- نمو الثقة وتقدير الذات.
- اكتساب المهارات الأكاديمية والتفكير والتمييز.
- تعلم المهارات الجسمية والاجتماعية.
مطالب النمو من الثانية عشر إلى الثامنة عشر "المراهقة":
- نمو الثقة بالذات والإحساس بالهوية.
- التكيف للتغيرات الجسمية.
- اكتساب الميول الجنسية وعلاقات أكثر نضجًا مع الأقران.
- تحقيق الاستقلال الانفعالي عن الوالدين.
- استكشاف الميول والقدرات واختيار العمل.
- تكوين نظام من القيم والمثل التي تؤهله للأدوار الاجتماعية.
- التهيؤ للزواج والحياة الأسرية.
مطالب النمو من الثامنة عشر إلى الخامسة والثلاثين "الرشد المبكر":
- إتمام التعليم الرسمي والبدء المهني.
стр. 58
- الاضطلاع بالحياة الأسرية واختيار الزوجة ورعاية الأبناء والانسجام الأسري.
- نمو المسؤلية للعناية بحاجات الأسرة.
- نمو فلسفة أساسية للحياة.
مطالب النمو من الخامسة والثلاثين إلى الستين "متوسط العمر":
- تقبل مسئولية اجتماعية أكبر.
- بناء نموذج ومعيار للحياة.
- مساعدة أبنائه لكي يصبحوا راشدين وأكثر فعالية.
- التكيف للقيام بدور أحد الأبوين المسنين.
- تقبل التغيرات الفسيولوجية التي تحدث في خريف العمر.
مطالب النمو في الحياة المتأخرة "الشيخوخة":
- التكيف لازدياد القصور الجسمي.
- التواد مع جماعة المسنين.
- تقبل التقاعد.
ويشير "هافجهرست" إلى أننا نستطيع دراسة النمو عن طريق قدرة الطفل عن أداء أنماط سلوكية معينة، وطريقة أخرى لدراسة النمو تكون عن طريق أداء المتطلبات النمائية للحياة، ففي كل مرحلة من حياة الإنسان بحاجة إلى متطلبات مختلفة حيث يتوقع منه المجتمع إنجازها, ولقد قسم "هافجهرست" امتداد الحياة في فترات ستة رئيسية ووصف بعد ذلك المطالب النمائية المتوقع من الأفراد القيام بها داخل المجتمع، كما أن
стр. 59
النمو السوي هو القدرة على فهم هذه المتطلبات والإتيان بها وتقبل المرحلة النمائية التي يمر بها الفرد، كما أن المطالب تتغير من مجتمع إلى آخر فما هو متقبل في مجتمع ما قد لا يكون متقبلا في مجتمع آخر, وعادة ما يكافئ الأفراد الذين ينجحون في إنجاز المطالب المفروضة بواسطة مجتمعاتهم في السن الذين يمرون فيه، كما أن الإخفاق٤ في تلك المطالب النمائية يميل إلى تعويق النمو في المراحل التالية.
كما أن المتأمل في مطالب "هافجهرست" من سن الرضاعة إلى الشيخوخة يرى أن ارتباط هذه المطالب بدوره حياة الكائن الآدمي كما نستطيع أن نرى أن السيطرة المبكرة على مطالب كل مرحلة ما هو إلا نتيجة للنضج السريع الذي يصيبه الفرد. وإن طاقة الفرد ونشاطه تلعب دورًا هامًا في السيطرة والتمكن على المطالب النمائية خاصة في المراحل المبكرة من النمو, فالأطفال الذين توفر لهم بيئتهم فرصة التعلم، وتكافؤهم على التعلم, يميلون إلى إنجاز المطالب النمائية بسرعة أكبر من الأطفال الذين لا نجد لديهم تلك البيئة، ومن جانب آخر نرى أن الأطفال الذين يتلقون التوجيه من الأسرة والمدرسة يميلون كذلك إلى التعلم بسرعة أكبر وبالتالي إنجاز مطالب المرحلة التي يمرون بها عن الأطفال الذين يعتمدون على المحاولة والخطأ أو محاكاة النماذج الطفلية "هورلوك" Hurlock "١٩٧٢".
стр. 60
مبادئ النمو:
النمو ليس عملية اعتباطية، بل هو عملية تنظيم الحياة الإنسانية وإعداد لتكاملها، وهو بذلك يخضع لمبادئ عامة أساسية يشترك جميع الأفراد الإنسانيين في سلوكها من بدء الحياة إلى ختامها، وهذه المبادئ تخضع في وجودها لعوامل طبيعية في السلالة البشرية، ولذا فإن البيئة أو الرعاية لا تستطيع إلا أن تفعل أثرًا ثانويًا في بعض الجوانب.
ولقد درس بعض أخصائيو علم نفس النمو الأطفال بهدف وصف وتفسير المبادئ التي ينمون بواسطتها، وكان هدفهم ليس فقط المساعدة في تفسير سلوك الكائن الآدمي في عمر زمني ولكن بالإضافة القدرة
стр. 61
على عمل تنبؤات في كيفية تصرف مجموعة من الأفراد في أي مرحلة معينة من نموهم, وعمومًا فإن المبادئ التي سنوردها فيما بعد تحكم جميع مظاهر النمو سواء كانت جسمية، سلوكية، حركية، معرفية، اجتماعية أو انفعالية, ويمكن إيجاز هذه المبادئ فيما يلي:
١- النمو يسير وفقًا لنمط معين:
يتبع الكائن الحي، حيوانًا أو إنسانًا، نموذجًا أو نمطًا للنمو يميز النوع الحيواني أو الإنساني ويتشابه معدل وحدود النمو لدى كل أعضاء النوع, وفي حالة الكائن الحي الإنساني، لا يتم النمو على نحو عفوي غير منظم، ولكن يحدث بشكل نظامي أو نموذجي، فكل مرحلة من مراحل النمو نتاج المرحلة السابقة ومقدمة للمرحلة التالية, ويصدق ذلك على نمو الطفل قبل الميلاد وبعد الميلاد, ذلك النمو الذي يقوم على أساس التتابع التطوري بظهور خصائص معينة في كل فترة عمرية فالطفل على سبيل المثال، يستطيع أن يقف قبل أن يمشي، وأن يتمكن من رسم الدائرة قبل أن يتمكن من رسم المربع.
يذهب "جيزل ١٩٤١"، استنادًا إلى البيئة المتجمعة من الدراسات التطورية لمجموعات من الأطفال خلال سنوات عديدة، إلى أن النمو السلوكي يتبع نموذجًا منظمًا يتأثر بالخبرة بدرجة ضئيلة نسبيًا، ويقرر كذلك أنه بالرغم من أنه لا يوجد ثمة فردان متشابهان بالضبط، يميل كل الأطفال الأسوياء، إلى أن يسيروا وفقًا لتتابع عام للنمو مميز للنوع الإنساني والجماعة الثقافية, وإذا كان لكل طفل نموذجا فريدًا للنمو إلا إن هذا النمط مرتبط بالخطة البنائية الأساسية، فالتتابع النوعي جزء من نظام ثابت للطبيعة "جيزل ١٩٤٩".
٢- التتابع الرأسي الذنبي Caphalocaudal Sequence:
يسير النمو قبل وبعد الميلاد، وفقًا لنمط التتابع الرأسي الذنبي، الذي يعني أن ضبط الجسم، وكذلك التحسن في البنية ذاتها، ينمو أولا في الدماغ ثم يتقدم فيما بعد إلى المناطق الأبعد من الرأس, فالحساسية الجلدية تتوفر لدى الطفل حديث الولادة في الأجزاء العليا من الجسم قبل أن تظهر في الأجزاء الأدنى "شيرمان ١٩٢٥".
ويتضح هذا التتابع الرأسي الذنبي كذلك في الوظائف الحركية
стр. 62
فحينما يوضع الطفل في وضع مائل يستطيع أن يرفع رأسه بواسطة عنقه قبل أن يستطيع أن يفعل ذلك برفع صدره قبل أن يتمكن من الجلوس ويستطيع الطفل أن يتحكم في عضلات الجذع، قبل أن يتحكم في عضلات الذراعين والرجلين، ويتحكم في عضلات ذراعيه ورجليه قبل أن يتمكن من ضبط عضلات القدمين واليدين, فالطفل في سن العشرين أسبوعًا، على سبيل المثال يتمتع بالقدرة على التحكم في عضلات عينيه والرأس والكتفين، ولكن لا يزال الجذع رخوًا بحيث يستلزم إسناده على الكرسي لكي يتمكن من الاحتفاظ بوضع الجلوس. وفي هذا السن، تكون منطقة الحوض Pelvic Zone والأطراف extremities غير ناضجة "جيزل ١٩٥٤".
وفي هذا التتابع الرأسي الذنبي، لا يمتد النمو فحسب من الرأس إلى القدمين في اتجاه المحور الطولي, ولكن يتقدم أيضًا من القطاعات المركزية إلى القطاعات الطرفية Peripheral من الجسم، ففي المراحل النمائية الأولى يميل الذراعان والرجلان إلى الاستجابة ككل, ويظهر التحكم تدرجيًا في المفاصل المرفقة Elboe Joints والمفاصل الرسغية Erist Joints وفيما بعد في مفصل الركبة والكعب.
وقد وجد في دراسة عن تناول الأطفال للأشياء والقبض عليها أن المرفق والأصابع تسهم في تحقيق حركات ذات فاعلية متزايدة من الأسبوع السادس عشر إلى الأسبوع الأربعين من العمر "هالفيوسون ١٩٣٣"، ولا يتم التحكم في الرجلين والقدمين بالنسبة للوقوف والمشي قبل الستين أسبوعًا من العمر "جيزل ١٩٥٤".
والنمو كذلك يسير في طريق قريبة بعيدة Proximo distal fashion بمعنى ينمو من الأطراف القريبة من الجهاز العصبي المركزي متجهًا إلى أطراف الجسم، ولهذا السبب فإن عضلات الذراع تنمو قبل عضلات الأصابع، ويتعلم الأطفال التحكم في حركات الذراع قبل أن يتحكموا في الأصابع بصورة جيدة، كما أنهم لا ينمون ضبط أناملهم بصورة كافية لعمل الحركات الدقيقة في الكتابة إلى ما يقرب من سن السادسة "انظر شكل رقم١".
стр. 63
ولا يتغير النموذج العام للنمو بسرعة النمو، فكل الأطفال تمر بنفس الأشكال الرئيسية، في أوقات واحدة تقريبًا، وتبين دراسة "جيزل" "١٩٣٠" على الأطفال المبتسرين "الذين ولدوا قبل اكتمال النضوج Premature والأطفال الذين ولدوا بعد فترة النضوج Post-mature إن برنامج النمو يسير وفقًا للتابع تطوري، بصرف النظر عن عدم انتظار الميلاد، فبينما لا يتفق نموذج النمو لدى الأطفال الذين ولدوا قبل اكتمال النضوج مع نموذج النمو لدى الأطفال المكتملي النضوج خلال الثلاثة إلى الخمسة الأشهر الأولى بعد الميلاد، إلا أنهم يتفقون في نموذج الفرد المتوسط من نفس السن "ميلكر ١٩٣٧".
ومن المبادئ التي أسفرت عنها بحوث متعددة في النمو إنه إذا أحللنا في حياة الطفل بصورة طبيعية مصطنعة عاملا تجريبيًا من شأنه أن يحدث تغييرًا في نموه، فإن الطفل يستأنف المعدل العادي لنموه بمجرد إبعاد هذا العامل.
ويمكن صياغة مبدأ مقاومة الإحلال على النحو التالي، عندما يكون الكائن الحي في حالة نمو بمعدل معين منتظم فإنه ينزع إلى مقاومة أي إحلال لعوامل تؤدي إلى مزيد من الاستثارة والحرمان, وإلى معاودة النمو بالمعدل الأصلي بمجرد زوال هذه العوامل الدخلية.
ويكفينا للتدليل على هذا المبدأ قليل من الأمثلة، فالأطفال المبتسرين يكون محيط الرأس عندهم أصغر من محيط الرأس عند الأطفال الذين يولدون مكتملين حتى ولو أضفنا إلى ذلك المحيط ما يعوض من فترة عدم اكتمال النضج غير أن رأس مثل هؤلاء الأطفال المبتسرين لا تلبث أن تكبر بالتدريج حتى لا يكاد الطفل منهم يبلغ من العمر ما بين ١٢ و١٨شهرًا إلا ويصبح حجم رأسه مساويًا لحجم رأس الطفل العادي, ويبدو أنه قد احتاج إلى بعض الوقت للتعويض عما فقده في النمو في الشهر الأخير من الحمل.
ويسوق أولسون "١٩٤٣" مثلا إيضاحيًا لهذا المبدأ عن تطور نمو أحد الصبيان، ففي الفترة التالية لبلوغ هذا الصبي الشهر الرابع والثمانين من عمره تعرض لهزات بيئية عنيفة منها موت أمه، وإصابته بالتهاب شعبي ربوي مع وجود استجابة إيجابية لاختبار التوبركلين "الدرن", وقد أثبت
стр. 64
التشخيص الطبي أنه كان يعاني من سوء التغذية، وفي هذه الفترة كان الطفل يستنفد جزءًا كبيرًا من طاقته في السير مسافة طويلة لتناول طعام الغذاء، فكان طبيعيًا أن يفقد الكثير من وزنه، ولكن سرعان ما زاد وزنه عندما تحسنت ظروفه، واتجهت هذه الزيادة نحو استعادة خط نموه الطبيعي، على الرغم من أن هذا النمو دون المتوسط، ومما يثير الاهتمام أن هذا الصبي أصبح بعد عشرين سنة مواطنًا صالحًا، وأبا يتمتع بصحة جيدة.
ونزعة الطفل لاستئناف المعدل الطبيعي لنموه بعد استبعاد الاستثارة أو الحرمان غير العادية قد أوضحها عدد من التجارب مثل تجارب محاولات تحسين النمو بالعلاج بخلاصة الغدد، وتغيير الاتجاهات، وإثارة التقدم في الحساب، أو إحداث تغييرات في قدرة الطفل على القراءة.
فلكل طفل خطة للنمو، وتقوم الرعاية المثلى بتحقيق هذه الخطة، وأي محاولة تبذل لفرض النمو عنوة بالمقاومة، كما أن الطفل ينزع إلى الإسراع في نموه عن فترات الحرمان المؤقتة، "أولسون ١٩٥٩".
النموذج العام للنمو:
تكشف الدراسات التطورية للأطفال منذ الميلاد بالملاحظات والفحوص والاختبارات المتكررة، أن هناك نموذجًا عامًا يتبعه كل الأطفال على النحو التالي "جيزل ١٩٥٤".
- من سن ١٤-١٦ أسبوعًا يتحقق للطفل القدرة على التحكم في الاثني عشر عضلة لحركة العين Oculmotor muscles.
- من ١٦-٢٨ أسبوعًا، يتمكن الطفل من التحكم في العضلات التي تساعد على ضبط حركة الرأس وعلى تحريك ذراعيه، وبالتالي يبدأ في التوصل إلى تناول الأشياء.
- من ٢٨-٤٠ أسبوعًا يتمكن في التحكم في جذعه ويديه، وهذا يمكنه من الجلوس، والتنقل، والقبض على الأشياء وتناولها.
стр. 65
- من ٤-٥٢ أسبوعًا، يتسع ضبطه إلى رجليه وقدميه، وإلى أصابع السبابة والإبهام، وهو الآن يستطيع الوقوف باعتدال، وأن يتحرك بخفة ويلتقط الأشياء.
- وفي خلال العام الثاني، يمشي ويجري, ويتلفظ بكلمات وجمل، يكتسب إمكانية التحكم في المعدة والمثانة، ويكتسب إحساسًا أوليًا بالهوية الشخصية وبالتملك الذاتي.
- وفي خلال العام الثالث، يتكلم بجمل ويستخدم الكلمات كأدوات التفكير، ويبدي نزعة إلى تفهم بيئته وإلى الإذعان للمتطلبات الثقافية.
- وفي خلال العام الرابع، يوجه أسئلة عديدة ويدرك المتشابهات ويبدئ ميلا إلى التعميم والتصور الذهني، ويستطيع أن يعتمد على نفسه تقريبًا في مضمار الحياة المنزلية.
- وفي خلال العام الخامس، يتمتع الطفل بدرجة طيبة من نضج التحكم الحركي، يستطيع القفز والوثب, يتكلم بدون تلفظ طفلي ويستطيع أن يحكي قصة طويلة, يفضل اللعب الجماعي ويشعر بالاعتداد بالملابس وبما يقوم بإنجازه من أعمال, وهو الآن يشعر بتأكيد الذات, ويتشرب معايير الجماعة.
٣- النمو يتقدم من العام إلى الخاص:
في كل مظاهر النمو الحركي أو العقلي، تكون استجابات الطفل ذات نمط عام قبل أن تصير متخصصة، كما أن النشاط العام يسبق النشاط المتخصص النوعي، سواء قبل الميلاد أو بعد الميلاد, ويتضح هذا أولا في الاستجابات الحركية، فالطفل الوليد يحرك جسمه ككل في وقت واحد.
بدلا من أن يحرك أي جزءا منه, ويحرك الطفل ذراعيه بصفة عامة ويأتي بحركات عشوائية قبل أن يستطيع الإتيان بحركات متخصصة مثل مد ذراعيه، نحو الأشياء وتناول الأشياء بيديه بنجاح، كذلك، يستخدم الطفل رجليه في الركل العشوائي قبل أن يتمكن من تنسيق عضلات الرجلين لكي يستخدمها.
стр. 66
والطفل يستطيع أن يرى الأشياء الكبيرة قبل أن يتمكن من رؤية الأشياء الصغيرة لأن حركات عينيه غير متسقة بدرجة كافية في البداية للتركيز على الأشياء أو الموضوعات الصغيرة، ويتضح نفس النمط في استخدام اليدين، فحينما يصل الطفل في البداية إلى موضوعات لا يستخدم فحسب كلا يديه، ولكن يلقي برجليه وبجسمه ككل على الاستجابة في آن واحد, وفي حوالي الستة أشهر الأولى من عمر الطفل تتحدد استجابة الوصول إلى الشيء باليدين، وفيما بعد -في حوالي العام من العمر- بيد واحدة, وفي حالة تعلم مهارة جديدة كاللبس، يشترك جسم الطفل ككل في هذا النشاط، ومع التحسن في هذه المهارة، يتحدد النشاط باليدين، فالأطفال تقوم بأداء الأشياء البسيطة أولا وبالأكثر تعقيدًا فيما بعد "آمس ١٩٤٠".
وقد اتضح من دراسة على التتابع الحركي في عملية القبض على الأشياء أن الطفل الوليد في البداية يأتي بحركة عامة من ذراعيه، بأن دفعهما إلى الخلف، ثم أعادهما في اتجاه الشيء المراد مسكه، وأخيرًا مد يده إلى الشيء فأمسكه، والقبض على الأشياء ذاته يمر بعملية تخصص تبدأ باليد، ثم بمقابلة الإبهام، بالأصابع، وتنتهي "وذلك في حالة الأشياء الصغيرة" يمسك الشيء بالتقاطه بين الأبهام والسبابة.
واستنادًا لهذا المبدأ الأساسي للنمو "تطور نمو الاستجابة من الكل إلى الجزء" يمكن تفسير تطور النمو اللغوي عند الأطفال, فالملاحظة والخبرة الحسية العيانية تسبقان الصياغة اللفظية، والنطق بالألفاظ يسبق تسمية الرموز المصورة، وهذا بدوره يسبق القراءة، وفي بناء حصيلته اللغوية يتعلم الكلمات العامة قبل الكلمات المتخصصة النوعية، فمثلا يستخدم كلمة "لعبة" لكل أدوات اللعب قبل أن يتعلم أن يسمي كل لعبة باسمها، ويصير تكوين المفاهيم وفقًا لنفس هذا النموذج التتابعي، فالطفل يميز أولا الموضوعات الحية من الأشياء الجامدة غير الحية، والكائنات الإنسانية عن الحيوانات ثم الأنماط المختلفة من الكائنات الإنسانية كالأبيض والأسود أو المصري أو الصيني.
وينطبق هذا المبدأ النمائي أيضًا على الاتصال إذ نجد أولا، الاتصال الشفهي، ثم الاتصال التحريري دون التقيد، بالتفاصيل الدقيقة وأخيرًا العناية بتفاصيل الهجاء وقواعد اللغة.
стр. 67
وتطبيق هذا المبدأ في ميدان الكتابة يجعلنا نبدأ بتزويد الطفل بالخبرات الخاصة بنقش الحروف الكبيرة بالفرشاة على لوحات كبيرة من الورق، وهذا التدريب يتضمن الكثير من الحركات الكلية للجسم والذراع.
ويلي ذلك استخدام الورق وقلم الرصاص للكتابة على مسافات متباعدة دون حاجة إلى الضبط الحركي الدقيق, بعد ذلك يأتي دور استخدام مسافات وأقلام وحروف أصغر, وأخيرًا يمكن الانتقال ما مرحلة كتابة الحروف المنفصلة إلى كتابة الحروف المتصلة بقدر ما يتحقق لدى الطفل من الضبط.
وبالنسبة للسلوك الانفعالي. يستجيب الطفل في البداية للأشياء الغريبة أو غير العادية بخوف عام، يعبر عن نفس الخوف في كل المواقف، ثم تأخذ مخاوفه فيما بعد في أن تصير أكثر تخصصًا ونوعية وتتميز بأنماط مختلفة من السلوك في المواقف المختلفة, فكل أنماط الاستجابات الانفعالية تنمو من حالات عامة للاستثارة والسكينة كلما يأخذ في النمو "سبيتز ١٩٤٩ بانهام ١٩٥٠".
ولا يعني ذلك أن النمو يأخذ في التمايز والتخصص المستمر فحسب وفقًا لمبدأ التعاقب من الكل إلى الجزء فالاستجابة الجزئية، النوعية تأخذ في التكامل الوظيفي مع كليات أكبر ويتضح ذلك في حالة الأداءات العقلية والأعمال المركبة.
٤- النمو عملية مستمرة:
إذا تناولنا أحد معالم النمو، كالنمو من حيث الطول مثلا، قد يتراءى لنا أن الفرد ينمو بطريقة "متناوبة منقطعة" أكثر من أن ينمو بمعدل مستمر, كذلك يفترض استخدام مصطلحات مثل مرحلة "المهد" و"المراهقة" النمو يتوقف محددة يحدث فيها النمو، ويتضمن في نفس الوقف أن النمو يتوقف في أوقات أخرى ولعل أصدق مثل على ذلك نظرية "ستانلي هول" عن المراهقة بأنها مرحلة ميلاد جديدة.
وتعتبر هذه تطورات خاطئة عن حقيقة النمو، فالنمو يستمر منذ فترة الحمل حتى وصول الفرد إلى النضوج، ويتم النمو وفقًا لمعدل منتظم بطيء نسبيًا أكثر مما يتم وفقًا لمعدل سريع، ويستمر نمو الخصائص الجسمية والعقلية بالتدرج حتى تصل هذه الخصائص إلى أقصى نموها
стр. 68
خلال فترة المراهقة المتأخرة، وإذا كنا نستخدم مصطلحات معينة لمراحل معينة للنمو فلكي نؤكد الحقيقة بأن ثمة نمطًا خاصًا للنمو يحدث في هذه الفترة بعينها.
وليس هناك خصائص، سواء جسمية أو عقلية، تنمو بطريقة فجائية، فهي -على العكس- كلها نتاج النمو الذي بدأ قبل الميلاد, وهناك أمثلة عديدة على ذلك, فقد يتراءى لنا بظهور الأسنان الأولى خلال السنة الأولى من عمر الطفل أنها تنمو بشكل فجائي، ولكن حقيقة الأمر عكس ذلك فهي تبدأ في النمو من الشهر الخامس من تكوين الجنين في بطن الأم، على الرغم من أنها لا تخرج من اللثة، إلا في حوالي الشهر الخامس بعد الميلاد، كذلك لا يتأتى الكلام للطفل بين يوم وليلة، ولكنه ينمو بالتدريج من الصياح والأصوات الأخرى التي يأتي بها الطفل بعد الولادة.
ولكون النمو عملية مستمرة، فإن ما يحدث في مرحلة معينة يمتد إلى المرحلة أو المراحل التالية، ويؤثر فيها، فمثلا سوء التغذية في السنوات الأولى من حياة الطفل سوف يؤدي إلى إحداث أضرار جسمية ونفسية يصعب تعويضها كلية فيما بعد، كذلك يؤدي التوتر الانفعالي الناشئ عن الظروف غير المواتية في المنزل إلى إحداث بصمات في تطور نمو شخصية الطفل، كما أن تكون اتجاهات غير صحيحة نحو نفسه، وعلاقته بالآخرين -خلال السنوات الأولى من حياته- تظل تؤثر في اتجاهاته فيما بعد, فتأثيرها على نظرة الفرد إلى الحياة تظل مترسبة في كيانه النفسي في مرحلة النضج.
وهكذا ينطوي إقرار مبدأ استمرارية النمو على حكمة تربوية، إذا يجعل في مقدورنا أن نسعى إلى تحديد مسار النمو والتنبؤ به والتخطيط له.
وإذا كنا نرفض فجائية تفتح إمكانات وخصائص الطفل الكامنة، ذلك الاعتقاد الذي كان يتخذ أساسًا في بعض محاولات تخطيط المناهج في الماضي، استنادًا إلى الشواهد الحقيقية للنمو، فإن هذا لا يعني القول بأن من الإسفاف المناداة بوجود بعض العلاقة بين خبرات الطفل ومرحلة بزوغ استعدادات معينة مركبة، فالطفل العادي فيما يبدو يكون متأهبًا لتعلم القراءة عند سن السادسة أو السادسة والنصف تقريبًا، ولكن بعض الأطفال
стр. 69
قد يتعلمون أبكر من ذلك، والبعض الآخر قد يتأخر في تعلم القراءة عن هذا السن ويبدو أن توقيت فرص التعلم في ضوء مراحل النضج أضمن سبيل لنجاح العملية التعليمية، وليس ثمة فائدة تجنى من وراء فرض القراءة على الطفل لمجرد أنه بلغ السادسة على حين يكون نموه في الحقيقة لم يتجاوز الخامسة, وفيما يتصل بنمو الخلق والشخصية من المفيد في بعض حالات الانحراف عن السواء أن نتج للأطفال عن قصد الفرص التي تعينهم على أن يحيوا مرة ثانية مرحلة من مراحل نموهم يكونون قد افتقدوها بسبب التعسف أو الحرمان أو سوء التربية بصفة عامة.
٥- النمو عملية متفردة "الفروق الفردية في معدل النمو تظل ثابتة":
هناك عديد من البيانات التجريبية التي توضح أن معدل النمو ثابت فالأطفال الذين قد نموا في البداية بسرعة، سوف يستمرون على هذا النحو، في حين أن أولئك الذين كان نموهم بطيئًا سوف يستمرون في النمو في نحو بطيء, وتبين منحنيات الطول أن الأطفال الذين كانوا يتصفون بطول القامة في فترة عمرية معينة يتصفون بالطول، كذلك في فترات أخرى بينا يظل قصيرو القامة على معدل طولهم في المراحل المختلفة "بالدوين ١٩٢٢". وتكشف مقاييس الطول والوزن، التي تؤخذ على فترات كل نصف عام لدى الأولاد والفتيات حتى سن الثالثة عشر من العمر والذين صنفوا إلى مجموعات وفقًا للوزن عند الميلاد، أن اتجاه الفروق في معدل النمو الذي لوحظ عند الميلاد يميل إلى أن يظل ثابتا خلال مرحلة الطفولة "إيلينجورث وآخرين ١٩٤٩", وفي مرحلة ما قبل البلوغ، تميل الفتيات اللائي ينمون بمعدل كبير في عام من الأعوام، ينمون على هذا النمو خلال كل فترة، بينما تظل الفتيات اللائي ينمون بمعدل بطيء ينمون نموا بطيئًا خلال الفترة كلها "موهسام ١٩٤٧".
وينطبق هذا المبدأ على الأنماط السلوكية، فلقد وجد أن الحركات الفردية سواء كانت ذات نمط بسيط أو معقد، تظل ثابتة بشكل واضح خلال فترة من الزمن "آمس ١٩٤٠" وتكشف منحنيات النمو العقلي لدى الأطفال الأذكياء والمتوسطين والأغنياء ميلا إلى الثبات الذي يوجد في منحنيات النمو الجسمي، فالمنو العقلي "السريع يستمر على سرعته إلى حد كبير "جيزل ١٩٢٨"، وتكشف دراسات "تيرمان ١٩٢٦-١٩٤٧" على العباقرة أنهم يبدون ميلا إلى التبكر في النمو خلال مرحلة الطفولة.
стр. 70
وتتضمن الفروق الفردية في تفتح النمو أمورًا كثيرة، وعلى المدارس تقع مهمة التلاؤم معها، وترجع أهمية هذه الفروق إلى عدة أسباب، منها مثلا أن الأطفال تنزعون بدرجة ما إلى التجمع وفقًا لعمر نموهم، فالأكثر نضجًا منهم يميلون إلى التجمع معًا، وكذلك يغلب أن يفعل الأقل نضجًا ذلك والطفل بطيء النمو ينزع إلى أن يغدو مشكلا فهو يحدث من الشغب أكثر مما يفعل غيره, ويحتاج إلى مزيد من العناية، كما أنه يكون مصدر متاعب كثيرة لأبويه ومدرسيه وغيره من الأطفال، أما الطفل سريع النمو فيغلب أن يصل إلى مركز الزعامة في الجماعة بسهولة أكبر من الطفل بطيء النمو.
وينطوي هذه الحقائق على مغزى تربوي هام، فينبغي أن تعمل المدارس على تزويد كل صف دراسي بالفرص التي تغطي مدى واسعًا من الخبرات, وبهذا يتاح للطفل الذي يبلغ من العمر الزمني عشر سنوات، ولكن عمره العقلي لا يتجاوز ثماني سنوات أن يجد من الأعمال ما يناسب عمر نموه، فيستطيع أن يحصل على الإشباع الناجم عن أداء هذه الأعمال أداء كاملا.
٦- اختلاف معدل النمو:
لا تنمو كل أجزاء الجسم بمعدل واحد، كما أن كل جوانب النمو العقلي لا تتقدم بدرجة متساوية, فعند الميلاد تختلف الأجزاء المتنوعة للجسم في علاقتها ببعضها البعض، ويتم نمو الأوجه المختلفة للنمو العقلي والجسمي وفقًا لمعدلاتها الخاصة وتصل إلى النضوج في أوقات مختلفة وفي بعض أجزاء الجسم قد يكون النمو سريعًا بينما يكون بطيئًا أو متقطعًا في أجزاء أخرى من الجسم "ويشيك ١٩٥٠"، ومن ثم يتغير نمط الجسم النسبي لأعضاء الجسم من وقت لآخر "انظر الشكل رقم ٢".
ويصل الدماغ إلى حجمه الناضج في حوالي سن ست إلى ثمان سنوات. ولكي يتحقق له الكثير من النمو من ناحية التنظيم بعد هذه الفترة العمرية، وتصل القدمان واليدان والأنف إلى أقصى نموها في بداية مرحلة المراهقة، وهذا يعتبر مسئولا إلى حد ما عن عدم الاتزان وعن الوعي بالذت المميز لهذه السنوات من العمر, ويتم نمو القلب والكبد والجهاز الهضمي خلال مرحلة المراهقة وتحدث الزيادة في الوزن بمعدل
стр. 71
التغيرات في نسب الرأس والجذع والأطراف في أربع نقاط للنمو، ويتضح من الشكل مقارنة لنسب النمو الجسمي في الأجزاء المختلفة في أربعة أعمار، لاحظ أن طول الرأس يصل إلى حوالي ٥٠% من طول الجسم كله عند الجنين الذي يبلغ من العمر شهرين، ثم يصبح طولها ٢٥% من طول الجسم عند الوليد، وهكذا نجد أن نسب أجزاء الجسم بعضها للبعض الآخر تتغير خلال عملية النمو.
стр. 72
سريع في السنة الأولى من الطفولة المبكرة، ثم أخرى حول مرحلة البلوغ.
وتكشف مقاييس نمو القدرات العقلية المختلفة أنها تنمو وفقًا لمعدلات مختلفة ويتحقق لها النضوج في فترات عمرية مختلفة "وكسلر ١٩٥٠"، وينمو التخيل المبدع بسرعة في مرحلة الطفولة، ويبدو أنه يصل إلى قمته خلال مرحلة الشباب، ومن ناحية أخرى، يرتقي التفكير والتعقل بمعدل بطيء نسبيًا للنمو، الذاكرة الآلية والذاكرة المرتبطة بالموضوعات والحقائق الحسية بطريقة أسرع من التذكر القائم على المادة النظرية المجردة.
ويصل نمو الذكاء العام بالنسبة للفرد المتوسط إلى أقصاه في حوالي سن الرابعة عشر من العمر.
ويبدو أن هناك ثمة توافقًا بين الإسراع والتأخر في نمو الطول والوزن والذكاء ونضج العمليات الانفعالية أو النضج الجنسي، وعدم انتظار معدلات نمو الجوانب المختلفة للتركيب والوظيفة والتوافق الاجتماعي والذكاء يحمل تطبيقات نفسية جسمية متعددة, فالطفل النابه مثلا قد يفوق أقرانه في ميوله ومناشطه، ولكن لا يلقي تقبلا من الناحية الاجتماعية من جماعة الأطفال الأكبر سنًا, وهذا قد يؤثر بدوره في توافقه الاجتماعي، في إحساسه بالأهلية الشخصية، وفي الحالة الدافعية "سونتاج ١٩٤٦".
ويستخدم مصطلح "نمط تطور النمو" في هذه الحالة للإشارة إلى العلاقة بين شتى الخصائص المقاسة الدى الفرد، فطفل العاشرة الذي يكون متقدمًا من حيث العمر العقلي والعمر التحصيلي، ولكنه متخلف إلى حد ما من حيث عمر الطول وعمر الوزن والعمر الرسغي وعمر التسنين، مثل هذا الطفل يختلف من حيث النمط عن طفل متقدم في أعماره الجسمية ويختلف نسبيًا في عمره التحصيلي، كذلك قد نقول عن نمط النمو عند أحد الأطفال في القراءة بأنه قد بلغ هضبة فيما بين السادسة والتاسعة أعقبتها زيادة سريعة فيما بين التاسعة والثانية عشر.
وهكذا يشير معدل النمو إلى مقدار الزيادة في التركيب أو الوظيفة
стр. 73
في وحدات الزمن, ويختلف معدل النمو بشكل ملحوظ من طفل لآخر.
وليست لدينا من البينة الثابتة ما يعين أي متخصص على أن يغير من معدل النمو في حدود ضيقة, كما أنه ليس لدينا من الوسائل السحرية ما يمكننا من محو الفردية الناجمة عن اختلاف معدلات النمو، وكل المأمول هو أن ينمو الجميع من حيث شتى أبعاد التطور.
٧- النمو عملية متكاملة:
ما يشيع من افتراض بأن التعويض قاعدة عامة في نمو الطفل لم ينشأ من الدراسات التجريبية, فليس من الصحيح أن الطفل الذي يكون فوق المتوسط في سمة من السمات يكون أقل من غيرها، والعكس، كوسيلة لتوازن قدراته، يقرر "جيزل ١٩٥٤" أن نواتج النمو يمكن تصويرها بمصنع تتضح فيه الخطوط والتصميمات.
فالطفل الذي نموه العقلي فوق المتوسط يكون عادة فوق المتوسط في الحجم والنضج الاجتماعي، والاستعدادات الخاصة، ومن ناحية أخرى، الطفل الذي يكون نموه العقلي أقل من المتوسط لا يعوض هذا بنمو جسمي أو بصحة أفضل، أو بنمو أكبر لاستعدادات خاصة، أو بمزيد من النضج الاجتماعي, ويميل الأطفال ضعاف العقول إلى أن يكونوا أقصر قامة من الأطفال الأسوياء، كما يميل المعتوهين والبلهاء إلى أن يكونوا أقصر فئات الضعف العقلي, وقد وجدت أنه يوجد ارتباط بين الذكاء العالي والنضج الجنسي المبكر، وارتباط بين انخفاض الذكاء وتأخر النضج الجنسي.
ويعني ذلك أن معظم السمات تترابط في النمو، والنمو على هذا لا يحدث بشكل آلي بسيط، وإنما على أساس التكامل بين جوانب النمو المختلفة، الجسمية، والعقلية، المعرفية، الانفعالية، العاطفية، الاجتماعية، وما بين هذه الجوانب من ارتباطات وتأثيرات متبادلة.
٨- النمو يمكن التنبؤ به:
إذا كان معدل النمو ثابت إلى حد كبير بالنسبة لكل طفل، يتبع ذلك أنه من الممكن أن نتنبأ في فترة مبكرة بالمدى الذي يحتمل أن يحدث فيه النمو الناضج للطفل، فمثلا تبين أشعة إكس لعظم الرسغ حجمها الأقصى الذي ستكون عليه "بايليي ١٩٤٦".
стр. 74
ومعرفة ما سيكون عليه أقصى مستوى للنمو العقلي، يعتبر ذا قيمة بالغة في تخطيط تعليمه وفي مساعدته على التدريب على نمط العمل الذي يحقق فيه أقصى مستوى من الكفاية والنجاح والإنجازية, ففي إعادة الاختبار على الأطفال خلال السنتين الأوليين من الحياة مثلا وجد أن ٨٠% من الحالات تتفق فيها معدلات النمو في المراحل الأولى من إجراء اختبار مستويات النمو العقلي مع التقدير النهائي الذي كشفت عنه إعادة الاختبار في نهاية العامين من العمر "جيزل ١٩٢٨"، ومن بين أولئك الأطفال الذين كشفت عنهم اختبارات الذكاء على أنهم ينتمون إلى فئة ضعاف العقول، لم يكن هناك إلا طفلا واحدًا لم يبد نفس المستوى من النمو العقلي في نهاية العامين من العمر "جيزل ١٩٣٠".
وعندما تتبع نفس هذه المجموعة من الأطفال حتى سن العشرين من العمر، يقرر "جيزل ١٩٥٤" أن مسار النمو لم يبد في حالة خروجًا عن القاعدة. ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا حالة واحدة, ففي الظروف غير المواتية فحسب يصبح النمو الأقصى للفرد أقل تنبؤا، وتشير "جود أنف ١٩٥٤" أنه حينما تحدث تغيرات كبيرة في تقديرات نسبة الذكاء في أعمار متأخرة، فإن هذا يوجد عادة في حالة أولئك الأطفال الذين تبين تقديراتهم الأولى انحرافات كبيرة بصفة عامة عما يمكن توقعه على أساس ذكاء الأسلاف. وقد بينت دراسات "تيرمان ١٩٢٦" على السمات العقلية المبكرة للعباقرة الذين عاشوا في الفترة ما بين عام ١٩٤٥ إلى ١٩٥٠، كما تتضح في تقارير إنجازاتهم أنهم كانوا مبرزين يبزون غيرهم، كأطفال.
ومن المبادئ الأساسية في فهم حقيقة الطفل أن النمو يتأثر بنمط التفتح بالتدرج فقوى الطفل تزداد عن طريق ما يحققه من نمو بعض الوقت، ومن الخطأ أن نحاول الهيمنة على توقيت نظام النمو بالتدريب السابق لأوانه، لأننا لو حاولنا ذلك فإننا لا نحصل من ورائه على أية نتيجة وسوف نلحق بالطفل ضررًا بالغًا بسبب تدخلنا في حياة كائن حي يتصف بالتعقيد والاتزان والاكتفاء الذاتي. إن تفتح النمط يحدث بالتدريج ومن ثم ينبغي ألا نتوقع نتائج عاجلة من وراء أي طريقة للرعاية، كما ينبغي ألا نتوقع ظهور الخبرات المرتبطة بالنمو بانتظام يعادل انتظام دقات الساعة، فإن من القدرات المدهشة الكامنة في الكائن الحي قدرته على إحداث تعديلات كثيرة في أثناء العملية الحياتية.
стр. 75
٩- لكل مظهر نمائي سمات مميزة له:
في كل مرحلة عمرية تنمو بعض السمات على نحو أكثر سرعة وأكثر وضوحًا من السمات الأخرى.
ووفقًا لما يذهب إليه "فيلدمان ١٩٤١"، أن حياة الإنسان تتقدم وفقًا لمراحل معينة، وليست الفترات العمرية للإنسان الفرد أقل واقعية ودلالة من الأعمار الجيولوجية للأرض والمراحل التطورية للحياة, وتتميز كل مرحلة ببعض المعالم المسيطرة، بخاصية رئيسية، توفر للمرحلة ترابطها وتكاملها ووحداتها وتفردها, فحتى سن العامين من عمر الطفل مثلا، يتوجه اهتمام الطفل لتكشف بيئته، يأخذ في التحكم في جسمه، وفي تعلم الكلام، ومن سنة ٣-٦ سنوات يتجه النمو إلى مزيد من النضوج الاجتماعي "بورولسكي ١٩٥٣".
وتكشف الدراسات التي أجريت على جماعات الأطفال التي اختبرت في فترات مختلفة خلال سنوات النمو أن كل طفل لا يبدو فحسب أنه يتمتع بفردية مميزة محددة تكوينيًا تعبر أولا عن نفسها وتستمر في الظهور على نحو متسق خلال سنوات ما قبل المدرسة -أو بعد ذلك- ولكن أيضًا إن لكل مستوى عمري نمطًا مميزًا بذاته، يكون متسقًا من طفل لآخر، ولذا يتلون سلوك أي طفل في أي مرحلة عمرية جزئيا بفرديته الأساسية الخاصة وجزئيا بنمط مستواه العمري، ولا يتألف النمط كثيرًا مما يمكن أن يحققه الطفل. وإنما يتألف من الطريقة التي يسلك بها "الج وآخرون ١٩٤٩".
وأكثر من ذلك، هناك مظاهر في نمط النمو، تتميز "بالتوازن وأخرى تتميز "بعدم التوازن"، بالنسبة للمظاهر النمائية التي تميل إلى الاتزان يحقق الطفل توافقات طيبة تيسر له الاستقرار النفسي، أما بالنسبة للمظاهر النمائية الأخرى، على العكس من ذلك، تعيق توافقاته بظروف داخلية, أن يحقق مستويات طيبة من التوافق النفسي، حيث يعاني من التواترات والعجز وقلة الحيلة والشعور بعدم الأمان وغير ذلك من المشكلات السلوكية، وتتغير فترات التوازن وعدم التوازن، حسبما يقرر "جيزل ١٩٤١"، وفقًا لمبدأ النماذج أو التناسج الحركي العصبي المتناوب Reciprocal neuromotor, interweaving وفي فترة عدم التوزن، قد
следующие страницы →