Полный текст (737 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
في الحياة، كما أننا لا نجد واحدا منهم يستطيع أن يكون إيجابيا في تكوين حياة خاصة به.
وعموما فإن هذه التباينات في تكوين الهوية قد تظهر بين كثير من المراهقين في عصرنا الحديث، والرأي العام الشائع يشير إلى أن فترة الخلط والتشوش الحادة في التعرف على الهوية تتميز باضطرابات وتغييرات انفعالية مفاجئة، وهذا ما يميز هذه الفترة العصبية أو الحادة لتشوش الهوية وبالتالي تعوق التعرف على الذات, وجدير بالذكر فإن الدلائل المادية ونتائج الدراسات تشير إلى أننا نميل إلى المبالغة في ترديد مدى خطورة أزمة الهوية بين الشباب.
علاقات الوالد بالمراهق وتكوين الهوية:
إن بناء مفهوم ثابت للهوية قد يصبح ميسورا وسهلا بواسطة عدد من العوامل أو العناصر، إن العلاقة المكافئة بين الطفل أو المراهق وكل من الأبوين، فالأب من نفس الجنس الذي يقدم نموذجا شخصيا واجتماعيا مؤثرا, والذي يجده الطفل أو المراهق مكافئ للهوية، والأب من الجنس المخالف الذي يكون مؤثرا ويظهر تأييده للنموذج المقدم عن طريق الأب من نفس الجنس، فإن الشاب أو المراهق الذي ينشأ في مثل هذه البيئة عادة ما يكون لديه إدراك إيجابي ومحدد لذاته، ويكون أقل ميلا في أن يواجه صراعات في إدراك ذاته والمتطلبات الداخلية للاقتراب من النضج الجنسي والمتطلبات الخارجية للمجتمع.
وتشير الدراسات النفسية أن المراهقين الذين أعطوهم آباؤهم الرعاية الكافية، يدركون أنفسهم بأن لديهم أدوارا متسقة بصورة كبيرة إذا ما قورنوا بهؤلاء المراهقين الذين لم يعطوا الرعاية الكافية من قبل والديهم, حيث يرون أنفسهم كأنهم يستجيبون بطرق متشابهة مع والديهم وأصدقائهم ومعارفهم, كما أن شعور المراهق بهوية الأنا قد يكون قويا عندما يكون سلوك كل من الوالدين تجاهه متسقا، وعندما ينظر إلى الأب على أنه قوي ولكن يتسم بالود والمحبة، ويمارس ضبطا معتدلا، وعندما تدعم الأم عملية تقمص الابن لأبيه، كما أن تجنب الأم أن تكون من النوع المتطفل أو الملح في طلب الأشياء يدعم هذه العملية عند الأبناء، وقد أشارت الدراسات كذلك أن مركز هوية الأنا، والتغيرات في المكانة أو المركز تتغير وتتنوع بالصورة التي يتم فيها الاستقلال عن الأسرة، وكذلك درجة تركيب وتعقيد المستوى الثقافي والاجتماعي العام.
стр. 562
نموذج الجنس والهوية الجنسية:
إن السلوك الملائم للذكور والإناث لا يحتاج إلى التطابق الصارم لمقولبات وأدوار الجنس التقليدية التي لا تتغير، كما أن الهوية الجنسية لفرد ما والتي تمثل في التقبل الانفعالي لطبيعة الفرد البيولوجية كذكر أو أنثى تبدأ في فترة مبكرة من الحياة، وتعتبر مكونا هاما في إدراك الفرد لهويته الشخصية, وتناقضات الهوية الجنسية قد تخلق مشاكل جوهرية في نمو معنى محدد ومكافئ لهوية الأنا, ويجب أن نميز في هذا المقام بين الهوية الجنسية والتوجه الجنسي، فالأشخاص ذوو الجنسية المثلية سواء من الذكور أو الإناث ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ينتمون إلى نفس جنسهم البيولوجي، على الرغم من أن انجذابهم الجنسي موجه إلى حد كبير إلى أفراد من نفس جنسهم "وهذا بالطبع ليس هو الشأن مع هؤلاء الأفراد الذين يريدون التحويل الجنسي الحقيقي، حيث ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أعضاء من الجنس المناقض لجنسهم، إلا أنهم لسوء حظهم صبوا في قالب جسمي غير مناسب لهم.
وعموما، فإن الهوية الجنسية الموجبة -كالهوية الكلية- تدعم عن طريق تقديم نموذج للتقمص من الأب من نفس الجنس، ويدعم هذا التقمص من الأب من الجنس الآخر، إلا أننا يجب أن نؤكد هنا أن التطابق مع الأب من نفس الجنس، ونموذج دور جنس هذا الأب لا يعني بالضرورة تبني أدوار جنسية تقليدية ثابتة، والنمو النسبي لصراع الهوية الجنسية الحر "كما ميزت عن الأدوار الجنسية التقليدية"، فإن الأشكال الخارجية التي يتخذها سلوك الدور أقل أهمية إذا ما قورنت بنوع التقمص الأبوي الذي يبنى على أساسه، وعلاوة على ذلك فإن سلوك الدور يمكن أن يتنوع بصورة كبيرة طالما كان مشتقا من الطبيعة البيولوجية كذكر أو أنثى، فالمراهقة التي تتطابق مع أم تقليدية، والفتاة التي تتطابق مع أم تتسم بالتوكيدية لذاتها والعقلانية بدرجة كبيرة قد يحققان صراعا حرا "أي صراعا سويا" Free Conflict نسبيا في عملية التوافق وإحساسا قويا بهوية الأنا، ومن ناحية أخرى فإن الفتاة التي تبني دور سلوكها الجنسي على أم نابذة رافضة لهويتها البيولوجية الحقيقية "مثلا ترفض طبيعتها الجنسية، أو قدرتها على حمل الأطفال، أو التي تتسم بالعدوانية لأعضاء جنسها أو الجنس المخالف لها" قد تجد صعوبة في بناء مفهوم ثابت وآمن لهوية الأنا.
وتشير نتائج الدراسات في هذا المجال إلى الأهمية الأولية للنمو داخل
стр. 563
أسرة متفاعلة حانية وحسنة التكيف النفسي، حيث يقدم كل من الأبوين نماذج لمستويات القيم الأساسية، حيث يقدم الأب من نفس الجنس شكلا مكافئا للتطابق, ففي هذا الجو -حتى وإن كانت أدوار الجنس الأبوية تقليدية إلى حد ما- نجد الأطفال والمراهقين لا ينمون أنماطا واتجاهات لأدوار الجنس مبالغ فيها أو نكوصية، ولا ينمون نقائض لدور الجنس، مجسما للأشكال الأكثر سلبية وغير المناسبة للنماذج التقليدية من الجنس الآخر, وعموما فإن هذا الجو العائلي الصحي، عادة ما نجد الذكور والإناث لأبوين يتسمان بالمرونة، والنمطية أو الصرامة الأقل لأدوار جنسهم, يتسمون بالأمن وأقل اضطرابا في نمو هويتهم الشخصية.
جملة القول فإننا يجب أن ننمي لدى المراهق الميل للتوكيدية والاعتماد على نفسه والاعتداد بذاته ويجب أن يكون المراهق قادرا على أن يرتبط بأناس آخرين، وأن يكون حساسا لحاجاتهم وأن يكون مهتما بمساعدتهم بالإضافة إلى تقبل المراهق للمساندة العاطفية، وبالتالي فإن الهدف النهائي لأي عملية تنشئة أسرية يجب أن تسمح للمراهق أن ينمي ذاته ويحققها وبالتالي ينمي مواهبه كإنسان وذلك بالاتساق مع حقوق الآخرين.
نمو الأخلاق والقيم:
فترة المراهقة -أكثر من أي فترة أخرى في حياة الإنسان- تركز الاهتمام على الأخلاق والقيم والمعايير، كما أن قدرات المراهقين على التأمل والتفكير تدعم الوعي الكبير بالأسئلة والاستفسارات المرتبطة بالقيم والأخلاق, ومن جانب آخر فإن المطالب التي تلقي عن طريق المجتمع على كاهل المراهق متغيرة بمعدل كبير، وهذا في حد ذاته يتطلب منه إعادة تقييم مستمر للقيم والمعتقدات الأخلاقية خاصة في عصرنا الحديث في مجتمع مليء بالضغوط المتصارعة المتناقضة، وقيم كقيمنا, وتحت هذه الظروف، فإن مشكلة تنمية شعور محدد قوي بالهوية لا يمكن فصله عن مشكلة القيم، فإذا أردنا للمراهقين أن يحققوا بعضا من الثبات في تصورهم لذواتهم، وأن يتحلوا بالموجهات الداخلية للأفعال وسط عالم متغير، يجب بالتالي أن يكونوا مخلصين لبعض القيم الأساسية، على الرغم من أنهم قد يضطرون لاعتناق طريق جديدة لتحقيق هذه القيم لكي تواجه الأوضاع المتغيرة.
стр. 564
وكما أشار إريسكون Erikson، أنه بدون تنمية القدرة على الإخلاص، فإن الفرد إما أن يكون لديه، "أنا ضعيفة Weak Ego وإما أن يرتبط في أحضان مجموعة منحرفة معلنا إخلاصه وولائه لها.
النضج المعرفي والنمو الخلقي:
يصبح التفكير الأخلاقي التقليدي بارزا في فترة المراهقة، وذلك كلما اقترب من مرحلة العمليات الصورية، ويعني ذلك التوجه إلى خصائص المراهق الطيب، ويدرك المراهق أن السلوك القويم "الحسن" هو الذي يرضي الآخرين ويدعم بواسطتهم، وبالتالي نجده يسعى لكي يكون لطيفا مهذبا مع الآخرين حتى يحظى بالتقبل منهم، وقد يتسع هذا الاتجاه ليشتمل التكيف نحو السلطة والمبادئ الثابتة، وتدعيم النظام الاجتماعي، فالسلوك القويم يتكون من عمل الواجب، وإظهار الاحترام للسلطة، والحفاظ على النظام الاجتماعي لذاته، وبالتالي فإن اهتمام المراهق في هذه المرحلة لا يكون منصبا على كيفية الاتساق والتوافق مع النظام الاجتماعي, ولكن أيضا يتسع إلى كيفية الحافظ وتدعيم وتبرير قيام هذا النظام، وعموما فإننا نجد مع بداية مرحلة المراهقة، ونمو التفكير الإجرائي الصوري يميل المراهق إلى الوصول إلى مراحل ما بعد المرحلة التقليدية للنمو الخلقي، والتي تتسم بدفعة قوية نحو المبادئ الأخلاقية المجردة التي يمكن أن تطبق في كل زمان وكل مكان، وليست مقصورة على مجموعة اجتماعية معينة.
وقد يكون المراهق -عند هذه النقطة- غير قادر على تبني وجهات النظر بدون توجيه استفسارات عن المعتقدات الاجتماعية أو السياسية لوالديه، مع الاعتقاد بالتفرد لشعوره بأن أبوابه لديهما معتقدات خاصة ويعتقد المراهقون بأن كل الأشخاص الذين يفكرون بطريقة صحيحة يجب عليهم بالضرورة أن يشاركوهم معتقداتهم أي معتقدات آبائهم، كما أنهم "المراهقون" يفكرون في السلوك الأخلاقي في ارتباطه بالحقوق العامة والمعايير التي اتفق عليها ورسخت في المجتمع, وينشأ عند المراهق أيضا مبدأ جديد هو نسبية القيم والآراء الشخصية والتأكيد المتسق على القواعد الإجرائية للتوصل إلى الاتفاق الجمعي في الرأي.
وكلما تقدم المراهق في مدارج النمو، كلما ازداد توجهه نحو الاهتمامات الداخلية وازداد بالتالي ضمير الفرد، فقد يصبح أقل توجها نحو الآخرين، وأكثر توجها نحو الداخل، إلا أنه ما يزال مفتقدا للمبادئ.
стр. 565
العقلية أو العامة الواضحة, وبينما نجد العديد من المراهقين لا يتعدون نطاق هذه المرحلة إلا أن البعض قد يستمر في التقدم لتحقيق ما رآه كولبرج Kohloberg على أنه أعلى مرحلة للتفكير الأخلاقي، والتي نجد فيها الفرد يبذل جهدا لصياغة مبادئ أخلاقية مجردة تحتكم إلى القدرة المنطقية على الفهم والعمومية والاتساقية، فعلى سبيل المثال فقد يكون الاعتقاد في قدسية الحياة الإنسانية مبني على أساس أنها تمثل قيمة عامة لاحترام ذاتية الفرد، فإن مثل هذه المبادئ لا تبنى فقط على الاستحسان أو التصديق الاجتماعي ولكنها بالأحرى لا تبنى فقط على الاستحسان أو التصديق الاجتماعي ولكنها بالأحرى تعتمد على مدى اتساقية المعايير الخلقية الداخلية، والفرد ذو المبادئ يتطابق مع هذه المبادئ حتى يتجنب إدانة أو تجريم ذاته, فعندما نسأل المراهق، عما إذا كان يحق للزوج سرقة الدواء غالي الثمن ويباع في السوق السوداء من تاجر الأدوية المستغل، وذلك لكي ينفذ حياة زوجته, فقد يجيب المراهق ذو ستة عشر ربيع أن الزوج طبقا للقانون الوضعي قد فعل شيئا خاطئا ولكن طبقا لقانون الطبيعة أو القانون الديني فإن تاجر الأدوية خاطئ، والزوج معذور بما أقدم عليه، والحياة الإنسانية أسمى من الكسب المادي، فبغض النظر عن الإنسان الذي يشرف على الموت، وإن كان غريبا فإن واجب الإنسان أن ينقذه من الموت, وعموما فلقد أظهر الشباب فوق السادسة عشر تفكيرا واضحا يلتزم بالمبادئ الأخلاقية، وكانوا قادرين على التفكير الصوري، فالوصول إلى مرحلة ملائمة من القدرة على التفكير والتأمل تكون ضرورية، إلا أنها ليست شرطا كافيا للوصول إلى المرحلة الخلقية المثالية أو المتطابقة.
لقد كان تأكيدنا الرئيسي -حتى هذه المرحلة- على العوامل التي تجعل المراهق أكثر حساسية في تساؤلاته المرتبطة بالقيم الأخلاقية والتي تؤثر في صقله، وبالتالي يصبح قادرا على تصور وتفهم المشاكل الأخلاقية، إلا أنه يوجد جانب آخر لهذا النمو الواسع لموضوع القيم يتركز في الكيفية والطريقة التي ينعكس فيها التفهم المعرفي على السلوك، فالشخص قد يكون في استطاعته تصور وتفهم الموضوعات الأخلاقية المعقدة والمركبة، وأن يكون لديه المنهج أو الطريقة الأخلاقية الصحيحة التي سوف يسلك تبعا لها، ولكنه قد لا يستطيع أن يسلك بطريقة متسقة متناغمة مع هذا المنهج أو الطريقة، ففي إحدى الدراسات وجه سؤالا لبعض الأطفال والمراهقين مؤداه لماذا يجب على الناس اتباع القواعد؟ وبعد ذلك وجه إليهم سؤال، لماذا تتبع أنت المبادئ؟ ففي الإجابة على
стр. 566
السؤال الأخير أظهر معظم الأطفال والمراهقين تباينات في الإجابة على السؤال الأول عن السؤال الثاني، حيث أظهروا مستويات بداية خلقية على الرغم من أنهم قادرون من الناحية العقلية على تفهم الأسباب العليا المرتبطة بذلك، فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن ٣% فقط من المراهقين قالوا إن الناس يجب أن يتبعوا القواعد حتى يتجنبوا النتائج السالبة إلا أن ٢٥% قالوا أنهم شخصيا سوف يفعلون ذلك "أي يتبعوا القواعد".
إن بعض المراهقين قد يظهروا درجة معقولة من التمسك بالمبادئ الأخلاقية حتى تحت ظروف الإكراه بالتهديد، بينما آخرون قد يستسلموا وبسرعة إلى الإغراء أو إلى ضغط الجماعة، كما أن البعض الآخر ينقاد خوفا من التهديد بالعقاب الخارجي بدلا من أن تتحكم فيه المعايير الداخلية, وبإيجاز فإن المعرفة وحدها وحتى المعلومات المركبة للمعايير الأخلاقية واستخدامها كموجهات قوية للسلوك بالرغم من الضغوط المتصارعة، يعتمد إلى حد كبير على طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء السابقة والحالية, فالآباء الذين يتسمون بالدفء والعاطفة يقدمون نماذج حسنة من السلوك الأخلاقي لأطفالهم، والتي تعتمد ممارساتهم النظامية أساسا على الاستقرار, فالمناقشة مع الطفل وتزويده بتوضيحات عن القواعد أو المعايير، يكونون أكثر احتمالا في أن يصبح أولادهم أكثر نضجا في نموهم الخلقي، كما يحدث لديهم استدخال للمعايير الأخلاقية الذاتية، إن مثل هؤلاء الآباء عادة ما يقدمون التوضيحات أو الأسباب في حالة سؤالهم الطفل أن يؤدي أنماطا معينة من السلوك كتوضيح الحقائق العملية لموقف معين، أو كيف يكون السلوك غير المناسب ضارا لكل من الطفل والآخرين، هؤلاء الآباء يمكنهم جعل طفلهم أكثر كفاحا وتوقا للوصول إلى النضج. إن الوالد المتفهم الحاني على الطفل لا يسهم فقط في تنمية التقمص الأبوي الإيجابي، ولكنه أيضا يساعد على تدعيم صورة الأب بأنه شخص محب وغير متسلط كما يزود هؤلاء الآباء أطفالهم بالمصادر المعرفية ليحكم الطفل على أنماط سلوكه، جملة القول أن الآباء ذوي السلطة الذين لا يتسمون بالاستبداد والفوضى والتساهل والإهمال يسهمون في النمو الخلقي والأحكام الخلقية عند أبنائهم.
стр. 567
المتطلبات الاجتماعية المتغيرة:
عادة ما نجد المراهقين على نقيض الأطفال الصغار، يجب أن يقوموا بعمل اختيارات هامة، ماذا يدرسون؟ وما نوع تلك الدراسة؟ وما نوع الشخص الذي يريدون مصادقته ... إلخ.
وجدير بالذكر فإن مثل هذه الاختيارات لا يمكن أن تؤدى منفصلة عن القيم الشخصية، فإذا كان المراهق قد حدث توجه أساسي له نحو مساعدة الآخرين، فقد يختار مجرى مختلفا عن مراهق آخر يركز على وضع قيمة أكبر على النجاح المادي أو الملموس، كما أن المراهق الذي يؤمن بالحرية والاستقلالية، يختلف اختياره عن مراهق آخر مهتم بصورة كبيرة بالأمن والأمان.
القيم الخلقية والصراعات النفسية الداخلية:
لا يمكن أن يؤخذ المراهقون المهتمون بالقيم بصورة دائمة لكي يمثلوا القرارات المنطقية العقلية التي توصلوا إليها، فغالبا ما يختار المراهقون القيم وفقا لأسباب داخلية، وقد يحدث كثيرا لأسباب لا شعورية, فقد يكون الانشغال بمشاكل الحرب والسلام الخلقية -على سبيل المثال- نابعا من اهتمامات عقلية لهذه الأمور الهامة, إلا أن هذه الاهتمامات قد تعكس أيضا الصراع بكونه قادرا على التعامل مع الدوافع العدوانية القوية والتي قد ترتبط وتكون مصاحبة لفترة المراهقة -خاصة لدى المراهقين الذكور- وبالقياس فإن الفتاة المراهقة قد تنمي فلسفة عقلية سامية "للحب الحر أو الطليق Free Love" أساسا كطريقة لإعادة تأكيد ذاتها في ألا تشعر بالذنب فيما يتعلق بحوافزها الجنسية, والصراعات مع الآباء حول القيم الأخلاقية والسياسية والمعتقدات قد تعكس الجهود المبذولة من قبل المراهق لتكوين هوية مستقلة أو التعبير عن السخط العميق تجاه الآباء المتسلطين غير المبالين, وأخيرا فإن الانشغال الزائد بالقيم والمعتقدات الأخلاقية والتي تميز الكثير من المراهقين، قد يكون لها جذور للنمو العقلي الممتد إلى المطالب الاجتماعية المتزايدة، والمتناقضة دائما، وكذلك في الاهتمامات والصراعات النفسية الداخلية غير الواعية.
النمو المعرفي والمعتقدات الدينية المتغيرة:
تعكس المعتقدات الدينية للمراهقين أيضا النمو المعرفي المتزايد، فقد تصبح تصبح معتقدات المراهق الدينية أكثر تجريدا وأقل مادية، فيما بين عمر ١٢ و١٨ سنة.
стр. 568
نمو الأفكار السياسية:
عادة ما يكون المراهق غير قادر على المناقشة والحوار السياسي المعقد، وغالبا ما يصمت في كثير من الموضوعات عندما لا يكون الصمت مستحبا، عندئذ فإن البساطة والبدائية تكون موضوعا للخيالات أو الأهواء, وبالتالي يكون غير قادر على الجدل والمناقشة في مجال الأفكار السياسية.
وبنهاية فترة المراهقة يحدث تغير فجائي بصورة ملحوظة، كما يمكن للراشدين أن يدركوا مدى التقدم الذي حدث في تفهم المراهق للعالم السياسي حيث يحدث في أثناء فترة المراهقة تحول ذو مغزى في اتجاه المراهق نحو التفكير السياسي المجرد، كما يحدث ازدياد في قدرة المراهق لتنمية أيديولوجية سياسية ذات تناسق معقول، فعلى سبيل المثال عندما نوجه للمراهق أسئلة حول الأفراد الخارجون على القانون نجد أغلب المراهقين يؤدون العقاب وإذا لم يجدي ذلك فإنهم يشيرون بالعقاب الأكثر، وعلى النقيض من ذلك قد نجد الشباب الأكبر سنا عادة ما يكونون أكثر اهتماما بحقوق الأفراد، ويفكرون في الحلول البديلة للعقاب كالإصلاح وإعادة التأهيل، كما يستفسرون أيضا عن مدى جدوى وعدالة القانون، أو العادات المنحرفة, ويميزوا بين السلوك العفوي والسلوك القصدي، ويشيرون إلى أن الأعمال غير القانونية قد تكون عرضا لجذور مشاكل أساسية، فقد يجيب طفل الثانية عشر على ثمة سؤال مؤداه ما الغرض والهدف من القوانين؟ بقوله: إذا لم يكن لدينا قوانين فإن الناس قد يقتل بعضهم البعض، وعلى نقيض من ذلك نجد شاب في السابعة عشر من عمره يجيب على نفس السؤال السابق بقوله: إن القوانين تعتبر الخطوط الرئيسية المرشدة للناس.
الاتجاهات الشائعة في قيم المراهقين:
إن الخطر الكبير الذي يكمن في مناقشة اتجاهات القيم والأنماط السلوكية للمراهقين في علاقاتها بالتغير الاجتماعي، هو ما يحدث لدينا من التعميم الزائد أو المفرط, ففي منتصف وأواخر الستينات سمعنا وقرأنا عما يسمى بالثورة في قيم المراهقين والشباب، والذي أطلق عليهم بالثقافة المضادة Conuter Culture حيث كانت قيمهم ومعتقداتهم وأنماط حياتهم مختلفة بصورة كبيرة عما لدى الكبار والراشدين، لدرجة أن حدثت هوة جيلية عميقة كانت حتمية وتطورت في نهاية الأمر.
стр. 569
وجدير بالذكر فإن السنوات العشر البادئة من أوائل الستينات قد أحدثت تغيرات هائلة في قيم وسلوك العديد من المراهقين والشباب في كثير من المجتمعات الأوروبية والعربية، وأصبحت بعض الأقليات من الشباب إلى حد كبير متحررين من وهم المجتمع والذين طالما نظروا إليه على أنه غير عادل قاس عنيف سطي وشديد النقد لهم وغير إنساني لدرجة بعيدة أو بالمعنى الواسع رأوه مجتمعا لا أخلاقيا, وبالتالي استجابوا لهذه المجموعة من الظروف بطرق متنوعة فالبعض جارى الهيبز في مسلكهم وبالتالي أصبحوا يتسمون بالانفصال الاجتماعي، بينما بذل آخرون جهودا مضنية لكي يبدءوا ويحدثوا أو يؤثروا في التغير الاجتماعي والتي أدت إلى الإسراع بالاضطرابات السياسية في تلك الحقبة.
ولقد أخطأ كثير من الملاحظين في هذه الفترة ليس فقط في الدقة اللازمة للتعرف على التغير الاجتماعي الكبير في القيم والمعتقدات والسلوك بين الشباب والمراهقين ولكن بالإضافة إلى ذلك تجاهل مدى تلك التغيرات. سواء من الناحية الكمية أو الكيفية لها وكذلك في المظاهر الفجائية لهذا التغيير.
الاغتراب:
بلغ مفهوم الاغتراب ذروته في الاستخدام الشائع أثناء الستينات، عندما استخدم لتفسير الأحداث سواء مظاهرات الطلبة وعمليات الشغب الداخلية، إلى التزايد في استخدام المخدرات والتوسع في حركات الهيبز التي حدثت في الدول الأوروبية وأمريكا. إن مصطلح الاغتراب قد يعني الكثير ويشير إلى أن شيئا ما خطأ قد حدث بالفعل ويشير إلى فقدان أو غياب العلاقة المرغوب فيها, وما لم نستطع تفسيره: كيف يغترب المراهقون والشباب ولماذا؟ وكيف تنمو ولاءات الفرد لمجتمعه وكيف تضعف؟ كيف يفقد الفرد هويته ولماذا؟ وكيف يحاول الفرد أن يتفاعل مع الاغتراب؟ إن لم نستطع الإجابة عن هذه التساؤلات السابقة، نكون قد بعدنا عن تفهم مراهقينا وشبابنا.
اغتراب الفقراء والأقليات:
إن الاغتراب لدى الأقلية والفقراء الذين يعانون من الحرمان الاقتصادي والتمييز العرقي نجده مفروض بواسطة المجتمع على هؤلاء الأفراد، فهؤلاء الشباب يمنعون عن طريق ميلادهم وبواسطة التمييز من
стр. 570
المشاركة في المجتمع، فالغالبية العظمى من هذه المجموعات Disadwantaged Groupes "كالسود والمكسيكيين والهنود الأمريكيين" ولدوا في ثقافة الفقر، وقد يكون هؤلاء الشباب مغتربين عن ثقافة وطنهم، وبالتالي ينمو لديهم عدم الثقة بذواتهم وعدم تقديرهم لذواتهم، وتكوين الهوية السلبية وبالتالي الاغتراب عن الذات.
الاغتراب بين الشباب صاحب الامتياز:
وعلى نقيض اغتراب الفقراء وضحايا التمييز السلالي أو العرقي، والذي يفرض من المجتمع نجد نوعا آخر من الاغتراب قد أصبح واضحا في السنوات الأخيرة وهو الاغتراب بين شباب الطبقة الوسطى والعليا في المجتمع وعموما توجد تباينات في مصادر اغتراب هؤلاء الشباب، فبالنسبة للبعض منهم نجد أن جذور اغترابهم قد اشتقت من أنواع خاصة من الخبرات النمائية مثل العلاقة المضطربة بين الأب والابن، والتي قد تسبب الاغتراب كثيرا، وبالنسبة للبعض الآخر نجد أن السمات الخاصة للمجتمع والصراعات لعبت دورا بارزا في ذلك، فأنماط الظلم أو اللاعدالة مثل الاضطهاد العنصري، والتمييز الاقتصادي انتهاء الحرية الشخصية والحرب, وقد يكون الاغتراب عميقا ومعوقا وقد يصل إلى رفض المجتمع ككل؛ لأن هؤلاء الشباب غالبا ما ينظرون إلى المجتمع بأنه مجتمع معادي خاصة بالنسبة لقيمهم الأكثر عمقا, كل ذلك يعني عدم الاعتراف بالمنافسة العنيفة القاسية، والإفراط في البحث عن المكانة، ولعب الدور على حساب الآخرين، واحترام السلطة التي بنيت على القوة بدلا من الأهلية أو الأخلاق, كما أن التقدم التكنولوجي والازدهار الاقتصادي الذي حدث في بعض المجتمعات قد طبقت بطريقة قاسية دون اهتمام بالتكاليف من حيث ارتباطها سواء بالجامعات الإنسانية أو نوعية البيئة, ولقد استجاب بعض الشباب بالاستمرار في العمل نحو التغيير في نطاق المجتمع، بينما ظل البعض متمسكا بالتغيير الكلي والجذري، بينما انسحب آخرون من المجتمع ككل، ويتضمن هذا الانسحاب أحيانا يأسا عميقا، لا مبالاة أو هزيمة بدون أي ارتباط بديل ليخفف من شعورهم بالاغتراب، ولقد عبر بعض الشباب عن ذلك بقوله: إن ما أفكر فيه لا يعتد به داخل المجتمع، إلا وأشعر بالإحباط بخصوص المستقبل، أنا أضيع وقتي، لا أذهب إلى أي مكان إلا وأشعر بعدم قدرتي على إنجاز الأشياء, وقد يتطرق البعض بقوله أن نظامنا الاجتماعي يجب أن يتبدل بالكامل، والبعض يعبر بأننا في مجتمع مريض، وأن الحياة التقليدية لا تطاق.
стр. 571
المراهقون والمخدرات:
انتشرت الحبوب المنشطة والمهدئة بين المراهقين في أوروبا وأمريكا في أواخر الستينات وبداية السبعينات، حيث كانت الوصفات الطبية مثل الفالويم Valium والليبروم Librium تستخدم على نطاق واسع كعلاج للتهيج أو الإثارة في هذه المجتمعات, كما عبر آباء هؤلاء المراهقين عن انزعاجهم بالنسبة للارتفاع السريع في استخدام المراهق الأوروبي والأمريكي لأنواع مختلفة من المخدرات خاصة المارجوانا Marijuana وحبوب الهلوسة، واستخدام هذه المخدرات والمنشطات ارتبطت بحركة الهيبز، وكان بعض المراهقين يرون أن في استخدامهم لهذه الأشياء يمثل تحديا مباشرا للقيم الرئيسية للمجتمع ويبعث ذلك إلى الضيق وعدم الارتياح لاغتراب جزء هام من شباب المجتمع, كما انتشر الهيروين والكوكايين والكودايين وما شابه ذلك من العقاقير المخدرة.
إن هؤلاء المراهقين الذين يتعاطون هذه العقاقير عادة ما يكونون قلقون اجتماعيا ومضطربون نفسيا، وتشير نتائج الدراسات أن الاستخدام المفرط لهذه العقاقير ناتج عن الاضطراب النفسي والاجتماعي أكثر من كونه سببا لها, وقد يبرر البعض تعاطيه هذه العقاقير لكي يهرب من متاعب الحياة ومشاكلها، إلا أن التوافق الناتج عن ذلك عادة ما يكون معوقا مضطربا لأن هذه العقاقير لا يعلم متعاطيها مدى تأثيرها الضار ولا يدري كيفية التعامل مع الإحباط والمشاكل اليومية الناتجة عن تعاطيها.
ولقد تبين في مسح أمريكي "١٩٧٧" أن المراهقين الأمريكيين الذين يتراوح أعمارهم ما بين ١٢ و ١٨ سئلوا لماذا يستخدم الشباب الكحول والمخدرات، وكانت استجاباتهم التي اتسمت بتكرارية هي "أثر ضغوط جماعة الرفاق، التطابق مع جماعة الرفاق ٢٩% الهروب من ضغوط الحياة والمجتمع ٢٦%، قضاء وقت سعيد للشعور بالنشوة ومن أجل الطرب ١٥% وبسبب المشكلات المنزلية مع العائلة ١١% ليكون هادئ غير انفعالي ١٠%، ولأسباب أخرى مثل تقليد الكبار والسأم والتمرد واللامبالاة من قبل الوالدين.
وعموما فإن هؤلاء المراهقين الذين يستخدمون تلك العقاقير وبالتالي يعتمدون عليها، قد يشير ذلك إلى اضطراب انفعالي لديهم، ودرجات متنوعة من العنف وعدم القدرة على مسايرة مطالب المعيشة أو
стр. 572
لكي يجد معنى لهويته الشخصية, كما أن البعض يشير إلى أن هؤلاء كثيرا ما يظهرون مشاعر النقص، وعدم التقبل، العزلة العاطفية، الرفض الأبوي أو عدم المبالاة، وتقدير أقل للذات, وبالتالي شعروا بحاجة إلى إخفاء تلك المشاعر وراء دفاعات من التظاهر والبرود الذي تجلبه تلك المخدرات والعقاقير، كما أن بعض الشباب الذين استخدموا الكحول والمخدرات باستمرار منذ مرحلة المراهقة، اعترفوا بأنهم لم يعرفوا من قبل أي طريقة أخرى لكي يتعاملوا مع القلق والسأم واليأس والخوف من الفشل وفقدان المعنى والهدف.
وبالتالي يجب أن يكون من الأهداف الرئيسية لأي برنامج إرشادي علاجي لهؤلاء الشباب هو التركيز على مساعدة المرهقين والشباب في تعلم كيفية التعامل مع مشكلاتهم الشخصية، وبناء صداقات حقيقية مع الرفاق وتعليمهم كيف يأخذون المتعة من الحياة ونشاطاتها، فالكثير من هؤلاء الشباب لا يعرف كيفية الحصول على المتعة بدون استخدام تلك المخدرات.
كما أن المجتمع يقع عليه مسئولية تجاه هؤلاء المراهقين والشباب، فكثير من الشباب يواجهون المستقبل بدون أمل وقد يواجهون التمييز الاجتماعي، وظروف المعيشة القاسية، والأمرض الجسمية أو انهيار البيئة الاجتماعية مع عائلاتهم، فتحت هذه الظروف فإنه ليس بمستغرب أن بعض المراهقين أو الشباب قد يتوقفوا تماما عن البحث عن معنى ومفهوم لهوية الأنا، وبالتالي يلجئون إلى الهروب تحت ستار العقاقير والمخدرات التي قد تساعد على النسيان.
الجنوح Delinquncy:
يشير مصطلح الجنوح إلى الأفراد الصغار عادة ما يكونون تحت السادسة عشر أو الثامنة عشر الذين يتورطون في السلوك الذي يعاقب عليه القانون, وجدير بالذكر فإن مصطلح الجنوح في جوهره مصطلح قانوني بالإضافة إلى كونه مصطلح نفسي، فإن ما يعتبر حدثا في وقت وزمان معينين قد يكون مدانا قانونيا في وقت ومكان آخر, والجنوح ليس ظاهرة جديدة فقد أشار إليها كثير من الفلاسفة اليونان والمسلمين وأيضا فلاسفة العصر الحديث، وقد تكون نسبة الجنوح بين الذكور أعلى من نسبتها لدى الإناث كما أن الجنوح عند كل منهما يختلف فالجانح قد يتضمن سلوكه عدوانية أكبر كاللامبالاة والسرقة والسلب والنهب أما الأنثى
стр. 573
فتميل إلى ثمة أنماط سلوكية كالهروب من المنزل والفساد وعموما فإن مخالفات الذكور عادة ما تعلو مخالفات الإناث في هذا المضمار.
التغير الاجتماعي والحرمان والجنوح:
قد يعزو البعض الارتفاع الملحوظ في الجنوح إلى التغيرات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع، فالتقدم المادي والصناعي وبالتالي التفاوت في الطبقات الاقتصادية قد يتبعها تمزق في الأنماط الثقافية والروابط العائلية، وعدم التنظيم الذي يحدث في كثير من العواصم ونقصان الشعور الواضح بالهدف والمعنى والاهتمام بالمشكلات الاجتماعية وعموما فإن نتائج الدراسات النفسية والاجتماعية تشير إلى أن اضطرابات المراهقين والشباب عادة ما تكون أكثر احتمالات للحدوث عندما يتزايد الشعور الاجتماعي بالوحدة والغربة والتفكك الأسري.
وقد يعن علينا سؤالا مؤداه لماذا يصبح مراهق معين جانحًا، بينما نجد مراهقا آخر يخضع لنفس الظروف البيئية ولا يصبح جانحا؟ فلقد أجريت عديدا من الدراسات الاجتماعية والنفسية للإجابة عن مثل هذا السؤال وغيره من التساؤلات المرتبطة بالشخصية الجانحة وقارنوا فيها بين الجانحين وغير الجانحين من حيث الخلفية الثقافية وخصائص الشخصية وعلاقات الأب بالابن في أعمار مختلفة، وأشارت النتائج أن الجانح اتضح أنه أقل ذكاء من غير الجانح، إلا أننا لا يمكن أن نرجع إلى انخفاض الذكاء في معظم حالات الجنوح، والنتيجة الأكثر أهمية من ذلك حيث اتضح أن الجانحين أكثر ميلا إلى التوكيدية الاجتماعية والجرأة والعدائية، والشكوكية، والتدمير، والتهور، وينقصهم التحكم في النفس وضبطها وكل هذه المفاهيم تعكس مفاهيم الذات المعاقة المضطربة ومشاعر عدم الكفاءة، والرفض العاطفي وإحباط الحاجات للتعبير عن النفس.
ويميل الجانح أن يرى نفسه شعوريا ولا شعوريا، كسولا، سيئا، وتبعا لمفهوم الجانح عن ذاته يشعر بأنه غير مرغوب فيه غير محبوب وغير محترم من الآخرين، كما أن مفاهيم الجانحين عن أنفسهم عادة ما تكون مختلطة وغير واضحة، متناقضة، غير ثابتة، وتشير بعض الدراسات إلى أن التباينات بين الجانحين وغير الجانحين في السلوك الاجتماعي وخصائص الشخصية من المحتمل أن تظهر في صورة مبكرة من حياتهم على الرغم من أن السلوك الجانح الواضح قد لا يظهر إلا في وقت متأخر،
стр. 574
وبغض النظر عن طبقة الجانح الاجتماعية، ومعدل ذكائه، ومهنة والده، فإنهم قد اتسموا بعدم مراعاة شعور الآخرين، وأقل عدلا وإنصافا في تعاملهم مع الآخرين، أقل مسئولية، وأكثر تهورا، وأكثر عداء للسلطة، وأقل حبا وتقبلا من قبل نظراتهم وبالنسبة لأعمالهم المدرسية فإنهم كانوا أكثر ميلا للتشتت كثيري الأحلام -أحلام اليقظة- والجدير بالذكر فإن هذه المشكلات الاجتماعية والعملية كانت تعكس مشاكل عاطفية كامنة.
علاقة الوالد بالابن الجانح:
تشير الدراسات النفسية أن العامل الأكثر أهمية في جنوح المراهقين يتمثل في علاقات المراهق بوالديه، وتوضح هذه الدراسات التكنيكات. والوسائل المبكرة المنتظمة التي أخضع لها الجانحين، فعادة ما تكون صارمة متضمنة العقاب الجسمي، وذلك بدلا من المنافسة مع الابن بخصوص سوء تصرفه، وقد تتسم علاقة الأب والابن الجانح بالعدونية المتبادلة، وافتقاد الترابط الأسري والرفض الأبوي وعدم المبالاة أو فتور الشعور، وقد يكون آباء الجانحين ذووا طموحات مزدوجة للأبوة بالنسبة لأبنائهم، فقد يكونوا عدوانيين أو غير ميالين تجاه المدرسة، أو قد يكون لديهم مشكلات شخصية متنوعة خاصة بهم, وعموما فقد اتسم هؤلاء الآباء بالقسوة والإهمال والميل إلى توبيخ أطفالهم خاصة الذكور، كما اتصفوا بعدم الود والتعاطف تجاه أولادهم، وبالتالي فإن المراهق في هذا الجو الأسري قلما تكون له روابط وثيقة بأبيه وبالتالي يفتقد المثل الأعلى والقدوة في حياته.
كما أن أمهات المراهقين الجانحين عادة ما يتسمن بالإهمال، وعدم القدرة على الإشراف لأطفالهن ومراهقيهن، والعدوانية واللامبالاة، ولا يتسمن بالعاطفة والود تجاه أولادهن, كما إن البيوت المنشقة المتصدعة أي التي فصل الطلاق فيها بين الزوج والزوجة وجد أنه عاملا هاما في جنوح الأطفال والمراهقين.
وبمجرد أن يبدأ المراهقون أخذ الموعد مع الجنس الآخر فقد يجابهون بمشكلة أخرى وهي كيف يتعاملون معه، وتشير نتائج دراسات Berger & Simon؛ "١٩٧٦" أن المراهقين عادة ما يخبرون الصراع فيما يتعلق بالأمور الجنسية فأي منهما "المراهقون أو المراهقات"، يجب عليه أن يبدأ في التعرف على الآخر، والمخاطرة التي يكتنفها رفض أحد الجنسين
стр. 575
إلى الجنس الآخر, وعموما فإن هذه الأمور عادة ما تتأثر بتوقعات جماعة المراهق من جهة، وكذلك بمعايير الآباء من جهة أخرى، وكلما كانت القيود الأخلاقية التي يحياها المراهق أكثر شدة وصرامة، كلما كانت محاولاتهم في استكشاف الجنس الآخر مشوبة بالقلق والتوتر، أو قد يفضح أمرهم أو يشعرون بالذنب في كونهم يفعلون شيئا منافيا للأخلاق العامة.
وعندما نتأمل مصادر تعلم المراهقين للأمور الجنسية، ففي عام "١٩٧٥" أشارت نتائج دراسة Thornburg أن ما يقرب من ٤٠% من المراهقين الذين أجريت عليهم الدراسة اتضح أنهم قد حصلوا معلوماتهم الأولى عن الجنس من جماعة الرفاق، وما يقرب من ٢٠% قد حصلوا من القراءة. والجدول رقم "٤" يشير إلى هذه المصادر التي يستقي منها المراهق معلومات الأولية عن الجنس بالنسبة للذكور والإناث, ويتضح من هذه البيانات أن المراهقات يتلقون أغلب معلوماتهن عن الجنس من أمهاتهن أكثر مما نجد ذلك بالنسبة للمراهقين, وهذا يتضمن المعلومات التي تشير بها الأمهات إلى بناتهن عن نزول الطمث الأول، ويستطرد ثورنبرج أن بيانات دراسته لا تختلف كثيرا عن نتائج الدراسات التي أشارت إلى مصادر معلومات المراهقين والمراهقات عن الجنس منذ عشرين أو ثلاثين سنة مضت.
جدول رقم "٤"
يوضح مصادر المعلومات الأولية عن الجنس بالنسبة للمراهقين والمراهقات "بالنسبة المئوية".
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
стр. 576
الجنسية والأمن والألفة:
لقد وصف هاري ستاك سوليفان Sullivan؛ "١٩٥٣" الضغوط والتوترات الجنسية الغيرية في مفهومه عن الحاجات المتفاعلة للجنسية والأمن والألفة، فتشير الجنسية إلى الحوافز الجنسية، كما يشير الأمن إلى الحرية من القلق، وتعزى الألفة إلى العلاقات القوية المشتركة بين الأفراد، ويشير سوليفان أن تعلم إشباع هذه الحاجات الثلاثة يشكل أهمية خاصة للنمو والتي تقوم في جوهرها داخل العلاقات والتفاعلات البيشخصية "بين الأشخاص", وذلك بدون حدوث الإهمال لأي من هذه الحاجات أو التصارع مع حاجات أخرى.
الجنسية في مقابل الأمن:
يشير سوليفان أن الشكوك الجنسية التي تبدأ في منتصف فترة المراهقة عادة ما تظهر صراعات بين الحاجة للجنس والحاجة إلى الأمن، فمعظم المراهقين قد يتعلمون التعامل مع الجنس بواسطة طريق لا تسبب لهم القلق، حيث يتم ذلك بالنسبة لأغلبهم في مجرى خبراتهم للالتقاء مع الجنس الآخر، ومع ذلك فإننا نجد المراهقين الذين يتسمون بعدم الأمان في التعبير عن حوافزهم الجنسية قد يتجنبون الجنس الآخر أو يسعون لبناء العلاقات الأفلاطونية وهي نماذج من العلاقات الأخوية مع الفتيات. وجدير بالذكر فإن الأشخاص التي تستمر معهم هذه الصراعات بين الجنسية والأمن أثناء مرحلة الرشد غالبا ما يميلون إلى عدم الزواج، كما أن تجمعاتهم عادة ما نجدها تخلو من العناصر النسائية.
وأحد جوانب الجنسية والتي غالبا ما تسبب القلق بين المراهقين هي الاستمناء Masturbation "أو العادة السرية", وتشير نتائج دراسة Gagnon؛ "١٩٧٠" أن ذلك قد يكون منتشرا بين مراهقي المدرسة الثانوية أكثر من انتشاره بين المراهقات، كما يشير الجدول رقم "٥", ويعزى سبب ذلك إلى اختلاف نوعية الخبرة التي يخبرها كل من المراهقين والمراهقات عند البلوغ، فبالنسبة للذكور عادة ما نجدهم يميلون إلى التفكير بصورة أكبر في نضجهم الجسمي عن طريق النشاطات الجنسية المتنوعة في حين نجد الإناث يملن بصورة أكبر إلى التفكير الرومانسي والحب Gagnon & simon؛ "١٩٧٢", وعلى الرغم من أن ما يقرب من ٨٠% من الذكور موضوع الدراسة أشاروا إلى أنهم يمارسون العادة السرية مرتين أو أكثر أسبوعيا، إلا أننا يجب أن نشير أن عدد المرات ليس مهما بقدر ما يصبح المراهق منهمكا ومشغول البال بهذه العادة لدرجة أنه لا يستطيع أداء أي شيء آخر سواها.
стр. 577
جدول رقم "٥"
يوضح مدى تكرار الاستمناء أو العادة السرية بين تلاميذ وتلميذات المدرسة الثانوية
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وهذه النقطة سابقة الذكر تحتاج إلى بعض من التوضيح، فالاستمناء أو العادة السرية كانت وما تزال موضوعا من موضوعات المنع أو التحريم الديني، ومصدرا من مصادر الخوف، وكذلك الخوف من الضعف الشديد وفقدان حيوية الجسم, وكذلك التحذير العنيف الذي يشير بأن فاعلها سوف ينتهى به الحال إلى الجنون، فبهذه الخرافات والتحذيرات التي تكتنف هذه العملية، ومع محاولة منع الآباء مراهقيهم من إتيان هذه العادة السرية فإن كثيرا من أجيال المراهقين قد عانوا من الشعور بالذنب والقلق تجاه هذه المسألة Kneil, N؛ "١٩٦٤", بالإضافة إلى المؤشرات الدينية التي تكون مصدرا من مصادر قلق المراهقين والمراهقات، وعموما فإننا نستطيع القول بأنه لا يوجد أي دليل قاطع يشير أن الاستمناء أو العادة السرية يسبب أي نوع من الأضرار الجسمية أو النفسية, باستثناء مشاعر الذنب التي تستحوذ على الشخص بأنها شيء سيئ ومن الخطأ ارتكابها.
الألفة أو المودة في مقابل الجنسية:
المودة والألفة تكون ذات أهمية كبيرة في العلاقات الجنسية الغيرية أثناء فترة المراهقة المتأخرة، وعلى الرغم من الميل المتزايد للجنس الآخر قبل هذه الفترة، إلا أننا عادة ما نجد للمراهقين أصدقاء مقربين إليهم مؤتمنين على أسرارهم من نفس نوع جنسهم وفي هذه الفترة نجد كلا من المراهقين والمراهقات يميلون إلى أن يكونوا أصدقاء، ويتقاسم كل منهم في الهوايات والمخاوف ويلجأ كل منهم إلى الآخر للراحة والتدعيم.
стр. 578
ويأملون استمرار علاقاتهم في المستقبل، وعندما يتمكن كل من المراهق والمراهقة أن يكون الصديق المفضل بالنسبة لكل منهم الآخر بالإضافة إلى الثقة به حينئذ يشير إريكسون بأنهم يحصلون قدرة ناضجة للألفة أو المودة للجنسية الغيرية.
وأثناء نمو هذه الخاصية نجد المراهقين الأكبر قد يمرون بعملية تبديد وصرف الصراعات التي تنتابهم بين المودة، أو الألفة من جانب وحاجاتهم الجنسية والأمن من جانب آخر, ففي وقت مبكر من خبرتهم للجنسية الغيرية غالبا ما يعمل المراهقين تمييزا بين النماذج الجنسية، فهناك الشخص الذي يود المراهق أن تكون بالقرب منه لاحترامه لها، وهناك الأخرى التي لا يعجب بها ولكنه يصادقها لأي غرض ما، ولكن سرعان ما تنتهي هذه العلاقة بالحصول على الهدف أو الغرض الذي يسعى إليه، ولكن عندما يرافق المراهق أو المراهقة شخص آخر والذي حقيقة يهتم به ويحترمه، فإن علاقاتهم عادة ما تكون علاقات نظيفة وثابتة، وعموما فإن حل هذا الصراع الذي ينتاب المراهقين يتأثر بطبيعة الحال بالقيم الاجتماعية بالإضافة إلى تأثره بنمو شخصية المراهق أو المراهقة بمعنى أنه كلما كانت نظرة المجمع للعلاقات الجنسية فيما قبل الزواج كعلاقات دنسة محرمة كلما وجدنا المراهقين يعملون تمييزات سريعة بين العلاقات الطاهرة والأفلاطونية والعلاقات الجنسية الدنسة.
ويشير إريكسون أن المراهقين والمراهقات الذين لم يتمكنوا من دمج الجنسية والمودة أو الألفة في علاقة مع شخص ما من الجنس الآخر قد نجدهم يدخلون مرحلة الرشد بتمزق نفسي Split فيما يتعلق بهذا الأمر، فكثيرا ما نجد راشدين يكون لديهم حياة جنسية نشطة إلا أنهم لا يتزوجون أبدا أو يتزاوجون ولكن يكون لديهم حياة جنسية محدودة جدا، أو قد يكون لهم زيجات كن شركاء لهم في حياة جنسية قبل الزواج، وبالتالي لا يحترمونهم أو يميلون إليهم.
الألفة أو المودة في مقابل الأمن:
لكي تتحد الألفة أو المودة للجنسية الغيرية من حاجاتها الأمنية، فيجب على المراهقين إعادة توجيه ارتباطاتهم الحميمة المبكرة نحو أعضاء من الجنس الآخر، فالمراهقون الذين كان لديهم علاقات صداقة حميمة قليلة قد لا يشعرون بالراحة في قربهم من أفراد الجنس الآخر، وحيث
стр. 579
أن المودة أو الألفة تهدد أمنهم نجدهم بالتالي يشعرون بالمعاناة النفسية من الابتعاد هذا, ومن الانعزالية والعلاقات السطحية مع عدد كبير من الأفراد، وقد نجدهم يعملون صداقات عاطفية قوية مع عدد قليل جدا من الأصدقاء المقربين أو ما يسمى بالصديق أو الصديقة المتفرد.
وقد يشعر مراهقون آخرون بالأمن في العلاقات الحميمة التعاونية مع أعضاء من نفس جنسهم، إلا أنهم يفتقدون العلاقات مع الجنس المغاير لهم، والمراهق الذي لا يصل إلى حل هذا النمط من الصراع قد يصبح راشدا إذا تزوج أو تزوجت, لا يمكن أن ينظر إلى قرينه على أنه صديق حميم مقرب إليه مؤتمن على أسراره، ولكن نجد هؤلاء الأفراد يقصرون العلاقات الزوجية على الجنس وأعمال المنزل وأدوار تربية الطفل وفي نفس الوقت يعتمدون على آبائهم أو الإخوة والأصدقاء من نفس نوع جنسهم يناشدون تقديم يد العون والنصح والمشاركة ومناقشة أمورهم الشخصية.
الاتجاهات نحو الآباء:
كلما أصبح المراهقون أكثر استقالا وأكثر نضجا اجتماعيا، نجد اتجاهاتهم نحو آبائهم عادة ما تتغير، فالميل المتزايد والتعاطف الذي يعطيه المراهق لجماعة الأقران ولنشاطات الجنسية الغيرية خاصة عندما يبدأ في الارتباط الثنائي بصورة شديدة، هذا يعني بأن المراهق ليس لديه إلا القليل لكي يعطيه لأبويه، وبالتالي يجب على الآباء أن يتعلموا التخلي عن بعض عواطفهم تجاه أطفالهم، ومن جانب آخر فعندما يتحقق المراهق أن أبويه يشعرون بالاستياء والتضرر نتيجة استبدالهم بموضوعات حب أخرى نجد عادة ما يشعر بالذنب وبالتالي يحاول أن يبرر لذاته أسباب الارتباط النامي الذي يحدث له خارج المجال الأسري.
وتشير نتائج دراسة Joseph؛ "١٩٦٩" أن المراهقين قد يتصورون في بعض الأحايين أسباب مقبولة ظاهريا في الانصراف عن آبائهم، فكثيرا ما نسمع منهم بأن آباءهم قد أصبحوا غير ذي جاذبية لهم, كما نجد بعض المراهقين خاصة في منتصف فترة المراهقة قد يصبحوا ناقدون بصورة شديدة لنهر آبائهم من الجنس الآخر، فقد نجد الذكور يتذمرون أو يدمدمون عن هيئة شعر أمهاتهم وملابسهن، ووزنهن ومكياجهن، كما قد نجد الإناث يتذمرن بأن آبائهن قد فقدوا شعورهم أو أصبح لديهم بطن كبير أو أنهم يلبسون ملابس عتيقة الطراز أو مهملة.
стр. 580
كما قد يجد المراهقون كثيرا من الأفعال الخاطئة أو غير الصائبة في أنماط سلوك آبائهم، فقد يشيرون إلى أن آباءهم يدخنون بكثرة أو أنهم يمارسون ضبطا وتحكما عليهم أكثر من اللازم، أو أن لهم أصدقاء غير متحضرين، أو أنهم أصبحوا لا يتسمون بالجاذبية، وأنهم يحولون الحياة إلى حياة مملة سئيمة، وهكذا, وهذه الانتقادات لا تعني بالضرورة تقليل حب المراهق لأبويه، إلا أنها تعني إشارة المراهق إلى أن أبويه قد أصبحوا من جيل مختلف عن جيله وأن لهم نظرة مختلفة، وبالتالي فإن الآباء يجب ألا يشعروا المراهق بالإحساس بالذنب في بحثه وسعيه لارتباطات رومانسية مشبعة والاستمتاع بها داخل جيله أو جيلها.
وبالإضافة فإن هذه الانتقادات الظاهرية لا تعني أن قيم المراهقين الأساسية متعارضة مع قيم الآباء، أو أنها تعني تقليل تأثير الآباء على المراهقين، وكما أشرنا فيما سبق أن المراهقين يتطابقون بصورة كبيرة لتأثير رفاقهم خاصة في المراهقة المبكرة، إلا أن هذا التطابق والتماثل يميل إلى الانخفاض التدريجي من سن ١٢: ٢١ تقريبا, وعلى الرغم من أننا نجد المراهق في فترة مراهقته الوسطى قد يقضي وقتا أطول مع جماعة الرفاق إلا أنه يصبح أقل تأثرا بهم عن ذي قبل، وجدير بالذكر فإن المراهقين الذين يسيرون على صورة متناقضة مع هذا الميل العام، ونلاحظ استمرارية تأثرهم بجماعة الرفاق يمكن أن نفسر سلوكهم هذا لأحد الأسباب الآتية كما تشير نتائج دراسة Mc Ghee وآخر "١٩٦٧".
أ- قد يشعرون بعدم تقدير ذواتهم، وبالتالي يلجئون إلى جماعة الرفاق لكي يحظوا بما افتقدوه داخل أسرهم.
ب- أو قد يشعرون بأن الآباء لا يمدونهم بالتوجيه والإرشاد الكافي. وبالتالي تجدهم يعتمدون على جماعة رفاقهم لكي يملئون هذا الفراغ الأبوي.
وتشير نتائج دراسة Von & Others؛ "١٩٦٩" أن تأثر المراهق بأبويه يختلف إلى حد ما مع الموقف, فمثلا فإنه يميل بصورة أكبر إلى الاستماع لأبويه أكثر من جماعة رفاقه في بعض الأمور الخاصة بمستقبله التربوي, وأهدافه وتخطيطه المهني، بالإضافة إلى كيفية تعامله مع العلاقات الشخصية المتبادلة بينه وبين الآخرين، ومن جانب آخر نجده يميل
стр. 581
بصورة أكبر إلى جماعة الرفاق في ثمة أمور كالملبس وكيفية التعامل مع الأقران، وكيفية قضاء وقت الفراغ، وكلما تدرج المراهقون في عمرهم الزمني نجد انخفاض تأثير كل من الوالدين والرفاق عليهم، حيث يصبحون أكثر ثقة بذواتهم, وفي قدراتهم في عمل القرارات, ونجدهم في نفس الوقت يهتمون بتقييم آراء رفاقهم وآبائهم والراشدين من حولهم. وعموما فالمراهقون الأكبر سنا عادة ما نجدهم يفكرون بصورة متزايدة بأنفسهم ويثقون في أحكامهم، وثمة استقلالية قد صورها مراهق أثناء فترة مراهقته الأخيرة إذ يقول: "إن التطابق والتماثل مؤداه أن تفعل لكي تحتفظ بأبويك من التذمر أو الشكوى منك، بينما تقرر بعقلك ماذا تريد أن تقوم به حقيقة".
تكامل الهوية الشخصية:
أشرنا في الفصول السابقة إلى عملية تكوين الهوية منذ فترة الرضاعة حيث يتعلم الرضع التعرف على ذواتهم كأشخاص مميزين عن الأشخاص والأشياء الأخرى من حولهم، وأثناء سنوات ما قبل المدرسة عندما يصبح كل من الذكور والإناث على دراية باختلافاتهم الجسمية الجنسية، وفي فترة الطفولة الوسطى حيث يتبنى الأطفال الأدوار المميزة لنوع جنسهم، كما يتعرفون على قدرات كل منهم ومواهبهم وميولهم؛ ولكن نجد في فترة المراهقة عملية تكوين تصور واضح يكون متسقا لذات الفرد يصبح على درجة من الأهمية الكبيرة خاصة أثناء فترة المراهقة المتأخرة، وتأوج هذه العملية في تكامل شعور الهوية الشخصية للمراهق.
ويعتبر إريكسون من أوائل العلماء الذين أشاروا إلى دور تكوين الهوية في نمو المراهقة حيث عرف نهاية فترة المراهقة بأنه الوقت الذي يصبح فيه المراهقين متأكدين بصورة معقولة فيما يعتقدون فيه بالإضافة إلى وضوح بصيرتهم فيما يريدون عمله في حياتهم فالإحساس بالهوية الشخصية يعتبر نتاج كل ما تعلمه المراهقون عن أنفسهم في أدوارهم المختلفة كتلاميذ، كأبناء، كرياضي، كموسيقى، كصديق، كعضو في جماعة دينية ككاتب في متجر، وهكذا, وبمجرد أن يحصل المراهق هذه النظرة المتكاملة لأدواره ولميوله ولقدراته واتجاهاته بالإضافة إلى تأثير الأشخاص الآخرين، كل ذلك يعطي المراهق الإحساس بالاستمرارية مع ماضيه ويساعده على الإعداد لمستقبله.
стр. 582
ولا يعني ما سبق ذكره أن المراهقين في فترة مراهقتهم المتأخرة يعملون اختيارات ثابتة ودائمة لأهداف الحياة المتنوعة ونظم قيمهم، وعلى النقيض من ذلك فالهوية الشخصية في جوهرها عملية نامية تتغير كلما تقدم العمر الزمني حيث يتعلم الفرد أشياء جديدة، ويجد أدوارا مختلفة، ويشير إريكسون Erikson؛ "١٩٥٦" أن فترة المراهقة المتأخرة تعتبر بمثابة الوقت الذي يكون فيه المراهق الإحساس بهويته، بغض النظر في كونها قد تتغير فيما بعد، إلا أنها تبدأ في اتخاذ الشكل الاتساقي والتي تعطي الإحساس للمراهقين، وكذلك توفر لهم المعنى والتوجيه لحياتهم. وفي نمو الإحساس بتكامل الهوية، عادة ما نجد المراهقين يقضون سنوات عديدة في التفكير والتأمل ويحاولون سلسلة واسعة من الأدوار والأيديولوجيات فقد نجدهم يفكرون في أنماط أعمال مختلفة وإمكانياتها أو احتمالات المهنة, كما يعقدون صداقات عديدة مع أشخاص مختلفين، ويتأملون مثاقب فلسفات اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية مختلفة. وبسبب التصينف السريع الذي يفعله المراهقين وغير المتروي لأنماط العمل وللأصدقاء ولرفاق الحياة ولفلسفة الحياة التي يريدون الارتباط والتمسك به، إلا أنهم دائما ما يغيرون تفكيرهم فيما يحبونه أو يريدون القيام به، والأشخاص الذين يحبون أن يكونوا معهم وكذلك في استجاباتهم للمواقف المختلفة, وعلى ذلك فإن الأنماط السلوكية في فترة المراهقة عادة ما تكون متنبأ ضعيفا عما سيفعله المراهق, إذا قورنت بفترة طفولته المتأخرة وعادة ما نجدهم يتسمون بعدم التأكد فيما يبحثون عنه أو يقصدوه كنموذج متسق للحياة.
والحقيقة التي مؤداها أن المراهقين يقضون سنوات عديدة حتى يتم لديهم نمو هوية متكاملة أدى ذلك إلى اعتقادين واسعين، إلا أنها في جوهرها تعميمات غير مناسبة لنمو المراهقين وهما:
أ- أن المراهقين العاديين يمرون خلال أزمات للهوية، وعادة ما ينتج عواصف وغضب وضغط أثناء محاولاتهم لتحقيق هويتهم.
ب- وبسبب هذا الاضطراب والاهتياج النفسي، نجد استمرارية ضعيفة بين ما يحبه الأشخاص كمراهقين وبين ما يحبونه أو يميلون إليه كراشدين.
стр. 583
وقد أشار إريكسون وكتاب في التحليل النفسي وآخرون: إن المراهقين يجب أن يخبروا اضطراب أو اهتياج داخلي عظيم لكي يصبحوا راشدين متكيفين بصورة جيدة ويبلغوا النصح النفسي Freud white.R.B؛ "١٩٧٣", إلا أن وجهات النظر هذه عادة ما تبنى على الخبرة الإكلينيكية مع المراهقين المضطربين والذين يلتمسون العلاج لمشكلاتهم السيكولوجية, إلا أن الدراسات الأخرى على المراهقين الذين اختيروا بطريقة عشوائية سواء كانوا بالمدارس الثانوية أو العالية وليس من هؤلاء الذين كانوا تحت المعالجة السيكاترتية، أشارت إلى صورة مختلفة في أن أغلب المراهقين يتقدمون في نموهم بطريقة هادئة نحو تكامل هويتهم بدون أن يخبروا أزمات كما توجد الاستمرارية الفعلية بين شخصياتهم كمراهقين وكراشدين.
تحقيق الهوية وأزمة الهوية:
ساعدت دراسات James Msrcia؛ "١٩٦٦-١٩٧٠", وزملاؤه على تفسير عملية تكوين الهوية، فعادة ما يوصف مركز الهوية، فعادة ما يوصف مركز الهوية عندما يعمل الشخص تعهدا أو وعدا ذا معنى لعمل ما أو تجاه نظام من القيم أو نحو أيديولوجية معينة, ويمكن إيجاز ذلك على النحو التالي.
تحقيق الهوية Identity Achievement:
تتمثل في تعهد الشخص بأداء عمل من الأعمال قد اختاره من بين احتمالات عديدة ذات اعتبارات بالنسبة له، كالارتباط والتعهد لأيديولوجية معينة بعد إعادة تقييمها، وحل المعتقدات السابقة, ويشير ذلك إلى أن الشخص قد أصبح الآن حرا بصورة حقيقية في أن يفعل أو يؤدي أي عمل من الأعمال.
تعويق الهوية Identity Foreclosure:
وتتمثل في الوعد أو العهد غير الناضج للأهداف والمعتقدات التي اقترحت بواسطة أشخاص آخرين "وعادة" ما تكون عن طريق الآباء, وذلك بدون أن يكون للشخص خيارات معينة وكذلك دون الوضع في الاعتبار الخيارات الممكنة الخاصة به أو بها.
انتشار الهوية Identity Diffusion:
والشخص الذي يتسم بانتشار أو تشتت الهوية عادة ما يتصف
стр. 584
بالتقدير المنخفض لذاته، وكذلك بالعلاقات الشخصية السطحية مع الأشخاص الآخرين.
توقيف أو تعليق الهوية Identity Moratorium:
يتصف هذا الشخص بالقلق والتقدير المنخفض للذات والعلاقات السطحية مع الآخرين ويتسم بعمل الوعود والتعهدات الأعلى من إمكاناته الشخصية ولقد أشارت نتائج كروس وآلان Cross J. & Allen؛ "١٩٧٠", والتي طبقت على الطلاب الجدد بالكليات الجامعية، أن هذه المراكز الأربعة سابقة الذكر كانت موزعة بالتساوي بين طلاب الكلية، بالإضافة إلى ارتباطها ببعض الاختلافات في وظيفة الشخصية، فالطلاب ذوو الهوية الإنجازية مالوا إلى الأداء الجيد في المهام والواجبات العقلية كما كانوا أكثر ثقة بذواتهم وتعويلا عليها, وأقل قلقا، كما كان لديهم قدرة أكبر لإقامة العلاقات الشخصية التبادلية الوثيقة مع الآخرين, إذا ما قورنوا بالمجموعات الثلاثة الأخرى، الذين كانوا عادة ما يضعون أهدافهم مرتفعة لأنفسهم وغير واقعية، كما كانوا يميلون إلى القسوة والصرامة وبالتالي وجد أن مستوى أدائهم كان أقل من المجموعة الأولى، حيث كانوا أقل فعالية في إنجاز المهام والواجبات العقلية، وعادة ما يقدمون تقديرا لذواتهم مبالغا فيه والذي ينهار عند مجابهتهم التحديات وبالتالي يصبحون متورطين في علاقات مقولبة سطحية مع الآخرين, وعموما فإن الطلاب الذين كانوا يتصفون بتعليق الهوية MORATORIUM عادة ما كانوا أكثر قلقا من المجموعات الأخرى، كما أن الطلاب الذين كانوا يتسمون بانتشار الهوية كانوا متشابهون إلى حد ما مع مجموعة الهوية المعوقة FORECLOSURE بتقديرهم المنخفض لذواتهم والعلاقات البيشخصية السطحية.
وتشير نتائج دراسة WATERMAN & OTHER؛ "١٩٧١" إلى أنه على الرغم من أن مراكز الهوية تساعد على تفسير السلوك اللاحق في أي وقت، إلا أنها تعتبر بمثابة طور أو مرحلة PHASE لنمو شخصية المراهق ولا تعتبر سمات دائمة, فمثلا قد يظهر المراهق هوية إنجازية فيما يتعلق بالمهنة المستقبلة, وفي نفس الوقت يظهر هوية متوقفة فيما يتعلق بأنظمة المعتقدات العامة، كما أن المراهقين قد يغيرون مركز هويتهم أثناء مرحلة دراستهم الجامعية، وعادة ما يميل المراهقون إلى التحرك نحو الهوية الإنجازية وتوضح نتائج هذه الدراسة مدى التغيرات التي حدثت في مركز
стр. 585
الهوية لسبعة وأربعين طالبا من كلية الهندسة تتبعهم واترمان وزملاؤه من السنة الأولى حتى السنة النهائية بالكلية، والتغيرات ذات الدلالة كما هي ظاهرة بالدراسة تتمركز في الانتقال من مركز التعليق أو التوقيف أو التعويق إلى الهوية الإنجازية.
وفي دراسة أخرى مماثلة قام بها كل من WATERMAN & COLDMAN؛ "١٩٧٦" على طلاب كلية الفنون وجدا نفس التغير النمائي التقدمي للمراهقين حيث تشير النتائج إلى ميل الطلاب إلى الانتقال من مراكز التعليق أو التوقيف للهوية لكي يصبحوا ذات هوية منجزة كما أن أغلبية الحالات تخرجت من الكلية بشعور مستقر للهوية إلى حد ما.
وعلى الرغم من التباينات في مركز الهوية، إلا أننا نجد دراسات عديدة لطلاب المدارس الثانوية والجامعة أشارت إلى أن معظم المراهقين عادة ما يسيرون نحو النضج بطريقة سلسلة هادئة دون التورط في أي أزمات عنيفة صاخبة، وتشير نتائج دراسة Simons & Others "١٩٧٣" إلى أن ما يقرب من ٢٠% قد يميلون إلى المعاناة بصورة ذات دلالة من القلق النفسي المتوسط كالشعور المرتفع للذات أو التقدير المنخفض للذات، ومدى استقرار أو ثبات مفهوم الذات، وجميع هذه الجوانب عادة ما تكون أكثر حدوثا في فترة المراهقة المبكرة عندما يطرأ على المراهقين عديدا من التغيرات الجسمية المفاجئة، إلا أننا لا نجد حدوث ذلك في فترة المراهقة المتأخرة حيث عادة ما نجد المراهقين مشغولين في عملية تكامل هويتهم الشخصية.
стр. 586
استمرار نمو الشخصية:
أوضحت الدراسات النفسية، خاصة الدراسات الطولية إلى الاستمرارية في نمو الشخصية من فترة المراهقة إلى فترة الرشد والرجولة وعلى الرغم من أننا عادة ما نجد الأشخاص يتغيرون كلما تقدموا في مدارج نموهم، حيث يتعلمون أكثر وينشغلون بمراكز جديدة ويبحثون عن وسائل جديدة للتعامل مع الظروف والأحوال المتغيرة لحياتهم، إلا أننا نجدهم يستمرون وبصورة أساسية في نفس طريقة تفكيرهم وطرق تعاملهم مع العلاقات الشخصية المتبادلة، وكما يدركون بواسطة الآخرين.
стр. 587
ولقد بدأت الدراسات الموسعة لنمو الشخصية بمعهد النمو الإنساني بجامعة كاليفورنيا في بيرلكي في عام ١٩٢٨، ففي دراسة أجريت بواسطة Day & Haan حيث جمعت بيانات الاختبارات، ونتائج المقابلات والتقديرات بالإضافة إلى وسائل أخرى لمجموعتين، أحدهما تتبعت من عمر الثانية عشر حتى الخمسين "دراسة Oakland للنمو"، وللمجموعة الأخرى تتبعت من الثانية عشر حتى سن الأربعين، وذلك للتأكد من استمرار سمات معينة بلغت ٣٤ سمة وصنفت تحت فئات معينة هي:
- طرق ووسائل تقديم المعلومات والبيانات.
- أشكال الأنماط السلوكية الشخصية المتبادلة.
- الاستجابات لتأثيرات التنشئة الاجتماعية.
- طريقة تقويم الذات.
وتشير نتائج هذه الدراسة أن جميع معدلات الارتباط بين السمات واستمراريتها كانت أكثر من ٠.٥٠ حيث أوضحت اتساقا واستمرارية ذات دلالة إحصائية أثناء وقت الدراسة، بالإضافة إلى أن النتائج تشير بصورة قوية بأن هذه السمات التي قد رسخت في فترة المراهقة المبكرة، ولم تكن ذات دلالة إحصائية قد تأثرت بعملية نمو المراهق.
وتشير عديد من الدراسات إلى تدعيم ما ذهبت إليه Oakland, فعلى سبيل المثال توضح دراسة برنسون Bronson؛ "١٩٧٢" أن نمو الشخصية عادة ما تتوقف أو تتعطل ببداية المراهقة ولكنها تستمر في ديمومة ذات اعتبار خلال فترة المراهقة وإلى مرحلة الرشد.
مفهوم الذات وتقدير الذات لدى المراهقين:
مفهوم الذات Self Concept يتمثل في تقدير المراهق لقيمته كشخص، ومفهوم الذات يحدد إنجاز المرء الفعلي، ويظهر جزئيا في خبرات الفرد بالواقع واحتكاكه به، كما يتأثر تأثرا كبيرا بالأحكام التي يتلقاها من الأشخاص ذوي الأهمية الانفعالية في حياته، وبتفسيراته لاستجاباتهم نحو "الآباء, والرفاق"، فمثلا المراهق ذو الذكاء المرتفع الذي يوبخه والداه ويحقرانه دائما، قد يتولد لديه مفهوم عن نفسه كشخص غير كفء عاجز عن تحقيق إمكانية، كما يحاول أن يدعم ويؤكد تلك
стр. 588
الجوانب من ذاته التي يستحسنها الكبار من حوله أو رفاقه لكي يتجنب الشعور بالذنب الناجم عن استهجانهم له، أو شعوره بالاغتراب سواء عن ذاته أو عن الآخرين.
وتشير دراسات عديدة في سيكولوجية النمو إلى الاختلافات الجنسية بين المراهقين والمراهقات في إدراك مفهوم ذواتهم أو تقديرهم لذواتهم, ففي دراسة Hathaway,S & other وكذلك دراسة Mckee, j & Other؛ "١٩٥٩" تشيران إلى أنه بسبب النظر إلى المرأة في المجتمع الأمريكي كمواطنة من الدرجة الثانية، فقد دلت الدراسات على أنهن ينظرن إلى ذواتهن بصورة تتسم بالدونية والضعف إذا ما قورنت بالمراهقين الذكور, كما أشارت هذه الدراسات أن الإناث المراهقات كن أقل رضا وإشباعا عن نوع جنسهن إذا ما قورنَّ بالذكور، ويشير Kohiberg؛ "١٩٦٦"، Bohan؛ "١٩٧٣"، أن الإناث كان لديهن صعاب أو مشكلات أكثر في تصورهن لذواتهن، وتصورهن لأجسادهن أكثر مما وجد لدى الذكور.
ومن جانب آخر فإننا نجد دراسات أخرى تشير إلى أن كلا من الذكور والإناث عادة ما يكون لديهم تقريبا نفس القدر من تقديرهم لذواتهم كدراسات Rosenberg؛ "١٩٦٥", ودراسة Piers؛ "١٩٦٤" ولكي نتفهم هذه النتائج المتناقضة بصورة أفضل، فإننا سوف نناقش سويا ثلاثة جوانب للذات هي، الوعي بالذات، ثبات واستقرار صورة الذات، وتقدير الذات عند المراهقين والمراهقات.
وعن المراهق بذاته Adolescent Self Conciousnes:
تتمثل في ملاحظة المرء لنفسه، وفحص ذاته وتدقيقها ووعي المرء بنفسه والوعي بأن شخصا آخر يعيه، وعندما يشعر المرء بالارتباك والحيرة فعادة ما يرجع ذلك إلى وجود نقص في الوعي بالذات، وتفسير ذلك أن المرء ربما يخشى أن يراه الآخر في صورة خلاف الصورة التي يرى هو نفسه بها، وربما لأن المرء يخشى أن يكون قد أظهر ذاته بمظهر لا يتفق مع جلال أو أهمية الموقف الذي هو فيه.
ولقد حاولت دراسات نفسية عديدة قياس وعي المراهق بذاته لكي تلقي الضوء على كيفية وعي المراهقين بذواتهم في المواقف الاجتماعية، واستخدمت أنماط من التساؤلات في ذلك، فمثلا "إذا سألك مدرسك أن
стр. 589
تنهض أمام زملائك داخل الفصل وأن تتحدث قليلا عن كيفية قضائك عطلة الأسبوع:
- هل تكون عصبيا جدا؟
- أو تكون عصبيا بصورة ضعيفة.
- أو لا تكون عصبيا على الإطلاق.
وتشير نتائج دراسات Simmons وآخر "١٩٧٢" أن وعي المراهق بذاته يزداد بصورة ملحوظة كلما تدرج من طفولته إلى مراهقته المبكرة، ويلاحظ أن معدل الزيادة كانت عند الإناث أكثر ما عند الذكور، وكانت عينة الدراسة السابقة مجموعة من المراهقين البيض في مناطق ريفية، وعموما فإن هذه النتائج ونتائج دراسات أخرى غيرها تعكس ثمة حقيقة مؤداها أن مظهر الأنثى الجسمي عادة ما يكون مرتبطا بصورة كبيرة بمدى شعبيتها Populotrity إذا ما قورن ذلك بما لدى الذكور، حيث يكون لديهن ما يجذب أنظار الآخرين لهن بمظهرهن، أكثر مما يكون لدى المراهقين، وبالتالي نجدهن أكثر اهتماما وقلقا بشعورهن أو عيونهن أو بذواتهن فيما يتعلق بمظهرهن إذا ما قورن بالمراهقين في نفس عمرهن.
ثبات أو استقرار صورة الذات Self Image Stability:
وتتمثل في مدى استقرار وثبات الذات كما يتصورها أو يتخيلها صاحبها، ولقياس ذلك عند المراهقين، بمعنى إلى أي مدى يكون المراهق متأكدا من نفسه أو غير متأكد منها، صممت بعض الوسائل للكشف عن ذلك وتتضمن مواقف مثل:
"قال لي مراهق بأنه أحيانا يحب الطريقة التي يسير عليها في حياته، وفي أحايين أخرى لا يحبها، هل مشاعرك تتغير مثل زميلك هذا؟
وعموما فإن نتائج هذه الدراسات تشير إلى أنه يوجد زيادة في عدم ثبات واستقرار الذات أثناء فترة المراهقة المبكرة, كما أن البنات أوضحن عدم ثبات أكبر لذواتهن إذا ما قورن بالمراهقين، كما أنهن يشعرن بشعور أقل إيجابية عن ذواتهن، إذا ما قورن بالذكور, وجدير بالذكر فإن هذه الفروق يجب أن نشير إلى أنها ترجع إلى عملية الاشتراط الثقافي وليست لعوامل وراثية عند الإناث.
стр. 590
كما أن الاستقرارية في الذات لدى المراهقين والمراهقات لا نجدها عامة في جميع مجالات حياتهم، ففي إحدى الدراسات التي كانت مهتمة بقياس ثبات الاختيار خلال الوقت، حيث سئل بعض المراهقين والمراهقات أن يرتبوا بعض الأشياء المفضلة لهم مثل الألوان المفضلة والبرامج التليفزيونية والحيوانات وهكذا, وبعد أسبوعين من التجربة الأولى سئل المراهقين نفس هذه التساؤلات مرة أخرى، وأشارت النتائج أن ثبات الاختيار يزداد مع ازدياد العمر الزمني في جميع الأعمار الزمنية، كما أوضحت نتائج المراهقات أنهن كن أكثر اتساقا واستقرارا في اختياراتهن من المراهقين.
تقدير الذات Self Esteem:
أحد وسائل الكشف عن تقدير الذات كما أشرنا يتمثل في اتجاهات الفرد الإيجابية أو السلبية تجاه ذاته، وعادة ما تستخدم مواقف مثل:
"كل شخص يعرف بعض الأشياء الجيدة عن نفسه، وبعض الأشياء غير الحسنة، فهل معظم الأشياء التي تعرفها عن نفسك "حسنة" سيئة، أو من كليهما وتشير بعض الدراسات التجريبية أن المراهقات عادة ما يكن أكثر انخفاضا في تقديرهن لذواتهن إذا ما قورن بالمراهقين، ويرجع ذلك إلى العلاقة الوثيقة بين مظهر الإناث ومفاهيمهن عن ذواتهن ففي إحدى الدراسات طلب من المراهقين والمراهقات أن يقيموا ذواتهم وأقرانهم على مقياس يقيس المظهر المثالي كما طبق عليهم اختبار للشخصية يقيس التكيف الشخصي والثقة بالنفس والإحساس بالقيمة الشخصية والشعور بالحرية الشخصية والإحساس بالانتماء والميول والانسحابية والأعراض العصابية، واستخرج من تلك البيانات المعلومات المجمعة مقياس الإحساس بالقيمة الشخصية، وتشير النتائج أن كلا من المراهقين والمراهقات عادة ما يميلون إلى تقييم ذواتهم بصورة متساوية أو أعلى من أقرانهم خاصة في مظهرهم العام، كما أشار ما يقرب من ٤٣.٧% من المراهقين إلى عدم الرغبة في تغيير أي شيء من مظهرهم، في حين لم يعبر عن هذا الموقف إلا ما يقرب من ١٢.٢% من الإناث، وتشير النتائج كذلك إلى وجود الارتباط الإيجابي بين تقدير المراهقات لمظهرهن الشخصي ودرجة تكيفهن، كما أن درجات الإناث كانت تميل إلى الانخفاض في مقياس التكيف الشخصي إذا ما قورنت بدرجات الذكور.
стр. 591
ونتائج هذه الدراسات متسقة مع الاتجاهات التي أشرنا إليها سابقا في أن مظهر الإناث وجاذبيتهن تلعب الدور الأكبر في مفهوم المرأة عن ذاتها، وما زلنا بعيدين جدا عن الوسط أو البيئة الاجتماعية التي يقيم فيها الأفراد تبعا لإنجازاتهم وقدراتهم بدلا من مظهرهم العام, وخاصة الإناث منا.
وجدير بالذكر، فكلما حاول المراهقون اكتشاف هويتهم، والحصول على استقلالية أكبر، غالبا ما يقعون في صراع مع آبائهم من جهة وأقرانهم من جهة أخرى، وسوف نلقي الضوء في ثنايا الصفحات التالية عن العلاقة بين حياة الأسرة وبين نماذج مختلفة من نمو المراهقة.
стр. 592
نماذج نمو المراهقة:
قام كل من Daniel & Judith؛ "١٩٧٢" بدراسة طولية على جماعة من المراهقين البيض، وتضمنت هذه الدراسة ٦٣ مراهقا ومراهقة أثناء سنواتهم الدراسية، وكان أحد أهداف الدراسة إلقاء الضوء على الجذور السوية المتنوعة لنمو المراهقين حتى مرحلة الرشد، وجمعت بيانات هذه الدراسة من ثمة مصادر كالمقابلات مع الآباء والمدرسين, وتطبيق بعض الاختبارات على عينة البحث, ولقد بدأ تجميع هذه المعلومات منذ عام ١٩٦٢ واستمرت حتى عام ١٩٧٠، حتى أصبح معظم المراهقين إما متخرجين من الجامعة أو قد أنهوا دراستهم الثانوية منذ أربع سنوات، وتشير النتائج أنه في أثناء عملية نمو المراهقين ظهر لديهم بعض أنواع من الصراعات العادية تتمركز بين رغبتهم في تقبل الآباء لهم، وبين رغبتهم في التحرر من السلطة الوالدية، ومن الناحية السياسية أشارت النتائج إلى وجود الاتساقية بين الاتجاهات الوالدية واتجاهات مراهقيهم وفي تحليل الكمية الهائلة من المعلومات والبيانات التي جمعتها هذه الدراسة أشارت إلى وجود ثمة جذور Routes أو أصول نمائية ثلاثة مختلفة للمراهقين والشباب وتتمثل فيما يلي:
أنا ما يقرب من ٢٣% من عينة الدراسة أشارت إلى ما يسمى باستمرارية النضج، كما أشار إلى ما يقرب من ٣٥% إلى نمط النضج الغامر أو الجياش، وأن ما يقرب من ٢١% أشارت إلى ما يسمى بالنمو المضطرب العنيف، والباقي أشاروا إلى خليط من هذه النماذج الثلاثة الرئيسية، وسوف نلقي الضوء على هذه النماذج النمائية الثلاثة التي تمخضت عنها هذه الدراسة.
стр. 593
أ- نمط النضج المستمر Continuous Growth:
أظهرت الحالات التي اتسمت باستمرارية النضج، وتقدما نمائيا من مراهقتهم إلى شبابهم، ورجولتهم بطريقة هادئة، ودخلوا في حياة راشدة متكاملة, وهذه الحالات كان يكتنفها ظروف معينة مثل الخلفية الوراثية والبيئية الجيدة، ولم تتسم طفولتهم بوجود أشياء مثل الموت أو الأمراض الخطيرة للآباء أو الأقارب المحيطين بهم، كما أن نواة الأسرة بقيت كوحدة مستقرة أثناء طفولتهم ومراهقتهم, وتشير النتائج أن هذه الحالات تمكنت من اجتياز المراحل النمائية السابقة دون تثبت أو نكوص، وكانوا قادرين على التعامل مع المثيرات الداخلية والخارجية من خلال توحيد أو ائتلاف متوافق من العقل والتعبير الانفعالي، وبالإضافة فإن هذه الجماعة تقبلت المعايير الاجتماعية والثقافية العامة، وشعروا بالراحة والإشباع داخل هذا المضمون الثقافي وبالتالي لم يشعروا بالاغتراب سواء عن مجتمعهم أو عن ذواتهم بالإضافة إلى أنهم كانوا بمقدورهم إجراء تكامل لخبراتهم واستخدامها كمثير لعملية نضجهم ونمائهم.
وبإيجاز فإن هذه المجموعة من الشباب أظهرت صورة من صور التكيف الجيد فيما يتعلق بذواتهم وكذلك بالنسبة للمجتمع الكبير الذي يكتنفهم، كما ظهرت على سمات سلوكهم دلائل الرضا والإشباع، فلم يتسموا بالعدوان أو الدونية ولكنهم كانوا يتسمون بالثقة في ذواتهم والاستقرار والثبات، وباستمرارية نمائية واثقة معتدة, وجدير بالذكر فإن استقرار وثبات نمط حياتهم المبكرة الأولى أمدهم بالثقة في تعاملهم مع مستقبلهم، فقد كان يبدو عليهم إدراك ما سيأتي من أحداث وكيفية التعامل معها.
ب- نمط النضج الغامر أو الجياش Surgent Growth:
اختلفت هذه المجموعة عن المجموعة الأولى في كمية الصراعات الانفعالية التي خبروها وكذلك في نماذج حل هذه الصراعات، فقد ظهرت طاقتهم المتمركزة والموجهة نحو التحكم في مطالبهم النمائية، وبصورة أكبر من الجماعة الأولى "النضج المستمر", وبمرور الوقت وجد أن هذه الحالات لديها القدرة على التكيف بصورة جيدة، متكاملين في خبراتهم ويتقدمون في مدارج نموهم العادي، إلا أنه في أوقات معينة كان يبدو عليهم أمارات عدم النضج وعدم القدرة على السير قدما في مدارج نضجهم كما أن دائرة النمو والنكوص كانت أكثر ظهورا مما لدى الجماعة
стр. 594
الأولى، فالدفاعات التي استخدموها كالغضب والإسقاط كانت توحي بالمرضية إذا ما قورنت بدفاعات مجموعة النضج المستمر.
وتشير البيانات أن هذه المجموعة قد مرت بخبرات أكثر إيلاما من المجموعة الأولى "كالموت، أو الطلاق، أو الأمراض الخطيرة لبعض أفراد أسرتهم", كما شعر هؤلاء الشباب بأنماط من الصراعات مع آبائهم تجاه الاتجاهات والقيم، إذا ما قورنوا بالجماعة الأولى، كما خبروا تقلبات انفعالية مزاجية تتدرج من الثقة بأنفسهم إلى الاكتئاب، وعلى الرغم من أن شباب هذه المجموعة كانت لهم علاقة صداقة قوية، إلا أنهم كانوا يبذلون جهدا كبيرا لإقامتها وتكوينها، وكذلك في الاحتفاظ بأصدقائهم.
وتشير النتائج كذلك إلى أن نماذج تكيف هؤلاء الشباب كانت مناسبة حيث أقاموا أهداف طويلة المدى وعملوا في السعي إلى تحقيقها كما كان لزاما عليهم العمل بصورة أكثر جدية للاحتفاظ بتوازنهم واتساقهم أكثر مما وجد عند المجموعة الأولى.
ج- نمط النضج الصاخب المضطرب Tumultuous Growth:
كانت شباب هذه المجموعة يمثلون ما يوصف في كتابات سيكولوجية المراهقة بالعواصف والشدة والتوترات، أو ما يسمى بالشباب المغترب، فقد كان لديهم مشكلات في المنزل وفي المدرسة وأحيانا كانوا يتورطون في متاعب مع القانون.
وأظهرت هذه الحالات نماذج مضطربة مشاغبة أتت من بيئات أقل استقرارا من المجموعتين الأخيرتين، فبعض آباء هذه المجموعة كانت لديهم صراعات أسرية واضحة، والبعض الآخر من الآباء كان لديه تاريخا للمرض النفسي أو العقلي، ومن ثم فإن الخلفية الوراثية والبيئية لحالات النضج الثائر المضطرب كانت تومئ بالاختلاف عن تلك الموجودة للحالات في المجموعتين الأخيرتين، كما أنها أشارت إلى وجود اختلافات اجتماعية طبقية، فعلى الرغم من أن الدراسة تمركزت على الطبقة المتوسطة، إلا أنه وجد أن كثيرا من حالات هذه المجموعة كانت متمركزة في الطبقة الفقيرة، وبالتالي فإن عمل هؤلاء الشباب في بيئات متوسطة أو مرتفعة كان سببا من أسباب الإحباطات الإضافية التي واجهتهم في مجال أعمالهم.
стр. 595
وتشير البيانات أن هذه المجموعة من الشباب قد خبروا أحداثا مؤلمة غير سعيدة في حياتهم، كما أن علاقاتهم مع آبائهم كانت مليئة بالصراعات، وكثيرا منهم كان لديه أعراض مرضية إكلينيكية واضحة، وعلى الرغم من أن هذه المجموعة كانت لديها ارتباطات أسرية أحسن من التي توجد بين المرضى العقليين إلا أنهم كانوا أكثر عرضة إلى القلق والاضطراب الانفعالي، إذا ما قورنوا بشباب المجموعتين الأخيرتين، كما أن الإنجازات الأكاديمية لهؤلاء الشباب كانت منخفضة، حيث لم يكن لديهم الطموح لإحراز النجاح المهني في المستقبل، وبإيجاز فإن هذه المجموعة كانت من المراهقين والشباب التي اتسمت بالإيلام الأكبر والاغتراب الأكثر سواء عن ذواتهم أو مجتمعهم من حولهم.
وجدير بالذكر فإن أهمية هذه الدراسة يتمركز في إشاراتها إلى العلاقة الوثيقة بين حياة الأسرة ونمو المراهقين، فعلى الرغم من أن الحياة الأسرية المستقرة لا تضمن لنا تحرر المراهقين من أنماط الصراعات المختلفة إلا أنها تساعد على ذلك، وهذه الدراسة تشير أن المراهق الذي يكون في صراع مع أسرته, أو المراهقة التي تكون في صراع مع أسرتها, وكذلك مع المجتمع قد يكون شخصا مقولبا مفرطا مجهد لنفسه, كما أن أهمية هذه الدراسة كذلك في إشارتها إلى أن أغلبية المراهقين والشباب ينتقلون خلال المراهقة بدون حدوث أنماط مضطربة أو عواصف, وفي نفس الوقت يجب الاهتمام بتلك الفئة القليلة التي تشعر بالغربة والانفصال عن ذاتها وعن مجتمعها ومن نتائج هذه الدراسة كذلك أنها أشارت أن هذه النماذج الثلاثة من نمو المراهقة تؤثر في اختياراتهم المهنية المستقبلية التي يجرونها.
جملة القول، أن الغالبية العظمى من المراهقين يمرون من مراهقتهم إلى شبابهم دون الإحساس بالغربة عن الذات أو المجتمع, إلا أن هناك آخرين نجدهم يشعرون بالانفصال والبعد عن ذواتهم ومجتمعهم ويجب أن نحيط هؤلاء المراهقين والشباب بالرعاية ونساعدهم على تفهم ذواتهم تفهما سويا، وكذلك مجتمعهم من حولهم حتى ننقذهم من اغترابهم وانسلاخهم عن مجتمعهم، وسنلقي الضوء على هذه المشكلة، مشكلة اغتراب المراهقين والشباب وكيف نجعل لحياتهم معنى ولذواتهم قيمة وبالتالي يرتدون إلى ذواتهم ومجتمعهم.
стр. 596
الشخصية والنمو الاجتماعي:
فترة المراهقة تشبه فترة الرضاعة حيث نجدهما يتصفان بالنمو الجسمي السريع، وحدوث تغيرات رئيسية في هيئة الجسم ومظهره، وكذلك فترة سنوات ما قبل المدرسة من حيث حدوث توسيع وامتداد الآفاق الاجتماعية وانبثاق الفروق الشخصية، وتشبه من جانب آخر فترة الطفولة الوسطى حيث تتميز بازدياد التحرر والانطلاق من سلطان الأسرة، والتبدل المستمر من الاهتمام بنشاطات المنزل إلى نشاطات واهتمامات جماعة الرفاق ونشاطات المجتمع, أي إن فترة المراهقة يمكن أن نسميها بأنها تجسيد لجميع التغيرات التي حدثت في المراحل النمائية السابقة، فهي امتداد لما حدث لنمو الكائن الآدمي في الماضي.
كما أن معالم الجوانب النمائية أثناء فترة المراهقة تختلف بمرور سنوات المراهقة، فالمراهقة المبكرة والتي تتزامن تقريبا مع نهاية سنوات المدرسة الابتدائية في نظام التعليم المصري، عادة ما يهيمن عليها النمو الجسمي والجنسي المفاجئ وأثناء فترة المراهقة الوسطى والتي تتزامن مع نهاية سنوات المدرسة الابتدائية وبداية سنوات المرحلة الثانوية، نجد المراهق أثناءها يهتم بصورة أساسية بالحصول على الاستقلال النفسي من الآباء, ويتعامل مع الرفاق من الجنس الآخر، كما تظهر العلاقات الجنسية الغيرية، والمراهقة المتأخرة تبدأ تقريبا في نهاية سنوات المدرسة الثانوية وتستمر إلى أن يكون المراهق الإحساس المعقول بالهوية الشخصية وينشغل بأدوار اجتماعية محددة بالإضافة إلى أنظمة من القيم وأهداف في الحياة.
ولقد استعرضنا في سياق الفصل السابق النمو الجسمي السريع الذي يحدث في فترة المراهقة، وسوف نركز في ثنايا هذا الفصل على التغيرات النفسية والاجتماعية التي تحدث في فترة المراهقة، حيث نلقي الضوء على نضال المراهق من أجل الاستقلال، وتقدم المراهق نحو العلاقات الاجتماعية الناضجة، وتكامل الهوية الشخصية، كما سنستعرض نماذج سلوك دور الجنس، وسنناقش بالإضافة مفهوم الثورة أو العصيان في فترة المراهقة، وفجوة الأجيال، وسنتعرض في ثنايا هذا الفصل إلى بعض مشكلات النمو بصفة عامة سواء في فترة الطفولة أو فترة المراهقة، بعد ذلك نختتم برؤية عامة لحياة الإنسان ونموه.
стр. 597
النضال من أجل الاستقلال:
رأينا في الفصول السابقة نمو الاستقلالية عند الأطفال الصغار، والتي تبدأ من نضالهم الأولي في الجلوس والوقوف بأنفسهم بواسطة التحكم في مهاراتهم الحركية في سنوات ما قبل المدرسة، وشعورهم النامي بالكفاية والاعتماد على الذات أثناء فترة الطفولة الوسطى، كما أن نضال فترة المراهقة الوسطى للاستقلال ليس إلا جانبا من نشاطات الشخص اليافع، حيث تصبح غاية في ذاتها، فالمراهقون يناضلون للحصول على الحرية النفسية الكاملة من آبائهم، الحرية لكي يكونوا هم أنفسهم ولكي يحددوا قيمهم الخاصة، ويخططوا مستقبلهم، واختيار ملابسهم الخاصة, ورفاقهم، وسلواهم، والاحتفاظ بأشيائهم الخاصة، وانتماءاتهم وأفكارهم ومشاعرهم.
مصادر نضال المراهق للاستقلال:
إن انشغال المراهق الكامل واستغراقه في الاستقلالية ينشأ بصورة جزئية من النمو الجسمي والعقلي الذي يعتريه في هذه الفترة، وجزئيا من توقعات الآخرين من حوله, ففي الخامسة عشر والسادسة عشر عادة ما نجد المراهق يحصل على معظم طوله كراشد، ويكون قريبا من الوصول إلى ذروة قدراته العقلية، كما يمكنه الإنجاب، بالإضافة إلى تراكم المعلومات الضخمة لديه عن العالم الذي يحيط به، ويشعر بالكفاءة والقدرة لتسيير حياته الخاصة وبالتالي يجب أن يعامل كشخص راشد، ويحصل على إشباع كبير في امتحان قدرته وكفاءته ويحاول تكوين آراء حول أدوار الراشدين، وعادة ما نجد أشياء صغيرة تجعل المراهق متوترا ضجرا عند سماعه أي شخص يصغر من شأنه أو يستخف بآرائه أو يسلبه حريته.
ويعامل الآباء أحيانا مراهقيهم كما لو أنهم أقل قدرة وكفاءة وأقل مسئولية، لأسباب عديدة سنناقشها فيما بعد، وهم بسلوكهم هذا يعوقون نضج شخصية المراهقين، ومن جانب آخر نجد آباء آخرين يعززون نضال مراهقيهم للاستقلالية عن طريق تشجيعهم وتوقعاتهم منهم, وعادة لا نجد في المجتمعات المتقدمة الحد الفاصل بين فترتي الطفولة والرشد كما نجده في المجتمعات البدائية، حيث عادة ما نجد في الأخيرة استخدام طقوس وشعائر تستمر طوال الليل والنهار لإعلام الأطفال الصغار انتقالهم من أدوار الطفولة إلى أدوار البالغين Brown, J. k؛ "١٩٧٥"، ومع ذلك فيوجد في الثقافات المتحضرة كذلك بعض من الشعائر البسيطة والتي
стр. 598
بواسطتها يعرف الأفراد الصغار فاعترافنا بهم، وشعورنا بأنهم على استعداد لتحمل مسئولية تحديد ذواتهم، فمثلا ترك المراهق لاختيار التعليم الذي يناسبه ويتفق مع ميله، بالإضافة إلى تمكنه من استخراج هوية شخصية وتصريح للعمل وترخيص لقيادة السيارة، وأن يعاملوا ويحاكموا كراشدين عند كسرهم القانون، كما يدرك المراهقون بأنهم يقتربون من السن الذي يمكنهم فيه التصويت والاقتراع في الانتخابات العامة، وتمنح بعض الأسر كذلك سلسلة متدرجة من الطقوس والشعائر الصغيرة في صورة قوانين ومبادئ أقل صرامة عن ذي قبل كاستخدام سيارة الأسرة أو الغياب عن المنزل، أو الذهاب إلى رحلات ومعسكرات خارج المدينة مع أصدقائهم، وهكذا، وعموما فإنه مع كل تصريح أبوي، نجد الآباء يعربون عن الثقة التي يولونها لنضج أطفالهم.
ازدواجية المشاعر لاستقلال المراهق:
قد نجد كلا من المراهقين الذين ينشدون الاستقلالية، وكذلك الآباء الذين يشجعونهم عليها، يخبرون بعضا من ازدواجية المشاعر Ambivalent عنه، وتؤدي هذه الازدواجية بين الفينة والأخرى إلى أنماط سلوكية متضاربة عند كل من الجانبين.
أ- ازدواجية مشاعر المراهق:
عندما يبدأ المراهق في التمتع بامتيازات جديدة، نجد بعض الآباء يأسفون على فقدان بعض المسئوليات التي كانت من اختصاصاتهم فيما مضى، ولكنها ذهبت من على كاهلهم الآن, ويتوقع المراهق أن يمنحه الأب مصروفا خاصا ويعمل بعضا من القرارات الحاسمة الخاصة به، ويتحمل بالتالي النتائج لأخطاء بعض القرارات، كما يعني التحرر كذلك من وجهة نظر المراهق التعامل مع المواقف الجديدة، والتي قد يشعر فيها بعدم الكفاءة وصعوبتها بالنسبة إليه، كتوقع تقديم طلبات الاستخدام، أو الاختيار في التعليم بين شعبتيه العلمية والأدبية, أو التعليم الفني, إجراء ترتيبات خاصة لمواعيد الطبيب، ويتعامل كراشد كذلك مع الباعة وجرسون المطاعم والمقاهي, وعادة ما نجد المراهق يلتمس طريقه خطوة فأخرى إلى أن يتمكن من تنمية الثقة بنفسه وبالتالي يسهل عليه التعامل مع هذه المواقف, ومن جانب آخر يجب عليه تحمل اللحظات المؤلمة العرضية لعدم الثقة والارتباك الذي يصيبه في بعض الأحيان, ولذلك فإننا نرى بعض الأوقات أن أغلب المراهقين الصغار يتوقون لأيام فترة الطفولة السعيدة
стр. 599
الخالية من الهموم، حيث كان الآباء يتولون القيام بهذه الأعمال نيابة عنهم.
وأحد نتائج ازدواجية مشاعر النمو، نجد المراهق يتردد في بعض الأحيان بين إتيان السلوك الناضج من جهة والسلوك الطفلي من جهة أخرى، فأحد الأيام قد يأخذ المسئولية الكاملة للعمل في الموقف الصعب, وقد يعود في اليوم التالي على أدراجه يائسا إلى الأب لحل مشكلة بسيطة قد تعترضه، وقد يظهر في بعض الأحيان أحكاما صائبة مذهلة، وقد يعمل في أحايين أخرى بصورة اندفاعية هوجاء وبقليل من الاحترام للآخرين، ويشير كل من Beres, D؛ "١٩٦١"، Keil, N؛ "١٩٦٤" أن هذا التأرجح في مستوى نضج المراهقين لا يعكس أية تغييرات ذات دلالة في قدرتهم الأساسية للاستقلالية، حيث إنها تعتبر علامة أو إشارة تقريبية إلى مدى قوة وشغف المراهقين في أن يصبحوا راشدين من جانب، وشغفهم أو حنينهم السابق في أن يبقوا أطفالا من جانب آخر.
ازدواجية مشاعر الآباء:
عادة ما يستمتع الآباء برؤية أطفالهم ينمون ويدخلون فترة المراهقة، ويستقبل بعض الآباء هذه الأوجه النمائية لمراهيقهم بفرح ورضا فقد يفتخرون بصحة أطفالهم وإنجازاتهم ومظهرهم؛ لأن ذلك في جوهره يعكس أهليتهم وجدارتهم كآباء، ويكون لديهم إشباعا كذلك برؤية مراهقيهم أكثر نضجا وذكاء عما كانوا عليه فيما مضى أثناء طفولتهم، ولديهم توقعات بأنهم سوف يحيون حياة الراشدين المكافئة، بالإضافة إلى أننا نجد بعض الآباء ينظرون إلى تقدم أطفالهم نحو فترة المراهقة أو الرشد بترحاب ورضا لأنهم سوف يكونون أحرارا في أداء أعمال معينة والتي كانوا يشعرون بعدم القدرة على أدائها عندما كانوا أطفالا حيث كانوا صغارا معتمدين عليهم، لا يمكنهم التحرك أو الانتقال بمفردهم.
ومن جانب آخر فإن ازدياد استقلال المراهقين والتعرض إلى الأخطار المحتملة، والأشياء المثبطة المخيبة للآمال يؤدي بكثير من الآباء إلى التوتر والقلق فأغلب الآباء ينزعجون ويقلقون بالكيفية التي يتعامل بها المراهقون مع الإحباطات الأكاديمية والاجتماعية، وكذلك كيفية تعاملهم مع الجنس والتدخين والعقاقير، وتشير نتائج دراسة Nostalgia أن الآباء قد يشاركون أبناءهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا بعضا من الشوق والتوق
стр. 600
للعودة إلى الماضي، إلى السنوات المبكرة في فترة طفولتهم، عندما كانت الحياة أقل تعقيدا وتركيبا بالنسبة لكل منهما.
وقد تكون فترة المراهقة بمثابة خبرة مؤلمة صعبة لبعض الآباء "وللأمهات بصورة خاصة" اللاتي يتباهين بدورهن الأموي، وبالتالي يعطن تنشئة الطفل ونموه الأولوية المطلقة في حياتهن اليومية، وبالنسبة لهؤلاء الآباء أو الأمهات يصبح نضج مراهقيهم إشارة إلى نهاية دورهم في الحياة، كما نجد بعض الآباء يشعرون بالحزن كلما اقترب أطفالهم من المرحلة التي ينتقلون فيها من سلطتهم، تاركين المنزل وراءهم فارغا إلى حد ما، وأقل هدوءا، وأقل انتقادا ووجود استثارة للصغار ومعادل لما سبق فإن نمو أطفالهم ونضجهم ما هو إلا دليل واضح للآباء بأنهم قد كبروا وأصبحوا أكبر في السن مما مضى Anthony Ravenscroft, k؛ "١٩٧٠".
وبسبب هذه المشاعر والأحاسيس المختلطة، فقد يظهر الآباء اتجاهات شاذة غريبة نحو استقلال مراهقيهم، فقد نجدهم بين الفينة والفينة يعاملون مراهقيهم الذكور أو الإناث كأطفال غير أكفاء كليلة، وفي أحايين أخرى يعاملونهم كراشدين، وبطبيعة الحال فإن المراهقين ليسوا أطفالا وكذلك ليسوا راشدين بعد، وما يحتاجونه عادة هو الخبرة المتدرجة في الاستقلالية والتي يحترم فيها الآباء قدراتهم، إلا أنهم في نفس الوقت يكونون على استعداد لمساعدتهم وتدعيمهم عندما يدخلون في مواقف لا يمكنهم التعامل معها.
نماذج السلطة الأبوية:
إن الآباء الذين يمكنهم وضع ضوابط معقولة على مراهقيهم، وفي نفس الوقت يعطونهم الفرص المتزايدة بصورة تدريجية للاستقلال، عادة ما يسهمون بصورة فعالة في تدعيم ثقة المراهقين بأنفسهم، بالإضافة إلى ضبط ذواتهم والقدرة على الاعتماد على أنفسهم وقدراتهم لعمل الأحكام الناضجة، وعلى نقيض ذلك نجد الآباء الذين يتحكمون بصورة مفرطة ويتسمون بالصرامة والجمود عادة ما نجدهم يميلون إلى الإضعاف التدريجي من ثقة مراهقيهم بذواتهم وقدرتهم على الاستقلالية، ومن جانب آخر نجد الآباء الذين يتصفون بالتساهل بصورة عالية وعدم القدرة على التحكم وضبط مراهقيهم يجعلون من الصعب عليهم تعلم المسئولية والثقة والاعتماد على أنفسهم.
следующие страницы →