Полный текст (366 стр.). Показаны 351–366 · переход к 356.
стр. 351
الدينية، وجردت فلسطين من دلالتها المسيحية بعد أن كانت أرض المسيح المقدسة، ومن أجلها كانت الحملات الصليبية، لكنها الآن تحولت إلى وطن لأجل اليهود الذين تشكل عودتهم إليها المقدمة الحتمية لعودة المسيح المنتظر.
وتعتبر مسألة المجيء الثاني للمسيح من الأركان الأساسية للإيمان المسيحي، ومن أهم موضوعات الإنجيل، ولا يخلو سفر من أسفاره من الحديث عن المجيء الثاني للمسيح، وكل مسيحي العالم تقريبًا يؤمنون بهذه المسألة، إلا أن الاختلاف يقع في كيفية وتفاصيل هذا المجيء، وقد نجحت الصهيونية في إقناع بعض المسيحيين بأن إنشاء إسرائيل هي علامة من علامات المجيء الثاني، وأن عودة المسيح سوف تكون بصورة عنيفة وقوية؛ ليقف مع إسرائيل في مواجهة قوى الشر في العالم، التي يهزمها في موقعة دموية قاسية، وبهذا الانتصار على القوى الشريرة يقوم المسيح بعد ذلك بحكم العالم لمدة ألف عام.
وقد ظهر هذا الإيمان في تاريخ الفكر المسيحي اللاهوتي من خلال عدة نظريات، جاءت جميعها مبنية على تفسير ما جاء في سفر الرؤيا -وهو آخر أسفار العهد الجديد- وفيه يروي يوحنا حلمه الذي رآه حول مستقبل العالم؛ حيث رأى ملاكًا نازلًا من السماء يقبض على إبليس ويقيده بسلسلة عظيمة لمدة ألف عام؛ لكي لا يضل أحدًا، ثم متى تمت الألف عام حل إبليس من قيده ليضل الأمم ويجمع يأجوج ومأجوج، الذين عددهم مثل مدد البحر؛ ليحاصروا معسكر القديسين والمدينة المحبوبة، عندها ينزل الله نارًا من السماء لتأكلهم وإبليس والنبي الكذاب المسمى بالمسيح الدجال.
وقد انقسم المسيحيون حول تفسير هذه الرؤية إلى فرق عديدة، من بينها فريق يرى أن المسيح سوف يأتي إثر حدوث اضطراب شديد في الأرض، كالحروب والمجاعات والزلازل ويسمونها الضيقة العظيمة، وحينما يأتي المسيح تقوم
стр. 352
الأموات المؤمنون به من القبور، وتتحول أجساد المؤمنين الأحياء إلى أجساد سماوية، والكل سوف يخطف لملاقاة المسيح في الهواء، ثم بعد ذلك ينزلون معه إلى الأرض، فيتم تقييد إبليس وينتهي حكم المعادين للمسيح على الأرض، ويعود اليهود بشكل جماعي إلى المسيح ويؤمنون به ويعترفون بخطاياهم، وعندئذ يبدأ حكم المسيح على الأرض لمدة ألف عام، ويكون المسيح مرئيًّا وحرفيًّا ويسود العدل والسلام كل الدنيا، وتتحول الطبيعة الشريرة في كل المخلوقات إلى طبيعة خيرة. وباقتراب نهاية الألف عام يحل إبليس من قيوده ويخرج ليضل الأمم مرة ثانية، ويجمع كل الأمم معه للمعركة الأخيرة ضد المسيح، وبخاصة منهم يأجوج ويفسرونها بملك روسيا، ومأجوج ويفسرونها بملك تركيا أو المسلمين والصين، يقودهم للهجوم على معسكر القديسين الذي يضم المسيح وشعبه في القدس، وتقع معركة "هرمجدون" ولكن تأتي فجأة نار من السماء وتبيدهم ويلقى بإبليس في جهنم إلى الأبد.
وانتشرت هذه النظرية بقوة في القرن الرابع الميلادي، ثم عادت إلى الظهور في القرن السادس عشر وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ولاسيما أثناء الثورة الفرنسية. وهكذا بدأت ظاهرة الصهيونية المسيحية أو الأصولية الإنجيلية، وفي صلبها مسألة دور اليهود في الخطة الإلهية للعودة الثانية للمسيح، والتي تتطلب جمع اليهود في الأرض الموعودة فلسطين، واستعادة المدينة المحبوبة كما ورد في التوراة أي القدس، وبناء الهيكل مما يهيئ المسرح لمعركة "هرمجدون" بين الخير والشر، ليأتي المسيح ثانية وينتصر الخير ويقيم مملكة الألف عام السعيدة، وفقًا لهذا الإيمان الأصولي المسيحي البروتستانتي والمرتبط بالتفسير الحرفي لكل عبارات العهد القديم.
стр. 353
وقد لاقت هذه الحركة ترحيبًا واسعًا بين اليهود، باعتبار أنها قسمت أعداء اليهود، لكن أتباع "مارتن لوثر" هاجموا اليهود بسبب إعلانهم أن التلمود يعطي تفسيرًا أفضل من تفسير "لوثر" للكتاب المقدس، ورفضهم الدعوة للعودة إلى المسيحية، فقام اللوثريون بطرد اليهود من المدن الألمانية والإنجليزية، وواصلوا العمليات التبشيرية بين اليهود، وفي الوقت نفسه كانوا يؤسسون لأطروحة استرجاع اليهود إلى فلسطين؛ إعدادا للخلاص اليهودي ثم الخلاص اللاهوتي.
واعتبرت المسيحية التقليدية أن ما ورد في العهد القديم إنما هو أحداث وقعت في الماضي، أو نبوءات تم تحققها، وأن ما جاء في العهد الجديد هو ثورة على العهد القديم، وفقًا لما جاء في إنجيل يوحنا: لو كنتم أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم، ورأت أن كل القصص التي رواها العهد القديم هي رموز لحالات روحية وأخلاقية، كما تؤمن المسيحية التقليدية بأن إبراهيم ﵇ عندما أخذ الوعد من الله بالأرض لم يفهمه على أنه تصريح له من الله بسرقة الأرض من مالكها، حتى لو كانت الأرض هبة من الله فهي مشروطة بطاعة الواهب، كما ترى أيضًا أن العهد مرتبط بتحقيق وصايا الله وطاعته، وليس رفض حكمه، وأن أرض الميعاد الحقيقية عند المسيح هي الأرض كلها وكل أرض يتحقق فيها وعد الله.
وهذا هو رأي المسيحية التقليدية الذي تخالف فيه الأصولية الإنجيلية، لكن هذه العقيدة -عقيدة الأصولية الإنجيلية- بعثت من جديد في القرن السادس عشر، وصارت فكرة محورية في عقول وإيمان معظم الكنائس البروتستنتية، شكلت مسألة عودة المسيح الثانية أبرز تجليات هذه العقيدة، أما اليهود في هذه العقيدة فهم يشكلون محورها وبشارتها، وهم شعب الله المختار القديم والذي يفترض تواصله في الماضي والحاضر والمستقبل، وأن أرض فلسطين هي أرض اليهود
стр. 354
التي وعدهم الإله بها، واعتبار أن وعد الله لا يسقط بالتقادم ولا يتراجع، حتى وإن رفض اليهود المسيح؛ ولذا فإن كل من يعارض اليهود أو يقف في وجه عودتهم إلى فلسطين يعتبر من أعداء الله وأعداء المسيح، والمحور الأساسي في هذا كله يدور حول الشروط التي يجب توافرها لتحقيق العصر الألفي السعيد، وعودة المسيح الثانية.
وأهم هذه الشروط هو استرجاع أو نقل اليهود إلى فلسطين، وقد أدت هذه العقيدة إلى انتشار ظاهرة قبول اليهود في عدد من الدول الأوروبية، ففي منتصف القرن السابع عشر تم الاعتراف بالجماعات اليهودية، وحصلت على وعد بحرية ممارسة عباداتها، بعد أن ظلت بريطانيا خالية من اليهود تقريبًا حتى نهاية القرن السادس عشر، ولم يحصل اليهود على حقوق المواطنة إلا ابتداء من سنة ألف وسبعمائة وثمانية عشر، وكان يقف وراء هذا الاعتراف تطلعات المجتمع الإنجليزي التجاري الاستعمارية.
الحكومات النصرانية التي تدعم الأصولية النصرانية
استخدمت هذه الحكومات النصرانية في دعمها للأصولية النصرانية أبشع الوسائل القمعية في التكريز بالإنجيل، أو نشره للعالم أجمع، ففي روسيا مثلًا حين تحول "فلاديمير" الروسي عن الوثنية -بفضل مساعي الأصوليين من رجال الكنيسة الإغريقية- أصدر مرسومًا في اليوم التالي لتعميده؛ يقضي بأن يذعن الروس كافة سادة وعبيدًا أغنياء وفقراء للتعميد، وفق طقوس الديانة المسيحية.
وفي مستهل القرن السادس عشر نشط رجال الشرطة الروسية ورجال السلطات المدنية فيها في تأييد أعمال رجال الكنيسة لتنصير "القرغيز"، وهي جماعة تترية
стр. 355
تسكن في روسيا، ولما لم يكن القساوسة الروسيون يفهمون لغة "القرغيز" لم يلبثوا أن أهملوا شئونهم، ولم يكن هناك بد من الاعتراف بأن هؤلاء الذين تحولوا حديثًا لم يكونوا يتمسكون بالعقيدة المسيحية أو يعرفونها، ولما أخفقت العطاءات الروحية أمرت الحكومة موظفيها بأن يلطفوا من هذه الحالة، ويحبسوا الناس ويكبلوهم بالحديد، ويحولوا بذلك دون تعليم هؤلاء الذين لا يطيعون أوامر المطران برغم تعميدهم.
في القرن الثامن عشر جاءت حكومة الإمبراطورية "كاترين" الثانية في روسيا، وبذلت جهودا جبارة في دعم الأصولية الأرثوذكسية في جهودها التنصيرية، حتى إنها أصدرت مرسومًا بأن يوقع كل من هؤلاء الحديث العهد بالمسيحية على إقرار كتابي، يتعهدون فيه بترك خطاياهم الوثنية وتجنب كل اتصال بالكفار، وعلى الرغم من هذا كله لم يكن هؤلاء الذين أطلق عليهم التتار المعمدون إلا مسيحيين اسما فقط، لا يبعد أن تكون أسماؤهم قد دونت في السجلات الرسمية باعتبارهم مسيحيين، ولكنهم وقفوا في ثبات وقوة في وجه أية محاولة لتنصيرهم.
وفي أوربا كانت أبرز الحكومات التي دعمت الأصولية بشدة هي حكومة "شارل مان"، ونحن نقرأ في تاريخ ٧٧٢ وحتى ٧٩٨ عن استمرار الغزوات المتعاقبة، وتحول المسيحية إلى مؤامرات وأعمال قمع، وبمجرد إخضاع إحدى القبائل الألمانية فإن تحولها إلى المسيحية كان يدرج في بنود السلام، كثمن يمنح لها نظير تمتعها بحماية الإمبراطور وحكومته، ولقد سجل التاريخ أن "شارل مان" قتل في يوم واحد أربعة آلاف وخمسمائة سكسوني، تفرض حكومته عقوبات وحشية ضد أي خرق لمجموعة القواعد المسيحية، ومنها أن أي سكسوني غير معمد يحاول أن يختبئ بين شعبه ويرفض التعميد مسيحيا سوف يقتل، وأن أي شخص من الوثنيين يتآمر ضد المسيحيين سوف يقتل.
стр. 356
ولهذا يقول الأصوليون النصارى: إن "شارل مان" يعتبر بلا جدال واحدًا من أعظم الشخصيات في تاريخ كل من الكنيسة والعالم، وقد وجدت في أوربا صور عديدة من "شارل مان" هذا عاثت في الأرض فسادا، سفكت الدماء وانتهكت الأعراض وأكرهت الناس على موافقتهم في النحلة، أما في الحروب الصليبية فإن الباباوات استطاعوا بخبثهم ودهائهم أن يجعلوا من الحكماء والشعوب الأوروبية أصوليين، يتحدثون جميعًا باسم الإنجيل وتعاليمه.
وقد بدأت هذه الدعوات الأصولية بنداء أطلقه البابا "أربان" الثاني، بتحريض من بطرس الناسك في سنة تسعمائة وخمسة وتسعين إلى حكام أوربا وشعوبها؛ بالكف عن الحروب المحلية والخروج بدلًا من ذلك لمحاربة العالم الإسلامي، والاستيلاء على خيراته، وأعلن أن المسلمين كفرة تستباح دماؤهم، ودعا إلى تخليص القبر المقدس من أيديهم، ووعد بغفران الخطايا لقتلى تلك المعارك بمقتضى التفويض الرباني الممنوح له.
وتحكي المصادر التاريخية الإسلامية وغير الإسلامية بشاعة وهول تلك الحملات الصليبية، التي كان رجالها يصيحون بأنهم رسل المسيح وجنوده، فتذكر أن الصليبيين قتلوا نحو سبعين ألفا من سكان بيت المقدس المسلمين، ومعظمهم من النساء والأطفال والعجزة والعزل من السلاح، بل وكان من أحب ضروب اللهو إليهم قتل من يلاقون من الأطفال وتقطيعهم إربًا إربًا، وشيهم كما روت "آن كومنين" بنت قيصر الروم.
يقول "غوستاف لوبون": "ونرى في كل صفحة من الكتب التي ألفها مؤرخو النصارى في ذلك الزمن براهين على توحش الصليبيين. ويكفي لبيان ذلك أن ننقل الخبر الآتي الذي رواه الشاهد المؤرخ الراهب التقي "روبرت" قال: وكان
стр. 357
قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، وكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إربًا إربًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، فيا للعجب ويا للغرابة، كانت الدماء تسيل كالأنهار في المدينة المغطاة بالجثث. ويقول في موضع آخر: واغتاظ مؤرخو النصارى أنفسهم من سلوك حماة النصرانية، مع اتصاف هؤلاء المؤرخين بروح الإغضاء والتساهل، إلى غير ذلك من أحداث".
فإذا قفزنا إلى العصر الحديث وجدنا أن العالم النصراني يدعم الأصولية النصرانية دعمًا لا نظير له، ولعل هذا الدعم يتبين بصورة واضحة عند ذكر تطبيقات الأصولية النصرانية، فمثلًا أحد رؤساء أمريكا وهو "ويلسون" الذي كان يحب أن يلقب بابن راعي الكنيسة، وهو أصولي متعصب جدًا، و"نيكسون" أيضًا كان أكثر رؤساء أمريكا فكرًا وتنظيرًا يقول في كتابه (نصر بلا حرب): "إن صراع العرب ضد اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب، وإسرائيل والدول العربية المعتدلة له من جانب آخر". ويختم كتابه بعبارات لا يتفوه بها إلا أعتى الأصوليين الإنجيليين فيقول: "عندما كانت أمريكا ضعيفة وفقيرة منذ مائتي سنة مضت كانت عقيدتنا هي المبقية علينا، وعلينا ونحن ندخل قرننا الثالث نستقبل الألف سنة المقبلة يجب أن نعيد اكتشاف عقيدتنا ونبث فيها الحيوية"، وقد نشرت له مجلة الشئون الخارجية تعليقًا على اللقاء الأول بين "ريجان" و"جورباتشوف": "يجب على روسيا وأمريكا أن تعقد تعاونًا حاسمًا لضرب الأصولية الإسلامية".
ومن الأدلة التي يستدل بها الباحثون على تدين أمريكا وعودتها إلى المحافظة: أنها اختارت آخر رئيسين قبل "بوش" من المتدينين الأصوليين، وهم "كارتر"
стр. 358
و"ريجان"، فـ "كارتر" كان ملتزمًا التزامًا صارمًا بالكنيسة الإنجيلية، ولا يزال "كارتر" إلى هذا اليوم مبشرًا ويتنقل من أفغانستان إلى الحبشة والسودان، وغير تلك البلدان مدافعًا عن التنصير ومبشرًا بالنصرانية، وهذا معروف عند كل من تتبع أخباره، فهو رجل منصر وقسيس. وقد كان "ريجان" الذي جاء بعده أيضا أصوليًّا متعصبًا. يقول عنه "مايك إيفانز" أحد زعماء الأصولية الإنجيلية: "في يناير سنة ١٩٨٥ دعا الرئيس "ريجان" "جيمي بيكر" و"جيمي سواجرت" و"جيرو فلاويل" وكلهم من زعماء الأصولية، ودعاني مع مجموعة صغيرة أخرى للقائهم بصورة شخصية، لن أنسى ما قاله لنا أعرب الرئيس -أي "ريجان"- عن إيمانه بأن أمريكا على عتبة يقظة روحية قال: إني مؤمن بذلك من كل قلبي. إن الله يرعى أناسًا مثلي ومثلكم في صلاة وحب لإعداد العالم لصورة ملك الملوك وسيد الأسياد".
وكان لـ"بوش" الأب علاقة صديقة حميمية مع زعماء الأصوليين الإنجيليين وخاصة "جيروفلويل"، الذي يقول عنه "بوش": "أعتقد بكل أمانة أننا برجال من أمثال "جيري" فإن شيئًا فظيعًا كالإبادة الجماعية لليهود لن يحدث ثانية". لذلك فإن "فلويل" هذا أقام حفل غداء على شرف "بوش". وقال في الحفل: "بوش" سيكون أفضل رئيس في سنة ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين". وأما "بوش" الأب فيصف نفسه في كتابه (التطلع إلى الأمام) بأنه متدين وأن جده كان قسيسا، وأنه هو وأسرته يقرءون الكتاب المقدس كل يوم.
وأما "بوش" الابن فلا يستطيع أحد أن ينكر أنه متعصب، بالرغم من أسلوبه الذي يحاول فيه إخفاء هويته الأصولية، من نحو التظاهر بعدم كره الأديان واحترامها جميعا، والتلاعب بالمفاهيم لتحقيق مآربه الأصولية الإنجيلية، فهو
стр. 359
حينما يقود أعمال العنف والقمع والإبادة التي يفعلها يسميها حربا ضد الإرهاب، مع أنه يعلم كم سعت بلاده في صناعة الإرهاب، وبصماتهم في فيتنام وبغداد وأفغانستان لا تزال قابعة بآثارها القذرة. ولعل ما يقوله "بوش" الابن معلنًا أن حربه في أفغانستان حرب صليبية بدون صليب، بل ربما بهلال يدل على مدى خبث الأصولية التي انطوى عليها قلبه، ويعمل من أجلها، ولكن من شابه أباه فما ظلم، فـ "بوش" الابن كان واحدًا من أفراد البيت الأصولي، الذي كان يقول عنه "بوش" الأب: "إن جدهم كان قسيسًا وأنهم كانوا يقرءون الكتاب المقدس كل يوم".
بعض الإحصائيات عن الأصولية النصرانية الإنجيلية في أمريكا
لعله لا يخفى على أحد تزعم أمريكا للأصولية الإنجيلية في شتى مجالاتها، فهي التي تحتضن أهم قيادة دينية في العالم النصراني، ذلك هو مجلس الكنائس العالمي، مما يجعل لها قيادة روحية لا تقل قداسة عن التي لبابا الفاتيكان في روما.
ولعل ذكر بعض الإحصائيات يرسم -بصورة أكثر وضوحًا- مدى تغلغل الأصولية النصرانية في المجتمع الأمريكي، فيذكر معهد "جالوب" المتخصص في الإحصاءات أن أكثر من ٩٤% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يؤمنون بالله، بالطبع على عقيدتهم، وأن ٧١% من سكانها يؤمنون بالبعث بعد الموت على العقيدة الإنجيلية، وتقول أيضًا بعض الإحصائيات أن عدد أعضاء الجسم الكنسي في الولايات المتحدة سنة ١٩٧٠ كان ١٣١ مليونًا من الأمريكان، وجميعهم ينتمون إلى الكنائس.
стр. 360
ودليل آخر على تغلغل الأصولية النصرانية في أمريكا: وهي إن إحصائيات صناعة الكتب الأمريكية سجلت أكبر ظاهرة في شراء الكتب الدينية، ففي سنة ١٩٨٤ كان بيع أكثر من ثلث السوق كتبًا دينية، تقدر أثمان هذه الكتب بحوالي مليار دولار، وإحصائية أخرى تقول: إن للأصولية النصرانية في أمريكا أكثر من عشرين ألف مدرسة ومعهد وكلية، والملايين من الطلاب والدارسين للتوراة والإنجيل، حتى في الإعلام السينمائي تغلغلت الأصولية النصرانية، حتى إنه جاء في دراسة استطلاعية أعدتها منظمة إذاعات الدول الإسلامية بجدة: أنه تم تخصيص ما يزيد على المائة مليون دولار لإنتاج سينمائي تعده في هوليود ولاية أمريكية، ويشمل إنتاج خمسة عشر فيلما أعدت مادتها من سفر التكوين وثمانية عشر فيلما أعدت مادتها من إنجيل لوقا.
وأما عن التبرعات التي يجود بها الأمريكان لدعم الأصولية النصرانية فمثلا تقول الإحصائيات: إنه في سنة ١٩٨٢ بلغ إجمالي التبرعات نحو ستين ألف مليون دولار، وقد نشرت المجلة الدولية لأبحاث التنصير أن مجموع التبرعات الكنسية لأغراض التنصير مائة وواحد وخمسون ألف مليون دولار، بل إن الإحصائيات تقرر أن ما يتلقاه نجمان من نجوم الأصولية في أمريكا -كـ "جيل فلويل" و"باتر روبرتسون"- وحده من التبرعات أكثر مما يتلقاه الحزبان الرئيسان في أمريكا: الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، حتى إن "روبرتسون" هذا أنشأ محطة تلفازية خاصة بجماعته التي تسمى "روبرتسون" الإنجيلية، وهي تغطي أكثر من ستين دولة أجنبية وتستخدم الأقمار الصناعية في البث على مدار أربع وعشرين ساعة.
ويؤكد "روبرتسون" في برامجه على عداوته للعرب ويسميهم أعداء الله، فيعتقد أنه لا مجال للعدل مع الفلسطينيين طالما أن رغبة الله هي تأسيس إسرائيل وتعيين
стр. 361
حدودها، وهذا غيض من فيض من الإحصائيات عن الأصولية النصرانية في أمريكا، يستطيع منه القارئ أن يرى أمريكا الأصولية، وأن يكشف كذب ما تدعيه من أنها راعية السلام في الشرق الأوسط أو غيره، وبينما هي لا تألو جهدًا حكومةً وشعبًا في دعم الأصولية عندها وتوسيع نطاقها، فإنها تسعى في سحق أي أصولية أخرى لأنها تراها تشكل خطرا على مسيرتها.
منهج الأصولية النصرانية، وأشهر شخصياتها، وخلاصة فكرها
منهج الأصولية النصرانية:
الأصولية النصرانية إن كان منهجها يختلف من طائفة إلى أخرى في بعض النقاط، إلا أن السمة الغالبة للجميع هي الدعوة إلى المحافظة على القديم ومحاربة التحديث أو العصرنة، ولا نذهب بعيدا موغلين في التاريخ لنعرف منهج الأصولية النصرانية، بل نتتبع سير الباباوات منتصف القرن التاسع عشر، الذي كان يشغل منصب البابوية فيه "جيسيه بسارتو" أو البابا "بيوس" التاسع، الذي كان برغم لينه وبشاشته ذا بأس شديد في هجومه على الليبراليين.
وقد أصدر هذا "بيوس" العاشر قائمة بالأفكار المرفوضة من جانبه منها: لا يمكن تحت أي ظرف رفض تفسير الكنيسة للإنجيل، رغم ذلك فمن حق رجال الدين وعلمائه تقييم تلك التفاسير. إذا أراد عالم الدين أن يدرس علوم الإنجيل فعليه أن يطرح وراء ظهره كل الآراء المسبقة التي فرضتها الكنيسة.
ثالثًا: أن أحاديث يوحنا المتضمنة في الإنجيل هي بمثابة أفكار صوفية تتضمن الحقائق التاريخية المعضدة لها، ولكن يبدو أن ثمة تعديلا في المنهج الأصولي النصراني في
стр. 362
عهد البابا يوحنا بولس الثاني، ففي المجمع الفاتيكاني الذي عقده في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وستين وضع خطة ماكرة لحرب أصولية جديدة، فدعا إلى توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما، واعتبار المسيحيين شعب الله المختار بناء على العهد الجديد الذي أقامه بولس الرسول.
وتعد جماعة أو منظمة عمل الرب من أهم التنظيمات الأصولية في أوربا، وإن لم تكن حديثة التكوين، وقد أنشأها الأسقف "بلاجير" سنة ١٩٢٨، إلا أنها من المنظمات التي تم إحياؤها بصورة لافتة للنظر، فقد منحها البابا يوحنا بولس الثاني ميزة فريدة عن بقية المنظمات الدينية، وهي الاستقلال التام والسيادة الذاتية المطلقة فيما عدا سلطته المباشرة بالطبع. تذكر الإحصائيات أنه ينتمي لهذه الجماعة أكثر من مائة ألف مجند، تعد من أكثر الجماعات سرية وأهمية، حتى إن البعض يلقبها بالماسونية الكاثوليكية لشدة وخطورة توغلها في الشئون الدولية.
وعن أشهر الشخصيات الإنجيلية الأصولية:
فأكثر الإنجيليين شهرة في أمريكا الذين يبشرون على التليفزيون بنظرية "هرمجدون" وغيرها "بات روبرتسون"، وهو يستضيف برنامجًا لمدة تسعين دقيقة يوميًّا يدعى نادي السبعمائة، سمي كذلك نسبة إلى سبعمائة مساهم معه، وهذا البرنامج يصل إلى أكثر من ١٦ مليون عائلة، أي إلى أكثر من تسعة عشر بالمائة من الأمريكيين الذين يملكون أجهزة تليفزيون.
و"روبرتسون" هو ابن السناتور السابق "وولس روبرتسون" متخرج من مدرسة الحقوق وهو يوظف حوالي ألف وثلاثمائة شخص لإدارة شبكته التليفزيونية المسيحية "سي بي إن". تقوم الإدارة المركزية للشبكة على مساحة كبيرة في ضاحية
стр. 363
شاطئ "فرجينيا" بقيمة ملايين الدولارات، تضم "سي بي إن" نادي السبعمائة ثلاث محطات تليفزيونية ومحطة راديو ومحطة تليفزيون "سي بي إن"، ومحطة تليفزيون في جنوب لبنان ومراسلون في أكثر من ستين دولة وجامعة ونظام للمساعدة الدولية.
ومن الشخصيات المشهورة أيضًا "جيمي سواجرت" الذي يدير عملياته من "باتون روك" في "لويزيانا"، وهي ثاني أكثر محطات التليفزيون الإنجيلية شهرة؛ استنادًا إلى إحصائية مؤسسات "نلسون"، فهو يصل إلى أربعة ملايين ونصف المليون منزل يوميا، أو خمسة في المائة من المشاهدين أو إلى ما مجموعه تسعة ملايين وربع المليون أسرة، أو ١٠% من المشاهدين في أيام الآحاد. ومن الشخصيات أيضا "جيم بيكر" الذي يملك ثالث أشهر محطة تليفزيونية تبشيرية، وقد بدأ عمله الديني متتلمذًا على "بات روبرتسون"، وهو يصل إلى حوالي ستة ملايين منزل أو ٦% تقريبا من المشاهدين.
ومن الشخصيات المشهورة أيضًا "أورال روبرتس" وتصل برامجه التليفزيونية إلى خمسة ملايين منزل، أو ٦% من المشاهدين أيضًا.
ومنهم أيضًا "جيري فولويل" الذي تصل دروسه التبشيرية الأسبوعية إلى ملايين المنازل. وكان "فولويل" مثل "روبرتسون" سنة ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين منغمسًا بعمق في الشئون السياسية، وفي شهر أغسطس -وبعد أن أمضى خمسة أيام في جنوب أفريقيا- أيد الحكومة العنصرية ووصف الأسقف "ديزمونت توتو" الحائز على جائزة نوبل للسلام بأنه ألعوبة.
ومن الشخصيات المشهورة أيضًا "كينين كوبلنت" وهو متخرج من جامعة "أورال روبرتس" ومؤمن بالتدبيرية، ويرى أن إسرائيل الحديثة والصهيون الإنجيلية هما
стр. 364
شيء واحد ويقول: "إن الله أقام إسرائيل إننا نشاهد الله يتحرك من أجل إسرائيل. إنه لوقت رائع أن نبدأ دعم حكومتنا طالما أنها تدعم إسرائيل. إنه لوقت رائع أن نشعر الله مدى تقديرنا إلى جذور إبراهيم". وبالرغم من ذلك فإن "كوبلنت" لا يحب بالضرورة إسرائيل كما هي، إنما يعبر عن حبه لإسرائيل لأنه وأتباعه يرون أنها المسرح الذي سيقدم عليه مشهد معركة "هرمجدون"، وعودة المسيح، فهم يعبرون عن حبهم لليهود ليس لأنهم يهود، ولكن يرون فيهم الممثلين الذين لابد منهم على مسرح النظام الديني، الذي يقوم على أساس تحقيق المسيحية الكاملة.
ومن الشخصيات المشهورة أيضًا "ريتشارد ديهال"، وله برنامج يسمى يوم كشف النظام، يصل إلى ملايين المشاهدين.
ومن الشخصيات أيضًا "ريكس هامبرت" وهو يقول: "إنه يبشر بتعاليم "سوكفلد" حول التدبيرية" وهي تقول: إن الله كان يعرف منذ البداية الأولى أننا نحن الذين نعيش اليوم سوف ندمر الكرة الأرضية، وهذه السبعة برامج لسبعة من المشاهير الذين ذكرناهم يقدمون البرامج الدينية، ويبشرون بنظرية "هرمجدون" الأصولية الإنجيلية في الإذاعة والتليفزيون، ومن بين أربعة آلاف أصولي إنجيلي يشتركون سنويًّا في مؤتمرات الإذاعة الدينية الوطنية، هناك ثلاثة آلاف يعتقدون أن كارثة نووية فقط يمكن أن تعيد المسيح إلى الأرض، ومعظم المدارس الإنجيلية في الولايات المتحدة تدرس النظام الديني وتدرس نظرية "هرمجدون" الذي يقول بها الأصولية الإنجيلية، استنادا إلى أحد القساوسة يسمى "دال كراولي"، وهو قسيس في واشنطن كان أبوه عضوا مؤسسا للمؤتمر الدائم للمذيعين الدينيين الوطنيين.
стр. 365
خلاصة فكر المسيحية الأصولية الإنجيلية:
إن العودة الثانية للمسيح، أو انتظار مجيء المسيح للمرة الثانية هي المحور الذي تدور عليه عقيدة الأصوليين الإنجيليين، وهم بذلك يشتركون مع اليهود في أن بإعادة بناء الهيكل سيعجل بمجيء مسيحهم للمرة الثانية، ولذلك فهم يتعاونون مع اليهود من أجل الوصول إلى ذلك الهدف، وهو هدم الأقصى والصخرة ثم بناء الهيكل، ثم انتظار المجيء الوشيك للمسيح الذي يطمعون أن يدخل اليهود في دينه هذه المرة. أما هذا الاختلاف في شخصية المسيح الآتي فلا يعطل مسيرة العمل المشترك بينهما تمهيدًا لمجيئه، بل إن كليهما يعين الآخر في القدر المشترك من الاتفاق.
ويقول أحد زعماء اليهود لزملائه من المسيحيين: إنكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى، فلنبدأ أولًا ببناء الهيكل وبعد مجيء المسيح ورؤيته نسعى لحل القضايا المتبقية سويا، وكل من الفريقين يحاور الآخر ويراهن عليه، ويريد أن يدخله مع أتباع مسيحه، تقول الباحثة الأمريكية "لي أوبرين": "من التناقضات الظاهرية في عمل المنظمات اليهودية الأمريكية مع طائفة الإنجيليين: تناقض يدور حول التوتر بين رغبة الإنجيليين في التنصير، وبين الاشتباه في مقاومة اليهود الأمريكي للنشاط التبشيري".
وقد أصدر مجموعة من الأساقفة في أحد المؤتمرات هذا البيان: إننا نؤمن أن الله اختار إسرائيل الشعب المختار لكي يتابع خلاصه للبشرية، ومهما كان موقفنا فلا نتمكن من نكران أننا أغصان قد تطعمت على الشجرة القديمة التي هي إسرائيل، ولذلك فإن شعب العهد الجديد لا يمكن أن ينفصل عن شعب العهد القديم. إن انتظارنا لمجيء المسيح الثاني يعني أملنا القريب في اعتناق الشعب اليهودي للمسيحية، وفي محبتنا الكاملة لهذا الشعب المختار،
стр. 366
ويبدو واضحا أن الأساس اللاهوتي الصليبي هو الذي يفسر دعم النصارى لليهود وارتباطهم معهم، وخاصة أولئك الذين يزعمون أن كل نصوص العهد القديم تحتوي على كل الحقيقة، بما فيها وعد الله لإسرائيل في التوراة، ومن ثم اقتناعهم بأن دولة إسرائيل الحديثة هي امتداد لدولة إسرائيل التوراتية، عندئذ لا يكون هناك أي عائق دون اعتناقهم للصهيونية المسيحية.
ومن هنا نستطيع أن نفهم كيف استساغ الكثير من قادة النصارى في هذا العصر أن ينتسبوا للصهيونية، مع بقائهم على دين النصرانية، فالأصولية الإنجيلية تعتقد أن إعادة بناء الهيكل سيعجل بقدوم المسيح، والمجيء الثاني للمسيح أصبح وشيك الوقوع، فإذا تمت إعادة بناء هيكل سليمان فإن التعاليم الإنجيلية تتطلب حدوثه ضمن ثلاثة أمور قبل أن يتحقق المجيء الثاني؛ أولا: يجب أن تصبح إسرائيل دولة. ثانيا: يجب أن تكون القدس عاصمة يهودية. ثالثا: يجب أن يعاد بناء الهيكل وهو الشرط الثالث لكي يحدث المجيء المتوقع للمسيح.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.