← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10752

دعوة الرسل عليهم السلام

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (652 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والأبرار، والمقربين، والعلماء العاملين، والمحبين لله ورسله، المتبعين لوحي الله تعالى"١. عرف الله تعالى ملائكته بهذا الخليفة، وهو يكونه أمامهم مرحلة، مرحلة. ففي المرحلة الأولى صنعه بشرا من طين وقال لهم: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ ٢, فرأوا العنصر المادي، وشاهدوا الصورة البشرية لآدم، ثم عرفهم الله تعالى بالمرحلة الثانية، وأمرهم بتعظيمه، والترحيب به حينما يرون نفخة من روح الله تعالى تدب في هذا الجسد المادي، وقال لهم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٣. وهكذا تكاملت الإنسانية في آدم ﵇ وبدأت البشرية مسيرتها في الأرض. وقد اتحد العنصران في آدم ﵇ فلم تبق النفخة العلوية هائمة في عالمها السامي، ولم يستمر الطين جسدا جامدا لا يتحرك، وإنما كونا معا إنسانا ماديا ينمو، ويدرك، ويفكر، ويستفيد بكل ما سخر الله له. وقد أبقى الله تعالى هذا التمازج بين الجسد والروح، سرا من أسرار حكمته، بحيث لا يستطيع إنسان ما إدراك كيفية هذا التمازج، أو اكتشاف صور التفاعل فيه. ومن عجيب حكمة الله تعالى أن هذا التمازج يستمر ما دام لصاحبه في الدنيا حياة، فإذا جاء الأجل في لحظة لا يعلمها إلا الله يأمر بانفصال العنصرين؛ لترتفع الروح إلى بارئها، ويعود الجسد ترابا مرة أخرى. وبعد تمام خلق آدم أخرج الله له من ضلعه الأيسر زوجته حواء؛ ليكونا أول أسرة بشرية، يجمعها الترابط، وتتمتع بالمودة والرحمة، ويشعر كل طرف بدور

стр. 37

الآخر معه، فآدم ﵇ يدرك دور حواء في مؤانسته، وهو ﵇ الموحى إليه، ومهمته مواجهة الصعاب والمشاق؛ لتعمير الأرض بخلافة الله التي اختصه بها، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١. وعلى الإنسان أن يتذكر دائما أنه يرجع في وجوده وتكوينه، إلى أبويه "آدم وحواء"، يقول ﷺ : "كلم لآدم, وآدم من تراب" ٢، وقد خلقت حواء من ضلع آدم؛ ولذلك فطرت على التعلق بالرجل وخلق الرجل من الأرض, فجعل ميله إلى الأرض٣، ولا غرابة في هذا، فالفطرة ترتبط بأصلها، وتسعد بالسكون إليه، ودائما تنمو الحياة بما يناسبها، ويغذيها. والإنسان على امتداد الزمان، والمكان، سلالة متولدة من آدم وحواء، وإن تغيرت صورة الإيجاد، يقول ﷺ : "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ فجاء منهم الأحمر والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والطيب والخبيث" ٤. ويقول ﷺ : "الناس معادن كمعادن الأرض" ٥. وقد أكدت الاكتشافات العلمية الحديثة أن الإنسان في تكونه يشبه عناصر الأرض والطين، ويقول الدكتور علي مطاوع: "عدد عناصر الطبيعة اثنان وتسعون عنصرا, وهي موجودة في جسم الإنسان كذلك"٦.

стр. 38

النقطة الثانية: "آدم والملائكة " خلق الله آدم ﵇ وأمر الملائكة أن تسجد له بعد تمام خلقه مباشرة, فقال لهم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ١. والملائكة عباد مكرمون: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢, ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، فأطاعوا أمر ربهم وسجدوا لآدم تكريما، واحتراما، وسلاما، ولم يتخلف أحد من الملائكة عن هذا التكريم الذي كلفوا به: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٤. ومن هذه اللحظة تيقنت الملائكة قدر هذا المخلوق الجديد عند الله، وتبينت عظمة هذا التقدير بالمهام التي كلفوا بها مع الإنسان، فمنهم الحَفَظَة الكرام، ومنهم الكاتبون، وهم يتعاقبون في الناس بالليل وبالنهار، ومنهم المنزلون للمعونة والنصر، ومنهم حَمَلَة الوحي، إلى آخر المهام وهي كثيرة، وكلها لخدمة الإنسان، ولتحقيق أمانيه، وتسهيل الحياة له. ومن نفس اللحظة علم آدم قدره عند ربه، فهو مميز عن سائر المخلوقات، وكلها مسخرة له، تخدمه، وتكون في عونه، ومساعدته، وعليه أن يدرك أن الوحي ينزل عليه، يبلغه تعاليم الله تعالى ليعيش بمنهج ربه، وشريعة خالقه ... وقد مكن الله له باستطاعة التعامل مع الملأ الأعلى، ومع المخلوقات الأخرى من جن وملائكة وبشر، وبصّره بأساليب التعامل المختلفة.

стр. 39

وسكن آدم وزوجته الجنة، وجاءه أول تكليف من ربه، حيث قال الله له: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١ وسعد آدم بهذا التكليف، وأخذ ينعم بحياته في الجنة، يتلقى الوحي، ويتعامل مع المخلوقات الموجودة معه.

стр. 40

" النقطة الثالثة": "آدم ﵇ وإبليس " عاش آدم وزوجته في الجنة متمتعا بعطاء الله الواسع، يأكل من ثمرها، ويشرب من مائها، ويتلذذ بكل ما طاب له فيها، تاركا الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، مطمئنا إلى وعد الله الحق الذي يضمن له أساسيات الحياة الطيبة، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ ١، وهكذا بلا كلفة ولا مشقة، يصون ظاهره بالكساء والسكنى، ويصون باطنه بالشبع والري، وبتحقق هذه النواحي الأربع للإنسان تتحقق الكرامة، والأمان. لم يرتض إبليس أن يعلو آدم عنه، وتملكه الحقد والحسد، فلما أمره الله بالسجود لآدم ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢، نعم كان من الكافرين

стр. 41

برفضه أمر ربه، وأصابه الكبر والغرور، بتصوره أنه يتميز عن آدم، حيث تصور تميز النار التي خلق منها على الطين الذي خلق منه آدم، وقال ما حكاه الله عنه بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ١، وتساءل منكرا متكبرا: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ٢. وتصور إبليس شرف النار على الطين باطل، فإن الطين يتميز بالرزانة، والثبات، والنمو، والأناة، أما النار ففيها الطيش، والخفة، والإحراق، والسرعة، وفي الطين استمرارية وخضوع، وفي النار فناء واستعلاء. ويكفي آدم شرفا على إبليس إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وهل مع النص اجتهاد؟؟؟ لم يرتض إبليس بمقام آدم, فأبى واستكبر، فأخرجه الله من الجنة قائلا له: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ٣. خرج إبليس من الجنة ذليلا، طريدا، يتملكه الحقد، وتقوده العداوة لآدم وذريته؛ ولذا طلب من ربه أن يؤجل عقوبته إلى يوم القيامة؛ ليعمل طاقته في الإضرار والإفساد حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٤. ولحكمة أرادها الله أجاب طلبه, وقال له: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ٥.

стр. 42

وقطعا لأعذار الآدميين, وضح الله تعالى الحقائق التالية: أ- عرف آدم بعداوة إبليس، وحدده له، حيث قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ١. ب- حذر الآدميين عموما من ألاعيب إبليس وجنوده، يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣. ج- وضح لآدم وبنيه وسائل إبليس في الإضلال, وهي عديدة منها: - التركيز على إبعاد الناس عن الحق والصواب, حيث قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٤. - شمول إضلاله كل ما يحيط بالإنسان، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٥. - بذل كامل طاقته في الإضلال، يقول تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٦.

стр. 43

- تلوين التوجه في الإضلال؛ فأحيانا يحسن القبيح، أو يقبح الحسن، وأحيانا يوقظ الغرائز المادية السيئة، وأحيانا يهمس إلى النفس الأمارة بالسوء، وأحيانا ييئسه من النجاح والخير ... وهكذا. د- حدد الهدف الرئيسي لإبليس وجنوده وهو إخراج آدم من الجنة، وحرمان ذريته من دخولها مرة أخرى؛ ولذلك حذر الله آدم وزوجه قائلا لهما: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ١. هـ- عرف الله آدم وذريته بأن إبليس وأبناءه مستمرون في مهمتهم، بلا كلل أو يأس، ولن ينتهوا إلا بقيام الساعة حيث أنظرهم الله تعالى، وقد أقسم إبليس على هذه الاستمرارية حيث قال لله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ ، و ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ، وهو في عمله يترصد للإنسان كما يترصد المحارب لعدوه رجاء أن يقضي عليه بالفساد، ومن أيمانه ما حكاه الله تعالى: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لأفسدنهم بالأماني والشهوات، ولأستولين عليهم وأحتوينهم، وأجعلهم في قبضتي، أصرف أمرهم وشئونهم. و عرف الله آدم وبنيه أنه لا سبيل لإبليس على العبد المخلص في إيمانه، المطيع لربه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٢. وشأن المؤمن دائما أن يلجأ إلى الله، ويتوكل عليه؛ ولذلك ينقذه الله من

стр. 44

دسائس إبليس، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ١، والآيات والأحاديث كثيرة توضح للمؤمنين منهج مقاومة إبليس, والتغلب عليه، والنجاة من دهائه، وحقده ... إنه عدو لئيم لآدم، وللإنسانية كلها.

стр. 45

" النقطة الرابعة": "خروج آدم من الجنة " أسكن الله آدم وحواء الجنة، وأباح لهما التمتع بخيراتها، وثمرها حيثما شاءا، وكيفما شاءا، وحدد لهما شجرة منعهما من الأكل منها بصورة قاطعة واضحة، قال الله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. فتعينت الشجرة بأل المفيدة للعهد، وباسم الإشارة منعا للجهالة، وقطعا للمعذرة عن الخطأ. ويلاحظ أن الله تعالى علق النهي بالقرب من الشجرة، مع أن المقصود هو النهي عن الأكل منها؛ ليعلم آدم أن القرب من الشجرة مقدمة للأكل منها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والبعيد عن العين بعيد عن القلب، والقرب من مصدر الخطأ ينسي الصواب، ويلهي القلب، والمؤمن الجادّ يبتعد دائما عن الخطأ ودواعيه. واستقر آدم وزوجته في الجنة، إلا أن عدوهما إبليس لم يرتض هذا الخير لهما،

стр. 46

فتحايل حتى دخل الجنة١، وأخذ في تنفيذ مهمته، وتحقيق غاياته، بوسائل خبيثة, فأكثر من لقائه بآدم حتى أنس إليه، وأكثر من التحدث معه حتى تصوره عاقلا أمينا، ثم أخذ يوسوس لهما بإلقاء حب الشجرة في قلوبهما، وتزيين الأكل منها بصورة مستترة مكررة، والوسوسة الإبليسية يدركها المسلم في حديث نفسه الخفي، وهي تأمره بمعصية، أو تنهاه عن طاعة، إنه حديث يتكرر، وكلما صرفه العقل عاد ... هذا الوسواس لجأ إليه إبليس مع آدم -أولا- لكن آدم لم يخضع له، ولم يستمع لوساوسه، واستمر في بعده عن الأكل من الشجرة. فلجأ -ثانيا- إلى إيقاظ شهوة النفس الكامنة في غريزة حب الخلود، وغريزة الملك، وقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ ٢، ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ ٣. فهم آدم وزوجه من كلام إبليس أن الآكل من الشجرة يجعلهم ملوكا خالدين, وبالرغم من رغبتهما في هذه الأماني إلا أنهما رفضا الأكل من الشجرة طاعة لله تعالى

стр. 47

فلجأ -ثالثا- إلى اليمين، قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ١، وضمن يمينه بمؤكدات تبين صدقه في النصح، وأمانته في الحديث، قال قتادة: "حلف لهما بالله تعالى حتى خدعهما، فقال: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما"٢، وتصور آدم أن أحدا لا يقسم بالله كذبا فأطاعه، وأكل من الشجرة، وبذلك تمكن إبليس بخداعه من إنزالهما من طاعة الله إلى معصيته، ودلاهما بغرور حتى صارا في مرتبة العصاة الظالمين. وحينئذ كشف الله سترهما، وظهرت عورتهما، وأخذا يسترانها بورق شجر الجنة, قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، فغفر الله لهما وقبل توبتهما, قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٤، وبعد ذلك أمر الله آدم وحواء أن يخرجا من الجنة، ويعيشا في الأرض حيث الكدح، والعمل، والمواجهة المستمرة مع إبليس وجنوده، مسيرة الحياة الدنيا بما فيها من خير وشر، وبما يتخللها من صراع ونزاع، وليحمل آدم ﵇ مسئولية الخلافة في الأرض، وهي المسئولية التي خلق الله لها الإنسان، يتوارثها جيلا بعد جيل.

стр. 48

" النقطة الخامسة": "هابيل وقابيل " نزل آدم وحواء ﵉ الأرض ليبدأ العمران، ويبدأ تناسل البشر، وليعيش الجميع بشرع الله وهديه؛ ليسعدوا ويبتعدوا عن وساوس عدوهم إبليس، حتى لا يوقعهم في الغي والفساد، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٢، والمراد بالخطاب في الآيات: آدم، وحواء، وإبليس، والعمدة في العداوة آدم وإبليس وذريتهما، والآية تحذر آدم من إبليس حتى لا يحرمه من دخول الجنة مرة أخرى، وتوضح أن طريق النجاة هو اتباع هدي الله، وشرعه، وطريق الخسران هو الإعراض عن ذكر الله، وطاعته. وشرع الله لآدم أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، وكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر ... وهكذا. وكانت توءمة هابيل دميمة، وتوءمة قابيل وضيئة، فأراد قابيل توءمته لنفسه معللا إرادته بحجج عقلية فهو الكبير، وهو وصي أبيه، وهو الأحق بأخته الأجمل، وأولى بالزواج منها من هابيل، وهذا اجتهاد منه يخالف ما شرع الله لهم؛ ولذلك لم يوافقه آدم على ما ذهب إليه، وطلب منه ومن أخيه أن يقدم كل منهم قربانا فأيهما يتقبل الله قربانه, فهو الأحق بالحسناء بشرع الله تعالى.

стр. 49

فقدم كل منهم قربانه، فقبل الله قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل، فقال قابيل لأخيه: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ . فرد هابيل عليه: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ١. هذا الحوار يبين نفسية كل منهما، فقابيل يهدد بالقتل، ويؤكد تهديده به بعدما تمكن الحسد والحقد منه ... فيرد عليه هابيل بأسلوب هادئ متسامح، يوضح فيه ضرورة التقوى لقبول الأعمال، ومن أساسيات التقوى الخوف من معصية الله والتسامح، وعدم التعدي على الغير، وترك كل ما يؤدي إلى عذاب جهنم. وهنا يجد إبليس فرصته فيزين لقابيل قتل أخيه، ويعرفه بكيفية القتل، ويسهل له تنفيذ عملية القتل، فيقتله، وبذلك أصبح من الخاسرين، النادمين ... وتعلم قابيل من الغراب أيضا كيف يدفن أخاه في التراب فقام بدفنه٢. ودون القرآن قصة ابني آدم؛ ليعلم الإنسان أن إبليس يترصد به وسوسة، وغواية، وإضلالا، وليعمل الإنسان على تقوى الله وطاعته، ويبتعد عن الحقد والحسد؛ لأن كل شيء بقدر الله، ولا يقع في ملكه إلا ما أراد. إن قوة الإيمان تضعف الشيطان، وتعجزه عن إيذاء المؤمنين بفضل الله تعالى.

стр. 50

" النقطة السادسة": ركائز الدعوة في قصة آدم ﵇ إن قصة آدم ﵇ تؤكد الركائز التالية: الركيزة الأولى: إيجاد الإنسان الأول وقصته يؤكدان مدى تكريم الله للإنسان، واتساع دوره في قيادة المخلوقات الأخرى، وخلافة الله في الأرض. لقد أعلن الله ميلاد الإنسان في حفل علوي، شهوده الملائكة، وبيانه الإنسان خليفة الله، والكون كله عون له. ولكن: ما سر تفضيل الإنسان على الملائكة؟ يرى الإمام القرطبي أنه لا سبيل إلى تفضيل جنس على جنس، أو شخص على شخص إلا بدليل وبرهان، وقد بين الله فضل آدم على الملائكة فثبت له١. ويذهب أهل السنة إلى تفصيل هذا التفضيل حيث يرون أن من البشر والملائكة خواص وعوام، ويقولون: إن خواص البشر وهم النبيون, والصديقون، أفضل من الملائكة، وخواص الملائكة وهم المذكورون في القرآن الكريم كمالك وجبريل، أفضل من عوام البشر؛ لقوله ﷺ في الحديث القدسي: "ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه" ٢. وذكر أن الصالحين من عوام البشر أفضل من عوام الملائكة؛ لقوله ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع" ٣. ويرى الإمام الغزالي أن الأفضلية تعود إلى المجاهدة، والتقوى، والاستقامة، فالملائكة مخلوقة من نور، لا شهوة لديهم، فديدنهم الطاعة، أما الإنسان فإنه مركَّب من عقل

стр. 51

وشهوة، فمن جاهد شهوته، وحكم عقله, وأطاع ربه، فهو أفضل من الملائكة بالمجاهدة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ١، ومن غلبته شهوته فهو أدنى من البهائم، يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ٢. ورأى الإمام الغزالي هو الأولى٣؛ لمصاحبته الدليل، وبتحليل بقية الآراء فإنها ترجع إليه، وكلها تلتقي عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٤. الركيزة الثانية: هذا الإنسان الصغير في حجمه، كبير في رسالته، أعطاه الله القدرة على التعامل مع عالم الغيب، وعالم الشهادة، فهو يتعامل مع الله بلسانه، وبقلبه، وبجوارحه، ومع الملائكة يحفظونه ويعاونونه، ويكتبون أعماله جميعا، ومع الجن، ومع الناس، ومع سائر المخلوقات له تعاملات. إنه يحتاج إلى استعداد يمكنه من النجاح في تعاملاته ... لا بد أن يكون عبدا لله مخلصا، مهتديا بهدي ربه، ملتزما بشرعه ليتلاءم مع صفاء الملائكة، ويبتعد عن عبث الشيطان، ويحبه أهل الأرض. وعليه أن يكون مع الناس حليما، كريما، يحفظ لهم أقدارهم، ويتسامح عن أخطائهم، ويعاملهم بما يناسبهم، ويتعلم من الله تعالى أن يسمع ويجيب، فلقد استمع الله لاعتراض الملائكة، وهم يسألون: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وأجابهم بما يقنعهم، وحاور إبليس بعد أن أبى واستكبر.

стр. 52

إن هذا الإنسان قادر بعطاء الله أن يكون سيد الكون بحق لو التزم بشرع الله، واتبع هداه ... الركيزة الثالثة: الإنسان مكوَّن من مادة وروح، وكل عنصر يميل به إلى موطنه الأول، وتجذبه المادة إلى حب المال والملك, وإلى الدوام والخلود، ويأتيه الشيطان من هذا الجانب، وقد ينجح الشيطان أحيانا. وعلى الإنسان أن يقاوم جذب المادة بتقوية الروح، والاستعلاء على الشهوات، وإشباعها بما شرع الله تعالى، ولا يسمع لوساوس ونزغات إبليس. وإذا ضعف مرة, ونجح الشيطان في إغوائه, فعليه أن يبادر إلى التوبة والاستغفار, والله هو غافر الذنب, وقابل التوب, وهو الرحمن الرحيم. إن المعركة بين الإنسان والشيطان مستمرة، وعلى المسلم أن يعد للأمر عدته, وليعلم أن مع إبليس كثيرا من شياطين الإنس والجن ... أعاذنا الله منهم. الركيزة الرابعة: ما يزال فضل الله موصولا للإنسان، فكل الكون مسخر له، وجميع المخلوقات في خدمته، وقد كلفه لله بالإسلام يطبقه جميعا، وعليه أن يختار لنفسه إما أن يكون مسلما قانتا، مطيعا، وأولئك هم المفلحون، وهم خير البرية، وإما أن يخلد إلى الأرض، ويتبع الهوى، ويهمل طاعة الله، ويكون من من جنود إبليس، وحينئذ يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، وعلى العاقل أن يعي، ويتدبر، ويختار، والله لا يهدي القوم الظالمين ...

стр. 53

٢- إدريس ﵇: يذكر المؤرخون، وكتاب التاريخ، أن الله أرسل رسولين في الفترة الزمنية بين آدم ونوح ﵉ هما: شيث وإدريس ﵉. وكل ما ذكر عنهما يدور حول تحديد وقت رسالتهما، وثبوت الوحي إليهما، ومنزلتهما عند الله، أما قضايا الدعوة والمدعوين فلم يرد بيان عن ذلك، ولعله يرجع إلى أن ذرية آدم كانت على قرب بعهد أبيهم آدم ﵇ فبعث الله إليهم الرسل ليذكروهم، وليأخذوهم على الذي تركهم عليه آدم ﵇. ولكن ما هي المدة بين آدم ونوح, ﵉؟ يروي "ابن حبان" في صحيحه بسنده عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله, أنبي كان آدم؟ قال ﷺ : "نعم, نبي مكلم". فقال الرجل: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون" ١. عن ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام٢، ورواية ابن عباس تورد أنهم خلال هذه القرون العشرة كانوا مسلمين، وفي هذا إشارة إلى أن الفترة بين آدم ونوح كانت أكثر من ألف عام؛ لأننا لو اعتبرنا القرن مائة عام يكون الإسلام فيهم مدة ألف عام على الأقل، وبعدها عبدوا الأصنام والأوثان،

стр. 54

حتى جاءهم نوح ﵇ ... وإن اعتبرنا القرن جيلا كمعناه الوارد في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ ١ تكون الفترة آلاف السنين وشيث ﵇ أحد أبناء آدم، وشيث معناه هبة الله، عهد آدم إليه وولاه أمر أبنائه، وأحفاده، وهو نبي بنص حديث ابن حبان٢, وأنزل الله عليه خمسين صحيفة, وقيل: هي المرادة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ ٣. و"إدريس" ﵇ نبي الله، يقول الله تعالى عنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ٤، فقد أثنى الله عليه، ووصفه بالنبوة والصديقية، وبين علو منزلته، وفي حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ مر عليه في السماء الرابعة٥. والمكان العالي الذي تتحدث عنه الآية قيل: هو الجنة، وقيل: هو السماء الرابعة. والمرفوع قيل: عمله ﵇ وقيل: ذاته, حيث رفع قبل موته ثم مات بعد رفعه، وقيل: بل رفع بعد موته. وكل هذه الأقوال معانٍ تحتملها الآية، فليس بعضها أولى من بعض. ومن المعلوم بالضرورة أن شيثا وإدريس ﵉ دَعَوَا إلى توحيد الله، وإلى عبادته، وإلى التمسك بهديه وسبحانه وتعالى٦.

стр. 55

نوح ﵇ مدخل ... ٣- نوح ﵇: نوح ﵇ هو أبو البشرية الثاني، وهو أول الرسل بعد آدم ﵇ وقد اصطفاه الله للنبوة، وهداه للحق، وكلفه بالرسالة، وأثنى عليه بما هو أهله. وقد دعا نوح ﵇ جميع من على ظهر الأرض في زمانه بعد أن غرق معارضوه بالطوفان، ومن هنا كانت دعوته عامة بسبب ما أُحيط بها من أحداث، وسمي ﵇ بنوح لبكائه الكثير. ونوح ﵇ أحد أولي العزم من الرسل، بل هو أولهم، وتعد دعوته ﵇ مرتكزا رئيسيا للعلماء، والدعاة، ولكافة العاملين في مجال الدعوة إلى الله تعالى؛ لما فيها من الدروس والعبر. وقد فصل القرآن الكريم قصة نوح ﵇ في أكثر من موضع، وخصّها بسورة كاملة؛ بيانا لأهميتها١. وسوف أتحدث عن دعوة نوح ﵇ وقصته مع قومه في نقاط تجمع بين تسلسل الأحداث، وقضايا الدعوة، وأهم الفوائد والعبر ...

стр. 56

" النقطة الأولى": "التعريف بقوم نوح " طال الزمن بعد آدم، واستمر الناس على الحق عشرة قرون، وبعدها حدثت أمور أدت إلى أن يعبد الناس الأصنام المعروفة: ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا. "يروي البخاري بسنده عن ابن عباس أن هذه أسماء رجال صالحين بين آدم ونوح ﵉"١، "وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتادون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، ويسقون المطر بهم؛ فعبدوهم"٢. وقد تفنن الناس في عبادتهم للأصنام، فصنعوا على صورتها الأوثان العديدة، وانقسموا إلى طوائف، وجماعات، حيث عبدت كل طائفة صنما معينا، واتخذت صورا عديدة لعبادته٣. ووجد في قوم نوح الأغنياء، وهم الملأ الذين تمتعوا بمستوى فكري متقدم، مكنهم من الجدل والحوار، وجعلهم يتيهون به استعلاء وتكبرا، وتصوروا بسببه أنهم أعظم من الفقراء شأنا، ومقاما. كما كان في قومه ﵇ الفقراء، ويبدو أنهم كانوا يعملون في خدمة الأغنياء في ضعف وهوان؛ ولذلك أسرع بعضهم إلى الإيمان برسالة نوح ﵇ حين دعاهم إلى الإيمان، وهم الذين سماهم الملأ بـ "الأراذل".

стр. 57

وكان للقوم حضارة؛ لأن الله جعل لهم الأرض بساطا، فسلكوا فيها طرقا، وعملوا بالزراعة وساروا بالتجارة، وصنعوا الأصنام، وأقاموا التماثيل واتخذوها آلهة، وعبدوها من دون الله تعالى.

стр. 58

" النقطة الثانية": "حركة نوح بالدعوة " أرسل الله نوحا إلى قومه، فدعاهم إلى التوحيد الخالص، والعبودية الكاملة لخالقهم سبحانه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ١، ولكن القوم رفضوا الدعوة، ووقفوا منها موقفا سلبيا، وواجهوا نوحا بعدد من المواقف؛ فقد أنكروا الدعوة، واتهموه بالضلال، والجنون، والسفاهة، كما حكى الله عنهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ ٣. واتهموا أتباعه ﵇ بخفة العقل، وبالرذالة، وبالضعة، وبالكذب، يبين ذلك قول الله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ٤. وطلبوا من نوح أن يطرد الضعفاء الذين اتبعوه؛ لأنه لا يليق بهم أن يكونوا مع الفقراء والمستضعفين في مسلك واحد، فرد عليهم نوح ﵇ مفندا اتهامهم له

стр. 59

ولأتباعه، ورافضا لما طلبوا، وموضحا أنه يدعوهم لما يصلحهم بلا أجر يأخذه منهم وبلا حاجة له فيهم، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ ٢. ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٣. ومع رده الهادئ عليهم، ومناقشته لمعارضاتهم، استمروا في الانصراف عنه، والكفر به وبدعوته، ولما رأوه مُصرّا على إيمانهم، ملحا في إقناعهم أغلقوا آذانهم وغطوا وجوههم، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ ٤، فكان إذا مر بهم لا يرونه، وإذا حدثهم لا يسمعون قوله، ومكث نوح في قومه مدة طويلة، لا يضعف, ولا يهدأ، ولا يمل، قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ٥. حذرهم نوح من عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، ورغّبهم في عطاء الله وفضله، وذكرهم بكافة الآيات لتي تحيط بهم من مال، وبنين، وزروع، وأنهار، وكلها تؤكد وحدانية الله، وضرورة عبادته وطاعته. ومع كل الجهد الذي بذله نوح معهم, تمسكوا بضلالهم، واستمروا في عبادة أصنامهم، وطلبوا منه أن يترك دعوتهم: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٦.

стр. 60

تصوروا أن دعوة نوح لهم جدلا، لا يقصد بها الحق والصواب، وطلبوا منه التوقف عنها لكثرتها، ولعدم جدواها، وتحدّوه بأن يأتي لهم بما خوفهم به، ظنا منهم أنه كاذب، ولم يكتفوا بسبّ نوح وأتباعه، والسخرية بهم، بل كانوا يضربون نوحا حتى يسقط على الأرض جريحا فيلفّونه في لبد، ويرمونه في بيت خرب، يظنون أنه قد مات، فإذا به يلقاهم في اليوم التالي، يدعوهم إلى الله تعالى. "يحكي ابن إسحاق عن عبد الله بن عمير الليثي أنه بلغه أن قوم نوح كانوا يبسطون نوحا فيخنقونه حتى يُغشَى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى تمادوا في المعصية، واشتد عليه منهم البلاء، وهو ينتظر الجيل بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أنحس من الذي قبله، ولقد كان يأتي القرن الآخر منهم فيقول: كان هذا الشيخ مع آبائنا، وأجدادنا هكذا مجنونا"١. شكى نوح ﵇ حال قومه لربه, فعرفه بأنه لن يؤمن منهم أحد بعد ذلك, قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢. ويعجب العاقل حين يعلم عدد الذين آمنوا بالله، وصدقوا نوحا في دعوته خلال هذه المدة الطويلة لقلة عددهم، وقد اختلفت الأقوال في عدد المؤمنين، فالمكثر يصل بالعدد إلى ثمانين، والمقل يصل بالعدد إلى سبعة فقط، وقد أشار الله إلى قلة عدد المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ٣. لما علم نوح ﵇ بأنه لن يؤمن أحد بدعوته بعد ذلك, طلب من

стр. 61

ربه أن يهلك الكافرين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ١. وعلل ﵇ طلب إهلاكهم بأنهم يعملون على إضلال العباد، ونشر الفساد في الأرض، وأيضا فإن كفرهم وعتوهم ينتقل بالوراثة إلى بنيهم، فلا يلدون إلا فاجرا كفارا. أمر الله نوحا بصنع سفينة، فأخذ في صناعتها، وترك دعوة القوم، فكان الناس يمرون عليه ويستهزئون به, ويقولون: هذا الذي كان يزعم أنه نبي صار نجارا، وينادونه بصنعته الجديدة، ويتعجبون منه وهو يصنع سفينة على اليابسة، ولم يأبه باستهزائهم وتعجبهم، واستمر في طاعة الله تعالى. يقول عكرمة والزهري: ﴿التَّنُّورُ﴾ : وجه الأرض؛ وذلك أنه قيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء قد فار على وجه الأرض، فاعلم أن مصير الكفار قد اقترب، وافعل ما تُؤمَر به، فتنجُ ومن آمن معك، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وأمر الله تعالى السماء بإنزال المطر، وأمر الأرض بتفجير العيون، فنَفَّذَا ما أُمرا به، قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ٣، وامتلأت الأرض بالماء، وعلا الطوفان حتى

стр. 62

أشبهت الأمواج في حجمها الجبال، يقول تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ ١، وعامت السفينة بركَّابها محوطة بعناية الله، قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ ٢، وهلك الكفار بالغرق، ونجا نوح ﵇ ومن كان معه في السفينة, قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣، وبعدها عادت الأمور إلى طبيعتها. قال العلماء: إن السفينة استمرت عائمة فوق الماء مدة ستة شهور٤، وكان أمر الله للماء، كما قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٥. وهكذا كانت عاقبة الضالِّين، أما نوح ﵇ ومن معه، فقد نجاهم الله كما قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦, وصدق وعد الله تعالى.

стр. 63

النقطة الثالثة: ركائز الدعوة في قصة نوح ﵇ مدخل ... "النقطة الثالثة": "ركائز الدعوة في قصة نوح, ﵇" استغرقت دعوة نوح قومه زمانا طويلا، عاشته أجيال متعددة، وهذا يعطي الدعوة والدعاة فوائد عديدة؛ لأن التجربة إذا تكررت ثبتت، والنتيجة الواحدة لأعمال كثيرة برهان على أن هذه النتيجة نتاج طبيعي للأعمال ولمن يقومون بها، وإن فعلوها مرات ومرات.

стр. 64

عاصر نوح ﵇ عددا من الأجيال، ونادى فيهم بدعوة الله، مستقيما على المنهج، صادقا في سعيه لهم، ومع ذلك كانوا جميعا على نمط واحد في العناد، والكبر، والعدوان، والكفر، وكأنهم تواصوا بذلك ... ومن هنا كانت الدروس نتائج ثابتة تحدد أسس الحركة بالدعوة على الزمن كله، وهي الركائز التي أحب أن أوضحها فيما يلي:

стр. 65

الركيزة الأولى: العقيدة أساس الدعوة قامت دعوة نوح ﵇ على دعوة الناس إلى توحيد الله تعالى، وقصر العبادة له، وترك ما عدا ذلك، من شرك وضلال. يوضح الله تعالى هذه الحقيقة في آيات متعددة، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٢، والآيات كثيرة، وكلها تؤكد دعوة نوح للتوحيد الخالص ... دلل لهم على حقيقة التوحيد بالآيات الكونية التي يعيشونها، ويشاهدونها، قال لهم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ٣، وفي هذه الآيات أدلة واضحة، تنطق بدقة الخلق، وغائية الوجود، وروعة الحسن والجمال. إنهم

стр. 66

يدركون هذه الآيات, ويرتبطون بها في معاشهم، ليلا ونهارا، ظلمة ونورا، سيرا وعملا، طعاما وشرابا، في دقة رائعة، وفي تتابع منسق، لا يبغي بعضها على بعض ... إن الخالق هو الله الواحد، ويجب أن يعبد وحده ... وتقوى الله هي البرهان على استقرار التوحيد في القلب، وهي القوة المحرِّكة ليعيش الإنسان عابدا لله، بالمنهج الذي جاء به نوح ﵇ ولذلك قال لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ١، يقول سيد قطب: "وعبادة الله وحده منهج كامل، يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية.... وتقوى الله هي الضمانة الحقيقية للاستقامة على هذا المنهج وعدم التلفّت إلى غيره، بلا رياء، ولا تظاهر، ولا مماراة ... وطاعة الرسول هي الوسيلة للاستقامة على المنهج وتلقي الهدي من مصدره، واستمرار هذا الاتصال ما دامت الرسالة موجودة"٢، ووجود الرسالة يدوم بوجود رسولها، أو بوجود مصادرها المنزلة. ومن الحقائق المسلمة أن الدعوة إلى التوحيد تتضمن بالضرورة الإيمان بالرسول, وبالملائكة، وبالكتاب ... لأن الملائكة هي حاملة الكتاب المنزل على الرسول، والرسول هو مبلِّغ الوحي للناس. ولذلك قال نوح ﵇: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ؛ لأنه رسول الله إليهم, وبلاغه هو دين الله تعالى. والإيمان باليوم الآخر جزء من العقيدة، وقد عرفهم به نوح ﵇ وهو ينذرهم به، قال تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٣.

стр. 67

فهم قوم نوح دعوته لأركان العقيدة، وسمعوا براهينه, وبدل مناقشته في الدعوة اتهموه بالكذب؛ ولذا ردوا عليه، وزعموا أن الرسالة لا تكون لبشر، وقالوا لنوح: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ ١، ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ٢. وقالوا: إن جازت الرسالة لبشر فيجب أن يكون من عِلْيَة القوم ووجهائهم، وزعموا أن أتباع نوح من الفقراء الضعفاء الذين لا يفكرون في أمر، ولا يعقلون ما يريدون، ويتبعون الرأي عند ظهوره بلا تدبر فيه، وقالوا لنوح ما حكاه الله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ٣. وقد رد نوح ﵇ مزاعمهم، وبين لهم أن النبوة رحمة من الله، يصطفي لها من يشاء من عباده، وليس لهم أن يناقشوا في شخص الرسول، وعليهم أن ينظروا في معجزاته البينة، ومدى صدقه في دعوته، ولهم أن يسألوا أنفسهم عن غاية الرسول من كذبه على الله، وهو لا يأخذ منهم أجرا، والمؤمنون معه من الفقراء الذين لا جاه لهم ينتفع به، أو مالا يستولى عليه. فلماذا يكذب على الله إذًا!! ومع كل هذا لم يؤمن القوم بالله، وعاشوا حتى هلكوا على الكفر والضلال ... وقد يسأل إنسان: وأين الشريعة في دعوة نوح ﵇؟ وهو سؤال له وجاهته، والجواب عليه يجلي الحقيقة ... وإن الشريعة منهج عملي تنظيمي للحياة، يحتاجها أصحاب العقيدة ليلتزموا بها، فمن اعتقد بالله أطاع شرعه، والكافر لا يحتاج لشريعة؛ لأنه كافر بالله أصلا، وقوم نوح لم يؤمنوا؛ ولذلك لم يكلفهم نوح ﵇ بشريعة ما، ولم يأمرهم بها.

стр. 68

الركيزة الثانية: أساسيات الحركة بالدعوة الدعوة الدينية تعاليم إلهية منزلة، معقولة المعنى، تحتاج إلى شخص يتحرك بها ويوصلها للناس في إطار خطة سليمة، بوسائل قادرة على الوصول للمدعوِّين، وبأساليب تبين، وتحاول، وتؤثر، وتقنع، وبعد ذلك يكون الناس أحرارا، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. وبتتبع الأحداث في تاريخ قوم نوح يظهر ذلك بجلاء، فنوح ﵇ رسول صنعه الله تعالى للرسالة، وكلفه بها، واختاره لها، عن علم وحكمة، فهو ﵇ جامع لكل صفات الكمال التي يحتاج إليها الرسول الداعية، يتضح ذلك من عميق توجيهاته, فهو يحدثهم عن الله حديث عارف به، يقول لهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. ونوح ﵇ مؤمن بما يدعو إليه، موقن بصدقه؛ ولذلك استمر يدعوهم هذه المدة الطويلة بلا كَلَل، ولا مَلَل، متصفا بكل كمال يحتاجه الدعاة، من عزيمة قوية، وصبر شديد، وسماحة وعفو، وأناة ورَوِيَّة، وتحمل للمشاق والمصاعب، ورغبة مستمرة في النصح ونصرة الحق، لا يرجو من ذلك إلا رضا الله وأداء الواجب عليه. وسار نوح ﵇ في الدعوة على خطة منهجية واضحة, اعتمدت النقاط التالية: أ- بيان ما بينه وبين الناس من مودة وقربى؛ لما لهذا من تحقيق مشاركة وجدانية متبادلة مع الناس، تساعد على السمع والطاعة، فهو يبدأ حديثه معهم بهذا النداء:

стр. 69

﴿يَا قَوْمِ﴾ مذكرا بعلاقة القربى، ووَحْدَة النسب ليسمعوه، ويفكروا فيما يدعوهم إليه؛ لأن حب الإنسان لأهله وقومه أشد من حبه لغيرهم، وهو لا يكذب عليهم أبدا؛ ولذلك كان يناديهم بهذا النداء دائما، حتى وهو يردّ على شتائمهم، ولم يكتفِ بهذا النداء بل أخذ يبيِّن لهم إخلاصه لهم، ونصحه إياهم, قائلا لهم: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١. ب- عايش نوح ﵇ واقع قومه وهو يدعوهم، ولعل ذلك أجلى في الشرح، وأدعى للفهم والإقناع. إن قوم نوح أصحاب زراعة، ورعي، وتجارة، يحتاجون للمطر يسقيهم، وللأنهار تروي زرعهم، وللسماء تظلّهم، وللشمس تدفئهم، وللقمر ينير لهم، وهم يقطعون سبل الأرض، وفجاج الصحراء، ومعهم الأموال والأولاد. تلك حياة القوم، وهذا هو واقعهم، فماذا قال لهم نوح ﵇ وهو يدعوهم؟ لنقرأ الآيات؛ لندرك مدى معايشة نوح لواقع المدعوين، يقول الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا، مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ٢. إن الآيات شاهد واضح على أن نوحا ﵇ كان يعيش حياة قومه، ويقدم لهم الأدلة من الواقع الذي يتعاملون معه، وكلها آيات كونية وإنسانية، ناطقة بأن الله واحد، لا شريك له، ويجب أن يُعبَد وحده.

стр. 70

ج- الاستمرار في الدعوة، والإلحاح في طلب الإيمان، من ضرورات الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن غاية الدعوة إيجاد إنسان جديد، ينخلع تماما من حياته وضلاله ليتحول إلى عبد رباني، ينطوي باطنه على قَبَس من نور الله، وتمتلئ جوارحه بالتقوى، والطاعة، والاستقامة على منهج الله. إن هذا الأمر لا يحتاج إلى مجرد العرض، ولا يكفيه الطلب لمرة واحدة، ألا ترى الطبيب يداوم العلاج حتى يشفى مريضه، والتربية الجادّة تحتاج إلى مداومة، ومتابعة واستمرار مع مراحل العمركله. وليس هناك أسمى من الدعوة، وكل بذل لها هو في الطريق الصحيح. وقد طبق نوح ﵇ هذه النقطة المنهجية تطبيقا كاملا، ويكفي الوقوف على مدة دعوته التي دامت ألف سنة إلا خمسين عاما، متحمِّلا كل مشقة، صابرا على كل عدوان، لم يترك فرصة للدعوة إلا قام بها، ملتزما بأخلاقه الكريمة، وكان يواصل الدعوة بصورة مستمرة، يبين ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ . د- الدعوة الإلهية تتصادم مع قُوى اجتماعية عديدة، فهي تتصادم مع الملأ ووجهاء القوم الذين يعيشون على استعباد الضعفاء، واستغلالهم.... كما تتصادم مع كل متأله من الناس، سواءكان تألهه بالتحليل والتحريم، وهو يشرع بعقله للناس، أو يحب أن يرفعه الناس إلى درجة الإله يخافونه، ويرجونه، ويعظمونه ... كما تتصادم مع كل ضال يعبد غير الله, سواء كان معبودا حسيا أو معنويا. هذه الصدامات تؤدي إلى مشاق ومصاعب في طريق الدعوة؛ ولذلك لا بد من ملازمة الداعية للتحمل، والصبر، ومقابلة السيئة بالحسنى كمنهج لا بد منه لنجاح الدعوة. ويعتبر نوح ﵇ نموذجا عاليا في تطبيق هذه النقطة، فلقد كانوا يسخرون منه، ويشتمونه، ويصفونه بالكذب والجنون والسفه، ويؤذونه ويضربونه حتى

стр. 71

يشرف على الموت، ومع ذلك كان يدعو الله تعالى لهم قائلا: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون". هـ- تحتاج الدعوة إلى ضرورة التوجه إلى الناس بلا تفرقة بينهم، بسبب لون, أو جنس، أو مال، أو جاه، وهذا ما فعله نوح ﵇ حينما طلب منه الملأ من قومه أن يبعد عنه الفقراء، قال هم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ . إن هذه النقاط المنهجية تمثل خطة ضرورية لنجاح الدعوة إلى الله تعالى ... و وكان لنوح ﵇ وسائله وهو يدعو قومه إلى الله، ويراد بالوسائل الطرق التي تحمل الفكرة، وأسلوبها، سواء كانت بشرية، أو بآلات غير بشرية، كالرسالة المكتوبة، أو الصورة الهادفة ... وهكذا. وقد استفاد نوح ﵇ بما أمكنه من وسائل ... فقد كان ﵇ يواجههم مباشرة، ويكرر لهم الدعوة، وذلك مستفاد من فعلهم الذي قال الله عنه: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ , فهم لضِيقهم برؤية نوح أمامهم كانوا يغطون وجوههم بأطراف ثيابهم، حتى لا تقع عيونهم على رؤيته حين اقترابه منهم. ونراه يستعمل وسائل الاتصال التي يتحدث عنها الإعلاميون المعاصرون، فيتصل بهم اتصالا شخصيا، ويواجههم فرادى، وهو المقصود من وقوله تعالى: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ لأن السرية المرادة هنا، هي مخاطبة الأفراد واحدا واحدا، بصورة علنية؛ لأن المفهوم العام للسرية لا يتفق مع مفهوم الدعوة والتبليغ. واتصل بهم ﵇ اتصالا جماعيا، فهم قومه يعرفهم، وكان يأتيهم في تجمعاتهم، وفي أعيادهم، ومناسباتهم المختلفة، وهو المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ ودعاهم ﵇ جماهيريا، وهو دعوة الجمع الغفير الذي

стр. 72

يمكنه التوجه إليهم، وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ . وكانت مكارم أخلاقه ﵇ وسيلة عملية تعرفهم بدين الله تعالى، وحسن تأثيره في الخلق والسلوك. ز- خاطبهم ﵇ بأساليب متعددة ... فاستعمل معهم أسلوب الحكمة ويراد به القول الموجز الدال على معناه بعبارة قصيرة، دقيقة، ومنه الطلب المباشر المحدد ومثاله في قوله لهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ، ومن الأساليب الحكيمة أسلوب عرض الآيات الكونية والإنسانية؛ لأنها تدل على مرادها بصورة دقيقة لا يمكن ردها، ومن علامات الحكمة في الآيات الكونية والإنسانية أنها وإن تضمنت المعاني الكثيرة, فإنها تأتي في كلمات قليلة, انظر قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ، فإنها تشتمل على كلمات قليلة، وكل كلمة تشتمل على المعاني الكثيرة، فوجه السؤال وجعله خاصا بهم لقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ويحدد التهمة وشناعتها بقوله: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ ، وهي تهمة تتجلى في مفهومهم بصور عديدة. إنهم يصنعون الأصنام، ويعبدونها، ويتوجهون إليها، ويتركون الله تعالى ولا يوقرونه، مع أنه تعالى أكرمهم ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ أي: على مراحل عديدة، فمن نطفة، إلى علقة، إلى جنين، إلى مولود، إلى أن يموت، كل ذلك بقدر الله وعلمه، ومع ذلك لا يوقرونه. إن هذه الكلمات، والآيات، لا يمكن للقوم أن يردوا عليها لوضوحها، ولكنهم استمروا على الكفر معارضين لدين الله بلا حجة, أو بيان. ومن الأساليب التي توجه بها نوح ﵇ إلى قومه الموعظة الحسنة، ويراد بها الأسلوب المشتمل على المعاني المثيرة، التي تخاطب العواطف، وتجذب النفس، وأساس هذا الأسلوب الترغيب والترهيب؛ لأن الترغيب يعمل على التزيين

стр. 73

والإغواء، وتحقيق التعاطف والمودة مع الدعوة، وذلك خطاب للروح والوجدان, وبخلاف الترغيب يكون الترهيب، فهو قائم على تخويف المستمع من خطأ يفعله ليبتعد عنه، والترغيب والترهيب واضح في أسلوب نوح ﵇. وتعد الأساليب البيانية من قبيل الموعظة؛ لأنها تركز الصور اللفظية العديدة حول معنى واحد لإقناع المستمع به. ومن الموعظة الحسنة الاستفهام، والحوار، وإبطال دليل المعارضين. وبتتبع قصة نوح ﵇ في القرآن, نرى العديد من صور الخطاب والبيان ...

стр. 74

الركيزة الثالثة: أثر الإيمان الإيمان بالله تعالى، والاستجابة الصادقة لدعوة الرسول، من أهم عوامل تأليف القلوب، وتحقيق الوحدة بين المؤمنين؛ لأن هذا التآلف جزء من الإيمان نفسه، وحين يعجز المؤمن عن تحقيقه في ذاته، فعليه أن يتهم نفسه بضعف الإيمان؛ لأنه لو صدق في إيمانه لشعر بأخيه المؤمن جزءا متمما لإيمانه، فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، يقول النبي ﷺ : "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ١. وفي قصة نوح ﵇ ما يؤكد قوة الرابطة الإيمانية، وضرورتها للتآلف، وتحقيق التماسك بين المؤمنين؛ لأنها لو فُقدت فلا قيمة لأية رابطة، وبخاصة مع المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.

стр. 75

إن رابطة الإيمان تربط القلوب، وتوحِّد الأجساد، وتقوى بمعونة الله تعالى؛ ولذلك فهي دائمة مستمرة في الدنيا وفي الآخرة، وأصحابها هم المفلحون، وهم حزب الله، أما أعداء الله فهم منقطعون عن المؤمنين، لا مودة معهم، فهذا ابن نوح ظل على كفره ولم يدخل الإيمان قلبه, فأغرقه الله مع الكافرين، ولم يَقْبَل طلب نوح فيه، وقال له: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ١؛ ذلك أن نوحا ﵇ طلب من ربه أن ينجي له ولده, فعرفه الله بانقطاع الصلة به؛ بسبب عدم إيمانه، ولفظ الآية صريح في عدم جدوى رابطة النسب إذا انتفت رابطة الإيمان. وكما أغرق الله تعالى ابن نوح بسبب عدم إيمانه، أغرق كذلك زوجته بسبب عدم إيمانها هي الأخرى، وجعلها الله مثلا للكافرات، ولحكمة أرادها الله تعالى جعل زوجة نوح وولده من الكافرين؛ ليهلكا مع المغرقين، وليعلم كل إنسان بعدهما أن الإيمان هو طريق النجاة، وأنه صانع القرابة الحقيقية، فالزوجة الكافرة، والابن الكافر، ليسا من أهل الزوج المؤمن، والأب المؤمن؛ لأن الكفر يفرق بينهما، أما الإيمان فإنه العروة الوثقى بين المؤمنين، وهو الصلة القوية الدائمة بينهم. ولعل قوة الإيمان في التأثير ترجع إلى أنه يتم بناء على اقتناع ورضى، بينما غيره من العوامل يتم بطريقة عفوية لا دخل للإنسان فيه، وأيضا فإن الإيمان عامل يزداد بالإخلاص فيه، أما العوامل الأخرى فهي ثابتة لا تقبل الزيادة، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
следующие страницы →