← Медицина

Медицина · id 10751

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة

عادل الأشول

Полный текст (737 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الشخصية والنمو الاجتماعي: فترة المراهقة تشبه فترة الرضاعة حيث نجدهما يتصفان بالنمو الجسمي السريع، وحدوث تغيرات رئيسية في هيئة الجسم ومظهره، وكذلك فترة سنوات ما قبل المدرسة من حيث حدوث توسيع وامتداد الآفاق الاجتماعية وانبثاق الفروق الشخصية، وتشبه من جانب آخر فترة الطفولة الوسطى حيث تتميز بازدياد التحرر والانطلاق من سلطان الأسرة، والتبدل المستمر من الاهتمام بنشاطات المنزل إلى نشاطات واهتمامات جماعة الرفاق ونشاطات المجتمع, أي إن فترة المراهقة يمكن أن نسميها بأنها تجسيد لجميع التغيرات التي حدثت في المراحل النمائية السابقة، فهي امتداد لما حدث لنمو الكائن الآدمي في الماضي. كما أن معالم الجوانب النمائية أثناء فترة المراهقة تختلف بمرور سنوات المراهقة، فالمراهقة المبكرة والتي تتزامن تقريبا مع نهاية سنوات المدرسة الابتدائية في نظام التعليم المصري، عادة ما يهيمن عليها النمو الجسمي والجنسي المفاجئ وأثناء فترة المراهقة الوسطى والتي تتزامن مع نهاية سنوات المدرسة الابتدائية وبداية سنوات المرحلة الثانوية، نجد المراهق أثناءها يهتم بصورة أساسية بالحصول على الاستقلال النفسي من الآباء, ويتعامل مع الرفاق من الجنس الآخر، كما تظهر العلاقات الجنسية الغيرية، والمراهقة المتأخرة تبدأ تقريبا في نهاية سنوات المدرسة الثانوية وتستمر إلى أن يكون المراهق الإحساس المعقول بالهوية الشخصية وينشغل بأدوار اجتماعية محددة بالإضافة إلى أنظمة من القيم وأهداف في الحياة. ولقد استعرضنا في سياق الفصل السابق النمو الجسمي السريع الذي يحدث في فترة المراهقة، وسوف نركز في ثنايا هذا الفصل على التغيرات النفسية والاجتماعية التي تحدث في فترة المراهقة، حيث نلقي الضوء على نضال المراهق من أجل الاستقلال، وتقدم المراهق نحو العلاقات الاجتماعية الناضجة، وتكامل الهوية الشخصية، كما سنستعرض نماذج سلوك دور الجنس، وسنناقش بالإضافة مفهوم الثورة أو العصيان في فترة المراهقة، وفجوة الأجيال، وسنتعرض في ثنايا هذا الفصل إلى بعض مشكلات النمو بصفة عامة سواء في فترة الطفولة أو فترة المراهقة، بعد ذلك نختتم برؤية عامة لحياة الإنسان ونموه.

стр. 597

النضال من أجل الاستقلال: رأينا في الفصول السابقة نمو الاستقلالية عند الأطفال الصغار، والتي تبدأ من نضالهم الأولي في الجلوس والوقوف بأنفسهم بواسطة التحكم في مهاراتهم الحركية في سنوات ما قبل المدرسة، وشعورهم النامي بالكفاية والاعتماد على الذات أثناء فترة الطفولة الوسطى، كما أن نضال فترة المراهقة الوسطى للاستقلال ليس إلا جانبا من نشاطات الشخص اليافع، حيث تصبح غاية في ذاتها، فالمراهقون يناضلون للحصول على الحرية النفسية الكاملة من آبائهم، الحرية لكي يكونوا هم أنفسهم ولكي يحددوا قيمهم الخاصة، ويخططوا مستقبلهم، واختيار ملابسهم الخاصة, ورفاقهم، وسلواهم، والاحتفاظ بأشيائهم الخاصة، وانتماءاتهم وأفكارهم ومشاعرهم. مصادر نضال المراهق للاستقلال: إن انشغال المراهق الكامل واستغراقه في الاستقلالية ينشأ بصورة جزئية من النمو الجسمي والعقلي الذي يعتريه في هذه الفترة، وجزئيا من توقعات الآخرين من حوله, ففي الخامسة عشر والسادسة عشر عادة ما نجد المراهق يحصل على معظم طوله كراشد، ويكون قريبا من الوصول إلى ذروة قدراته العقلية، كما يمكنه الإنجاب، بالإضافة إلى تراكم المعلومات الضخمة لديه عن العالم الذي يحيط به، ويشعر بالكفاءة والقدرة لتسيير حياته الخاصة وبالتالي يجب أن يعامل كشخص راشد، ويحصل على إشباع كبير في امتحان قدرته وكفاءته ويحاول تكوين آراء حول أدوار الراشدين، وعادة ما نجد أشياء صغيرة تجعل المراهق متوترا ضجرا عند سماعه أي شخص يصغر من شأنه أو يستخف بآرائه أو يسلبه حريته. ويعامل الآباء أحيانا مراهقيهم كما لو أنهم أقل قدرة وكفاءة وأقل مسئولية، لأسباب عديدة سنناقشها فيما بعد، وهم بسلوكهم هذا يعوقون نضج شخصية المراهقين، ومن جانب آخر نجد آباء آخرين يعززون نضال مراهقيهم للاستقلالية عن طريق تشجيعهم وتوقعاتهم منهم, وعادة لا نجد في المجتمعات المتقدمة الحد الفاصل بين فترتي الطفولة والرشد كما نجده في المجتمعات البدائية، حيث عادة ما نجد في الأخيرة استخدام طقوس وشعائر تستمر طوال الليل والنهار لإعلام الأطفال الصغار انتقالهم من أدوار الطفولة إلى أدوار البالغين Brown, J. k؛ "١٩٧٥"، ومع ذلك فيوجد في الثقافات المتحضرة كذلك بعض من الشعائر البسيطة والتي

стр. 598

بواسطتها يعرف الأفراد الصغار فاعترافنا بهم، وشعورنا بأنهم على استعداد لتحمل مسئولية تحديد ذواتهم، فمثلا ترك المراهق لاختيار التعليم الذي يناسبه ويتفق مع ميله، بالإضافة إلى تمكنه من استخراج هوية شخصية وتصريح للعمل وترخيص لقيادة السيارة، وأن يعاملوا ويحاكموا كراشدين عند كسرهم القانون، كما يدرك المراهقون بأنهم يقتربون من السن الذي يمكنهم فيه التصويت والاقتراع في الانتخابات العامة، وتمنح بعض الأسر كذلك سلسلة متدرجة من الطقوس والشعائر الصغيرة في صورة قوانين ومبادئ أقل صرامة عن ذي قبل كاستخدام سيارة الأسرة أو الغياب عن المنزل، أو الذهاب إلى رحلات ومعسكرات خارج المدينة مع أصدقائهم، وهكذا، وعموما فإنه مع كل تصريح أبوي، نجد الآباء يعربون عن الثقة التي يولونها لنضج أطفالهم. ازدواجية المشاعر لاستقلال المراهق: قد نجد كلا من المراهقين الذين ينشدون الاستقلالية، وكذلك الآباء الذين يشجعونهم عليها، يخبرون بعضا من ازدواجية المشاعر Ambivalent عنه، وتؤدي هذه الازدواجية بين الفينة والأخرى إلى أنماط سلوكية متضاربة عند كل من الجانبين. أ- ازدواجية مشاعر المراهق: عندما يبدأ المراهق في التمتع بامتيازات جديدة، نجد بعض الآباء يأسفون على فقدان بعض المسئوليات التي كانت من اختصاصاتهم فيما مضى، ولكنها ذهبت من على كاهلهم الآن, ويتوقع المراهق أن يمنحه الأب مصروفا خاصا ويعمل بعضا من القرارات الحاسمة الخاصة به، ويتحمل بالتالي النتائج لأخطاء بعض القرارات، كما يعني التحرر كذلك من وجهة نظر المراهق التعامل مع المواقف الجديدة، والتي قد يشعر فيها بعدم الكفاءة وصعوبتها بالنسبة إليه، كتوقع تقديم طلبات الاستخدام، أو الاختيار في التعليم بين شعبتيه العلمية والأدبية, أو التعليم الفني, إجراء ترتيبات خاصة لمواعيد الطبيب، ويتعامل كراشد كذلك مع الباعة وجرسون المطاعم والمقاهي, وعادة ما نجد المراهق يلتمس طريقه خطوة فأخرى إلى أن يتمكن من تنمية الثقة بنفسه وبالتالي يسهل عليه التعامل مع هذه المواقف, ومن جانب آخر يجب عليه تحمل اللحظات المؤلمة العرضية لعدم الثقة والارتباك الذي يصيبه في بعض الأحيان, ولذلك فإننا نرى بعض الأوقات أن أغلب المراهقين الصغار يتوقون لأيام فترة الطفولة السعيدة

стр. 599

الخالية من الهموم، حيث كان الآباء يتولون القيام بهذه الأعمال نيابة عنهم. وأحد نتائج ازدواجية مشاعر النمو، نجد المراهق يتردد في بعض الأحيان بين إتيان السلوك الناضج من جهة والسلوك الطفلي من جهة أخرى، فأحد الأيام قد يأخذ المسئولية الكاملة للعمل في الموقف الصعب, وقد يعود في اليوم التالي على أدراجه يائسا إلى الأب لحل مشكلة بسيطة قد تعترضه، وقد يظهر في بعض الأحيان أحكاما صائبة مذهلة، وقد يعمل في أحايين أخرى بصورة اندفاعية هوجاء وبقليل من الاحترام للآخرين، ويشير كل من Beres, D؛ "١٩٦١"، Keil, N؛ "١٩٦٤" أن هذا التأرجح في مستوى نضج المراهقين لا يعكس أية تغييرات ذات دلالة في قدرتهم الأساسية للاستقلالية، حيث إنها تعتبر علامة أو إشارة تقريبية إلى مدى قوة وشغف المراهقين في أن يصبحوا راشدين من جانب، وشغفهم أو حنينهم السابق في أن يبقوا أطفالا من جانب آخر. ازدواجية مشاعر الآباء: عادة ما يستمتع الآباء برؤية أطفالهم ينمون ويدخلون فترة المراهقة، ويستقبل بعض الآباء هذه الأوجه النمائية لمراهيقهم بفرح ورضا فقد يفتخرون بصحة أطفالهم وإنجازاتهم ومظهرهم؛ لأن ذلك في جوهره يعكس أهليتهم وجدارتهم كآباء، ويكون لديهم إشباعا كذلك برؤية مراهقيهم أكثر نضجا وذكاء عما كانوا عليه فيما مضى أثناء طفولتهم، ولديهم توقعات بأنهم سوف يحيون حياة الراشدين المكافئة، بالإضافة إلى أننا نجد بعض الآباء ينظرون إلى تقدم أطفالهم نحو فترة المراهقة أو الرشد بترحاب ورضا لأنهم سوف يكونون أحرارا في أداء أعمال معينة والتي كانوا يشعرون بعدم القدرة على أدائها عندما كانوا أطفالا حيث كانوا صغارا معتمدين عليهم، لا يمكنهم التحرك أو الانتقال بمفردهم. ومن جانب آخر فإن ازدياد استقلال المراهقين والتعرض إلى الأخطار المحتملة، والأشياء المثبطة المخيبة للآمال يؤدي بكثير من الآباء إلى التوتر والقلق فأغلب الآباء ينزعجون ويقلقون بالكيفية التي يتعامل بها المراهقون مع الإحباطات الأكاديمية والاجتماعية، وكذلك كيفية تعاملهم مع الجنس والتدخين والعقاقير، وتشير نتائج دراسة Nostalgia أن الآباء قد يشاركون أبناءهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا بعضا من الشوق والتوق

стр. 600

للعودة إلى الماضي، إلى السنوات المبكرة في فترة طفولتهم، عندما كانت الحياة أقل تعقيدا وتركيبا بالنسبة لكل منهما. وقد تكون فترة المراهقة بمثابة خبرة مؤلمة صعبة لبعض الآباء "وللأمهات بصورة خاصة" اللاتي يتباهين بدورهن الأموي، وبالتالي يعطن تنشئة الطفل ونموه الأولوية المطلقة في حياتهن اليومية، وبالنسبة لهؤلاء الآباء أو الأمهات يصبح نضج مراهقيهم إشارة إلى نهاية دورهم في الحياة، كما نجد بعض الآباء يشعرون بالحزن كلما اقترب أطفالهم من المرحلة التي ينتقلون فيها من سلطتهم، تاركين المنزل وراءهم فارغا إلى حد ما، وأقل هدوءا، وأقل انتقادا ووجود استثارة للصغار ومعادل لما سبق فإن نمو أطفالهم ونضجهم ما هو إلا دليل واضح للآباء بأنهم قد كبروا وأصبحوا أكبر في السن مما مضى Anthony Ravenscroft, k؛ "١٩٧٠". وبسبب هذه المشاعر والأحاسيس المختلطة، فقد يظهر الآباء اتجاهات شاذة غريبة نحو استقلال مراهقيهم، فقد نجدهم بين الفينة والفينة يعاملون مراهقيهم الذكور أو الإناث كأطفال غير أكفاء كليلة، وفي أحايين أخرى يعاملونهم كراشدين، وبطبيعة الحال فإن المراهقين ليسوا أطفالا وكذلك ليسوا راشدين بعد، وما يحتاجونه عادة هو الخبرة المتدرجة في الاستقلالية والتي يحترم فيها الآباء قدراتهم، إلا أنهم في نفس الوقت يكونون على استعداد لمساعدتهم وتدعيمهم عندما يدخلون في مواقف لا يمكنهم التعامل معها. نماذج السلطة الأبوية: إن الآباء الذين يمكنهم وضع ضوابط معقولة على مراهقيهم، وفي نفس الوقت يعطونهم الفرص المتزايدة بصورة تدريجية للاستقلال، عادة ما يسهمون بصورة فعالة في تدعيم ثقة المراهقين بأنفسهم، بالإضافة إلى ضبط ذواتهم والقدرة على الاعتماد على أنفسهم وقدراتهم لعمل الأحكام الناضجة، وعلى نقيض ذلك نجد الآباء الذين يتحكمون بصورة مفرطة ويتسمون بالصرامة والجمود عادة ما نجدهم يميلون إلى الإضعاف التدريجي من ثقة مراهقيهم بذواتهم وقدرتهم على الاستقلالية، ومن جانب آخر نجد الآباء الذين يتصفون بالتساهل بصورة عالية وعدم القدرة على التحكم وضبط مراهقيهم يجعلون من الصعب عليهم تعلم المسئولية والثقة والاعتماد على أنفسهم.

стр. 601

وتشير نتائج دراسة Baumrind الموسعة والتي اهتمت بدراسة نماذج السلطة الأبوية على الأطفال والمراهقين، أن الآباء الذين يجعلون أطفالهم في مرحلة ما قبل المدرسة بطريقة موثوق فيها جديرة بالاحترام والقبول يكونوا أقرب إلى تدعيم خصائص تأكيد الثقة والاعتماد على الذات عند أطفالهم، وذلك أكثر من الآباء الذين يتصفون إما بالتسلط أو التساهل مع أطفالهم، ولقد ميزت Glen ثلاثة أنماط للسلطة الأبوية عن طريق قياس إدراك المراهقين للسلطة الأبوية نوجزها فيما يلي: أ- النمط الاستبدادي Autocratic: وهم الآباء الذين لا يسمحون للمراهقين أن يعبروا عن وجهات نظرهم في الموضوعات المرتبطة بأنماط سلوكهم كما لا يسمحون بتعديل أو ضبط سلوكهم الخاص بهم في أي اتجاه ما عدا المرسوم إليهم. ب- النمط الديمقراطي Dernocratic: ويتسم هؤلاء الآباء بتشجيع مراهقيهم على الاشتراك في المناقشات المرتبطة بأنماط سلوكهم على الرغم من أن القرار النهائي عادة ما يصدق عليه بواسطة الآباء. ج- النمط المتساهل Permissive: ويتسم هؤلاء الآباء بأن لمراهقيهم تأثير أقوى في اتخاذ القرارات التي تهمهم أكثر مما يكون للآباء عليهم. وبالتأمل إلى البيانات الضخمة التي جمعت في هذه الدراسة سواء من المدارس الثانوية أو الجامعة، تشير هذه البيانات إلى ثلاث علاقات ذات معنى ودلالة بين النموذج الأبوي المدرك وبين اتجاهات المراهقين يمكن إيجازها فيما يلي: ١- المراهقون الذين أدركوا آباءهم يتسمون بالديمقراطية في ممارسة سلطاتهم، وكانوا أكثر ميلا للتعبير عن الثقة في أنفسهم والضبط والتحكم، أكثر من هؤلاء المراهقين الذين كانت وجهة نظرهم عن آبائهم كأباء يتصفون بالتسلط أو التساهل. ٢- المراهقون الذين نشئوا في جو ديمقراطي، كانوا أكثر ميلا للتشبه

стр. 602

بآبائهم عن هؤلاء الذين نشئوا سواء في جو استبدادي أو جو متساهل. ٣- المراهقون ذوو الآباء الديمقراطيين، كانوا أقل ميلا في الشعور بالنبذ، أو أنهم أشخاص غير مرغوب فيهم, إذا ما قورنوا بالمراهقين ذوي الآباء الاستبداديين أو المتساهلين، خاصة عندما يأخذ التساهل أو التسامح شكل إغفال كل شيء يفعله المراهق. ولقد وسعت أعمال الدر Elder السابقة في دراسة مطولة على أكثر من ٢٣٠٠ طالب في المدارس الثانوية والجامعة بالولايات المتحدة الأمريكية على يد Lerser & kandel؛ "١٩٧٠"، وتشير نتائجهما أن ما يقرب من ٤٨% من المراهقين الأمريكيين يدركون السلطة الأبوية كسلطة استبدادية، وما يقرب من ٣٥% يدركونها كسلطة ديمقراطية والبقية وهي ١٧% يدركونها كسلطة متساهلة متسامحة, كما كان ينظر عادة إلى الآباء على أنهم يتصفون بالتسلط في حين كان ينظر إلى الأمهات بصورة عامة باتصافهن بالديمقراطية "انظر جدول رقم ١" وهذه النتائج متسقة مع الأدلة التي تشير إلى أن الأطفال يميلون إلى النظر إلى آبائهم كصارمين متزمتين، وينظرون إلى أمهاتهم بأنهم أكثر عطفا وتدعيما وحماية وأكثر تمركزا حول الطفل. جدول رقم "١" يوضح إدراكات المراهقين لنماذج السلطة الأبوية إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 603

وتشير كذلك النتائج أن الآباء الذين يتصفون بالتساهل أو التسامح Permissiveness لا ينتجون أحاسيس ومشاعر قوية لدى مراهقيهم وأطفالهم بسبب إعطائهم الاستقلالية، بل على نقيض ما يعتقده بعض الآباء والمراهقين، وبالأحرى وكما اتضح من الجدول رقم "٢" أن المراهقين يشعرون بديمقراطية آبائهم عندما يتصف الآباء بعدم السيطرة والانسحابية في عمل القرارات الملائمة المتعلقة بأنشطة المراهقين، فمن مجموعة المراهقين الذين نظروا إلى أن آباءهم ديمقراطيون تشير النتائج أن ٨٢% منهم اعتقدوا بأنهم يعطونهم الحرية الكافية، وأشار ٤٤% بأنهم يجب أن يعاملوا كراشدين بصورة أكبر، وعلى نقيض ذلك وجد أن ٥٨% من المراهقين الذين نظروا إلى آبائهم كمسيطرين أو متسلطين شعروا بأنهم قد منحوا حرية كافية، كما أشار ٦٤% من المجموعة المسيطرة المستبدة إلى أنهم يجب أن يعاملوا كراشدين بصورة أكبر مما هم عليه, وتشير النتائج بالجدول رقم "٣" أنه كلما مال الآباء إلى تفسير قراراتهم كلما شعر المراهقون بإعطائهم حرية أكبر كما أنهم يعاملون كراشدين.

стр. 604

جدول رقم "٢" يوضح العلاقة بين مشاعر الاستقلال والسلطة الأبوية المدركة والتفسيرات الأبوية للقواعد والمبادئ للمراهقين إسكانر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 605

يوجد هنا جدول رقم ٣ يجب سحبه سكانر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 606

وكخطوة أبعد في الدراسة السابقة، حاول الباحث مقارنة أحاسيس المراهقين ومشاعرهم بالحرية وبين اتجاهاتهم نحو آبائهم, وتشير نتائج هذه الدراسة أن أولئك الذين اعتقدوا بأن لهم حرية كافية مع آبائهم، كانوا أقل ميلا بصورة عامة إلى النظر إلى آبائهم كطراز أو نمط قديم، كما لم توجد مشكلات توافقية مع آبائهم إذا ما قورنوا بالمراهقين الذين كانوا يأملون في حرية أكبر من آبائهم. نمو العلاقات الاجتماعية الناضجة: يعطي المراهقون انتباها متزايدا للانتماء لجماعة الرفاق وإلى علاقاتهم مع الجنس الآخر كجزء من نضجهم الاجتماعي, وعلى الرغم من أن هذه الجوانب من العلاقات الشخصية التبادلية تتداخل إلى حد كبير بعضها مع البعض الآخر، إلا أن كلا منها له تضمينات منفصلة على نمو الشخصية, ومن جانب آخر فإن النضج الاجتماعي لا يؤثر فقط في كيفية تعامل المراهقين مع حاجات الجنس والأمن والألفة والمودة فقط, ولكن يؤثر كذلك في كيفية شعورهم وأحاسيسهم عن أبويهم. الانتماء لجماعة الرفاق: يتفاعل المراهقون كما لو أنهم في فترة نمو انتقالية للبحث عن التكافل والتضامن تحت مسئولياتهم الخاصة، فمنذ فترة ليست ببعيدة كانوا يشعرون بالإشباع والرضا في معاملتهم كأطفال، ومع ذلك فإنهم يشعرون بعدم تقبلهم كراشدين، وبالتالي نجدهم يسعون لإقامة جماعات وثقافات خاصة بهم، حيث توفر لهم الفرص في تقاسم والاشتراك في المسئولية لتسيير أمورهم الخاصة، بالإضافة إلى أنهم يخبروا سويا طرق التعامل مع المواقف الجديدة، وأن يتعلموا من أخطاء بعضهم البعض، ومن المهم أن يكون لهم جماعة في مثل عمرهم الزمني حيث يوفر ذلك للمراهقين جماعة مرجعية تعيد إليهم تأكيد ذواتهم كما أنها تكون مصدرا لمرور الهوية من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الرشد Mays, J.B؛ "١٩٧١"، Seiden, A. M؛ "١٩٧٦". وعادة ما تتكون ثقافات المراهقين من قيم متفردة يشترك فيها الأفراد الصغار ويؤيدونها وبالتالي تعطيهم الإحساس بالانتماء لجماعة متطابقة، وتتضمن هذه القيم الأذواق في الملبس، أو اللهجة، الموسيقي، نشاطات أوقات الفراغ والتي نادرا ما يتقاسم فيها الكبار من حول المراهق

стр. 607

أو يثنون عليها, وتشير كثير من الدراسات أن تفرد المراهقين الظاهري يعكس استياءهم ونفورهم من الراشدين من حولهم فقد نستمع أحيانا المراهقون يقولون لبعضهم البعض "لا تثق أو تصدق أي فرد أكبر من الثلاثين" كما نجدهم يستهجنون بعض النظم الاجتماعية وأصول وآداب السلوك والاحتشام واحترام السلطة، وعلى الرغم من أننا سوف نتناول هذه الظاهرة في نهاية هذا الفصل إلا أنه يجب الإشارة هنا إلى أن هذا الخواء الثقافي الذي يشعر به المراهقون يرجع في جانب منه إلى السياسة غير الناضجة التي يتعامل بها الراشدون مع سلوك وأفعال المراهقين. فمعاملة الراشدين تدخل الصورة كوظيفة لدور المراهق الجديد وتشير نتائج دراسات Weiner, I. B؛ "١٩٧٢", Mays, J. B؛ "١٩٧١" أن ما يفعله المراهقون من ثمة أشياء كالملابس، والتسجيلات الموسيقية والأشياء المثيرة التي تبتكر لجذب ولع المراهقين، فإن الراشدين يقع عليهم عبء توجيه المراهقين ويجب أن يكون تأثيرهم أكثر من تأثير السينما والجرائد والمجلات وبرامج التليفزيون، وهذا لا يتأتى إلا بتفهم حاجات المراهقين ومخاطبتهم على قدر عقولهم حتى نعمل على التأثير فيهم بالوجهة المرغوب فيها، وعموما فمنذ فترة الطفولة الوسطى إلى منتصف فترة المراهقة عادة ما يعزى الاهتمام بجماعة الرفاق إلى حاجات المراهقين للتقمص Identification أو التذوت مع الجماعة ومع نضالاتها من أجل الاستقلال, وبسبب أن المراهقين يرغبون في البحث عن هويتهم والشعور بشخصياتهم نجدهم يجدون من الصعب تحقيق ذلك في الكيان الأسري، وبالتالي فهم لا يثقون بصورة كلية ولا يعتمدون كليا على الآباء في منحهم المودة والتقدير، ومن جانب آخر فإن شعورهم بعدم الرغبة في الظهور بالاعتمادية المطلقة على آبائهم، نجدهم ينظرون إلى جماعة رفاقهم ويتجهون إليها ليحظوا بالتقبل. عوامل الشعبية: أثناء فترة المراهقة عادة ما نجد تقبل الرفاق والشعبية تكون بسرعة وبيسر كما لاحظنا ذلك أثناء فترة الطفولة الوسطى، كما أن ذلك يتوفر ويكون سريعا بالنسبة للمراهقين ذوي الجاذبية الجسمية والأذكياء والواثقين بذواتهم والمراهقين الذين يتسمون بالنشاط والطاقة العالية، ذوي الإغراء في المواقف الشخصية المتبادلة، وعلى نقيض ذلك نجد المراهقين الذين لا يتسمون بالجاذبية أو الذكاء، والذين لا يثقون في أنفسهم، والذين يخافون

стр. 608

من نبذ الرفاق لهم، عادة ما نجدهم يميلون إلى السلوك في مناح تجعل مخاوفهم حقيقة واقعة فبعض المراهقين غالبا ما يشجعون النبذ والسخرية عن طريق انسحابهم من جماعة رفاقهم وذلك لأنهم يتسمون بالجبن أو بالأعصاب الثائرة المتوترة، ويشعرون بالدونية مع رفاقهم وتكون وسائلهم في البحث عن الانتباه والتقبل من خلال الخنوع والاستسلام أو السذاجة والبلاهة أو بمحاولة إخفاء مشاعرهم بعدم الكفاءة بالسخرية والتهكم والتحدث بصخب وعنف والتظاهر بالشجاعة. كما نجد استمرارية أو عدم استمرارية في تقبل الرفاق ما بين فترة الطفولة وفترة المراهقة، حيث نجد طفرة النمو التي تحدث في المراهقة قد تغير من شكل وهيئة المراهق أوالمراهقة فالفتاة التي تكون قبل مراهقتها غير جذابة فإنها قد تزدهر فجأة داخل مراهقة جذابة وتكون بالتالي محبوبة ذات شعبية في وسط رفاق سنها، وبصورة مماثلة نجد الطفل الذي كان نحيلا ضعيفا قبل المراهقة، قد ينبثق في مراهقته بنمو مفاجيء كشخص طويل ذو عضلات, وبالتالي يدعم تصوره عن ذاته ويحظى بتقدير واحترام جديدين من رفاق مراهقته, وفي نفس الوقت فإن الطفل الذي كان له شعبية فيما مضى ولكنه يبقى طفوليا من الناحية الانفعالية بينما نجد رفقاه يتعلمون العمل بطرق أكثر نضجا، هذا الطفل قد لا يحظى طويلا بصداقة أو بالرفقة أثناء مراهقته, ولهذه الأسباب فلقد وجد تغير اختيارات الصداقة بصورة كبيرة خلال السنوات المبكرة من فترة المراهقة Horrocks, J. E & Others؛ "١٩٦٦". ولحسن الحظ، فالبنسبة لمعظم المراهقين عادة ما نجد عالمهم المتسع يعطيهم الفرص الجديدة لاكتشاف مدى قدرتهم على العمل الجيد وبالتالي في أن يصبحوا معروفين داخل جماعتهم، فالولد الذي كان قصيرا جدا ولا يمكنه لعب كرة السلة مثلا في فترة الطفولة الوسطى قد يصبح نجما في فريق الكرة بالمدرسة الثانوية في نفس الرياضة السابقة، كما أن الفتاة التي كانت ذات موهبة لفظية أو غنائية والتي كانت كامنة أثناء فترة المدرسة الابتدائية قد تصبح مغنية أو ممثلة مسرحية في المدرسة الثانوية, كما أن الأطفال الصغار ذوي القدرات العقلية المحدودة في المدرسة الابتدائية قد يكون أداؤهم عاليا في النشاط غير العلمي الذي توفره المدرسة الثانوية كالميكانيكا أو اقتصاديات المنزل أو الأعمال السكرتارية ومع هذه الإمكانات فإن المراهقين قد يمكنهم تنمية أحاسيس قيمة

стр. 609

ذواتهم، والثقة في أنفسهم، والتي لم يشعروا بها في مرحلتهم النمائية السابقة، وفي نفس الوقت يعززون ويدعمون مركزهم بين جماعة رفاقهم. ثبات الأصدقاء: على الرغم من تبدل وتغير اختيارات الصداقة أثناء فترة المراهقة المبكرة إلا أننا نجدها تميل إلى الثبات والاستمرار بصورة متزايدة منذ الطفولة الوسطى حتى مرحلة الشباب، وتشير دراسات هوركس Horrocks وزملائه "١٩٥١" إلى التقلب لدى الأطفال في اختيار أصدقائهم، وكانت الوسيلة في ذلك أن طلب من الأطفال في أعمار زمنية مختلفة كتابة ثلاثة أسماء من أحسن أصدقائهم وأعادوا طرح هذا السؤال بعد أسبوعين، ويشير الشكل "١" بدليل لمدى التقلب للأولاد والبنات الذي يتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والثامة عشرة في علاقات صداقاتهم بعضهم مع البعض، ويعكس الشكل كذلك وبصورة واضحة الميل نحو الاستقرار والثبات في اختيار الصداقة كما تقدم الطفل في عمره الزمني.

стр. 610

ميول الجنسية الغيرية والتزاوج: من أكثر الجوانب أهمية في العلاقات الشخصية المتبادلة والتي تنبثق أثناء فترة المراهقة هو الميل إلى الجنس المغاير، وتشير نتائج دراسة Grinder؛ "١٩٦٦" إلى ثلاثة عوامل تسهم في بدايات الميل الجنسي للجنسية الغيرية في هذه الفترة، ويمكن إيجازها فيما يلي: ١- التغيرات الهرمونية التي تحدث أثناء فترة البلوغ، تثير أحاسيس جنسية لدى كل من الذكور والإناث وبالتالي تدفعهم للبحث عن صداقة وصحبة كل منهما للآخر. ٢- عادة ما ينظر المراهقون لعلاقات الجنس الغيرية كمظهر أو جانب من نموهم وبالتالي تكون ذات قيمة بالنسبة لهم في الإحساس بذواتهم. ٣- توقع الآباء والرفاق من المراهقين الاهتمام بالجنس المغاير، وقد يكون للآباء بعض التحفظات عن وقت التزاوج لأولادهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا، إلا أنهم عادة ما يصبحون مهتمون أو قلقون في بعض الأحيان إن لم تظهر لدى طفلهم المراهق الميل نحو الجنس المغاير. وعندما تسأل المراهقين: لماذا يستمتعون بالالتقاء بالجنس الآخر نجدهم عادة ما يعطون واحدا أو أكثر من الأسباب الآتية: ١- لتأكيد الاستقلالية. ٢- لإحراز المركز وسط جماعة الرفاق. ٣- للبحث عن الإشباعات الجنسية. ٤- في أن يكون لهم أصدقاء. ٥- للاشتراك في نشاطات الجنس الآخر. وجدير بالذكر فإننا نلاحظ أنه كلما تقدم المراهق في عمره الزمني كلما كان دءوبا إلى الفتاة الثابتة والموثوق بها حتى يمكنه في آخر الأمر الاقتران بها, وعلى الرغم من جاذبية هذا العلاقات مع الجنس الآخر إلا أنها تبطئ تدريجيا بسبب اهتمام المراهق بتكوين جماعة رفاق من المراهقين وبالتالي نجدها تكون مصدرا من مصادر الصراع والقلق عند المراهقين.

стр. 611

مراحل تكوين الجماعة ونمو الجنسية الغيرية: صور لنا D. Dunphy في تحليل واسع للبناءات الاجتماعية عند المراهق حيث نلاحظ في بداية مرحلة المراهقة عادة ما يقف البنين والبنات كل منهم بجوار الآخر في جماعات، والتي لا نجدها في مرحلة الطفولة الوسطى، وفي المرحلة الثانية يبدءون في التفاعل داخل جماعات من بنين وبنات، وبعد ذلك يدخلون مرحلة ثالثة نجد فيها تحولا، فغالبا ما نشاهد أزواجا من البنين والبنات، وفي نهاية فترة المراهقة يتحول ذلك ويعود مرة أخرى إلى ازدواج المراهقين والمراهقات حيث يكونون في علاقة قريبة بعضهما مع البعض وبالتالي قد يفقد المراهق في هذه الفترة الارتباطات مع الأزواج الأخرى. وهذا يعني أن الأولاد والبنات الذين يكونون في مرحلة ما قبل المراهقة لا يجدون ما يفعلونه سويا، ولكنهم يبدءون في مراهقتهم المبكرة في تنظيم الحفلات والتي من خلالها يختبرون أحاسيسهم ومشاعرهم الجديدة بحذر شديد، فقد يستمعون إلى التسجيلات سويا، ويذهبون في رحلات جماعية، وقد تصل الأمور إلى أكثر من ذلك في بعض الأحايين، وكل ذلك يكون ضمن محتوى نشاط الجماعة بدون أن يتطلب ذلك تواجدهم في أزواج سويا، وتتدرج هذه العلاقات فقد نجدهم يضربون المواعيد بعضهم مع البعض الآخر للقاءات في أزواج ويعني ذلك أن شئونهم الاجتماعية تصبح متمركزة على شريك واحد وليس على جماعة من الذكور والإناث، وبمرور الوقت فإننا نجد أن أخذ المواعيد المتعمدة وأحيانا قد تأتي عن طريق الصدفة، تميل إلى أن تكون أكثر تكرارا عن ذي قبل وقد تتحول إلى التنزه سويا. وتشير نتائج دراسة Douvan؛ "١٩٦٦" أنه على الرغم من أن نتيجة هذه المراحل ليست متماثلة، إلا أننا نجد أن عمر الانتقال أو التحول من فترة إلى أخرى يختلف، فأغلب الإناث في الولايات المتحدة الأمريكية يبدءون ضرب المواعيد في الرابعة عشر تقريبا، في حين نجد الذكور يتأخرون إلى ما بعد هذا السن، فغالبا ما يكون بعد الإناث بعامين تقريبا، وحيث أن تبادل المواعيد يكون في جوهره علاقة اجتماعية محدودة بواسطة معايير الثقافة ولا يكون نتيجة للنمو البيولوجي، وعموما وكما ذهبت نتائج الدراسة السابقة أن الاختلافات في النضج الجسمي يبدو أنها ذات تأثير ضعيف على الوقت الذي يبدأ فيه المراهقون والمراهقات للالتقاء وضرب المواعيد بعضهم مع البعض الآخر.

стр. 612

شكل رقم "٢" يوضح مراحل نمو الشخصية عند إريكسون ومراحل النمو العقلي عند جان بياجيه إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

стр. 613

وكظاهرة ثقافية، فإن نماذج التلاقي تختلف تبعا للطبقة الاجتماعية للمراهقين، وكذلك النواحي الثقافية التي تكتنفهم، فمثلا في المناطق الحضرية يميل المراهقون والمراهقات إلى أن يكونوا أكثر تبكيرا في التلاقي وضرب المواعيد بعضهم مع البعض الآخر، إذا ما قورنوا بأقرانهم في المناطق الريفية, كما أن المراهقين في الطبقة المتوسطة يميلون إلى أن يبدءوا هذه اللقاءات الثنائية بصورة أكثر تبكيرا عن المراهقين في الطبقة الدنيا Lowrie, S. H؛ "١٩٦١" كما أن الطبقة الأخيرة تميل إلى إتمام مراسيم الزواج بصورة أسرع من المراهقين في الطبقات الأخرى في حين نجد الطبقة الأعلى يميل المراهقون فيها إلى التلاقي بصورة أطول قبل أن يصبحوا أزواجا. مصادر قلق الالتقاء بالجنس الآخر: عادة ما ينتاب المراهق القلق عندما يقرر أن يسأل فتاة معينة للالتقاء معها فكلما كانت هذه الفتاة تتصف بالدماثة والجاذبية كلما شعر بالسعادة والشعبية لقبولها موعده, إلا أنه قد يصاب بالانكماش أو الانطواء في حالة رفضها لطلبه، ويمكن للمراهق أن يتجنب هذا الصراع الإقدامي الإحجامي بعدم محاولته أخذ أية مواعيد إلا أنه في نفس الوقت قد يشعر بحرمان نفسه من فرص إقامة العلاقات مع الجنس الآخر. كما تجابه المراهقة مشكلات متشابهة، حيث إنها قد تطلب للالتقاء من أكثر من شخص، وينتابها الحيرة في قبول, أي منهما كما أن الفتاة التي ترغب في الذهاب مع زميل يجب أن تتظاهر بالحياء والخجل وتكتم أحاسيسها ومشاعرها الحقيقية عنه، بالإضافة إلى أنه عندما تطلب فتاة من قبل شخص لا تشعر نحوه بأية علاقة نجدها في صراع هل تقبل لمجرد أن تشبع رغبتها في أن يكون لها صديقا، أو ترفض على أمل أن يطلبها شخص آخر تميل إليه Place, D. M؛ "١٩٧٥". ولقد أشارت أبحاث مسحية عديدة مثل. Breed, w؛ "١٩٥٦", Seodem. A. M؛ "١٩٧٦" أن أغلب المراهقين عادة ما يشعرون بعدم الأهلية حين الالتقاء بالجنس الآخر، ففي البداية على الأقل قد يحسون بالخجل والقلق والاضطراب، والخوف في بعض الأحيان، ففي إحدى هذه الدراسات السابقة Seiden أشارت النتائج على ١٥٠٠ طالب من المدرسة الثانوية إلى أن ما يقرب من ربع عدد الطلاب الذكور وثلث عدد الإناث قد شعروا

стр. 614

بالإخفاق في ضرب موعد للقاء مع الجنس الآخر، وعلى الرغم من أن هذه الاهتمامات وهذا النوع من القلق الذي ينتاب المراهقين عادة ما تكون ساذجة وغير منطقية، إلا أننا يجب أن نشير إلى أن الالتقاء الناجح مع الجنس الآخر يمكن أن يكون محددا حاسما لأحاسيس المراهقين لتقدير ذواتهم والانتماء لجماعة الرفاق، فالمراهقون الذين لا يلتقون مع الجنس الآخر أو يتم اللقاء في جو قلق مضطرب عادة ما يميلون إلى الشعور بالدونية مع أقرانهم الأكثر أهلية واجتماعية.

стр. 615

سادسا: الإرشاد النفسي للمراهقين إن معظم الجهود الموجهة لمنع ومعالجة الجنوح لم تحقق النتائج المنتظرة منها، وعلى أي حال فيجب أن نلاحظ أن تلك الجهود، حتى تلك التي تحاول استخدام الحلول الممكنة قد ركزت بصورة كبيرة على الشباب الذين لديهم مشكلات خطيرة فالكثير من الطرق التقليدية كالعقاب والوضع في المؤسسات والسجن قد جعلت بصورة عامة الأمور أسوأ مما كانت عليه، لأنها قد تخضع المراهق أو الشاب لصدمة نفسية وخبرات غير سارة، بينما تمده بقليل أو بلا شيء من المساعدة النفسية والتعليمية والترويجية. وعموما فلا توجد حلولا سحرية لمشكلة الجنوح المتزايد، ولكن يبدو أن الجهود في المستقبل سوف تؤكد على عملية منع الجنوح منذ بدايته والتي تتمثل في برامج الإرشاد الوقائي فالتعرض للبرامج الشاملة للعناية النفسية والمهنية والتربوية التي تهدف إلى تطوير إمكانات المرهقين والشباب, وجدير بالذكر فإن الجنوح لا يعتبر مرضا في حد ذاته، ولكنه عرض لمشكلات أساسية اجتماعية ونفسية واقتصادية وتعليمية ترويجية وجسمية وأيضا فلسفية, كما أن جميع البرامج الإرشادية النفسية التي توجه للوقاية أو علاج الجنوح لا تأتي بالثمرة المرجوة منها، طالما لم تبذل المجهودات الصادقة لتحسين الظروف الاجتماعية التي يحياها المراهقين والشباب والتي تعتبر الأساس المغذي للجنوح، فالفقر، والتدهور الاقتصادي وفقدان المعنى عند المراهقين والشباب، واضطراب تكوين الهوية والصراعات المتزايدة التي يشعر بها الشباب، وعدم وضوح الهدف والانسلاخ عن المجتمع، وعدم توفر القدوة الصالحة، كل هذه العوامل إن لم يوجه إليها جهود صادقة لاحتوائها وتداركها فإن معدل الجنوح سوف يتزايد يوما بعد يوم.

стр. 616

الاضطرابات النفسية والسيكوفسيولوجية مدخل ... الاضطرابات النفسية والسيكوفسيولوجية: تميل الاضطرابات النفسية والسيكوفسيولوجية إلى الظهور أثناء المراحل الانتقالية في حياة المرء والتي تتميز باضطراد النمو الجسمي والنمو المعرفي أو التغيرات التي تحدث في المطالب الأبوية والاجتماعية والتي تؤدي بصورة مؤقتة إلى تعويق توازن واتزان الفرد، وتؤثر جميع هذه العوامل في بداية فترة المراهقة، وبعض من هذه الاضطرابات قد تكون حتمية ومتعذرة الاجتناب، ولكن إلى أي مدى ستكون حدة تلك الاضطرابات والصورة التي ستكون عليها، والوقت الذي ستحدث فيه، كل تلك المظاهر تعتمد على العديد من العوامل، فإن طبيعة تكيف المراهق السابق والضغوط التي تجابهه أثناء سنوات المراهقة قد تؤثر في طبيعة تلك الاضطرابات، وقد تكون تلك الاضطرابات بالنسبة لبعض المراهقين ليست بذات أهمية ولا تدوم طويلا، وقد تكون للبعض الآخر شديدة وحادة وقد تؤدي إلى أعصبة نفسية معوقة أو حتى إلى اضطرابات ذهانية. والجدير بالذكر، فإننا لا نستطيع في هذا المقام إلقاء الضوء على المجال الكامل لاضطرابات فترة المراهقة من حيث أسبابها ومتطلباتها العلاجية الخاصة، إلا أن الذي سوف تركز عليه في هذا الموجز، هو بعض أشكال الاضطرابات الهامة والرئيسية التي تحدث في فترة المراهقة، مع بعض الملاحظات الإرشادية والعلاجية لوقاية وعلاج مراهقينا.

стр. 617

القلق: إن بعض مشكلات المراهق قد يسهل تفهمها فالمراهق الذي يسعى لبناء علاقة متبادلة متكافئة مع أعضاء جنسه أو الجنس المخالف والذي يقابل دائما بالرفض أو التوبيخ، قد يصبح قلقا وغير واثق من نفسه، ومن التفاعلات الاجتماعية وبالتالي يميل إلى الانسحاب والعزلة. ويصعب علينا تقدير ما ينتاب المراهق من اكتئاب بسبب فقد والده أو شخص عزيز عليه، والقلق الحاد والأحلام المزعجة لمراهق قد مر حديثا بخبرة مؤلمة أو سيئة ومع ذلك، فإن أنواع أخرى من الأعراض ليست من السهولة تفهمها، ويرجع ذلك إلى أن المصادر الرئيسية لهذه الأعراض "مثل الخوف من فقدان الحب، أو الخوف من وجود مشاعر غاضبة أو دوافع جنسية غير مقبولة، أو فقدان الإحساس بالهوية الشخصية"، عادة لا يعبر عنها بطريقة شعورية، حيث نجد المراهق يبني بطريقة لا شعورية دفاعات نفسية ضد التعبير عنها، وذلك لأن السماح لمثل هذه البواعث والأحاسيس المضطربة في أن تجد طريقة شعورية للتعبير عنها قد يسبب له قلق مؤلم وشعور بالذنب، وفي بعض الحالات تكون تلك المجهودات الدفاعية غير ذات فعالية، أو تكون فعالة بصورة جزئية, وقد ينتج عن هذا قلقا معمما سواء كان في صورته الحادة أو المزمنة. إن المراهق الذي يكون لديه رد فعل حاد للقلق، يشعر بخوف مفاجئ كما لو كان شيئا ما سيئا على وشك أن يحدث له فقد يصبح متهيجا ومستاء، ومن السهل أن يروع وأن يخاف، ويخبر ثمة أعراض جسمية كالصداع والدوخة والغثيان أو القيء, ويكون مجال انتباهه محدودا وقد يبدو عليه الذهول والتشتت، كما أن اضطرابات النوم شائعة عند مثل هذه الحالات حيث توجد صعوبة في النوم، وعملية النوم ذاتها قد تكون قصيرة غير مريحة، مصحوبة بالتقلب في الفراش، أو قد تكون مصحوبة بالكوابيس أو المشي أثناء النوم, والمراهق الذي يعاني قلقا حادا، قد يكون في حيرة في العثور على مصدر ذلك القلق حيث قد ينسبه إلى نوعية مختلفة من الظروف والأحداث الخارجية المتفرقة, والفحص الدقيق لمثل هذه الحالات يومئ إلى أن هناك عوامل كثيرة وأساسية متضمنة، وثمة عوامل قد لا يكون المراهق واعيا بها بصورة شعورية، والعلاقات المضطربة بين الوالد والمراهق والاهتمامات المرتبطة بمطالب النضج، أو المخاوف وبالشعور بالذنب المتعلقة بالدوافع الجنسية أو العدوانية. ويجب أن تجري التدخلات الإرشادية أو العلاجية بصورة مبكرة عندما تكون العوامل المسببة في صورتها الأولية الواضحة وبالتالي يمكن التعامل معها وذلك قبل أن يصبح القلق في صورة حادة وقبل أن يؤثر ذلك في نمط حياة المراهق "وعلى سبيل المثال الانسحاب النفسي، إعاقة العمل المدرسي، الأعراض الجسمية المستمرة كالآلام والإسهال وضيق التنفس والتعب".

стр. 618

اكتتاب المراهق ... اكتئاب المراهق: كان الكثير من علماء النفس الإكلينيكيين ينكرون أن الاكتئاب يمكن أن يحدث بين الأطفال والمراهقين الصغار، حيث يشيرون إلى أن بداية فترة المراهقة نجد كلا من الذكور والإناث يميلون إلى التعبير عن مشاعرهم بصورة صريحة، ويميلون إلى إنكار الاتجاهات السلبية والنقدية للذات، فهم عادة لا يظهرون الكآبة واليأس والانتقاص من قيمة الذات وذلك كما يفعل الراشدون المصابون بالاكتئاب، إلا أن نتائج الدراسات الحديثة أظهرت أن كثيرا من المراهقين يخفون مشاعر الاكتئاب الكامنة بواسطة طرق مقنعة تندرج من السأم والملل وعدم الارتياح إلى أعراض توهم المرض أو وسواس المرض، وفوق ذلك فإن مشاعر الاكتئاب شائعة إلى حد ما بين المراهقين. وعادة ما يتخذ اكتئاب المراهق أحد النوعين التاليين، فالنوع الأول يعبر عنه على أنه "إحساس بالفراغ، فقدان تحديد الذات، وكما يوصف لفظيا بأنه حالة فقدان الشخصية Depersonalization, فالمراهق المكتئب قد يشكو من وجود شعور بالنقص أو الفراغ، كما لو كان قد هجر ذاته ولم يحل محلها ذات نامية راشدة ويولد هذا الفراغ مستوى عاليا من القلق، وهذا النوع من الاكتئاب يشبه حالة الحداد، والتي يخبر فيها الشخص المحبوب كجزء من الذات، وقد يكون أقل ضررا، ومن أكثر الأنواع حلا وعلى نقيض من ذلك نجد بعض المراهقين "والتي توحي شكواهم بالإحساس بالفراغ، فإن ذلك قد يشير إلى إمكانية الإصابة بعملية ذهانية ضمنية" حيث نجد المراهق في هذه الحالة ليس لديه القدرة على توجيه مشاعره وأحاسيسه، ولا يمكنه تقييمها أو التعبير عنها. وبالتالي فهو ينكر أصلا وجود مشاعر لديه. والنمط الثاني: من اكتئاب المراهقة، والذي قد يصعب حله بسهولة، حيث نجد له أساس في خبرات الهزيمة المتكررة على مدى فترة زمنية طويلة، ويحدث هذا النوع بين المراهقين الذين قد جربوا بصورة واقعية كثيرا من الطرق لكي يجدوا حلولا لمشاكلهم ولكي يحققوا أهدافهم الشخصية ذات المعنى بالنسبة لهم إلا أنهم لم يوفقوا في ذلك، سواء كان ذلك بسبب فشل الآخرين في تفهم وتقبل ما يحاول المراهق عمله، أو بسبب عدم الكفاءة الشخصية والتي جعلت الأهداف غير ممكنة التحقيق, كما أن الكثير من محاولات المراهقين للانتحار لم تكن نتيجة باعث مؤقت. ولكنها في الأغلب تكون نتيجة لسلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة للعثور على حلول بديلة للمشكلات والصعوبات التي تواجههم وعادة ما يكون سبب هذا النمط من الاكتئاب يتمركز في فقدان العلاقة ذات المعنى سواء مع الأب، الصديق، أو أي شخص كان المراهق على حب معه

стр. 619

توهم أو وسواس المرض HYPOCHONDRIASIS: إن مبحث الأغراض الجسمية المرضية، عادة ما يطلق عليه بتوهم أو وسواس المرض, ويشتمل على الانشغال والاهتمام المفرط بوظائف أعضاء الجسم, والمراهقون المصابون بوسواس المرض قد يكونوا مهتمين أو منشغلين بوجود عدم انتظام في ضربات قلوبهم، وفي تنفسهم أو الهضم على الرغم من أن كل هذه الوظائف تكون في حالة عادية تماما. أو قد نجدهم يبالغون في دلالة وحجم الاعتلالات الجسمية البسيطة، كالأنف المسدود من شدة الزكاة والاضطراب المعوي الخفيف أو التقلص العضلي, وأعراض وسواس المرض على الرغم من أنها قد تحدث في مرحلة الطفولة، إلا أنها أكثر شيوعا أثناء فترة المراهقة، وفي الحقيقة فإن التغيرات الجسمية والجنسية للبلوغ تجذب بصورة حتمية اهتمام المراهق بذاته الجسمية وليس هذا يستغرب وحقيقة فإن قدر معين مما تعتبره انشغالا مفرطا بالجسد بالنسبة للشخص الراشد، قد يمثل ظاهرة نمائية عادية تماما بالنسبة للمراهق. ومن ناحية أخرى فإن الانشغال الجسمي والاهتمام بها بصورة مفرطة والتي تكون غير قابلة للتغيير قد تومئ باضطرابات داخلية شديدة، وقد تؤدي أعراض الوساوس المرضية عددا من الوظائف فعندما يخبر المراهق أو الشاب قلقا حادا غير أنه يكون غير متأكد من مصدره حينئذ يمكن أن تكون تلك الخبرة غامرة، لدرجة أنها تؤدي إلى الخوف من الجنون فقدرة المرء على العثور على سبب للقلق يساعد في جعله يبدو أكثر معقولية أو منطقية للفرد، وبالتالي أقل غموضا, وقد يصبح التركيز بالنسبة لبعض المراهقين عن الجسم عرضا من أعراض المرض. إن قلق المراهق المصاب بوسواس المرض قد يتضمن محتوى حقيقيا، وحتى بالرغم من وجود ذلك فعادة ما يكون غير كاف في حد ذاته لكي يفسر درجة الانشغال والاهتمام التي يكون عليها المراهق فكثير من

стр. 620

المراهقين يخشون ألا يكون نمو ذواتهم الجسمية متناسقا مع ذواتهم النفسية الجديدة، فقد يخشى الذكر المراهق ألا يحقق النضج الجنسي، وقد تخاف المراهقة من أن يصبح حجم صدرها صغيرا جدا أو كبيرا جدا. كما أن مشاعر وأحاسيس التعب قد تؤدي بالمراهقين والمراهقات إلى الشعور بتشويه ذواتهم الجسمية بصورة دائمة، وقد يكون ذلك الإحساس نتيجة لعادات الاستمناء كما قد تستخدم أعراض وسواس المرض كطريقة لتبرير تجنب بعض الأنشطة مثل الرياضة أو العمل الجسمي حيث يشعرون بعدم الكفاءة فيه. إن المراهقين الذين ينموا لديهم أعراض وسواس المرض، عادة ما يكونون من أسر منشغلة ومهتمة بصورة كبيرة بموضوعات الصحة والمرض, وعادة ما تكون أعراض ذلك المرض بالنسبة للمراهقين في صورة تطابق مع والد أو أخ معين, فالمراهق الذي يتعدى أعراض الوسواس المرضي لديه الصورة العادية لاهتمامات المراهق الجسمية، أو تثبت مقاومتها للتغيير، حينئذ يحتاج للمساعدة النفسية، فالمشاكل التي تكمن وراء الأعراض يجب أن تجدد، ولحسن الحظ فبمجرد تحقيق ذلك عادة ما نلاحظ المراهق يبدأ في التعامل مع هذه المشكلات وبالتالي تختفي أعراض تلك الوساوس المرضية بصورة ملفتة للنظر، والجدير بالذكر فإننا عادة ما نجد الراشد الذي يعاني من وسواس المرض أكثر مقاومة للمساعدة النفسية إذا ما قورن بحالة المراهق.

стр. 621

الاضطرابات السيكوفسيولوجية: قد تظهر المشكلات النفسية في الاضطرابات الواقعية في أداء وظائف الأعضاء سواء كانت حادة أو مزمنة، وقد تؤدي الأخيرة إلى اضطراب سيكوسوماتي حيث تتضمن أحيانا اختلال في تغيرات هيكلية كما تتضح في حالة القرحة المعوية. وتشير الدراسات في هذا المجال إلى أن الاضطرابات المؤقتة في الوظائف السيكوفسيولجية ليست شائعة في مرحلة منتصف الطفولة أو مرحلة المراهقة، حيث نجد أن الضغوط النفسية لها تأثير ملحوظ إزاء الوظائف المعوية، وكذلك على نشاط الأوعية الدموية للقلب، وكذلك على وظيفة الجهاز العصبي المركزي، فمثلا كثير من الحالات التي تعاني من الاضطرابات في العصارة المؤلمة، واضطرابات المعدة، وحرقان

стр. 622

القلب وانتفاخ البطن وعسر الهضم، عادة ما تظهر ردود فعل الأطفال والمراهقين للضغوط النفسية، وبالمثل فإن معدل ضربات القلب غير العادية والطويلة غالبا ما تكون مصحوبة بحالة قلق حادة أو مزمنة، وقد يشكو المراهق من زيادة ضربات قلبه أو ارتفاع نبضه، ويخشي أحيانا أن يحدث له أزمة قلبية، كما أن صداع التوتر العضلي وآلام الظهر، وآلام الصدر وعدم الراحة، قد تكون جميعها نتيجة للضغوط النفسية, والجدير بالذكر، فإن الاضطرابات السيكوسوماتية أثناء فترة الطفولة والمراهقة يحتاج علاجها اهتماما واعيا بكل جوانب الاضطرابات الجسمية والنفسية والاجتماعية ونمط التفاعل الأسرى التي قد تسهم في جعل هذه الاضطرابات حادة وأكثر خطورة.

стр. 623

اضطرابات الأكل: ليس بمستغرب إذا نظرنا إلى التغيرات الجسمية والنفسية السريعة التي تحدث في بداية البلوغ أن نرى كثيرا من المراهقين يمرون بفترات قصيرة ينقص فيها وزنهم أو يزداد عن المعايير المقبولة, وعادة ما نجد معظم المراهقين عندما يحدث استقرار لهذا النمو، قد تتناسب أوزانهم من خلال تنظيم التغذية، إلا أننا نرى في بعض الأحيان أن الإفراط في الأكل قد يؤدي إلى السمنة المفرطة الخطيرة، وأحيانا يؤدي إلى فقدان الوزن الخطير، وهو ما يعرف بفقدان الشهية للأكل والمعرف باسم ANOREXIA والذي عادة ما يحدث أثناء فترة المراهقة ويكون أكثر شيوعا بين الإناث عن الذكور, والمراهقون الذين يتسمون بالسمنة المفرطة، أو فقدان الشهية للأكل يميلون إلى الافتقاد الواضح والمحدد لهويتهم كأفراد مستقلين ومميزين قادرين على تحديد وتحقيق أهدافهم الخاصة، وقد يكون فقدان الشهية حالة محيرة فقد يكون لديه إدراك مشوه لصورة ذاته الجسمية، وكثير من المراهقات اللاتي يعانون من فقدان الشهية تبدو المراهقة وكأنها هيكل جلد نحيل من العظام ودائمة الشكوى من قلق زيادة الوزن، وما زالت هناك أسباب كثيرة تكمن وراء هذه الحالة لم نتمكن من معرفتها حتى الآن، كما أننا عادة ما نلاحظ هذه الحالة شائعة بين المراهقين والمراهقات الأثرياء أكثر من المراهقين والمراهقات الفقراء. وقد تلعب العوامل البيولوجية دورا في ذلك، إلا أن العوامل النفسية تبدو أكثر أهمية, وعادة ما ينزعج الآباء عندما يبدأ فقدان الشهية عند أطفالهم أو مراهقيهم، وكثيرا ما يعبرون بأن طفلهم يبدو عاديا مثل

стр. 624

باقي الأطفال أو المراهقين من حيث الطيبة والهدوء والطاعة والاعتماد على النفس بالإضافة إلى شغفه لإرضاء الآخرين، ومعظم المرهقون والشباب الذين يعانون من فقدان الشهية فإنهم لا شعوريا يشعرون أنهم قد استغلوا وحرموا من توجيه حياتهم الخاصة بهم، وبالتالي أصبحوا غير قادرين على تكوين هوية قوية خاصة بهم, وقد يظهرون حاجة ملحة قهرية في السيطرة على كل جوانب حياتهم خاصة السيطرة والتحكم على أجسامهم, وقد يشعرون أيضا بعدم القدرة على مواجهة مطالب النضج الجنسي، وفقدان الشهية والتي قد تعوق عملية الحيض عند المراهقات وتجعل الخصائص الجنسية الثانوية أقل وضوحا وبروزا. وتشير الدراسات في هذا المجال إلى أن آباء المراهقة التي تعاني من فقدان الشهية عادة ما كانوا يتسمون بالسيطرة الحازمة والنظام والتنظيم الزائد أثناء فترة الطفولة، لدرجة أن حدث اضطراب عند الطفلة في بناء معنى للهوية والثقة في قدرتها على اتخاذ قراراتها بنفسها. ومن الواضح أن الوزن الزائد عن الحد أو الوزن الأقل عن الحد، قد يسبب مشكلات خطيرة، وأحيانا فسيولوجية تهدد حياة الفرد، وبالتالي تكون الحاجة ملحة إلى الرعاية الطبية المتخصصة والعلاج النفسي, وبسبب علاقات الوالد والطفل المضطربة وغير المنتظمة والتي تتضمن المشكلات المرتبطة بنمو الاعتماد على النفس والنضج الجنسي، فإن العلاج والإرشاد النفسي يلعب دورا رئيسيا، وأي برنامج علاجي أو إرشادي يجب أن يتضمن المساهمات الأبوية الفعالة. وبطبيعة الحال فقد يعاني المراهقون أنواعا مختلفة من الاضطرابات النفسية، والتي قد تتضمن المخاوف والرهاب، FEARS & FOBIA, رهاب المدرسة الأهجسة والقهر، على الرغم من أن هذه الاضطرابات عادة ما تنتشر بين الأطفال أكثر من انتشارها بين المراهقين. كما أن نسبة قليلة من المراهقين قد يعانون من بعض الاضطرابات الحادة مثل فصام المراهقة، والذهان التسممي TOXIC PSYCHOSIS.

стр. 625

العلاج والإرشاد النفسي للمراهقين: يحتاج المعالج والمرشد النفسي سواء الذي يعمل بالعلاج النفسي الفردي أو الجماعي إلى تدريب خاص، خاصة الذي يتعامل مع المراهقين. بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون لديه القدرة على حب المراهقين ويتصف بالدفئ العاطفي والمرونة والصراحة والأمانة، والقدرة على إبداء الرأي، وعدم التحيز والثقة بالنفس والقدرة على وضع حدود بدون عدوانية، وافتقار الدفاعات الشخصية. والمراهقون لديهم بصيرة أكثر من الأطفال في إدراك الأشياء الزائفة واستغلالها ومع ذلك، فإن اتسم المعالج أو المرشد النفسي بالاعتدال ولا يقلل من إمكانات المراهق حينئذ يمكن أن ينمي شعورا بالثقة والاحترام، ويظل المراهق أيضا في حاجة إلى أن يجعل ذلك واضحا بدرجة كبيرة من قبل المعالج, والمعالج الناجح ذو الفعالية يجب أن يكون مرنا، على استعداد لكي ينتقل من الاستماع إلى التساؤل، إلى إعادة التأكيد، وتوضيح الحقيقة، إلى التفسير، حتى إلى الجدل وإلى وضع الحدود عندما يكون ذلك ضروريا، فالمراهقون ذووا الاضطراب الانفعالي يحتاجون إلى فرض حدود خارجية عليهم نتيجة حالاتهم المضطربة، فهم عادة لا يكونون على مقدرة في أن يضعوا حدودا لأنفسهم. ويجب أن نضع في أذهاننا -في نفس الوقت- الصراع من أجل الاستقلال، حيث إن بناء الاستقلالية تعتبر مهمة نمائية حرجة بالنسبة للمراهق, ولهذا فإن المعالج أو المرشد النفسي يجب أن يكون منتبها لأخطار السماح بالاستقلالية الطفولية أثناء مرحلة العلاج أو الإرشاد حتى لا يصبح بديلا للصراع الضروري تجاه الاستقلالية الكاملة والاعتماد على الذات، إن إحساس المراهق بهوية محددة واضحة ما تزال في طور النمو، وما تزال غير محددة واضحة المعالم، ومن هنا فالمعالج أو المرشد النفسي كالأب الحكيم يجب أن يكون حذرا من الميول الخادعة وبالتالي يكون عرضة في أن يخلط بين هوية المراهق وهوية الشباب، أو أن يطول فترة العلاج أو الإرشاد بصورة غير ملائمة. وبإيجاز، فعلى الرغم من اختلاف الأدوار بصورة حتمية في عدد من الجوانب الهامة، فإن الأب الفعال والمعالج والمرشد النفسي الفعال يتقاسمون عددا من الخصائص الضرورية، فكل منهم يحتاج إلى أن يكون جديرا بثقة المراهق واحترامه، كما يحتاج كل منهم إلى إظهار ثقته واحترامه للمراهق كإنسان متفرد، بالإضافة إلى ذلك فإن كلا منهم يحتاج إلى أن يكون ذا سلطة دون استبداد أو تحكم، أو فوضوية، وعادلا وكل

стр. 626

منهم يحتاج إلى أن يكون قادرا على وضع حدود عندما تكون ضرورية ويتسم بالثقة ولا يتسم بالعدوانية، وكذلك إدراك حاجة المراهق الملحة نحو الاستقلال، وعموما فإن كلا العملين ليس سهلا، إلا أن كليهما سوف يكون أقل صعوبة بالنسبة لهؤلاء الأفراد الذين حقيقة يحبون المراهق.

стр. 627

الباب الرابع: مرحلة الرشد مرحلة الرشد المبكرة Early Adulthood: تعتبر مرحلة الرشد من المراحل التي قد يصعب تحديدها وتعريفها إذا ما قورنت بفترات النمو السابقة، ويرجع ذلك إلى أنها لم تلق الاهتمام بالدراسة بنفس القدر التي درست به فترات النمو السابقة عليها. بالإضافة إلى أن مجالات حياة الأفراد عادة ما تتنوع وتتباين بصورة كبيرة أثناء مرحلة الرشد، فقد نجد بعض الشباب ممن ناهز عمر العشرين ما يزال مشغولا بدراسته الجامعية، وقد يدخل البعض الآخر سوق العمل فور تخرجهم من المدارس الثانوية أو الفنية، وقد نجد البعض قد استقل عن أسرته وكون أسرة خاصة به، كما نجد في الريف على سبيل المثال، ولذلك فإن مرحلة الرشد عادة ما يتم تعريفها في ضوء المهام والمسئوليات التي تنجز خلالها، بالإضافة إلى الأدوار التي تؤدي، أكثر من تعريفها وتحديدها بناء على العمر الزمني وحده. وعموما فمرحلة الرشد تتمثل في تلك المرحلة من الحياة التي يبدأ الأفراد خلالها تكوين التزامات وتعهدات جادة، كما نجد الزواج يحدث أثنائها، حيث يبدأ الشباب تكوين أسر خاصة بهم ويأخذون مواقعهم ومراكزهم في دنيا العمل, وفي بداية هذه المرحلة، نجد الأفراد يقومون بتحديد علاقاتهم بمجتمعهم والأفراد من حولهم وذلك بواسطة الحب والعمل وكذلك اللعب, وتختلف عدد السنوات التي يقضيها الأفراد في تحقيق هذه المهام, جملة القول: إن الحد الفاصل بين مرحلة المراهقة ومرحلة الرشد غير قاطع أو واضح بصورة كاملة، ومع ذلك يمكننا ملاحظة بعض من التغيرات النمائية التي تحدث في هذه المرحلة من حياة الإنسان ويمكن إيجازها فيما يلي: النمو الجسمي: عادة ما يميل علماء النفس إلى وصف وتعريف مرحلة الرشد عن طريق النمو النفسي والاجتماعي الذي يحدث أثناء هذه المرحلة، كدخول الجامعة، أو دخول مجال العمل، أو الزواج، ومع ذلك فإننا نلاحظ أن هذه المرحلة تتميز أيضا بوجود بعض الخصائص الجسمية التي يمكن تمييزها، ففي أثناء مرحلة الرشد, أي ما بين العشرينات وأوائل

стр. 628

الثلاثينات, يصل الفرد إلى ذروة نضجه البيولوجي والفسيولوجي، حيث نجد بالنسبة لمعظم الأفراد أن السرعة والتناسق والقوة والتحمل الجسمي عادة ما تكون بصورة أكبر عما كانت عليه في المراحل السابقة، أو ستكون عليه في المراحل اللاحقة، فالأبطال الأوليمبيين عادة ما يقعون في هذه المرحلة العمرية، وتشير نتائج دراسة سيرز وفيلدمان Sears & Feldman؛ "١٩٦٤" على سبيل المثال إلى أن أولئك الأفراد الذين يتنافسون في مسابقات العدو لمسافات طويلة أو قصيرة ومسابقات القفز والحواجز وجميع الألعاب الرياضية التي تتطلب درجة عالية من الرشاقة والسرعة والاتساق الحركي كانوا جميعا فيما بين الثامنة عشر والثلاثين من عمرهم, كما نجد المهن والأعمال التي تعتمد بصورة أساسية على المهارات الجسمية عادة ما يصل الأفراد إلى ذروة إنتاجيتهم خلال هذه المرحلة من حياتهم فمثلا عامل البناء والتشييد أو جنود المشاة أو العمال في مجال الصناعة يصل كل منهم إلى أوج قوته وإنتاجيته في الفترة ما بين العشرين والخمسة والعشرين حتى يضل إلى الأربعين من عمره, ويصدق ذلك على موديلات الموضة، فعادة ما نجد الأفراد أثناء مرحلة الرشد خاصة النساء أكثر جاذبية إذا قورن بأي عمر زمني آخر. وعادة ما تكون القدرة على الإنجاب خاصة بالنسبة للإناث في ذروتها أثناء مرحلة الرشد فمن الناحية البيولوجية نجد أن أفضل عمر زمني لحدوث الحمل لأول مرة عادة ما يكون بعد سن العشرين, وعلى الرغم من أن كثيرا من النساء يحملن بصورة مريحة في أواخر سن الثلاثين وأوائل الأربعين، إلا أن معدل الخصوبة يبدأ في النقصان بعد سن الثلاثين من حياة المرأة، بالإضافة إلى أن الولادة قد تكون أكثر صعوبة، كما توجد احتمالية أكبر لحدوث تشوهات في الجنين. النمو المعرفي: لقد كان يعتقد -حتى وقت قريب- أن قمة نضج المهارات الجسمية والمهارات العقلية التي تحدث في بداية فترة مرحلة الرشد، تبدأ في النقصان أثناء فترة منتصف العمر، فتعريف الذكاء المبني على الأساس البيولوجي والذي يشتمل على ثمة عناصر كزمن الاستجابة، والقدرات المتضمنة في إدراك العلاقات المركبة، قد تصل إلى ذروتها حقا في أوائل مرحلة الرشد، ومع ذلك فإننا نجد نتائج الدراسات في هذا الميدان ما زالت موضع جدل وعدم اتفاق كبير، فكما نعرف أن الأداء المرتفع خاصة في

стр. 629

اختبارات الذكاء قد يكون نتيجة طريقة المقطع العرضي Cross- Sectional Method التي تتبع في دراسة هذا المجال. ولقد قام بياجيه بتحديد بعض أنواع النمو التي تحدث أثناء فترة الرشد المبكر وكما نعرف أن مراحل بياجيه في النمو المعرفي تنتهي بمرحلة العمليات الصورية "تلك الفترة التي تتميز بالقدرة على تقديم التعليلات الافتراضية والتفكير التجريدي", حيث يشير أن هذه المرحلة يتم التوصل إليها فيما بين سن الثانية عشر والخامسة عشر إلا أن دراسات بياجيه اللاحقة "١٩٧٢" أشار فيها إلى أن مرحلة العمليات الصورية قد لا تنمو حتى وقت متأخر في فترة المراهقة، كما قد يتم التعبير عنها في حدود ضيقة عند الشاب البالغ، على نقيض ما كان بياجيه يفترضه في دراساته السابقة، فعلى سبيل المثال قد يبدي راشد قدرة على التفكير التجريدي والافتراضي في مجال تخصصه وليس في مجالات أخرى، كما قد نجد الميكانيكي الذي يعمل في إصلاح السيارات، أو طالب القانون قد يظهر كل منهما درجة عالية من التفكير التجريدي كلما قام بإصلاح سيارة ما أو صياغة مذكرة بأهم وقائع الدعوى ونقاطها القانونية، إلا أننا قد نجد كلا منهما يعجز في تطبيق تلك المهارات المنطقية على بعض المشكلات في موقف تجريبي معين، أو موقف غير مرتبط بمجال تخصصه وبالتالي فليس كل فرد يمكنه استخدام البناء أو التركيب الصوري في التعميم من ميدان إلى آخر. جملة القول فإننا نجد في مرحلة الرشد عادة ما ينمي الأفراد ميولا وارتباطات مهنية معينة، كما أن البناءات المعرفية المختلفة قد تؤثر في تنظيم ميادين مختلفة من النشاطات وعموما فإن البناءات المعرفية غالبا ما تكون شائعة، وفي متناول جميع الأفراد في هذه المرحلة، إلا أنها تطبق بصورة متباينة بواسطة أولئك الذين يعملون في ميادين مختلفة. ويكتسب معظم المراهقين القدرة على تجريد المعلومات وتكوين مفاهيم عنها، ويتضح ذلك في تحويل مسألة لفظية إلى معادلة رياضية والقدرات الرئيسية الأربعة لهذه المرحلة والتي تكون أكثر نضجا في مرحلة الرشد المبكر هي:

стр. 630

١- القدرة على إدراك تفسيرات عديدة لنفس الظاهرة أو حلولا عديدة لمشكلة واحدة. ٢- القدرة على التعامل مع احتمالات تناقض الواقع والمواقف المتصورة. ٣- القدرة على التعامل بالرموز والمفاهيم المجردة كما في الرياضيات. ٤- القدرة على استخدام الاستعارة ورموز الرموز. مرحلة تماسك واستقرار العمليات الصورية "مرحلة الشباب والرشد المبكر": يصبح الأفراد الذين بلغوا مستوى العمليات الصورية أكثر ألفة وتعودا على العمل وفقا لهذا المستوى لا سيما في المجالات المتصلة بتخصصاتهم العلمية أو المهنية. النمو الخلقي: يهتم كثير من الشباب -بصورة مباشرة- بجانب آخر من جوانب النمو، وثيق الصلة بالجانب المعرفي، ألا وهو النمو الخلقي أو القيم. ويجب أن تتوفر للفرد قدرة منطقية معينة قبل أن يتمكن من التفكير عند مستوى خلقي معين، فعلى سبيل المثال يجب أن يصل الفرد إلى مستوى العمليات الصورية في النمو المعرفي قبل أن يتمكن من التحليل المبني على بعض المبادئ المعينة، غير أن المستويات الأعلى للنمو الخلقي تبدو في حاجة لأكثر من مجرد النمو المعرفي، حيث تتطلب أنواعا معينة من الخبرات الشخصية, فمثلا فإن الانتقال إلى البيئة الجامعية قد يعرض الشاب لقيم متصارعة ولخيارات عاطفية ولإدراك جديد للذات, وفي بعض الأحيان نجد الطلاب الجامعيين يتفاعلون بنوع مما يسمى النسبية التشككية Skeptical Relativism وتتمثل في الحالة التي يكون فيها كل ما هو صادق وصحيح، يعتبر بمثابة مسألة نسبية فقط، وبالتالي يعتمد على الشخص ذاته وحاجاته وظروفه وهكذا، ويعكس هذا الموقف وعي الطالب وإدراكه الجديد للتنوع والتباين في القيم والأفراد، وكلما حاول الطالب تقرير هويته فإنه بالتالي يحقق مستوى أعلى من الأحكام الخلقية، وقد يبدأ الفرد حينئذ في التحرك نحو مرحلة توجيه العقد الاجتماعي، ومن المحتمل نحو التوجه العالمي الخلقي المبني على مبادئ معينة وذلك تبعا للمرحلة الخامسة والسادسة لنمو التفكير الخلقي عند كوهلبرج. وتشير دراسات كولبرج وكرامر Kohlberg & Kramer؛ "١٩٦٩" إلى أن النمو الخلقي عند مستوى ما بعد العرف والتقاليد Postconventional

стр. 631

Level يصل إليه ٢٢% فقط من الأحكام الخلفية التي يصدرها المراهقون في سن السادسة عشر، وتشير الدراسات التالية أن الخبرة الجامعية تعتبر حاسمة ومهمة لهذه المراحل من النمو الخلقي، فمثلا في إحدى الدراسات لم يصل أحد من الحالات الذين التحقوا بمهن الراشدين "بعد أن تجاوزوا مرحلة الشباب" إلى المرحلة الأعلى للمستوى الأخلاقي عند كولبرج، وتفترض دراسات أخرى أن الإنجاز والنضج الأكاديمي لا يعتبر عاملا حاسما، حيث إن الخبرات التي تعج بها حياة الراشدين تساعد الشخص الذي لم يلتحق بالجامعة على اللحاق بأقرانه الذين حظوا على قسط أكبر من التعليم Paplaiial & Bielby؛ "١٩٧٤". ويشير كولبرج أن أخلاقيات ما بعد العرف والتقاليد Postconventional Morality عادة ما تظهر أثناء فترة المراهقة، إلا أن المرحلة الخامسة والسادسة لا تظهر إلا في مرحلة الرشد الأولى حيث يكون الأفراد قد حققوا قدرا من الحرية في تحديد اختياراتهم، بمعنى أنه بينما ينمو الوعي المعرفي بالمبادئ في مرحلة المراهقة، فإن الالتزام والتعهد باستخدامها أخلاقيا عادة ما ينمو فقط في مرحلة الرشد، وذلك لأننا أثناء هذه الفترة عادة ما نجد الشباب يتميزون بأداء التزامات وتعهدات جادة نحو أنفسهم ونحو الآخرين ونحو المثل والأيديولوجيات. الشباب: مرحلة اختيارية كثيرا ما نتذكر ثمة حقيقة, عندما نبدأ في مناقشة المهام النفسية والاجتماعية لمرحلة الرشد أن الأفراد يقومون بهذه المهام على أساس جداول وفترات زمنية متباينة، فقد نجد شابة متزوجة ولها طفل في عامها التاسع عشر ولها وظيفة خارج منزلها، فهي حقيقة تقوم ببعض مهام ومسئوليات مرحلة الرشد، ولكن ماذا عن شاب في حالة نشاط معلق يقع ما بين العشرين والثلاثين من عمره؟ وكيف نصنف طالبا في الخامسة والعشرين من عمره والذي يعتمد في إنفاقه على والديه. لقد أشار كينستون Keniston؛ "١٩٧٠" إلى مفهوم مرحلة الشباب لتتناول فترة الحياة التي تقع بعد مرحلة المراهقة وتسبق مرحلة الرشد، فهؤلاء الشباب الذين استغرقوا وقتا طويلا في الاستقرار، يشار إلى أنهم دخلوا فترة نمائية اختيارية تسمى بالشباب، وتمتد هذه الفترة من الوقت الذي يعتبر فيه الفرد من حيث خصائصه الثانوية راشدا وعادة ما تكون

стр. 632

في سن ١٨" إلى الوقت الذي يتولى فعلا فيه القيام بأعمال الراشدين الكبار وأدوار الأسرة، فعلى سبيل المثال يعتبر الفرد راشدا بصورة قانونية، عندما يصل إلى سن يسمح له بالتصويت في الانتخابات، وقيادة السيارة والالتحاق بالقوات المسلحة، إلا أنه قد يعتبر نفسه قد نضج بصورة كافية تمكنه من أن يعول نفسه لعدة سنوات لاحقة. وتاريخيا فإن فترة الشباب -مثلها مثل فترة المراهقة- تعتبر فترة جديدة نسبيا من الحياة حيث ظهرت كرد فعل للمعدلات المتزايدة للتغير التكنولوجي والذي يبدو أنه يتطلب إعدادا مستمرا من جانب العلماء والتربويين والمهنيين، فلم يبدو من قبل أنه من الصعب لغير المتخصص أن يدخل في عالم العمل -كما نجد هذا في الوقت الحاضر- والنتيجة لكثير من الشباب تمثلت في فترة تعليق أو توقيت للنشاط أثناء سنوات الدراسة الثانوية والجامعية، وكثيرا ما تشتمل على السفر والدراسة الذاتية وأنماط أخرى من السلوك الاستكشافي، وخلال السبعينات أصبح من النادر للفرد أن ينتقل بشكل مباشر من فترة المراهقة إلى فترة الرشد. وأثناء مرحلة الشباب يبدأ الفرد بتعزيز هويته لا سيما إذا كان بصدد دخول الجامعة فإنه يميل إلى أن يحدد هويته، ويتم إعادة تأمل كثير من قيمة وصورة ذاته نتيجة للتحديات التي يواجهها أثناء عامه الأول في الجامعة، ويخبر صورة جديدة من أزمة الهوية، فبينما وجدنا المراهق يتساءل من أنا؟ يميل الشاب الراشد للتساؤل إلى أين أنا ذاهب؟ ومع من؟ وعموما فإن فترة الشباب والرشد المبكر تعتبر فترة يحسم فيها الفرد ثمة تساؤل مؤداه كيف يرتبط بالمجتمع؟ حيث يبدأ في تكوين نمط حياته، وغالبا ما تكون في صورة قرارات ثابتة يصعب تعديلها. ويميل الشاب في هذه المرحلة إلى رفض الأفكار التقليدية الثابتة المرتبطة بالاستقرار فقد يقرر شخص -بناء على تحليلاته الذاتية- أن نظام العمل الذي يستمر من التاسعة إلى الثانية أو الثالثة يعتبر غير مناسب له، وأن الحياة الريفية أو المشروعات الخاصة ذات فائدة وقيمة بالنسبة له، وعادة ما يكون هناك وعي ودراية مفاجئة بنوع من التناسق بين الذات والنظام الثابت, وثمة حاجة جديدة تظهر لدى معظم الشباب وهي تكوين العلاقات الودية الحميمة خارج نطاق الأسرة، وربما خارج نطاق الصور التقليدية, وأخيرا ثمة حاجة أخرى تنشأ لدى الشاب في تكوين تعهدات

стр. 633

والتزامات نحو الأيديولوجية الأخلاقية أو السياسية أو الدينية بناء على خبراته الذاتية وليس بناء على خبرات والديه. الهوية والألفة: تعتبر الألفة الجسمية والانفعالية منذ بداية حياة الإنسان عملية هامة وحاسمة في النمو، فالطفل الرضيع وأمه والطفل ووالديه، والمراهق وصديقه المقرب إليه جميعها تمثل نماذج لعلاقات الألفة والمودة التي تحدث في سياق النمو الإنساني، بيد أننا نجد أثناء فترة الرشد يمكن أن توجد نوعا من الألفة والمودة تتمثل في الألفة التي تختار بحرية بواسطة فردين متساويين يخبرا سويا ما يسمى بأزمة المراهقة، ويعرفان من هما بصورة أساسية. ولقد أشار إريكسون إلى أن قدرة الفرد على أن يصبح صديقا حميما مع الآخرين تكمن في قدرته على حل أزمة الهوية في تلك المرحلة, كما أن الباحثين الذين جاءوا بعد ذلك والذين أرادوا قياس هوية الأنا Ego Identity ومتغيرات الألفة قد أقاموا الدليل والحجة على ما أشار إليه إريكسون فعندما ينجح الفرد في تحقيق هويته المستقلة، حينئذ يمكنه أن يشعر بالأمن عند ذوبان هذه الهوية، مع هوية شخص آخر، يصدق هذا لاسيما على الألفة والمودة الجنسية بالزواج. الألفة الجنسية: أثناء فترة المراهقة -قبل حل أزمة الهوية- كثيرا ما نجد الفرد يبحث عن ثمة محاولات للإحساس بالألفة الجنسية "حيث يتم العطاء بشيء ما أو يحدث الاطمئنان لشخص معين"، إلا أننا نجد أن كلا من الشريكين يخشى من فقدان ذاته، ويحدث ذلك لأنهما حقيقة لا يملكان ذواتهما حتى يبدأ أي منهما في العطاء, وعلى نقيض ذلك تتسم الألفة في مرحلة الرشد بما يسمى بالتبادلية، حيث نجد الفرد يهتم بشريكه الآخر بنفس قدر اهتمامه بنفسه، ويكون نتيجة ذلك الإحساس بالتبادلية، وتتمثل في الرغبة لبذل التضحيات والوصول إلى الحلول الوسطى كما تتضمن القيام بالوظيفة الجنسية بصورة ناضجة، ونعني بطبيعة الحال تبادل ذروة اللذة، أو القدرة على بلوغها، وكما يعرفها إريكسون بأنها إشباع ينتج عن بلوغ ذروة الفائدة، الخبرة المتسامية التي تدل على انسجام شخصين بصورة تقتلع معها كل أنواع العداوة والبغضاء التي قد تنشأ عن

стр. 634

التناقض بين الذكر والأثنى، التناقص بين الحقيقة والخيال والتناقض بين الحب والكراهية، وأخيرا فإن الحب الجنسي Gential love، كما يعرفه إريكسون يتضمن اختيار الشريك الذي يرغب معه الفرد في تنظيم دورات النسل والإنجاب والاستجمام والعمل وبمعنى آخر فإن الحب الجنسي كما يراه إريكسون يؤثر على مكونات الحياة بأكملها في فترة الرشد وما يليها من فترات حياتية. ولقد كان طبيعيا أن يهتم الباحثون بتحديد الوقت الذي يحقق فيه الشباب الألفة الجنسية، والعوامل المؤثرة على نتائجها، وأشارت معظم الدراسات النفسية التي أجريت خلال السبعينات أن إمكانية تحقيق الألفة تحدث بالنسبة لمعظم الأفراد أثناء فترة الشباب أكثر مما يحدث ذلك أثناء فترة المراهقة، فعلى الرغم من أن بعض الدراسات أشارت إلى أن الألفة الجنسية تحدث لبعض المراهقين، إلا أن مرحلة الشباب أو الرشد، يحدث خلالها انتقال وتغير جوهري في الألفة والخيال الجنسي لكي تصبح علاقات جنسية منتظمة مع شريك أو شريكة أخرى, وأثناء هذه الفترة أيضا تميل التوترات النفسية القديمة المرتبطة بعقدة أو أديب Oedipal Tentions إلى التوقف، فعلى سبيل المثال قد نجد الفتاة تتوقف عن ميلها الرافض قليلا لوالدها، حيث لم تعد تشعر بالدونية الجنسية أمام أمها وهكذا. إن الشاب الراشد بعد أن يختار أزمة الهوية، فإنه يحاول صهر ذاته مع هوية شخص آخر في بوتقة واحدة، حيث ينمي ارتباطات أخلاقية في تنفيذ التزاماته وتعهداته نحو أصدقائه وزملائه من الجنس الآخر، وبالتالي ينمو في هذه المرحلة لديه إحساس التبادلية مع شريكه من الجنس الآخر فلو عمل الشخص على تجنب وتحاشي علاقات الألفة أو المودة خشية أنها سوف تهدد هويته الآخذة في النمو، حينئذ تكون النتيجة حدوث العزلة والانطواء والاستغراق في الذات، وهي المرحلة الخامسة التي أشار إليها أريكسون في نظريته النمو النفسي الاجتماعي، حيث يشعر الراشد في بداية مرحلة الرشد بأحاسيس معينة، أطلق عليها إريكسون إحساس الألفة مقابل إحساس العزلة Intimacy Versus Isolation.

стр. 635

الإنتاجية مقابل الركود Generativity Versus Stagnation "منتصف مرحلة الرشد". يبدأ الشاب الراشد في أن يخبر أزمة الانتاجية في القرارات والمشاعر المرتبطة بالوالدية. تكامل الأنا مقابل اليأس أو القنوط Ego Integrity Versus Despar "الشيخوخة". وتشير الدراسات النفسية أن أزمات الهوية والقوة الناتجة عنها تؤثر على نوعية المودة أو الألفة الجنسية ففي إحدى الدراسات التي قام بها Orlofsky & Others؛ "١٩٧٣" أشاروا إلى أن طلاب الجامعة الذين حصلوا على درجات عالية في مقياس هوية الأنا قد سجلوا درجات عالية كذلك في مشاعر الألفة والمودة مع الجنس الآخر، حيث كانوا قادرين على مشاركة أقرانهم من الجنس الآخر في نواحي القلق والتعبير عن الغضب بالإضافة إلى المشاعر العاطفية تجاه بعضهم البعض كما أن الطلاب الذين حصلوا على درجات منخفضة في مقاييس الهوية، فقد أشاروا إلى أنهم قد حاولوا تكوين بدائل لعلاقات الألفة أو المودة بعلاقات مقولبة أو بعلاقات غير شرعية كاذبة زائفة، وعموما فإن الفرد الذي يتورط في تلك العلاقات عادة ما يكون غير ناضج أو بمعنى آخر يكون مقيدا بفهمه لأدوار الجنس. ونقيض الألفة عند إريكسون هو العزلة والانطواء حيث نجد بعض الشباب يتجنبون تكوين علاقات المودة أو الصداقة الحميمة والاتصال مع الناس, وقد يكون ذلك في بعض الحالات مؤشرات من مؤشرات الاضطراب الانفعالي فمثلا قد تكون امرأة ما قد تعرضت لصدمة نفسيه من جراء هجر أحد والديها لها لدرجة تجعلها غير قادرة على تكوين علاقات تتسم بالفاعلية مع الأشخاص الآخرين، وفي حالات أخرى قد يكون الشخص في حالة توقف أو تعليق للنشاط Moratorium State فالمشكلات التي ترتبط بعمليات التحرر من سلطة الوالدين أو اختيار المهنة، قد تجعل الفتاة أقل عرضة في التورط في تلك الأحاسيس، وجدير بالذكر فإن الإحساس الأكثر شيوعا من العزلة يومئ إلى أن الشخص الذي لا يمكنه تحقيق الألفة أو المودة في هذه الفترة من الحياة، عادة ما يتزايد اتجاهه في الابتعاد عن مواجهة تحديات الحب وبالتالي يصبح منهمكا ومستغرقا في ذاته.
следующие страницы →