Полный текст (1 141 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الجزء الأول
مقدمة الناشر
احياء التراث العربي، بتحقيقه تحقيقا علميا دقيقا وضبطه وشرح ما غمض من معانيه ومراجعة نصوصه الأصلية؛ مهمة جليلة ومسؤولية بالغة تصدى لها العديد من أكفأ وأخلص رجالات الأدب في عصرنا الحاضر، وفي طليعتهم الدكتور زكي مبارك.
.. إن تحقيق هذه الروائع الأدبية وشرحها رسالة سامية ... وكذلك نشرها وتقديمها إلى القارىء العربي بالصورة اللائقة؛ رسالة يتصدى لحملها الناشر الواعي لأهمية تراثنا العربي المقدّر لقيمته، الحريص على إغناء الثقافة العربية، والباذل لكل جهد مهما عظم في سبيل تقديم روائع القديم في أبهى وأحدث حلة تبويبا وإخراجا وطباعة.
بين روائع التراث العربي يتألق كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» كالدرة النادرة، وقد زاد من قيمته جهد لا يقارن به جهد بذله الأديب العملاق، الدكتور زكي مبارك في تحقيقه وضبطه وشرح نصوصه.
كتاب «جمع كلّ غريبة» . بل خزانة من خزائن الأدب العربي عامرة بأخبار الأدب والأدباء، حافلة بألوان البلاغة والشعر والانشاء وبكل ما يصور بصدق العصر الذي عاش فيه مؤلفه أبو اسحاق ابراهيم بن علي الحصري القيرواني في القرن الخامس الهجري، ويبين بوضوح العادات الاجتماعية التي كانت محمودة في عصره؛ حتى أن دارس الآداب المهتم بذلك العصر ليكتفي بدراسة هذا الكتاب كمرجع رئيسي شامل.
стр. 2
لذلك العصر من حياة الأدب طابع خاص، أظهر سماته إجادة الوصف؛ وصف ما تقع عليه العين من مرئيات أو ما يجري في الخاطر من أفكار، بل ووصف أهواء النفس ونزعاتها الوجدانية، وصفا مفصلا مقصودا، حتى أصبح العصر غنيا إلى درجة مميزة بالتعابير الرائعة الناضجة في معظم أبواب الوصف.. يرافقها تنظيم كامل للأفكار، مما يعوّد القارىء تذوّق الاسلوب البديع ويحبب اليه النثر الجيد وأصوله الفنية.
اننا إذا قسنا أعمال أدباء ذلك العصر بالمقاييس العصرية لانطبق عليها مفهوم النظرية الحديثة «الفن للفن» .. فقد عرفوا اللغة معرفة جيدة حتى وقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، فجمعوا شتاتها لتصبح طوع أفكارهم وأقلامهم في نتاج منسّق متكامل.
وان دار الجيل التي تعتز بما قدمت من كتب التراث.. كتاب «العمدة» لابن رشيق تحقيق الاستاذ محيي الدين عبد الحميد، ليزيدها اعتزازا أن تقدم تباعا مجموعة أعمال الدكتور زكي مبارك: النثر الفني، الموازنة بين الشعراء، التصوف الاسلامي، المدائح النبوية، الاخلاق عند الغزالي..
ودرة هذه الأعمال هذا الكتاب الذي تقدمه الدار اليوم: زهر الآداب..
إنه دائرة معارف أدبية، لا غنى للقارىء الأديب الباحث عن المعرفة والمتطلع الى التزيد من بحور الفنون الأدبية، عن اقتنائه.
والله الموفق دار الجيل
стр. 3
مقدمة الطبعة الأولى
الحصرى القيروانى، أبو الحسن الحصرى ، طرف من أخباره، حياته الأدبية، داليته ودالية شوقى، أبو إسحاق الحصرى: شعره ونثره، طريقته في التأليف، التعريف بزهر الآداب، إغفال المجون، تهذيب كتب المتقدمين، رأى الدكتور طه حسين، تهذيب زهر الآداب، تفصيله وضبطه وشرحه، قيمته الأدبية.
الحصرى، القيراونى
الحصرى- بضم الحاء المهملة، وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة- نسبة إلى الحصر أو بيعها، كما ذكر ابن خلكان- والقيروانى: نسبة إلى مدينة القيروان.
ويعرف تاريخ الآداب رجلين بهذا الاسم، أولهما:
أبو الحسن الحصرى
وأبو الحسن هذا هو: على بن عبد الغنى، الفهرى، المقرىء، الضرير، القيروانى، وقد كان- كما ذكر ابن بسّام في الذخيرة- بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم جماعة.
طرأ على الأندلس- كما قال ابن بسام أيضا- في منتصف المائة الخامسة من الهجرة، بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب بأفق الأندلس يومئذ نافق السّوق، معمور الطريق، فتهاداه ملوك الطّوائف تهادى الرياض بالنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار بالأنس المقيم.
ولكنه، فيما نقل، لم يطمئن هناك، فاحتمل على مضض بين زمانه،
стр. 4
وبعد قطره، ثم اشتملت عليه مدينة طنجة بعد خلع ملوك الطوائف، وتوفى بها سنة ٤٨٨ هجرية.
طرف من أخباره
ذكر أنه لما كان مقيما بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيليّة، واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد لم يحفل به، فقال:
نبّه الرّكب الهجوعا ... ولم الدّهر الفجوعا «١»
حمص الجنّة قالت ... لغلامى: لا رجوعا
رحم الله غلامى ... مات في الجنة جوعا
وهذه الأبيات غاية في خفة الروح.
وحكى أن المعتمد بن عباد بعث إلى أبى العرب الزبيدى خمسمائة دينار، وأمره أن يتجهز بها ويتوجّه إليه. وكان بجزيزة صقلّية وهو من أهلها، وبعث مثلها إلى أبى الحسن الحصرى، وهو بالقيروان، فكتب أبو العرب:
لا تعجبنّ لرأسى كيف شاب أسى ... واعجب لأسود عينى كيف لم يشب
البحر للرّوم لا يجرى السّفين به ... إلا على غرر والبرّ للعرب
وكتب له الحصرى:
أمرتنى بركوب البحر أقطعه ... غيرى، لك الخير، فاخصصه بذا الداء
ما أنت نوح فتنجينى سفينته ... ولا المسيح أنا أمشى على الماء
حياته الأدبية
ذكروا أنه كان عالما بالقراءات وطرقها، وأنه أقرأ الناس القرآن الكريم
стр. 5
بسبتة وغيرها، وأن له قصيدة نظمها في قراءات نافع، عدد أبياتها ٢٠٩، وأن له ديوان شعر، وهو القائل:
أقول له وقد حيّا بكأس ... لها من مسك رقّته ختام:
أمن خدّيك يعصر؟ قال: كلا ... متى عصرت من الورد المدام؟
وأشهر قصائده تلك الدالية التي افتنّ في معارضتها الشعراء «١» ولنذكرها هنا لقيمتها وأثرها في تاريخ الآداب العربية، قال:
يا ليل الصبّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
رقد السّمّار وأرّقه ... أسف للبين يردّده
فبكاه النّجم ورقّ له ... مما يرعاه ويرصده
كلف بغزال ذى هيف ... خوف الواشين يشرّده
نصبت عيناي له شركا ... فى النوم فعزّ تصيدّه
وكفى عجبا أنى قنص ... للسّرب سبانى أغيده
صنم للفتنة منتصب ... أهواه ولا أتعبّده
صاح والخمر جنى فمه ... سكران اللحظ معر بده
ينضو من مقلته سيفا ... وكأنّ نعاسا يغمده
فيريق دم العشاق به ... والويل لمن يتقلّده
كلّا لا ذنب لمن قتلت ... عيناه ولم تقتل يده
يا من جحدت عيناه دمى ... وعلى خدّيه تورّده
خدّاك قد اعترفا بدمى ... فعلام جفونك تجحده
إنى لأعيذك من قتلى ... وأظنك لا تتعمّده
стр. 6
بالله هب المشتاق كرى ... فلعلّ خيالك يسعده
ما ضرّك لو دوايت ضنى ... صبّ يدنيك وتبده
لم يبق هواك له رمقا ... فليبك؟؟؟ عليه عوّده
وغدا يقضى أو بعد غد ... هل من نظر يتزوّده؟
يا أهل الشوق لنا شرق ... بالدمع يفيض مورّده
يهوى المشتاق لقاءكم ... وصروف الدهر تبعّده
ما أحلى الوصل وأعذبه ... لولا الأيام تنكده
بالبين وبالهجران فيا ... لفؤادى كيف تجلّده
وممن عارض هذه القصيدة من المتقدمين نجم الدين القمراوى إذ يقول:
قد ملّ مريضك عوّده ... ورثى لأسيرك حسّده
لم يبق جفاك سوى نفس ... زفرات الشوق تصعّده
هاروت بعنعن فن السحر ... إلى عينيك ويسنده
وإذا أغمدت اللحظ فتكت فكيف وأنت تجرّده ... كم سهّل خدّك وجه رضا
والحاجب منك يعقّده ... ما أشرك فيك القلب فلم
فى نار الهجر نحلّده؟
وناصح الدين الأرّجانى إذ يقول:
هل أنت بطولك مسعده ... يا ليل فصبحك موعده
لا كان قصير الليل فتى ... ميعاد منيّته غده
فى صدرى من كلف بكم ... جند للشوق يجنّده
أعليل اللحظ وعلته ... منها المتألّم عوّده
عيناك لسفك دمى جنتا ... فالصّدغ علام تجعّده
ودمى لا يحسن محمله ... فى الناس فلم تتقلّده
لم أنس برامة موقفنا ... والشمل أظلّ تبدّده
стр. 7
رشأ قد أفلت من شركى ... والبين غدا يتصيّده
سرب قد عنّ بذى سلم ... وغدا بفؤادى أغيده
وتطاول يتبعهم نظرا ... صبّ قد طال تبلّده
حرّان القلب متيّمه ... حيران الطرف مسهّده
وأبرع من عارضها من المعاصرين فخر مصر والشرق أمير الشعراء أحمد شوقى (بك) إذ يقول:
مضناك جفاه مرقده ... وبكاه ورحّم عوّده
حيران القلب معذّبه ... مقروح الجفن مسهّده
أودى حرقا إلا رمقا ... يبقيه عليك وتنفده
يستهوى الورق تأوّهه ... ويذيب الصخر تنهّده «١»
ويناجى النجم ويتبعه ... ويقيم الليل ويقعده
ويعلّم كلّ مطوّقة ... شجنا في الدّوج تردّده
كم مدّ لطيفك من شرك ... وتأدّب لا يتصيّده
فعساك بغمض مسعفه ... ولعلّ خيالك مسعده
الحسن حلفت «بيوسفه» ... و «السورة» أنك مفرده
قد ودّ جمالك أو قبسا ... حوراء الخلد وأمرده
وتمنّت كل مقطّعة ... يدها لو تبعث تشهده
جحدت عيناك زكىّ دمى ... أكذلك خدّك يجحده
قد عزّ شهودى إذ رمتا ... فأشرت لخدك أشهده
وهممت بجيدك أشركه ... فأبى واستكبر أصيده
وهززت قوامك أعطفه ... فنبا وتمنّع أملده «٢»
стр. 8
سبب لرضاك أمهّده ... ما بال الخصر يعقّده
بينى في الحب وبينك ما ... لا يقدر واش يفسده
ما بال العاذل يفتح لى ... باب السّلوان وأوصده
ويقول: تكاد تجنّ به ... فأقول: وأو شك أعبده
مولاى وروحى في يده ... قد ضيّعها، سلمت يده!
ناقوس القلب يدقّ له ... وحنايا الأضلع معبده
حسّادى فيه أعذرهم ... وأحقّ بعذرى حسّده
قسما بثنايا لؤلؤها ... قسم الياقوت منضّده
ورضاب يوعد كوثره ... مقتول العشق ومشهده
وبخال كاد يحجّ له ... لو كان يقبّل أسوده
وقوام يروى الغصن له ... نسبا والرمح يفنّده
وبخصر أو هن من جلدى ... وعوادى الهجر تبدّده
ما خنت هواك ولا خطرت ... سلوى بالقلب تبرّده
وإنما ذكرت حياة أبى الحسن الحصرى، وشيئا من أخباره، لأنى رأيت أكثر الناس يحسبونه صاحب زهر الآداب، ولأنى أحب دائما أن أقدم للقارىء ما يمتع عقله ووجدانه من المعارف الأدبية، لأيّة مناسبة؛ ولأن أبا الحسن الحصرى ابن خالة أبى إسحاق الحصرى صاحب زهر الآداب، وفي هذه القرابة ما يدعو للتنويه به في هذا المقام، والظّفر للقارىء على أىّ حال «١» .
стр. 9
أبو إسحاق الحصرى
أما أبو إسحاق الحصرى فهو إبراهيم بن على بن تميم، المتوفّى سنة ٤٥٣ هجرية وقد عنى به كثير من كتّاب التراجم: فتكلم عنه ابن رشيق في الأنموذج، وابن بسّام في الذخيرة، والرشيد بن الزبير في الجنان، وابن خلكان في وفيات الأعيان.
وقد كان شباب القيروان- فيما قالوا- يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، وكان لديهم من المكرمين.
شعره ونثره
أورد ابن رشيق من شعره هذين البيتين:
إنى أحبّك حبّا ليس يبلغه ... فهم، ولا ينتهى وصف إلى صفته
أقصى نهاية علمى فيه معرفتى ... بالعجز منّى عن إدراك معرفته
وأورد له ابن بسّام هذين البيتين:
أورد قلبى الردى ... لام عذار بدا
أسود كالكفر فى ... أبيض مثل الهدى
واختار له ياقوت هذه المقطوعة:
يا هل بكيت كما بكت ... ورق الحمائم في الغصون
هتفت سحيرا، والربى ... للقطر رافعة الجفون
فكانها صاغت على ... شجوى شجى تلك اللحون
دكّرتنى عهدا مضى ... للأنس منقطع القرين
فتصرمت أيامها ... وكأنها رجع الجفون
стр. 10
واختار له أيضا:
كتمت هواك حتى عيل صبرى ... وأدنتنى مكاتمتى لرمسى
ولم أقدر على إخفاء حال ... يحول بها الأسى دون التأسى
وحبك مالك لحظى ولفظى ... وإظهارى وإضمارى وحسى
فإن أنطق ففيك جميع نطقى ... وان أسكت ففيك حديث نفسى
ولو نقلت إلينا من شعره طائفة صالحة لاستطعنا أن نعيّن منزلته بين الشعراء.
أما نثره فمستملح، ويغلب فيه السّجع المقبول، الخالص من شوائب الصنعة والتكلف، والسجع في الأصل حلية وزينة، وإنما يعاب عند الغلوّ والإغراق.
وإليكم أنموذجا مما جاء من نثره في مقدمة كتابه، قال:
«ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة ابن صوحان، وخالد بن صفوان، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه (يريد الفقر الصغيرة) أجمل لفظا، وأسهل حفظا، وهو كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره، إلى شعره، ومطبوعه، إلى مصنوعه، ومحاورته، إلى مفاخرته، ومناقلته، إلى مساجلته، وخطابه المبهت، إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته العريبة، وأوصافه الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، إلى رقيقه البارع» .
وهذا كما ترى سجع يجمع بين دقّة الصّنع، ورقّة الطبع، فهو في دقته مطبوع، لا مصنوع.
طريقته في التأليف
الأدب لا موضوع له، كما يقول أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفى، وكذلك كان يفهمه أبو إسحاق الحصرى، فهو لا يحفل بترتيب المسائل، ولا بتبويب الموضوعات. وإنما يتصرف من الجد إلى الهزل، ومن الأوصاف
стр. 11
إلى التشبيهات، ومن الشعر إلى النثر، ومن المطبوع إلى المصنوع، وهذه الطريقة من أهم الطّرق في التأليف، وإن عابها من لا يفرق بين الموضوعات العلمية، والموضوعات الأدبية.
ذكروا أنه ترك كتابا اسمه «المصون في سر الهوى المكنون» فى مجلد واحد، فيه ملح وآداب، أما كتابه الخالد فهو «زهر الآداب، وثمر الألباب» وإنه ليسجع حتى في تسمية كتبه، وكذلك كان يفعل في عهده المؤلفون.
التعريف بزهر الآداب
كان المتقدمون لا يصفون زهر الآداب إلا بأنه «جمع كلّ غريبة» وهو وصف صادق، وإنى ذاكز هنا بعض صفات هذا الكتاب، وعلى الأخص الصفات التى تعين منهج مؤلّفه، وتميز اتجاه بعض الأفكار في العصر الذى عاش فيه.
وإنا لنجده:
أولا: يهتم ببراعة المطلع، وحسن الختام، فيبدأ كتابه بهذه الجملة:
«الحمد لله الذى اختص الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى تحدّى الخلق أن يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، وأقروا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا» ويختمه بهذه العبارة:
«وقال ابن الأعرابى: أمدح بيت قاله المحدثون قول أبى نواس:
أخذت بحبل من حبال محمّد ... أمنت به من طارق الحدثان «١» » .
ثانيا: يعنى عناية خاصة بالكلام عن الصحابة والتابعين، فينقل أخبارهم، ويدوّن آثارهم، وكانت هذه فيما يظهر عادة إسلامية، فى ذلك الحين.
стр. 12
ثالثا: يجعل الكلام في المصيبة بأبناء النبوة بابا من أبواب الأدب؛ فينقل هذه التعابير:
قد نعي سليل من سلالة النبوة، وفرع من شجرة الرسالة، وعضو من أعضاء الرسول، وجزء من أجزاء الوصىّ والبتول.
تجدّد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب، واستعاد النوائب.
إنها لمصيبة تحيّفت جانب الوحى المنزل، وذكّرت بموت النبى المرسل.
إلخ إلخ:
ويتصل بهذا عنايته بأوصاف الأشراف، كنقله هذه العبارات:
«استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدّلت أغصانه عن نبعة الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشرف والسيادة، وتفقّأت بيضته من سلالة الطهارة، قد جذب القرآن بضبعه، وشقّ الوحى عن بصره وسمعه» إلخ.
وهذا الاتجاه يدل على وجهة سياسية خاصة، فصّلتها بعض التفصيل في كتاب «الأخلاق عند الغزالى» وإلّا فإن النبى يقول: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» بل الله يقول: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ.
رابعا: يبدىء الحصرى ويعيد في الكلام عن البلاغة والبلغاء، والشعر والشعراء، والإنشاء والمنشئين، وكذلك كان أهل عصره يهتمون بدر النثر والشعر، ونحن مدينون لهم بما يتصل بهذا الباب من المعارف الأدبية.
خامسا: يذكر كثيرا من الآداب الاجتماعية التي كان يحمدها الناس لعهده، فيذكر ما يجمل في معاملة الملوك، ويتحدث عن فضل الليل، والحرص على الأدب، وواجب النّسّاخ، وما إلى ذلك مما يتصل بما على المرء من الواجبات، وما له من الحقوق.
стр. 13
إغفال المجون
وقد جرى أبو إسحاق الخصرى في زهر الآداب على إغفال المجون، فنحده يقول عن راشد بن أرشد:
«وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، وصنت الكتاب عن ذكره» .
وقد صرحت بإنكار هذا المهج فى «مدامع العشاق» وبينت هناك أن حرص الحصرى على الأخلاق ضيّع علينا ما أعرض عنه من الآثار الأدبية، وكنا في حاجة إلى أن نعرف كل ما ترك الأولون! وأحب أن يعلم القارىء أن المجون لون من ألوان الغذاء التي تحيا بها العقول، فكما أن الأجسام تحتاج في تغذيتها إلى المواد المختلفة، والعناصر المتنوعة: من الملح، والحلو، والمرّ، كذلك العقول تحتاج في تغذيتها إلى المعارف المتباينة:
من جدّ القول وهزله، وحلوه ومرّه، ولكنّ أكثر الناس لا يفقهون! على أن الحصرى لم يخل كتابه من المجون، بل ومن فاحش المجون، وللقارىء أن يتتبع ما وقع من ذلك في ألفاف الكتاب ليرى كيف غلب لمؤلف على أمره، فأباح ما لا يباح!
стр. 14
تهذيب كتب المتقدمين
يهتم كثير من علماء العصر بتهذيب كتب المتقدمين، وهذا التهذيب ينحصر في حذف المجون وضم بعض الموضوعات إلى بعض، وأنا أنكر هذا الأسلوب، والعهد قريب بما كتبه أستاذنا الدكتور طه حسين في نقد مهذّب الأغانى الذى أظهره الأستاذ الكبير محمد بك الخضرى منذ أسابيع، ويرجّح أن يترك المعاصرون هذه الطريقة المنكرة، بعد تلك الحملة التي أصماهم بها صاحب حديث الأربعاء.
стр. 15
تهذيب زهر الآداب
ولقد رأيت أن أترك تلك الطريقة في تهذيب زهر الآداب؛ لأن المؤلف لم يرد أن يكون كتابه ذا فصول وأبواب، وإنما أراد أن يتصرف القارىء فيه من الشعر إلى النثر، ومن الجد إلى الهزل، إلى آخر ما قال.
وقد ظلّ بين يدىّ نحو تسعة أشهر، وأنا معتقل في سنة ١٩٢٠، فقرأته، ثم قرأته، وعنيت بضبطه، وتصحيح ما وقع فيه من الأغلاط؛ ثم رأيت أن أفصله، والتفصيل فيما أريد سو أن أضع عنوانا لكل موضوع، وما أكثر ما في الكتاب من الموضوعات؛ لأن المؤلف وضع قليلا من العناوين، ثم أخذ يستطرد من معنى إلى معنى، ومن غرض إلى غرض، من غير أن يهتم بالترتيب والتبويب.
وأرجو أن لا يجد القارىء في هذا الصّنع تشويها لعمل المؤلف فقد أبقيت الكتاب كما هو، وأبقيت على عناوينه وأبوابه، وفقره وفصوله، ووضعت ما أبدعت من العناوين في بنط خاص، فإذا شاء القارىء أن يعرف كيف وضع الكتاب مؤلفه فليرفع فقط ما جدّ من العناوين.
стр. 16
أهمية هذا التفصيل
على أننى مطمئن إلى ما صنعت؛ فقد كان الكتاب متقاذف الأرجاء، بسبب ما كثر فيه من الاستطراد، فأصبح بفضل هذا التفصيل، محدود الموضوعات، بحيث يهتدى فيه القارىء إلى مئات المسائل الآدبية، من غير أن يكلف نفسه عناء البحث والتنقبب.
ولم أحجم عن تكرار العنوان الواحد حين يقتضى المقام ذلك، وربما أضفت كلمة يتميز بها العنوان الجديد «١» .
الضبط والشرح
كان زهر الآداب مطبوعا على هامش العقد الفريد «٢» ، من غير ضبط ولا شرح، وكان يكفى أن يطبع الكتاب طبعة أزهرية ليصبح مثالا في المسخ والتشويه، ولتقذى في قراءته العيون، وتضل في فهمه العقول؛ فأنفقت من جهدى ومن وقتى، فى تحقيق ما جناه مرّ السنين وعبث الجاهلين، ما لا أمنّ به على القارىء إلا وأنا آسف محزون؛ لأنى مدين لمن طبعوه أول مرة على أىّ حال، أحسن الله جزاءهم، وتجاوز عمّا رماهم به الزمن من ألوان الضعف والقصور.
فى الطبعة القديمة كثير من الأغلاط، ولا غرابة في ذلك، فقد كان الأدب يوم ظهرت قليل الأنصار، وقد اعتمدت في ضبط هذه الطبعة على مراجعة الأصول التي أخذ منها زهر الأداب، وعلى ما أثق به من مختلف المعاجم والقواميس، فإن استطاع القارىء أن يلفتنى إلى خطإ فاتنى إصلاحه، فإنى بشكره خليق.
стр. 17
أما الشرح فقد اجتهدت في أن يكون غاية في الإيجاز؛ لأن الإطناب في شرح الكتب الأدبية من جملة العيوب، وقد تمر الصفحة بلا شرح، حين تستغنى عن ذلك؛ لأنى أمقت التكلف، وأبغض المتكلّفين.
وقد قسمت الكتاب إلى أربعة أجزاء، وكان المؤلف قسمه إلى ثلاثة، وهي مسألة اعتبارية؛ لأن الكتاب في الأصل مبنى على التنقل والاستطراد.
стр. 18
قيمة زهر الآداب
كان المتقدمون يعنون بدراسة الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، وأدب الكاتب لابن قتيبة، والنوادر لأبى على القالى، وكانت هذه الكتب أصول الأدب عندهم كما ذكر ابن خلدون، وعندى أن زهر الآداب أغزر مادة، وأكبر قيمة من جميع تلك المصنّفات؛ لأن ذوق الحصرى ذوق أدبىّ صرف، أما أولئك فقد كانت أهواؤهم موزعة بين اللغة، والرواية، والنحو، والتصريف.
إن زهر الآداب دائرة معارف أدبية، شاء الله أن تسلم من جناية الليالى، والحمد لله على أن كنت الموفّق إلى إحياء هذا الأثر النفيس.
محمد زكى عبد السلام مبارك ٢٢ فبراير سنة ١٩٢٥
стр. 19
مقدمة الطبعة الثانية
موضع زهر الآداب، الوصف عند كتاب القرمه الرابع، نماذج من التعابير الوصفية، نظرية الفن للفن وقيمة الزخرف والصنعة، الخصوصات الأدبية في القرمه الرابع رأى القارىء في مقدمة الطبعة الأولى إشارات إلى الخصائص التي امتاز بها زهر الآداب، ونريد في هذه الكلمة أن ننص على أن هذا الكتاب أريد به أن يكون صورة للعصر الذى عاش فيه مؤلفه ﵀، وإنه ليذكر أن أبا الفضل العباس بن سليمان رحل إلى المشرق في طلب الكتب «باذلا في ذلك ماله، مستعذبا فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، وغرائب غريبة» ثم سأله أن يجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن جملتها، وأن يضيف إلى ذلك من كلام المتقدمين ما قار به وقارنه وشابهه وماثله إلخ فغاية الكتاب إذا تخيّر ما طاب من ثمرات العقول في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس.
ولنذكر أولا أن الحصرى توفى سنة ٤٥٣، ولكننا نرجح أنه وضع زهر الآداب قبل وفاته بأكثر من عشرين عاما، فقد حدثنا في أثناء كتابه أنه يعاصر الثعالبى؛ إذ قال «وأبو منصور يعيش إلى وقتنا هذا» حين أشار إلى مختار ما كتبه الميكالى إليه. والثعالبى توفى سنة ٤٢٩؛ وإنما عيّنا أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس لأن الحصرى أشار إلى أن فيمن نقل عنهم من أدركه بعمره، أو لحقه أهل دهره. ولذلك العهد من حياة الأدب طابع خاص، فصلت خصائصه ومميزاته في كتابى الذى وضعته بالفرنسية عن النثر في القرن الرابع، وإنى لمشير هنا إلى بعض الجوانب البارزة في أدب ذلك العصر؛ ليكون القارىء
стр. 20
على بينة من الروح الذى استوحاه مؤلف زهر الآداب.
أظهر ميزة في ذلك العصر هي إجادة الوصف، فقد اهتم كتّابه اهتماما عظيما بوصف ما وقعت عليه أعينهم أو جرى في خواطرهم، ولم يكن الوصف عندهم مما يأتى عفوا عند المناسبات الطارئة، كما كان الحال في أوائل العصر الإسلامى، لا، بل تعمدوا استقصاء الموضوعات الوصفية: فأطالوا الحديث عن الأزهار، والرياض، والنبات، والنسيم، والرياح، والليل، والنجوم، والجداول، والغدران، والأنهار، والبحار، والأحواض، والقصور، ومنازل اللهو، ومجالس الشراب، والنساء، والغلمان، والجوارى السود، والقيان، وآلات الطرب، ومحاسن الشباب، وأهوال المشيب، والرعد والبرق، والمطر والثلج، والصحو، والبلاغة والشعر والنثر، والخيل، والسيوف، والنار، والأفاعى، والثعابين، والطيور، والأطعمة، والفواكه، والسكاكين، والكؤوس، والخواتم، والحلى، والقلائد، والمحابر، والأقلام، والسفن، والذواب، والجيوش، والأساطيل، وأيام الصيف والشتاء والربيع.
وأطنبوا في وصف المعانى الوجدانية، كما أطنبوا في وصف المرئيات، فتكلموا عن أهواء النفوس ونزعلتها، فوصفوا الحقد، والبغض، والكرم، والنبل، وعرضوا لما يقع لأهل المهن وللرؤساء من الهنات والعورات. كل ذلك بطريقة مقصودة تدل على أنه كان لهم برنامج خاص لم يعرفه أسلافهم. وهذا المذهب له عيوبه ومزاياه: فعيبه أنه حملهم على التكلف والإسراف، وحسنه أنه حملهم على تنظيم أفكارهم، وترتيب أغراضهم، فإن القارىء يرى لهم قوة في تصوير المرئيات والمعنويات لا يراها لمن سبقوهم، وذلك بفضل هذا الاتجاه الذى جعل في عصرهم مدرسة وصفية لا نراها في عصر الخلفاء ولا عهد بنى أمية ولا أوائل أيام بنى العباس.
ولا ننكر أن الكتّاب السابقين أجادوا الوصف في كثير من الموضوعات
стр. 21
ولكننا نقرر أن كتّاب القرن الرابع عمدوا إلى كل ما يقع عليه الحس، أو يجرى في الخاطر، أو ينقده العقل، فوصفوه وصفا مفصلا مقصودا بطريقة لم يفكر في مثلها المتقدمون.
وقد قدم لنا صاحب زهر الآداب شواهد كثيرة في مواطن متفرقة من كتابه عن الأوصاف التي عنى بها كتاب ذلك العصر. فلنثبت منها شيئا ليرى القارىء صدق ما نراه من قصد رجال ذلك العهد إلى إجادة الوصف.
من ذلك قولهم في وصف الماء:
ماء كالزجاج الأزرق.
غدير كعين الشمس.
ماء كلسان الشمعة، فى صفاء الدمعة، يسبح في الرّضراض، سبح النّضناض.
ماء أزرق كعين السّنور، صاف كقضيب البلور.
غدير ترقرقت فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب.
وقولهم في وصف سكّين:
«سكين كأن القدر سائقها، أو الأجل سابقها، مرهفة الصدر، ممنطقة الخضر، يجول عليها فرند العتق، ويموج فيها ماء الجوهر، كأن المنية تبرق من حدها، والأجل يلمع من متنها، ركّبت في نصاب آبنوس، كأن الحدق نفضت عليه صبغها، وحب القلوب كسته لباسها، أخذ لها حديدها الناصع بحظ من الروم، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزنج، فكانها ليل من تحت نهار، أو مجمر أبدى سنا نار، ذات غرار ماض، وذباب قاض.
سكين أحسن من التلاق، وأقطع من الفراق، تفعل فعل الأعداء، وتنفع نفع الأصدقاء» .
стр. 22
وقولهم في وصف متكبر:
«قد أسكرته خمرة الكبر، واستغرقته لذة التيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكان يوسف لم ينظر إلا بطلعته، وداود لم ينطق إلا بنغمته، ولقمان لم يتكلم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا من جبينه، والغمام لم يبد إلا من يمينه» .
وكان من أثر ذلك أن أصبح هذا العصر غنيا جدا بالتعابير الوصفية الرائعة فى أكثر أبواب الوصف. ومن ذا الذى يرتاب في جمال قولهم في وصف النثر والنظم مما اختاره صاحب زهر الآداب:
نثر كنثر الورد، ونظم كنظم العقد.
نثر كالسحر أو أدق، ونظم كالماء أو أرق.
رسالة كالروضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدّرة الرشيقة.
نثر كما تفتّح الزّهر، ونظم كما تنفّس السّحر.
وقولهم في أوصاف النساء:
هى روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض.
هى من وجهها في صباح شامس، ومن شعرها في ليل دامس، كأنها فلقة قمر على برج فضة.
بدر التّم يضىء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها.
لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج.
مطلع الشمس من وجهها، ونبت الدر من فمها، وملقط الورد من خدها، ومنبع السحر من طرفها، ومبادى الليل من شعرها، ومغرس الغصن من قدها، ومهيل الرمل من ردفها ... إلخ.
стр. 23
وقولهم في صفات الغلمان:
جاءنا في غلالة تنمّ على ما يستره، وتحنو مع رقتها على ما يظهره.
الجنة مجتناة من قربه، وماء الجمال يترقرق في خده، ومحاسن الربيع بين سحره ونحره، والقمر فضلة من حسنه.
له طرّة كالغسق، على غرة كالفلق.
الحسن ما فوق أزراره، والطيب ما تحت إزاره.
هو قمر في التصوير، وشمس في التأثير.
وجه بماء الحسن مغسول، وطرف عرود السحر مكحول شادن فاتر طرفه، ساحر لفظه، تكاد القلوب تأكله، والعيون تشربه.
السحر في ألحاظه، والشّهد في ألفاظه.. إلخ.
ولقد ظلت هذه التعابير الوصفية منبعا يستقى منه الكتّاب إلى العصر الحديث، والنقاد في مصر أعجبوا بقول حافظ إبراهيم في وصف الصهباء:
خمرة قيل إنهم عصروها ... من خدود الملاح في يوم عرس
وهو خيال سبق إليه كتاب القرن الرابع، وردده ابن خفاجة إذ قال:
وشربتها عذراء تحسب أنها ... معصورة من وجنتى عذراء
وقد ظن أستاذنا الدكتور طه حسين أن حافظ إبراهيم أول من ألمّ بهذا «١» الخيال فنقده وسفّهه حين عرض لنقد ترجمة البؤساء. فلينقل المعركة إذن إلى ميدان القرن الرابع، وإن كنت لا أدرى كيف يعاف الشراب المعصور من خدود الملاح.
وكذلك أعجب النقاد بقول السيد توفيق البكرى في وصف النساء «صدور كالإغريض، أو صدور البزاة البيض»
стр. 24
وهي عبارة مأخوذة من قول الثعالبى في وصف آثار السرى الرفاء:
«كأنها أطواق الحمام، وصدور البزاة البيض، وأجنحة الطواويس، وسوالف الغزلان، ونهود العذارى الحسان، وغمزات الحدق الملاح» وكذلك يمكن رد أكثر التعابير الوصفية التي يغرم بها كتاب الصنعة في العصر الحاضر من امثال الأساتذة: صادق عنبر، ومحمد السباعى، ومحمد هلال وكان القرن الرابع يؤدى للقرون التي تلته ما أخذه عن القرون التى سبقته، فقد كان كتّابه مولعين بحل الشعر لا يرون معنى بديعا، ولا حيالا طريفا إلا اقتبسوه، وأضافوه إلى ثروتهم النثرية وقد أشاع كتاب القرن الرابع نظرية (الفن للفن) وإن لم يدركوا ما لهذه النظرية من الأوضاع والتقاليد؛ فقد عودوا القراء تذوق الكتابة البديعة، وحببو إليهم النثر المصنوع، فأصبح المتأدبون يتأملون مواقع الألفاظ وقرار التراكيب، وصارت فنون البديع من تورية وجناس وطباق أصولا فنية يجد القارىء لذة ومتعة حين يراها وقعت موقعا حسنا وأصابت الغرض الذى وضعت له، ولو كان غرضا لفظيا لا يتوقف عليه تمام المعنى المقصود ولكن أليس لهذا الزخرف قيمة في فهم ذلك العصر؟ بلى، إنه يدلنا على أن أولئك الناس عرفوا لغتهم معرفة جيدة، ووقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، وكان همهم أن يرتبوا الألفاظ والمعانى والتعابير والأخيلة، حتى استطاع كاتبهم أن يحشر أرباب الصناعات في صعيد واحد ثم ينطقهم بأسرار البلاغة، كل على طريقته وبأسلوبه الذى يختاره في مقر مهنته ومهد عمله. وما نحسب كتاب القرون الأولى مثلا كانوا يفكرون في جمع شتات اللغة لتصبح طوع أفكارهم وأقلامهم، وإنما كانوا قوما يكتفون في سبيل الوصول إلى أغراضهم بالعبارة
стр. 25
الواضحة الموجزة التي يفهمها عامة الناس وخاصتهم. أما كتاب هذا القرن فقد أصبحوا في حاجة إلى صفوة تقرأ لهم وتفهم عنهم؛ إذ أصبح خيالهم قويا، ولغتهم غنية، لا يدرك أسرارها الجمهور؛ فليس كل قارىء ولا كل سامع بمستطيع أن يتذوق تشبيه الخط الجميل بأزهار الربيع، والألفاظ بقلائد النحر، والمعانى بلآلىء، ولا أن يدرك كيف تتمنى كل جارحة أن تكون أذنا تلتقط درر الكلام وجواهره، أو عينا تجتلى مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره إذن فالصنعة التي عرف بها كتاب القرن الرابع لها وجهان: وجه جميل يدل على حذقهم وبراعتهم، ووجه آخر يدل على بعدهم من غاية البيان وهي الوضوح، إذ كان الإغراق في الصنعة بابا من الغموض ومن أهم الجوانب التي تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر الخصومات العنيفة التى قامت بين الكتاب؛ فقد كانت بينهم مناوشات ومجادلات نشأت عن أطماعهم فى الحياة المادية، وكانوا يمثلون غالبا طوائف من الأفكار الدينية والسياسية يقومون في الدفاع عنها بما تقوم به الجرائد المغرضة في العصر الحاضر، وكان لهم من القوة ما كان للشعراء؛ فلم يكن بد من أن يتنافس أصحاب الملك في تقريبهم، ولم يكن بد كذلك من أن يتنافس هؤلاء في الاستئثار بالحظوة عند الوزراء والرؤساء والملوك وفي الرسالة التي كتبها بديع الزمان إلى أبى نصر بن المرزبان فقرات مرة تمثل ما كان عليه كتاب ذلك العصر من الطمع في المناصب الرسمية ومن ضعف الخلق عند الغنى، ومن النّبل عند الفقر: إذ «تنسيهم أيام اللدونة، أوقات الخشونة، وأزمان العذوبة، ساعات الصعوبة» وقد كانوا كما قال: «ما اتسعت دورهم، إلا ضاقت صدورهم، ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم، ولا زاد مالهم إلا
стр. 26
معروفهم، ولا ورمت أكياسهم إلا ورمت أنوفهم، ولا صلحت أحوالهم، إلا فسدت أعمالهم، ولا فاض جاههم، إلا غاضت مياههم، ولا لانت برودهم، إلا صلبت خدودهم» «١» وفي تلك المنافسات الشديدة، وتلك الدسائس الملعونة، التى كانت تقع بين الكتاب، دليل على جشعهم في حب الحياة، وفهمهم لها فهما ماديا يتناسب مع تلك العبقريات الغنية التي ظهرت في فقرهم ورسائلهم وأبحاثهم؛ فإنه من المؤلم أن تظل قوة الحقد ويقظة الأثرة، وشدة العداوة، فى كل عصر من السّمات الغالبة على كبار الكتاب، ومن النادر أن تجد كاتبا كريما يعطف على زملائه، ويحب لهم الخير، ويتمنى لهم السّداد. وقديما أفزعت هذه الظاهرة عبد الحميد بن يحيى- وكان رجلا نبيلا- فكتب وصيته المعروفة يدعو بها الكتاب إلى التعاون ونبذ الأحقاد، وفى أيامنا تبعث تلك الشمائل من جديد؛ فلا نجد كاتبا في العالم العربى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بحيث نظن أن شبوب العبقرية يوحى بالطمع، والاستبداد بالفضل، والاستئثار بالجاه وأهم الخصومات التي وقعت بين كتاب ذلك العصر خصومة الهمذانى والخوارزمى، وخصومة التوحيدى والصاحب بن عباد أما خصومة الهمذانى والخوارزمى فترجع إلى رغبة الهمذانى في الظهور، وطمعه في الانفراد بالشهرة، وأهم مصدر لهذه الخصومة الرسالة المطولة التي كتبها الهمذانى في وصف المناظرة التي قامت بينه وبين الخوارزمى، وهي رسالة مغرضة مملوءة بالتحامل والصّغرنة، وليس فيها أفكار حدية تجعل خصومة بين عقلين، إنما هي محاورات لفظية تدل على غلبة الزخرف وتمكنه في السيطرة على عقول أهل
стр. 27
ذلك الجيل. ولو أن الخوارزمى دوّن بدوره تلك المناظرة لرأينا وجهين في بسط ذلك الحادث الأدبى، واستطعنا أن نستخلص من مقابلة النصين نفس الرجلين، ولكن الهمذانى تكلم وحده؛ فعرفنا فقط مبلغ زهوه وكبريائه وطمعه في كبت كاتب كان يومئذ على رأس الكاتبين.
أما خصومة التوحيدى لابن عباد فترجع فيما ذكر كتاب التراجم إلى سبب مادى، وذلك أن التوحيدى رغب في مال ابن عباد وجاهه، فضاق عنه صدر هذا، فكتب التوحيدى كتابه «أخلاق الوزيرين» وهو كتاب جارح كشف به عورات ابن العميد وابن عباد. ثم عاد إليهما بالتجريح أيضا في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» وأسلوبه في الهجاء أسلوب خطر فظيع؛ إذ يختلق الحوادث والإشارات وينطفهما برسائل ومقطوعات تهوى بهما إلى الحضيض. ويعتبر التوحيدى من الوجهة الفنية رجلا خصب الذهن، غنى اللغة، وافر المحصول، قوى الخيال.
وقد تنبه المتأدبون إلى تحامل التوحيدى وإسرافه في التعصب والتحامل وشاع الاعتقاد بأن كتابه «أخلاق الوزيرين» كتاب مشئوم، لا يملكه أحد إلا انعكست أحواله، ويذكر ابن خلكان أنه جرب هذا وجر به من يثق به «١» فإذا صح هذا الوهم كان التوحيدى قد عوقب على بغيه وظلمه وبهتانه؛ فقد أنظر الصاحب بن عباد بعبارات مخجلة يندى لها وجه القارى، وينفر منها الطبع والذوق، وإن كانت وضعت بأسلوب شائق خلاب.
стр. 28
تلك، أيها القارىء، كلمة وحيزة أقدم بها الطبعة الثانية، راجيا أن تكون كافية في وصف الاتجاهات الفنية والعقلية التي عمل في ظلالها مؤلف زهر الآداب، وإنى لآمل أن يكون في هذه الطبعة من آثار الجهد والحرص على الصواب بعض ما يجب في خدمة الأدب العربى الذى أصبح إحياؤه ونشره من أظهر محامد مصر فى العصر الحديث؟
زكى مبارك مصر الجديدة في ١٥ نوفمبر سنة ١٩٢٩
стр. 29
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله الذى اختصّ الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى يحدّى الخلق أن يأتوا بمثله فعجزوا عنه، وأقرّوا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
وبعد؛ فهذا كتاب اخترت فيه قطعة كاملة من البلاغات؛ فى الشعر والخبر، والفصول والفقر «١» ، مما حسن لفظه ومعناه، واستدلّ بفحواه على مغزاه «٢» ، ولم يكن شاردا حوشيّا «٣» ، ولا ساقطا سوقيّا «٤» ، بل كان جميع ما فيه، من ألفاظه ومعانيه، كما قال البحترى «٥» :
فى نظام من البلاغة ما ش ... كّ امرؤ أنّه نظام فريد «٦»
حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنّبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد
ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة
стр. 30
ابن صوحان «١» ، وخالد بن صفوان «٢» ، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه أجمل لفظا، وأسهل حفظا.
وهو كتاب يتصرّف الناظر فيه من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته «٣» إلى مساجلته «٤» ، وخطابه المبهت «٥» إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجدّه المعجب «٦» إلى هزله المطرب، وجز له الرائع إلى رقيقه البارع.
وقد نزعت فيما جمعت عن ترتيب البيوت «٧» ، وعن إبعاد الشكل عن شكله، وإفراد الشىء من مثله؛ فجعلت بعضه مسلسلا «٨» ، وتركت بعضه مرسلا «٩» ؛ ليحصل محرّر النّقد «١٠» ، مقدّر السّرد «١١» ؛ وقد أخذ بطر في التأليف، واشتمل على حاشيتى التصنيف؛ وقد بعز المعنى، فألحق الشّكل بنظائره، وأعلّق الأول بآخره، وتبقى منه بقية أفرّقها فى سائره «١٢» ليسلم من التطويل المملّ، والتقصير المخلّ، وتظهر في التجميع إفادة الاجتماع؛ وفى التفريق لذاذة
стр. 31
الإمتاع، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع «١» ؛ إذ كان الخروج من جدّ إلى هزل، ومن حزن إلى سهل «٢» أنفى للكلل «٣» ، وأبعد من الملل؛ وقد قال إسماعيل بن القاسم [هو أبو العتاهية] «٤» :
لا يصلح النفس إذ كانت مدابرة ... إلا التنقّل من حال إلى حال «٥»
وكان السبب الذى دعانى إلى تأليفه، وندبنى إلى تصنيفه، ما رأيته من رغبة أبى الفضل العباس بن سليمان- أطال الله مدّته، وأدام نعمته! - فى الأدب «٦» ، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب؛ وأن اجتهاده في ذلك حمله على أن ارتحل إلى المشرق بسببها، وأغمض في طلبها «٧» ، باذلا في ذلك ماله، مستعذبا فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، وغرائب غريبة، وسألنى أن أجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن جملتها، وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدّمين ما قار به وقارنه، وشابهه وماثله؛ فسارعت إلى مراده، وأعنته على اجتهاده، وألّفت له هذا الكتاب، ليستغنى به عن جميع كتب الآداب؛ إذ كان موشّحا من بدائع البديع «٨» ، ولآلىء الميكالى، وشهىّ الخوارزمى، وغرائب الصاحب، ونفيس قابوس، وشذور أبى منصور «٩» بكلام يمتزج بأجزاء النفس لطافة، وبالهواء رقة، وبالماء عذوبة.
стр. 32
وليس لى في تأليفه من الافتخار، أكثر من حسن الاختيار؛ واختيار المرء قطعة من عقله، تدلّ على تخلّفه أو فضله؛ ولا شكّ- إن شاء الله- فى استجادة ما استجدت، واستحسان ما أوردت؛ إذ كان معلوما أنه ما انجذبت نفس، ولا اجتمع حسّ، ولا مال سر، ولا جال فكر، فى أفضل من معنى لطيف، ظهر فى لفظ شريف؛ فكساه من حسن الموقع، قبولا لا يدفع، وأبرزه يختال من صفاء السبك [ونقاء السّلك] وصحة الدّيباجة، وكثرة المائية، فى أجمل حلة، وأجلى حلية:
يستنبط الروح اللطيف نسيمه ... أرجا، ويؤكل بالضمير ويشرب «١»
وقد رغبت في التجافى عن المشهور، فى جميع المذكور، من الأسلوب الذى ذهبت إليه، والنحو الذى عوّلت عليه؛ لأن أوّل ما يقرع الآذان، أدعى إلى الاستحسان، مما مجّته «٢» النفوس لطول تكراره، ولفظته «٣» العقول لكثرة استمراره؛ فوجدت ذلك يتعذّر ولا يتيسر، ويمتنع ولا يتّسع «٤» ؛ ويوجب ترك ما ندر إذا اشتهر؛ وهذا يوجب في التصنيف دخلا «٥» ، ويكسب التأليف خللا؛ فلم أعرض إلّا عما أهانه الاستعمال، وأذاله الابتذال «٦» ؛ والمعنى إذا استدعى القلوب إلى حفظه، ما ظهر من مستحسن لفظه؛ من بارع عبارة «٧» ، وناصع استعارة، وعذوبة مورد، وسهوله مقصد، وحسن تفصيل، وإصابة تمثيل؛ وتطابق أنحاء، وتجانس أجزاء، وتمكّن ترتيب، ولطافة تهذيب، مع صحّة طبع وجودة إيضاح، يثقفه تثقيف القداح، ويصوره أفضل تصوير، ويقدّره أكمل تقدير؛ فهو مشرق
стр. 33
فى جوانب السمع، لا يخلقه عوده على المستعيد «١» :
وهو المشيّع بالمسامع إن مضى ... وهو المضاعف حسنه إن كرّرا
وإن كنت قد استدركت على كثير ممن سبقنى إلى مثل ما جريت إليه، واقتصرت في هذا الكتاب عليه، لملح أوردتها كنوافث السحر «٢» ؛ وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر، من ألفاظ أهل العصر، فى محلول النثر، ومعقود الشعر؛ وفيهم من أدركته بعمرى، أو لحقه أهل دهرى؛ ولهم من لطائف الابتداع، وتوليدات الاختراع، أبكار لم تفترعها الأسماع «٣» ، يصبو إليها القلب والطّرف، ويقطر منها ماء الملاحة والظّرف، وتمتزج بأجزاء النفس، وتسترجع نافر الأنس، تخلّلت تضاعيفه، ووشّحت تأليفه، وطرّزت ديباجه، ورصّعت تاجه، ونظمت عقوده، ورقمت بروده؛ فنورها يرفّ، ونورها يشفّ، فى روض من الكلم مونق، ورونق من الحكم مشرق:
صفا ونفى عنه القذى فكانه ... إذا ما استشفّته العيون مصعّد «٤»
فهو كما قلت:
بديع نثر رقّ حتّى غدا ... يجرى مع الرّوح كما تجرى
من مذهب الوشى على وجهه ... ديباجة ليست من الشعر «٥»
كزهرة الدنيا وقد أقبلت ... ترود في رونقها النّضر «٦»
أو كالنسيم الغض غبّ الحيا ... يختال في أردية الفجر «٧»
ولعل في كثير مما تركت، ما هو أجود من قليل مما أدركت؛ إذ كان اقتصارا من كلّ على بعض، ومن فيض على برض «٨» ؛ ولكنى اجتهدت في اختيار
стр. 34
ما وجدت؛ وقد تدخل اللفظة في شفاعة اللفظات، ويمرّ البيت في خلال الأبيات، وتعرض الحكاية في عرض الحكايات، يتمّ بها المعنى المراد، وليست مما يستجاد، ويبعث عليها فرط الضرورة إليها [فى إصلاح خلل] ؛ فمهما تره من ذلك في هذا الاختيار، فلا تعرض عنه بطرف الإنكار؛ وما أقلّ ذلك في جميع المسالك الجارية فى هذا الكتاب، الموسوم ب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لكنى أردت أن أشارك من يخرج من ضيق الاغترار، إلى فسحة الاعتذار:
ويسىء بالإحسان ظنّا، لا كمن ... يأتيك وهو بشعره مفتون «١»
والله المؤيد والمسدّد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[إنّ من البيان لسحرا]
[الزّبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله]
روى عن عبد الله بن عبّاس- رضوان الله عليهما! - قال:
وفد إلى رسول الله ﷺ الزّبر قان بن بدر وعمرو بن الأهتم؛ فقال الزبرقان: يا رسول الله! أنا سيد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقّهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك- يعنى عمرا.
فقال عمرو: أجل يا رسول الله؛ إنه مانع لحوزته «٢» ، مطاع في عشيرته، شديد العارضة فيهم «٣» .
فقال الزبرقان: أما إنه والله قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدنى شرفى! فقال عمرو: أما لئن قال ما قال؛ فو الله ما علمته إلا ضيّق العطن «٤» ، زمر المروءة «٥» ، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى.
стр. 35
فرأى الكراهة في وجه رسول الله ﷺ لمّا اختلف قوله؛ فقال: يا رسول الله؛ رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية! فقال رسول الله ﷺ : إنّ من البيان لسحرا، وإنّ من الشعر لحكمة. ويروى لحكما، والأول أصح.
والذى روى أهل الثّبت، من هذا الحديث أنّه قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا؛ فعجب الناس لبيانهما؛ فقال رسول الله ﷺ : إنّ من البيان لسحرا، أو إن من بعض البيان لسحرا «١» .
[ترجمة عمرو بن الأهتم]
وعمرو بن الأهتم هو: عمرو بن سنان بن سمىّ [بن سنان بن خالد] ابن منقر ابن عبيد بن الحارث، والحارث هو: مقاعس بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم. وسمّى سنان الأهتم لأنّ قيس بن عاصم المنقرى سيد أهل الوبر ضربه بقوسه فهتم فاه. هذا قول أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة. وقال غيره: بل هتم فوه يوم الكلاب الثانى، وهو يوم كان لبنى تميم على أهل اليمن. وكان عمرو يلقب المكحّل لجماله، وبنو الأهتم أهل بيت بلاغة في الجاهلية والإسلام. وعبد الله بن عمرو بن الأهتم هو جدّ خالد ابن صفوان وشبيب بن شيبة. وكان يقال: الخطابة في آل عمرو، وكان شعره حللا منّشرة عند الملوك تأخذ منه ما شاءت. وهو القائل:
ذرينى فإن البخل يا أمّ مالك ... لصالح أخلاق الرجال سروق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «٢»
[ترجمة الزبرقان ابن بدر]
والزبرقان: اسمه حصين بن بدر بن امرئ القيس [بن الحارث] بن
стр. 36
بهدلة بن عوف بن كعب بن سعيد. وسمى الزّبرقان لجماله؛ والزبرقان:
القمر [قبل تمامه] وقيل: لأنّه كان يزبرق عمامته، أى يصفّرها في الحرب.
وكانوا يسمّون الكلام الغريب «السّحر الحلال» ، ويقولون: اللفظ الجميل من إحدى النّفثات في العقد «١» .
[عمر بن عبد العزيز وغلام يتقدم وفد قومه]
وذكر بعض الرّواة أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ قدم عليه وفود أهل كل بلد؛ فتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأبّ، منهم غلام للكلام «٢» ، فقال عمر: يا غلام؛ ليتكلّم من هو أسنّ منك! فقال الغلام:
يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسنّ لكان هاهنا.
من هو أحقّ بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة «٣» ، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة؛ لأنّا قد أمنّا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا! فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل: عشر سنين.
وقد روى أن محمد بن كعب القرظى كان حاضرا، فنظر وجه عمر قد تهلّل عند ثناء الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإنّ قوما خدعهم الثناء، وغرّهم الشكر، فزّلت أقدامهم، فهووا في النار «٤» . أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسالف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خيف عليه، وقال: اللهم لا تخلنا من واعظ!
стр. 37
وقد روى أن عمر قال للغلام: عظنى، فقال هذا الكلام، وفيه زيادة يسيرة ونقص وأخذ قول عمر: «هذا السحر الحلال» أبو تمام فقال يعاتب أبا سعيد محمد بن يوسف الطائى:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها ... جعلت المنع منك لها عقالا
فأين قصائد لى فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا
هى السّحر الحلال لمجتليه ... ولم أر قبلها سحرا حلالا
[من ابن العميد إلى بعض إخوانه]
وكتب أبو الفضل بن العميد «١» إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب ورد إليه [فأحمده] :
وصل ما وصلتنى به، جعلنى الله فداك، من كتابك، بل نعمتك التامة، ومنّتك العامة؛ فقرّت عينى بوروده، وشفيت نفسى بوفوده، ونشرته فحكى نسيم الرياض غبّ المطر، وتنفّس الأنوار «٢» فى السّحر، وتأمّلت مفتتحه، وما اشتمل عليه من لطائف كلمك، وبدائع حكمك؛ فوجدته قد تحمّل من فنون البرّ عنك، وضروب الفضل منك، جدّا وهزلا، ملأ عينى، وعمر قلبى، وغلب فكرى، وبهر لبّى؛ فبقيت لا أدرى: أسموط ذرّ خصصتنى بها، أم عقود جوهر منحتنيها؟ كما لا أدرى أبكرا زففتها فيه، أم روضة جهزتها منه؛ ولا أدرى أخدودا ضرّجت حياء ضمّنته؛ أم نجوما طلعت عشاء أودعته؛ ولا أدرى أجدّك أبلغ وألطف، أم هزلك أرفع وأظرف؛ وأنا أوكّل بتتبّع ما انطوى عليه نفسا لا ترى الحظّ إلا ما اقتنته منه، ولا تعدّ الفضل إلا فيما أخذته عنه، وأمتّع بتأمّله عينا لا تقرّ إلّا بمثله، مما يصدر عن يدك، ويرد من عندك، وأعطيه نظرا لا يمله، وطرفا لا يطرف دونه، وأجعله مثالا أرتسمه وأحتذيه،
стр. 38
وأمتّع خلقى برونقه، وأغذّى نفسى ببهجته، وأمزج قريحتى برقّته، وأشرح صدرى بقراءته، ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزا، وفي تعديد ما ذكرته متخلفا؛ لقد عرفت أنه ما سمعت به من السّحر الحلال.
[من وصف الكلام بالسحر]
وقال بعض المحدثين يمدح كاتبا:
وإذا جرى قلم له في مهرق ... عجلان في رفلانه ووجيفه «١»
نظمت مراشفه قلائد نظّمت ... بنفيس جوهر لفظه وشريفه
بدعا من السّحر الحلال تولّدت ... عن ذهن مصقول الذكاء مشوفه «٢»
مثلا لضاربه وزاد مسافر ... جعلت وتحفة قادم لأليفه
[وصف رجل محبوبه]
وعلى ذكر قوله «وتحفة قادم» قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: وصف رجل رجلا فقال: كان والله سمحا سهلا، كأنما بينه وبين القلوب نسب، أو بينه وبين الحياة سبب، إنما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة عقد.
[عود إلى وصف الكلام بالسحر]
وأخذ بعض بنى العباس رجلا طالبيّا، فهمّ بعقوبته، فقال الطالبى: والله لولا أن أفسد دينى بفساد دنياك لملكت من لسانى أكثر مما ملكت من سوطك، والله إنّ كلامى لفوق الشعر، ودون السّحر، وإن أيسره ليثقب الخردل، ويحطّ الجندل.
وقال على بن العباس «٣» يصف حديث امرأة:
وحديثها السّحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرّز «٤»
إن طال لم يملل، وإن هي أو جزت ... ودّ المحدّث أنّها لم توجز
شرك العقول، ونزهة ما مثلها ... للمطمئن، وعقلة المستوفز «٥»
стр. 39
ألمّ في بيته الآخر بقول الطائى:
كواعب أتراب لغيداء أصبحت ... وليس لها في الحسن شكل ولا ترب «١»
لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحبّ «٢»
وأول من استثار هذا المعنى امرؤ القيس بن حجر الكندى في قوله:
وقد أغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل «٣»
وقالت عليّة بنت المهدى:
اشرب على ذكر الغزال ... الأغيد الحلو الدّلال
اشرب عليه وقل له: ... يا غلّ ألباب الرجال «٤»
[علية بنت المهدي أخت الرشيد]
وكانت عليّة لطيفة المعنى، رقيقة الشعر، حسنة مجارى الكلام، ولها ألحان حسان، وعلقت بغلام اسمه «رشأ» وفيه تقول:
أضحى الفؤاد بزينبا ... صبّا كئيبا متعبا
فجعلت زينب سترة ... وكتمت أمرا معجبا
[قولها: بزينب تريد برشأ] .
فنمى الأمر إلى أخيها الرشيد، فأبعده، وقيل: قتله، وغلقت بعده بغلام اسمه «طلّ» ، فقال لها الرشيد: والله لئن ذكرته لأقتلنّك! فدخل عليها يوما
стр. 40
على حين غفلة وهي تقرأ: فإن لم يصبها وابل فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك، وقال: ولا كلّ هذا، وهى القائلة:
يا عاذلى قد كنت قبلك عاذلا ... حتى ابتليت فصرت صبّا ذاهلا
الحب أول ما يكون مجانة ... فإذا تحكّم صار شغلا شاغلا «١»
[أرضى فيغضب قاتلى فتعجّبوا ... يرضي القتيل ولا يرضّى القاتلا]
وهي القائلة:
وضع الحبّ على الجور، فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج «٢»
[وقليل الحب صرفا خالصا ... لك خير من كثير قد مزج]
ليس يستحسن في نعت الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
[أشباه لشعر علية بنت المهدي]
وكأنها ذهبت في الأول إلى قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذى ... تروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
وقد زاد النميرى في هذا فقال:
راحتى في مقالة العذّال ... وشفائى في قيلهم بعد قال
لا يطيب الهوى ولا يحسن الحبّ ... لصبّ إلّا بخمس خصال
بسماع الأذى، وعذل نصيح، ... وعتاب، وهجرة، وتقال «٣»
وقال بعض المحدثين:
لولا اطّراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردى لى في الوصال قليلا «٤»
هذا الشراب أخو الحياة وماله ... من لذة حتى يصيب غليلا «٥»
следующие страницы →