Полный текст (366 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
لا بد من إغراق الأمميين في الرذائل بتدبيرنا عن طريق من نهيئهم لذلك من أساتذة وخدم، وحاضنات ونساء الملاهي، ويقولون: يجب أن نستخدم الرشوة والخديعة والخيانة دون تردد ما دامت تحقق أهدافها، ويقولون: يجب أن نعمل على بث الفزع الذي يضمن لنا الطاعة العمياء، ويكفي أن يشتهر عنا أننا أهل بأس شديد؛ ليذوب كل تمرد وعصيان.
ويقولون: يجب أن ننادي بشعارات الحرية والمساواة والإخاء؛ لينخدع بها الناس، ويهتفوا بها، وينساقوا وراء ما نريد لهم، ويقولون: لا بد من تشييد أرستقراطية تقوم على المال الذي هو في يدنا، والعلم الذي اختص به علماؤنا، ويقولون: سنعمل على دفع الزعماء إلى قبضتنا، وسيكون تعيينهم في أيدينا، واختيارهم يكون حسب وفرة أنصبتهم من الأخلاق الدنيئة، وحب الزعامة، وقلة الخبرة، ويقولون: سنسيطر على الصحافة تلك القوة الفعالة التي توجه العالم نحو ما نريد، ومن أفكارهم أيضًا أنه لا بد من توزيع الشقة بين الحكام والشعوب، وبالعكس؛ ليصبح السلطان كالأعمى الذي فقد عصاه، ويلجأ إلينا لتثبيت كرسيه.
ويقولون: لا بد من إشعال نار الخصومة الحاقدة بين كل القوى، لتتصارع وجعل السلطة هدفًا مقدسًا تتنافس كل القوى للوصول إليه، ولا بد من إشعال نار الحرب بين الدول؛ بل داخل كل دولة عند ذلك تضمحل القوى تسقط الحكومات، وتقوم حكومتنا العالمية على أنقاضها، ويقولون: سنتقدم إلى الشعوب الفقيرة المظلومة في زي محرريها ومنقذيها من الظلم، وندعوها إلى الانضمام إلى صفوف جنودنا من الاشتراكيين، والفوضويون، والشيوعيون، والماسونيين، وبسبب الجوع سنتحكم في الجماهير، ونستخدم سواعدهم لسحق كل من يعترض سبيلنا، ويقولون: لا بد أن نفتعل الأزمات الاقتصادية؛ لكي
стр. 317
يخضع لنا الجميع بفضل الذهب الذي احتكرناه. ويقولون: إننا الآن بفضل وسائلنا الخفية في وضع منيع، بحيث إذا هاجمتنا دولة نهضت أخرى للدفاع عنا. ويقولون: إن كلمة الحرية تدفع الجماهير إلى الصراع مع الله ومقاومة سنته، فلنشعلها هي وأمثالها إلى أن تصبح السلطة في أيدينا.
ويقولون: لا بد لنا أن نتبع كل الوسائل التي تتولى نقل أموال الأمميين من خزائهم إلى صنادقينا، ويقولون: سنعمل على إنشاء مجتمعات منحلة مجردة من الإنسانية والأخلاق، متحجرة المشاعر ناقمة أشد النقمة على الدين والسياسة؛ ليصبح رجاؤها الوحيد تحقيق الملذات المادية، وحينئذ يصبحون عاجزين عن أي مقاومة فيقعون تحت أيدينا صاغرين. ويقولون: سنقبض بأيدينا على كل مقاليد القوى نسيطر على جميع الوظائف تكون السياسة بأيدي رعايانا، وبذلك نستطيع في كل وقت بقوتنا محو كل معارضة مع أصحابها من الأمميين، ويقولون: يجب أن نسيطر على الصناعة والتجارة، ونعود الناس على البذخ والترف والانحلال، ونعمل على رفع الأجور، وتيسير القروض، ومضاعفة فوائدها عند ذلك سيخر الأمميون ساجدين بين أيدينا.
ويقولون: سنولي عناية كبيرة بالرأي العام إلى أن نفقده القدرة على التفكير السليم، ونشغله حتى نجعله يعتقد أن شائعاتنا حقائق ثابتة، ونجعله غير قادر على التمييز بين الوعود الممكن إنجازها، والوعود الكاذبة؛ فلا بد أن نكون هيئات يشتغل أعضاؤها بإلقاء الخطب الرنانة التي تغدق الوعود، ولا بد أن نبث في الشعوب فكرة عدم فهمهم للسياسة، وخير لهم أن يدعو السياسة لأهلها، ويقولون: سنكثر من إشاعة المتناقضات، ونلهب الشهوات، ونؤجج العواط، ويقولون: سنستعين بالانقلابات والثورات كلما رأينا فائدة لذلك إلى غير ذلك من أهدافهم، وأفكارهم الكبيرة، والكثيرة، والمتعددة.
стр. 318
البروتوكولات: تعريفها وتاريخها ونشأتها وكيفية اكتشافها
وكما قلنا: إن التوراة والتلمود تعتبران من المصادر القديمة للعقيدة والفكر اليهودي. أما البروتوكولات فهي المصدر الحديث الذي يعتمد عليه اليهود في العصر الحاضر، ويستمدون منه فكرهم وخططهم، والفرق بين التلمود والتوراة وبين البروتوكولات أن اليهود جعلوا هذه البروتوكولات مصدرًا سريًّا لا ينبغي لأحد أن يطلع عليه؛ بينما كانت التوراة والتلمود من المصادر العلنية التي يمكن لكل لأحد أن يطلع عليها.
أيضًا هناك فرق: وهو أن اليهود يعترفون بالتوراة والتلمود كمصدر لهم، بينما لا يعترفون بالبروتوكولات حين اكتشفت رغمًا عنهم، وقد أعلنوا أنهم لا يعرفون عنها شيئًا ولكن الأحداث الجارية، وتفاصيل ما جاء بهذه البروتوكولات كانت تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه البروتوكولات يهودية صرفة، فلم تكن في واقع الأمر أكثر من تفصيل وتحليل لما ورد في تلمودهم الحقير، ومن هنا فإننا نضع البروتوكولات ضمن مصادر العقيدة اليهودية حتى ولو كان اليهود ينكرون صلتهم بها؛ لأنه لا يستطيع أي عاقل أن ينكر الصلة الوثيقة بين البروتوكولات وبين التلمود وكثير من نصوص التوراة المحرفة.
سوف نبدأ بالحديث عن تعريف البروتوكولات وتاريخها، وبعض الأدلة الصحيحة على نسبتها لليهود، ثم نعرض لها بالتحليل والتوضيح بإيجاز؛ مبينين أهداف اليهود من هذه البروتوكولات وعلى ضوئها، وأساليبهم التي وضعوها في هذه البروتوكولات.
стр. 319
تعريف البروتوكولات:
ومعنى كلمة بروتوكول في اللغة: القرار أو محضر الجلسة، أو المحاضرة، أو مسودة خطة العمل؛ فقد كانت هذه البروتوكولات عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها حكماء اليهود على أعضاء المؤتمرات اليهودية التي عقدها اليهود؛ لتجميع أنفسهم، ووضع خطة معينة للسيطرة على العالم. قد تحدثنا عن بعض هذه المؤتمرات في المحاضرة السابقة. وأما معنى كلمة بروتوكول في الاصطلاح: فهي المخطط التفصيلي للسيطرة على العالم بواسطة منظمة يهودية سرية بأساليب متنوعة.
أما تاريخ هذه البروتوكولات: فيرى بعض الباحثين أن البداية الحقيقية لهذه البروتوكولات كان في مؤتمر بال في سويسرا؛ حيث عرضت هذه البروتوكولات على المؤتمرين في صورة قرارات سرية لم يعلن عنها المؤتمر، وقد سبق أن قلنا في المحاضرة السابقة: إن هذا المؤتمر قد انعقد في مدينة بال أو بازل في سويسرا سنة ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين، ولكن عند التحقيق نلاحظ أن تاريخ هذه البروتوكولات أقدم بكثير من هذا التاريخ، فقد أشار السيد وليم غاي كار في كتابه (أحجار على رقعة الشطرنج) إلى موجز مختصر لهذه البروتوكولات، كان قد أعده رجل المال اليهودي ماير باور، الذي اتخذ لنفسه اسمًا آخر هو روتشيلد، ومعنى كلمة روتشيلد أي: الدرع الأحمر بالألمانية، هو رمز لعلم أحمر كان يعلقه الجد الأكبر، قد كتب ماير باور على باب دكانه الذي كان يمارس فيه الصرافة والربا، هذه العبارة، وعلق عليها العمل الأحمر، وقد اتخذت الثورات والفرنسية العمل الأحمر رمزًا لها.
وقد جمع روتشيلد رجال المال اليهود، ووضع أمامهم خطة لإثارة الثورات في العالم، وحينما نقارن خطة روتشيلد بالبروتوكولات نلاحظ أنها صورة موجزة
стр. 320
منها: معروضة بنفس الترتيب، وبها تكرار بعض النصوص بعينها، مما يؤكد أن البروتوكولات ما هي إلا شرح وتوضيح لخطة روتشيلد، يقول وليم غاي كار: وأنا على اقتناع بأن الوثائق التي وُقعت سنة ١٧٠١ بحوزة البروفيسور تيروس الروسي، والتي نشرها في كتاب تحت عنوان (الخطر اليهودي) سنة ١٩٠٥ في روسيا لم تكن إلا نسخة موسعة من المؤامرة الأصلية.
وبعض الباحثين يرى أن البروتوكولات أقدم من هذا التاريخ بكثير، حتى أقدم من روتشيلد، وخاصة إذا عرفنا أن المحافل الماسونية يرتدُّ تاريخها إلى ما قبل ذلك بكثير، وأن هذه المحافل الماسونية هي التي صنعت الصهيونية، وهي التي خططت لها منذ القدم بحيث إننا نستطيع أن نقول: إن مؤتمر بازل المنعقد سنة ١٨٦٧، أو مؤتمر روتشيلد المنعقد سنة ١٧٧٣ لم يكون أكثر من نقطة الانتهاء. والإعلان عن الخطة الصهيونية التي بدأت سرية منذ أزمان بعيدة، ولا أدل على ذلك من أسلوب البروتوكولات، فكاتبها يتحدث دائمًا عن الخطة اليهودية بصفتها مخطط قديم بدءوا في تنفيذه، وأوشكوا على الانتهاء منه، وقد جاء في البروتوكول الثالث اليوم نستطيع أن نذكركم أننا قد أصبحنا قيد خطوات من هدفنا.
ومن غير المعقول أن تكون هذه البروتوكولات موضوعة في مؤتمر بال سنة ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين، وفي نفس الوقت وصلوا إلى تحقيق هدفهم، فهذا دليل على أنها موضوعة منذ زمن بعيد، وفي نص آخر يصرح كاتب البروتوكولات بأن الخطة اليهودية الموضوعة في البروتوكولات إنما هي نتاج عمل قرون ماضية؛ حيث يقول: وبين أيدينا خطة عليها خطٌّ استراتيجي موضح، وما كنا لننحرف عن هذا الخط، وإلا كنا ماضين في تحطيم عمل قرون فهذه النصوص تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن تاريخ وضع هذه البروتوكولات أقدم بكثير من الفروض التي أشار إليها الباحثون.
стр. 321
وأنتقل الآن للحديث عن كيفية اكتشاف هذه البروتوكولات: فكما اختلف الكاتبون في تاريخ وضع هذه البروتوكولات اختلفوا أيضًا في تاريخ اكتشافها، وفي الطريقة التي ظهرت بها إلى العالم، وأقدم هذه الروايات ما يرويه وليم غاي كار في كتابه السالف الذكر (أحجار على رقعة الشطرنج) من أنه في سنة ألف وسبعمائة وخمسة وثمانين، كان أحد الفرسان يسير بجواده بين فرانكفورت وباريس حاملًا معلومات مفصلة حول الحركة الثورية عامة، وتعليمات خاصة حول الثورة الفرنسية، وكانت تلك التعليمات صادرة من اليهود في ألمانيا إلى رئيس المحفل الماسوني في فرنسا، قد أصيب ذلك الفارس بصاعقة قضت عليه، ووقعت الوثائق التي بحوزته في يد رجال الشرطة الذين سلموها بدورهم إلى السلطات المحلية في بافاريا.
ويرى فراي أن تاريخ اكتشاف البروتوكولات سنة ١٨٨٤ على يد الآنسة جستن جلنكا التي كانت تعمل جاسوسة لروسيا في باريس قد استطاعت أن تجند يهوديًّا يُدعى جوزيف جورست الذي عرض عليها ذات يوم أن يحصل لها على وثيقة ذات أهمية عظمى لروسيا نظير دفع مبلغ ألفان وخمسمائة فرنك، وما أن استلم المبلغ حتى سلمها الوثيقة، وقدمت الآنسة جلنكا الأصل الفرنسي من الخطة مترجمًا إلى الروسية للجنرال أدرجفسكي، الذي سلمها بدوره لرئيسه الجنرال جرفين؛ لنقلها إلى القيصر، ولكن جرفين بحكم ارتباطه بأثرياء اليهود رفض نقلها وحفظها في الأرشيف، إلا أن الآنسة جلنكا احتفظت لنفسها بنسخة سلمتها إلى أليكسس سختم حاكم مقاطعة أورل؛ فقام سختم بعرضها على صديقين له هما سبانتوف سبتانوف ونيلاس.
أما الأول فقد قام بطبعها وتوزيعها على أخصائه، وأما الثاني وهو نيلاس فقد قرأها وقدر خطورتها على كل بني البشر، فقام بنشرها سنة ١٩٠١ في كتاب
стр. 322
بعنوان (العظام داخل الصغار)، في نفس الوقت أخرجها بوتني وهو صديق نيلاس، وأودع منها نسخة في المتحف البريطاني في أغسطس سنة ١٩٠٦.
وفي هذه الأثناء وعن طريق أفراد الشرطة الروسية حصلت الإدارة الروسية على محاضر جلسة مؤتمر بال، فوجدت أنها مطابقة تمامًا لبروتوكولات، وفي يناير سنة ألف وتسعمائة وسبعة عشر أعد نيلاس طبعة ثانية مدعمة بوثائق النشر، ولكن قبل طرحها في السوق قامت الثورة الروسية في مارس سنة ١٩١٧، وقام اليهود وأذنابهم بإتلاف طبعة الكتاب.
وفي سنة ١٩٢٤ اعتقل نيلاس وعُذب بواسطة أذناب اليهود، حيث قال له رئيس المحكمة اليهودي: إن هذه المعاملة قد فصلت عليك تفصيلًا؛ لأنك ألحقت بنا ضررًا جسيمًا بنشر البروتوكولات، ولكن أنقذت بعض نسخ من طبعة نيلاس الثانية، وأرسلت إلى دول أخرى؛ حيث نشرت في ألمانيا قد قام بنشرها جوانر يدستون في إنجلترا نشرها الصحفي الإنجليز فيكتور مارون، ثم تُرجمت بعد ذلك إلى معظم لغات العالم الذي اكتشف أخطر مؤامرة على حريته وأمنه. ومن هذه الترجمات الترجمة العربية التي قام بها الأستاذ محمد خليفة التونسي، الذي كان يلقب بالشهيد الحي؛ لجرأته على نشر هذه البروتوكولات، فقد كان اليهود يقومون بقتل كل من يحاول نشرها.
أثر نشر البروتوكولات:
وقد تسبب نشر هذه البروتوكولات في كشف أهداف اليهود وافتضاح نواياهم الخبيثة ضد كل بني الإنسانية، فعمت المذابح ضد اليهود الذين أنكروا صلتهم بها، ولم يصدقوا العالم إنكارهم؛ فقد كانت مؤامراتهم وصلت إلى حيز التنفيذ
стр. 323
العملي في العالم؛ فقد قارن نيلاس بين البروتوكولات وبين الأحداث الجارية في العالم، فتنبأ بكثير من النبوآت الخطيرة التي وقعت بعد سنوات قليلة، ومنها نبوأته بتحطيم القيصرية الروسية ونشر الشيوعية فيها على يد اليهود، وتوقعاته بسقوط الخلافة الإسلامية على يد اليهود كخطوة أولى قبل تأسيس دولة إسرائيل في فلسطين، ومنها نبوءته بقيام دولة اليهود في فلسطين، ومنها النبوءة بوقوع حرب عالمية يخسر فيها الغالب والمغلوب معًا، ولا يظفر بمغانمها إلا اليهود وهكذا لم يجدِ إنكار اليهود وادعاؤهم عدم المعرفة بها شيئًا، كما أن هذه البروتوكولات لم تكن إلا صورة أخرى من تعاليم التلمود اليهودي.
كذلك دمغهم هنري كلين وهو محام يهودي مشهور حين أعلن بصراحة أن البروتوكولات هي الخطة التي وضعها اليهود للسيطرة على العالم، وأنه حين اعترض على اليهود طردوه من صفوفهم، وهكذا تتضافر الأدلة على صحة نسبة البروتوكولات إلى اليهود مما يكذبهم حين ينكرون صلتهم بها، لكن اليهود اتجهوا إلى أسلوب آخر غير أسلوب الإنكار، وهو أسلوب المواجهة السرية؛ فقد حاولوا مصادرة نسخ البروتوكولات حيث اشتروها من السوق، وأحرقوها قبل أن تصل إلى أيدي القراء، كما استعانوا بنفوذ بريطانيا التي ضغطت على روسيا؛ لإيقاف المذابح ضد اليهود، ومصادرة نسخ الكتاب رسميًّا لم تفلح هذه المحاولات، فقد ترجمت البروتوكولات بحمد الله إلى معظم اللغات العالمية، ولكن هنا سؤال ما مدى خطورة هذه البروتوكولات؟
هذا ما سنجيب عنه حين نتحدث عن عرض وتحليل لبعض هذه البروتوكولات، فيلاحظ أن البروتوكولات الموجودة الآن ليست هي كل ما وضعه اليهود، وإنما هي جزء من عمل أخطر، وللأسف إن بداية هذا العمل مفقودة، ولم تكتشف حتى الآن، وعلى أية حال فنحن لا نملك أكثر من العرض لما هو موجود بين
стр. 324
أيدينا الآن، ولعل الله يفضح اليهود، ويمكِّن العالم من اكتشاف كل مخططاتهم الشريرة. أما عدد البروتوكولات المكتشفة فهو أربعة وعشرون بروتوكولا مكتوبة بطريقة غير منظمة؛ حيث أن موضوعاتها متداخلة، فلم يتناول كاتبها كل موضوع على حدة، وإنما كان ينتقل في البروتوكول الواحد من موضوع إلى موضوع، وقد يكرر موضوع الواحد في أكثر من بروتوكول.
وسنتحدث عن تحليل بعض هذه البروتوكولات من خلال طريقتين: من خلال عرض أهدافهم في البروتوكولات وأساليبهم التي وضعوها للوصول إلى أغراضهم؛ لأننا حينما نستخرج هذه الأهداف نوضح توضيحًا جليًّا خطتهم السرية -كما يقولون- لمعاملة الأمميين.
أما هدفهم الأساسي من خلال تحليل هذه البروتوكولات، فهي محاولة السيطرة على العالم كله، وحكمه حكمًا خفيًّا أو ظاهريًّا بيد من حديد؛ بحيث لا تفلت من أيديهم أية حكومة في العالم، وهذا ما ورد في البروتوكول الخامس عشر، سنعمل كل ما في وسعنا لمنع المؤامرات التي تدبر ضدنا، حين نحصل نهائيًّا على السلطة متوسلين إليها بعدد من الانقلابات السياسية المفاجئة، سننظمها بحيث تحدث في وقت واحد في جميع الأقطار، سنقضي على السلطة بسرعة عند إعلان حكوماتها رسميًّا أنها عاجزة عن حكم الشعب، وقد تنقضي فترة طويلة من الزمن قبل أن يتحقق هذا، ربما تمتد هذه الفترة قرنًا كاملًا، ولكي نصل إلى منع المؤامرات ضدنا حين بلوغنا للسلطة سننفذ الإعدام بلا رحمة في كل من يشهر أسلحة ضد استقرار سلطتنا.
أما الهدف الثاني الذي يظهر من خلال هذه البروتوكولات بعد الهدف الأول، وهو السيطرة على حكومات العالم، أو حكم العالم حكمًا علنيًّا أو خفيًّا، هذا
стр. 325
الهدف الثاني من أهدافهم هو السيطرة على الاقتصاد العالمي، فالمال والتجارة هما عصب الحياة، وهما أهم مصادر الرزق. قد أدرك اليهود هذه الحقائق، فاهتموا بالتجارة، وجمعوا المال، واتخذوا منه أسلوبًا، لا للربح الحلال بل للسيطرة، وطريقًا للتحكم في مقدرات العالم، وهذا ما يشير إليه البروتوكول الثامن بقوله: إننا سنحيط حكومتنا بجيش كامل من الاقتصاديين، وهذا هو السبب في أن علم الاقتصاد هو الموضوع الرئيسي الذي علمه اليهود، وسنكون محاطين بألوف من رجال البنوك وأصحاب الصناعات وأصحاب الملايين، وأمرهم لا يزال أعظم قدرًا، في الواقع أن كل شيء سوف يقرره المال.
كذلك يشير البروتوكول الخامس إلى أن أهمية المال عند اليهود أعظم من أهمية تاج الملك فيقول: إن عجلات جهاز الدولة كلها تحركها قوة، وهذه القوة في أيدينا، وهي التي تسمى الذهب، وعلم الاقتصاد السياسي الذي محصه علماؤنا الفطاحل قد برهن على أن قوة رأس المال أعظم من مكانة التاج، ويجب الحصول على احتكار مطلق للصناعة والتجارة؛ ليكون رأس المال مجالًا حرًّا، وهذا ما نسعى لاستثماره فعلًا بيد خفية في جميع أنحاء العالم.
ومن أهدافهم ووسائلهم أيضًا نشر الأدب المريض اللا أخلاقي، فهم يقولون في بروتوكولاتهم قد نشرنا في كل الدول الكبرى ذوات الزعامة أدبًا مريضًا قذرًا يغشي النفوس، وسنستمر فترة قصيرة بعد الاعتراف بحكمنا على تشجيع سيطرة مثل هذا الأدب. وهكذا يحاول اليهود شغل الناس عن الأديان بهذا الأدب الجنسي، إشاعة الفاحشة، والمجون، وشرب الخمر. فهم يقولون: ومن المسيحيين أناس قد أضلتهم الخمر، وانقلب شبابهم مجانين بالكلاسكيات، والمجون المبكر الذي أغراهم به وكلاؤنا ومعلمونا، وخدمنا، وكتبتنا، ونساؤنا في أماكن
стр. 326
لهوهم، ثم هدم الأسرة، وهم يقولون في بروتوكولات: إذا أوحينا إلى كل فرد فكرة أهميته الذاتية، فسوف ندمر الحياة الأسرية بين الأممين، ونفسد أهميتها التربوية، كذلك إنشاء الجمعيات الهدامة، والحط من كرامة رجال الدين، والقضاء على مراكز الدين المسيحي والإسلامي، والسيطرة على الصحافة العالمية، ودور النشر والتوزيع، ولهم في ذلك طرق كثيرة.
حركة الصهيونية منذ وعد بلفور
دخلت الصهيونية في دور العمل السياسي النافذ بعد وعد بلفور، وانتداب بريطانيا العظمى لإدارة فلسطين، ترجمة هذا الوعد: أن حكومة جلالته تنظر مع الموافقة إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي بفلسطين، وستبذل أفضل مساعيها؛ لتيسير الوصول إلى هذا المطلب، مع العلم بأنه لن يعمل شيء يمس الحقوق المدنية أو الدينية للطوائف التي تسكن فلسطين الآن من غير اليهود، أو يمس الوضع السياسي المخول لليهود في أي بلد آخر، ويخيل إلى بعضهم من اليهود ومن العرب أن هذا الوعد منتزع أو مغصوب بحكم الضرورات الحربية، ولكنه في الواقع جزء من سياسة عامة تتناول الشرق الأدنى برمته، ومنه فلسطين وسائر البلاد العربية.
فهذا الوعد هو الجزء المقابل لوعود أخرى بذلت لأمراء في بلاد العرب التي خرجت من حكم الدولة العثمانية، ونرجع إلى أقوال زعماء اليهود بعد استقرار الانتداب البريطاني على فلسطين لنرى ماذا يقولون: فمثلًا يقول اللورد ملشت الصهيوني الإنجليزي: إن إقامة ثلاثة ملايين من اليهود في فلسطين سوف يقضي إلى الأبد على احتمال نجاح الثورة التي تهب على دولة الانتداب، وكان بن
стр. 327
جوريون رئيس الوكالة اليهودية يقول: من خان بريطانيا العظمى فقد خان الصهيونية.
ومن الواجب على الدوام تذكر المناورات السياسية التي أدت إلى قيام الوطن القومي في فلسطين، فكل ما كان وليدًا لهذه المناورات قد يموت بها في يوم من الأيام، ولا سيما وليد التلفيق، أو وليد المفاجآت؛ فالواقع المحقق في مسألة الصهيونية أن اليهود يستغلون الدول، والدول تستغلهم.
وهذا الواقع المحقق وحده هو الذي يقرر لنا أن العامل المهم في بقاء الصهيونية بفلسطين يتوقف على إرادة الأمم الإسلامية في نهاية المطاف، فلن تدوم الصهيونية في الشرق الأدنى إذا عملت أمة الإسلام على أن تموت هذه الصهيونية، وعملت على ألا تدوم.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 328
الدرس: ٢٠ يهود الدونمة .
стр. 329
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(يهود الدونمة)
أصل الدونمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
يهود الدونمة:
إذا أردنا الحديث عن أصل الدونمة سنتحدث عن شخص يسمى "سباتاي زييفي"، وقد ولد "سباتاي زييفي" في يوليو سنة ١٦٢٦ بمدينة أزمير التركية، من أبوين يهوديين مهاجرين من أسبانيا؛ إثر الاضطهاد الديني الذي عم اليهود هناك، وخضعوا في أسبانيا بشكل وحشي رهيب لمحاكم التفتيش التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية، وكان والد "سباتاي" يدعى "مردخاي زييفي" وعرف بين الأتراك في أزمير بلقب مفتش الأسود، أما مقامه في أسبانيا فكان في جزر "المورا"، و"سباتاي" هو الابن الأصغر لـ "مردخاي" من بين ثلاثة إخوة، الذي يدعونا إلى الحديث عن هذا الشخص وذكر مولده وحياته ونشأته وبيان أصله ونسبه: هو أن جماعة الدونمة اشتهروا أيضًا باسم السباتائيين نسبة إليه، فهو رأس المذهب ومؤسسه وواضع قواعده ورسومه وأصوله وفروعه.
وكان "سباتاي زييفي" شغوفًا منذ حداثة سنه بمطالعة الكتب الدينية، ذكيًّا نابهًا واعيًا متأثرًا بالأحداث والوقائع التي مر بها أهله وعشيرته، ما بين اضطهاد وهجرة وشقاء وعذاب، وراح "سباتاي زئيفي" يتردد على مجالس دروس الحاخام إسحاق دلبه وهو لما يبلغ الخامسة عشرة من عمره، وقد قرأ "سباتاي زئيفي" واستوعب التوراة والتلمود، كما برع في التفسير الإشاري، أي رموز وإشارات مضامين المعاني للكلمات، فكان يعطي فيها آراء وأقوالًا تدعو إلى الإعجاب من قومه وجماعته، وإقبالًا عليه وتقديرًا له، ولقد وصف على الإجمال بقول المؤرخين: إنه كان ذكيًّا مثقفًا وسيمًا جميلًا.
стр. 330
اليهود والمسيح المنتظر
المسيح أو مسيا كلمة عبرية تعني المخلص، وقد جاءت في التوراة دالة على اسم الشخص الذي سيرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل ليخلصهم، وعندما بعث عيسى ﵇ آمنت به طائفة وهم النصارى، وكفرت به طائفة وهم بنو إسرائيل الذين لا يزالون بانتظار مسيحهم أو مخلصهم، خلال محنة القرن السابع عشر التي تعرض لها اليهود في كل أنحاء أوربا -وخاصة في أسبانيا- أصبحوا في وضع سيئ للغاية لم يشهدوه من قبل على مر العصور، تيقظت في أوساط اليهود دعوى المسيح المنتظر لينقذهم مما هم فيه من العنت والعذاب والهوان والإبادة، وراجت في أذهان بعض الكهنة فكرة أن المسيح سيظهر عام ١٦٤٨ على وجه التحديد.
ولقد انتقلت عدوى هذه الأسطورة إلى نفوس بعض المسيحيين أنفسهم، فقالت طائفة منهم عن إيمان وقناعة بأن المسيح سيكون وسيظهر في سنة ١٩٦٦، في هذه الأجواء السانحة والظروف المؤاتية كان على "سباتاي زئيفي" أن يتخذ سبيله حتمًا إلى ادعاء النبوة وهو الذي عرف بالذكاء والطموح، أضف إلى ذلك ما كان عليه من علم ومعرفة في الشئون الدينية، ثم اهتمامه الكبير بالرياضيات الروحية وإتقانه لها، وإدراكه لفن تحضير الأرواح، مما جعله قادرًا على الإتيان بأمور فيها شد واستحواذ على عقول البسطاء والسذج والطيبين، واتخذ قراره الكبير فراح "سباتاي زئيفي" يصوم كل يوم ويغتسل ويتطهر استعدادًا لليوم الموعود، بل وتقول بعض الروايات: إنه لم يباشر زوجتيه الأولتين وظل عزبًا، ولقد أوتي "سباتاي زئيفي" من سرعة البديهة والخاطر والمعرفة الشاملة لقواعد الدين
стр. 331
وأصوله والذكاء الحاد، ما أهله للتغلب على مناقشيه ومحدثيه، وتخريج بعض الأمور تخريجًا عجبًا وتفسيرها تفسيرًا غريبًا، حتى إنه -كما يقال- قد حرف بيتًا من الشعر يردده الكثيرون بما يتفق مع هواه. يقول البيت: "حبيبي يشبه الغزال"، فجعله "سباتاي" على النحو التالي: "ربي يشبه "سباتاي زئيفي".
في سنة ١٦٤٨ أشاع "سباتاي زئيفي" بين أصحابه المقربين أنه قد نبئ، فصدقوه واتبعوه ولم يجد عسرًا في ذلك حيث إنه قد هيأهم وعبأهم نفسيًّا لذلك ومهد لهم، لكن رئيس الحاخامات في أزمير "جوزيف إسكابا" مع طائفة من رجال الدين ثاروا عليه، ووقفوا في وجه زعمه وعقدوا له محكمة دينية، واتخذوا قرارًا بإعدامه وقتله، ولكن على غير طائل لأن قوانين البلاد لم تكن تسمح لهم بذلك، فأسقط في أيديهم وانكفئوا على نفوسهم يكتمونها ما في صدورهم من ثورة، وأتبع "سباتاي زئيفي" هذا الادعاء المزعوم بمنشور أو بيان وزعه على الناس وجاء فيه: سلام من ابن الله "سباتاي زئيفي"، مسيح إسرائيل ومخلصها إلى كل فرد من بني إسرائيل، لقد نلتم شرف معاصرة مخلص بني إسرائيل ومنقذهم، الذي بشر به أنبياؤنا وآباؤنا فعليكم أن تجعلوا أحزانكم أفراحًا وصيامكم إفطارًا ولهوًا، فلن تحزنوا بعد اليوم فأعلنوا عن فرحتكم بالطنبور والأرج والموسيقى، واشكروا الذي وعدكم فوفى بوعده وواظبوا على عبادتكم كما في السابق، أما أيام المصائب والمآتم فاجعلوها بسبب بعثتي أيام شكر ومسرة ولا تهابوا شيئًا، فإن حكمكم لن يقتصر على أمم الأرض بل سيتعداها إلى جميع المخلوقات في أعماق البحار، فكل هؤلاء مسخرون لكم ولرفاهيتكم، "سباتاي زئيفي".
ووزع هذا الإعلان وقد كان هذا الإعلان المنشور -والذي سبقه- بمثابة التمهيد لليوم المنتظر سنة ألف وستمائة وستة وستين عند أكثر الناس، ولقد أدرك "
стр. 332
سباتاي زئيفي" ضيق محيط بلدة أزمير وانحصار الأمر فيها، فارتحل إلى مدينة استانبول ونزل على أحد الحاخامين المنافقين أمثاله، فلقي منه كل ترحيب ومساعدة لكن دعوته وادعاءه النبوة لم تجد صداها المطلوب على الصعيد العام، فشد الرحال إلى أثينا ثم عاد إلى أزمير ومنها إلى استانبول، ثم كر راجعًا إلى أزمير سنة ١٦٥٩، وأقام في بيت أبيه لا يأتي بأي عمل يشد إليه الناس أو يجلب الأنظار، قد يكون سبب ذلك ترقب عام ١٦٦٦ العام الموعود، مضافًا إليه السلبية التي واجهها في رحلاته من طائفة الحاخامات والكهان، ولكنه لم يطق الانتظار فخرج إلى القدس سنة ١٦٦٣ ومنها إلى القاهرة ثم عاد إلى القدس.
وفي كلتي المدينتين لم يظهر شيئًا من دعواه المزعومة خوفًا على نفسه، إلا أنه عند مروره بغزة التقى هناك رجل يدعى إبراهام نطحان، فتعارفا وأظهر له "سباتاي زئيفي" مكنون فؤاده ونبوته فصدقه إبراهام، وتحمل تبعة التبشير له في محيطه وعلى غيره من الأصعدة، فكان إبراهام بهذا رسول "سباتاي" إلى الناس، ففكرة ظهور المسيح المنتظر أو المخلص والمنقذ كانت رائجة في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وكانت لها الريادة على عقول ونفوس المعاصرين، والهيمنة الكاملة على أكثر اليهود وبعض المسيحيين.
وقد ظهرت فتاة يهودية من بولندا في بولونيا، هذه الفتاة جميلة وذكية ومغامرة وقالت بأنها رأت رؤيا. وهي عبارة عن نور سيسطع باهرًا في سنة ١٦٦٦ من أزمير، وأنها ستكون زوجة لصاحب هذا النور، وقد قالت ذلك بعدما سمعت وترامى إلى أذنها نبأ "سباتاي زئيفي" وزعمه، وسرعان ما وصل علم ذلك إلى "سباتاي" فادعى هو بدوره رؤيا أخرى، بأنه أوحي إليه بالزواج من سارة الفتاة البولونية، ولاسم سارة رنين وجرس خاص في أحاسيس الشعب الإسرائيلي وفي
стр. 333
أعماق وجدانه الديني، وتلاقى الدجل على الدجل والنفاق على النفاق، إذ كل من الطرفين -"سباتاي" وسارة- يريد المغنم من وراء دعواه، فأرسل "سباتاي" يستدعي إليه سارة وتم زواجهما في القاهرة، وانطلت الحيلة على فئة كبيرة من اليهود السذج البسطاء.
وفي مطلع شهر سبتمبر سنة ١٦٦٦ حط "سباتاي" رحاله في أزمير عائدًا إليها؛ لأنها منطلقه ومستقره فكانت بينه وبين الحاخامات معارك عنيفة، استطاع بعدها أن ينتصر عليهم ويؤلب حوله الدهماء من الناس والعديد من الأنصار، وأضحى يهود أزمير بأكثريتهم الساحقة طوع إرادته ورهن إشارته، وبدأت الوفود تأتيه من الخارج من رودس وأدرنه وصوفيا وألمانيا، وكان لقاء الناس معه في جو مشحون بالتقاليد الدينية المألوفة واستغراق في الانجذاب والأخذ، وأجريت له مراسيم لبس التاج وبدأ ينظم أموره وأمور أتباعه ومريديه وفق نظم وتقاليد جديدة؛ إذ يستقبل زواره بمواعيد ومراسيم معينة وكان -كما تروي المصادر التاريخية- على شغف خاص باستقبال زواره من النساء، وقسم "سباتاي" العالم حسب تعاليمه الجديدة إلى ثمان وثلاثين منطقة، وعين لكل منطقة منها ملكًا، كما فعلت الماسونية من بعد وكما تفعل أيضًا أندية الليونز والروتاري كما سبق الحديث عنها، كما غير بعض العادات والتقاليد اليهودية، وأيضًا كان يوقع رسائله إلى الخاصة والعامة بتوقيع ابن الله الأول والوحيد "سباتاي زئيفي".
ولم تكن السلطة العثمانية حتى ذلك الحين لتعبأ أو تهتم بما يجري، وذلك يعود لسببين:
الأول: هو التسامح الديني وحرية الاعتقاد واستقلالية الطائفة اليهودية بأمورها وشئونها.
стр. 334
والثاني: هو انشغال الدولة العثمانية بحرب جزيرة كريت، وكان السلطان حينذاك هو السلطان محمد الرابع، ورئيس الوزراء هو -أو الصدر الأعظم كما يسمونه- هو فاضل أحمد باشا، غير أن بعض أركان الدولة حين رأوا أن أمر "سباتاي زئيفي" قد بدأ يتجاوز اليهود إلى غيرهم من الطوائف وفئات الشعب الأخرى، وأن الأمر الجديد الطارئ يشكل خطورة على الوضع الداخلي للدولة تنبهوا ونبهوا، وعرض قاضي أزمير على رئيس الوزراء ضرورة اعتقال "سباتاي زئيفي"؛ للحد من نشاطه وتقليم أظافره وحسم دعوته، فصدر الأمر بإلقاء القبض عليه واقتيد عن طريق البحر إلى العاصمة.
في التحقيق أنكر "سباتاي زئيفي" كل ما أسند ونسب إليه من تهم، وهذا ما كان متوقعًا، فماذا كان ينتظر من منافق عليم اللسان مثل "سباتاي"، لكن الوقائع كانت دامغة فنال قسطًا من العذاب وأرسل إلى سجن زندان قابي، غير أن وفود الأتباع والأنصار والمريدين أخذت تؤم السجن للزيارة المسموح بها، فغصت بهم الأماكن وبدت إدارة السجن قاصرة عن استقبال الجموع، فشكت ذلك إلى السلطات العليا التي أمرت بنقله -أي "سباتاي زئيفي"- إلى سجن آخر هو شنق قلعة، وحيث ظهرت سارة من قبل في بولندا برؤياها المزعومة وصدقها الناس، خرج يهودي أو أفاق آخر جديد يدعى ناحيم كوهين، وكان حاخاما ذكيًّا مطلعًا هو الآخر ليزعم أنه هو الآخر المخلص المنتظر، وبأن الكتب المقدسة تبشر وتنبئ بمسيحيين لا بمسيح واحد، وقصد من ثم إلى معتقل "سباتاي" في شنق قلعة، وقابله وناقشه واختصم معه ثم عاد إلى قواعده ينفث سمومه ويبشر بدعوته.
وكما كانت الوفود تأتي من قبل إلى زندان قابي -المعتقل الأول لـ"سباتاي"- أخذت من جديد تترى وتتتابع إلى شنق قلعة، وكان حراس السجن يغضون
стр. 335
الطرف عن هؤلاء الزائرين وجموعهم لقاء رشاوى يتقاضونها، وضاقت المدينة بالزائرين فنقصت المواد الغذائية وارتفعت الأسعار، وجأر أهل المدينة بالشكوى إلى السلطة ورفعت عريضة إلى القصر السلطاني العثماني، كما أن وشاية سعى بها المسيح الجديد المزعوم إلى المسئولين، تقول بأن "سباتاي زئيفي" يريد إنشاء دولة داخل الإمبراطورية العثمانية من وراء دعوته المزيفة، وإزاء كل ذلك وما يشكل من خطر على السلطة رأى المسئولون في الدولة أن يضعوا حدًّا نهائيًّا لهذه الظاهرة، فأمروا بنقل "سباتاي زئيفي" إلى قصر أدرنه لحسم الأمر، وظن الأتباع والمريدون أن فجرًا جديدًا سوف يبزغ عليهم، وأن سلطانهم سيعلو ورايتهم ستخفق، وأن معجزة المسيح المزعوم "سباتاي" سوف تقلب الأمر لصالحهم رأسًا على عقب.
أول الدونمة
سبق القول إن "سباتاي" نقل إلى أدرنه، وفي إحدى غرف قصر أدرنه جلس السلطان محمد الرابع يستمع إلى الحوار الذي كان يجري في غرفة مجاورة، بين مصطفى باشا القائم بأعمال رئيس الوزراء شيخ الإسلام يحيى أفندي منقري زاده، وإمام القصر محمد أفندي وائلي من جهة، و"سباتاي زئيفي" من جهة أخرى، وقد قيل لـ "سباتاي" عن طريق الترجمان: "تدعي أنك المسيح فأرنا معجزتك سنجردك من ثيابك ونجعلك هدفًا لسهام المهرة من رجالنا، فإن لم تغرز السهام في جسمك فسيقبل السلطان ادعاءك"، وقد أدرك "سباتاي" أبعاد الموقف وأخطاره والموت الذي يتربص به، وأن النهاية قد دنت إن هو استمر في أكذوبته، فترى ماذا يفعل وهو اليهودي الماكر المجبول على الغدر والمخاتلة والخداع؟!؟
стр. 336
لقد أنكر كل شيء وادعى أن المتقولين هم الذين رسموا صورته وزيفوا عليه أقواله، فأمر السلطان محمد الرابع -الذي كان يسمع الحوار- بعرض الإسلام على "سباتاي زئيفي" كما تقضي قواعد الشرع الحنيف، فرأى "سباتاي" أو المسيح المزيف أنه أصبح بين خطر الموت أو الإسلام، فآثر بدهاء اليهودي وحرصه على الحياة أن يفتدي إمبراطوريته الوهمية بدخوله في الإسلام ظاهرًا، ويتسمى باسم محمد عزيز أفندي وينجو بجلده من الموت، وبهذا كان "سباتاي زئيفي" هو أول شخص في تاريخ الإمبراطورية العثمانية وفي العالم من الدونمة، وهو مؤسس هذه الطائفة.
وقد جاء في كتاب (التاريخ السياسي للدولة العلية) في فصل دور السلطان محمد الرابع تحت عنوان: يهودي يدعي أنه المسيح: أنه في سنة ١٦٦٦ للميلاد قام حاخام يهودي يدعى "سباتاي زئيفي" يزعم أنه هو المسيح، وكان لبياناته وهو في زيارة القدس أثر في اضطراب وقلق اليهود المقيمين في أوربا، ووردت أخبار بعض الحاخامين في تأييده وبعضهم في معارضته، فجيء به إلى دار السعادة استانبول وأودع السجن ثم سيق إلى سجن القلعة السلطانية، ثم إن رجلًا آخر يهوديًّا ادعى بمثل ما ادعى به سابقه، وأتى إلى قصر القائم بأعمال رئيس الوزراء وذكر زيف ادعاء "سباتاي زئيفي"، فجيء به -أي بـ "سباتاي"- واستخدم في أعمال البستنة في القصر بعد أن أعلن إسلامه، وخلال عشر سنوات من الزمان دخل كثير من أتباعه دين الإسلام، ثم إنه حدث أن أعلن أحد أبناء شيوخ الأكراد أنه المهدي المنتظر، فجيء به فرجع عما كان ادعاه من قبل، وأجاب جوابًا صحيحًا لكل سؤال وجه إليه فعين رئيسا داخليا للخزينة الهميونية.
стр. 337
وجاء أيضًا في (تاريخ راشد) وهو كتاب مخطوط في وقائع سنة ١٦٦٦ ما يوافق هذا الكلام، وانتقل "سباتاي زئيفي" إلى دور جديد وخطير، فقد عين محمد أفندي عزيز -"سباتاي زئيفي" سابقًا- رئيسًا للآذنين وهم الحجاب فانتشر خبر تعيينه وإسلامه بين أتباعه فالتزموا بيوتهم ودورهم، أما الحاخامون من اليهود المعارضين له فقد فرحوا كثيرًا لتخلصهم منه ومن دعوته، لكن "سباتاي" أرسل إلى مريديه تعميمًا يقول فيه: "لقد جعلني الله مسلمًا أنا أخوكم محمد البواب هكذا أمرني فامتثلت، لقد ذكرت الكتب اليهودية المقدسة بأن المسيح سيتبع من قبل المسلمين"، وأعلمهم بأنه سيستمر في أداء رسالته ومهمته بالتكيف مع الوضع الجديد، يفسر أخوه هذه الحالة فيقول: "إن الجسم القديم لـ "سباتاي" قد صعد إلى السماء، فعاد بأمر من الله تعالى في شكل ملاك يلبس الجبة والعمامة ليكمل رسالة المسيح".
وتقدم "سباتاي" محمد أفندي عزيز إلى المفتي يطلب السماح له بدعوة اليهود إلى الإسلام، وكانت هذه خطته الأولى. ولما حصل على ما أراد استأنف دعوته السابقة، مستهدفًا تأسيس مذهبه الجديد المسلم في الظاهر اليهودي في الباطن، فجاءه الأتباع من كل مكان في الدولة العلية وغيرها، ولبسوا الجبب والعمائم على صورة خاصة، فأطلق الأتراك عليهم اسم الدونمة، وتركت لهم الدولة حرية الحركة والعمل، فقد ترك لـ "سباتاي" حرية التجول والدعوة، وضمن لنفسه عدم الشبهة، وانصرف إلى تنظيم وتقنين ورسم معالم مذهبه الجديد، وجمع كل ذلك في وثائق، وما يهمنا من هذه الوثيقة المادتان السادسة عشرة والسابعة عشرة، وهذا نصهما؛ المادة السادسة عشرة: يجب أن تطبق عادات الأتراك المسلمين بدقة لصرف أنظارهم عنكم، ويجب ألا يشعر أحد من الأتباع تضايقه من صيام رمضان ومن الأضحية، ويجب أن ينفذ كل شيء يجب تنفيذه
стр. 338
أمام الملأ. أما المادة السابعة عشرة فيقول: "إن مناكحتهم -أي المسلمين- ممنوعة قطعًا".
وعلم المسئولون بأن "سباتاي" يجمع أنصاره على طقوس وعبادات وعقائد خاصة، فانكشف زيفه وعلموا أن إسلامه إنما كان تكأة، فقبض عليه ونفي إلى برات في ألبانيا مع بعض أتباعه، وبقي هناك خمس سنوات تزوج خلالها من امرأة يهودية من سلانيه اسمها "بوهيفيد"، فأسماها عائشة بعد أن ماتت زوجته الأولى سارة، ثم مات هو في الثلاثين من سبتمبر سنة ١٦٧٥ للميلاد، وقد ناهز التاسعة والأربعين عامًا ودفن على ضفة نهر هناك.
استمرار الدونمة وفرقهم
لم تنتهِ دعوة "سباتاي زئيفي" بموته، فقد كان بعض أتباعه القياديين على استعداد لمتابعة العمل والمسيرة، منهم عبد الغفور أفندي واسمه الحقيقي "جوزيف بيلوسوف"، وهو والد زوجته "يوهيفيد"، ومنهم عبد الله يعقوب جلبي واسمه الحقيقي "جوزيف كيريدو" أخو زوجته، واستقر الاثنان في "سيلانيك" وجمعا حولهما كل الأنصار والأتباع في محاولة للمحافظة على وحدة الجماعة وتماسكها، ولم يكتف الدونمة بالتميز عن الناس من كل الأديان والمذاهب بعقيدتهم فقط، بل صاروا أيضًا يعرفون بأزيائهم، فنساؤهم ينتعلن الأحذية الصفراء ورجالهم يضعون على رؤوسهم قبعات صوفية بيضاء، لفت عليها عمائم خضر، وكانوا يقبلون في الأعياد فقط مع الجماعة ولا يصومون ولا يهتمون بالاغتسال.
وبهذا كانوا يراعون تمامًا ما ذكره لهم "سباتاي" في وثيقته لهم، ولم يبقَ الدونمة على وحدتهم وتماسكهم بعد موت "سباتاي زئيفي"، بل إنهم تفتتوا إلى شراذم
стр. 339
ومذاهب وطرق، فلقد تولى يعقوب جلبي رئاسة الدونمة في "سيلانيك" بعد موت "سباتاي"، وكان قد أخذ منه الوعد بالخلافة على رئاسة الجماعة وهو على فراش المرض، ونظم يعقوب هذا عقائد الأتباع وطقوسهم ورتب أمورهم، وطلب مثل "سباتاي" مراعاة عادات المسلمين الظاهرة، غير أن فرقة منهم لم توافق على ذلك، واجتمع أفرادها تحت زعامة رجل منهم يدعى مصطفى جلبي، وبهذا كان أول انقسام في طائفة الدونمة، فسميت الأولى فرقة يعقوب جلبي باسم اليعقوبيين، وفرقة مصطفى جلبي باسم القراقاشي أو حزب عثمان بابا، وكان ذلك بعد مرور أربعة عشر عامًا على موت "سباتاي زئيفي" المؤسس. وفي سنة ألف وسبعمائة وعشرين للميلاد حصل انشقاق آخر داخل طائفة القراقاش نفسها، وانفصلت عنهم جماعة برئاسة إبراهيم أغا أحد رؤسائهم وعرفوا باسم البابو، وهذه الفئات أو الطوائف الثلاث لا تتزاوج مع أتباع الأديان الأخرى ولا تناكح بعضها أيضًا، فلا يستطيع الفرد منهم التعرف إلى حياة الطائفة الخاصة إلا بعد الزواج.
بعض تقاليد الدونمة وعاداتهم، وأثرهم وخطرهم، والانتشار ومواقع النفوذ، ودورهم في هدم الخلافة الإسلامية
بعض تقاليد الدونمة وعاداتهم:
من تقاليد الدونمة وعاداتهم وليمة الخروف، فللدونمة أعياد كثيرة تزيد على العشرين، يحتفل بأهمها في اليوم الأول من فصل الربيع الثاني والعشرين من شهر مارس، وقد كتب أحدهم -وهو رشدي قراقاش زاده- موضحًا بعض مراسم هذا العيد فقال: "يحتفل بعيد الخروف في الثاني والعشرين من شهر مارس وهو عيد ليلي، حيث يؤكل لحم الخروف لأول مرة من عام جديد وذلك بمراسم خاصة، حيث تقتضي العادة أن يوجد في الحفلة الواحدة رجلان وامرأتان على
стр. 340
أقل تقدير، ويمكن أن يزيد العدد بشرط أن يكون الجنسان متساويين أي مع كل رجل امرأته زوجته، حيث ترتدي المرأة أفخر الثياب وتتزين بأثمن الحلي، وتقوم بتهيئة الطعام على المائدة، وبعد الطعام يبدأ اللهو وفي فترة من فتراته تطفأ الأنوار ويبقى الجميع في ظلام دامس، ويعتبر كل مولود يولد بسبب تلك الليلة مولودًا مباركًا".
ونشرت مجلة الدنيا المصورة التركية مقالًا عن هذا العيد ومراسمه وطقوسه قال فيه صاحبه: أعتقد أن الاحتفال بإطفاء الأنوار ما يزال من العادات المتبعة لدى القراقاش، وأغلب ظني أن العائلة التي أنا فرد منها كانت إلى عهد قريب تمارس هذه العادة، ولم أشترك في أي احتفال كهذا بسبب كوني عازبًا، وكلما أظهرت رغبتي في حضور الاحتفال دفعوني وقالوا: إن هذا الاحتفال للمتزوجين فقط.
وذكر البروفيسور "إبراهام جلنتي" في كتابه (وثائق عن عادات ومنظمات السباتاي الدونمة): "إن عادة إطفاء الأنوار عادة قديمة قدم العصور، أخذها السباتائيون كما أخذها النصيريون عن الأمم الغابرة"، كما نشرت جريدة المساء التركية خبرًا عن مراسلها في قرعش يقول فيه: "ألقت سلطات الأمن على جماعة من الرجال والنساء يمارسون عادة إطفاء الشموع وضبطتهم بالجرم المشهود، كما عثرت في الغرفة المجاورة بصالة الاحتفال على بعض الآلات الموسيقية".
ونشر علاء الدين غوسا خمس مقالات هامة في جريدة الأيام السبعة، وقد جاء في هذه المقالات: "كنت مديرًا لمدرسة تابعة لسباتائيي الدونمة بقرية مكري، وكان طباخ المدرسة سباتائيًّا أمرته في أحد أيام الربيع أن يطبخ لنا لحم خروف فرفض، فشكوته إلى الهيئة الإدارية فلم أفلح في شكواي، ولم أتمكن من إطعام أحد لحم خروف قبل أوانه أي في الثاني والعشرين من مارس".
ومن عاداتهم أيضًا المراوغة والدهاء، فقد جاء في العدد رقم ١١٦ لجريدة الدنيا المصورة عن الدونمة السيلانيك: أنهم يعيشون بين ظهرانينا ويتكلمون بلغتنا،
стр. 341
يحسون في الظاهر بإحساسنا لكنهم في الحقيقة يأخذون الحيطة تجاه الأتراك، لا يناكحون إلا من كان منهم، يحيون حياة خاصة بهم من المهد إلى اللحد في أعراسهم ومآتمهم، وفي كل صفحة من صفحات عيشهم الاجتماعية منها والعائلية، فهل تعرف حقيقتهم؟! إن منهم أذكياء ورجال فكر جديرين بالتقدير خاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية، وأثرهم في ذلك لا يمكن إنكاره أبدًا وعلى الأخص في استانبول وأزمير، وفي تركيا لا تزال بعض عادات الدونمة حية، فقد جاء في كتاب (وثائق عن عادات ومنظمات السباتاي): "لا تزال بعض العادات عند الدونمة متبعة ومعمولا بها ومنها:
أولًا: عادة ذبح الخروف وأكل لحمه في اليوم الأول من السنة اليهودية، وهي ذكرى فداء إسحاق على حد زعمهم.
ثانيًا: عادة حلق الشعور بالموسي لدى اليعقوبيين، وهي إحدى طوائفهم -كما سبق القول، وحلق الشعور بالموسي للرجال وتجديل الشعور إلى ضفائر رفيعة للنساء.
ثالثًا: لكل فرد منهم اسم آخر يهودي.
رابعًا: الالتحاء سمة من سماتهم.
خامسًا: لا يؤكل لحم الخروف في أول كل سنة يهودية إلا بعد إجراء الطقوس الخاصة بذلك اليوم، ومن يأكله في غير أوانه يكون معرضًا لعقوبة الموت طوال ذلك العام.
سادسًا: لا يجوز لأي واحد من الدونمة إنشاء علاقات جنسية مع امرأة ليست من الدونمة، ومن يفعل ذلك يكون من أهل النار.
سابعًا: لا يجوز للدونمة المبادرة إلى أداء التحية لغيرهم.
ثامنًا: الذهاب إلى ساحل البحر أو إلى ضفة النهر -أي بحر أو نهر- والقيام بالنداء التالي: "سباتاي زئيفي" نحن بانتظارك.
стр. 342
أثر الدونمة وخطرهم:
والأهم من ذلك هو خطر الدونمة وتأثيرهم ومدى التغيير الانقلابي الذي أحدثوه في المجتمع التركي، وانعكاسات ذلك على العالم الإسلامي:
فقد كان للدونمة أثر كبير في الإضرار بالعالم الإسلامي في السلوك الاجتماعي والأخلاقي والحضاري؛ إذ أسهموا إسهامًا مباشرًا في كل ما من شأنه هدم القيم الإسلامية لدى المجتمع، وتخريب الخلق والسلوك لدى المسلمين، فلقد كان ميل الشباب المسلم إلى التخلق بالعادات والتقاليد الغربية، واعتبارهم الإلحاد موضة عصرية مع انتشار الماسونية والفوضوية واحتقار الشعور الوطني، كل ذلك كان من عمل الدونمة.
فلقد هاجموا أولًا وبعنف حجاب المرأة المسلمة، ودعوا إلى السفور والتحلل من خلال الصحف التي وثبوا عليها وامتطوا أعنتها، وألهبوا ظهور الناس بسياط ألسنتهم المشرعة، بدعوى التحضر ومواكبة روح العصر، ثم دعوا إلى التعليم المختلط في الجامعات والمدارس، ففي التدريس المختلط يزول الحياء من وجه الشباب وقلوبهم وتنعدم البراءة في الأسر الإسلامية، وبدأت السخرية اللاذعة تظهر في المقالات المسلسلة لتنال من بعض تقاليد وعادات المجتمع الإسلامي، وزادوا من حدة دعاياتهم فنشروا الرسائل والكتب الكثيرة التي تتضمن الهجوم السافر أحيانًا، والمبطن أحيانًا أخرى، فكانت كمعاول هدم لا تنفك ضرباتها تتلاحق وتتتابع لتقوض الصرح الكبير.
ولم يجرؤ واحد من الناس في ذلك الحين على التعرض لهؤلاء في أية صحيفة أو مجلة؛ لأنها كانت أكثر الصحف والمجلات مملوكة لهم.
وثانيًا: لأن سرعان ما يتقدم أصحاب الجرائد والمجلات بالشكاوى إلى أقطاب الدولة؛ ليصار إلى مصادرة الردود المعارضة لهم والتنكيل بأصحابها، وأقطاب الدولة هؤلاء هم
стр. 343
الاتحاديون جماعة الاتحاد والترقي، الذين كان أكثرهم من الدونمة أو من تلاميذهم وحملة آرائهم والمنفذين لمخططاتهم، فمن الهدم الاجتماعي إلى الهدم السياسي للدولة العثمانية وكيانها؛ لأن كلا من السبيلين كان الدونمة يعملون في آن معًا على ولوجهما؛ بقصد الوصول إلى الهدف الكبير البعيد والقضاء على الإسلام، ومن المعروف تاريخيا أن كبار رجال الدولة في تركيا -من جمعية الاتحاد والترقي- كانوا على علاقات متينة بالدونمة في سيلانيك، يعتقدون اجتماعاتهم المشتركة في المحافل الماسونية هناك.
واستطاع اليهود والدونمة والماسون وآخرون لهم مطامع في البلاد العثمانية أن يؤثروا في عقول الشباب المثقف، ويسخرونهم لخدمة مطامعهم وأغراضهم عن علم أو جهل.
وخلاصة القول أنهم قادوا الجانب الأكبر من ثورة تركيا الفتاة ثورة الدستور، التي تحققت على يد مدحت باشا أبو الدستور العثماني كما قيل في حينه، هذه الثورة التي قام بها أساسًا اليهود الدونمة الذين أظهروا الإسلام، لكنهم ظلوا في الحقيقة يصارعون الإسلام، وبقيت علاقاتهم تقتصر على الأعمال الظاهرة فقط، هؤلاء الدونمة الذين لبسوا زي المسلمين زورًا وظلوا يهودًا في الحقيقة ومسلمين في الظاهر، كان لهم نصيب في مقدرات الشعب التركي وتطوره إلى الوضع الحالي.
ومن كتابات الاتحاديين ومذكراتهم نستطيع أن نتبين مقدار تأثير الدونمة على تحريك رياح الأحداث والتحكم في اتجاهاتها، فمثلًا نجد في مذكرات غالب باشا -الذي كان المفتش العام لقوات الدرك في استانبول- فبالنسبة لأحداث واحد وثلاثين من مارس المؤسفة التي انتهت بخلع السلطان عبد الحميد يذكر غالب باشا أنه خشي أن يناله سوء من العصاة فيعتصم بداره، وفي اليوم الرابع من بدء
стр. 344
العصيان يمم وجهه شطر مخازن آل السلتلكي؛ إحدى أسر الدونمة التي لها باع طويل في مجال الإعلام حاليًّا.
ويقول: "لم أستطع مغادرة بيتي حتى يوم السبت الرابع من إبريل، ولم أتمكن من الحصول على أية معلومات صحيحة عما يحدث. وفي الأيام الأربعة التي قضيتها في البيت كانت مملة ومحزنة، أما الصحف فكانت تزيد المرء كدرًا على كدر"، ويقول: "خرجت في اليوم الرابع من داري وعبرت إلى الجهة الغربية من استانبول، ومررت بطريقي إلى مخازن آل إبكجي التجارية فشعرت بأن رجلًا ذا لحية جعداء يتعقبني، حيث كانت هذه المخازن تحت المراقبة الدائمة".
وكتب غيره مثل هذا الكلام، وهذا يدل على ما نقوله دائمًا عن علاقة الدونمة بالاتحاد والترقي، فمدحت باشا الذي ورد ذكره قد أصبح رأس السلطة في يوم من الأيام، وهو واحد من أولئك اليهود روجت له الدعاية الماسونية في أنحاء الشرق العربي والغربي على أنه البطل العظيم، حامل لواء الإصلاح والحرية في السلطنة العثمانية، وسمته أبا الدستور وسخرت له أبواب الدعاية من صحف ومجلات وإذاعات، فوصل بذلك إلى أعلى الرتب منها باشوية سوريا والعراق، ومنصب الصدر الأعظم الذي يعتبر أكبر الرتب في السلطة العثمانية، ثم بعد ذلك بدأ يدس ويخرب كما تملي عليه يهوديته وماسونيته.
والانتشار ومواقع النفوذ:
غالبية الدونمة العظمى توجد الآن في تركيا، ولا يزالون إلى الآن يملكون في تركيا وسائل السيطرة على الإعلام والاقتصاد، ولهم مناصب حساسة جدًّا في الحكومة، وكانوا -كما قلنا- وراء تكوين جماعة الاتحاد والترقي التي كان جل
стр. 345
أعضائها منهم، كما ساهموا من موقعهم هذا في علمنة تركيا المسلمة، وسخروا كثيرًا من شباب المسلمين المخدوعين لخدمة أغراضهم التدميرية. دور يهود الدونمة في هدم الخلافة الإسلامية:
إن مدحت باشا تنقل في حكم ولايات عثمانية عديدة منها سوريا، ثم دبر مؤامرة خلع السلطان عبد العزيز، ثم دبر مؤامرة اغتياله بعد ستة أيام من خلعه، ومدحت باشا هو ابن حاخام مجري اشتهر بالمكر والخداع والدهاء، ووصل إلى أعلى مناصب الدولة ليكون أقوى يهودي يتمكن من بذر الفتن في الدولة العثمانية، متظاهرًا بالإسلام مبطنًا يهوديته الحاقدة الماكرة، ونجح يهود الدونمة بمساعدة محافل الماسون في تكوين جمعية تركيا الفتاة، التي كان مدحت باشا نفسه أول مؤسسيها.
تفرع عن تركيا الفتاة حزب أو جمعية سموها الاتحاد والترقي، حملت شعار الحرية والإخاء والمساواة الذي نقلته عن باريس، وهو شعار الثورة الفرنسية التي دبرها الماسون كذلك، وقامت تنظيمات الاتحاد والترقي على غرار جمعية الكربوناري الإيطالية الإجرامية، التي شكلها الماسون في أوائل القرن التاسع عشر، ومن الجمعيات التي أوجدها اليهود في تركيا البكتاشية التي كانت في ظاهرها إحدى الطرق الصوفية، وفي حقيقتها فرقة باطنية تسير حسب خطط اليهودية العالمية والماسونية.
وهكذا نرى دور يهود الدونمة في القضاء على الخلافة الإسلامية، وعزل السلطان عبد الحميد عن الخلافة العثمانية، إذ إنهم حينما أدركوا ثبات السلطان عبد الحميد في وجه أطماعهم زادوا من تآمرهم لإسقاطه، استعانوا بالقوى الشريرة التي نذرت نفسها لتمزيق ديار الإسلام، وأهمها الماسونية والجمعيات السرية، ونقل هذا عن مصطفى كمال في كتبه وغيرها.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 346
الدرس: ٢١ الأصولية الإنجيلية .
стр. 347
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(الأصولية الإنجيلية)
تعريف الأصولية الإنجيلية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الأصولية الإنجيلية:
الأصولية حركة فكرية بروتستانتية ظهرت في الغرب في القرن التاسع عشر الميلادي، بعد مؤتمر "نياجرا" عام ١٨٩٥؛ لتحيي من جديد أفكار أصحاب عقيدة المجيء الثاني للمسيح، مجيئًا حقيقيًّا حرفيًّا. قد ظهرت لهؤلاء كتيبات بعنوان (الأصوليات) دعوا فيها إلى التمسك بالتعاليم الدينية القديمة، كما دعوا إلى القول بألوهية المسيح وعصمة الكتاب المقدس عن الخطأ، ووجوب الأخذ به حرفيًّا وولادته ﵊ من مريم، كما دعوا إلى الفدية عن الأعمال المنكرة، ودعوا إلى الإيمان بقيامة المسيح من بين الأموات بجسمه وعودة تجسده ثانيًا، بالإضافة إلى رفض كل النظريات العلمية الحديثة في علم اللاهوت، وكذلك الدراسات التي تنتقضه أو تناقض ما فيه، ولذلك عرفت بمذهب العصمة الحرفية، كما ترفض الأصولية فكرة الفصل بين الدين والدولة، مما أدى إلى زيادة اهتمامها بالجانب السياسي والسعي إلى تكوين الأحزاب السياسية؛ للوصول إلى السلطة بغية سن القوانين والشرائع المؤيدة لمذهبهم.
ويمكن أيضًا إضافة اعتقادهم بالنبوءات الإنجيلية التي تقود -حسب اعتقادهم- إلى استيلاء اليهود على فلسطين والقدس، شرطا للعودة الثانية للمسيح، وبذلك تتعارض الأصولية مع الليبرالية أو الحداثة التي تسعى إلى قراءة النص وتفسيره على حسب الواقع، وللأصولية في الغرب تنظيماتها ومؤسساتها ووسائل إعلامها القوية التي تدعو إلى مبادئها. ومن أشهر مؤتمراتها ما عقد في سنة ١٩٨٥ في مدينة "بال" بسويسرا، وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية المركز الرئيس للاتجاهات الأصولية الإنجيلية.
стр. 348
تاريخ الأصولية الإنجيلية
تاريخ الأصولية الإنجيلية -والبعض يسميها الصهيونية المسيحية-:
ترجع بذور هذه الأصولية إلى فكر وعقائد طرحتها حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر، في عدد من الدول الأنجلوسكسونية، حيث رأت هذه الحركة أن التوراة هي كلمة الله المعصومة، ورأت في النبوءات والأساطير التوراتية قانونا وتاريخا، وجعلت من مجمل العهد القديم مرشدا لحياة الناس الدينية والزمنية بما فيها الأدبية والثقافية والفنية، وتحول العديد من البروتستانت في القرن السابع عشر إلى اليهودية، واعتبرت حركة الإصلاح الديني بمنزلة بعث يهودي، وبخاصة بعدما ركزت اهتمامها وأولوياتها على ما يعرف بالتوراة، وهي سجل لتاريخ أنبياء بني إسرائيل وملوكهم وقادتهم وعباداتهم وأشعارهم والأساطير التي حيكت حولهم وتقاليدهم.
ولعل هذا التحول الديني كان من أبرز التحولات في تاريخ الأفكار والعقائد التي عرفتها البشرية عقب انتهاء القرون الوسطى، فأوربا كانت في حالة عداء نفسي وعملي لليهود قبل ولادة حركة الإصلاح الديني، وتأسست فيها عقيدة ضد اليهود تؤدي مباشرة إلى إيذاء اليهودي بدنيًّا، على اعتبار أن اليهود رفضوا رسالة المسيح ﵇ وأن أجيالًا يهودية توالت بعد ذلك على المنهج نفسه، ومن ثم يجب أن يعاقبوا على جريمة ما يسمى بصلب المسيح.
وكانت أوربا قد شهدت خلال القرن الثاني عشر عمليات ذبح جماعية لليهود في فرنسا وانجلترا وألمانيا، وبخاصة في مطلع تسيير الحملات الصليبية إلى
стр. 349
فلسطين، وذلك تنفيذا لقول اليهود في محاكمة المسيح: دمه علينا وعلى أولادنا طلبًا للغفران قبل تحرير القدس، وكانت صورة اليهودي قرب نهاية القرون الوسطى لا تظهر في الرسوم والحكايات الشعبية إلا على صورة إنسان نجس وخاطئ، وعلى شكل بومة أو أفعى، كما ظهرت صورة اليهودي التائه صاحب الأنف المقوس والرجل الهرم ذي اللحية، والملامح العابسة والكريهة.
واعتادت الجماعات اليهودية حياة الاضطهاد فمالت إلى العزلة، وأدى هذا الوضع إلى بروز ظاهرة الجيتو في أواخر القرن الخامس عشر، حيث تم وضع اليهود داخل أحياء منفصلة تحاط بها أسوار مرتفعة، ولها بوابتان يقف عليها حرس مسيحي وتغلق أبوابه في المساء، وكانت الجماعات اليهودية تتعرض للثورات الشعبية في أثناء حدوث أزمات أو انتشار مرض معين. مثل: الطاعون أو الموت الأسود، حيث كان يلقى باللوم على اليهود، توجه إليهم تهمة نشر الوباء، ولعل كل هذا الاضطهاد هو الذي شكل العمق التاريخي للموقف الفكري والسياسي لحركة النازية الألمانية تجاه اليهود في القرن العشرين، وهكذا عرفت أوربا سلسلة دامية من الأحداث والصراعات واضطهاد اليهود طوال القرون الوسطى.
وقد طرد اليهود من انجلترا في نهاية القرن الثالث عشر وحتى نهاية القرن السادس عشر، ولم تكن تسمح السلطات الإنجليزية لأعضاء الجماعات اليهودية بتولي المناصب في مجالس البلديات، أو في الوظائف المدنية، ولم يصل إلى البرلمان الإنجليزي عضو يهودي واحد حتى سنة ١٨٥٨، قد كان أول وزير يهودي إنجليزي هو "هربرت صموئيل" سنة ١٩٠٤، وكذلك الحال في روسيا حيث لم يسمح لليهود بدخول المدارس الروسية، ولم يسمح لهم بالعمل في حقل المحاماة
стр. 350
وكذلك الحال في فرنسا، وعانى اليهود العزل والقتل والتمييز لأسباب متعددة من بينها: عوامل دينية كمسألة صلب أو قتل المسيح، وعوامل اقتصادية مرتبطة بالوظيفة الربوية للجماعات اليهودية.
وبانتهاء العصور الوسطى وقبل مطلع القرن السادس عشر شهد التاريخ أحداثًا فاصلة مثل: فتح القسطنطينية واختراع الطباعة وسقوط الحكم العربي الإسلامي في الأندلس، واكتشاف أمريكا وغيرها، وكانت أوربا حتى ذلك الوقت تدين بالكاثوليكية، لكن بحلول القرن السادس عشر بدأ الكثيرون يضيقون بسلطة البابا، وظهر "مارتن لوثر" متحديًا دور هذه الكنيسة؛ لاحتكارها تفسير الكتب الدينية المسيحية ولمسائل بيع صكوك الغفران للناس، وانتشرت دعوة "مارتن لوثر" وكثر أتباعه في أجزاء كثيرة من أوربا، وصار من حق كل مسيحي قادر أن يقرأ التوراة والأناجيل وأن يفسرها، وترجمت للغات مختلفة بعد أن كانت حكرا على اللاتينية والإغريقية.
وما يهمنا في هذه الحركة الكنسية الجديدة أنها اهتمت بالعهد القديم، الذي صار المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد، وفتحت الباب أمام تفسيرات وتأويلات وبدع في اللاهوت المسيحي، وأمست معتقدات يهود العهد القديم وأرض فلسطين أمورًا مقبولة في الفكر والثقافة والفنون الغربية، وصارت قصص التوراة مألوفة كالخبز ترددها العامة والنخب عن ظهر قلب، وصار المسيح نفسه واحدا من الأنبياء العبرانيين، وحل قادة وأبطال التوراة محل القديسين الكاثوليك، كل ذلك يتم في جو استرجاعي قوي إلى عقيدة عودة المسيح الثانية، والتركيز على دور اليهود في هذه العودة، وكون اليهود مجرد أداة للخلاص وبوابة حتمية لانتشار المسيحية، ومن ثم تحولت فلسطين في الأذهان إلى أرض موعودة للشعب اليهودي المختار، وبات الربط بين الأرض واليهود يرد في الطقوس والشعائر
стр. 351
الدينية، وجردت فلسطين من دلالتها المسيحية بعد أن كانت أرض المسيح المقدسة، ومن أجلها كانت الحملات الصليبية، لكنها الآن تحولت إلى وطن لأجل اليهود الذين تشكل عودتهم إليها المقدمة الحتمية لعودة المسيح المنتظر.
وتعتبر مسألة المجيء الثاني للمسيح من الأركان الأساسية للإيمان المسيحي، ومن أهم موضوعات الإنجيل، ولا يخلو سفر من أسفاره من الحديث عن المجيء الثاني للمسيح، وكل مسيحي العالم تقريبًا يؤمنون بهذه المسألة، إلا أن الاختلاف يقع في كيفية وتفاصيل هذا المجيء، وقد نجحت الصهيونية في إقناع بعض المسيحيين بأن إنشاء إسرائيل هي علامة من علامات المجيء الثاني، وأن عودة المسيح سوف تكون بصورة عنيفة وقوية؛ ليقف مع إسرائيل في مواجهة قوى الشر في العالم، التي يهزمها في موقعة دموية قاسية، وبهذا الانتصار على القوى الشريرة يقوم المسيح بعد ذلك بحكم العالم لمدة ألف عام.
وقد ظهر هذا الإيمان في تاريخ الفكر المسيحي اللاهوتي من خلال عدة نظريات، جاءت جميعها مبنية على تفسير ما جاء في سفر الرؤيا -وهو آخر أسفار العهد الجديد- وفيه يروي يوحنا حلمه الذي رآه حول مستقبل العالم؛ حيث رأى ملاكًا نازلًا من السماء يقبض على إبليس ويقيده بسلسلة عظيمة لمدة ألف عام؛ لكي لا يضل أحدًا، ثم متى تمت الألف عام حل إبليس من قيده ليضل الأمم ويجمع يأجوج ومأجوج، الذين عددهم مثل مدد البحر؛ ليحاصروا معسكر القديسين والمدينة المحبوبة، عندها ينزل الله نارًا من السماء لتأكلهم وإبليس والنبي الكذاب المسمى بالمسيح الدجال.
وقد انقسم المسيحيون حول تفسير هذه الرؤية إلى فرق عديدة، من بينها فريق يرى أن المسيح سوف يأتي إثر حدوث اضطراب شديد في الأرض، كالحروب والمجاعات والزلازل ويسمونها الضيقة العظيمة، وحينما يأتي المسيح تقوم
стр. 352
الأموات المؤمنون به من القبور، وتتحول أجساد المؤمنين الأحياء إلى أجساد سماوية، والكل سوف يخطف لملاقاة المسيح في الهواء، ثم بعد ذلك ينزلون معه إلى الأرض، فيتم تقييد إبليس وينتهي حكم المعادين للمسيح على الأرض، ويعود اليهود بشكل جماعي إلى المسيح ويؤمنون به ويعترفون بخطاياهم، وعندئذ يبدأ حكم المسيح على الأرض لمدة ألف عام، ويكون المسيح مرئيًّا وحرفيًّا ويسود العدل والسلام كل الدنيا، وتتحول الطبيعة الشريرة في كل المخلوقات إلى طبيعة خيرة. وباقتراب نهاية الألف عام يحل إبليس من قيوده ويخرج ليضل الأمم مرة ثانية، ويجمع كل الأمم معه للمعركة الأخيرة ضد المسيح، وبخاصة منهم يأجوج ويفسرونها بملك روسيا، ومأجوج ويفسرونها بملك تركيا أو المسلمين والصين، يقودهم للهجوم على معسكر القديسين الذي يضم المسيح وشعبه في القدس، وتقع معركة "هرمجدون" ولكن تأتي فجأة نار من السماء وتبيدهم ويلقى بإبليس في جهنم إلى الأبد.
وانتشرت هذه النظرية بقوة في القرن الرابع الميلادي، ثم عادت إلى الظهور في القرن السادس عشر وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ولاسيما أثناء الثورة الفرنسية. وهكذا بدأت ظاهرة الصهيونية المسيحية أو الأصولية الإنجيلية، وفي صلبها مسألة دور اليهود في الخطة الإلهية للعودة الثانية للمسيح، والتي تتطلب جمع اليهود في الأرض الموعودة فلسطين، واستعادة المدينة المحبوبة كما ورد في التوراة أي القدس، وبناء الهيكل مما يهيئ المسرح لمعركة "هرمجدون" بين الخير والشر، ليأتي المسيح ثانية وينتصر الخير ويقيم مملكة الألف عام السعيدة، وفقًا لهذا الإيمان الأصولي المسيحي البروتستانتي والمرتبط بالتفسير الحرفي لكل عبارات العهد القديم.
стр. 353
وقد لاقت هذه الحركة ترحيبًا واسعًا بين اليهود، باعتبار أنها قسمت أعداء اليهود، لكن أتباع "مارتن لوثر" هاجموا اليهود بسبب إعلانهم أن التلمود يعطي تفسيرًا أفضل من تفسير "لوثر" للكتاب المقدس، ورفضهم الدعوة للعودة إلى المسيحية، فقام اللوثريون بطرد اليهود من المدن الألمانية والإنجليزية، وواصلوا العمليات التبشيرية بين اليهود، وفي الوقت نفسه كانوا يؤسسون لأطروحة استرجاع اليهود إلى فلسطين؛ إعدادا للخلاص اليهودي ثم الخلاص اللاهوتي.
واعتبرت المسيحية التقليدية أن ما ورد في العهد القديم إنما هو أحداث وقعت في الماضي، أو نبوءات تم تحققها، وأن ما جاء في العهد الجديد هو ثورة على العهد القديم، وفقًا لما جاء في إنجيل يوحنا: لو كنتم أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم، ورأت أن كل القصص التي رواها العهد القديم هي رموز لحالات روحية وأخلاقية، كما تؤمن المسيحية التقليدية بأن إبراهيم ﵇ عندما أخذ الوعد من الله بالأرض لم يفهمه على أنه تصريح له من الله بسرقة الأرض من مالكها، حتى لو كانت الأرض هبة من الله فهي مشروطة بطاعة الواهب، كما ترى أيضًا أن العهد مرتبط بتحقيق وصايا الله وطاعته، وليس رفض حكمه، وأن أرض الميعاد الحقيقية عند المسيح هي الأرض كلها وكل أرض يتحقق فيها وعد الله.
وهذا هو رأي المسيحية التقليدية الذي تخالف فيه الأصولية الإنجيلية، لكن هذه العقيدة -عقيدة الأصولية الإنجيلية- بعثت من جديد في القرن السادس عشر، وصارت فكرة محورية في عقول وإيمان معظم الكنائس البروتستنتية، شكلت مسألة عودة المسيح الثانية أبرز تجليات هذه العقيدة، أما اليهود في هذه العقيدة فهم يشكلون محورها وبشارتها، وهم شعب الله المختار القديم والذي يفترض تواصله في الماضي والحاضر والمستقبل، وأن أرض فلسطين هي أرض اليهود
стр. 354
التي وعدهم الإله بها، واعتبار أن وعد الله لا يسقط بالتقادم ولا يتراجع، حتى وإن رفض اليهود المسيح؛ ولذا فإن كل من يعارض اليهود أو يقف في وجه عودتهم إلى فلسطين يعتبر من أعداء الله وأعداء المسيح، والمحور الأساسي في هذا كله يدور حول الشروط التي يجب توافرها لتحقيق العصر الألفي السعيد، وعودة المسيح الثانية.
وأهم هذه الشروط هو استرجاع أو نقل اليهود إلى فلسطين، وقد أدت هذه العقيدة إلى انتشار ظاهرة قبول اليهود في عدد من الدول الأوروبية، ففي منتصف القرن السابع عشر تم الاعتراف بالجماعات اليهودية، وحصلت على وعد بحرية ممارسة عباداتها، بعد أن ظلت بريطانيا خالية من اليهود تقريبًا حتى نهاية القرن السادس عشر، ولم يحصل اليهود على حقوق المواطنة إلا ابتداء من سنة ألف وسبعمائة وثمانية عشر، وكان يقف وراء هذا الاعتراف تطلعات المجتمع الإنجليزي التجاري الاستعمارية.
الحكومات النصرانية التي تدعم الأصولية النصرانية
استخدمت هذه الحكومات النصرانية في دعمها للأصولية النصرانية أبشع الوسائل القمعية في التكريز بالإنجيل، أو نشره للعالم أجمع، ففي روسيا مثلًا حين تحول "فلاديمير" الروسي عن الوثنية -بفضل مساعي الأصوليين من رجال الكنيسة الإغريقية- أصدر مرسومًا في اليوم التالي لتعميده؛ يقضي بأن يذعن الروس كافة سادة وعبيدًا أغنياء وفقراء للتعميد، وفق طقوس الديانة المسيحية.
وفي مستهل القرن السادس عشر نشط رجال الشرطة الروسية ورجال السلطات المدنية فيها في تأييد أعمال رجال الكنيسة لتنصير "القرغيز"، وهي جماعة تترية
стр. 355
تسكن في روسيا، ولما لم يكن القساوسة الروسيون يفهمون لغة "القرغيز" لم يلبثوا أن أهملوا شئونهم، ولم يكن هناك بد من الاعتراف بأن هؤلاء الذين تحولوا حديثًا لم يكونوا يتمسكون بالعقيدة المسيحية أو يعرفونها، ولما أخفقت العطاءات الروحية أمرت الحكومة موظفيها بأن يلطفوا من هذه الحالة، ويحبسوا الناس ويكبلوهم بالحديد، ويحولوا بذلك دون تعليم هؤلاء الذين لا يطيعون أوامر المطران برغم تعميدهم.
في القرن الثامن عشر جاءت حكومة الإمبراطورية "كاترين" الثانية في روسيا، وبذلت جهودا جبارة في دعم الأصولية الأرثوذكسية في جهودها التنصيرية، حتى إنها أصدرت مرسومًا بأن يوقع كل من هؤلاء الحديث العهد بالمسيحية على إقرار كتابي، يتعهدون فيه بترك خطاياهم الوثنية وتجنب كل اتصال بالكفار، وعلى الرغم من هذا كله لم يكن هؤلاء الذين أطلق عليهم التتار المعمدون إلا مسيحيين اسما فقط، لا يبعد أن تكون أسماؤهم قد دونت في السجلات الرسمية باعتبارهم مسيحيين، ولكنهم وقفوا في ثبات وقوة في وجه أية محاولة لتنصيرهم.
وفي أوربا كانت أبرز الحكومات التي دعمت الأصولية بشدة هي حكومة "شارل مان"، ونحن نقرأ في تاريخ ٧٧٢ وحتى ٧٩٨ عن استمرار الغزوات المتعاقبة، وتحول المسيحية إلى مؤامرات وأعمال قمع، وبمجرد إخضاع إحدى القبائل الألمانية فإن تحولها إلى المسيحية كان يدرج في بنود السلام، كثمن يمنح لها نظير تمتعها بحماية الإمبراطور وحكومته، ولقد سجل التاريخ أن "شارل مان" قتل في يوم واحد أربعة آلاف وخمسمائة سكسوني، تفرض حكومته عقوبات وحشية ضد أي خرق لمجموعة القواعد المسيحية، ومنها أن أي سكسوني غير معمد يحاول أن يختبئ بين شعبه ويرفض التعميد مسيحيا سوف يقتل، وأن أي شخص من الوثنيين يتآمر ضد المسيحيين سوف يقتل.
следующие страницы →