← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات المقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد،،، فإن أشرف الأعمال وأجلها هو الدعوة إلى الله تعالى, ففيها عظمة الموضوع، وسمو الوسيلة، ونبل العمل، ورقي الغاية، وذلك أمر أكده الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. وقد خص الله رسله الكرام ابتداء بهذا الشرف، وكلفهم به وبعثهم بوحي منه يبلغونه للناس، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢. وقال سبحانه لكل منهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٣. وعلى مدار التاريخ من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ قام الرسل بواجبهم هذا، وحملوا أمانة الدعوة بكل صدق وإخلاص، وتركوا سيرة مثالية تعد أسوة لكل من يرجو الله واليوم الآخر، وكان محمد ﷺ خاتم الرسل والأنبياء، ختم بدعوته سائر دعوات الله، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة, ونصح الأمة، وكشف الغمة، وترك للبشر كل ما ينفعهم، وكل ما يحتاجون إليه، بالنسبة للدعوة وغيرها. عرف بوجوب القيام بالدعوة إلى الله تعالى، وألزم الأمة المسلمة به، حيث أخبرهم بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.

стр. 2

وبقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ١. وكما عرفهم بحكم تبليغ الدعوة، فصل لهم طريقة الدعوة, وأسلوبها، ومنهج إيصالها إلى عقول الناس وقلوبهم، وكيفية توجيه الخطاب ... ووضح لهم ذلك بطرق شتى، فمرة يوجههم نحو المنهج مباشرة، ويقرأ لهم قوله تعالى: - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢، وبهذا يقوم منهج الدعوة على الإيجاز، والدقة، والرمز، وهو المراد بالحكمة، كما يقوم على التفصيل، والتحليل، والإثارة، وهو المقصود بالموعظة الحسنة، كما يراعي المنهج شخصية المدعوّ، فإن كان مجادلا، فليكن جداله بالتي هي أحسن. - ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ٣. - ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ٤. ومرة أخرى يوجههم نحو الأسلوب، بعرض قصص الأنبياء بما تشتمل عليه من حقائق عديدة، تتصل بموضوع الدعوة، وأسلوبها، ومنهجيتها الاتصالية، ومدى تقدير المسئولية عند من يتحمل أمانة الدعوة والتبليغ، وكيفية مواجهة المواقف الصعبة التي تحدث مع القيام بالبلاغ والدعوة. يبين القرآن الكريم هذا وهو يوضح الغاية من

стр. 3

القصص القرآني، يقول الله تعالى: - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وبقوله سبحانه: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣. ومرة ثالثة يوجههم بتوضيح خواطر النفس، واتجاهات الهوى، وسبحات العقل والروح، وهو يحدثهم عن طبقات الناس من الملأ، والضعفاء، والمترفين، واليهود، والنصارى، والصابئة، والمجوس، والذين أشركوا، ومعهم، وقبلهم المؤمنون المخلصون. ... وهكذا يلتقي الدعاة مع منهج الدعوة الحكيم. إن قصص القرآن الكريم يُجلِّي حركة الدعوة، ويوضح تاريخها على الزمن كله، بصدق تام لا ريب فيه، ولا خيال، ويركز هذا القصص على الجوانب المفيدة النافعة، ذات التأثير في الخلق، والسلوك، والاعتقاد، ويقدم الدعوة، موضوعا، ومنهجا، وهي تتحرك مع الناس، في صورة عملية حية؛ لتأكيد ملاءمتها للفطرة، وتوافق التحرك بها في إطار المنهج الرباني.

стр. 4

إن واقع المسلمين المعاصر في أمسّ الحاجة إلى المدارسة الجادة لقصص الرسل، من أجل الوقوف على منهجهم في الدعوة، ومعرفة حقائق الناس، وخفاياهم، واكتشاف الوسائل المثلى للجدل، والخطاب، والإقناع، والإرشاد، ولم ينتقل رسول الله إلى ربه إلا بعد أن وضح المنهج، وعرفت الوسائل والأساليب ... وصارت مبادئها، وأساسياتها، مصورة في وقائع عملية، وأحداث تطبيقية، تشهد بحيويتها، وتأثيرها في الناس. وانطلاقا من الشعور بواجب الدعوة، ومحاولة لبذل جهد على قدر طاقتي، أكتب في تاريخ الدعوة، يحدوني الأمل في توفيق الله تعالى لأتغلب على الصعاب العديدة. إن الكتابة في هذا الموضوع جديدة، والجديد دائما يحتاج للجهد والعمل، ويتعرض للنقد والمعارضة، وبخاصة إذا قلت مراجعه، وندرت العقول التي تناولته بالتحليل والتوضيح ... وأين لي بوقت أستعين به في أداء المقصود على وجه سديد ... ولكنه الأمل في الله، إن الأمل في الله كبير وهو صاحب الفضل: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١. ولقد ألف في قصص الأنبياء، وقصص القرآن عددٌ من العلماء أسهموا في إبراز هذا التراث العظيم، ووجّهوا أنظار المسلمين إلى ما فيها من عبر وفوائد. وأعانني الله تعالى فقرأتُ أغلب هذه المؤلفات، ورأيت ضرورة إبراز الجانب الدعوي في قصص الأنبياء؛ لإيماني بأن القرآن الكريم نزل للدعوة، وكل ما فيه من قصص، وأحكام، وتشريع هو توجيه للدعاة، بدءا برسول الله ﷺ الذي أرسله الله للناس ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ ، واستمرارا مع كل الدعاة المخلصين إلى يوم القيامة. ولهذا استخرت الله تعالى في الكتابة عن الجانب الدعوي، من خلال تاريخ الأنبياء ﵈؛ لأن الدعوة من خلال تاريخ الأنبياء وقصصهم تعد في الحقيقة

стр. 5

إظهارا عمليا لحركة الدعوة وسلوك الدعاة، وموقف المدعوين، وشبه المعارضين، وكشفا حقيقيا لتصرفات أعداء الدعوة إلى الله تعالى. ومن هنا كان توضيح تاريخ الرسل، من خلال القرآن الكريم, إحياء للماضي وتقوية للحاضر، ودستورا دائما للدعوة، يحدد المسار ويبين المنهج, ويشير إلى النتائج النهائية للمؤمنين، وللكافرين، على حد سواء. ومن أجل تحقيق الفائدة من هذه الدراسة، اتبعت منهجا واحدا مع تاريخ سائر الرسل، وبخاصة من فصل القرآن الكريم في دعوتهم، يعتمد الأسس التالية: أولا: التعريف ببيئة قوم الرسول؛ لمعرفة حضارتهم، والنعم التي تفضل الله بها عليهم، وأشهر الأصنام والأوثان التي عُبدت من دون الله تعالى. ثانيا: التعريف بقوم الرسول، والوقوف على أهم طبائعهم النفسية، والفكرية، ومدى تمسكهم بالضلال في العقيدة، والانحراف في الخُلُق والسلوك. ثالثا: التعريف بالرسول ﵇ ونشأته، وأخلاقه، وملامح الصناعة الربانية فيه، ومناط الأُسْوة، والقدوة للدعاة، والمؤمنين. رابعا: التفصيل في بيان حركة الرسول بالدعوة في قومه، وتشمل الحركة المنهج والوسيلة، والأسلوب، كما تبين فطنة الرسول ودقته وهو يدعو إلى الله تعالى. خامسا: إبراز أهم ركائز الدعوة مع كل رسول؛ لتكون دعائم أساسية للدعاة في مجال التأسي والاعتبار. وبعد الانتهاء من دراسة تاريخ دعوة الرسل, قمت بدراسة مطولة حول أسس الدعوات الإلهية، ومدى تكريمها للإنسان، وتحديدها للغاية التي خلق من أجلها مع بيان شخصية مبلِّغ الدعوة، ومنهجية البلاغ من خلال دراسة هذه الأسس،

стр. 6

والأمل أن تقدم الدراسة التفصيلية لتاريخ الرسل، والتحليلية للمبادئ والأسس الطريقة المثلى للدعاة في العصر الحديث، وليعلم الجميع أنه لا جديد عن الدعوة من كافة نواحيها يختلف عما جاء في القرآن الكريم. إني أرجو من خلال كتابة تاريخ الدعوة ربط أحداث الماضي, بوقائع الزمن الحاضر، وإنارة طريق المستقبل؛ ليعيش الدعاة متخذين قدوتهم الرواد الأوائل الذين هداهم الله، وليكونوا لمن بعدهم المثل والأسوة، حتى تعود الأمة الإسلامية لعهدها الأول، وتصير بحق خير أمة في العالمين. والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل. ا. د/ أحمد أحمد غلوش مدينة نصر في أول محرم سنة ١٤٢٢هـ الموافق ١٥/ ٣/ ٢٠٠٢م

стр. 7

تاريخ الدعوة واقع ومنهج: علم التاريخ من العلوم الهامة ذات الفائدة القصوى للإنسان؛ لأنه يتخذ الماضي موضوعا لدراسته، ويعيش مع الوقائع والأحداث وفق منهج وصفي، يعتمد الحياد والموضوعية، ويجمع الأحداث والوقائع من مصادرها الصحيحة، ويحللها بأمانة، وينسقها على أسس عقلية متكاملة؛ لتنطق بكافة جوانب الحدث، وتصوره أمام الناس، وبذلك يعرف التاريخ بواقعه، ويظهر الماضي بأشخاصه، وأعماله، وحيويته، ويتمكن الباحث من استخلاص الدروس والعبر، ويتحقق له الهدف المنشود. ويحتاج علم التاريخ بصورة عامة إلى عقلية عالمة، تبحث عن الحقائق، وتلتزم بالحق، بعيدا عن التحيز والتأثير، وتنأى بذاتها عن توجيه الأحداث لخدمة أهدافها الذاتية، وخصائصها الثقافية، أو الدينية، أو الجنسية ... وهكذا. وعلم التاريخ وفق هذا المنهج يساعد في إعطاء صورة صحيحة لتاريخ البشر، ويساهم في وضع منهج للحاضر، والتخطيط للمستقبل، ويؤدي إلى حياة طيبة للعمران البشري. وعلم "تاريخ الدعوة" فرع من علم التاريخ العام، يهتم برصد جانب معين من الأحداث والوقائع الماضية، وهو الجانب المتصل بالدين، وحركته، وحيويته في حياة الناس؛ ولذلك نراه يعايش دعوات الله تعالى على طول الزمن، فيحدد موضوعاتها التي بلغتها للناس، ويعرف وسائلها في البلاغ والدعوة، ويوضح ما دار حولها من نقاش ونزاع، ويبين موقف المدعوين منها سواء آمنوا بها، أو لم يؤمنوا. وعلم تاريخ الدعوة يعايش مدعويه جميعا، عامتهم، وخاصتهم, فهم جمهور الدعوة, وهم الأمة التي جاءت الدعوة لهم.

стр. 8

ومما يتصل بأحداث الدعوة، ووقائعها النفقات المبذولة في إنشاء المؤسسات الدينية كالمسجد، والمدرسة، والمستشفى، والأموال التي تصرف زكاة، أو صدقة، في أحد المصارف الشرعية المعروفة. إن أي نشاط ديني للفرق، والمذاهب، والجماعات المتنوعة، هو جزء من اهتمام تاريخ الدعوة، مهما كان أثرها وجدواها في تنمية المجتمع وتقدمه، أو تخلفه وتقهقره. ولعل التعريف بالرسل والدعاة على مدار التاريخ محل اهتمام رئيسي لعلم تاريخ الدعوة، فهم حَمَلَة الدعوة، ومبرزوها، ومبلغوها، والمدافعون عنها، وهديهم في التبليغ أساس لمن بعدهم. إن علم تاريخ الدعوة يبحث موضوعه في إطار منهج علم التاريخ العام, وبذلك يقدم فوائد جليلة للدعوة إلى الله تعالى في العصر الحديث؛ لأنه يقدم أحداث الماضي رصيدا للحاضر، وتوجيها للمستقبل، ويكفي الدعاة أن يعرفوا الحاضر صورة مكشوفة، ويحيطوا بالإنسان المدعو ظاهرا وباطنا؛ لأنهم بدراسة التاريخ يفهمون نفوس الناس، وأخلاقهم، وخواطرهم، واتجاهاتهم، ومواقفهم التي سيتخذونها إزاء الدعوة التي ستوجه إليهم. والدعاة حين يعلمون ذلك عن الناس يمكنهم اختيار ما يطلبونه من الناس، وطريقة الطلب، ووسيلة الخطاب، ومنهج الدعوة والبلاغ. يقول سيد قطب: "إن تاريخ الدعوة يصور طبيعة الكفر، وطبيعة الإيمان في نفوس البشر، ويعرض نموذجا مكررا للقلوب المستعدة للإيمان، ونموذجا مكررا للقلوب المستعدة للكفر أيضا"١.

стр. 9

ويقول: "واجه الموكب الكريم من الرسل البشرية بدعوة واحدة، وعقيدة واحدة، وكذلك واجهت الجاهلية دعوة الرسل مواجهة واحدة، وكما أن دعوة الرسل لم تتبدل، فكذلك مواجهة الجاهلية لم تتبدل، إنها حقيقة تستوقف النظر ويجب الاستفادة بها"١. ومن عناية الله تعالى بالدعوة إلى دينه، أن أنزل قصص الرسل والأنبياء وحيا على رسوله محمد ﷺ متميزة بخصائص القرآن الكريم الثابتة، وهي الصدق، والدقة، وقصد الهداية والخير، في استقامة خالية من العوج، والاضطراب. وبعد تمام الإسلام، وانقطاع الوحي، وانتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى أخذ العلماء، والدعاة المسلمون، يواصلون رصد حركة انتشار الإسلام، ويسجلون عملية تبليغ الدعوة إلى الناس، في أرجاء العالم المختلفة، على قدر طاقتهم البشرية. وعلى هذا يمكننا -ونحن مطمئنون- أن نقسم دراسة تاريخ الدعوة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، لكل منها خصائصه ومزاياه، وهي: القسم الأول: ويتضمن تاريخ الدعوة مع رسل الله قبل محمد -عليهم جميعا صلوات الله وسلامه- ومصدر هذا القسم هو القرآن الكريم بصورة رئيسية, فللقرآن الهيمنة على غيره، وكل ما عداه من مصادر أهل الكتاب، أو من الاكتشافات الأثرية، أو من الكتابات القديمة يجب أن تكون متفقة معه، غير متعارضة مع أصوله، وأساسياته، ويتميز هذا القسم بعدد من المزايا: أ- أخباره كلها صادقة، تلازم الحق والصواب, قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٢.

стр. 10

وقال تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ ٢. والنبأ وهو الخبر المتعلق بأمر هام، موغل في القدم، مثير للوجدان، والعواطف، والحق هو الصدق الموافق لما وقع٣، المطابق للحدث بلا ريب ولا شبهة. ب- ارتباط تاريخ الدعوة خلال هذا القسم بالوحي المنزل على رسول الله ﷺ حيث لا دخل لبشر في تصوير أحداثه، أو الإخبار بوقائعه من عند نفسه؛ لأنه غيب أمام البشر، ولولا القرآن الكريم لغاب تاريخ هذا القسم مع أهميته، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٦. إن قصص القرآن الكريم إخبار عن غيب الماضي، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، أوحى الله به إلى رسوله محمد ﷺ ليكون منهجا يتبع، وطريقا يسلكه الدعاة إلى الله. وفي الآيات إشارة إلى أن إدراك مضمون هذا القصص لا يكون إلا بوحي الله تعالى.

стр. 11

ج- واقعية الأحداث في هذا القسم, فليس منها ما لا يتصوره عقل، أو يتناقض مع الفطرة، وطبيعة الإنسان في تصوير هذا القسم دقيقة، واقعية، انظر إلى الإنسان تأتيه الدعوة، فيتنازع الشر والخير، وينتصر هذا أو ذاك ... أليس ذلك واقعا نقرؤه في سائر القصص؟! لقد قدم هذا القسم التصوير الصادق الواقعي عن إخوة يوسف، وعن ولدي آدم، وعن المؤمنين، وعن الكافرين.... وهكذا. ولو جئنا بقصة قرآنية، وعزلناها عن ذوات أصحابها، وأبعدناها عن زمانها؛ لخيل إلينا أنها قصة من الحاضر؛ لأن الإنسان هو الإنسان، فكأن واقعية الماضي تصوير لما وقع فعلا، وفهم الحاضر يفيد ترابط وقائع الماضي مع حوادث الحاضر، مع تصورات المستقبل، وذلك أكبر برهان على الواقعية لقصص القرآن الكريم، المتضمن للقسم الأول من تاريخ الدعوة. د- سموّ أهداف أحداث هذا القسم، حيث دعوته إلى الفضائل، والبعد عن الرذائل، فهو يدعو إلى التوحيد، وطاعة الله، والتخلق بالخلق الكريم, وحين يعرض لموقف فيه فحش, فإنه يعرضه بصورة مختصرة في شكل مقيت يكرهها من يقرؤها، قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. ومن الآية نرى أنها تعرض الجنس في لحظة ضعف، لا لحظة بطولة, ولحظة تحتاج إلى أن يفيق الإنسان منها ليلتزم الواجب، والطهر والمحافظة على حق الله، وحق الناس. هـ- الاكتفاء بالقدر المفيد من الأحداث والوقائع؛ ولهذا نجد أن القصص القرآني لا يروي كل الجزئيات عن الماضي، ولا يورد ما يورده مرتبا مسلسلا، وإنما

стр. 12

يتخير من الحدث ما يفيد، ويذكر من الوقائع ما فيه نفع الإنسان, فأحيانا يورد اسم المكان، أو يحدد الزمان، أو يوضح عدد الناس، إن كان ذلك يفيد، وأحيانا يترك ذلك كله، ويذكر سواه في حدود الفائدة المطلوبة، والنفع المقصود. ومن هنا فعلينا أن نأخذ الفائدة مما ذكره الله تعالى، ونسكت عما سكت عنه؛ لأنه لا حاجة إليه، وقد تتحدث مصادر أهل الكتاب، أو مصادر غيرهم عن تفصيلات القصة التي سكت القرآن الكريم عنها، وحينئذ تكون تكملة لما يحتاجه الباحث في تاريخ الدعوة، وأخذُها من هذه المصادر عملٌ يؤيده الإسلام ويدعو إليه ما دامت تكمل مسار الحدث، وتتوافق معه، يقول النبي ﷺ : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" ١. و شخصيات الرسل، ووظيفتهم البلاغية، تمثل معلما رئيسيا في تاريخ الدعوة؛ لأن الرسول -أي رسول- صناعة ربانية، وصفاته بشرية، مثالية، واقعية؛ ولذلك فهم قدوة للدعاة، وأسوة لهم، على الزمن كله. وحينما يقدم تاريخ الدعوة صفات الرسل، ومزاياهم الخلقية التي تعاملوا بها مع الناس، ومنهجهم في الدعوة، ووعيهم بحقائق الحياة والأحياء، وصدقهم المخلص مع الله، ومع الرسالة، ومع الناس، حينما يفعل ذلك يقدم خدمات جليلة للدعوة في العصر الحديث، وفي كل العصور ... القسم الثاني: ويتضمن تاريخ الدعوة في عصر الرسول محمد ﷺ وهو أهم الأقسام، وأزهاها، بل هو أساس لكل جوانب الدعوة الإسلامية في جميع الأمكنة، وسائر الأزمنة إلى يوم القيامة، ومصادر هذا القسم عديدة على رأسها القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومرويات الصحابة والتابعين، وكتب التاريخ.

стр. 13

ويتميز هذا القسم بالعديد من المزايا, أهمها: أ- يشتمل على مزايا القسم السابق، فهو وحي منزل لا ريب فيه, يلائم الفطرة، وينحو نحو الكمال، والسمو، والرفعة، بل إنه يعد تاريخا تطبيقيا للدعوات السابقة، أخذ منها موضوعها وأهم قضاياها، وخبر من خلالها أسرار الحياة والأحياء، حتى إن الرسول ﷺ كان يورد أحداث الماضي ليستفيد أتباعه منها، ومن ذلك ما يقوله النبي ﷺ : "إن الرجل فيمن قبلكم كان ينشر لحمه عن عظمه بالمناشير, لا يصرفه ذلك عن دين الله تعالى" ١. ب- يستفيد هذا القسم من خصائص الإسلام، فبسبب كون الإسلام دينا عالميا، وخاتما لسائر الأديان، نجد الدعوة مصبوغة بصبغة العالمية، حيث تلتزم الأصول الدينية الثابتة، وتقدمها لطوائف الناس على تنوعهم، واختلافاتهم بأساليب متعددة تناسب الجميع، وحتى يستمر تناسبها مع الناس نجد القرآن الكريم يخاطب العالم على اختلاف مذاهبه, وأجناسه، وطبقاته ... فبرغم أن القرآن الكريم نزل في مدة محددة، وخاطب أهل مكة والمدينة إلا أن الله بقدرته وحكمته جعل هاتين المدينتين بوتقة جمعت كافة عناصر البشر، وجميع الطبقات، وسائر المذاهب والأديان، حتى إذا ما نزل الوحي يخاطب هؤلاء الناس، ويناقش عقائدهم، ويدعوهم، كل بما يناسبه، كان كمن يخاطب البشرية كلها في كل الأمكنة، وفي كل الأزمنة إلى يوم القيامة. لقد وجد في مكة والمدينة يومذاك اليهود، والنصارى، والمجوس، والدهريون، والذين أشركوا، وعبدة الكواكب، والأصنام، والملاحدة ... كما وجد فيهم الأغنياء والفقراء، والسادة والعبيد، والحكماء والحنفاء والعامة. وهكذا تميزت الدعوة بالعموم الشامل، والخلود المستمر إلى يوم القيامة ...

стр. 14

ج- تضمن هذا القسم كل شيء عن الإسلام والدعوة إليه، حيث يوجد ذلك بتفصيل في القرآن الكريم، والسنة النبوية، المحفوظينِ بحفظ الله تعالى. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢, وقد جاء القرآن الكريم مصدقا للكتب السابقة ومهيمنا عليها، فأيد صادقها، وأتم ناقصها، وصحح ما حُرِّف منها، وكمل بما تحتاجه البشرية تبعا لتقدمها وتطورها، ووضع القواعد المساعدة لاحتواء كل جديد، وإعطائه الحكم الشرعي الصحيح، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٤. ويعتبر هذا القسم هو الأساس للدعوة، فهو يحتوي أحداث القسم الأول ويستفيد منها، ويقدم الدستور الواضح والتشريع الدائم للعصور التالية بصورة محكمة، مفصلة. د- محمد ﷺ رسول الدعوة، وإمام الدعاة، وقدوة المؤمنين، صورة بيضاء، واضحة، ناصعة، يسهل الوقوف على أي جانب من جوانب شخصيته العامة والخاصة مهما دق، حيث فصلت سيرته ﷺ تفصيلا واسعا، واهتم بها كتّاب السير والشمائل حتى سجلوا كل شيء ووثقوه ...

стр. 15

ولقد صور القرآن الكريم حياته ﷺ العملية، وسلوكه مع الناس، وتعبده لربه في السر والعلن، وخلقه، وعمله، فمن أراد أن يرى القرآن مصورا فلينظر إلى سيرة رسول الله ﷺ ، ومن أراد أن يقرأ محمدا ﷺ مكتوبا فليقرأ القرآن الكريم؛ وذلك لشدة المطابقة بين العمل والتنزيل. ولهذا تعد السيرة النبوية تسجيلا عمليا للدعوة الإسلامية، أصولها، ومناهجها، ووسائلها، وتاريخها خلال هذه الفترة المهمة. هـ- أصحاب محمد ﷺ خير أجناد الأرض، وهم خير أمة أخرجت للناس، آمنوا بالإسلام إيمانا كاملا، وخلعوا من قلوبهم حب الدنيا، وملئوها بحب الله ورسوله؛ ولذلك حملوا أمانة الدعوة إلى الإسلام، وبلغوها للعالمين، بعد أن طبقوها على أنفسهم وحياتهم، وقدموا من صور الحب للإسلام، والتفاني في سبيله، ما يعد نشازا في نظر كثير من الناس. هؤلاء الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا جمهور الدعوة في عصرها الأول ... وكانوا عمليا حقل تجارب دقيقا لبيان مدى تجاوب الدعوة الربانية مع الفطرة البشرية، ومعرفة قيمة المنهج المتبع، والأسلوب المألوف ... وقد ثبتت سعادة الناس بالدعوة، وخيرية الدعوة للناس أجمعين. ومن قدر الله تعالى أن الرواة كانوا يتابعون كل شيء في حياة الصحابة اليومية؛ ولذلك نقلوا عن الجميع، وفي كل شئون الحياة، ونشاط الدنيا، فبقيت التجربة بأحداثها، ووقائعها، ونتائجها حية في حركتها، ووضوحها لتؤكد لكل ذي عقل أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه لن تصلح الأمة الإسلامية في أي عصر إلا بما صلح بها أولها. القسم الثالث: ويتضمن تاريخ الدعوة بعد وفاة رسول الله محمد ﷺ وسوف يبقى مستمرا إلى يوم القيامة.

стр. 16

وتدوين أحداث هذا القسم يقصد به ابتداء بيان تدين الناس، ومعرفة مدى قربهم أو بعدهم عن الله تعالى، وتوضيح حركة الدعوة وانتشار الإسلام، وما يتصل بذلك من أمور. ويتكون القسم الثالث من مراحل عديدة، حيث تتميز كل مرحلة بمزايا معينة، وتشغل فترة زمنية محددة تبدأ بعصر الخلفاء الراشدين، وتعيش مع الدول التي ظهرت في العالم الإسلامي بعد عصر الخلفاء إلى يومنا هذا. وعصر الخلفاء يعد امتدادا عمليا للقسم الثاني؛ لقرب أصحابه من رسول الله ﷺ ومعرفتهم بالإسلام الذي تركه الرسول أمانة في أعناقهم، يعيشونه إيمانا وعملا، ويحملونه إلى من وراءهم، ومن بعدهم من الناس. والاستفادة بأحداث هذا القسم مقصودة كذلك؛ لأن التاريخ كله مراحل متصلة يخدم بعضها بعضا، ويتأثر بعضها ببعض. ومن مميزات دراسة هذا القسم ما يلي: أ- في عصور هذا القسم دونت العلوم، وظهرت المذاهب الفقهية، وأصبح الإسلام مدونا في الكتب، مطبقا في الواقع. إن الوقوف على هذه الحقائق يمكن المسلمين في العصر الحاضر من تنقية الإسلام من أي دخيل في الفكر، أو في الأحداث، ويقفون على حقائقه كما نزلت من عند الله تعالى. ب- لم تبق البشرية على بداوتها الأولى، بل شملها التطور الواسع، ودخلت الفلسفات العقلية في سائر المذاهب والفرق، ووجد لكل أمر -مهما كان باطلا- دعاته وزبانيته، الأمر الذي يضاعف العبء على المسلمين ليتمكنوا من مواجهة عنف الباطل بقوة للحق تعادله، في كافة الجوانب، فكرية، أو عملية، أو سلوكية.

стр. 17

ج- تأكد أهل البغي في الأرض، وما أكثرهم، من خطورة الإسلام على وضعيتهم، وفسادهم؛ ولذلك أخذوا في إعداد العدة لهدمه، والقضاء عليه، ولكن الله غالب على أمره. يؤكد هذا حملات هولاكو، والتتار، والصليبيين، وحركات الاستشراق، والتبشير، والاستعمار، وعمليات اتخاذ عملاء من بين المسلمين، وتوجيههم نحو القضاء على الإسلام كلية، أو اكتفاء بعزله عن الحياة، ووضع أتباعه في وضع ذليل ومكانة مهينة، وما زالت أحداث هذه المرحلة تتحرك، وتأتي كل يوم بجديد. إن أحداث هذا القسم لم تحظ بما حظيت به أحداث المرحلتين السابقتين من عناية، ودقة، حيث انقطع نزول الوحي، وأخذ يؤرخ للأحداث عديد من الناس على اختلاف ميولهم، ومذاهبهم واتجاهاتهم. وأيضا أخذ التدوين طابع الأغراض الشخصية، والثقافة الذاتية، حتى يمكن القول: إن الذي كتب هو لقطات من أحد جوانب التاريخ العام، وإن كان يمكن الاستفادة به في تاريخ الدعوة. فبعض المؤرخين يكتب عن الولاة، والقادة، ويسجل توليتهم، والبيعة لهم، وأهم حروبهم، وأشهر أعمالهم، ووفاتهم، والعهد لمن بعدهم. نعم, يحتاج تاريخ الدعوة لمعرفة أخبار الولاة والأمراء، إلا أنه أيضا يحتاج لمعرفة أحداث جوانب أخرى عديدة، كأعمال الحسبة، ونظام الدعوة، وألوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخبار العلماء، وقصص العامة والخاصة، وسير حركة الدعوة في نفوس الناس، ورصد المواقف العملية إزاء دين الله تعالى، وإظهار البدع والخرافات السائدة مع بيان أسبابها، وطرق التصدي لها، إلى غير ذلك من المعلومات التي توضح حركة التدين، وتبرز المنهج الأمثل للتوجيه والإرشاد. ومن المؤرخين من أخذ يتتبع أخبار الجواري، وأحداث القصور، وما يدور حولها من مبالغات تتصل باللهو والغناء ... منهم من يتتبع ذلك حتى يخيل

стр. 18

لقارئه أن حياة الأمة الإسلامية كانت هي هذه الحياة، مع أن الوقائع العملية للمسلمين كانت غير ذلك. إن حياة المسلمين امتلأت بالعبادة، والجهاد، والدعوة، وقد انتشر الإسلام في العالم كله بواسطتهم، مما يؤكد أن اللهو كان بعض الهنات التي وقع فيها بعض ضعاف الإيمان، وذلك لا يغير الصورة العامة للمجتمع الإسلامي. ومن المؤرخين من يبرز الجانب القتالي في حياة الأمة الإسلامية، بدون ربطه بروح الجهاد، ومشروعيته في الإسلام، الأمر الذي يوحي -للعامة- أن الإسلام انتشر بالسيف ... مع أن الأمر ليس كذلك. إن القوة المادية مع الكفر ضلال كبير، تجعل أصحابها يتصورون مقدرتهم على التحكم في كل الماديات، والمعنويات، بل ويظنون قدرتهم على تكوين العقول، وتوجيه كافة شئون الحياة، هكذا شأن الطغيان في كل زمان ومكان!! إن قوم هود واجهوا هودا بضلالهم هذا، واستمر هو في دعوتهم إلى العقيدة الصحيحة أساس الإيمان، ولم يتأثر بمعارضتهم، ولم يضعف أمام وعيدهم ﵇. وللمرء أن يتساءل عن السر في تركيز هود ﵇ على التوحيد والتدليل عليه, ولم يبرز بقية أركان العقيدة كما ركز على التوحيد، وأدلته. والأمر سهل؛ لأن الدعوة الإلهية تركز على الإيمان بالله، وتقدمه على غيره؛ ولذلك ركز هود ﵇ على دعوة التوحيد لشيوع الشرك والأصنام في الناس. وأيضا, فإن القوم لو آمنوا بالله وحده، وخصوه بالعبادة دون سواه، فإن بقية الأركان تأتي تبعا، وبصورة تلقائية. ومع ذلك, فإن هودا ﵇ ذكرهم بالرسالة في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ , وذكرهم بالآخرة بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وعلى هذا, فالدعوة إلى التوحيد شاملة لكل أركان العقيدة ... الركيزة الثانية: المترفون هم أعداء الدعوة: أدى الترف بـ "عاد" إلى الكبر، والاستعلاء، وتصوروا أنفسهم فوق الناس أجمعين، وأبوا أن يكون هود ﵇ رسولا إليهم. ووصل بهم الضلال إلى السخرية بهود ودعوته، واتهموا عقله وخلقه، وتمسكوا بما هم عليه من كفر، وأخذوا يجادلون في آلهتهم بلا دليل من العقل أو الشرع، معتمدين على قوتهم، وجاههم، وغناهم، وعلى ما لهم بين الناس من تقدير. إن الذين واجهوا هودا بالرفض، والجدل، هم الملأ، والمراد بهم علية القوم الذين امتلأت خزائنهم بالأموال، وملئوا المجالس حديثا، وريادة، وتوجيها، وملئوا عقول العامة بالضلال والفساد. إن تشريع الجهاد كان لرد الظلم، وإزالة الطاغوت، ومنع استبداد الجاهلين، وإخافة أعداء الله في الأرض، وذلك من أجل أن يعيش الناس -كل الناس- أحرارا، في تعبدهم، وتفكيرهم، وأعمالهم، وفي مختلف أنشطتهم. وكل مطلع على تشريع الجهاد، وتطبيقاته الإسلامية، يرى سمو الإسلام, وحرصه على الإنسان، وصيانته لكافة حقوقه بواسطة هذا الجهاد. إن أبناء البلاد المفتوحة لم يجبروا على اعتناق الإسلام، والجزية لا تمثل لهم إكراها، فهي مبلغ زهيد يؤخذ من مقاتليهم مقابل إعفائهم من الزكاة، والصدقات، والكفارات، التي يؤديها المسلمون، وأيضا في مقابل إعفائهم من كثير من الأعمال الشاقة كالحماية, والحراسة، والدفاع. وإن أداء الجزية يصون لدافعيها كافة الحقوق كالمسلمين تماما. إن أبناء البلاد المفتوحة لما رأوا الفاتحين يسيرون على مبادئ الحق والعدل، والإنصاف، وشاهدوا نظام الإسلام يعمل عمله في نشر الأمن، والرفاهية، والمحبة؛ لبوا دعوة الإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجا، وحملوا بأنفسهم راية الجهاد

стр. 19

ورحلوا بها إلى الممالك النائية، كالأندلس, وجنوب أوروبا، ووسط إفريقيا، وغربها، وبلاد فارس، وشبه الجزيرة الهندية ... وغيرها. إن الحقائق تشير إلى أن الإسلام انتشر بمزاياه، وخصائصه، ولم تكن وسيلته إلا الإقناع بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، التي لا بد منها قبل البدء بالقتال. وهكذا اتخذ المؤرخون مناهج شتى، وعذرهم أن تدوين التاريخ لم يكن محدد المعالم، أو متخصص الاتجاهات، وإنما ترك لاجتهاد صاحبه ليدون ما يرى ويرغب. وقد اقتضت طبيعة التطور العلمي ظهور علوم التاريخ المتخصصة، بجوار علم التاريخ العام، وكان منها علم تاريخ الدعوة الذي ظهر مع بروز المؤسسات العلمية والعملية للدعوة. واحتاج هذا التطور إلى إعادة النظر في الأحداث المروية، وبخاصة ما لها صلة بالدعوة لتصديق ما صح منها، ورد ما عداه. ويجب مع هذا العمل أن يأخذ عالم الدعوة الحذر، حين يقرأ أحداث هذه المرحلة، ويسلك في حذره منهجا علميا يساعده على الحق، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح. وسبب الحذر وجود دخلاء شوهوا كثيرا من أخبار المسلمين؛ ليفقدوا المسلمين الثقة في ماضيهم، ورجالاتهم. ومن أمثلة هذا التشويه نقل الخلاف بين علي ومعاوية ﵄ من غير تدقيق في صحة الأخبار، والسكوت عن المؤامرات الخفية التي لعبت دورها في إذكاء نار الفتنة وتوسعة دائرة الخلاف، وإغضاء النظر عن إظهار علة ما ذهب إليه كل واحد من الصحابيين الجليلين.

стр. 20

ومن أمثلة ذلك تصويرهم الحجاج بن يوسف الثقفي سفاحا يحب الدم، وينشر الإرهاب، مع أنه كان يعمل في إطار ما في عنقه من بيعة، لقد اجتهد في هذا الإطار وربما أخطأ, ودراسة كافة الأحداث وملابسات الوقائع ربما تنصفه. ومن أمثلة هذا التشويه ما رواه المؤرخون عن نكبة البرامكة التي أوقعها الخليفة العباسي هارون الرشيد بهم عام ١٨٧هـ، ويذكرون لها أسبابا لا يخجلون من سذاجتها وتفاهتها، ومع ذلك نراها تنتشر على ألسنة أكثر المؤرخين. يقولون: إن هارون الرشيد أدمن شرب الخمر مع أخته العباسة، ووزيره الأول جعفر بن يحيى البرمكي، وحتى يجعل اللقاء بين أخته وبين جعفر شرعيا عقد بينهما عقدا صوريا، واشترط على جعفر أن لا يطأها، لكن جعفر نقض شرط هارون، فدخل بالعباسة، وولدت له ولدا، سماه محمدا، أسكنه مكة، ورباه بها، فلما علم الرشيد بذلك غضب غضبا شديدا، ونكب البرامكة نظير ما فعله جعفر١. وهذه القصة تحمل في طياتها ما يكذبها: - فكيف يبحث هارون عن مشروعية الجلوس، مع إجازته شرب الخمر, وكلاهما حرام؟ - وكيف يعقل أن يتصور هارون الرشيد عقدا للزواج يفيد الجلوس دون سواه؟ ولم العقد؟! - وهل يصعب على الخليفة أن يضع أخته تحت رقابة من الجند والخدم, يحفظ له منها ما يريد؟ - وكيف يغيب عن الرشيد أمر المولود، ورحيله، وتربيته في مكة، وهي جزء من الدولة؟

стр. 21

- وأيضا كيف نشأ الغلام؟ وكيف تربى؟ وما أهم أعماله؟ وما صلته بأخواله وأعمامه؟ ومتى مات؟ لم يرد لذلك ذكر مع أنها من الأمور التي لا تغيب، بل هي من القضايا التي تشتهر بين الناس. - ومع هذا, فإن كانت الجريمة من فعل جعفر، فلم معاقبة البرامكة جميعا، وقد كانوا أحظى الناس عند الرشيد، وبينه وبينهم علاقات عديدة، ومجالسات كثيرة طيبة, وخدماتهم للدولة لا تنكر؟ كل هذا يؤكد أن القصة غير صادقة, ووضعها تم لتشويه أصحابها لما لهم في تاريخ الإسلام والمسلمين من منزلة. فـ "العباسة" صاحبة فضل ودين، جدها الأعلى ترجمان القرآن "عبد الله بن عباس"، وهي بنت خليفة، وأخت خليفة قريبة عهد ببداوة العرب، وفطرة الدين، ولم تعرف البيئة يومذاك عوائد الترف، ومراتع الفواحش, ومتع الهوى. فأين يطلب الصون والعفاف إن ذهبا عنها؟ وأين توجد الطهارة والدين إن فقدا من بيتها؟ و"هارون الرشيد" الخليفة، قام في الناس بالعدل، وكان يجالس العلماء والفقهاء، ويؤم المصلين في المسجد الجامع، ويصلي كل يوم مائة ركعة نافلة ما لم يصب بعلة، وكان دائم الذكر، وقراءة القرآن، كان يغزو عاما ويحج عاما، فإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا غزا أحج ثلاثمائة من ماله بالنفقة السابغة والكسوة التامة، وكان شديد الخوف من الله، يراقبه في كل أعماله وبخاصة في أموال المسلمين، طلب مرة أكل لحم جزور، ثم نسيه ... وذات يوم تناوله، فقال له جعفر: إن هذا اللحم تكلف أربعة آلاف درهم؛ لأنه كان يجهز يوميا ولا تأكله حتى بلغ جملة ما صرف هذا القدر ... فلما سمع ذلك بكى، وتألم كثيرا، وأمر برفع الطعام من

стр. 22

أمامه، وقال: هلكت يا هارون.. وظل على بكائه طوال نهاره لا يقطعه إلا الصلاة، وفي نهاية النهار دخل عليه قاضيه أبو يوسف، فلما علم بالمسألة سأله عن مصير اللحم الذي كان يطبخ, فلما علم أن الفقراء كانوا يأكلونه قال لهارون: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من مال أكله الفقراء، وبما رزقك من خشية وخوف, فقد قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ١. وكان الرشيد يحكم رعيته بشرع الله، في أمة واسعة لا تغيب الشمس عن ديارها، وهو الذي أمر بجلد أبي نواس، وحبسه لما ثبت انهماكه في الشراب٢. فهل تصدق هذه القصة مع شخص كهذا؟ أين له الوقت بعد كل هذا ليقضيه في السهر والشراب؟ ولو تصورنا صدق القصة، هل كان المؤرخون يهملونها، ولا يذكرون شربه الخمر إلا في هذا المجال؟! وأين أعداؤه، وهم كثيرون ... ولِمَ صمتهم عنه في هذا الحدث الخطير؟ و"جعفر" سيد البرامكة، اشتهر بسداد الرأي والحكمة مع الخلفاء قبل الرشيد، ولم يذكر عنه ما يسيء، فكيف به يتحول إلى عربيد، مدمن للشراب، عاصٍ لله تعالى؟ ٣.

стр. 23

إن هذه القصة تندرج في إطار حملة التشويش التي يقوم بها أعداء الإسلام لابسين ثوب العلم، رافعين لواء البحث والحياد؛ لينجحوا في كيدهم ومكرهم، ويقطعوا أبناء الأمة الإسلامية المعاصرة عن ماضيهم الزاهر، ويحرموهم من الاستفادة بدروسه، وعبره. ولذا وجب الحذر ... ومع الحذر يجب اتباع منهج علمي سليم يساعد في فهم الحدث، وتحليله، والوقوف على مدى صحته، وبخاصة أن أحداث التاريخ لم ترو مسندة كرواية الحديث النبوي وقد باشر التدوين كل من أراد من المسلمين، أو من أصحاب المذاهب، أو من أعداء الإسلام، بلا أساس يذكر، أو مسئولية تحدد؛ ولذا ظهر الدس، وكثر الدخيل. ومن أساسيات منهج تتبع تاريخ الدعوة ما يلي: أولا: الاهتمام بالإسناد بقدر الإمكان، فبواسطة الإسناد نعرف قيمة الخبر، ومدى صحته. ولو التزم النقلة بالإسناد ابتداء ما تمكن أحد من الدس، ولخلا التاريخ الإسلامي من الإسرائيليات. ولو التزموا بالإسناد لسهل تمييز الأصيل من الدخيل. ونظرا لأن المؤرخين لم يهتموا بالإسناد فإن المطالبة به الآن أمر شاق؛ ولذلك نرى الاهتمام به في حدود الممكن، وفي القضايا الهامة التي لها أثرها وخطرها، مع إخضاع الوقائع التي لا يمكن إسنادها للتحليل، ومعرفة اتجاهات الراوي، وقياس مدى تناسق الرواية مع المجال التي سيقت فيه. ثانيا: الالتزام بالحياد، والموضوعية، والنظر للحدث ونقله كما حدث وروي؛ لأن تدخل المزاج الشخصي، والتأثر بالتكوين الثقافي، أو الديني، يوجه الحديث وجهة معينة تؤدي لنتائج مغايرة.

стр. 24

إن كتابة التاريخ أمانة، والحياد معه ضرورة، وتصوير الأحداث كواقعها التزام بالصدق، وأداء للواجب. ولنا في القرآن الكريم أسوة, يقول الله تعالى للمؤمنين يوم أحد: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ ١, وفي هذه الآية تصوير صادق لواقع المؤمنين المؤلم، وفي يوم حنين يقول الله للمؤمين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ٢. بل إنه يقول للمؤمنين يوم بدر وهو يعلم خواطرهم وأمانيهم: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ ٣. هكذا، وبكل صدق وصراحة، وبدون أدنى مجاملة يجب أن تكون رواية الأخبار والوقائع. ثالثا: إخضاع الأحداث المروية للحقائق الدينية الثابتة في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وبخاصة إذا كان للحدث اتصال بهذه الحقائق. فحين يكون الخبر عن القرآن، أو عن السنة، أو عن الرسول، أو عن الصحابة, يجب رد الأحداث المروية إن خالفت ما وجب دينيا في هذا المجال، وذلك مثل ما ورد في حادثة الغرانيق، وقصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش، وتصوير الصحابة بسوء، بناء على أحداث وقعت في عصرهم.

стр. 25

فهذه الأحداث وأمثالها كثير، يجب ردها لأنها تخالف الحقائق الدينية، التي كان الرسول وأصحابه أحرص عليها، فهم مبلغوها، وأهلها. رابعا: عدم الاكتفاء بظاهر الحدث، والاهتمام بالكشف عن خلفيته وأسراره، فقد تصدق الواقعة إلا أن معرفة دوافعها، وظروفها، يجعلها ممكنة، ومثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ ١. فالآيات تعتب على رسول الله ﷺ عبوسه وانصرافه عن ابن أم مكتوم ﵁ الذي جاءه يسأله، في الوقت الذي كان رسول الله ﷺ فيه يتصدى لدعوة صناديد قريش المنصرفين عن الدعوة، وهم: عتبة، وشيبة ولدا ربيعة، وأبو جهل، والعباس، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة. هذا هو الحدث، لكن معرفة أسباب النزول يؤدي إلى فهم الواقع، وتلمس العذر لرسول الله، ويخفف أمر العتاب الموجه إليه. فرسول الله تصدى للقوم إخلاصا للدين، وأملا في انتصار الإسلام، وابن أم مكتوم لم يختر الوقت المناسب، وله عذره بسبب عماه، ونزول الآية عتاب رقيق للرسول، يؤسس معلما في حركة الدعوة ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ فالناس سواسية، والهدى هدى الله، ولكل إنسان فهم وواقع يجب مراعاته. وبهذا الفهم يسهل الأمر، ويتضح المراد ...

стр. 26

خامسا: ضرورة إخضاع الأحداث واتجاهاتها لسنن الله العامة في الحياة والأحياء، وسنن الله تعالى موجودة في القصص القرآني, حيث قص الله تعالى الأحداث وقدره معها، وذكر سبحانه ما أجراه فيها على وجه مطرد، ومن هذه السنن ما نراه في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ١. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ٢. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ٣. ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ٤. ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٥. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ٦. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٧. وبتطبيق هذه السنن الإلهية وأمثالها يمكن فهم الأحداث, وتفسيرها وتصور وقوعها، وتميز الحق من الباطل فيها.

стр. 27

سادسا: ضرورة قياس الأحداث التاريخية على واقع الناس، فما جاز تصور وقوعه جاز تصديقه، وما استحال حدوثه استحال تصور وقوعه تاريخيا. وفي ذلك نقرأ توجيه الله تعالى حيث يقول سبحانه: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ١، وقد نزلت هذه الآية في إطار حادثة الإفك، وفيها توجيه بقياس ما يشاع على عامة المؤمنين، فإن تصوروا وقوع الحدث على أنفسهم، فلهم أن يصدقوا وقوعه من غيرهم, وإن لا فلا. يروي ابن إسحاق أن أبا أيوب الأنصاري قالت له امرأته: "يا أبا أيوب, أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂؟ ". قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: والله ما كنت لأفعله. قال: "فعائشة والله خير منك"٢. فنجده ﵁ يرد الشائعة بعد أن قاسها على نفسه وبيته، فلما رآها تمتنع عليها حكم بامتناعها عمن هي أفضل منها، وعن مثلها في نفس الوقت. إن أخبار القسم الثالث من تاريخ الدعوة في أمس الحاجة إلى اتباع المنهج الصحيح في تنقيتها وتصحيحها. يقول الأستاذ محمد قطب: "كتابة التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامي ضرورة لازمة للأمة الإسلامية، وليست نافلة يمكن إسقاطها، أو الاستغناء عنها، والعلماء المسلمون مدعوون للقيام بنصيبهم في هذا الجهد الشاق؛ ليبنوا للمستقبل الطريق الصحيح"٣.

стр. 28

وإني هنا أبذل محاولة على قدر جهدي لأكتب في تاريخ الدعوة, سائلا المولى العون والتوفيق. وتاريخ الدعوة طويل يمتد من أول حياة البشرية إلى يوم القيامة؛ ولذلك فهو يحتاج لجهد مئات العلماء، يكتب كل منهم في مرحلة من مراحله، أو يختار جزئية في مرحلة ليساهم في البناء الكبير، ويا حبذا لو تواصى العلماء في كتاباتهم باتباع منهج موحد ليكمل بعضهم بعضا، وليرتفع البناء لبنة لبنة. وإني لأرجو أن أكون واحدا من البنائين العلماء ... والله ولي التوفيق،،،

стр. 29

القسم الأول: دعوات الرسل ﵈ مدخل ... القسم الأول: دعوات الرسل "﵈" تمهيد: أكرم الله الناس وكلفهم بعبادته، وسخر لهم كل ما خلق، وتفضل عليهم برسالاته المتتابعة حتى لا يحرموا من توجيه الله، ويعيشوا سعداء بالوحي المنزل، الذي يعرفهم بالصراط المستقيم، ويربط لهم الدنيا بالآخرة. ومن عظيم كرم الله تعالى أن قدر للإنسان الأول أن يكون رسولا يوحى إليه، هو آدم "﵇" أبو البشر والناس أجمعين، فمنه خرجت زوجته حواء، ومن آدم وحواء تناسل الناس وعمر الكون، وتكاثرت القبائل والشعوب، وتكونت الأوطان والأمم. ومن اللحظة الأولى لوجود آدم "﵁" كان وحي الله، وكان دينه، وكانت ضخامة المسئولية التي تحملها الإنسان، والتي تلزمه بالتعامل مع العوالم العديدة التي خلقها الله تعالى. إن هذا التكريم يؤكد تهافت المذاهب الوضعية، التي تجعل الإنسان متطورا من غيره، وتلحقه بعالم الحشرات والحيوان. كما يؤكد ضلال المذهب النفسي الفرويدي، الذي يصور الإنسان كيانا غارقا في الجنس من بدء الحياة إلى نهايتها. ويؤكد كذلك على بعد المذاهب المادية الجدلية عن الحق؛ لأنها تهمل الإنسان، وتجعله كيانا خاضعا لتأثيرات المادة، وقوانينها الحتمية، بعيدا عن الإيمان بالحق، وتعاليم الله. وتستمر عناية الله بالناس, إذ يتفضل عليهم برسالة جديدة كلما احتاجوا إليها، بأن تختفي معالم الرسالة السابقة، أو يتقدم الإنسان فكريا، وعلميا، وحضاريا

стр. 30

إلى درجة تصير بعدها الرسالة السابقة قاصرة عن تحقيق غايات الدين ومراميه، أو تنقسم الأمة إلى جماعات فتحتاج كل جماعة إلى رسالة تناسبها. وهكذا تعددت الرسالات، وكلها تبين عناية الله بالناس، وتكريمه لهم على الزمن كله. والرسل -عليهم الصلاة والسلام- هم خير البشرية، وأصفاهم نفسا، وأزكاهم عقلا، وأسرعهم إيمانا، وأحسنهم طاعة واستقامة. اصطفاهم ربهم وهو: ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١، وأمدّهم بعلم لا يعلمه سواهم، يقول تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ٢. وأحاطهم بالأمان والحفظ، قال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣. وأفاء عليهم بالنعم الوافرة، والهداية السابغة، واختارهم لرسالته التي هم بفضل الله أحق بها وأهلها، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ ٤. ويقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ٥. وجعلهم مصدر الهداية، ومناط الأسوة والقدوة، يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ٦.

стр. 31

وكلف الناس بطاعتهم والاستقامة على هديهم، وتوجيهاتهم، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. إن هذه الصفوة المختارة للرسالة أدت أمانة الدعوة بالبلاغ الواضح، والخطاب السهل، والحوار الهادئ، لم يتكلفوا، ولم يتحدثوا بكلام غير مفهوم، يوضح ذلك الرسول ﷺ مبينا حالته وأحوال إخوانه الرسل السابقين، فينطق بقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ٢, هذه الكوكبة العظيمة من الرسل عانت كثيرا من العنت والمشاق، وواجهت عديدا من المعارضات والأعداء، وفي كل الحالات أدت ما كُلفت به؛ ولذلك كتب الله لرسله النصر دائما، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣. ومع إيماننا بأن الله أرسل عديدا من الرسل لا يحصيهم إلا هو ، فإني سأكتفي بالبحث في الدعوات التي ذكرها القرآن الكريم، وأترك ما سكت عنه حتى لا نضرب في التيه، ونعيش وسط الأساطير والأوهام. وأول الأنبياء آدم ﵇ أوحى إليه الله قبل أن يولد له؛ ولذا كان الوحي إليه تعليما لما يحتاجه وبنوه في معاشهم، وحياتهم على الأرض، واستمر أبناؤه يتعلمون منه، ويطيعونه، ولم يشذ منهم إلا قابيل على نحو ما سنذكره؛ ولذلك يرى العلماء أن آدم ﵇ لم يكلف بالدعوة؛ لأن أبناءه كانوا على الإسلام، واستمروا عليه بعد أبيهم، حتى ظهرت الأصنام بعده بعشرة قرون تقريبا،

стр. 32

فبعث الله نوحا ﵇ بدعوة الحق والهدى، فآدم أول الأنبياء، ونوح أول الرسل الدعاة. وسوف أتتبع الأحداث، مكتفيا بتاريخ الرسل الذين ذكر القرآن الكريم أسماءهم، وسأخص كلا منهم برقم يتسلسل حتى أصل إلى رقم "٢٤" أربعة وعشرين. ومن المعلوم أن القرآن الكريم أورد أسماء خمسة وعشرين رسولا، جمعهم قول الناظم: في تلك حجتنا منهم ثمانية ... من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس، هود شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل, آدم, بالمختار قد ختموا وسيكون حديثي عن تاريخ دعوة الرسل متضمنا الموضوع والأحداث والمواقف, مع التعليق عليها بما يفيد الدعوة، أو يقدم للدعاة منهجا وطريقا، أو يساعد في هداية وخير للناس. ولن أشير إلى الأحداث والوقائع التي لم يتكلم عنها القرآن الكريم، ولم تتناولها السنة النبوية إلا حين الحاجة إليها، وفي إطار الضوابط العلمية التي تجعلها مقبولة ونافعة. ولن أقدم تاريخ دعوة كل رسول مرتبة الأحداث حسب تتابع وقوعها؛ لأن ذلك أمر غير ممكن، فوق أنه يقدم أحداثا لا تفيد الدعاة في حركتهم بالإسلام. وحينما أحتاج لتفسير وبيان لنص قرآني، أو حديث نبوي، فسوف أرجع -بإذن الله تعالى- إلى المصادر الرئيسية المعتمدة؛ لأتجنب الإسرائيليات الدخيلة، والموضوعات الشاذة. وبعد انتهائي من الحديث عن قصص الأنبياء، سأجمل القول في الجوانب المشتركة في الدعوات الإلهية، سواء كانت في الأصول، أو في المناهج، أو في الوسائل، أو في الأساليب، أو في الأحداث، أو في الأشخاص، أو في غير ذلك لما فيها من فائدة للمسلمين. إن اشتراك الدعوات في مسألة واحدة دليل على تجذر هذه المسألة في حياة الناس، ولا بد أن يستفاد بها في مسار الدعوة الإسلامية. وأسأل الله تعالى البصيرة والتوفيق,,,,

стр. 33

آدم ﵇ مدخل ... ١- آدم ﵇: آدم ﵇ أبو البشر، خلقه الله تعالى أولا، ومنه خلق حواء ثانيا١، وبث منهما بعد ذلك رجالا كثيرا ونساء، فتناسل الناس، وكثرت الذرية، ووجدت القبائل والشعوب، وتعددت الأمم والأوطان. ولقد استخلف الله آدم في الأرض، وتوارث بنوه هذه الخلافة، وحملوا أمانة الدين، وصاروا عنها مسئولين إلى يوم القيامة. وهكذا بدأت الإنسانية موحدة مؤمنة، بوجود آدم ﵇ حيث كلمه الله، وعلمه قبل أن يولد له، وسار أبناؤه بتوجيهاته مؤمنين، ولم يظهر الشرك في الناس إلا بعد آدم بعشرة قرون. وأغلب المؤرخين وكتاب السير يبدءون بتاريخ نوح ﵇ لأنه حارب الشرك، ودعا إلى التوحيد وعبادة الله تعالى، ويرون أن آدم ﵇ أرسل لأبنائه فقط، أما نوح ﵇ فإنه أرسل إلى الناس٢, وفيهم المشركون وعبدة الأوثان والأصنام. ولكني آثرت أن أبدأ الكتابة في تاريخ الدعوة بآدم ﵇ تقديرا لأبوته للبشرية كلها، وحفاظا على شمولية البحث في تاريخ الأنبياء، وبيانا لبعض الحقائق التي صارت جزءا من حركة الحياة والأحياء، وليعلم الإنسان حقيقته، وواقعه، وعدوه، وصاحبه، ومصيره الأخير.

стр. 34

وشجعني على هذه البداية أن الإسلام يربط الأمة الإسلامية بأبيهم آدم كثيرا, حيث يعرفهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ٢. ونادى الله الناس ببنوتهم لآدم، يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٣. ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ٤. بل إن الله ربط المسلمين عمليا بأبيهم آدم من خلال تخصيص يوم الجمعة للمسلمين، وتعيينه للخطبة والصلاة؛ لأنه يوم آدم ﵇، يقول النبي ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه" ٥. فيوم الجمعة هو يوم آدم، وهو عيد للمسلمين، يعيشه الناس فيربطون البداية بالنهاية، ويستعدون بالعبادة والإخلاص لقيام الساعة، سائلين الله كل خير، عسى أن يكون دعاؤهم ساعة الإجابة. وسأجعل حديثي عن آدم في نقاط، بحيث تعطي كل نقطة فكرة محددة، على أن تقدم سائر النقاط متعاونة السيرة, متكاملة كما جاءت في القرآن الكريم، وإن لم تكن أحداثها متسلسلة، والله الموفق ...

стр. 35

" النقطة الأولى": "خلق آدم ﵇ " قضت إرادة الله أن يجعل في الأرض خليفة، يعمرها، ويسوسها، فأخبر ملائكته الذين خلقوا قبل آدم, قائلا لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ١. والخلافة في الأرض مقام كريم، يجعل الخليفة موصولا بمن استخلفه، وتتطلب خليفة كفؤا، يتحمل المسئولية، ويحافظ على الأمانة؛ ولذلك استشرفت الملائكة هذا المقام، ورجته لنفسها، وخافت أن يتولى الأمر من يفسد ويقتل؛ ولذلك قالوا لله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ٢. ومصدر الخوف عند الملائكة ما رأوا من فساد الجن قبل ذلك، أو لأنهم علموا أن عنصر الطين في الإنسان ليتغلب فإنه يظلم ويدمر، أو علموا بإلهام الله لهم بعدما جرت مشيئته بذلك٣. وقالت الملائكة ما قالوه في عبودية خاشعة، لا اعتراض فيه البتة؛ ولذلك طمأنهم الله، وقال لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٤. وهكذا أعلمهم الله بسبب اختياره آدم وذريته للخلافة، وكشف لهم حكمته في ذلك. يوضح ابن كثير هذا وهو يبين معنى الآية قال: "أي: أعلم المصلحة في خلق هذا الصنف ما لا تعلمون، فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، وأوجد فيهم الصديقين، والشهداء، والصالحين، والعباد، والزهاد، والأولياء، والدعاة

стр. 36

والأبرار، والمقربين، والعلماء العاملين، والمحبين لله ورسله، المتبعين لوحي الله تعالى"١. عرف الله تعالى ملائكته بهذا الخليفة، وهو يكونه أمامهم مرحلة، مرحلة. ففي المرحلة الأولى صنعه بشرا من طين وقال لهم: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ ٢, فرأوا العنصر المادي، وشاهدوا الصورة البشرية لآدم، ثم عرفهم الله تعالى بالمرحلة الثانية، وأمرهم بتعظيمه، والترحيب به حينما يرون نفخة من روح الله تعالى تدب في هذا الجسد المادي، وقال لهم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٣. وهكذا تكاملت الإنسانية في آدم ﵇ وبدأت البشرية مسيرتها في الأرض. وقد اتحد العنصران في آدم ﵇ فلم تبق النفخة العلوية هائمة في عالمها السامي، ولم يستمر الطين جسدا جامدا لا يتحرك، وإنما كونا معا إنسانا ماديا ينمو، ويدرك، ويفكر، ويستفيد بكل ما سخر الله له. وقد أبقى الله تعالى هذا التمازج بين الجسد والروح، سرا من أسرار حكمته، بحيث لا يستطيع إنسان ما إدراك كيفية هذا التمازج، أو اكتشاف صور التفاعل فيه. ومن عجيب حكمة الله تعالى أن هذا التمازج يستمر ما دام لصاحبه في الدنيا حياة، فإذا جاء الأجل في لحظة لا يعلمها إلا الله يأمر بانفصال العنصرين؛ لترتفع الروح إلى بارئها، ويعود الجسد ترابا مرة أخرى. وبعد تمام خلق آدم أخرج الله له من ضلعه الأيسر زوجته حواء؛ ليكونا أول أسرة بشرية، يجمعها الترابط، وتتمتع بالمودة والرحمة، ويشعر كل طرف بدور

стр. 37

الآخر معه، فآدم ﵇ يدرك دور حواء في مؤانسته، وهو ﵇ الموحى إليه، ومهمته مواجهة الصعاب والمشاق؛ لتعمير الأرض بخلافة الله التي اختصه بها، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١. وعلى الإنسان أن يتذكر دائما أنه يرجع في وجوده وتكوينه، إلى أبويه "آدم وحواء"، يقول ﷺ : "كلم لآدم, وآدم من تراب" ٢، وقد خلقت حواء من ضلع آدم؛ ولذلك فطرت على التعلق بالرجل وخلق الرجل من الأرض, فجعل ميله إلى الأرض٣، ولا غرابة في هذا، فالفطرة ترتبط بأصلها، وتسعد بالسكون إليه، ودائما تنمو الحياة بما يناسبها، ويغذيها. والإنسان على امتداد الزمان، والمكان، سلالة متولدة من آدم وحواء، وإن تغيرت صورة الإيجاد، يقول ﷺ : "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ فجاء منهم الأحمر والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والطيب والخبيث" ٤. ويقول ﷺ : "الناس معادن كمعادن الأرض" ٥. وقد أكدت الاكتشافات العلمية الحديثة أن الإنسان في تكونه يشبه عناصر الأرض والطين، ويقول الدكتور علي مطاوع: "عدد عناصر الطبيعة اثنان وتسعون عنصرا, وهي موجودة في جسم الإنسان كذلك"٦.

стр. 38

النقطة الثانية: "آدم والملائكة " خلق الله آدم ﵇ وأمر الملائكة أن تسجد له بعد تمام خلقه مباشرة, فقال لهم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ١. والملائكة عباد مكرمون: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢, ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، فأطاعوا أمر ربهم وسجدوا لآدم تكريما، واحتراما، وسلاما، ولم يتخلف أحد من الملائكة عن هذا التكريم الذي كلفوا به: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٤. ومن هذه اللحظة تيقنت الملائكة قدر هذا المخلوق الجديد عند الله، وتبينت عظمة هذا التقدير بالمهام التي كلفوا بها مع الإنسان، فمنهم الحَفَظَة الكرام، ومنهم الكاتبون، وهم يتعاقبون في الناس بالليل وبالنهار، ومنهم المنزلون للمعونة والنصر، ومنهم حَمَلَة الوحي، إلى آخر المهام وهي كثيرة، وكلها لخدمة الإنسان، ولتحقيق أمانيه، وتسهيل الحياة له. ومن نفس اللحظة علم آدم قدره عند ربه، فهو مميز عن سائر المخلوقات، وكلها مسخرة له، تخدمه، وتكون في عونه، ومساعدته، وعليه أن يدرك أن الوحي ينزل عليه، يبلغه تعاليم الله تعالى ليعيش بمنهج ربه، وشريعة خالقه ... وقد مكن الله له باستطاعة التعامل مع الملأ الأعلى، ومع المخلوقات الأخرى من جن وملائكة وبشر، وبصّره بأساليب التعامل المختلفة.

стр. 39

وسكن آدم وزوجته الجنة، وجاءه أول تكليف من ربه، حيث قال الله له: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١ وسعد آدم بهذا التكليف، وأخذ ينعم بحياته في الجنة، يتلقى الوحي، ويتعامل مع المخلوقات الموجودة معه.

стр. 40

" النقطة الثالثة": "آدم ﵇ وإبليس " عاش آدم وزوجته في الجنة متمتعا بعطاء الله الواسع، يأكل من ثمرها، ويشرب من مائها، ويتلذذ بكل ما طاب له فيها، تاركا الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، مطمئنا إلى وعد الله الحق الذي يضمن له أساسيات الحياة الطيبة، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ ١، وهكذا بلا كلفة ولا مشقة، يصون ظاهره بالكساء والسكنى، ويصون باطنه بالشبع والري، وبتحقق هذه النواحي الأربع للإنسان تتحقق الكرامة، والأمان. لم يرتض إبليس أن يعلو آدم عنه، وتملكه الحقد والحسد، فلما أمره الله بالسجود لآدم ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢، نعم كان من الكافرين
следующие страницы →