Полный текст (737 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
التغيرات في نسب الرأس والجذع والأطراف في أربع نقاط للنمو، ويتضح من الشكل مقارنة لنسب النمو الجسمي في الأجزاء المختلفة في أربعة أعمار، لاحظ أن طول الرأس يصل إلى حوالي ٥٠% من طول الجسم كله عند الجنين الذي يبلغ من العمر شهرين، ثم يصبح طولها ٢٥% من طول الجسم عند الوليد، وهكذا نجد أن نسب أجزاء الجسم بعضها للبعض الآخر تتغير خلال عملية النمو.
стр. 72
سريع في السنة الأولى من الطفولة المبكرة، ثم أخرى حول مرحلة البلوغ.
وتكشف مقاييس نمو القدرات العقلية المختلفة أنها تنمو وفقًا لمعدلات مختلفة ويتحقق لها النضوج في فترات عمرية مختلفة "وكسلر ١٩٥٠"، وينمو التخيل المبدع بسرعة في مرحلة الطفولة، ويبدو أنه يصل إلى قمته خلال مرحلة الشباب، ومن ناحية أخرى، يرتقي التفكير والتعقل بمعدل بطيء نسبيًا للنمو، الذاكرة الآلية والذاكرة المرتبطة بالموضوعات والحقائق الحسية بطريقة أسرع من التذكر القائم على المادة النظرية المجردة.
ويصل نمو الذكاء العام بالنسبة للفرد المتوسط إلى أقصاه في حوالي سن الرابعة عشر من العمر.
ويبدو أن هناك ثمة توافقًا بين الإسراع والتأخر في نمو الطول والوزن والذكاء ونضج العمليات الانفعالية أو النضج الجنسي، وعدم انتظار معدلات نمو الجوانب المختلفة للتركيب والوظيفة والتوافق الاجتماعي والذكاء يحمل تطبيقات نفسية جسمية متعددة, فالطفل النابه مثلا قد يفوق أقرانه في ميوله ومناشطه، ولكن لا يلقي تقبلا من الناحية الاجتماعية من جماعة الأطفال الأكبر سنًا, وهذا قد يؤثر بدوره في توافقه الاجتماعي، في إحساسه بالأهلية الشخصية، وفي الحالة الدافعية "سونتاج ١٩٤٦".
ويستخدم مصطلح "نمط تطور النمو" في هذه الحالة للإشارة إلى العلاقة بين شتى الخصائص المقاسة الدى الفرد، فطفل العاشرة الذي يكون متقدمًا من حيث العمر العقلي والعمر التحصيلي، ولكنه متخلف إلى حد ما من حيث عمر الطول وعمر الوزن والعمر الرسغي وعمر التسنين، مثل هذا الطفل يختلف من حيث النمط عن طفل متقدم في أعماره الجسمية ويختلف نسبيًا في عمره التحصيلي، كذلك قد نقول عن نمط النمو عند أحد الأطفال في القراءة بأنه قد بلغ هضبة فيما بين السادسة والتاسعة أعقبتها زيادة سريعة فيما بين التاسعة والثانية عشر.
وهكذا يشير معدل النمو إلى مقدار الزيادة في التركيب أو الوظيفة
стр. 73
في وحدات الزمن, ويختلف معدل النمو بشكل ملحوظ من طفل لآخر.
وليست لدينا من البينة الثابتة ما يعين أي متخصص على أن يغير من معدل النمو في حدود ضيقة, كما أنه ليس لدينا من الوسائل السحرية ما يمكننا من محو الفردية الناجمة عن اختلاف معدلات النمو، وكل المأمول هو أن ينمو الجميع من حيث شتى أبعاد التطور.
٧- النمو عملية متكاملة:
ما يشيع من افتراض بأن التعويض قاعدة عامة في نمو الطفل لم ينشأ من الدراسات التجريبية, فليس من الصحيح أن الطفل الذي يكون فوق المتوسط في سمة من السمات يكون أقل من غيرها، والعكس، كوسيلة لتوازن قدراته، يقرر "جيزل ١٩٥٤" أن نواتج النمو يمكن تصويرها بمصنع تتضح فيه الخطوط والتصميمات.
فالطفل الذي نموه العقلي فوق المتوسط يكون عادة فوق المتوسط في الحجم والنضج الاجتماعي، والاستعدادات الخاصة، ومن ناحية أخرى، الطفل الذي يكون نموه العقلي أقل من المتوسط لا يعوض هذا بنمو جسمي أو بصحة أفضل، أو بنمو أكبر لاستعدادات خاصة، أو بمزيد من النضج الاجتماعي, ويميل الأطفال ضعاف العقول إلى أن يكونوا أقصر قامة من الأطفال الأسوياء، كما يميل المعتوهين والبلهاء إلى أن يكونوا أقصر فئات الضعف العقلي, وقد وجدت أنه يوجد ارتباط بين الذكاء العالي والنضج الجنسي المبكر، وارتباط بين انخفاض الذكاء وتأخر النضج الجنسي.
ويعني ذلك أن معظم السمات تترابط في النمو، والنمو على هذا لا يحدث بشكل آلي بسيط، وإنما على أساس التكامل بين جوانب النمو المختلفة، الجسمية، والعقلية، المعرفية، الانفعالية، العاطفية، الاجتماعية، وما بين هذه الجوانب من ارتباطات وتأثيرات متبادلة.
٨- النمو يمكن التنبؤ به:
إذا كان معدل النمو ثابت إلى حد كبير بالنسبة لكل طفل، يتبع ذلك أنه من الممكن أن نتنبأ في فترة مبكرة بالمدى الذي يحتمل أن يحدث فيه النمو الناضج للطفل، فمثلا تبين أشعة إكس لعظم الرسغ حجمها الأقصى الذي ستكون عليه "بايليي ١٩٤٦".
стр. 74
ومعرفة ما سيكون عليه أقصى مستوى للنمو العقلي، يعتبر ذا قيمة بالغة في تخطيط تعليمه وفي مساعدته على التدريب على نمط العمل الذي يحقق فيه أقصى مستوى من الكفاية والنجاح والإنجازية, ففي إعادة الاختبار على الأطفال خلال السنتين الأوليين من الحياة مثلا وجد أن ٨٠% من الحالات تتفق فيها معدلات النمو في المراحل الأولى من إجراء اختبار مستويات النمو العقلي مع التقدير النهائي الذي كشفت عنه إعادة الاختبار في نهاية العامين من العمر "جيزل ١٩٢٨"، ومن بين أولئك الأطفال الذين كشفت عنهم اختبارات الذكاء على أنهم ينتمون إلى فئة ضعاف العقول، لم يكن هناك إلا طفلا واحدًا لم يبد نفس المستوى من النمو العقلي في نهاية العامين من العمر "جيزل ١٩٣٠".
وعندما تتبع نفس هذه المجموعة من الأطفال حتى سن العشرين من العمر، يقرر "جيزل ١٩٥٤" أن مسار النمو لم يبد في حالة خروجًا عن القاعدة. ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا حالة واحدة, ففي الظروف غير المواتية فحسب يصبح النمو الأقصى للفرد أقل تنبؤا، وتشير "جود أنف ١٩٥٤" أنه حينما تحدث تغيرات كبيرة في تقديرات نسبة الذكاء في أعمار متأخرة، فإن هذا يوجد عادة في حالة أولئك الأطفال الذين تبين تقديراتهم الأولى انحرافات كبيرة بصفة عامة عما يمكن توقعه على أساس ذكاء الأسلاف. وقد بينت دراسات "تيرمان ١٩٢٦" على السمات العقلية المبكرة للعباقرة الذين عاشوا في الفترة ما بين عام ١٩٤٥ إلى ١٩٥٠، كما تتضح في تقارير إنجازاتهم أنهم كانوا مبرزين يبزون غيرهم، كأطفال.
ومن المبادئ الأساسية في فهم حقيقة الطفل أن النمو يتأثر بنمط التفتح بالتدرج فقوى الطفل تزداد عن طريق ما يحققه من نمو بعض الوقت، ومن الخطأ أن نحاول الهيمنة على توقيت نظام النمو بالتدريب السابق لأوانه، لأننا لو حاولنا ذلك فإننا لا نحصل من ورائه على أية نتيجة وسوف نلحق بالطفل ضررًا بالغًا بسبب تدخلنا في حياة كائن حي يتصف بالتعقيد والاتزان والاكتفاء الذاتي. إن تفتح النمط يحدث بالتدريج ومن ثم ينبغي ألا نتوقع نتائج عاجلة من وراء أي طريقة للرعاية، كما ينبغي ألا نتوقع ظهور الخبرات المرتبطة بالنمو بانتظام يعادل انتظام دقات الساعة، فإن من القدرات المدهشة الكامنة في الكائن الحي قدرته على إحداث تعديلات كثيرة في أثناء العملية الحياتية.
стр. 75
٩- لكل مظهر نمائي سمات مميزة له:
في كل مرحلة عمرية تنمو بعض السمات على نحو أكثر سرعة وأكثر وضوحًا من السمات الأخرى.
ووفقًا لما يذهب إليه "فيلدمان ١٩٤١"، أن حياة الإنسان تتقدم وفقًا لمراحل معينة، وليست الفترات العمرية للإنسان الفرد أقل واقعية ودلالة من الأعمار الجيولوجية للأرض والمراحل التطورية للحياة, وتتميز كل مرحلة ببعض المعالم المسيطرة، بخاصية رئيسية، توفر للمرحلة ترابطها وتكاملها ووحداتها وتفردها, فحتى سن العامين من عمر الطفل مثلا، يتوجه اهتمام الطفل لتكشف بيئته، يأخذ في التحكم في جسمه، وفي تعلم الكلام، ومن سنة ٣-٦ سنوات يتجه النمو إلى مزيد من النضوج الاجتماعي "بورولسكي ١٩٥٣".
وتكشف الدراسات التي أجريت على جماعات الأطفال التي اختبرت في فترات مختلفة خلال سنوات النمو أن كل طفل لا يبدو فحسب أنه يتمتع بفردية مميزة محددة تكوينيًا تعبر أولا عن نفسها وتستمر في الظهور على نحو متسق خلال سنوات ما قبل المدرسة -أو بعد ذلك- ولكن أيضًا إن لكل مستوى عمري نمطًا مميزًا بذاته، يكون متسقًا من طفل لآخر، ولذا يتلون سلوك أي طفل في أي مرحلة عمرية جزئيا بفرديته الأساسية الخاصة وجزئيا بنمط مستواه العمري، ولا يتألف النمط كثيرًا مما يمكن أن يحققه الطفل. وإنما يتألف من الطريقة التي يسلك بها "الج وآخرون ١٩٤٩".
وأكثر من ذلك، هناك مظاهر في نمط النمو، تتميز "بالتوازن وأخرى تتميز "بعدم التوازن"، بالنسبة للمظاهر النمائية التي تميل إلى الاتزان يحقق الطفل توافقات طيبة تيسر له الاستقرار النفسي، أما بالنسبة للمظاهر النمائية الأخرى، على العكس من ذلك، تعيق توافقاته بظروف داخلية, أن يحقق مستويات طيبة من التوافق النفسي، حيث يعاني من التواترات والعجز وقلة الحيلة والشعور بعدم الأمان وغير ذلك من المشكلات السلوكية، وتتغير فترات التوازن وعدم التوازن، حسبما يقرر "جيزل ١٩٤١"، وفقًا لمبدأ النماذج أو التناسج الحركي العصبي المتناوب Reciprocal neuromotor, interweaving وفي فترة عدم التوزن، قد
стр. 76
يبدو سلوك الطفل "سلوكًا مشكلا", وهذه الصعوبات السلوكية ليست انحرافات فردية, ولكنها مظاهر مميزة لهذا المستوى العمري وبالتالي يمكن التنبؤ بها.
وتكشف الدراسات التطورية عن إمكانية التنبؤ بالفترات العمرية التي تتميز بعدم التوازن، ففي السنوات المبكرة من حياة الطفل، مثلا، يوجد فترات عدم توازن تحدث في سن الـ١٥ شهر، ٢١ شهر، العامين والنصف، الثلاث أعوام ونصف، وبين ١٠-١٢ سنة قبيل التغيرات المتعلقة بالبلوغ "فورفي ١٩٦٢، بيولر ١٩٢٧-١٩٣٥، جيزل ١٩٣٩، جيزل والج ١٩٥٠" وبين هذه الفترات من عدم التوازن توجد فترات للتوازن حينما يبدي سلوك الطفل دلائل لتوافق أفضل، إلا أن هناك -طبعًا- فروقًا في الأعمار الحقيقية التي تظهر هذه الفترات المرتبطة بالتوازن وعدم التوازن.
١٠- الكثير من الأشكال المعروفة "بالسلوك المشكل" تعتبر سلوكًا سويًا بالنسبة للمرحلة التي يحدث فيها:
لكل مرحلة من مراحل النمو أشكال غير مرغوبة للسلوك تعبر عن خصائص عادية "سوية" في هذه المرحلة، وتأخذ في التطور كلما ينتقل الطفل إلى المراحل التالية للنمو، وتكشف الدراسات المتعلقة بالسلوك المميز للأطفال في سن الثلاثة أعوام ونصف من العمر عن الأشكال التالية للسلوك التي تميز حالة عدم الاتزان، وعدم التناسق الجسمي، والخوف من الوقوع أو من الأماكن المرتفعة، التواترات المتعددة، مثل ترميش العين أو قضم الأظافر أو اللجلجة في الكلام, الصعوبات البصرية، عدم الأمان الانفعالي، مشكلات تتعلق بالعلاقات بين الطفل والكبار مثل الرغبة في استحواز انتباه الكبار والخجل، والشعور بالإيذاء بسهولة، التناقضات الانفعالية، والتعبيرات الواضحة عن العطف والانفعال, ففي هذه الفترة العمرية هناك طفرة في النمو، وخاصة لدى الأولاد, ثم يأخذ السلوك في الميل إلى التنظيم والاستقرار الذي يميز بداية فترة التوازن "الج وآخرين ١٩٤٩".
وعلى العكس من ذلك النمط المشكل من السلوك، تكون الأنماط السلوكية للطفل في الخامسة من العمر, ففي هذه المرحلة العمرية, يكون الطفل متعاونًا، صدوقًا, رقيقًا, عطوفًا، ودودًا, ويعقب هذه الفترة من الاتزان فترة من عدم التوازن التي هي "فترة اختبار" يكون الطفل فيها صعبًا عدوانيا مندفعًا لحوحًا، ميالا إلى المناقشة والجدل، متهورًا، وفظا
стр. 77
"جيزل والج ١٩٤٦"، وبعد دخول الطفل المدرسة يأخذ سلوك الطفل في التحسن بصفة عامة "ستندلر وينج ١٩٥٠", ويظل على حالة التوازن حتى حدوث التغيرات الجسمية المصاحبة لفترة البلوغ, "فيرفي ١٩٢٦، ويكمان ١٩٢٩، هورلوك وماكدونالد ١٩٣٤، هورلوك وسندر ١٩٣٠، ستون وباركر ١٩٣٧، لونج ١٩٤١، ستولز وستولز ١٩٥١, ستاوفر ١٩٥٢".
ويعتبر فهم السلوك السوي للأطفال في مراحل عمرية مختلفة مسئولا عن الكثير من الاحتكاك بين الوالدين والطفل, بل وغالبًا ما يتضايق المعلمون من السلوك الذي يكون في الحقيقة سلوكا سويًا تماما بالنسبة لمستوى نمو الطفل, ففي إحدى الدراسات, على سبيل المثال، تبين أن لكثير من أشكال سلوك تلاميذهم التي يعتبرونها سلوكًا يبعث على الانزعاج والقلق ليست إلا سلوكا سويًا بالنسبة للطفل, فما قد يبدو من الطفل من دلائل عدم الاهتمام بعمله وبمظهره والعدوانية اللفظية يعبر عن مظاهر سلوكية عادية مميزة للأطفال في هذا السن، وما يبديه الطفل من عدم مبالاة بعمله المدرسي, وما يبديه من أحلام اليقظة بدلا من العمل يوضح أن الطفل يعتبر دروسه كما لو أنها ذات قيمة عملية ضئيلة بالنسبة له، وبالتالي تكون لديه دافعية أقل للدراسة والاستذكار, وهكذا يمكن أن نصل إلى نتيجة بأن المعلمين محتاجون إلى فهم وتقبل وتحمل الأنماط السلوكية السوية للأطفال، وأنهم ينبغي أن يتقبلوا الأطفال في ضوء المعايير الاجتماعية والسلوكية للطفولة، وألا يحاولوا طبع الأطفال وفقًا للصور التي قد يتبناها المعلم بشأن السلوك والتحلي السليم "كابلان ١٩٥٢".
ولكن ينبغي أن نقرر أن أشكالا معينة من السلوك المشكل لا ينبغي إغفالها على أساس أنها سوف تختفي من حياة الطفل بنموه وانتقاله إلى مراحل أخرى أكثر نضوجًا, فالسلوك الذي لا يميز مرحلة عمرية معينة يعتبر مؤشرًا خطيرًا لاضطربات في المستقبل، فالفترة من الميلاد حتى سن الثامنة عشر من عمر الطفل تمثل سنوات من الاختبار والاكتشاف. والطفل الذي يبدي اضطرابًا يحتمل أن ينمو معه في مرحلة الرشد بعض مظاهر اضطرابات الشخصية إلا إذا اكتشفت وعولجت المظاهر الدالة على هذا الاضطراب في مراحل مبكرة وقبل أن تتجسم وتتمكن من بنيته الشخصية ككل "توب ١٩٥٠".
стр. 78
١١- النمو يستمر طوال الحياة:
إن التغيرات التي تضبط بواسطة العملية النمائية تكون خاضعة لنظام معين، وتميل إلى أن تحدث في توالي غير متباين، وهذا يعني أن جسم الشخص وأنماط سلوكه تستمر في التغير في اتجاهات يمكن التنبؤ بها مادام الشخص يبقى على قيد الحياة، فكل طفل يتوقف منه أن يجلس قبل أن يقف، وأن يقف قبل أن يمشي، كما يتوقع من جميع المسنين أن يفقدوا تدريجيًا قدراتهم التي يتملكونها, وهذه الحقيقة التي أدت "بهافجهرست" وعلماء نفس آخرين أن يخطوا المطالب النمائية المتوقعة لجميع فترات العمر, ولقد أدى ذلك بأحد الباحثين إلى أن يصف الموت كما لو أنه المرحلة الأخيرة من النمو.Ross. K؛ "١٩٧٥".
وحيث أن النمو عملية مستمرة، فإن ما يحدث في فترة معينة يؤثر في جميع المراحل التالية، فالأفراد يتغيرون نتيجة اتحاد النضج والخبرة، ولقد أشار علماء التحليل النفسي أن الطفل الذي يتلقى عناية وعطف أموي ضعيف في السنة الأولى من حياته يتوقع وجود مشكلات اجتماعية وتوافقية في المراحل المتقدمة من نموه, وعلى ذلك فإننا نجد كثيرا من علماء النفس الآن يهتمون بدراسة نمو الطفل للتفهم الأحسن لسلوك الراشد.
стр. 79
مراحل النمو
مدخل
...
مراحل النمو:
مفهوم مراحل النمو نمى بصورة منطقية من مبادئ النمو التي سبق الإشارة إليها, ووفقًا لهذه المبادئ فإن الوليد البشري ينمو في طريقة خاضعة لنظام وترتيب معين, ولقد تمكن الباحثون من تحديد مراحل مميزة إلى حد ما تتصف بأنماط سلوكية معينة, كما أن استكشاف الجوانب والمظاهر الواسعة للسلوك أدى بالسيكولوجيين إلى عمل تعميمات عن أنواع سلوكية يمكن أن نتوقعها من الكائن الإنساني في أعمار زمنية مختلفة، ولقد أشار بعض الباحثين أن مفهوم المراحل النمائية يصبح أكثر جدوى عند استخدامه ليس فقط لنمط سلوكي معين، ولكن لتدوين مجموعة مترابطة موحدة من السلوك يكون مرتبطا بمستوى عمر زمني معين Ln-helder؛ "١٩٥٣" Wohlwill؛ "١٩٧٣" ويطلق "انهلدر" على هذه المجموعة من السلوك على أنها بمثابة بناء كامل يمكن أن يقارن بأي عينات منفصلة
стр. 80
من السلوك، وثمة مثال لذلك ما نراه في مجموعة من الأنماط السلوكية التي ترتبط مع الطفولة أو المراهقة.
كما أننا نستخدم مفهوم المراحل النمائية، لكي تمدنا بوصف لنتائج وتواليات التغير المتوقعة كلما تقدم الوليد البشري في عمره الزمني، فمثلا مفهوم المراهقة يحضر إلى الذهن توالي خاص من الأنماط السلوكية، فالمراهقة تعني بالنسبة لمعظمنا الأنماط السلوكية المرتبطة مع النمو الجنسي، وكذلك بتحقيق استقلال أكبر من المنزل والأبوين وبالوقت المتزايد الذي يقضى خارج المنزل مع الأصدقاء وهكذا, فالمرحل النمائية تبنى أساسًا على معدل الأنماط السلوكية للشخص العادي، أي ما يصدر من أنماط سلوكية لدى أغلب الأفراد في أي عمر زمني معين كما أنها تستخدم كنوع من إيجاز ما يحدث للأفراد في فترة معينة من نموهم, بالإضافة إلى أنها تفيد في تخطيط الخبرات التعليمية المناسبة لكل مرحلة زمنية معينة.
ولقد وصف "كينستون Keniston"؛ "١٩٧٠" ما يشير إليه من مراحل نمائية بين المراهقة والرشد, وسمى هذه بمرحلة الشباب Stage of yoeth، ويستطرد بأن الشباب يتصف بأنماط سلوكية ترتبط بالتوترات بين الذات والمجتمع، والنفور من الأشخاص ذوي السلطة المطلقة، كما أن مصطلح الشباب كما عرفه "كينستون" يصف كثيرًا من الناس في مجتمعنا، وكثيرًا منهم ليسوا كبارًا ولكنهم كالصغار.
كما أن المراحل النمائية مجرد أوصاف بسيطة لأعمار زمنية معينة مرتبطة بأنماط سلوكية معينة, وأشار "بياجيه Piaget" إلى ذلك بقوله إن المراحل النمائية السلوكية بمعنى، أنها تصف السلوك التدريجي والتغير الذاتي يمكن أن يتنبأ بها في نظام معين, كما أشارت "انهلدر Lnhelder"؛ "١٩٥٣" إلى أن المرور من المراحل الأدنى إلى المراحل الأعلى، نجد الأدنى تصبح جزءا من الأعلى، حيث إن المراحل المبكرة لا تنسى، فالمهارات التي اكتسبت داخل كل مرحلة تستخدم في المراحل اللاحقة.
ويشير "وهلول Wohlwill؛ "١٩٧٣" أنه على الرغم من أن المراحل النمائية تصف الأنماط السلوكية، والتي تكون مرتبطة كل منها بالأخرى، إلا
стр. 81
إن الباحثين يجب أن يتخطوا أكثر من وصف الأنماط السلوكية العامة بعمر زمني معين، حيث يجب أن يكونوا قادرين على وصف وتفسير النماذج المتداخلة بين التغيرات الاستجابية.
كما أشار "جيزل وآخرون Gesell et al"؛ "١٩٧٤" أن مراحل النمو عادة ما تكون متأثرة بما نسميه بالنماذج المتبادلة reciprocal interweaving بمعنى تكرار تناوب أو تعاقب القوى المتناقصة أو المتقابلة، ويستطرد "جيزل" أن هذه النماذج يحدث نموذج من الحركة المكوكية، أي إن الطفل يأخذ خطوتين إلى الأمام حتى يكتسب خبرة جديدة، وخطوة أخرى إلى الوراء عندما يدمج أو يوحد الأهداف, ويشير "جيزل" أن بعض المراحل تتأثر بهذا التمازج، ووصفها بما تسمى بعملية التوازن equolibrium وكذلك أخرى تتصف بعدم التوازن, ونجد أن أغلب الأطفال في المراحل المتوازنة يظهرون أمارات التكيف الاجتماعي الجيد، حيث من السهل عليهم التكيف مع الآخرين، وكذلك لمتطلبات البيئة، ويميلون إلى أن يكونوا أكثر إشباعًا وسعادة واسترخاء إذا ما قورنوا أثناء مراحل نمائية أخرى, كما أن الأطفال الذين يكونون في مراحل تتسم بعدم التوازن يميلون إلى أن يكونوا أكثر توترًا، ومترددين وغير آمنين، كما أنهم قد يظهرون كثيرًا من المشكلات السلوكية والتي لا تحدث أثناء المراحل الأخرى من النمو، حيث نجد لديهم مشكلات في التكيف مع الأفراد الآخرين، وكذلك مشكلات تكيف في الحياة بصورة عامة.
ولقد أشارت "هيرلوك Hurlock؛ "١٩٧٢" إلى أن كثيرًا من الآباء يربطون تلك التغيرات في النماذج السلوكية، بالتغيرات البيئية، وعلاوة على ذلك, فمن الأسوأ أن يربطوها في أغلب الأحيان بالطفل نفسه قائلين: إنه مزعج ودائم الشكوى ومتذمر ... إلخ, وتستطرد "هيرلوك" بقولها: إن المشكلات السلوكية لا يمكن أن تكون انحرافات فردية على الإطلاق، ولكنها بالأحرى أنماط سلوكية متنبأة تصف مرحلة نمائية معينة يمر بها الطفل.
ولقد وصفها "آمز Ames" بطريقة أخرى بقوله في مراحل معينة: نجد جميع الأطفال يميلون إلى أن يكونوا خارج الجماعة التي ينتمون إليها، وإن ذلك يعتبر جزء عادي من النمو، ويجب أن يدرك الآباء أن هذا هو حال الفرد الذي يتعلم التعامل مع الأشياء بخطوات واسعة أو بقفزات.
стр. 82
كما أثير كثير من الجدل بين علماء النفس حول أدوار الوراثة والنضج وخبرات التعلم في النمو، وسوف نناقش هذا الجدل بتفصيل فيما بعد، إلا أنهم اتفقوا مع ذلك أن المراحل النمائية ما هي إلا نتيجة الاتحاد بين النضج والتعلم, كما أن وصف المرحلة نادرًا إن لم يكن مستحيلا أن يتم مستقلا عن البيئة التي يعمل فيها الطفل ولهذا السبب فإن كثيرًا من المراحل النمائية لا يمكن أن تنفصل كل منهما عن الأخرى، فالانتقال من مرحلة إلى أخرى تالية تكون في صورة تدريجية وتحدث في أوقات مختلفة للأطفال بواسطة خبرات تعليمية متباينة، كما أن دراسات التحليل النفسي قد اهتمت بصورة خاصة بخبرات الطفولة في فترات معينة من حياتهم.
ويجب أن نشير في هذا المقام أن التوقيت يكون حاسمًا في النمو، فالطفل الذي يحرم من العطف الأموي خلال طفولته المبكرة يتوقع أن يتأثر بصورة مختلفة تمامًا عن الطفل الذي حرم من العطف الأموي في طفولته الوسطى, وبهذه الطريقة فإن المرحلة النمائية تستخدم لتفسير الاختلافات أو الفروق الفردية في السلوك، بالإضافة إلى تفسير النمط السلوكي العادي.
وفي ثنايا الصفحات التالية سنلقي الضوء على بعض من النظريات في علم نفس النمو التي أشارت إلى أن النمو الإنساني يسير في مراحل معينة، وعلى الرغم من أن هذه المراحل قد تختلف أحيانًا، وأنها قد تتداخل، إلا أنها تحدث في نظام متوال، كما أنها تتغير في التعقيد والتركيب وتتحدد وتتميز مع العمر الزمني.
ويسمى هذا المنحى في النمو بمنحى المرحلة التابعة Stage dependent, ولقد اهتم كثيرًا من الباحثين في النمو الإنساني من أمثال "جيزل Gesell"، و"آمز Ames" بأنماط كثيرة مختلفة من النمو، والعلاقات المتداخلة المركبة التي توجد بينها، وسنرى بعض مساهمات "جيزل" و"آمز" و"بياجيه" و"كوهلبرج" و"فرويد" و"آريكسون" في مراحل النمو الإنساني.
стр. 83
١- مساهمات "جيزل وآلج وآمز ":
أشار جيزل Gesell مؤسس معهد علم النفس الطفل بجامعة "بيل" أن النمو يحدث في توال غير متباين، ويتضح هذا في تأملنا للنمو الحركي أو العقلي في الكائنات الإنسانية، وقد اهتم "جيزل" وزملائه بالخمسة سنوات الأولى من حياة الوليد البشري, وأشارت دراساتهم إلى أن تلك السنوات تتضمن تغييرات سريعة متنوعة ومفاجئة، ولا يمكن أن تدرس بلمحات منفردة والحقيقة فإذا تأملنا السلوك الحركي بمفردة فإن التغيرات التي تحدث من الميلاد حتى الخمس سنوات الأولى تكون جد مثيرة مفاجئة لدرجة أنه من الصعب الاعتقاد بأننا نتعامل مع نوع واحد من المخلوقات, ولقد وصف "جيزل" وزملاؤه نتيجة ملاحظاتهم للأطفال التغيرات التي شاهدوها كما يلي: "أثناء الخمسة عشر الأسابيع الأولى من حياة الرضيع، نجد نمو تحكم الرضيع في مناطق الرؤية بصورة أساسية، وخاصة نمو العضلات الاثني عشر المتعلقة بحركة العين, ومن الأسبوع ١٦، ١٨ يكشف الرضيع تدريجيًا القدرة على التحكم في العضلات التي تسند الرأس وتسمح للذراعين بالحركة، وعند حلول الأسبوع ١٨ يمكن للرضيع تناول الموضوعات والوصول Proximo distal ومن الأسبوع ٢٨ إلى الأسبوع ٤٠ يكتسب إليها، ويسير النمو في هذه الفترة وفقًا للاتجاه من المراكز إلى أطراف الرضيع تدريجيًا التحكم وضبط اليدين والجذع، حيث نجده يستطيع أن يجلس ويزحف إلى الموضوعات أو الأشياء التي ليست في متناوله وتكون بعيدة عنه، ومن الأسبوع ٤٠ إلى الأسبوع ٥٠ نجد النمو يمتد إلى الأرجل والقدم، وكذلك إلى إبهام اليد والسبابة، حيث يتمكن الرضيع في هذا السن من الإشارة إلى الأشياء والإمساك بها.
وكان "جيزل" وزملاؤه مهتمين بنمو السلوك الحركي واللغوي والذي نعتوه بالسلوك التكيفي adaptive وهو تعلم استخدام الخبرة الحاضرة والماضية للتكيف للبيئة، والعلاقات الاجتماعية الشخصية، ولكي يكملوا وصفهم للتغيرات الملاحظة يشيرون أنه بنهاية السنة الثانية يمكن أن نتوقع من الطفل أن يمشي ويجري ويتكلم كلمات معينة، وأن يضبط إخراجه وإن العلاقات المتداخلة بين جوانب النمو المختلفة، فمثلا نجد درجة النمو الحركي تؤثر في القدرة على تعلم المطالب النمائية لعمر زمني معين, كما أنه بنهاية السنة الثانية من عمر الطفل يتوقع منه التكلم في جمل، ويفكر في الكلمات, ويظهر ميلا أكبر للتعامل مع البيئة، كما نرى نمو سلوك التناظر الوظيفي Analogy في تعلم طفل الرابعة، وقدرته على التعميم وعلى تأليف مفاهيم معينة، ويمثل هذا السن استخدام الأم كأداة موجهة لفحص العالم المحيط بالطفل، فكثيرًا ما نجده يتساءل، لماذ يحل
стр. 84
الظلام ليلا؟ لماذا يكون لون السماء زرقاء؟ لماذا لا يسقط المطر صيفًا؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ وتقف هذه التساؤلات عند سن الخامسة تقريبًا, حيث نجده يقضي وقته الآن في التحكم في نموه الحركي الدقيق، وتعلم فعل أشياء كالمراكب والسفن والطائرات، بالإضافة إلى تعلم الاتساق والتطابق مع عالمه المحيط به, وعمومًا فإن تأثير المراحل السابقة على هذه المرحلة من النمو تكون هامة، وبدون النمو الفعلي للأنماط السلوكية السابقة، نجد من غير الممكن أن يصل الطفل إلى هذه المرحلة, وبصورة مشابهة، فإن تأثير هذه المرحلة في كل المراحل اللاحقة للنمو يكون كذلك تأثيرًا كبيرًا هائلا.
стр. 85
٢- نظرية بياجيه في النمو المعرفي:
قضى "جان بياجيه" فترة كبيرة من حياته في ملاحظة الطرق التي يفكر بها الأطفال في أعمار زمنية مختلفة، وكيف يتناولون المشكلات ويحلونها. ولاحظ "بياجيه" الأطفال الصغار وكذلك الأطفال الرضع أثناء تفاعلهم مع أنواع مختلفة من المشكلات وكان مهتمًا ليس فقط في مدى قدرتهم على حل هذه المشكلات بصورة صحيحة ولكن كان مهتمًا كذلك في الأسباب التي أدت بهم إلى الاستجابة التي أجروها، وتبعًا لنظرية "جان بياجيه" يتغير تفكير الطفل في طرق كثيرة مختلفة كلما تقدم في العمر الزمني، واقترح تسلسل المراحل المعرفية، وتسمح كل مرحلة للطفل حل مشكلات مستخدمة عمليات عقلية متنوعة.
ولم يتصور "بياجيه" المراحل على أنها منصفة أو غير مترابطة كلية، كما أنها ليست متداخلة بعضها مع البعض الآخر، كما أنه لم يحدد أعمارًا زمنية دقيقة تحدث فيها كل مرحلة من مراحل التفكير، وبدلا من ذلك وصف سلاسل من المراحل تختلف إلى حد ما في توقيتها، إلا أنها أحيانًا تتداخل واحدة في الأخرى معتمدة على نمط المشكلة التي يحاول حلها الطفل, وهذه المراحل كما يشير "بياجيه" تحدث في نظام ثابت لدى كل الأطفال، فالمراحل الأكثر تركيبًا تكون تابعة لأخرى أقل تركيبًا.
ولم يقتصر "بياجيه" في تفسيره للمراحل بأنها تعزى إلى عملية النضج أو عملية التعلم، ولكنها نتيجة خليط من الاثنين معًا، وكتاباته النظرية أشارت إلى ما يعتقده بوضوح بأن التفاعل مع البيئة شيئًا ضروريًا لحدوث التغير المعرفي, ونظرية "بياجيه" تشير إلى أن الأطفال الذين
стр. 86
ينشئون في عزلة من الاستثارة الخارجية, قد يكون لديهم معدلات نمو معرفية منخفضة بصورة ذات دلالة, وفيما يلي نود أن نورد وجهة نظر موجزة للمراحل المعرفية الرئيسية عند "جان بياجيه" وسنتعرض لها بشيء من التفصيل فيما بعد.
فتبعًا لهذه النظرية نجد الطفل أثناء العامين الأوليين يتمركز حول نمو المهارات الحسية الحركية، ولقد سمى هذه المرحلة بالحسية الحركية Sensorimotor ونرى الأطفال في تلك المرحلة يتعلمون استخدام الأحاسيس التي تأتيهم من العالم الخارجي وأن يتعاملوا باليدين ويتحكموا في عضلات أجسامهم، ويستخدم الأطفال الصغار في تلك المرحلة الاستجابات التي لا تتطلب استخدام الرموز أو اللغة.
و"بياجيه" مثله مثل "جيزل" يرى أن هناك كثيرًا من التغيرات الرئيسية التي تحدث أثناء المرحلة الحسية الحركية، حيث وصفها وقسمها لعدد من المراحل الفرعية الأصغر وتتضمن المرحلة الانعكاسية المبكرة، حيث نرى أن الاستجابات الفطرية أو الولادية تكون كافية بالمراد، وتلي ذلك مرحلة ردود الفعل الدائرية حيث نجد فيها الطفل يكرر الأفعال مرة ومرات بصورة متعمدة مقصودة، يحدث ذلك مبدئيًا من أجل ذاته، وفي مرحلة متقدمة لكي يرى نتائج هذا التكرار، وأخيرًا يكررها للحصول على أهداف معينة, وفي هذه المرحلة نرى الأطفال يرمون الدمى خارج سريرهم وبصورة متكررة لكي يجذبوا انتباه الأفراد القائمين برعايتهم ولا يستطيع الأطفال تعلم التفكير في تأثير الاستجابات قبل أدائها إلا بعد أن يصلوا في نموهم إلى الشهر الثامن عشر تقريبًا, والمرحلة الأخيرة في الفترة الحركية هي التركيبات العقلية mental Combination, فالأطفال كما يشير "بياجيه" يدخلون المرحلة العقلية قبل الإجرائية Preoperational في نهاية السنة الثانية, وفي بداية هذه المرحلة نجد الأطفال ينمون استخدام اللغة بالإضافة إلى نمو استخدام الإشارات والرموز لديهم، فاللغة تفتح أبوابًا كثيرة أمام الطفل، حيث نجده قادرًا على حل كثير من المشكلات الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، كما أنهم يستخدمون مبدأ ثبات الأشياء وبقائها Conservation وذلك بدون الحاجة إلى وجود الموضوع أو الشيء نفسه.
стр. 87
وفي المرحلة الحدسية Intuitive التي أشار إليها بياجيه يتمكن الأطفال خلالها من حل مشاكل متنوعة مركبة، ويتضمن ما يسميه بالتصور المبني على التفكير, فأطفال الرابعة كأطفال الثانية من العمر يمكن أن يلعبوا مع الدمى وأن يتعاملوا معها كموضوعات حية، وبعد سن الرابعة يمكن أن يستمروا في ذلك مع إضافة معلومات وبيانات بالإضافة إلى استخدامهم للرموز, ويتمكن أطفال الرابعة من حل المشكلات، إلا أنه يتضح أن لديهم قدر كبير من الصعاب في حلها منطقيًا ويشير "بياجيه" أن حلول الأطفال للمشكلات في المرحلة الحدسية يميل إلى أن تكون معتمدة على بعد استثاري واحد، بمعنى جانب واحد من المشكلة يستخدم للمساعدة في الوصول إلى الحل، فمثلا قد يقرر الطفل أن الأنبوب أو الوعاء الأطول يحتوي على كمية سائل أكبر من أنبوب أو وعاء آخر أقصر منه ولكنه أكثر اتساعًا ويحمل سائلا بكمية أكبر من الوعاء الطويل الرفيع، ويقول "بياجيه" في هذه الحالة: إن البعد الاستثاري الذي وضعه الطفل في اعتباره هو طول الوعاء.
وبحلول المرحلة الإجرائية Operational تنتهي المرحلة الحدسية كما يشير "بياجيه" في حوالي سن السابعة من العمر, ويستطرد بأن هذه المرحلة تعتبر بمثابة بداية التفكير الحقيقي، ففي البداية كانت تتطلب عملية التفكير أمثلة عيانية، إلا أن تلك المرحلة من التفكير يستخدم الطفل فيها العمليات الصورية Formal ويستطيع الأطفال في تلك المرحلة التفكير وحل المشكلات بأنماط كثيرة متنوعة ومركبة.
كيف تحدث جميع هذه التغيرات التي أشار إليها "بياجيه"؟ يشير "بياجيه" أن النمو المعرفي في كثير من جوانبه متشابه مع النمو العضوي، بمعنى أنه يتضمن بصورة أساسية نشاطًا موجهًا نحو التوازن equilibrium "بياجيه ١٩٦٧", والذي يعني تبعًا "لبياجيه" مجموعة من الأفكار المتوازنة تنتظم داخل نظام عقلي مترابط منطقيًا والذي يمكنه أن يستخدم في حل مشكلات جديدة، وأطلق بياجيه على هذا النظام البناء المعرفي Cognitiv Structure.
ووفقًا لنظرية "بياجيه" يمر الأطفال من مرحلة معرفية إلى أخرى تالية لها في كل نمط لحل المشكلة، وفي نفس الوقت نراهم يمرون من فترات عدم توازن حيث لا يستطيعون ضبط والتحكم في البيئة بواسطة
стр. 88
استخدام قدراتهم، إلى فترات توازن حيث يتمكنون أو يكون لديهم المقدرة العالية لاستخدام البيئة، كما أنهم يكونون على استعداد للتعلم الأكثر، فمثلا طفل الستة شهور الذي يجلس داخل عربيته قد يكون من المتيسر له أن يشد نفسه إلى أعلى واقفًا، إلا أنه لا يفعل لأنه لا يكون على استعداد للانتفاع من هذا المظهر في بيئته، وبعد مرحلة معينة وبعد أن يكون قد نمى ويمكنه استخدام ذراعيه وأرجله بصورة أفضل فإنه قد يستخدم قضبان العربة أو أعمدتها لكي يشد نفسه إلى أعلى، ومن هنا نجد أن فرصة هذا الطفل للتعلم وحل المشكلة قد اتسعت إلى حد كبير، وسمى "بياجيه" العملية التي تزداد بها قدرة الطفل لإحداث الاستجابة بالتوازن، ويشير إلى التفاعل بين عمليتين منفصلتين، وكل منهما يتبع الآخر، وهما عملية التمثيل أو الامتصاص assimilation والمواءمة accomodation فالتمثيل يحدث عندما يستخدم الأطفال مثيرات جديدة في بيئاتهم لأداء نشاطات يعرفون أداءها بالفعل, ومثال لعملية التمثيل في الفترة الحركية قد تكون الخروج من السرير الصغير والعثور على دمية أو أي شيء كالبرتقالة مثلا، وبالتالي استخدم هذه البرتقالة لأداء سلسلة من الأفعال كدحرجتها فوق السرير أو على الأرض مثلا، وذلك لأنه قدر رآها تفعل ذلك أمامه.
وتحدث المواءمة أو التمثيل عندما يضيف الطفل نشاطًا جديدًا إلى ذخيرته أو يعدل السلوك القديم، فالطفل قد يظل في نقالته "سريره" لفترة طويلة من الوقت قبل أن يتحقق وبصورة مفاجئة بأنه يجب عليه استخدام قضبان سريرة لأداء عمل أو نشاط جديد، وتعتبر أول رفعة لوضع الوقوف بواسطة الطفل في نقالته ما هي إلا مثال جديد للمواءمة والتمثيل والمواءمة عمليتان يتبع كل منهما الآخر, فالتمثيل بمثابة ازدياد عدد المثيرات التي تؤدي الاستجابة لها، والمواءمة هي ازدياد عدد الاستجابات التي تم أداؤها للمثيرات المتمثلة بالفعل, بمعنى أنه كلما تمثل الأطفال نجد ازدياد قدرتهم على المواءمة، ومنطقيًا فبدون التزود بالمثير المناسب من البيئة، فإن كل من العمليتين قد تتوقف, ولقد كان "بياجيه" يشك في القدرة لتعليم الأطفال المفاهيم المركبة والمتقدمة في المراحل المعرفية المبكرة, وشعر أن هذه المحاولات لا تمد الطفل ولا توفر له المثيرات المناسبة والمتماثلة للبناءات المعرفية للأطفال، وبالتالي يميل الطفل إلى الإخفاق، وتبعًا "لبياجيه" فإن تنزويد الطفل بالمثير المناسب، فإن عمليتي التمثيل والمواءمة يتبع كل منهما الآخر في ازدياد فالبناءات المعرفية الأكثر تركيبًا نجدها تتكون بالتالي.
стр. 89
نظرية كولببرج في نمو التفكير الخلقى
...
نظرية كولبرج في نمو التفكير الخلقي:
لم يقتصر اهتمام "بياجيه" على تفسير النمو المعرفي فقط، ولكنه كان مهتمًا كذلك بنمو التفكير الخلقي، وأشار إلى أن التفكير الخلقي يشبه في نموه وتدرجه الأشكال الأخرى من النمو المعرفي حيث يحدث في مراحل الواحدة منها تلو الأخرى, ويعتبر "لورنس كهلبرج" في نظريته لنمو التفكير الخلقي امتدادًا لآراء "جان بياجيه" في ذلك، حيث أشار إلى مراحل ينمو خلالها التفكير الخلقي عند الأطفال، وكان منهج "كوهلبرج" في ذلك أن قابل أولاد ما بين سن العاشرة إلى سن السادسة عشر، وسألهم بأن يستجيبوا لمشكلات تتضمن مأزق خلقية افتراضية مشتملة على صراعات معينة, وحاول في هذه المشكلات أن تكون معقدة ومركبة حيث لا يوجد لها إجابات صحيحة ففي كل مشكلة يمكن أن يعطى الأطفال إجاباتهم معتمدين على أي تسلسل من الاتساق المصطنع، أو التوقعات الاجتماعية، أو الإخلاص والالتزام بالقانون إلى اعتبارات أعلى، مثل حقوق وسعادة الآخرين.
ولقد وجد "كولبرج" مثل "بياجيه" علاقة إيجابية بين العمر الزمني والمرحلة الأخلاقية التي يكون عليها الطفل Kohlberg؛ "١٩٦٩".
وأشار أن المراحل الأخلاقية مثل المراحل المعرفية تبدو كأنها نتاج لتفاعل الفرد مع بيئته، كما أشار إلى أن ازدياد النمو في التفكير الخلقي لا يحدث من خلال التعليم المباشر، بمعنى أنه لا يمكن أن يتعلم من خلال نماذج الدروس التعليمية التقليدية، ولكنها تنمو من خلال عمليات مركبة معقدة تتضمن عوامل أخرى مثل "التفاعل مع الآخرين" ويضيف أن معظم الأفراد في مجتمعنا لا يصلون المرحلة الأعلى من النمو الأخلاقي. وهي الأخلاقية المعتمدة على المبادئ الخلقية العالمية، حيث ما يقرب من ٥، ٦% منا قد يبلغون هذا المستوى الأعلى من الأخلاقية.
مراحل "كولبرج" في الحكم الخلقي:
يعتقد "كوهلبرج" أن الكائن الآدمي يكتسب إحساس العدل خلال مراحل متتابعة من النمو، ففي عام ١٩٥٧ عندما كان يجري بعض دراساته في جامعة شيكاغوا، بدأ في اختبار الحكم الخلقي لجماعة مكونة من ٧٢ طفلا يتراوح أعمارهم ما بين ١٠، ١٦ سنة عن طريق توجيه بعض
стр. 90
الأسئلة إليهم متضمنة مسائل ومعضلات أخلاقية مثل.
- يمكن للمرء أن يسرق الدواء لإنقاد امرأة تموت.
- مخترع الدواء الذي يبيعه بعشرة أمثال تكلفته الأساسية.
- الزوج الذي يشتري بعض الأشياء الضرورية لزوجته، إلا أنه لم يستطع دفع ثمنها، ما الذي يجب أن يفعله الزوج؟
ومن إجابات الجماعة استطاع "كولبرج" أن يميز بين ستة أنماط رئيسية للأحكام الخلقية، والتي وجدها متساوية مع المراحل النمائية، ويشير إلى أن الاختبارات اللاحقة لنفس المجموعة بعد ثلاثة سنوات قد أظهرت نموًا متقدمًا خلال نفس المراحل وبنفس النظام، ومراحل "كوهلبرج" في نمو الأحكام الخلقية يمكن إيجازها فيما يلي:
١- الوعي بالثواب والعقاب، وكذلك بالقوى الجسمية والمادية.
٢- التوجيه نحو اللذة، بوجهة نظر وسيلية للعلاقات الإنسانية، وبداية الأفكار العامة عن التبادلية، ولكن تأكيد تبادلية المنفعة والمصلحة، مثل قول طفل "إنك خدشت لي ظهري وسأفعل ذلك لك".
٣- التوجه نحو أخلاقيات الولد الطيب، حيث يبحث في هذه الفترة عن الحصول على التوقعات الاجتماعية، والفوز بالاستحسان في جماعته الحالية، وتعرف الأخلاقية بواسطة الفرد نفسه بأنها رابط من العلاقات.
٤- التوجه نحو السلطة والقانون والواجب، وذلك لكي يساعد على الاحتفاظ والاستمرار بالنظام الثابت سواء كان اجتماعيًا أو دينيًا، والذي يعتبر قيمة أولية.
٥- توجيه العقد الاجتماعي مع التأكيد على المساواة والالتزام المشترك المتبادل داخل نظام ديمقراطي ثابت، بمعنى انتشار الأخلاق داخل المؤسسات.
стр. 91
٦- مبادئ الضمير الخلقية، والتي تتصف بالإدراك المنطقي الشامل والقيمة العليا التي توضح في حياة الإنسان والمساواة والشرف والكرامة.
وجدير بالذكر أن "كولبرج" لم يعرف هذه المراحل أو يحددها بآراء أو أحكام خاصة، ولكنه يصفها بطرق التفكير في الأمور الأخلاقية وأسس وقواعد الاختيار، فالمرحلة الأولى والثانية والتي تنطبق على الأطفال الصغار، فقد وصفها، "كولبرج" بمرحلة ما قبل الخلقية Premoral حيث وجد أن المناقشات التي أجريت مع الأطفال كانت متمركزة وبصورة واسعة حول الميول الذاتية والاعتبارات المادية، كما أن المجموعة الثالثة والرابعة وهي الجماعة الموجهة كانت تتصف بالتمسك بالعرف وبقواعد السلوك المرعية والتي يندرج فيها معظم الأفراد الراشدين، والمرحلة الخامسة تميز ما بين ٢٠-٥٠% من الراشدين، إلا أن المرحلة السادسة لا يصل إليها إلا ما بين ٥-١٠% فقط من الأفراد.
стр. 92
نظرية "فرويد" في النمو:
يعتبر "فرويد" من المساهمين الرئيسيين في النمو، باعتبار تدرج الوليد الإنساني في مراحل معينة، فمن ضمن أعمال "فرويد الكلاسيكية" ثلاث مقالات في النظرية الجنسية والتي كتبها عام ١٩٠٥ بنيت أساسًا على ملاحظاته القليلة فقط، إلا أن الخصائص التي لاحظها عززت بواسطة آلاف من الملاحظات الإضافية والتي سمحت له أن يعدل ويهذب ويوضح مفاهيمه، ونظرية "فرويد" سميت بنظرية التحليل النفسي، وذلك لاعتمادها على منحى المرحلة المعتمدة، بالإضافة إلى تأكيدها الدور الحيوي الذي تلعبه الخبرة في نمو شخصية الوليد الإنساني، وتشير هذه النظرية بأنه ما لم تقابل الحاجات الأساسية للطعام والحب والدفء والأمان في المراحل المبكرة من حياة الإنساني، فإن نمو الشخصية بالتالي سيتوقف arrested وسمى "فرويد" ذلك التثبيت Fixation ويشير إلى التثبيت في مراحل النمو المبكر يسبب بواسطة إحباط الحاجات الأساسية، وبالتالي يؤثر في الشخصية في كل مراحل النمو التالية، وبهذا المعنى فإن كل مرحلة تؤلف فترة حرجة من حياة الطفل، وبدون التثبيت يعتقد "فرويد" أن الأطفال قد يمرون بمراحل نمو ذات نظام محدد متتالٍ، حيث أن التثبيت يعوق بناء شخصية الطفل.
стр. 93
ويشير "فرويد" إلى خمسة مراحل رئيسية في النمو، وكل منها يتصف بمشكلات تكيفية جديدة يجابهها الفرد، وأول هذه المراحل تحدث أثناء فترة الرضاعة، وتتصف بالسلوك السلبي والاعتمادية من جانب الطفل، والرضاعة تعتبر المصدر المنظم للإشباع في هذا العمر، حيث نجد حياة الطفل تتمركز حول الأم، حلمة الثدي وإبهام اليد وأطلق "فرويد" على هذه المرحلة بالفمية Oral Stage.
والمرحلة الثانية من النمو تبعًا "لفرويد" ترتبط بالميل في التحكم وضبط الأمعاء والمثانة، وسمى هذه المرحلة بالشرجية Anal Stage ويتعلم الأطفال في هذه المرحلة اختيار التحكم والسيطرة على بيئتهم، حيث يقدرون على إعطاء الغائط أو عدم إعطائه, وأثناء هذه المرحلة يكتسبون اللغة ومهارات الاتصال, كما أن التثبيت عند هذه المرحلة من النمو تنتج خصائص مختلفة من التثبت الفمي حيث يشير "فرويد" أن الطفل حينئذ يكون متسلطًا ومنظمًا وصلبًا قاسيًا بصورة أكثر مما ينبغي، أو أنه قد يصبح على نقيض ذلك متسمًا بالفوضى بصورة مفرطة، وعدم النظام وغير قادر على تحمل المسئولية.
ويدخل الطفل المرحلة القضيبية من وجهة نظر التحليل النفسي عندما يصبح على دراية بالاختلافات الجنسية والاستمتاع المرتبط بها، ويشير "فرويد" أن ذلك يحدث في الطفولة المبكرة، ونجد في هذا الوقت ينمي الطفلَ تعاطف متزايد للأب من الجنس العاكس والشخصية تبعًا لذلك تبدأ في التشكل حيث يبدأ الطفل في استكشاف العالم المحيط به وأن يذوب نظام القيم.
والمرحلة القضيبية تتبع ما يسميه "فرويد" بمرحلة الكمون في الطفولة الوسطى، حيث يبدأ الطفل في تحويل انتباهات الحب الأولى إلى أفراد خارج المنزل, فالميل إلى الأقران يتزايد، ويصف بعض المؤلفين هذه المرحلة بأنها مرحلة السكون الذي يسبق العاصفة Westlak "١٩٧٣".
والمرحلة الخامسة هي المرحلة التناسلية، وهي فترة العنف والعواطف بحلول المراهقة نرى زيادة سريعة وارتفاعا مفاجئا في الحوافز الجنسية الغريزية، والحاجة إلى إنهاء الارتباطات الأبوية، وينشأ موقف من الصراعات يوجد في كثير من المجتمعات خاصة الأوربية.
стр. 94
نظرية "أريكسون" النفسية الاجتماعية:
يعتبر "أريكسون" من أوائل محللي الطفل في منطقة بوسطون Boston, وقد أشار بمراحل نفسية اجتماعية للنمو تتشابه أو توازي مراحل فرويد، وأن هذه المراحل تصف توجيه الطفل إلى ذاته وكذلك إلى عالمه الخارجي، ويختلف "أريكسون" عن "فرويد" في إحساسه أن الشخصية لا تكون محددة في الطفولة المبكرة، ولكن يستمر نموها طوال حياة الكائن الآدمي, وبهذا المعنى أحس الكثيرون أن "أريكسون" قد عدل عن تأكيد "فرويد" على مرحلة الطفولة كبداية ونهاية لنمو الشخصية Elkind؛ "١٩٧٠".
ويعتقد "أريكسون" مثله مثل "فرويد" بوجود فترات حرجة للنمو، ويشير إلى أن هذه الفترات تتسم بالاضطراب أو بنقاط تول حاسمة، وكذلك بإمكانية فترات العودة، ويعزي ذلك إلى التغيرات الجذرية التي تحدث في مجرى نمو الطفل، كما أن المشاكل النمائية التي يجابهها الطفل في مرحلة معينة من نموه إن لم تحل ستظهر مرة أخرى في أي مرحلة تالية، ومع ذلك فقد كان مختلفًا عن "فرويد" في تفاؤله بأن الإخفاق في مرحلة ما يمكن أن يصحح بالنجاح في المراحل التالية، بالإضافة فإن حل مشكلات في عمر زمني معين لا يستلزم بالضرورة حلا لمشكلات أخرى سابقة.
ويشير "أريكسون" بثماني مراحل للنمو النفسي الاجتماعي كل منها تتزايد في النمو والتركيب عن المرحلة السابقة عليها، وتتصف المرحلة الأولى بتعلم الطفل أن يثق أو لا يثق في البيئة وذلك أثناء السنتين الأوليين من حياة الطفل، وتبعًا "لأريكسون" فإنه في حالة إشباع حاجات الطفل عن طريق أمهات محبة دافئة سوف يعلمن أطفالهن الثقة، بعكس ذلك نجد الأمهات الباردات غير المعولة والأمهات البديلة ستخلق شخصيات عديمة الثقة لدى أطفالهن.
والمرحلة الثانية في فترة الطفولة من سن ٢-٣ سنوات تتصف بتعلم الاستقلال الذاتي Autonomy أو الشك عندما ينشئون معتمدين كلية على الأم أو على ما هو مكان الأم؟ فإن الطفل قد يتعلم التحكم في البيئة بصورة ناجحة أثناء هذه الفترة إذا أعطيت له التدعيمات المناسبة من الآباء
стр. 95
أو المربين، ومن جانب آخر فإن الطفل الذي يتلقى إفراطا في الحماية والعناية به، قد يتعلم الخوف من البيئة، كما أن ضعف الرعاية والحماية للطفل ينتج خبرات غير سارة، وقد ينتج مخاوف متشابهة مع الحالة الأولى، كما أن الشعور بالذنب ينمو أثناء السنة الرابعة من حياة الطفل، ويرجع ذلك إلى استجابات الأفراد من حوله إذاء تدريب الطفل المستمر مع البيئة من حوله، وتتساوى هذه المرحلة من النمو مع ما يسميه "فرويد" بالمرحلة التناسلية.
ويستطرد "أريكسون" بأن سنوات المدرسة المبكرة من سن ٧-١١ هي السنوات التي ينمي الطفل فيها أحاسيس الكفاية أو الدونية، ويتعلم الطفل أثناء هذه السنوات الارتباط بأقرانه، وأن يتعامل بالقواعد والعرف وأن يؤدي المهام الدراسية, ومكافأة التعلم والمساعدة عليه يؤدي إلى الإحساس بالكفاية وعلى نقيض ذلك عدم القدرة في التعامل مع البيئة والإخفاق يؤدي إلى أحاسيس الدونية.
ولقد كان "أريكسون" معروفًا باهتمامه بفترة النمو في المراهقة، إذ يشير أنها ما بين ١٢- ١٨ سنة عادة ما يكون المراهقون في شغل شاغل للبحث عن هويتهم وذاتيتهم، فإما أن يتمكنوا من تحقيقها أو يحدث لهم ما يسميه ارتباك أو خلط لأدوارهم rolr-Confusion, ويرجع ذلك إلى ما يحدث في تفاعلاتهم مع العالم وسنلقي بعض الضوء على كثير من مشكلات المراهقة في فصل قادم من هذا المؤلف.
والمرحلة السادسة والسابعة والثامنة للنمو عند "أريكسون" تلقي الضوء على ميول واهتمامات الراشدين، ففي أثناء الرشد المبكر نجد صفات من Generativity في مقابل الاستغراق أو الانشغال بالذات Selfabsorption وأخيرًا نرى التكامل في مقابل اليأس أو القنوط.
стр. 96
التعلم:
انتهينا في الجزء السابق من وصف المتغيرات التي تحدث عند الأطفال كلما تقدم بهم العمر الزمني، كما ألقينا الضوء على بعض من النظريات المرتبطة بتلك التغيرات والمصاحبة للعمر الزمني للوليد الإنساني، وعادة ما يسمى هذا المنحى في النمو بمنحى المرحلة المعتمدة Stage- dependent؛ لأنها تصف التغيرات السلوكية كسلسلة من المراحل التي تتزايد في التركيب والتعقيد مع النمو في العمر الزمني.
وسنناقش سويًا تفسير آخر للتغير في السلوك الإنساني وهو منحى التعلم البيئي للنمو، فالتعلم يعتبر بمثابة تغير دائم نسبيًا في السلوك الإنساني الناتج من تفاعلات الطفل مع البيئة المحيطة به, ونجد علماء النفس وبعض النظر عن نظرياتهم في تفسير السلوك يتفقون على شيء واحد، وهو مدى حاجة الأطفال إلى التفاعل المستمر مع بيئاتهم حتى ينموا بصورة سوية، فالرضيع مثلا لا يمكنه أن ينمي بمفرده القدرة على الإمساك بالببرونة "البزازة" وذلك بسبب عدم نضج القدرة الحركية لديه، وإذا لاحظنا أن الطفل يتعلم تدريجيًا هذه المهارة من خلال سلسلة من التفاعلات مع أمه وزجاجة اللبن, فالتعلم يبدأ منذ هذا السن حيث تمسك الأم الزجاجة لوليدها وتميلها على نحو مناسب، وبالتالي يتلقى الوليد اللبن. ويتبع هذا السلوك بسلسلة من الخطوات التوسطية والتي فيها تتخلى الأم تدريجيًا عن الإمساك بزجاجة اللبن كلما استطاع الطفل السيطرة والتحكم في الإمساك بالزجاجة، وفي النهاية فإنها قد تدعه يفعل ذلك بمفرده. فالطفل قد تعلم الإمساك بالزجاجة بدون مساعدة، وتدرجيًا يقلع عن مساعدة الطفل عندما تكون استجابة الطفل لهذا العمل أكثر ملاءمة وتناسبًا، فالأم هنا ساعدت على تغيير سلوك وليدها أي على إحداث التعلم لديه.
يتفق علماء التعلم البيئي مع علماء نظريات المراحل المعتمدة في أن التغيرات السلوكية ترتبط في طرق معينة بالعمر الزمني، إلا أنهم لا يتفقون معهم على أن ذلك يعتبر سببًا لهذه العلاقة، ولقد أشار أحد رواد هذا الاتجاه "بروبت جاجنه" Gagne"؛ "١٩٦٨" إلى أن مراحل "جان بياجيه" في النمو المعرفي تعتمد على ثمة عاملين.
стр. 97
١- تعتمد على ما يعرفه الطفل بالفعل.
٢- وتعتمد كذلك على الدرجة المتبقية التي يجب أن يتعلمها الطفل لكي يصل إلى الهدف.
وتبعًا لجاجنه فإن الطفل يتقدم من مرحلة إلى أخرى في نموه ويرجع ذلك إلى تعلمه في تسلسل منتظم لإمكاناته والتي يبنى بعضها على بعض في طريقة تقدمية، وكل مستوى مرتفع من التعلم يتطلب مستوى تعلمي سابق أقل، وكلما تدرج الأطفال في نموهم كلما أصبح أداؤهم أميل إلى الإتقان عن المستويات السابقة لعمرهم الزمني، وعلى ذلك فالأطفال الأكبر عادة ما نجدهم يتمكنون وبنجاح من حل المشكلات المتطلبة لمعدل منخفض من التعلم, ويشير "جاجنه" أن بناءات "بياجيه" المعرفية تبعًا لذلك ليست دليلا على الاختلافات النوعية أو الكيفية ولكنها بالأحرى قدرات مكتسبة خلال الخبرة مع البيئة، وبهذا المعنى فإن مراحل النمو المعرفي لا ترتبط كثيرًا بالعمر الزمني، كما أن التعلم يأخذ وقتًا لحدوثه.
الاستعداد والتعلم:
نمو الاستعداد وصف بواسطة علماء التعلم البيئي بطريقة متشابهة إذ يشيرون أن الاستعداد عبارة عن تراكم المهارات المتعلمة فيما سبق ففي الأعمار الزمنية المبكرة نجد الأطفال قد لا يكونون قادرون على أداء واجبات معينة، ولا يرجع ذلك لعدم نضوجهم بالفعل، ولكن يرجع إلى أنهم لم يكتسبوا حتى تلك اللحظة المهارات اللازمة والمتطلبة لذلك، وإذا تمكنا من توفير برامج لتعلم هذه المهارات المتطلبة لهم، فإنهم يستطيعون أداء واجبات أكثر تركيبًا وأكثر تعقيدًا في أعمار زمنية مبكرة، وتبعًا لوجهة النظر هذه فإن النمو يكون عبارة عن التغير السلوكي المتطلب برمجة معينة.
ولقد اقترح كثير من علماء نظرية التعلم البيئي أنه يمكن أن نعلم الأطفال الصغار حل كثير من المشكلات والمسائل المجردة ما دامت قد
стр. 98
تعلمت المهارات الضرورية السابقة لها، ويستطرد "جيروم برونر" J. Bruner؛ "١٩٦٠" أن أي موضوع يمكن أن نعلمه الأطفال في أي عمر زمني بصورة فعالة في بعض الطرق العقلية الصحيحة، وذلك بتوفير المناهج المصممة, وتوفير أدوات هذه المناهج بالإضافة إلى الطريقة المستخدمة في التدريس, فأدوات المنهج تبعًا لبرونر يجب أن تتضمن مشكلات حيث يجري تقديمها بصورة منطقية من الأشياء البسيطة إلى المركبة إلى الأكثر تركيبًا، ويتطلب ذلك توفير المدرسين ذوي الكفاءة العالية إذ يجب عليهم مساعدة الأطفال في حل المسائل المركبة المعقدة, ولقد اعتقد "برونر" أن هذه الطريقة والتي أطلق عليها بالمنهج اللولبي Spiral curriclum يمكن أن تزيد بصورة ملحوظة معدل النمو العقلي عند الأطفال.
وعرفنا منذ وقت طويل أن الأطفال يمكنهم تعلم المهام المركبة بصورة عالية في أعمار زمنية مبكرة وذلك أكثر مما كنا نتوقع عمومًا, وأشارت "ماريا منتسوري" M. Montessori منذ حوالي نصف قرن مضى أنها استطاعت تعليم أطفال صغار جدًا حل مشكلات معقدة بصورة عالية، حيث تمكنت من تعليم أطفال إيطاليين أصغر من أربعة سنوات أن يقرءوا ليكتبوا في مدة شهر ونصف تقريبًا من الإعداد الأولي لهم.
وجدير بالذكر فإن طريقة "منتسوري" غير عادية في فعاليتها وتأثيرها على عملية تعلم الأطفال الصغار، ونجد الآن في كثير من البلاد أنهم طوروا البرامج التعليمية والتي فيها يتعلم الأطفال كثيرًا من الواجبات والأعمال المركبة والمعقدة بصورة عالية، وذلك في أعمار زمنية مبكرة، كما يشير "برونفبرنر" Bronfenbrenner؛ "١٩٧٠" أن أطفال ما قبل المدرسة بالاتحاد السوفيتي يمكن أن يتعلموا أداء كثير من المهام والواجبات المعرفية في أعمار زمنية مبكرة إذا ما قورنوا بأقرانهم بالولايات المتحدة الأمريكية، وعمومًا فإن الطرق المؤثرة ذات الفعالية يمكن كذلك في بلاد صغيرة وأقل غنى من الدولتين العظمتين, وهذا ما يشير إليه "جانيت جيبسون" J. Gibson؛ "١٩٧٨" حيث وجدت في إحدى رحلاتها بجزيرة قبرص واندهشت بما لاحظته في زيارتها لإحدى فصول ما قبل المدرسة "الحضانة" بنيقوسيا في أن الأطفال في مثل هذا السن الصغير كانوا يتعلمون مسائل جبرية متقدمة.
стр. 99
وأثبتت الدراسات كذلك أن الأطفال يستطيعون تعلم المتطلبات الحركية في أعمار زمنية مبكرة، فالباحثون في معهد دراسات الأطفال بموسكو أشاروا أن النمو الحركي يمكن التعجيل به من خلال عمليات التدريب وتدليل عضلات الأطفال الصغار.
كما درست تأثير خبرة التعلم على سلوك الطفل مثلا دراسة "براكيل" Beackbill؛ "١٩٥٨" أشارت إلى تأثير الإشراط الآدمي على استجابة الابتسام للأطفال، وأجرى كل من "روس وآخرون" Ross& Others؛ "١٩٥٩" دراسات متشابهة على النحو اللغوي أشارت إلى نتائج متطابقة مع الدراسة السابقة، ويشير بعض علماء نظرية البيئة مثل "جاجنه" Gegne وبرونر Bruner أن العمر الزمني يؤدي إلى وجود الاختلافات في كيفية تعلم الأفراد، فالمراهقون لا يتعلمون بنفس الطريقة التي يتعلم بها الأطفال ويرجع ذلك إلى الاختلافات في خبرة كل من الفئتين، ويشير "سكينر" Skinner كذلك أن كثيرًا من مبادئ التعلم تكون عامة وتنطبق بصورة متساوية على الأفراد في جميع الأعمار الزمنية.
стр. 100
تفسيران بيئيان لتعلم سلوك الأطفال:
اهتم كثير من علماء نظرية البيئة بالتعرف على المبادئ العامة وراء تعلم جميع الأفراد, وسنتأمل سويًا في ثنايا الصفحات التالية تفسيران مختلفان في كيفية تعلم الأطفال التفسير الأول الذي يناصره السلوكيون حيث يقصر تلك الدراسة إلى ما يمكن أن يلاحظ في سلوك الأطفال، أي على سلوك الطفل نفسه, والثانية هي نظرية الدافعية والتي تفسر السلوك التعلمي على وصف ما يجري بداخل الطفل من حاجات ودوافع ويعتبر "واطسون" Watson؛ "١٩٣٠" ويتفق كثير من السيكولوجيين اليوم مع وجهة نظر "واطسون" في أن السلوك الإنساني يعتبر بمثابة شيء حقيقي وموضوعي، وعلى ذلك نجدهم يدرسون فقط الأنماط السلوكية القابلة للملاحظة أو القياس
١- الإشراط الكلاسيكي:
أشار "واطسون" نتيجة تجاربه المعملية أن التعلم يحدث عندما تكون موضوعات البيئة مرتبطة الواحدة منها بالأخرى، وفي دراسة "لواطسون
стр. 101
ورينور" Watson& Raynor؛ "١٩٣٠" أشارا إلى أن طفل الحادية عشر شهرًا من العمر يمكن أن يتعلم إبداء استجابات الخوف من فأر أبيض
ولقد أشار إلى الحالة "ألبرت" Albert حيث كان يستجيب بالابتسام والتهويل عند تقديم الفأر الأبيض له، وفي نفس الوقت كان يبدي استجابة خوف "صياح وبكاء" عندما كان يعرض إلى ضجيج، وبعد قرن قدم "واطسون ورينور" الفأر مرات كثيرة مع الضجيج المرتفع، فقد بدأ الطفل في إبداء الخوف عند تقديم الفأر بمفرده، وبعد ذلك عمم استجابة الخوف على جميع الحيوانات المتشابهة مع الفأر أو ذات الفراء.
وتعلم الطفل هذا وسمي بالإشراط الكلاسيكي Classical Conditioning والتقليدي، وعادة ما يحدث هذا الإشراط في الحياة اليومية للأطفال، فمثلا صوت جرس المدرسة عادة لا يثير أي استجابة خاصة لدى الطفل الصغير والذي لم يدخل المدرسة بعد، ففي معظم الأحيان يكون ذلك الصوت مثيرًا محايدًا حيث يصبح مرتبطًا مع بداية اليوم الدراسي وعادة ما يستجيب التلاميذ له بأخذ أماكنهم داخل الفصول وجذب انتباههم إلى المدرس، أي إن هذا المثير أنتج استجابة اجتماعية مرغوب فيها.
إلا إننا نجد في بعض الأحيان أن هذا الإشراط الكلاسيكي لا يثير لدى الأطفال استجابة اجتماعية مرغوب فيها وذلك عندما يكون المدرسون معاقبين مستبدين وبالتالي نجد الأطفال عادة ما يربطون الخوف من العقاب بكونهم داخل الفصول المدرسية ومن ثم ينمي هؤلاء الأطفال استجابات خوف شرطية كلاسيكية، فالأطفال الصغار الذين خبروا الألم والمرض أثناء إقامتهم بالمستشفى، غالبًا ما يكونون ارتباط الألم بالأطباء والممرضات، وهم الأشخاص الذين كانوا متواجدون أثناء شعورهم بالألم والمرض, وبالتالي قد نجدهم ينمون استجابات خوف معممة ترتبط بأي زيارة إلى المستشفى وربما لزيارة عيادة طبيب, ولسوء الحظ فإن أغلب هذه الحالات تبقى معهم هذه المخاوف لسنوات عديدة من طفولتهم.
٢- الإشراط الأدوى:
الإشراط الكلاسيكي عبارة عن تعلم يكون نتيجة المثيرات التي تسبق الاستجابة المتعلمة، ففي الحالة التي رأيناها سابقًا يرى أن تقديم الفأر
стр. 102
الأبيض والصوت أو الضجيج الصاخب قد سبقتا استجابة الخوف للطفل, وفي نمط آخر لدراسات التعلم بواسطة السلوكيين، فقد تبعت الاستجابة المتعلمة بأنواع من مثيرات متنوعة أخرى، ويسمى ذلك بالإشراط الآدوي، فالإشراط الآدوي يمكن أن يحدث في نفس الوقت، كما في حالة الإشراط الكلاسيكي.
ويركز، "سكينر" أن السلوك يتأثر بما يتبعه، حيث أشار إلى أن الأنماط السلوكية المتبوعة بأنواع معينة من المثيرات تكون أكثر ميلا في أن تحدث مرة أخرى في المستقبل Skinner؛ "١٩٥٣، ١٩٦٨"، فمثلا إذا قرأت هذا الفصل بعناية هذه الليلة، وتلقيت درجة ممتاز في الامتحان في اليوم التالي، فإنك ستكون أميل لاستخدام نفس الطريقة التي استخدمتها من حيث العناية في الامتحانات المستقبلية، وذلك أكثر مما إذا كنت قد حصلت على تقدير منخفض، فالسلوك الدراسي الدقيق المتهم يسمى حينئذ بالاستجابة الآدوية Operant resonse أي إنك تعمل وتجتهد في داخل بيئتك لكي تحصل على النتيجة المرغوب فيها بالنسبة إليك, والتعلم الآدوي أحيانًا يعزى كما لو أنه أشراط وسيلي Lnstrumenral Cond وذلك لأن الاستجابة التي فعلت تكون وسيلية لتحقيق نتائج معينة.
والتدعيم وفقًا لعلماء نظرية التعلم الآدوي، يعتبر بمثابة أي مثير له تأثير في ازدياد الاستجابة الفورية السابقة، والتغذية الرجعية Feed Back للامتحان، إن كانت أخبار حسنة تكون تدعيمًا، كما أن قيمة أي مثير معين كمدعم يعتمد على الشخص الذي يجري عليه التدعيم، فمعظم الطلاب الجامعيون الذين يريدون تحقيق تقديرات عالية عادة ما يستخدمون كمدعمين، كما نجد في جماعة المراهقة نرى أن استحسان الأقران الاجتماعي للقائد, يميل إلى أن يكون مدعمًا قويًا جدًا أكثر من أي تغذية رجعية يستطيع المدرس تقديمها، وبين أطفال ما قبل المدرسة وجد أن استحسان الأقران والأصدقاء يعتبر بمثابة مدعم قوي أكثر من استجابة المدرس لهم، وكما يشير Calrk؛ "١٩٧٤" ورفاقه، أن ما نعتبره في أحيان كثيرة مثيرًا غير سار، قد يثبت فيما بعد على أنه مدعم قوي.
المدعمات الأولية والثانوية:
تسمى بعض المدعمات أحيانًا بالمدعمات الأولية، وهي التي تعتبر شيئًا ضروريًا للبقاء أو الحياة وأمثلة ذلك الطعام بالنسبة للجائع، والمأوى
стр. 103
بالنسبة للتائه في البرية، وثمة مثيرات أخرى لا تكون ضرورية للبقاء الحيوي أو المادي مثل النجاح والاستحسان الاجتماعي، إلا أنها تكون ذات فعالية وتأثير كبير على سلوك الإنسان، وتسمى بالمدعمات الثانوية، وتكتسب تأثيرها وفعاليتها من خلال الفرص المتكررة لها، فالطفل المولود لا يغير سلوكه بسبب التقدير، كما أن الأطفال في بداية مهدهم لا يتأثرون بالاستحسان الأبوي، إلا أن ذلك يحدث فقط فيما بعد عندما يصبح الاستحسان الاجتماعي مرتبطًا بإشباع الحاجات الأولية، والنجاح يصبح مرتبطًا بالاستحسان, فالمال يعتبر بمثابة مدعم ثانوي قوي لكثير من الأفراد, وذلك لارتباطه الوثيق بالمدعمات الأولية التي يمكن شرائها به.
والتدعيم قد يحدث بعد إجراء الاستجابة بصورة مباشرة أو قد يحدث أحيانا فيما بعد، ولقد أشار السيكولوجيون أنه كلما تأخر التدعيم كلما كان تأثيره على الاستجابة أقل, فالطالب الجيد في علم نفس النمو سيكون لديه دافع أكبر وأقوى إن عرف نتيجة امتحانه مباشرة، وذلك أكثر من الطالب الآخر الذي ينتظر أسبوعين مثلا لمعرفة نتيجة آدائه. والقدرة على التعلم بواسطة التدعيم المتأخر تنمو تدريجيًا فقط.
جداول التعزيز والانطفاء:
في أي موقف تعلمي، من الممكن أن يحدث التدعيم بعد إجراء كل استجابة فردية مرغوب فيها، كما يمكن أن يقدم بعد حدوث مجموعة من الاستجابات المرغوب فيها، ويطلق على النمط أو النموذج الذي يقدم المدعمات عن طريقها بجداول أو قوائم التدعيم.
وأول من أشار إليها "سكينر" حيث وجد تفاوتًا كبيرًا في الاستجابة تبعًا للطريقة التي تتم بها المكافأة، وليست المكافأة والعقاب عند "سكينر" مجرد عاملين مستقلين يؤثران على عملة التعلم، ولكنهما عاملان حاسمان في السلوك، ولقد أثبت "سكينر" بتجاربه أن توقيت واحتمال المكافأة يؤثران في كيفية ومتى وأين وما إذا كان الفعل سيقع، وكذلك ما إذا كان من الممكن تعلمه أم لا، فالتعزيز يشكل السلوك، وفي تجربته على الحمام وجد "سكينر" أن الطائر لو كوفئ على فعله كل خمس دقائق، فإنه لن ينشط بل وسينام لمدة أربعة دقائق, ثم ينشط فجأة بشكل غير عادي مستجيبًا كلما اقتربت لحظة المكافأة, وعلى عكس ذلك فإن الطيور التي كان يكافؤها بعد كل خمسين أو ستين استجابة كانت تتجاوب بالسرعة التي تستطيعها.
стр. 104
وتشير الدراسات النفسية أن الجداول المستمدة من التدعيم تؤدي بصورة أسرع إلى نماذج نظامية من الاستجابة، كما أنه من المفيد جدًا في المراحل المبكرة من التعليم توفير التدعيم في كل مرحلة يعمل فيها المتعلم استجابة مرغوب فيها، فإن ذلك سوف ينتج معدل راسخ وثابت من الاستجابة, ومع ذلك فبمجرد توقف التدعيم نجد اختفاء الاستجابة وانطفائها, فإذا تعود أحمد على تلقي المديح في كل مرة يفعل فيها شيئًا معينًا, وفجأة نرى الأم توقف من مديحها له، فإن أحمد يحدث لديه انطفاء للاستجابة التي كان يؤديها، وتشير الدراسات كذلك إلى أن جداول التوقيت الثابتة تؤدي إلى ازدياد الاستجابة في نهاية كل مرة, فالمدرس الذي يجري امتحان كل يوم سبت، نجد تلاميذه يستعدون له ويميلون إلى المذاكرة المنهمكة كل يوم جمعة من الأسبوع.
تشكيل السلوك:
في البداية عادة ما نجد الأطفال الصغار لا يعرفون كيفية عمل الاستجابة المرغوب فيها، فمثلا عندما نعلم الطفل كيف يكتب اسمه، فإننا يجب أولا أن نعلمه كيف يمسك القلم، وبعد ذلك نعلمه كيف يعمل الحركات المتطلبة لكل حرف، وفي النهاية نعلمه كيف يكتب الحروف في تتابع مناسب والتدعيم، الذي يتبع كل خطوة للطريقة يؤكد حدوث التعلم,
وهذه العملية التدعيمية المتتابعة حتى الاستجابة النهائية المرغوب فيها تسمى بعملية تشكيل السلوك Shapin behavior كما إن إجراء استجابات مركبة معقدة تتطلب تشكيلا متتابعًا للاستجابة النهائية.
المدعمات الإيجابية والسلبية:
جميع أنواع التدعيمات التي تحدثنا عنها تؤدي إلى ازدياد الاستجابات السابقة بصورة مباشرة فهذه التدعيمات تكون سارة ومشبعة وبالتالي يريد المتعلم أن تحدث، وتسمى هذه التدعيمات بالمدعمات الإيجابية، وجدير بالذكر أن هناك كثير من المثيرات تؤثر على التعلم بصورة مختلفة، فالمدعمات السلبية هي المثيرات التي يحاول المتعلم إيقافها وإنهاءها بثمة مثيرات تقوي وتدعم الاستجابات الهروبية، بمعنى أنه كلما تعلم الهروب من المدعم السلبي، فإنه سيكون أميل لإجراء ذلك في المستقبل Hilgard& Bower؛ "١٩٧٥", ويشير الباحثون أن الاستجابات الهروبية الاجتماعية المرغوب فيها قد تكون متيسرة للمتعلم، إذا كان التدعيم السلبي يتمركز في تعليم ما نرغب فيه Solomon؛ "١٩٦٤" فعندما
стр. 105
لا نريد تعلم "أ" أن يأتي إلى المنزل متأخرًا في المساء، فإن كان الشيء الوحيد الذي نعلمه هو توبيخه بعد عودته متأخرًا، ولكن الأجدر أن نفسر لـ"أ" قبل مغادرته المنزل بعد الظهر ماهية السلوك المرغوب اجتماعيًا الذي يمكن أن يؤتيه حتى يتحاشى المدعم السلبي.
ولكن ما الذي يحدث عندما يصفع أو يضرب "أ" بعد حضوره متأخرًا في المساء والاحتمال الأكبر هنا أن الأم أو الأب يفعلا ذلك لأنهما يفترضا أن ذلك سوف يقلل احتمالية عودته متأخرًا فيما بعد, ويشير Estes "١٩٤٤" إلى أن العقاب وحده وبدون أي تعلم آخر لا يوقف كليا السلوك غير المرغوب فيه، كما نجد "هليجارد وبارو" يشيران إلى أن الاستجابة لا يمكن أن تظهر من ذخيرة الكائن السلوكية بفعل العقاب بمفرده, حيث إننا نجد أنه عندما يزال العقاب فإن الفرد يعود تدريجيًا إلى معدل استجابته قبل العقاب، وبدون تعلم "أ" الاستجابة الاجتماعية المقبول فمن الممكن توقع وصوله دائمًا إلى المنزل متأخرًا, بغض النظر عن التوبيخ واللوم القاسي الذي يعطى إياه.
وجدير بالذكر فإن سوء الفهم الذي اكتنف تأثير العقاب قد شجع بعض المدرسين في المطالبة بالاستمرار في العقاب الجسدي عندما يكون سلوك التلاميذ غير طيع، فإن كان كل ما ينفعه هو الضرب أو التوبيخ الشديد وليس غير ذلك، فتبعا للسلوكيين فلزاما علينا أن نضرب ونوبخ إلى الأبد! ولكن قبل أن نأخذ هذا المسلك يجب علينا أن نتذكر تأثيرًا معروفًا آخر للمثيرات غير السارة المستمرة في داخل بيئاتنا, فعندما تكون البيئة مرتبطة بالمثيرات غير السارة، فإننا في نفس الوقت ننمي لدى أطفالنا استجابات خوف ارتباطية، وتعميم الخوف أو القلق يرجع غالبًا إلى العقاب المستمر أو التدعيم السلبي, وتبعا لذلك فإن والدة "أ" تحاول طرق أخرى غير التوبيخ الشديد أو الضرب فقط لكي تعلم "أ" أن يحضر إلى المنزل في الموعد المحدد.
إدارة أو تشكيل السلوك:
عندما ندعم بصورة مقصودة السلوك المرغوب فيه ونتجاهل أو نعاقب السلوك غير المرغوب فيه، فإننا نستخدم في هذه الحالة ما يسمى بإدارة السلوك، وتحدث هذه العملية يوميًا داخل المنزل والفصول الدراسية، فعادة ما يدعم الآباء الأنماط السلوكية المرغوب فيها اجتماعيًا لدى ولديهم
стр. 106
عن طريق الاستحسان الاجتماعي والحب، كما نرى المدرسين كذلك يستخدمون المديح والدرجات الجيدة داخل فصولهم لنفس هذه الغاية.
ولكي نطبق مبادئ إدارة السلوك في طريقة منتظمة، فمن الضروري أولا أن ندرس بعناية ذخيرة الطفل من الاستجابات، وعلى ذلك فإننا لا يمكن أن ندعم السلوك الذي يظهر، فعندما لا تظهر الاستجابة المرغوب فيها بصورة أولية، بحيث ندرك أنه يجب علينا أن نشكل تلك الاستجابة فعن طريق التدعيم البطيء الدقيق والتقريبات المتتابعة للسلوك المرغوب فيه، إلى إن يظهر هذا السلوك في نهاية الأمر, وعندما تظهر الاستجابة المرغوبة فيها بصورة منقطعة، حينئذ يجب علينا أن نكون دائمًا منتبهين حتى نتبعها بالمدعمات لكي نتأكد من عدم انطفائها.
وجدير بالذكر، فإن أي شخص يستخدم وسائل إدارة السلوك مع الأطفال يجب أن يكون خبيرًا, مهتمًا في اختيار المدعمات, فلا يوجد مثير متفرد واحد سوف يدعم جميع الأطفال بصورة متساوية، فالمديح يعتبر مدعمًا مؤثرًا لبعض الأطفال، كما أن النجوم داخل الكراسات المدرسية أو التي ترتبط في أعلى صدر الطفل قد تكون أكثر تأثيرًا بالنسبة لأطفال آخرين، كما نجد بالنسبة للمراهقين أو استحسان جماعة المراهق يعتبر مدعمًا أكثر تأثيرًا وفعالية من أي مدعم آخر.
وإحدى طرق اختيار المدعمات في الموقف التعليمي تكون في أن تسمح للأطفال أن يعملوا الاختيار بأنفسهم، وتسمى إحدى الطرق لإجراء ذلك بمبدأ بريماك Premack؛ "١٩٥٩", حيث يتضمن ملاحظة سلوك الطفل بعناية أثناء اللعب الحر، وأن يسجلوا الأنماط السلوكية التي غالبًا ما تحدث بصورة متكررة، ويستخدمون نفس السلوك في مرحلة لاحقة أثناء عملية التعلم لإحداث التدعيم المرغوب فيه، بمعنى أنهم سوف يسمحون للأطفال أن يمارسوا السلوك كمدعم، فمثلا الأطفال الذين يهتمون بقضاء معظم أوقات فراغهم في قراءة الكتب الفكاهية المسلية، يسمح لهم بقراءة هذه الكتب كمدعم للسلوك المرغوب فيه، والأطفال الذين يقضون أوقات فراغهم في لعب المباريات من الممكن أن يستخدم اللعب كمدعم لما نرغب في تنمية من أنماط سلوكه.
ولقد أثار بعض النقاد الاهتمام حول الأخلاقيات المتضمنة في برامج إدارة السلوك، حيث يتساءلون هل من حق أي فرد أن يمارس الضبط والتحكم في سلوك الآخرين؟ وهذه الاهتمامات الأخلاقية كما نوقشت فيما سبق تستأهل اعتبارًا جادًا من الباحثين، فحقوق الأطفال، وكذلك الراشدين يجب أن توضع في الاعتبار دائمًا.
стр. 107
نظرية الدوافع:
كثير من علماء التعلم شعروا أن المنحى السلوكي لم يقدم تفسيرًا كاملا لما يحدث عندما يتعلم الطفل، وحاول أصحاب نظرية الدوافع أن يصفوا ما يحدث داخل الأطفال لكي يفسروا حركاتهم وأنماط سلوكهم. ويشير أصحاب هذه النظرية أن جميع الأنماط السلوكية ذات معنى وهدف وبدون وصف هذا الهدف حينئذ نتجاهل جوانب هامة من عملية التعلم.
وبطبيعة الحال فإن علماء نظرية الدوافع لا يمكنهم ملاحظة الغرض من السلوك بصورة مباشرة، إلا إنهم يستدلون على وجوده من المعلومات والبيانات التي يستطيعون ملاحظتها, ولكي نفسر هذا الاتجاه لسلوك الطفل الإنساني فإنه من المهم أن نتفهم سويًا ثلاثة مفاهيم أساسية لهذه النظرية ألا وهي الحاجات والحوافز والدوافع, وسنلقي الضوء على تلك المفاهيم في ثنايا الصفحات التالية.
فالحاجة Need اصطلاح أدخله "ليفين" في علم النفس في الثلاثينات، وبمعنى شعور المرء بأنه ينقصه شيء أو يلزمه شيء، أي إنها حالة داخل الفرد والتي قد تخفض الكتيف المشبع للبيئة، وبعض الأمثلة لذلك حاجة الطعام والحب، كما أن الحاجات الضرورية للبقاء الجسمي تسمى بالحاجات الأولية، فالطعام يعتبر حاجة أولية Primary Need، إلا أن الحب ليس كذلك، حيث يعتبر حاجة ثانوية Secondary Need، ولكن إشباع هذه الحاجات الثانوية ضروري للنمو السوي للكائن الآدمي، فعلى الرغم من أنها ليست ضرورية للبقاء المادي للإنسان إلا أنها تأتي عن طريق التعلم لتكون ذات أهمية وفعالية في التكيف الأفضل للإنسان.
стр. 108
وتبعًا لنظرية الدافعية، فإن حاجات الطفل تحدث الحافز Drive وهو حالة داخلية تجبر الطفل على النشاط والحركة، فعندما يكون الرضيع في حاجة إلى الطعام يصبح أكثر نشاطًا يتلوى ويصيح، ويسمي أصحاب نظرية الدوافع أن ما يفعله الرضيع يكون بينة أو دليل لحافز الجوع لديه وعندما يكون لدى التلاميذ حاجة ثانوية للتحصيل والإنجاز نجدهم يصبحون في حالة نشطة للدراسة والتحصيل، ومن المهم أن نشير إلى أن الاتجاه الذي يتخذه نشاط الحافز بصورة أولية "قبل التعلم" يكون غير مميز، فعلى الرغم من أنه قد يتصف بمعدل نشاط عال، إلا أن الفرد منذ البداية لا يكون لديه هدف معين في تفكيره، ومثال على ذلك ما نراه لدى المولود حديثًا, فبعد ساعات قليلة من المولد نجد أن لديه حاجة قوية إلى الطعام، وفي هذا السن، لا نستطيع الافتراض بصورة مؤكدة بأن الرضع يعرفون صدور أمهاتهم المخفض لحاجاتهم، حيث لا يكون لديهم حتى الآن الفرصة لاستقبال الطعام من خلال أفواههم، إلا أن حافز الجوع يجبرهم إلى نشاط عام حيث نجدهم يصيحون ويتلوون من الجوع، وكلما ازدادت الحاجة تبعًا لنظرية الدافعية فإنها تفعل أو توجد الحافز المحصل أو الناشئ Resultant. فكلما كانت الفترة أطول التي يقضيها الرضيع بدون إطعام فمن الممكن أن نتوقع أنه سوف يصيح لفترة أطول, وبعد أن يطعم فقط، وتخفض حاجته يمكن أن نتوقع بأن نشاطه سوف يتوقف.
وبطبيعة الحال نجد الرضيع كلما تقدم به العمر يخبر تخفيض الحافز من خلال صدر الأم، وبعد ذلك عندما يصيح، فإن ذلك سيكون لغرض الحصول على صدر الأم، ويسمى هذا السلوك بالسلوك الدافعي الموجه، وتحدث الدافعية فقط عندما يتعلم الطفل من خلال اقتران هدف الموضوع مع تخفيض الحافز لمباشرة نشاطات في طرق معنية للحصول على هدف معين.
стр. 109
هرمية "ماسلو" للحاجات:
لقد وجد في أعمال "ماسلو" "١٩٤٣-١٩٥٤"، إحدى المحاولات الأصلية للتعامل مع نظم الحاجات المركبة، إذ يشير أن الحاجات يمكن أن توصف بدقة وبوضوح بواسطة الهرمية المرتبة من الحاجات البسيطة إلى الأكثر تركيبًا، وبالتالي تصبح الحاجة مهيمنة ومسيطرة عندما يشبع فقط الحاجات الأدنى من هذه الهرمية.
وتبعًا "لماسلو" نجد الحاجات الفسيولوجية أساس نظرية الدافعية حيث نراها مهيمنة مسيطرة في حالة عدم اشباعها، فالأطفال الذين يكونون تحت وطأة هذه الحاجة لا يهتمون مثلا بحاجات الاجتماع أو حاجات الاستحسان الاجتماعي, حيث نجد المدعمات الاجتماعية العادية ذات تأثير ضعيف على سلوكهم، وحاجات الأمن، أي الحاجة، إلى بيئة آمنة مستقرة تلي ذلك، وقد نجد هذه الحاجة تهيمن على وجود بعض الأطفال سيئوا الحظ والتي تكون حياتهم العائلية مضطربة بسبب الانفصال الأبوي مثلا, ويلي ذلك الحاجة إلى الحب والانتماء, فالشباب الذين يشعرون بعدم التقبل والذين لا يشعرون بالألفة والوئام مع زملائهم في المدرسة، عادة ما يصبحون ذوي مشكلات سلوكية أكثر، كما أن حاجات التقدير عادة ما يشبع من خلال الإنجاز، ويستطيع الآباء والمدرسون أن يدعموا هذه الحاجات عن طريق مكافئة تلك الحاجات وتوفير فرص النجاح أمام التلاميذ، ومع ذلك، وحتى في حالة إشباع هذه الحاجات يشير "ماسلو" إلى أن الطفل سوف يشعر بعدم الرضا والقلق إلا إذا عمل ما يرغب فيه وما يستطيع القيام به، أي ما يسميه "ماسلو" بحاجات تحقيق الذات وتحدث عندما يتمكن الأطفال من إشباع الحاجات إلى الفهم والمعرفة.
يوضح الشكل رقم "١" هرمية "ماسلو" للحاجات الدافعية
стр. 110
الدافعية الداخلية والخارجية:
يميز علماء النفس بين ما يسمى بالدافعية الداخلية والدافعية الخارجية Extrinsic Motivation وتحدث الدافعية الخارجية عندما تكون النشاطات موجهة نحو موضوعات خارجية لخبرة التعلم كالمكافآت المالية التي تعطي للسلوك الطيب، والدافعية الداخلية Lntrinsic Motivation تعزى إلى الدافعية والتي تستخدم الخبرة نفسها كهدف فقد يدفع الأطفال داخليًا إلى العلم والقراءة. وذلك لأن القراءة تعتبر بمثابة شيء ممتع مشوق والدافعية الداخلية بهذا المعنى تعزى إلى ما يسميه السلوكيون بالنشاطات المدعمة ذاتيًا.
ويشير "هارلو وال" Harolw & al؛ "١٩٥٠" أن الكائنات الإنسانية غالبًا ما تكون مدفوعة بحب الاستطلاع والحاجة إلى الاستثارة، بمعنى أن الشيء الجديد غير المألوف لخبرة التعلم يمكن أن يستخدم كهدف أو غرض, ويبدو أن الأطفال يستمتعون بالاستكشاف بدون الحاجة إلى مكافأة لافتة للنظر، ومما هو جدير بالذكر فإن هذه الحقيقة تدعم مفهوم أن الدافعية الداخلية يمكن أن تكون العامل الأساسي للتعلم.
ونجد أن كثيرًا من طرق التدريس الحديثة تستغل الدافعية الداخلية، فمثلا الطريقة المعروفة بسوزوكي Suzuki في تعليم الأطفال ما بين ١.٥: ٢ سنة عزف الكمان وذلك عن طريق إجراء لعب الكمان بالنسبة لهم كمكافأة بغض النظر عن أي مكافأة خارجية Pronko؛ "١٩٦٩"، كما أن بعض المناهج المبتكرة التي أشار إليها Moore؛ "١٩٦٨" تستغل الدافعية الداخلية لدى الأطفال بواسطة طريقة البيئة المستجيبة، حيث ندد أن الدافعية تأتي من خلال معرفة الأطفال أنهم يتعلمون، كما أن التعليم المفتوح والذي يساعد فيه الأطفال على بناء منهجهم الخاص بهم يعتمد كذلك وبصورة كبيرة على الدافعية الداخلية.
والتفسيرات التي أعطيت للحاجات والحوافز والدوافع تساعد على توضيح الأسباب التي يعزى إليها أن كثير من الأطفال يبدون كما لو أنهم غير مدفوعين إلى التعلم، فدافعية نمو الإنجاز والتحصيل في كثير من جوانبها تتفق مع دافعية الرضيع للحصول على صدر أمه، بمعنى أنها تنمو فقط عندما يكون الطفل قد تعلم توجيه النشاط نحو هدف أو غرض معين، وقد يكون هذا الهدف خارجيًا "كالتقدير المرتفع أو الدرجة العالية،
следующие страницы →