← Медицина

Медицина · id 10751

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة

عادل الأشول

Полный текст (737 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

المعروضة وإنتاج أكثر الاستراتيجيات من حيث الفعالية في متابعة المعلومات وإخراجها، وبمعنى آخر يتصف تفكير حل المشكلة في مرحلة الرشد الوسطى بأنه أكثر انتظاما ومنطقية وكفاءة وفعالية عن ذي قبل. نمو الشخصية: يبدو نمو الشخصية في منتصف العمر -عند بعض الأفراد- على أنه شيء غير محتمل, فقد يقال عن الأفراد في منتصف أعمارهم بأنهم يتسمون بالجمود ولكنهم أكثر إيجابية، كما أنهم أكثر ثباتا في شخصياتهم، ولقد أشارت إحدى الدراسات أن الأفراد في مرحلة الرشد المبكر كانوا في سن الأربعين بأنهم أظهروا زيادة ملحوظة في التكيف مع الأوضاع القائمة خاصة في المهنة جولد Gould؛ "١٩٧٢". ومن ناحية أخرى، تشير دراسات أخرى إلى أن مرحلة الرشد الوسطى من الممكن أن تكون فترة من النمو والتغيير غير العادي حيث ترى بعض الكتابات أن الحياة تبدأ بعد سن الأربعين، وهذا الرأي يدعم تلك الفكرة، لدرجة أنهم قارنوا عنفوان بداية الرشد المتوسطة مع عنفوان مرحلة المراهقة، مخرجين للناس مصطلحا جديدا يربط فترتي المراهقة والرشد، وذلك المصطلح عودة اليقظة يعزى إليه كل ما يحدث في هذه الفترة، حيث ينظر إليها كفرصة لترحيل كل أزمات الهوية في فترة المراهقة، كما تمثل هذه الفترة فرصة ثانية لكي تفعل أشياءك بنفسك ولتحقق ذاتك بصورة أكثر عمقا وصدقا, وتأتي مصطلحات عودة اليقظة الغريزية وخبرة إعادة الميلاد، والعنفوان المتجدد لفترة منتصف العمر، وكلها مصطلحات طبيب نفسي لذات الظاهرة. "فلاينت Vaillant؛ ١٩٧٧". وتصوير مرحلة منتصف العمر بأنها فترة ثبات, وفترة تغير, كليهما صادق إلى حد ما، إذ أن الحياة لا تبدأ بالفعل عند سن الأربعين، كما أن النمو والنضج لا يتوقفان عند سن الأربعين أو الخمسين أو الستين، أو أي فترة على مدار العمر، وحيث يخبر الإنسان بعض الأزمات في منتصف العمر، فإنها تميل إلى إحداث تغيرات تنحو بالفرد في اتجاه تكامل هويته, كما يشير مصطلح وعودة "اليقظة" إلى بعض المشاعر المستبعدة في السنوات التي يشوب فيها قلق المهنة، أو في محيط الأسرة، مما يجعله يشعر بها مرة أخرى، مما ينتج عنه شخصية أكثر شمولية، وقد يؤدي مفهوم المرء بأنه قد أصبح حرا إلى أن يحقق ذاته بصورة أكثر صدقا وعمقا، وقد

стр. 667

يؤدي به إلى الإتيان ببعض الأنماط السلوكية الجديدة المثيرة كالطلاق المفاجئ أو تغيير المهنة, إلا أن هذه الأفعال يمكن أن تعتبر كخبرة نحو الانتقال إلى الثقة بالذات، ويشير إريكسون في ذلك بقوله إلى أن الناتج السلبي لأزمة الرشد يتمثل في الجمود أو الركود أو العجز عن التغيير ويستخدم الأفراد أحيانا لوصف مرحلة الرشد الوسطى مصطلح "الإرهاق" ولا يكون نقيض الركود عند إريكسون هو مجرد التغيير بل هو القدرة على الإنتاجية, وقد يمر الفرد في مرحلة منتصف العمر بأزمات ترتبط ببحث أشياء مثل، ماذا ينبغي عليه الاعتناء والاهتمام به؟ وما ينبغي عليه أن ينجزه؟ وفي عملية إعادة تأكيد الاختيارات السابقة قد يحدث تصحيحات وتعديلات لكيفية ونمط الحياة التي يحياها، وحيث يتحرك الإنسان في هذه المرحلة بصورة نموذجية نحو شمول أعظم وتكامل أكبر. استجابات الفرد لعمره الزمني: يجب على الفرد في فترة منتصف العمر أن يتكيف لبعض التغييرات الجسمية التي تحدث له مثله في ذلك مثل المراهق, والتي قد تؤثر على مشاعره وأحاسيسه عن نفسه وأيضا تؤثر في وضعه ومركزه في المجتمع. فقد يشعر المرء باضطراره لإلغاء بعض ارتباطاته بسبب التهاب مفاصله، وعادة ما يشعر باهتمام جديد بمظهره العام وصحته، وقد يخبر المرء الصور من الاكتئاب البسيط، فإذا لم يقاوم تلك الحالات فقد يعاني من بعض الأزمات السلبية، فقد يشعر بالتعب والإجهاد لأي قدر من المجهود أو من جراء عملية المجانبة أو بأعراض توهم أو وساوس المرض كما قد يعاني البعض "خاصة المدمنون" من حالات التوتر أو الانسحاب. وعادة ما تكون كيفية التغلب على الأزمات بمثابة عملية صعبة، فالمرأة المتكيفة من الممكن أن تقبل ثمة حقيقة بأنها أصبحت أقل جمالا ونضرة وقدرة، عما كانت عليه فيما مضى، وبالتالي تجعل عملية تقدمها في السن أكثر سهولة وتقبلا، كما يمكن للمرء في منتصف عمره الاعتراف بالألم الذي ينتابه وأنه يمر بحالة من القصور الذاتي، وعلى المرء ذكرا كان أم أنثى أن يعيد ترتيب قيمه ومبادئه حتى يمكن أن يتواءم مع وضعه الجديد في الحياة. ويشير بيك Peck ١٩٦٨ إلى ذلك بقوله: "إن كثيرا من الأفراد يستجيبوا إلى الفقدان الظاهر للقوة الجسمية بواسطة تحويل هرمية القيم

стр. 668

الخاصة بهم بهدوء، حيث يبدءون استخدام عقولهم بصورة أكثر من قوتهم الجسمية كمعيار لتقييم ذواتهم وإمكاناتهم في مجابهة وحل مشكلات الحياة. وقد يخبر الفرد في منتصف العمر علاقة جديدة بالزمن حيث تتمثل الحياة عنده في الوقت المتبقي لكي يحياه، وذلك أكثر من مفهومه وفكرته عن كم عاشه وحياة منذ الميلاد حتى الآن، ومن ثم يتم مراجعة أهدافه وقيمه، كما يتيح ذلك الاختلاف في فكره ماذا حقق حتى الآن؟ وماذا يريد أن يفعل؟ ويمثل ذلك بحث جاد من أجل المعرفة، وقد يراجع الفرد مفهومه السابق عن النجاح, فإذا حقق نجاحا، فإنه قد يؤدي به إلى آخر، أما إذا أخفق تجده يروض نفسه على أوجه قصور ذاته، أو ربما لنقائص أو عيوب المجتمع، وفي كل من الحالتين يميل الشخص إلى إعادة توجيه ذاته نحو الأنشطة الأكثر اهتماما، وقد يجد الرجل الناجح نفسه في حاجة جديدة إلى أن يكون نشطا في المجتمع، وأن يطور علاقاته بمن حوله, أما الشخص الأقل نجاحا فقد يجد سلواه في خبراته الشخصية كما يحدثه عنده اهتمام متجدد بالأصدقاء والأنشطة الاجتماعية في منتصف حياته، وبينما يكون اهتمام المرء في العشرينات والثلاثينات من عمره منصبا على الحياة الأسرية والمهنية, نجده في الأربعينات والخمسينات ازدهارا في العلاقات الإنسانية والتي تصبح ذات قيمة في ذاتها, وجملة القول فإن قدرة الفرد -أثناء تلك المرحلة الحياتية- على الاهتمام بالآخرين ذات قيمة أكبر لديه، وتقل أهمية إنجاز الأعمال بصورة نسبية، ومرة أخرى فإن مراجعة القيمة يساعد متوسطي العمر على أن يتعاملوا مع أوجه قصورهم المرتبطة بثمة حقيقة مؤداها أنهم قد لا يتمكنون من إنجاز ما اعتادوا على إنجازه فيما مضى، وإذا تمكنوا من ذلك يكون أداؤهم أبطأ مما كان في الماضي. وهناك أثر آخر يصاحب تقدم الإنسان في العمر حيث قد يصبح أقل كفاءة وتقليدية وأكثر رومانسية كما تظهر الأشواق الرومانسية في فترة العمر المتوسط، ويبدو كل من الرجال والنساء عرضة للخيالات الرومانسية والجنسية، وهو ما يشبه ما يحدث للمراهقين، ويرجع هذا الإحساس للشوق والتوق الذي ينتاب كل من الذكر والأنثى في هذه المرحلة، وحاجتهم لكي يقنعوا أنفسهم بأنهم ما زالوا ذوي جاذبية على الرغم من أمارات كبر السن البادية عليهم، وقد تمثل تلك الأحاسيس انبثاق

стр. 669

للميول المضادة فقد نرى الرجل يعبر عن أبعاد الأنثوية شخصيته في نهاية المرحلة الوسطى من حياته، كما قد نجد المرأة تطلق العنان للميول الجنسية العدوانية لديها بصورة أكبر ما سبق، وحقيقة يظهر أثر يكون غير واضح لعملية التقدم في السن سواء من الناحية الجسمية أو النفسية، وهو ظهور خط التحديد الفاصل والقوي بين الذكورة والأنوثة. الاستجابات لمفهوم الموت: قد يهتم الفرد بمفهوم الموت في فترات نموه السابقة، إلا أن التفكير في ذلك المفهوم قد يكون مرتبطا بصورة أكبر في منتصف العمر، وبعد فقدان صديق عزيز لدى الفرد في هذه المرحلة أمرا طبيعيا، إلا أن ذلك قد يعاد صدمة عند معظم الأفراد وقد يكون ذلك من الأسباب الرئيسية التي تجعل الفرد يشعر بأنه في منتصف عمره ولم يعد صغيرا وقويا, ويبدأ الفرد حينئذ في مراجعة مفهوم ذاته. التوافق النفسي الجنسي: كان يفترض في الماضي أن متوسطي العمر لا يقبلوا على الجنس مثل ما يحدث في عنفوان الشباب، حيث ينتاب متوسطوا العمر القلق وعادة ما يحاصروا بالتعب وتوقف دورة الطمث والعجز الجنسي أو العقم وغروب الشباب، وقد يمر الفرد بحالة يظن فيها أنه قد فقد الرغبة, إلا أن من الخطأ الاعتقاد في ذلك, إذ إن كل فرد من الممكن أن يظل راغبا في الجنس إذا ما توفرت الصحة البدنية والمعنويات المرتفعة، وبالتالي يمكن استمرار النشاط الجنسي إلى سن الثمانين، وعموما فإن الجنس يعد بمثابة جزء حيوي في حياة متوسطي العمر إلا أن تكرار ممارسته يقل مع التقدم في السن. ويتأثر التعبير الجنسي إلى حد ما في حياة متوسطي العمر بالتوقعات الثقافية وتشير نتائج دراسة بيفير وآخرين Pfeffer & Others؛ "١٩٧٢" إلى وجود اختلافات بين الشباب ومتوسطي العمر من حيث الجنس إذ يصبح الذكور والإناث في وقت ما بين السادسة والأربعين والخامسة والخمسين أكثر دراية بنقص الميول والنشاط الجنسي, وعلى الرغم من أن كليهما يخبر العلاقة الجنسية الكاملة والمشبعة إلا أن الاستجابة الجنسية عادة ما تكون أكثر بطأ، كما أنها تحتاج إلى بعض المقدمات الرومانسية الهادئة، وهذا يزيد بالفعل من الألفة والمودة بين الزوجين، كما

стр. 670

يزيد الخصوصية بين الرجل والمرأة في هذا السن، وذلك بسبب مغادرة الأولاد المنزل واستقلالهم مما يزيد الألفة والمودة بينهما, وقد يختبر بعض الأفراد متوسطي العمر مشاكل تعلق بالأداء الجنسي، حيث إن بطء الاستجابة قد يسبب عند الرجل بعض المخاوف في عدم القدرة على الأداء بصورة مناسبة، ولهذا السبب فإنه يفشل في بعض الأحيان، ومن المعروف وبصورة واسعة أن معظم حالات العجز الجنسي في حالات متوسطي العمر عادة ما يكون نتيجة للقلق أو المشكلات النفسية الأخرى, أكثر مما ترجع إلى التقدم في السن, فقد ينتاب الزوج المسن القلق والتعب في الأمور المالية والمهنية أو قد يشعر بتعب وإرهاق في العمل، أو قد يتأثر ببعض المشروبات الكحولية أو العقاقير، وأيا كان سبب ذلك فإن النتيجة هي الخوف من الفشل، وبالتالي يفضل مثل هذا الرجل الانسحاب باختياره بدلا من مواجهة خبرة الصراع النفسي. وقد توافق الزوجة في منتصف العمر على الزواج الذي يخلو من الجنس، إلا أن الزوج إن كان غير منتبه أو متجاهلا للزوجة فقد تعاني من مفهوم سلبي لذاتها مما يجعلها تشعر بأنها قد أصبحت غير مرغوب فيها، أو قد أصابها الكبر وذبل شبابها وزالت نضرتها ومن المعروف عموما أن المرأة يمكن أن تشعر بلذة الجماع مع زوجها في أي عمر زمني وبالتالي فإن المرأة ذات الخبرة تكون أكثر وليست أقل في أن تصل إلى قمة النشوة في أي سن من امرأة شابة أصغر منها عمرا، وكل ما يبدو ضروريا للمتعة في العلاقات الجنسية الزوجية في السنوات الوسطى والمتأخرة من الحياة يتمثل في التعبير الجنسي المنتظم. وتشير نتائج الدراسات في هذا المجال أن توقف العملية الجنسية بين الزوجين لا ترجع بالضرورة إلى التقدم في السن ولكنها ترجع في أغلب الأحوال إلى عوامل نفسية واجتماعية وإذا ما افترضنا الاستمرارية في التعبير الجنسي، فإن الشيء الوحيد الذي سيحتاجه الزوج أو الزوجة لأداء جنسي أكثر فعالية هو صحة جيدة، بالإضافة إلى شريك لديه الرغبة. وعموما فإن العلاقة الجنسية المستقرة والأكثر متعة في السنوات المبكرة عادة ما تكون أفضل أساس لاستمرار الجنس بين الزوجين في متوسط وأواخر سنوات حياتهما.

стр. 671

التوافق الزواجي والأسري: تشير الدراسات في هذا المجال إلى أن الحياة الوسطى قد تجمع بين نقيضين فقد تعتبر أفضل وأسوأ الفترات معا، حيث يحدث في تلك الفترة أن يكون الزوجين مهتمين بتربية أطفالهما والذين يتراوح أعمارهم ما بين سن المدرسة وفترة الرشد المبكرة، وفي نهاية فترة منتصف العمر يدخل الزوجان مرحلة ما بعد الأبوة، ويصبحا معا وحيدين مرة أخرى، ولقد حاول علماء النفس قياس مستويات الرضا الزواجي المرتبط بهذه المرحلة ومن الواضح أن وجود الأطفال والمراهقين داخل الأسرة يؤثر في نوعية العلاقات الزوجية، كما توجد عوامل أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، قد يحتاج الزوجان في منتصف العمر أن يتكيفا مع التغيرات التي تطرأ على تفاعلاتهما الجنسية، فقد يحتاجا لأن يتدربا على أنماط مختلفة من الحياة وذلك للأسباب التي ذكرناها سابقا، أو قد يحتاجان إلى التغلب على العائق الرئيسي للتوافق الزواجي ويكمن في السأم والإرهاق، وعادة ما تكون قدرتهما على تحديد السبب المباشر لهذا السأم والتعامل معه شيئا صعبا حيث يتطلب تفاهما صادقا بالنسبة للاستجابات الجنسية والتحرر من الضيق والكبت الذي طال كبته, وجدير بالذكر فإن لم توضع نماذج التفاهم والاتصال بين الزوجين منذ بداية مرحلة الزواج، فإن الاقتراب من مرحلة منتصف العمر وما يحدث خلالها من سأم وغربة قد يكون اضطرابا مؤلما وبالتالي يحتاج إلى مساعدة المعالج أو المرشد النفسي. وأخيرا فقد توجد بعض المشاكل والمتاعب المرتبطة بتلك المرحلة الحياتية، أكثر من كونها مرتبطة بنوعية العلاقة الزوجية، فإمكانية أن يعمر أحد الزوجين أكثر من الآخر قد تصبح تلك الاحتمالية شيئا مهما وذات مغزى خاصة بالنسبة للنساء، كما قد تكون الضغوط المالية قاسية خلال هذه الفترة حيث يخطط الزوجان لتعليم أولادهم بالإضافة إلى اقترابهما من سن التقاعد, وقد توجد بعض الضغوط الأقرب في حالة وفاة أحد الزوجين وليس بمستغرب أن يترك رجل يحيى أزمة منتصف العمر زوجته ليس بسبب أنه على غير وفاق معها، ولكن لأنه على غير وفاق مع ذاته التي تؤدي إلى كثير من المشكلات الأسرية. وقد تتباين مشاعر الأمهات والآباء بالنسبة لاستقلال أولادهم، وتزوجهم إلى أسرهم الخاصة بهم، فقد يعبر بعض الآباء بأن هذه تعتبر مرحلة لتجديد واستعادة الحرية من جديد، حيث يزداد التفاهم والتقارب

стр. 672

بين الزوجين، وتقل التوترات والضغوط في الجوانب الأسرية، وإذا كان الزوجان في حالة اقتصادية متيسرة فإن السفر للنزهة والانتعاش يصبح على وجه كبير من الأهمية، وكثيرا ما نسمع من الآباء بعض التعبيرات المصطلحات التي توميء إلى ذلك بقولهما مثلا: "إننا لم نعد مقيدين بعد، لقد أصبح لدينا الآن الوقت الكافي لنتفرغ لبعضنا البعض، ولم يعد الزواج مثلا بالأعباء المالية ومشاكل الأبناء". وقد تشعر بعض الأمهات بالإحباط نتيجة استقلال الأبناء في أسرهم الخاصة، ويرجع ذلك أن هؤلاء الأمهات قد ربطن بين تقديرهن لذواتهن وأمومتهن، وقد يتطلب علاج ذلك أن ينخرط هؤلاء الآباء والأمهات في بعض الهوايات والأنشطة التطوعية أو توسيع مهارات الأمومة إلى خارج محيط الأسرة كالاهتمام بدور الحضانة، وعموما فقد يؤدي رحيل الأبناء عند عديد من الأزواج إلى إعادة اكتشاف كل منهما الآخر، بالإضافة إلى الاستمتاع بمزاولة الاهتمامات المشتركة، بينما قد يؤدي ذلك عند أزواج آخرين إلى عودة المشكلات من جديد والتي قد تقودهم إلى الاغتراب والانفصال عن الأسرة. وقد يصبح العديد من الآباء والأمهات في تلك المرحلة أجدادا، وبالتالي قد يخبرون علاقة من نوع جديد داخل الكيان الأسري، فقد تستعيد الأم الكبيرة صورة الحمل والولادة والأمومة فيما تقوم به ابنتها، وقد يقضي الجد بعضا من الوقت مع أحفاده، بينما لم يفعل ذلك مع طفله هو, وقد يتبنى العديد من الأجداد نمطا غير تسلطي مع الأطفال، حيث كثيرا ما نرى الجد يشارك الطفل في لعبته في علاقة تتسم بالتبادلية في اللعب، وقد يحاول بعض الأجداد تحقيق ما لم يتمكنوا تحقيقه في أولادهم أن يحققوا ذلك في أحفادهم وقد يكون الوقت سانحا لبعض الأجداد في مراجعة فترة أبوته، فكثيرا ما نسمع بعض الأجداد يقولون، أنهم كانوا أجدادا أفضل مما كانوا آباء. التزمل: يرتبط التزمل عادة بالسن المتقدم، ويبدأ التزمل في الظهور كشيء حتمي وعام في الحياة ويذهب روجرز Rogers؛ "١٩٥٧" إلى حد إرشاد الرجل بأن يعلم زوجته كيف تكون أرملة ويرتبط معظم مشكلات التزمل بمشاكل النضج المتأخر "حيث يكون مفهوم السيدة عن ذاتها بأنها قد

стр. 673

أصبحت عجوزا، أو قد شارفت على نهاية عمرها، وفي القريب ستلحق بزوجها", ومن بين المشكلات التي تقتصر على الأرملة في منتصف عمرها هي مقارنتها نفسها بصديقاتها اللائي لم يفقدن أزواجهن ومن ثم قد ينتابها شعور باللا أهمية واللا فائدة في أي مناسبة اجتماعية وقد لا يراعي أصدقاؤها مشاعرها وذلك بنسيان دعوتها في المناسبات الاجتماعية, وعموما فإن الأرملة يجب أن توسع مفهومها لذاتها، وتحاول أن تجد لها بعض الأنشطة المناسبة لعمرها الزمني وبعض الرفاق والأصدقاء وبالتالي تعمل على تكييف نفسها للمشكلات التي قد تواجهها بعد فقدان زوجها، إلا أن ذلك قد لا يخفف من حزنها على زوجها. العزوبية: قد يوجد بعض الأفراد في منتصف عمرهم, في حالة عزوبية ولم يسبق لهم الزواج, وقد يكون لهذه الظاهرة جانبان، أحدهما أن العازب قد يمكنه تحقيق بعض الإنجازات في مجال عمله, حيث يتوفر له الحرية من الالتزامات العائلية وذلك كما نجد بعض الكتّاب أو الفنانين والعلماء والجانب الآخر لذلك أن الرجل العزب قد يواجه مشكلات خاصة في منتصف حياته، إذ عليه أن يقبل هويته الاجتماعية لكونه أعزب وغير متزوج, "وهذا المؤشر لم يكن بمثابة مشكلة عندما كان شابا صغير السن", وبالتالي عليه أن يخطط لرشده المتأخر، وشيخوخته، والذي تتقدم فيه مساعدة من الزوجة أو الأولاد كما أنه في حالات مرضه عادة ما يلجأ إلى أن يودع نفسه في مؤسسة صحية على خلاف الرجل المتزوج الذي عادة ما تعنى به أسرته. العمل والإنتاجية: يبدأ الأفراد في الاهتمام بجيل آخر منذ بداية رشدهم ونضجهم، حيث يتولون تنشئة وتربية أطفالهم، وتلك العناية بالأطفال والتي تمتد إلى سنوات منتصف العمر هي تعبير لما يسميه إريكسون بالإنتاجية Generativity, وليس هذا هو الإحساس الوحيد في هذه المرحلة، حيث تتسع وجهات نظر الفرد ومداركه في منتصف العمر ويتسم بما يسميه إريكسون بالمسئولية الانتاجية نحو كل الكائنات البشرية، حيث يتضح ذلك في حب الرجل لعمله وأفكاره كحبه لأولاده، وإذا لم تتح الفرصة أمام الشخص لإظهار مهاراته وخبراته أو العناية بالآخرين، فقد يعاني من شعور بالجمود وبالتالي يشعر بالغربة عن كل ما أنتجه أو ما تركه وراءه.

стр. 674

وعادة ما نجد الأفراد في مرحلة منتصف العمر يهتمون بتدعيم مراكزهم المهنية وترقياتهم الوظيفية، فهو يميل إلى الاستقرار المهني والوظيفي إذا ما قورن بالشباب، وهذا يعكس حقيقة مؤداها أن الأفراد الأكبر سنا -بصورة عامة- أقل في اتخاذ المخاطرة من الشباب، وبالتالي فإن الرضا المهني قد يكون بمعدل أكبر لدى الأفراد الذين تجاوزوا الأربعين من عمرهم، حيث أشارت النتائج في مجال علم النفس الصناعي والمهني أن هؤلاء الأفراد عادة ما يكونون أكثر رضا من الشباب ليس فقط في عملهم، ولكن كذلك بالنسبة للعائد المادي الذي يحصلون عليه، إلا أن هذا الرضا كما أشارت نتائج دراسة كوين وآخرين Quinn & Others؛ "١٩٧١" لا يعني أن الذين في منتصف عمرهم دائما راضين عن أنفسهم، إذ نجد هذا الشخص وكجزء من مشاكل وأزمات منتصف العمر العامة، فإنه يميل إلى إعادة تقييم أهداف في وظيفته أو مهنته. وعموما فإن الأفراد في منتصف عمرهم عادة ما يكونون محل تقدير لخبرتهم وحكمهم الصائب ورصانتهم، وتلك الخصائص التي تمكنهم من التكيف مع بيئات العمل. جملة القول أن هؤلاء الأفراد كثيرا ما يحاولون الاستقرار في أعمالهم وهو أكثر اقتناعا ورضا بوظائفهم ومهنهم من الشباب, وكثيرا ما يعيد تقييم أهداف العمل في تلك السن، كما قد يقبل القيود على أهداف العمل. ويهتم الأفراد في هذا السن بتدعيم مواقعهم وترقياتهم في عملهم، وتعني الترقية أنهم تحركوا من التخصص الضيق لمهنهم إلى الوظائف الإدارية أو الإشرافية فالشخص في مرحلة منتصف العمر يحاول أن يبحث عن بعض التأكيد لاستقراره المهني أو الوظيفي أي أنهم أقل في الأخذ بالمخاطرة إذا ما قورنوا بالشباب ويمثل ذلك رضا واقتناع إيجابي بالنسبة لهم.

стр. 675

الباب الخامس: الشيخوخة الشيخوخة: إن الموضوع المطروح في ثنايا هذا الفصل يتمثل في الدراسة المنظمة لعمليتي كبر السن والشيخوخة أي ما يعرف بعلم دراسة الشيخوخة Gerontology. فما المقصود بهذا المصطلح، وما أهم المشاكل العامة أو الخاصة بهذه المرحلة من حياة الفرد، وأهم النظريات التي قيلت في تفسير هذه المرحلة سواء كانت مرتبطة بالمجال البيولوجي أو المجال النفسي أو الاجتماعي، وما هي أهم الخصائص الجسمية والعقلية والانفعالية لكبار السن، وكيف تحدث عملية التكيف لهؤلاء الأفراد؟ وعموما، فإن الشيخوخة ظاهرة طبيعية تعبر عن التغيرات التي تحدث في التكوين الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي، بالإضافة إلى ما يحدث نتيجة ذلك في الأداء أثناء رحلة حياة الفرد، فما معنى الشيخوخة وأنواعها والمشاكل العامة التي يمكن أن يواجهها كبار السن؟ وهل توجد مفاهيم خاطئة عند البعض منا عن الشيخوخة وما أسبابها وكيف يمكن تعديل تلك المفاهيم والاتجاهات الخاطئة سواء كانت عند الشباب نحو المسنين، أو تلك التي يمكن أن توجد عند كبار السن؟ سنرى في ثنايا هذا الفصل تفصيلا للنقاط سالفة الذكر. ١- معنى الشيخوخة: "Gerontology" علم دراسة "الشيخوخة" وتتضمن تلك الدراسة علم البيولوجي Biology وعلم النفس وعلم الاجتماع وطب الشيخوخة "Geriatrics" وهو علم طبي حديث التطور ويشمل دراسة المشاكل الصحية للمسنين، ومن المفيد الفصل بين النواحي المختلفة لتطور شيخوخة الإنسان. الشيخوخة وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية: التقلص في علاقات وفي دور الفرد في المجتمع مع تقدم السن.

стр. 676

الشيخوخة البيولوجية Biological Aging: وهي تشمل التغيرات التي تحدث في جسم الإنسان في المراحل الأخيرة من الحياة، وهذه التغيرات قد تبدأ بفترة طويلة قبل أن يصل الإنسان إلى سن الخامسة والستين. شيخوخة الإدراك Cognitive Aging: وتشمل هبوط القدرة لتحصيل معلومات جديدة وتقبل سلوك وأفكار جديدة. شيخوخة الشعور Affective Aging: وهي تشمل هبوط القدرة على التكيف لمواجهة التغيرات في البيئة المحيطة فعلى سبيل المثال فإن المسنين عندهم صعوبة في التكيف إذا انتقلوا إلى مسكن جديد أو إلى مستشفى على سبيل المثال. وجميع هذه التطورات والتغيرات لا تحدث معا في زمن محدد ولجميع الأفراد، فهناك فرد قد يصيبه العجز في كل هذه المظاهر في سن الستين، بينما فرد آخر وفي نفس السن نجده يتعلم بهمة مهنة جديدة ويتكيف بسهولة في وظيفة جديدة. المشاكل العامة الخاصة بالشيخوخة: إن مشاكل الشيخوخة تزداد حدة مع التقدم في السن, وتوجد أربعة مشاكل أساسية تواجه الشخص المسن، وهي: الصحة, السكن، العمل، أو المورد المالي، والعلاقات الشخصية. المشاكل الصحية تزداد مع تقدم السن، فبعض الأمراض التحليلية Degenerative Diseases كالأزمات القلبية والسكر تظهر في المراحل الأخيرة من الحياة نتيجة لضمور بعض الأعضاء كذلك تضعف القدرات العقلية، وإن الأمر عادي أن يصاب المسن بعدة أمراض في آن واحد. بالنسبة للمسكن، فكثير من المسنين لا يقدرون على إدارة شئونهم السكنية، ويلزمهم الانتقال للسكن مع أقاربهم أو إلى منازل خاصة بالمسنين.

стр. 677

وأما العثور على عمل فهي المشكلة العويصة التي تواجه المسن، ذلك أنه مع التقدم التكنولوجي فإنه من الصعب على المسن أن يعثر على وظيفة أو عمل يناسب مهارته التي أصبحت لا تواكب العصر الحديث كما وأن أصحاب الأعمال يترددون كثيرا في توظيف المسنين وبذل المجهود والأموال على تدريبهم. وأما العلاقات الشخصية للمسن فإنها تضمر كلما تقدم الفرد في السن بسبب وفاة العديد من أفراد عائلته واضمحلال دائرة أصدقائه، كما أن أولاده يكبرون في السن ويتزوجون ويتركون المنزل بالإضافة إلى أن إحالته إلى التقاعد ينتج عنه انقطاع الصلات بينه وبين زملائه العاملين، وعلى ذلك فإن المسن يلزمه دور جديد ونشاطات جديدة، إلا أن نقص الإمكانيات المادية لا تسهل ملء هذا الفراغ.

стр. 678

نظريات الشيخوخة: المجال البيولوجي Biological Domain: الشيخوخة تبدأ عندما تتغلب عملية الأيض الهدمي "Catabolism" على عملية نمو الأيض البنائي "Anabolism". والبروتوبلازم أو الجبلة "protoplasm" هي مادة حية تتكون منها خلايا الجسم, ويؤدي هذا التحلل إلى ضمور أنسجة الأعضاء المختلفة للجسم لكي يصبح تكوينها ليفي "Fibrous" على أن هذا الضمور أو العجز لا يرتبط بالسن الذي يقاس بعدد الدورات الشمسية، وبذلك فإن سرعة هذا الضمور تختلف باختلاف الأفراد. والضمور يصيب جميع أعضاء الجسم، والمخزون العضوي يستهلك عملية الإصلاح والاستبدال تبطئ مع التقدم في السن. التغيرات في الدورة الدموية للقلب: القلب بالذات يتعرض أثناء الحياة لمجهود كبير وبالتالي فعند تقدم السن يصبح القلب أكثر الأعضاء تعرضا للضمور، كما أن مقدرة القلب على الضخ تقل ويتبع ذلك انخفاض في كمية الدم الحامل للأكسجين،

стр. 679

والتي تصل إلى الأعضاء المختلفة للجسم بالإضافة إلى أغشية الأوعية الدموية يصيبها الضمور، وكثيرا ما تتراكم على الأغشية الداخلية لهذه الأوعية طبقة من رواسب شحمية تسمى Atherom ويعتقد أن هذا التراكم عندما يقترن مع تكوين أنسجة ليفية في بطانة الأوعية الدموية فإنه يؤدي إلى مرض تصلب الشرايين. التغيرات في المظهر: إن المظهر الخارجي للجلد يتغير تغيرا كبيرا، ذلك أن الغدد المفرزة تحت سطح الجلد وكذلك الغدد التي تخلص الجسم من عوادمه يقل مفعولها فيفقد الجلد مرونته Elasticity ويضمر ويجف ويتجعد, وتختفي الطبقة الشحمية تحت الجلد تماما، فيفقد بذلك نعومته ونضارته كذلك فإن الألياف التي تربط فواصل العظام تضمر، وتقل بذلك قدرة المفاصل ومدى حركاتها مما يؤدي إلى شكوى المسن من آلام المفاصل ومع تناقص نسبة المعادن في عظام الإنسان فإنها تصبح هشة وسهلة الكسر، كما أن قدرة المسن على الحركة تضعف وخطواته تتباطأ، وجميع هذه التغيرات السابقة تؤدي إلى الصورة التي نرى بها المسن كشخص ضئيل، منحنٍ ومتجعد الأسارير. التغيرات في الجهاز التنفسي: حركة تنفس الصدر تقل بسبب الأنسجة الليفية التي تتكون في جدار الرئة وغلاف الصدر، ويتبع ذلك انخفاض في استهلاك الأكسجين وتعرض المسن للالتهابات الرئوية وبالمقارنة فإن أمراض الجهاز التنفسي التي تصيب الشاب هي عادة التهابات اللوز والجيوب الأنفية. التغيرات في التغذية والجهاز الهضمي: إن تسوس الأنسان وفقدانها وضعف عضلات الفك تقضي على متعة الأكل للمسن بالإضافة إلى أن صعوبة المضغ تؤدي إلى تعديل نوعية الوجبات، كما أن ضعف إفراز الغدد وضعف عضلات الأمعاء تؤدي إلى شكاوى المسن من الهضم والإمساك ويلاحظ أن المسن يضطر إلى أن ينفق قدرا غير يسير من مورده المالي على الأدوية المضادة للحموضة وعلى الملينات، والمسن يتعرض لضياع حاسة التذوق وحاسة الشم ويفقد بذلك قدرة التمتع بالطعام، ويصبح الطعام لا طعم له، وهذه ناحية يجب مرعاتها عند طهي الوجبات التي تقدم للمسنين.

стр. 680

ونظرا لغلاء اللحوم والفواكه والخضروات فإن المسن يلجأ إلى الإكثار من أكل مكونات الدقيق، مثل الفطائر والخبز، ونتيجة لهذا النظام في تناول الوجبات فإن المسن يتعرض لفقر الدم ونقص في بعض الفيتامينات الحيوية مما يؤدي إلى سهولة إصابته بالالتهابات. القدرة على التكيف للضغوط: الفرد في الحياة معرض بصفة مستمرة لكل أنواع الضغوط، والتكيف ومواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى حيوية، ولقد قام هانز سلي "Hans selye" بتصنيف عملية مواجهة الضغوط على أنها تمر بثلاث مراحل. ١- رد الفعل عند أول إنذار. ٢- مرحلة المقاومة. ٣- مرحلة الإجهاد نظير تراكم وتفاقم الضغوط مما يؤدي إلى تلف وشيخوخة الأنسجة. وجسم المسن يكون قد تعرض أثناء حياته لضغوط عديدة، وبعد فترة من هذه الضغوط المستمرة، فإنه يصاب بالإجهاد، وحيث أن الحيوية الاحتياطية تكون قد استنفذت، فإن ما تبقى له لا يكفيه على التكيف وبذلك تنار مقاومته، وهذا يعلل لماذا يسبق المسن شخص أقل منه سنا في الشعور بالإجهاد. وبعد التعرض المستمر، ولفترة طويلة لضغوط الحياة، فإن الراحة لا يمكنها التعويض الكامل لهذه الحيوية الاحتياطية، وكل ضغط يتعرض له الإنسان لا بد وأن يترك أثره عليه. وعلى ذلك فإنه من الناحية البيولوجية فإن المسن أكثر عرضة للتأثر من ضغوط الحياة من شخص أقل سنا منه، وحسن تكيف الشخص المسن للضغوط التي قد يتعرض لها، تتوقف على طريقة تكيفه لهذه الضغوط أثناء حياته، وعلى أي حال فنظرا لقلة الحيوية الاحتياطية التي تساعد المسن على التكيف، فإن عليه أن يتحاشى بقدر الإمكان أن يعرض نفسه للضغوط وأن يحاول الحفاظ على حيويته، ونفس الشيء ينطبق على الذين يتصلون أو يعملون مع المسنين، فعليهم أن يفكروا دائما في وسائل حماية المسنين من الضغوط.

стр. 681

التغيرات في الجهاز العصبي: يصاب الجهاز العصبي بالضعف نتيجة لانخفاض كمية الدم المغذية للخلايا العصبية والتي تحل محلها أنسجة تؤدي إلى فقدان الذاكرة، والتوتر، وضعف مقدرة المسن على التكيف للمواقف الحياتية، كما توجد تغييرات في الحواس الأخرى، فالنظر يضعف بسبب تراكم خلايا ميتة على عدسة العين، والقدرة على تمييز الألوان تقل وعضلات العين تفقد قدرتها على التكيف لمواجهة التغييرات في مستوى الضوء، وهذه التغييرات البصرية تزيد من خطورة قيادة السيارات للأفراد المتقدمين في السن, وأما حاسة السمع، وهي تبدأ في النقصان ابتداء من سن الثلاثين فإنها تزداد في ذلك كلما تقدم السن, وأما ضبط الحركة فنظرا لزيادة ضعفها فإن المسن معرض للوقوع وللحوادث وبسبب ضعف كل هذه الحواس فإن المسن معرض أكثر من غيره للحوادث أثناء المشي في طرقات المدينة وخصوصا أثناء الساعات القصوى للمرور. القدرة على المعرفة: من المعروف أن المسن يواجه صعوبة لاستيعاب المعلومات الجديدة، ولقد أشار فرويد بأنه بعد سن الخمسين فإن مرونة المخ تفقد وتقل مما يؤدي إلى ما يعرف بالجمود، حيث نجد المسنين لديهم آراء وأفكار ثابتة يصعب تغييرها. العادات الثابتة: السلوك الذي يتكرر ويعاد على مر السنين يتحول إلى سلوك ثابت من الصعوبة تغييره، بعد العمر الطويل فإن للمسن عادات وأفكار ثابتة جامدة, وعلى ذلك فإن السلوك الذي يتعلمه المسن تحت ضغوط الحياة لمدة ستين عاما يتحول إلى عادات ثابتة يصعب تغييرها، والعادات التي يلجأ إليها الأفراد عند التعرض للضغوط، مثل التدخين، وقضم الأظافر والهمهمة تصبح عادات ثابتة لا تقبل التغيير بسهولة، فمثلا الفرد الذي تعود على تهدئة نفسه بالتدخين لمدة سبعين عاما، فمن الصعب أن يغير هذه العادة بأخرى، ونستخلص من هذا أن العادات التي كونها الفرد المسن على مر السنين يصعب جدا تغييرها. وإذا كان الفرد الشاب يجد صعوبة للتغلب على بعض عاداته، فإنه لا بد وأن نتصور مدى التعاسة التي يتعرض لها المسن عندما تفرض عليه أن

стр. 682

يتعود على عادات جديدة عندما يترك منزله ليعيش مع ابنه أو ابنته حيث يجب عليه أن يتكيف مع بيئة جديدة. تقبل وتخزين المعلومات: الفهم هو عملية تفسير أو إعطاء معنى للإشارات التي تصل الحواس. والمسنون معرضون لتشوش حسي مما يصعب عليهم تفهم وتحليل الإشارات الحسية المختلفة لذلك عند التعامل مع الأفراد المسنين، فإنه من المفضل الإقلال من عدد الإشارات الحسية، فمثلا إذا كنت تتحدث مع شخص مسن فعليك إقفال جهاز التليفزيون وأن تمنع بقدر الإمكان أي مصادر صوت آخر، وتكلم ببطء وعن موضوع واحد، فقدرة المسن على التقبل والتفهم تحتاج إلى فترة زمنية أطول، والذكريات القديمة للمسن، لها قوة وحيوية أبقى من الذكريات الحديثة لأنها تثبت على مر الزمن، والذكريات الحديثة سريعة النسيان وهي آخر ما يتذكرها المسن, كذلك فإن المسن يتعرض أحيانا لنسيان عنصر الزمن فيخلط بين ما هو حديث وما هو قديم. الذكاء: تشير الأبحاث إلى أن الذكاء العام يصل إلى القمة في مرحلة الشباب ثم يبقى في هذا المستوى حتى مع بلوغ الشيخوخة طالما لم يحصل تدهور بدني أو إصابة للأعصاب. كما أن التعليم والإثارة المستمرة يلعبان دورا مهما في الحفاظ على مستوى الذكاء للمسن ومع زيادة فرص ومناهج التعليم للشباب، فلا بد وأن تتوقع استمرار الزيادة في متوسط مستوى الذكاء للمسنين وهو أمر يجب إدخاله في الاعتبار والتخطيط له في مجتمعنا. التدهور الذهني: المخ قد يصيبه التلف بسبب تدهور خلاياه أو بسبب الأمراض العصبية مما يؤدي إلى فقدان القدرة على التفكير السليم، وهناك نوعين من أمراض التدهور الذهني تقترن مع التقدم في السن، إحداهما باسم مرض بك Pick's, والآخر باسم مرض الزهيمر Aphasia حيث يؤدي إلى فقدان التذكر للأحداث القريبة مع عدم القدرة على تمييز الزمن والمكان، ويصاحبه أحيانا عدم القدرة على الكلام Aphssia وأما أعراض مرض Pick's، فهي الصعوبة في التركيز والتعلم وانعدام الشعور، فمثلا، إذا بلغ

стр. 683

شخص مصاب بهذا المرض بأن زوجته قد توفت، فإنه يرد، حسنا، ماذا جهزتهم للعشاء؟ مجال الشعور: الشيخوخة هي المرحلة التي يراجع فيها المرء نفسه ليبني حساباته النهائية على مدى نجاحه وفشله في الحياة، مدى تكيف الفرد للشيخوخة يتوقف إلى حد كبير على مدى تكيفه في المراحل السابقة من حياته، فإذا كان كل تغيير في نظام الحياة مصحوبا بأزمة نفسية، فإن تكيف الفرد للشيخوخة لن يكون سهلا، على أن هناك عوامل إضافية تؤثر على قدرة التكيف هذه, مثل الموقع الجعرافي، الحالة الاقتصادية والصحة العامة. ونجاح الفرد في التكيف ترتبط أساسا على المدى الذي وصل إليه في تحقيق رغباته، وتبعا لنظرية ماسلو MASLOW، إذا تمكن الفرد من إشباع رغباته الأساسية، فإنه ينتقل بعد ذلك لتحقيق أمنه، ثم علاقاته الاجتماعية، ثم كل ما يتعلق بآماله ورغباته المتقدمة، وحتى يصل في النهاية إلى تحقيق ذاته وأهدافه، فإذا نظرنا من داخل هذا الإطار إلى مستوى الرغبات لشخص يقترب من الشيخوخة فنجد أن المسنين عموما يعيشون في درجة من الفقر يصعب معها حتى تحقيق رغباتهم الأساسية من طعام ومسكن ولا أمل لهم في أن يرتقوا برغباتهم إلى مستويات أرفع، على أن بعض المسنين لديهم المقدرة على مواجهة الاحتياجات الأساسية، وعدم الدافع لكي ينتقلوا إلى إشباع مستويات أعلى من الحاجات. وتوفر التأمينات الاجتماعية والمعاشات للمسنين والمعونة المادية وبعض الأمان، فإذا كانت هذه المعونة كافية، فإن المسن يمكنه أن يبدأ في إشباع باقي حاجاته وتطلعاته، وللشخص المسن نفس حاجات الأشخاص الأقل سنا، من ناحية الحاجة إلى تبادل المحبة والصداقة، ولكن الفرصة لا تواتيه لإشباع هذه الحاجة، فغالبا ما يكون المسن مبعدا عن عائلته وأصدقائه وزملاء العمل, ومن الصعب عليه الانتماء إلى أي جمعيات علاوة على أن التكيف صعب بالنسبة له. وتبقى مع المسن الحاجة إلى تقدير الذات واحترام الزملاء ومن الأهمية أن يكون له غرض في الحياة.

стр. 684

والمسن الذي يتغلب على العقبات السابق وصفها يمكنه أن يمضي قدما نحو تحقيق أعلى وأعز أمانيه، وأن رغبة المسن لأن يكون خلاقا وحبه لعمل الخير هي الوسيلة التي يحظى بها على اهتمام وتقدير الآخرين، مما يعوضه عن ضياع جاذبيته وموت أصدقائه والمقربين منه. ولقد تكونت كثير من الجمعيات الرسمية وأخرى يديرها متطوعون وذلك لخدمة المسنين، وهذه الجمعيات عند تخطيط نشاطها يجب أن تدخل في الاعتبار حالة المسنين ومدى رغبتهم في المشاركة في الحياة نحو تطلعات أعلى, وأن أعمال هذه الجمعيات نحو تنشيط الحياة الاجتماعية للمسن سيصيبها خيبة الأمل إذا كان المسن يكافح لإشباع حاجاته الأساسية, فالمسن الذي يبحث عن طعام الأسبوع بينما تهتم الجمعية بنشاطه الاجتماعي وتأليف مجموعة للعب الورق لا بد وأن يشعر بالضيق واليأس.

стр. 685

المجال الاجتماعي: ظواهر مجتمع المسنين: تشير الإحصاءات إلى أن النساء أطول عمرا من الرجال، ما بين ثلاث إلى خمس سنوات في المتوسط، وتشير بعض الدراسات أنه بعد سن الخامسة والستين فإن نسبة النساء إلى الرجال هي حوالي ١.٣٥ إلى ٠.٠١ وهذا الموقف ليس في صالح النساء المسنات فإن وفاة الزوج بالنسبة للمرأة المسنة يمثل فقدانها لدورها الأساسي كزوجة وربة بيت، وهذه الحالة تساهم في ارتفاع نسبة الكآبة، لهذه المجموعة من النساء، علاوة على ذلك فإن الأرملة عادة ما تكون محرومة من النشاط الاجتماعي مما يزيد في شعورها بالوحدة، كما أن الرجل المسن يتعرض أيضا لنفس الشعور بالكآبة الحادة عندما يحال على المعاش ويشعر بأنه فقد دوره في الحياة كشخص يعمل ويكسب قوته ويوفر سبيل الحياة لغيره، وتشير بعض الدراسات النفسية في مجال الشيخوخة أن ما يقرب من ٥% من المسنين يعيشون في ملاجيء تزيد فيها النساء عن الرجال بنسبة ٢٠% ويوجد سببان لهذه الظاهرة. ١- المجتمع أكثر تقبلا لفكرة إقامة الرجل المسن بمفرده أو مع أشخاص من غير عائلته.

стр. 686

٢- كثيرا من الرجال المسنين يتزوجون نساء أصغر سنا منهم. وبالنسبة للدخل الاقتصادي فإن وضع المسنين سيئ للغاية، حيث تشير الإحصاءات المحلية والدولية إلى تدني دخل هؤلاء الأفراد كما أن هذا الدخل -في معظم الأحيان- ثابت، بمعنى أنه لا يزيد مع ازدياد نفقات الحياة، أو مع التضخم الذي يحدث في الاقتصاد بصورة عامة. تدهور الروابط بين المسن والمجتمع: في عام ١٩٦١ فسر كل من كمنج CUMMING، هنري HENRY ظاهرة تدهور الروابط الاجتماعية للمسنين على أنها تتبع أنماط سلوكية محددة حسب البيان الآتي: ١- تغيير في الأداء: بالنسبة للرجل فإنها تبدأ بظاهرة انخفاض في الانتاجية مع تغيير في وجهة النظر نحو العمل. ٢- فقدان الدور: بالنسبة للنساء فهو يتمثل في الموقف الذي ينشأ بعد وفاة الزوج، وبالنسبة للرجال فهو يتمثل في الإحالة إلى المعاش. ٣- تدهور العلاقات الاجتماعية: مع تدهور دور المسن في المجتمع، فإن العلاقات الاجتماعية تضمر ويتبعها هبوط في الحالة المعنوية، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى التكيف غير السوي مما يؤدي إلى مزيد من تدهور العلاقات الاجتماعية مع ما يصاحبها من الكآبة وفقدان الشعور بالذات. ٤- الوعي المحدود بالزمن: يؤدي ذلك إلى الحد من الأنشطة لقضاء الوقت، كما أنه يحدث للمسن وعي بحتمية الموت، وعندما يزداد تدهور الروابط مع المجتمع، وتنقطع كافة العلاقات، فإن المسن يصبح مستعدا لنهاية المرحلة، أي للموت.

стр. 687

الشيخوخة والمفاهيم والأفكار الخاطئة مدخل ... الشيخوخة والمفاهيم والأفكار الخاطئة: هناك العديد من الخرافات والأفكار الخاطئة أو حتى الأقوال التي تتردد بطريقة آلية حول مرحلة الشيخوخة مثل: ١- عندما يصبح الأفراد مسنين يصبحون أكثر تشابها. ٢- لو عاش الأفراد عمرا مديدا سيصبحون خرفين "مصابون بالخرف". ٣- الشيخوخة هي زمن الهدوء والصفاء عامة. ٤- يميل المسنون إلى إظهار اهتمام قليل بالعلاقات الجنسية. ٥- يميل المسنون إلى الجمود والعناد والتشبث بالرأي. ٦- إن غالبية المسنين يفتقدون الابتكارية وغير منتجين. ٧- يعاني المسنون من صعوبات في تعلم مهارات جديدة. ٨- عندما يتقدم الأفراد في السن يصبحون غريبي الأطوار ومخبولين. ٩- إن غالبية المسنين يعانون من الوحدة النفسية والعزلة. ١٠- يتقدم الأفراد في السن فيصبحون أكثر تدينا. إن المفاهيم سابقة الذكر تمثل معتقدات خاطئة، ومدركات غير علمية، يشيع استخدامها ويقبلها الغالبية العظمى من الأفراد، بما في ذلك المسنين أنفسهم، وعندما يراودنا الأمل في زيادة وعينا وفهمنا للتقدم في السن والشيخوخة، فإن خطوة هامة ومبدئية لتحقيق هذا الأمل تتمثل في تبديد المفاهيم الشخصية المسبقة أو المعتقدات الخاطئة بخصوص عملية التقدم في السن أو الشيخوخة، وعند وضع هذه النقطة في الاعتبار فإن مناقشة مختصرة لهذه المزاعم قد تفيد في هذا المجال.

стр. 688

الخرافة الأولى أكثر تشابها: إن فكرة أن الأفراد يصبحون أكثر تشابها بتقدمهم في السن قد تكون أكثر المزاعم انتشارا والتي يفرضها المجتمع على مواطنيه من المسنين. فرغم استعداد الأفراد للاعتراف بتفرد كل طفل إلا أن هذا التفرد أو هذه التفردية لا تمتد إلى الراشدين الأكبر سنا, وعندما يواجه البعض بقياس خصائص ومميزات المسنين فإنهم يتعاملون مع هذه الفئة من المجتمع كما لو كانوا مجموعة متماثلة فقدت هويتها الفردية، أو فقدت فردية كل فرد فيها بمرور الزمن وعلى العكس من هذا الرأي الشعبي فكلما تقدمنا في عمرنا الزمني فإنه لا يحدث شيوعا للخصائص، بل العكس هو الصحيح.

стр. 689

فبزيادة العمرة تتزايد الاختلافات الفردية والتفرد فبكل المقاييس الاجتماعية والسيكولوجية والبيولوجية هناك اختلافات كبيرة الأهمية بين مجتمعات المسنين ومجتمعات الشباب، وتبدو الاختلافات أكثر مما يبدو التماثل كلما تقدم العمر، حيث يشير كل من مادوكس ودوجلاس ١٩٧٤ MADDOX AND DOUGLAS إلى أن التشابه بين المسنين قليل إذا ما قورن بالتشابه بين نظرائهم الأصغر سنا. وفي محاولة لزيادة تفهم هذه الزيادة في الاختلافات بين الناس والمرتبطة بالعمر، فإنه يجدر بنا أن نضع نصب أعيننا حقيقتين هامتين، الأولى عندما يتقدم الأفراد في السن فإن خبراتهم المتنوعة المختلفة تمارس تأثيرات مختلفة، وبمرور السنين يتعلم كل فرد أشياء مختلفة، ويواجه مواقف متنوعة، ويسلك أو يستجيب بأسلوب متميز متفرد لهذه المواقف وبالتحديد عندما يتقدم الفرد في السن فإن هناك تأكيدا مستمرا متدرجا للفردية والتفرد أو التميز، حيث تخلق الخبرات المختلفة التغاير أكثر مما تخلق التماثل، أما الحقيقة الثانية فهي أن العمر الزمني أو عدد السنوات التي عاشها الفرد تؤثر في كل فرد بطريقة مختلفة، فالبعض يهرم في الخامسة والستين، والبعض يبدو أكثر شبابا في نفس السن، وداخل الفرد نفسه فإن مظاهر أو جوانب مختلفة من الشيخوخة تتكون وإن اختلفت المعدلات، فالناس لا يهرمون فقط، ولكنهم يهرمون بيولوجيا واجتماعيا ونفسيا وزمنيا أيضا, فالطاقة الكامنة للاختلاف داخل كل عملية من عمليات الشيخوخة جد هائلة، إن احتمال أن يصبح أي فردين أكثر تشابها بتقدمهم في العمر واتباعهم نماذج متطابقة للشيخوخة هو احتمال بعيد المنال، فمع النمو يكون التغير، ومع الخبرة يكون الاختلاف، ومع تقدم الأفراد في العمر يصبحون أقل تشابها.

стр. 690

الخرافة الثانية أن يصبح الفرد خرفا: يعتبر التصرف الأخرق المخبول مرادفا مع ما يظهره المسنون من تصرفات، والأصل في هذا الارتباط هو الاعتقاد بأن الشيخوخة في حد ذاتها تشكل نمطا من الأمراض. وبالطبع فإن هذا الاعتقاد خاطئ وبصورة جلية، فالخرف أو الخبل ليس مصطلحا عياديا أو تشخيصيا مقبولا، بل هو اصطلاح جرى استخدامه بشكل واسع لوصف حالات مرضية معينة لاختلال المخ الوظيفي حيث

стр. 691

مظاهره الأولية هي الخلط وسوء التوجه الزماني والمكاني، والنسيان، وعدم القدرة على تركيز الاهتمام أو الانتباه لفترة زمنية طويلة، مع احتمال ظهور بعض الهلاوس والأوهام، إن مثل هذا المخ المريض مختل الوظيفة يدخل تحت فئة ما يسمى بزملة الأعراض المخية العضوية، وينقسم إلى فئتين كبيرتين، الحاد والمزمن، وينتج عن زملة الأعراض المخية العضوية بعض التلف أو القصور أو التردي في القدرات العقلية، والتي تعكس بعضا من التغيرات العادية للقدرات العقلية التي تحدث في المراحل العمرية المتقدمة، إن زملة الأعراض المخية الوظيفية ليست وضعا أو حالة أو مرآة للشيخوخة العادية، فالسلوك الذي يتصف بالخبل أو الخرف يمكن أن ينتج عنه صدمات فسيولوجية أو سيكولوجية عديدة، ويشمل ذلك سوء استخدام العقاقير، التسمم، نقص السكر المرضي في الدم، الأزمات القلبية المتلاحقة العدوى واضطرابات التمثيل الغذائي، إن كل الفئات العمرية عرضة لمثل هذه الصدمات والاضطرابات وهي ليست قاصرة على المسنين، إن حوالي ما بين ٢ و٣% من الأفراد في سن ٦٥ فما فوق تظهر لديهم أعراض أو علامات مرتبطة بالخرف وهم عرضة للوقوع تحت طائلة القانون أو العرف أو للعرض على الطبيب العقلي أو هم عرضة للمرض العقلي "بوس وبيفر ١٩٧٧ BUSSE AND PFEIFFER, وفي بعض الأحيان يمكن تصحيح الوضع معتمدين على ما إذا كان هناك توحدا مبكرا من عدمه، أو أن توفرت احتياطات العلاج المناسب, فلو اعتبرنا الخرف نتيحة طبيعية للتقدم في السن فلن يصبح العلاج الفوري الفعال في المتناول، فلو توقعنا أن يتصرف المسن بطريقة مرضية وأن هذا التصرف المتوقع قد حدث فليس لنا حاجة لمحاولة إحداث التغيير، وفي غياب العلاج تسوء الحالة المرضية، كما يمكن توقع تدهورا شديدا للفرد، وبلغة الاحتمالات هناك سبب بسيط لتوقع أن يسلك المسن بطريقة تظهر خصائص الخرف والخبل، وبالتالي فإن الاحتمال الإحصائي لأن يصبح الفرد خرفا نتيجة لكبر السن هو احتمال ضعيف جدا.

стр. 692

الخرافة الثالثة: الشيخوخة فترة الصفاء ... الخرافة الرابعة: الشيخوخة فترة الصفاء إن ازدياد الوعي العام بالمشكلات التي يواجهها بعض المسنين في المجتمع أفقد أسطورة السنوات الذهبية والصفاء والسكون في سني العمر المتقدمة أرضيتها، بالرغم من صور الأجيال الأكبر السعيدة الهانئة في محيط ريفي هادئ فقد انطبعت على غالبية جيل الراشدين مثل هذه الصور التي تفسح الطريق سريعا لقياس حقيقي للحقائق التي يتحملها بعض أفراد المجتمع المسنين, ومثل هذه الحقائق تتضمن الفقر، الخوف من الجريمة، نقص وسائل المواصلات، الحزن, الأمراض الجسدية، التدهور الجسمي والوهن، التغيرات الحياتية الدرامية، فقد السلطة الاجتماعية، وتردي الأوضاع، ولا تواجه أي فئة عمرية أخرى أو تتحمل الضغوط والصدمات بالمقارنة بما يواجهه ويتحمله المسنون، ومثل هذه الضغوط داخلية وخارجية، جسمية ونفسية، اجتماعية واقتصادية، إن الضغوط التي يواجهها المسنون يمكن أن يخففها الإرشاد النفسي العائلي والاجتماعي المؤثر، أو الوكالات العامة، الأصدقاء، وبغض النظر عن خطوات أو إجراءات الدخل أو الإرشاد فإن تخفيف بعض الضغوط التي يواجهها المسنون قد يكون من الصعوبة وفي بعض الأحيان مستحيل تحقيقه ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا يشكل المسنون حوالي ١٠% من إجمالي عدد السكان، إلا أن ٢٥% من إجمالي عدد جرائم الانتحار يقترفها أفراد في عمر ٦٥ فما فوق "رسنيك وكانتور ١٩٧٠" "Rrsnke & Cantor" وبالتالي يجب أن يقدر لهذه الإحصاءات أن تستأصل بنفسها خرافة الصفاء والسكون في الشيخوخة.

стр. 693

الخرافة الرابعة: انعدام القدرة الجنسية ... الخرافة الخامسة: انعدام القدرة الجنسية هناك اعتقاد غير صائب ولكنه واسع الانتشار والتأثير مؤداه أن النشاط الجنسي فعل مقصور على الشباب، وأن الممارسات الجنسية أو الأنشطة الجنسية عندما يمارسها المسنون فإنها تكون غير مناسبة لهم، كما قد تعد سلوكا غير لائق، ويتقبل المسنون مثل هذا الاعتقاد، وكذلك يتقبله الأصغر سنا، ويلعب ذلك دورا هاما في تحديد كيف يدرك الآخرون المسنين، وكيف يدركون أنفسهم، وعندما نصدق أننا نفقد نشاطنا الجنسي بحلول الشيخوخة، فهذا التصديق هو قبول للفلسفة القائلة بأن تقدم العمر يفقد الأفراد قسطا كبيرا من إنسانيتهم أو آدميتهم، وعندما يكون الفرد فاقدا لنشاطه الجنسي فهو يفقد آدميته أيضا. إن خرافة فقدان القدرة الجنسية في الشيخوخة هي فكرة خاطئة وجوديا، فلو صدق المسنون أن النشاط الجنسي فعل غير عادي، أو مستحيل، فقد تخول حياتهم من الممارسات الجنسية، بل وأكثر من ذلك فلو أنهم صدقوا هذه الخرافة أيضا، ولكنهم استمروا في ممارسة الأنشطة الجنسية فقد يعانون مشاعر الذنب وانخفاض تقدير الذات، وفي موقفهم هذا فإن المسنين هم الخاسرون وأن النتيجة المحتملة هي أن ضغطا نفسيا سيقع عليهم.

стр. 694

ولفترة قريبة نسبيا لم يكن هناك إلا عددا قليلا من الأبحاث في مجال السلوك الجنسي عند المسنين، أساسا بسبب اعتبار الموضوع من المحرمات. أما وأثناء الستينات فإن فريقا مكون من وليم ماسترز William Masters وفرجينا جونسون Virginia Johnson في سنة ١٩٦٦ قاما ببحث هذا الموضوع الحساس، وقد ساهمت نتائج أبحاثهم في تبديد سوء الفهم العام والخاص بالشيخوخة والنشاط الجنسي، ورغم عدم مناقشة بحثهما في هذا الصدد وعدم متابعة النتائج بالتفصيل وأيضا عدم مناقشة النتائج العامة التي ذكرت لضيق المكان إلا أنه من الملاحظ أن من النتائج التي وجداها أن النشاط الجنسي والاستجابة الجنسية بما فيها الانتشاء أو التهيج الجنسي Orgasm لا تنتهي بالوصول إلى مرحلة الشيخوخة, وقد وجد الباحثان أن لدى الأفراد قدرة على الجماع، وعلى الانتشاء الجنسي أيضا وأحيانا أكثر من ذلك في مستوى عمر ٨٠ سنة, وقد أكدت هذه النتائج الدارسات الطولية التي قامت بها جامعة ديوك في بالمور عام ١٩٧٤ Polmor, ومن بين المتغيرات التي أوردها ماسترز وجونسون كمساهمين في دراسة ناجحة للأداء الجنسي في مرحلة الشيخوخة أو الرشد المتأخر, كانت الصحة الجسدية، الشعور النفسي بأن الفرد على ما يرام، الشريك القادر المشارك، والتاريخ الحافل باللذة والمتعة والمشتقة من الأنشطة الجنسية وبالمثل فقد تم عرض عدد من العوامل التي تؤدي إلى فشل الأداء الجنسي في الشيخوخة، ومن بينها الروتينية وسأم الشريك، التعب الجسمي، أو العقلي، الخوف من الفشل والإفراط في الطعام والشراب وعند اختبار هذه المتغيرات التي تسهم إما في نجاح أو فشل الأداء الجسمي في مرحلة الرشد أو الرشد المتأخر، فإنه يصبح واضحا أن هذه المتغيرات ليس بينها اختلاف كبير بين تلك التي تؤدي إلى نجاح وبين تلك التي تؤدي إلى فشل الأداء الجنسي أثناء مرحلة المراهقة أو أثناء مرحلة الشباب أو الرشد المبكر والمتأخر أو الشيخوخة.

стр. 695

الخرافة الخامسة: الجمود وعدم المرونة يشير الجمود وعدم المرونة إلى اتجاه نفسي يتصف بالمقاومة الجامدة للتغير وأيضا عدم القدرة على التكيف للمواقف أو الظروف الجديدة، فبعض المسنين حقا يتصف بالعناد ويكون صعب المراس، وتتميز أنماطهم السلوكية بالجمود وعدم المرونة، ومقاومة التغير بشدة، ورغم ذلك فإنه من الدقة أن نقول: إن بعض الأطفال، وبعض المراهقين، وبعض الأفراد في منتصف العمر، يتصفون أيضا بالصلابة وعدم المرونة والعناد، وتشير كل من هاتين الخاصتين إلى سمة شخصية قد تظهر لدى الأفراد أثناء أي مرحلة عمرية في نموهم، وفي بعض الحالات فإن القصور أو النقص الحقيقي في الفرص المتاحة للنمو والتغير والتقدم يمكن أن يفسرها الملاحظ الخارجي الظاهري بطريقة خاطئة كما يفسرها بالعناد والصلابة في الشيخوخة، ويجب ملاحظة أن الكبت الاقتصادي الاجتماعي والجسدي يمكن أن يشكل إعاقات كبيرة للتغيير بغض النظر عن رغبة الأفراد الشخصية أو قدرتهم على أداء أنماط تكيفية أو أساليب تتصف بالمرونة، وإن افتقاد الفرص للتغير والنمو لا يشكل، ولا يجب الخلط بينهما وبين الجمود أو عدم المرونة والعناد. إن تراكم السنين أو ما يعرف بالعمر الزمني، لا يؤدي إلى شخصية جامدة غير مرنة، وبالتالي لا يجب على الكبار فقط أن يتغيروا، ولكن يجب عليهم بالضرورة أن يتكيفوا للأحداث الكبرى متكررة الحدوث، وأن يتوقعوا مصاحبات النضج أو الرشد المتأخر مثل التقاعد، تغيرات الدخل، والأوضاع، فقدان الأحباب، والتعب, والمرض، تغيير الإقامة أو تغيير نمط الحياة, ورغم ما أشارت إليه الأبحاث من أن المسنين يغيرون الآراء والاتجاهات بطريقة بطيئة إلى حدا ما إذا ما قورنوا بما يحدث لدى الأصغر سنا، كما أن التغيرات بين كبار السن تبدو كما لو كانت تعكس التنقلات السائدة الملاحظة في المجتمع ككل "كتلر وكوفمان ١٩٧٥، CUTLER AND KAUFMAN؛ ١٩٧٥. ولحسن الحظ فإن معظم المسنين ما زالوا منفتحين على التغير مقبلين عليه خلال مرحلة النضج أو الرشد المتأخر، وبغياب هذه الخاصية يصبح التوافق صعبا إن لم يكن مستحيلا.

стр. 696

الخرافة السادسة: عدم الابتكارية وعدم الإنتاجية يبدو أن الخرافة السادسة الخاصة بنقص الابتكارية والإنتاجية في مرحلة الشيخوخة تنبع أساسا من ميل المجتمع إلى ربط الإنتاجية والابتكارية بالوظيفية فإن لم يكتسب الفرد مالا فإنه ينظر إليه على أنه ليس منتجا ويفقد الابتكارية في هذا المجتمع, وفي محاولة لتبديد هذه الخرافة فإنه يجب علينا أن ننظر إلى عدد الأفراد ممن لهم مساهمات ابتكارية منتجة في المجتمع، بينما هم في السبعينات والثمانينات أو التسعينات من أعمارهم، إن مساهمات الأفراد من أمثال سيجمون فريد

стр. 697

SIGMUND FREUD, بابلو بيكاسو PAPLO PICASSO، ألينور روزفلت ELEANOR ROSEVELT, برتراند راسيل Bertrand Russel، ماجي كوهن Maggie Kuhn، أرتور روبنشتين Artur Rubinstein, إن مورو ليندبرج Anne Morrow lind Bergh، وأنا ماي موزس Anna Mary Moses، فقد كانت بمثابة أمثلة للابتكار والإنتاجية في مرحلة الشيخوخة، وعلى العكس من هؤلاء الذين وضح وميز الابتكار حياتهم بطولها، هناك من الناس من يبدأ في اكتشاف وتنمية قدراته الخاصة ومواهبه ولأول مرة في مرحلة الشيخوخة. وهناك العديد من الأفراد الذين لهم الحرية الضرورية أو اللازمة لاستكشاف وممارسة مختلف ألوان المشروعات المبتكرة وذلك أثناء فترة الشيخوخة أو الرشد المتأخر, ويعد مثل هذا الاستكشاف مستحيلا عندما كان هؤلاء الأفراد مقيدين بالوظائف الرسمية التي تشغلهم معظم الوقت, وهنا تظهر اهتمامات جديدة وقد تنمو استعدادات سبق التعرف عليها وقد نرى الأنشطة والمساهمات المنتجة المثمرة للمسنين في عدد من المجالات تشمل المجال الفني، السياسي، التعليمي، والمجال الديني، ولما كان غالبية المسنين غير مدرجين في وظائف رسمية إجبارية فإنه من الخطأ مساواة أو ربط الابتكارية والإنتاجية بالوظيفة، وبغض النظر عن الوضع الوظيفي فإن عددا من المسنين ما زالوا في عداد الأعضاء المنتجين المشاركين أو المساهمين المبتكرين في المجتمع، وذلك في فترة الرشد أو الرشد المتأخر، فلو أغفل المجتمع أو تجاهل أو قمع الطاقة الابتكارية الكامنة عند مجتمع المسنين، في سن ٦٥ فما فوق فسوف يعاني كل أعضاء هذا المجتمع فقدانا أو ضياعا هائلا.

стр. 698

الخرافة السابعة: صعوبة تعلم مهارات جديدة هناك قولا شائعا مؤداه أننا لا نستطيع تعليم كلب عجوز حيلا أو ألعابا جديدة، ويعكس هذا القول الاتجاه القائل بأنه بالتقدم في السن تفتقد القدرة على النمو على التغير وعلى اكتساب معارف جديدة وعلى تنمية مهارات وقدرات جديدة. ومن يؤمن بهذا القول فإنه لا يرى المسنين إلا كأفراد يتسمون بالعناد وعدم المرونة والصلابة، وبعدم الإنتاجية، وبنقص القدرة الابتكارية، والتعلم هو تغير مستديم نسبيا في السلوك ينتج عن الخبرة, ومن الخطأ

стр. 699

اعتقاد أنه لا وجود للاختلافات في قدرات التعلم ومعدلاته بين مختلف مجموعات المسنين, فمن المعروف أن أطفال ما قبل المدرسة يختلف تعلمهم عن الأطفال الأكبر سنا من تلاميذ المدارس، وأن هؤلاء يتعلمون بطرق مختلفة عن تلك التي يتعلم بها شباب البالغين، ومع ذلك فإن فكرة الدونية أو التفوق لم تفرض الملاحظة على مثل هذه الاختلافات, إن الفرد عندما يتقدم به السن فإننا نلاحظ اختلافات التعلم لديه والتي يعكسها الأداء، ولعل من الخطأ أن ندعي أن هذه الاختلافات إنما تمثل نقصا أو انخفاضا في القدرة على اكتساب معلومات جديدة. إن التعلم موضوع صعب للغاية، إذا ما أردنا دراسته، وهو كذلك لأن فردا لم يرد التعلم أو أن لديه القدرة على ملاحظة العمليات العقلية التي ينتج عنها التعلم والاكتساب العقلي مباشرة ولكن يستدل على التعليم من الأداء وليس هناك طريق لتحديد ما إذا كان التعلم قد حدث فعلا أو لم يحدث ما لم يظهر الفرد أو يبدي سلوكا يدل على ذلك وترجع صعوبة التعلم أيضا إلى تأثره بعدد هائل من العوامل الخارجية والداخلية منها الظروف أو الأوضاع البيئية، الدافعية، الحالة الانفعالية للمتعلم، الخلفية الخبرية وكذلك متطلبات الأداء. إن على الباحثين الذين يريدون عقد مقارنات لمعدلات أو قدرات التعلم بين أي فردين أو بين مجموعات من الأفراد، أن يوجهوا اهتماما لمثل هذه العوامل على أن يكون لديهم الاستعداد لافتراض أن مثل هذه المتغيرات هي بمثابة دعم مستمر لكل من تشمله المقارنة, وعند انتقاء الأفراد موضع المقارنة من فئات عمرية مختلفة بغرض المقارنة فإننا نواجه استحالة صدق مثل هذا الادعاء أو الافتراض، فأقل القليل أنه عند اقتراض أن هؤلاء الأفراد المنتمون إلى فئات عمرية مختلفة يشتركون في الخلفية الخبرية فإن ذلك يصبح هزلا, ولهذا السبب فقد ثبتت صعوبة عقد مقارنات صادقة حقيقية بين أفراد فئات عمرية مختلفة وفي بعض الأحيان هي مهمة مستحيلة. لقد قام جيمس بيرن James Birren بأبحاثه لدراسة تغيرات التعلم المرتبطة بالسن، وقد استغرق ذلك أكثر من ربع قرن، حيث قام بدراسة نفس الأفراد عبر عدد معين من السنوات في محاولة منه لتحديد تلك التغيرات التي تحدث في القدرة على التعلم مع التقدم في السن، وقد

стр. 700

وجد بيرن ومساعدوه في عام ١٩٦٢ أنه لا يجب توقع اضمحلال الأداء العقلي أو تدهور القدرة على التعلم أثناء مرحلة الشيخوخة، وتبعا لنتائج هذه الأبحاث فإن التدهور العقلي هو نتيجة لمرض وليس نتيجة طبيعية للشيخوخة، ورغم ما كشفت عنه هذه الأبحاث من البطء الطبيعي لزمن رد الفعل العقلي والجسدي نتيجة للشيخوخة العادية فإنه لم يرد أن هناك ضعفا أو انخفاضا في القدرات العقلية العامة للتعلم, ويستطيع معظم الأفراد أو هم فعلا يستمرون في اكتساب معلومات جديدة وفي الاشتراك في خبرات جديدة وفي التعلم أثناء المراحل المتقدمة من العمر.

стр. 701

الخرافة الثامنة: غرابة الأطوار أو الخبل إن القدرة على الاقتراب من الآخرين وعلى الاستمرار في التعرف اللائق اجتماعيا، وعلى التفاعل مع الآخرين بانسجام، تتقدم وتتحسن على مدى حياة كل فرد منا. إن الشباب أو متوسطي العمر من ذوي الصحبة السارة يملكون مظهرا جذابا بصفة عامة، وعلى درجة من الوعي والحساسية بمشاعر الآخرين ويستمر لديهم مثل هذا الاتجاه حتى في مرحلة الشيخوخة, وعلى العكس من ذلك الفرد كثير الشكوى من عيوب الآخرين، فمن الصعب إرضاؤه، وهو بصفة عامة سلبيا في اتجاهاته نحو الآخرين ونحو الظروف المختلفة. إن المبررات ليست كافية لعدم استمرار مثل هذه الخصائص في الظهور خلال مرحلة الشيخوخة كما أن أنماط التوافق والسلوك الاجتماعي التي يسلك بمقتضاها المسنون تشبه تلك الأنماط والسلوكات التي أبداها نفس هؤلاء الأفراد عندما كانوا في مقتبل العمر ومنتصف الشباب. "بوتونك Botwinick؛ ١٩٧٣". فقد أظهرت نتائج الأبحاث أن نسبة الأفراد الذين وصلوا إلى مرحلة الشيخوخة والذين اتصفوا بالغرابة، وحدة الطباع وانحراف المزاج، لا تختلف بدرجة كبيرة عن نسبة مثل هؤلاء الذين يمكن أن تضمهم أي مجموعة عمرية أخرى، وهذه الملاحظة في حد ذاتها مفاجئة لتعرض الأكبر سنا لضغوط ومشكلات أكثر ما يتعرض له الأصغر سنا، إن التعرض لمثل هذه الضغوط سوف يخلق أفرادا سلبيين اجتماعيا عند وصولهم إلى مرحلة الرشد أو الرشد المتأخر ومع ذلك فلا يبدو أن هذا صحيح بصورة مطلقة. ومن الواضح أن معظم الأفراد ينمون طرقا متميزة معينة للتفاعل الاجتماعي وللاتصال بالبيئة وللتعامل مع الآخرين, وما أن تنمو مثل هذه الطرق فإن أساليب الاستجابات المميزة هذه تميل إلى الثبات والاستمرار خلال مرحلة الشيخوخة، ويميل الاتساق الاجتماعي أو التكيف للظروف إلى الاستمرار والسيادة بغض النظر عن تقدم العمر الزمني فلو أنك كنت من غريبي الأطوار الآن فكل الاحتمالات تشير إلى استمرار مثل هذه الخصائص عندما تصبح شيخا مسنا, وبالمثل لو أنك نميت اتجاها اجتماعيا موجبا فلا أساس للاعتقاد بأن تراكم السنوات سيمحو لديك أوجه الخصائص المميزة لشخصيتك.

стр. 702

الخرافة التاسعة: الوحدة تشير نتائج الأبحاث التي قام بها لويس هاريس ومساعدوه Louis Harris and associates؛ ١٩٧٥ أن معظم سوء فهم العامة للشيخوخة يرتكز على موضوع العزلة ومشاعر الوحدة الشخصية، وننقل للقارئ ما أورده هاريس Harris في هذا الشأن حيث قال: "إن ١٢% ممن هم في سن ٦٥ فما فوق يشعرون أن الوحدة هي مشكلتهم الشخصية الخطيرة بينما ٦٠% وأكثر من العامة يعتبرون الوحدة هي المشكلة الخطيرة لمعظم من هم في سن ٦٥ فما فوق". وفي دراسة قام بها دين سنة ١٩٦٢ Dean قرر حوالي ثلثي مجتمع الخامسة والستين فما فوق أنهم لم يشعروا إلا نادرا بالوحدة أو أن يكونوا قد خبروا مشاعر الوحدة. ويبدو أن هناك عددا من العوامل التي تشترك في انخفاض إدراك الوحدة أو الشعور بها بين غالبية المسنين, فمنذ البداية يجب ملاحظة أن الاتصال المتكرر بين المسنين وبين أفراد عائلاتهم هو القاعدة وليس الاستثناء في المجتمعات بصورة عامة. "بينستوك وشاناس ١٩٧٦ Binstock and Shanas، وعكس اعتقادات البعض فإنه ليس من المعتاد أن يتخل أفراد عائلة المسن عنه أو أن ينسوه أو يتجاهلونه أو أن تندر زيارتهم له إن لم تنقطع, وبالإضافة إلى العائلة هناك الأصدقاء كعامل مساعد في تخفيف الشعور بالوحدة لدى كبار السن, وتشير نتائج دراسة هاريس Hasrris إلى أن حوالي نصف مجموعة المسنين التي أجري عليها البحث أكدوا أنهم يقضون أوقاتا كثيرة مجتمعين مع أصدقاء أو برفقة أصدقاء, ولكن هناك حوالي ٥% ممن هم في سن الخامسة والستين فما فوق يعانون من مشكلة ندرة الأصدقاء، وقد أشارت دراسات أخرى أن منظمات المتطوعين، النوادي الاجتماعية، رفاق الكنائس أو المعابد، والأنشطة المجتمعية كلها وكالات تساعد في منع أو في الحد من الشعور بالعزلة والوحدة في الشيخوخة هو سيكنشت ١٩٦٢ القرارات الكاثوليكية ١٩٦٢، "Hausknecht, ١٩٦٢, Catholic Digest ١٩٦٦".

стр. 703

الخرافة العاشرة: أكثر تدينا إنه من المغري أن نوافق على فكرة مؤداها أنه بتقدم الأفراد في السن يصبحون أكثر تدينا، وربما يرجع سبب مثل هذا الإغراء إلى حس حدسي بأن حقيقة الموت أصبحت قريبة وشيكة الحدوث، وأن الأفراد ميالين لأن يصبحوا أكثر استمتاعا بالحياة الآخرة بعد الموت، وللخلاص من الخطايا الشخصية، وأن لديهم اهتمامات بالأمور الغيبية. إن هذا الإغراء بالموافقة على هذه الفكرة، ربما ينبع من ملاحظات شخصية مؤداها أن الجيل الحالي من المسنين يميل للتدين أكثر من الأجيال الأصغر سنا, ومع ذلك وبغض النظر عن الأحاسيس الشخصية أو الملاحظات الفردية تبقى الحقيقة وهي أن الأفراد يصبحون أكثر تدينا بتقدمهم في السن إن من الخطأ افتراض أن الاختلافات العمرية في التوجهات الدينية هي نتاج للتقدم في السن أو للشيخوخة، فالأجيال الأكبر لا تصبح أكثر تدينا باقترابها من الشيخوخة وعند مقارنة هذه الأجيال بالأجيال الأصغر سنا، فإننا نجد أن مجتمع المسنين كانوا أكثر تدينا في شبابهم، فقد تلقوا تدريبات دينية أو كانت لهم ممارسات دينية أكثر أثناء تقدمهم في السن وأنهم قد استمروا على نفس الأسلوب المتدين الذي تكون عبر سنوات عمرهم المبكرة والسابقة، ويبدو أن اختلافات التوجهات الدينية هي اختلافات جبلية وأنها ليست مرتبطة بالعمر, وعلى أساس المعلومات المستخلصة من الدراسات الطولية فقد وجد كل من بلازر وبالمور سنة "١٩٧٦" Blazar and Plamore أنه ليست ثمة مؤشرات لزيادة الاهتمام بالانصراف أو الانشغال بالدين كدالة على الشيخوخة، ورغم أنه يبدو أن الاستغراق أو الارتباط بالدين لا يزداد أو ينخفض في مرحلة النضج أو الرشد المتأخر إلا أن هناك ميلا يتجه نحو انخفاض المواظبة على الحضور إلى الكنائس في الشيخوخة "موبرج Moberg ١٩٦٥". فليس من الممكن مساواة التدين بالحضور إلى الكنيسة, فهناك عوامل كثيرة تتدخل فيما لوحظ من انخفاض الحضور المنتظم إلى الكنيسة مع تقدم الفرد في السن من هذه العوامل افتقاد وسيلة للمواصلات، ضعف أو اعتلال الصحة، وتغيير محل الإقامة، وأساسا ليس هناك دليل واضح على زيادة الاهتمام

стр. 704

بالأنشطة الدينية أو كسب مزيد من الرضا من خلال الدين، أو تكريس وقت أطول واهتمامات أكثر بالاهتمامات الدينية مع تقدم الأفراد في السن. "Blazar & Palmore ١٩٧٦".

стр. 705

الخاتمة الموت كنهاية لدورة حياة الإنسان الموت كنهاية لدورة حياة الإنسان ... الخاتمة: الموت كنهاية لدورة حياة الإنسان: يشعر الإنسان المسن بإحساس خاص تجاه الموت، حتى وإن كان يتمتع بقوة جسمية وعقلية، حيث يدرك -أكثر من أي فترة من حياته- أن الموت كأس لا بد من تجرعه, وأن الفترة الباقية له في هذه الحياة مهما طالت قصيرة نسبيا وبالتالي يصبح الموت بمثابة اهتمام واقعي بالنسبة له وقد نجد المسنين يقومون ببعض الأعمال والنشاطات استعدادا لعملية الرحيل ويتضمن ذلك الانتهاء من عمل بعض الأمور العملية كتوزيع ثروته، بالإضافة إلى ثمة عمليات داخلية كمراجعة النفس، ومراجعة تاريخ حياته. وقد يفترض أن المسنين كمجموعة يعيشون في مخاوف خاصة ترتبط بالموت، إلا أن نتائج بعض الدراسات أشارت إلى نقيض ذلك فدراسة ميونشيس Munnichs؛ "١٩٦٦" أشارت إلى أن التوجهات الأكثر عمومية للأفراد الذين تجاوزوا سن السبعين، كانت تومئ إلى التقبل والإذعان لفكرة الموت، كما أن نتائج دراسة بنجستون وآخرين Bengston et al؛ "١٩٧٧" دعمت النتائج السابقة، إذ أوضحت أن الأفراد المسنين كانوا أقل انشغالا واستغراقا في المخاوف المرتبطة بالموت إذا ما قورنوا بالأفراد الذين كانوا في منتصف العمر، ويبدو أن المخاوف المفرطة، أو إنكار الموت عند بعض الأفراد المسنين قد تشير إلى الفشل العام في التوافق مع جوانب القصور والعجز، والذي يكون بدوره مظهرا من مظاهر عدم النضج النفسي والإحساس بالانعزال والغربة عن الآخرين, ويشير إريكسون "١٩٦٣" أن الخوف من الموت يرتبط كذلك بافتقاد تكامل الأنا، ويذهب دورلاك Durlak؛ "١٩٧٢" إلى تدعيم وجهة نظر إريكسون بقوله أن المعدل المنخفض لخوف الموت يرتبط بالأفراد الذين شعروا بهدف الحياة وغرضها, وبالتالي حققوا نوعا من التكامل. وبطبيعة الحال فمن الصعب أن نقيس بصورة دقيقة ما يشعر به الفرد من خوف شخصي تجاه الموت، حيث إن معظم الدراسات في هذا المجال تتكامل مع الاتجاهات التي يعبر عنها الأفراد في الاستبانات أو التي تظهر من خلال الوسائل الإسقاطية، وعدد قليل من الباحثين قد يتعامل
следующие страницы →