Полный текст (1 141 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بهدلة بن عوف بن كعب بن سعيد. وسمى الزّبرقان لجماله؛ والزبرقان:
القمر [قبل تمامه] وقيل: لأنّه كان يزبرق عمامته، أى يصفّرها في الحرب.
وكانوا يسمّون الكلام الغريب «السّحر الحلال» ، ويقولون: اللفظ الجميل من إحدى النّفثات في العقد «١» .
[عمر بن عبد العزيز وغلام يتقدم وفد قومه]
وذكر بعض الرّواة أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ قدم عليه وفود أهل كل بلد؛ فتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأبّ، منهم غلام للكلام «٢» ، فقال عمر: يا غلام؛ ليتكلّم من هو أسنّ منك! فقال الغلام:
يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسنّ لكان هاهنا.
من هو أحقّ بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة «٣» ، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة؛ لأنّا قد أمنّا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا! فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل: عشر سنين.
وقد روى أن محمد بن كعب القرظى كان حاضرا، فنظر وجه عمر قد تهلّل عند ثناء الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإنّ قوما خدعهم الثناء، وغرّهم الشكر، فزّلت أقدامهم، فهووا في النار «٤» . أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسالف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خيف عليه، وقال: اللهم لا تخلنا من واعظ!
стр. 37
وقد روى أن عمر قال للغلام: عظنى، فقال هذا الكلام، وفيه زيادة يسيرة ونقص وأخذ قول عمر: «هذا السحر الحلال» أبو تمام فقال يعاتب أبا سعيد محمد بن يوسف الطائى:
إذا ما الحاجة انبعثت يداها ... جعلت المنع منك لها عقالا
فأين قصائد لى فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا
هى السّحر الحلال لمجتليه ... ولم أر قبلها سحرا حلالا
[من ابن العميد إلى بعض إخوانه]
وكتب أبو الفضل بن العميد «١» إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب ورد إليه [فأحمده] :
وصل ما وصلتنى به، جعلنى الله فداك، من كتابك، بل نعمتك التامة، ومنّتك العامة؛ فقرّت عينى بوروده، وشفيت نفسى بوفوده، ونشرته فحكى نسيم الرياض غبّ المطر، وتنفّس الأنوار «٢» فى السّحر، وتأمّلت مفتتحه، وما اشتمل عليه من لطائف كلمك، وبدائع حكمك؛ فوجدته قد تحمّل من فنون البرّ عنك، وضروب الفضل منك، جدّا وهزلا، ملأ عينى، وعمر قلبى، وغلب فكرى، وبهر لبّى؛ فبقيت لا أدرى: أسموط ذرّ خصصتنى بها، أم عقود جوهر منحتنيها؟ كما لا أدرى أبكرا زففتها فيه، أم روضة جهزتها منه؛ ولا أدرى أخدودا ضرّجت حياء ضمّنته؛ أم نجوما طلعت عشاء أودعته؛ ولا أدرى أجدّك أبلغ وألطف، أم هزلك أرفع وأظرف؛ وأنا أوكّل بتتبّع ما انطوى عليه نفسا لا ترى الحظّ إلا ما اقتنته منه، ولا تعدّ الفضل إلا فيما أخذته عنه، وأمتّع بتأمّله عينا لا تقرّ إلّا بمثله، مما يصدر عن يدك، ويرد من عندك، وأعطيه نظرا لا يمله، وطرفا لا يطرف دونه، وأجعله مثالا أرتسمه وأحتذيه،
стр. 38
وأمتّع خلقى برونقه، وأغذّى نفسى ببهجته، وأمزج قريحتى برقّته، وأشرح صدرى بقراءته، ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزا، وفي تعديد ما ذكرته متخلفا؛ لقد عرفت أنه ما سمعت به من السّحر الحلال.
[من وصف الكلام بالسحر]
وقال بعض المحدثين يمدح كاتبا:
وإذا جرى قلم له في مهرق ... عجلان في رفلانه ووجيفه «١»
نظمت مراشفه قلائد نظّمت ... بنفيس جوهر لفظه وشريفه
بدعا من السّحر الحلال تولّدت ... عن ذهن مصقول الذكاء مشوفه «٢»
مثلا لضاربه وزاد مسافر ... جعلت وتحفة قادم لأليفه
[وصف رجل محبوبه]
وعلى ذكر قوله «وتحفة قادم» قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: وصف رجل رجلا فقال: كان والله سمحا سهلا، كأنما بينه وبين القلوب نسب، أو بينه وبين الحياة سبب، إنما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة عقد.
[عود إلى وصف الكلام بالسحر]
وأخذ بعض بنى العباس رجلا طالبيّا، فهمّ بعقوبته، فقال الطالبى: والله لولا أن أفسد دينى بفساد دنياك لملكت من لسانى أكثر مما ملكت من سوطك، والله إنّ كلامى لفوق الشعر، ودون السّحر، وإن أيسره ليثقب الخردل، ويحطّ الجندل.
وقال على بن العباس «٣» يصف حديث امرأة:
وحديثها السّحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرّز «٤»
إن طال لم يملل، وإن هي أو جزت ... ودّ المحدّث أنّها لم توجز
شرك العقول، ونزهة ما مثلها ... للمطمئن، وعقلة المستوفز «٥»
стр. 39
ألمّ في بيته الآخر بقول الطائى:
كواعب أتراب لغيداء أصبحت ... وليس لها في الحسن شكل ولا ترب «١»
لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحبّ «٢»
وأول من استثار هذا المعنى امرؤ القيس بن حجر الكندى في قوله:
وقد أغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل «٣»
وقالت عليّة بنت المهدى:
اشرب على ذكر الغزال ... الأغيد الحلو الدّلال
اشرب عليه وقل له: ... يا غلّ ألباب الرجال «٤»
[علية بنت المهدي أخت الرشيد]
وكانت عليّة لطيفة المعنى، رقيقة الشعر، حسنة مجارى الكلام، ولها ألحان حسان، وعلقت بغلام اسمه «رشأ» وفيه تقول:
أضحى الفؤاد بزينبا ... صبّا كئيبا متعبا
فجعلت زينب سترة ... وكتمت أمرا معجبا
[قولها: بزينب تريد برشأ] .
فنمى الأمر إلى أخيها الرشيد، فأبعده، وقيل: قتله، وغلقت بعده بغلام اسمه «طلّ» ، فقال لها الرشيد: والله لئن ذكرته لأقتلنّك! فدخل عليها يوما
стр. 40
على حين غفلة وهي تقرأ: فإن لم يصبها وابل فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك، وقال: ولا كلّ هذا، وهى القائلة:
يا عاذلى قد كنت قبلك عاذلا ... حتى ابتليت فصرت صبّا ذاهلا
الحب أول ما يكون مجانة ... فإذا تحكّم صار شغلا شاغلا «١»
[أرضى فيغضب قاتلى فتعجّبوا ... يرضي القتيل ولا يرضّى القاتلا]
وهي القائلة:
وضع الحبّ على الجور، فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج «٢»
[وقليل الحب صرفا خالصا ... لك خير من كثير قد مزج]
ليس يستحسن في نعت الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
[أشباه لشعر علية بنت المهدي]
وكأنها ذهبت في الأول إلى قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذى ... تروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
وقد زاد النميرى في هذا فقال:
راحتى في مقالة العذّال ... وشفائى في قيلهم بعد قال
لا يطيب الهوى ولا يحسن الحبّ ... لصبّ إلّا بخمس خصال
بسماع الأذى، وعذل نصيح، ... وعتاب، وهجرة، وتقال «٣»
وقال بعض المحدثين:
لولا اطّراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردى لى في الوصال قليلا «٤»
هذا الشراب أخو الحياة وماله ... من لذة حتى يصيب غليلا «٥»
стр. 41
وقال آخر:
دع الصبّ يصلى بالأذى من حبيبه ... فإنّ الأذى ممن تحبّ سرور «١»
غبار قطيع الشاء في عين ذئبها ... إذا ما تلا آثارهنّ ذرور «٢»
وأنشد الأصمعى [لجميل بن معمر العذرى] «٣» :
لا خير في الحبّ وقفا لا تحرّكه ... عواض اليأس أو يرتاحه الطّمع
لو كان لى صبرها أو عندها جزعى ... لكنت أملك ما آتى وما أدع
إذا دعا باسمها داع ليحزننى ... كادت له شعبة من مهجتى تقع «٤»
وهذا البيت كقول على بن العباس الرومى:
لا تكثرنّ ملامة العشاق ... فكفاهم بالوجد والأشواق
إن البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف كان غير مطاق
لا تطفئنّ جوى بلوم؛ إنه ... كالريح تغرى النار بالإحراق
ويشبه بيت عليّة الآخر بيت أنشد في شعر روى لأبى نواس، ورواه قوم لعنان جارية الناطفى «٥» وهو:
حلو العتاب يهيجه الإدلال ... لم يحل إلا بالعتاب وصال
لم يهو قطّ ولم يسمّ بعاشق ... من كان يصرف وجهه التّعذال «٦»
стр. 42
وجميع أسباب الغرام يسيرة ... ما لم يكن غدر ولا استبدال
تصف القضيب على الكثيب قناتها ... ولها من البدر المنير مثال
ولربّ لابسة قناع ملاحة ... حسناء سار بحسنها الأمثال
كست الحداثة ظرفها وجمالها ... نورا فماء شبابها يختال «١»
وكأنها والكأس فوق بنانها ... شمس يمدّ بها إليك هلال
حتى إذا ما استأنست بحديثها ... وتكلمت بلسانها الجريال «٢»
قلنا لها: إن صدّقت أقوالها ... أفعالها وجرى بهنّ الفال
قولى فليس تراك عين نميمة ... حضر النصيح وغابت العذّال
وضمير ما اشتملت عليه ضلوعنا ... سرّ لدى أبوابه أقفال
[ما قيل في معنى قيد الأوابد]
وقد أخذ أبو الطيب المتنبى معنى «قيد الأوابد» ، فقال يصف كلبا:
نيل المنى وحكم نفس المرسل ... وعقلة الظبى وحتف التّتفل «٣»
كأنّه من علمه بالمقتل ... علّم بقراط فصاد الأكحل «٤»
وقال في بنى حمدان:
متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشان «٥»
يتقبّلون ظلال كلّ مطهّم ... أجل الظليم وربقة السّرحان «٦»
وقال أعرابى يصف فرسا: إنه لدرك الطالب، ومنجى الهارب، وقيد الرّهان، وزين الفناء.
стр. 43
وقال بعض أهل العصر في وصف غلام: وجهه قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية الاعتبار.
وقال أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد «١» :
وقد أغتدى للصّيد غدوة أصيد ... أعاجل فيها الوحش والوحش هجّد «٢»
فعنّت ظباء خفن تحتى مطلق اليدين ... به أيدى الوحوش تقيّد «٣»
فأدركتها والسيف لمعة بارق ... ولم يغنها إحضارها حين تجهد «٤»
وقد رعتها إذ كان شعرى رائعا ... وطرف مشيبى عن عذارى أرمد «٥»
وما بلغت حدّ الثلاثين مدّتى ... وهذا طراز الشيب فيه يمدّد «٦»
وأبيات ابن الرومى من أجود ما قيل في حسن الحديث، وقد توسّع الشعراء فى هذا الباب، وكثر إحسانهم، كما كثر افتنانهم، وسأجرى شأوا في محتار ما قيل في ذلك، وأعود إلى ما بدأت به.
[ما يستملح مما قيل في حسن الحديث]
قال القطامى- واسمه عمير بن شييم التغلبى «٧» ، وسمى القطامى لقوله:
يحطّهنّ جانبا فجانبا ... حطّ القطامىّ القطا القواربا «٨»
وقال أبو عبيدة: ويقال للصقر قطامى وقطامى:
وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيّدننا من كلّ مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادى «٩»
стр. 44
فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذى الغلّة الصّادى «١»
وقال أبو حيّة النّميرى، واسمه الهيثم بن الرّبيع:
وخبّرك الواشون أن لن أحبّكم ... بلى وستور الله ذات المحارم
وإن دما، لو تعلمين، جنيته ... على الحىّ جانى مثله غير سالم «٢»
أصدّ وما الصدّ الذى تعلمينه ... عزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم «٣»
حياء وتقيا أن تشيع نميمة ... بنا وبكم، أفّ لأهل النّمائم «٤»
أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهاذم «٥»
ولكنه والله ما طلّ مسلما ... كغرّ الثنايا واضحات الملاغم «٦»
إذا هنّ ساقطن الأحاديث للفتى ... سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم «٧»
стр. 45
رمين فأنفذن القلوب، ولا ترى ... دما مائرا إلا جوى في الحيازم «١»
وقال أيضا:
حديث- إذا لم تخش عينا- كأنه ... إذا ساقطته الشّهد أو هو أطيب
لو انك تستشفى به بعد سكرة ... من الموت كادت سكرة الموت تذهب
إلى هذا ينظر قول الآخر وإن لم يكن منه:
أقول لأصحابى وهم يعذلوننى ... ودمع جفونى دائم العبرات
بذكر منى نفسى فبلّوا، إذا دنا ... خروجى من الدنيا، جفوف لهاتى «٢»
وقال سديف مولى بنى هاشم يصف نساء:
وإذا نطقن تخالهنّ نواظما ... درّا يفصّل لؤلؤا مكنونا
وإذا ابتسمن فإنهنّ غمامة ... أو أقحوان الرّمل بات معينا «٣»
وإذا طرفن طرفن عن حدق المها ... وفضلنهنّ محاجرا وجفونا «٤»
وكأنّ أجياد الظباء تمدّها ... وخصورهنّ لطافة ولدونا «٥»
وأصحّ ما رأت العيون محاجرا ... ولهنّ أمرض ما رأيت عيونا «٦»
стр. 46
وكأنهنّ إذا نهضن لحاجة ... ينهضن بالعقدات من يبرينا «١»
وقال الطائى «٢» :
تعطيك منطقها فتعلم أنّه ... لجنى عذوبته يمرّ بثغرها
وأظنّ حبل وصالها لمحبّها ... أوهى وأضعف قوّة من خصرها
أخذه أبو القاسم بن هانئ «٣» ، فقال يمدح جعفر بن على، إلّا أنه قلبه فقال:
قد طيّب الأفواه طيب ثنائه ... من أجل ذا نجد الثغور عذابا
وكأنما ضرب السماء سرادقا ... بالزّاب، أو رفع النجوم قبابا «٤»
أرضا وطئت الدّرّ رضراضا بها ... والمسك تربا والرياض جنابا «٥»
стр. 47
وقال الطائى:
بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا «١»
كادت لعرفان النّوى ألفاظها ... من رقّة الشّكوى تكون دموعا
ومن جيّد هذا المعنى وقديمه قول النابغة الذبيانى «٢» :
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبّد «٣»
لرنا للهجتها وطيب حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السليم إلى وجوه العوّد «٤»
ومن مشهور الكلام قول الآخر:
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لى ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها «٥»
تحلّل أحقادى إذا ما لقيتها ... وترمى بلا جرم علىّ حقودها «٦»
وقال بشار:
وكأنّ رجع حديثها ... قطع الرّياض كسين زهرا
حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا «٧»
تنسى الغوىّ معاده ... وتكون للحكماء ذكرا
وكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا «٨»
стр. 48
وكأنّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهبا وعطرا «١»
وسمع بشار قول كثيّر بن عبد الرحمن «٢» :
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين
فقال: قاتل الله أبا صخر! يزعم أنها عصا ويعتذر بأنها خيزرانة، ولو قال:
عصا مخّ، أو عصا زبد؛ لكان قد هجّنها مع ذكر العصا، هلّا قال كما قلت:
ودعجاء المحاجر من معدّ ... كأنّ حديثها ثمر الجنان «٣»
إذا قامت لحاجتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
وبعد قول كثيّر: «ألا إنما ليلى عصا خيزرانة» :
تمتّع بها ما ساعفتك، ولا يكن ... عليك شجى في الصّدر حين تبين
وإن هي أعطتك اللّيان فإنها ... لآخر من خلّانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأى عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
وقال البحترى:
ولما التقينا واللّوى موعد لنا ... تعجّب رائى الدّرّ حسنا ولا قطه
فمن لؤلؤ تجنيه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
وقال المتنبى:
أمنعمة بالعودة الظبية التى ... بغير ولىّ كان نائلها الوسمى «٤»
ترشّفت فاها سحرة فكأننى ... ترشّفت حرّ الوجد من بارد الظلم «٥»
стр. 49
فتاة تساوى عقدها وكلامها ... ومبسمها الدّرّىّ في النثر والنظم
عاد الحديث الأول- قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجى:
حدثنا يوسف بن يعقوب قال: أخبرنى جدّى قراءة عليه، عن أبى داود، عن محمد بن عبيد الله، عن أبى إسحاق، عن البراء يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: «إن من الشعر لحكما، وإن من البيان لسحرا» قال أبو القاسم:
هكذا روينا الخبر، وراجعت فيه الشيخ، فقال: نعم، هو: «إن من الشعر لحكما» بضم الحاء وتسكين الكاف، قال: ووجهه عندى إذا روى هكذا: إن من الشعر ما يلزم المقول فيه كلزوم الحكم للمحكوم عليه؛ إصابة للمعنى، وقصدا للصواب وفي هذا يقول أبو تمام:
ولولا سبيل سنّها الشعر مادرى ... بغاة العلى من أين تؤتى المكارم «١»
يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويرضى بما يقضى به وهو ظالم
انتهى كلام أبى القاسم.
وقد وجدنا في الشعر أبياتا يجرى على رسمها، ويمضى على حكمها؛ فقد كان بنو أنف الناقة إذا ذكر أحد عند أحد منهم أنف الناقة- فضلا عن أن ينسبهم إليه- اشتدّ غضبهم عليه؛ فما هو إلا أن قال الحطيئة «٢» يمدحهم:
سيرى أمام فإن الأكثرين حصى ... والأطيبين إذا ما ينسبون أبا «٣»
стр. 50
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا «١»
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّى بأنف الناقة الذّنبا
فصار أحدهم إذا سئل عن انتسابه لم يبدأ إلا به وأنف الناقة: هو جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم.
[بنو العجلان والنجاشي الحارثي]
وكان بنو العجلان يفخرون بهذا الاسم، ويتشرّفون بهذا الوسم؛ إذ كان عبد الله بن كعب جدّهم إنما سمّى العجلان لتعجيله القرى للضّيفان؛ وذلك أن حيّا من طيىء نزلوا به، فبعث إليهم بقراهم عبدا له، وقال له: اعجل عليهم، ففعل العبد، فأعتقه لعجلته، فقال القوم: ما ينبغى أن يسمى إلّا العجلان؛ فسمى بذلك؛ فكان شرفا لهم، حتى قال النجاشى، واسمه قيس بن عمرو بن حرن ابن الحارث بن كعب يهجوهم:
أولئك أخوال اللّعين وأسرة الهجين ... ورهط الواهن المتذلّل «٢»
وما سمّى العجلان إلا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبدوا عجل
فصار الرجل منهم إذا سئل عن نسبه قال: كعبى، ويكنى عن العجلان وزعمت الرواة أنّ بنى العجلان استعدوا «٣» على النجاشى- لما قال هذا الشعر- عمر ابن الخطاب ﵁، وقالوا: هجانا، قال: وما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقّة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل
فقال: إنّ الله لا يعادى مسلما، قالوا: فقد قال:
قبيّلة لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل «٤»
стр. 51
فقال: وددت أن آل الخطاب كانوا كذلك! قالوا: فقد قال:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من عوف بن كعب بن نهشل
فقال: كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه! قالوا: فقد قال:
ولا يردون الماء إلّا عشية ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل «١»
فقال: ذلك أصفى للماء، وأقل للزّحام! قالوا: فقد قال:
وما سمّى العجلان إلّا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال: سيّد القوم خادمهم!.
وكان عمر ﵁ أعلم بما في هذا الشعر، ولكنه درأ الحدود بالشبهات «٢» وهؤلاء بنو نمير بن عامر بن صعصعة من القوم أحد جمرات العرب وأشرف بيوت قيس بن عيلان بن مضر. وجمرات العرب ثلاثة؛ وإنما سمّوا بذلك لأنهم متوافرون في أنفسهم، لم يدخلوا معهم غيرهم؛ والتجمير في كلام العرب:
التجميع، وهم: بنو نمير بن عامر، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبة بن أد. فطفئت جمرتان، وهما بنوضبّة لأنها حالفت الرباب، وبنو الحارث لأنها حالفت مذحج، وبقيت نمير لم تحالف؛ فهى على كثرتها ومنعتها. وكان الرجل منهم إذا قيل له:
ممّن أنت؟ قال: نميرى كما ترى! إدلالا بنسبه، وافتخارا بمنصبه، حتى قال جرير ابن [عطية بن] الخطفى لعبيد بن حصين الراعى أحد بنى نمير بن عامر:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كعب وكلاب: ابنا ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ فصار الرجل منهم إذا قيل له:
ممن أنت؟ يقول: عامرى، ويكنى عن نمير.
ومرّت امرأة بقوم من بنى نمير، فأحدّوا النظر إليها، فقال منهم قائل: والله
стр. 52
إنها لرشحاء «١» ، فقالت: يا بنى نمير، والله ما امتثلتم فىّ واحدة من اثنتين، لاقول الله : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ)
ولا قول الشاعر:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير
[شريك بن عبد الله النميرى وابن هبيرة الفزارى]
وساير شريك بن عبد الله النميرى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى، فبرّزت بغلة شريك «٢» ، فقال له يزيد: غضّ من لجامها، فقال: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير! فضحك، وقال: ما ذهبت حيث أردت وإنما عرّض بقوله: «غضّ من لجامها» بقول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نمير
فعرّض له شريك بقول ابن دارة:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «٣»
[الفرزدق يهجوا ابن هبيرة]
وبنو فزارة يرمون بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك لما ولى عمر بن هبيرة «٤» العراق:
أمير المؤمنين لأنت مرء ... أمين لست بالطّبع الحريص
أولّيت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص «٥»
ولم يك قبلها راعى مخاض ... ليأمنه على وركى قلوص «٦»
стр. 53
تفيهق بالعراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص «١»
الرافدان: دجلة والفرات.
[بعض النميريين يجيب جريرا عن شعره]
وقال بعض النميريين يجيب جريرا عن شعره:
نمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا
وإنى إذ أسبّ بها كليبا ... فتحت عليهم للخسف بابا
ولولا أن يقال هجا نميرا ... ولم يسمع لشاعرهم جوابا
رغبنا عن هجاء بنى كليب ... وكيف يشاتم الناس الكلابا
فما نفع نميرا، ولا ضرّ جريرا، بل كان كما قال الفرزدق:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
وقال أبو جعفر محمد بن منذر مولى بنى صبير بن يربوع في هجائه لثقيف:
وسوف يزيدكم ضعة هجائى ... كما وضع الهجاء بنى نمير
وسمع الراعى «٢» منشدا ينشد:
وعاو عوى من غير شىء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدّما «٣»
خروج بأفواه الرّواة كأنها ... قرى هندوانىّ إذا هزّ صمّما «٤»
فارتاع له، وقال: لمن هذا؟ قيل: لجرير، قال: لعن الله من يلومنى أن يغلبنى مثل هذا!
[فضل الشعر]
وقد بنى الشعر لقوم بيوتا شريفة، وهدم لآخرين أبنية منيفة:
وما هو إلا القول يسرى فتغتدى ... له غرر في أوجه ومواسم «٥»
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمى «٦» : سمعت أبا عمرو بن العلاء ورجل يقول:
стр. 54
إنما الشعر كالميسم «١» . فقال: وكيف يكون ذلك كذلك؟ والميسم يذهب بذهاب الجلد ويدرس مع طول العهد، والشعر يبقى على الأبناء بعد الآباء، ما بقيت الأرض والسماء! وإلى هذا نحا الطائى في قوله:
وأنى رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشّعر والجلد
وقال عمر رحمة الله عليه: تعلّموا الشعر؛ فإن فيه محاسن تبتغى، ومساوىء تتقى.
وقال أبو تمام:
إنّ القوافى والمساعى لم تزل ... مثل النّظام إذا أصاب فريدا
هى جوهر نثر فإن ألّفته ... فى الشعر كان قلائدا وعقودا
من أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سؤددا مجدودا
وتندّ عندهم العلا إلا إذا ... جعلت لها مرر القصيد قيودا
«٢» وقال على بن الرومى:
стр. 55
أرى الشعر يحيى الناس والمجد بالذى ... تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشّعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات «١»
[شذور من كلام الرسول]
رجعت إلى ما قطعت، مما هو أحق وأولى، وأجلّ وأعلى، وهو كلام رسول الله ﷺ الكريم النّجر «٢» ، العظيم القدر، الذى هو النهاية في البيان، والغاية في البرهان، المشتمل على جوامع الكلم، وبدائع الحكم، وقد قال رسول الله ﷺ : أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش، واسترضعت في سعد ابن بكر! وليس بعض كلامه بأولى من بعض بالاختيار، ولا أحقّ بالتقديم والإيثار؛ ولكنى أورد ما تيسّر منه في أول هذا الكتاب استفتاحا، وتيمّنا بذلك واستنجاحا.
стр. 56
وهذه شذور من قوله ﷺ الصريح الفصيح، العزيز الوجيز، المتضمّن بقليل من المبانى كثير المعانى:
قوله للأنصار: إنكم لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع.
وقوله ﵊: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة. إياكم وخضراء الدّمن»
. كلّ الصّيد في جوف الفرا «٢» - قاله لأبى سفيان صخر بن حرب-.
الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا. أصحابى كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور. المرأة كالضلع إن رمت قوامها كسرتها «٣» ، وإن داريتها استمتعت بها. اليد العليا خير من اليد السفلى. مطل الغنىّ ظلم.
يد الله مع الجماعة. الحياء شعبة من الإيمان. مثل أبى بكر كالقطر، أينما وقع نفع. لا تجعلونى في أعجاز كتبكم كقدح الراكب «٤» . أربعة من كنوز الجنة:
كتمان الصّدقة والمرض والمصيبة والفاقة. جنة الرجل داره. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. كفى بالسلامة داء. إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم. ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. كلّ ميسّر لما خلق له.
اليمين حنث أو مندمة «٥» . دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. انصر أخاك ظالما كان
стр. 57
أو مظلوما. احترسوا من الناس بسوء الظّنّ. النّدم توبة. انتظار الفرج عبادة. نعم صومعة الرجل بيته. المستشير معان والمستشار مؤتمن. المرء كثير بأخيه. إنّ للقلوب صدأ كصدإ الحديد وجلاؤها الاستغفار. اليوم الرّهان وغدا السّباق، والجنّة الغاية. كلّ من في الدنيا ضيف، وما في يديه عارّية، والضيف مرتحل، والعاريّة مؤدّاة.
ومن جوامع كلمه ﵊ ما رواه أهل الصحيح عن علقمة بن وقّاص الليثى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
قال أبو القاسم حمزة بن محمد الكنانى: سمعت أهل العلم يقولون: هذا الحديث ثلث الإسلام، والثلث الثانى ما رواه النعمان بن بشير أنّ رسول الله ﷺ قال: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن تركها كان أوفى لدينه وعرضه، ومن واقعها كان كالراتع حول الحمى؛ ألا وإنّ لكل ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه» «١» .
قال: و [الثلث] الثالث ما رواه مالك [عن] ابن شهاب عن على ابن حسين أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
стр. 58
وقد سمع رسول الله ﷺ الشعر وأثاب عليه، وندب حسّان بن ثابت إليه «١» ، وقال: إن الله ليؤيّده بروح القدس ما نافح عن نبيه «٢» .
ولما انتهى شعر أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب إلى النبى ﷺ شقّ عليه «٣» فدعا عبد الله بن رواحة «٤» فاستنشده فأنشده فقال: أنت شاعر كريم، ثم دعا كعب بن مالك فاستنشده فأنشده، فقال: أنت تحسن صفة الحرب، ثم دعا بحسّان بن ثابت فقال: أجب عنى، فأخرج لسانه فضرب به أرنبته «٥» ؛ ثم قال: والذى بعثك بالحق ما أحبّ أن لى به مقولا في معدّ؛ ولو أن لسانا فرى الشّعر لفراه «٦» . ثم سأل رسول الله ﷺ أن يمسّ من أبى سفيان، فقال: وكيف، وبينى وبينه الرّحم التي قد علمت؟ فقال:
أسلّك منه كما تسلّ الشّعرة من العجين! فقال: اذهب إلى أبى بكر، وكان أعلم الناس بأنساب قريش، وسائر العرب، وعنه أخذ جبير بن مطعم علم النسب، فمضى حسان إليه فذكر له معايبه، فقال حسّان بن ثابت:
стр. 59
وإنّ سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام، ولم يقرب عجائزك المجد «١»
ولست كعبّاس ولا كابن أمّه ... ولكن لئيم لا يقوم له زند «٢»
وإنّ امرأ كانت سميّة أمّه ... وسمراء مغموز إذا بلغ الجهد «٣»
وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد «٤»
стр. 60
فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا كلام لم يغب عنه ابن أبى قحافة «١» يعنى ببنى بنت مخزوم عبد الله وأبا طالب والزبير بنى عبد المطلب بن هاشم [بن عبد مناف] ، أمّهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأخواتهم برّة وأميمة والبيضاء، وهي أم حكيم، والبيضاء جدّة عثمان بن عفان أم أمه.
وقوله: «ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام» يعنى أميمة وصفية أم الزبير بن العوام أمّها هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وقوله: «ولست كعباس ولا كابن أمه» أمّ العباس: نتيلة امرأة من النّمر ابن قاسط، وأخوه لأمه ضرار بن عبد المطلب وقوله: «وإن امرأ كانت سمية أمه» سمية أم أبى سفيان، وسمراء: أم أبيه، وليس هذا موضع إطناب في رفع الأنساب.
وكان عبد الأعلى بن عبد الرحمن الأموى عتب على بعض ولد الحارث، فقال له معرّضا بما قال حسان:
إخال بالعمّ وبالجدّ ... مفتخرا بالقدح الفرد «٢»
الهج بحسّان وأشعاره ... فإنها أدعى إلى المجد
لولا سيوف الأزد لم تؤمنوا ... ولم تقيموا سورة الحمد
فتوعّدوه، فخافهم، فقال:
بنى هاشم عفوا عفا الله عنكم ... وإن كان ثوبى حشو ثنييه مجرم «٣»
لكم حرم الرحمن والبيت والصّفا ... وجمع وما ضمّ الحطيم وزمزم
فإن قلتم بادهتنا بعظيمة ... فأحلامكم منها أجلّ وأعظم
стр. 61
وأسلم أبو سفيان- ﵀! - وشهد مع النبى ﷺ يوم حنين، وكان ممسكا بغلته حين فرّ الناس، وهو أحد الذين ثبتوا، وهم- على ما ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام- أبو بكر، وعمر، وعلى، والعباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه الفضل، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن ابن أم أيمن بن عبيد قتل يومئذ، وبعض الناس يعدّ فيهم قثم بن العباس، ولا يعدّ.
أبا سفيان، وكان أبو سفيان من أشعر قريش، وهو القائل:
لقد علمت قريش غير فخر ... بأنّا نحن أجودهم حصانا
وأكثرهم ذروعا سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا «١»
وأدفعهم عن الضّرّاء عنهم ... وأبينهم إذا نطقوا لسانا
ويروى أنّ ابن سيرين قال: بينما رسول الله ﷺ في سفره قد شنق ناقته بزمامها حتى وضعت رأسها عند مفدمة الرّحل إذ قال: يا كعب ابن مالك: احد بنا! فقال كعب:
قضينا من تهامة كلّ حقّ ... وخيبر ثم أجممنا السّيوفا «٢»
نخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ: دوسا أو ثقيفا
فقال ﵇: والذى نفسى بيده لهى أشدّ عليهم من رشق النّبل! ويقال: إنّ دوسا أسلمت فرقا «٣» من كلمة كعب هذه «٤» ، وقالوا: اذهبوا فخذوا لأنفسكم الأمان من قبل أن ينزل بكم ما نزل بغيركم!
[النضر بن الحارث]
وقتل النبى ﷺ النضر بن الحارث، وكان ممن أسر يوم بدر،
стр. 62
وكان شديد العداوة لله ولرسوله، وقتله علىّ بن أبى طالب ﵁ صبرا «١» فعرضت النبى ﷺ أخته قتيلة بنت الحارث- وفى بعض الروايات أن قتيلة أتته فأنشدته:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة ... من صبح غادية وأنت موفّق «٢»
أبلغ بها ميتا بأنّ تحيّة ... ما إن تزال بها النّجائب تعنق «٣»
منّى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق «٤»
هل يسمعنّى النّضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميّت لا ينطق
ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق «٥»
قسرا يقاد إلى المنيّة متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق «٦»
أمحمد ها أنت صنو كريمة ... فى قومها والفحل فحل معرق «٧»
ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق «٨»
فالنضر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق
أو كنت قابل فدية فليفدين ... بأعزّ ما يغلى به من ينفق
فذكر أنّ رسول الله ﷺ رقّ لها ودمعت عيناه، وقال لأبى بكر: لو كنت سمعت شعرها ما قتلته.
والنضر هذا هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار «٩» . قال الزبير بن بكار «١٠» : وسمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث ويقول: إنّها مصنوعة.
стр. 63
[من كلام أبى بكر رضي الله تعالى عنه]
ودخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، على النبى ﵊ وهو مسجّى بثوب «١» ، فكشف عنه الثوب وقال: بأبى أنت وأمى! طبت حيّا وميّتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوّة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء. ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشؤون «٢» . فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا فكمد وإدناف «٣» يتحالفان ولا يبرحان. اللهم فأبلغه عنا السلام، اذكرنا يا محمد عند ربّك، ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلّفت من السكينة لم نقم لما خلّفت من الوحشة؛ اللهم أبلغ نبيّك عنا واحفظه فينا، ثم خرج.
قوله ﵁: «لولا أن موتك كان اختيارا منك» إنّما يريد قول النبى ﷺ : لم يقبض نبىّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر.
قالت عائشة ﵂: فسمعته وقد شخص بصره وهو يقول: فى الرفيق الأعلى! فعلمت أنه خيّر، فقلت: لا يختارنا إذن، وقلت: هو الذى كان يحدثنا. وهو صحيح.
وكان أبو بكر لما توفى رسول الله ﷺ في أرضه بالسّنح «٤» فتواترت إليه الرسل، فأتى وقد ذهل الناس، فكانوا كالخرس، وتفرقت أحوالهم، واضطربت أمورهم، فكذّب بعضهم بموته، وصمت آخرون فما تكلّموا إلا بعد [التغير] ، وخلط آخرون فلاثوا «٥» الكلام بغير بيان، وحق لهم ذلك للرزيّة
стр. 64
العظمى، والمصيبة الكبرى، التى هي بيضة العقر «١» ، ويتيمة الدهر، ومدى المصائب، ومنتهى النوائب، فكل مصيبة بعدها جلل عندها «٢» ، ولذلك قال ﷺ : لتعزّ المسلمين في مصائبهم المصيبة بى.
[حال الصحابة عند ما بلغهم موت الرسول]
وكان عمر بن الخطاب ﵁ ممن كذّب بموته، وقال: ما مات، وليرجعنّه الله، فليقطعنّ أيدى المنافقين وأرجلهم، يتمنون لرسول الله ﷺ الموت؛ وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وهو يأتيكم.
وأما عثمان ﵁ فكان ممن أخرس؛ فجعل لا يكلّم أحدا، فيؤخذ بيده ويجاء به فينقاد.
وأما على ﵁ فلبط بالأرض «٣» فقعد ولم يبرح البيت حتى دخل أبو بكر، وهو في ذلك جلد العقل والمقالة «٤» ، فأكبّ عليه، وكشف عن وجهه ومسخه، وقبّل جبينه، وبكى بكاء شديدا، وقال الكلام الذى قدّمته.
[خطبة أبي بكر يوم موت الرسول]
ولما خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم، وعظيم سكراتهم، قام فخطب خطبة جلها الصلاة على النبى ﷺ ، قال فيها: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأنّ الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو
стр. 65
الحقّ المبين. فى كلام طويل، ثم قال: أيها الناس؛ من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت، وإن الله قد تقدّم إليكم في أمره، فلا تدعوه جزعا، وإن الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابه، وسنة نبيّه، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرّق بينهما أنكر؛ يأيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط، ولا يشغلنّكم الشيطان بموت نبيكم، ويفتننّكم عن دينكم؛ فعاجلوه بالذى تعجزونه، ولا تستنظروه فيلحق بكم.
فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر! بلغنى أنك تقول مامات نبىّ الله، أما علمت أنه قال في يوم كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا: قال الله ﵎: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)
؟ فقال عمر: والله لكأنى لم أسمع بها في كتاب الله قبل؛ لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الحديث كما حدّث، وأنّ الله حىّ لا يموت، وإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم جلس إلى جنب أبى بكر ﵀.
قالت عائشة رضوان الله عليها: لما قبض رسول الله ﷺ نجم النّفاق «١» ، وارتدّت العرب، وكان المسلمون كالغنم الشاردة، فى الليلة الماطرة، فحمل أبى مالو حملته الجبال لهاضها «٢» فو الله إن اختلفوا في معظم إلا ذهب بحظّه ورشده، وغنائه، وكنت إذا نظرت إلى عمر علمت أنه إنما خلق للاسلام، فكان والله أحوذيّا نسيج وحده «٣» ، قد أعدّ للأمور أقرانها.
[رثاء فاطمة الزهراء ع لأبيها رسول الله ص]
وحدث أبو بكر بن دريد عن عبد الأول بن يزيد قال: حدثنى رجل في مجلس يزيد بن هارون «٤» بالبصرة قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 66
دفن ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، ورجعت فاطمة إلى بيتها؛ فاجتمع إليها نساؤها، فقالت:
اغبرّ آفاق السماء، وكوّرت ... شمس النهار، وأظلم العصران «١»
فالأرض من بعد النبى كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرجفان «٢»
فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكل يمان
وليبكه الطّور المعظّم جوّه ... والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوءه ... صلّى عليك منزّل الفرقان «٣»
[عود إلى المختار من كلام أبي بكر]
وكان أبو بكر- ﵁! - إذا أثنى عليه يقول: اللهم أنت أعلم بى من نفسى، وأنا أعلم بنفسى منهم، فاجعلنى خيرا مما يحسبون، واغفر لى برحمتك مالا يعلمون، ولا تؤاخذنى بما يقولون.
وقال ﵀ في بعض خطبه: إنكم في مهل، من ورائه أجل، فبادروا في مهل آجالكم، قبل أن تنقطع آمالكم، فتردكم إلى سوء أعمالكم.
وذكر أبو بكر الملوك فقال: إن الملك إذا ملك زهّده الله في ماله، ورغّبه في مال غيره، وأشرب قلبه الإشفاق؛ فهو يسخط على الكثير، ويحسد على القليل، جذل الظاهر، حزين الباطن، حتى إذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظلّه «٤» حاسبه فأشدّ حسابه وأقل عفوه.
وذكر أنه وصل إلى أبى بكر مال من البحرين، فساوى فيه بين الناس، فغضبت الأنصار، وقالوا له: فضّلنا! فقال أبو بكر: صدقتم، إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا، وإن صبرتم كان ذلك لله ! فقالوا:
والله ما عملنا إلا لله تعالى، وانصرفوا؛ فرقى أبو بكر المنبر، فحمد الله، وأثنى
стр. 67
عليه، وصلى على النبى ﷺ ؛ ثم قال: يا معشر الأنصار؛ إن شئتم أن تقولوا: إنّا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا «١» ، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم، وإنّ لكم من الفضل مالا يحصيه العدد، وإن طال به الأمد، فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوى «٢» :
جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت «٣»
أبوا أن يملّونا ولو أن أمنّا ... تلاقى الذى يلقون منّا لملّت «٤»
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلّت
فقر من كلامه ﵁: صنائع المعروف تقى مصارع السوء. الموت أهون مما بعده، وأشد مما قبله. ليست مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة. ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغى، والنكث، والمكر. إن الله قرن وعده بوعيده؛ ليكون العبد راغبا وراهبا.
[رثاء عائشة لأبيها]
ولما توفى ﵁ وقفت عائشة على قبره؛ فقالت: نضّر الله وجهك يا أبت، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر عنك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك، وأستقضيه بالاستغفار لك، أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا فلقد قمت بأمر الدين لما وهي شعبه «٥» وتفاقم صدعه «٦» ، ورجفت جوانبه «٧» ؛ فعليك
стр. 68
سلام الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك «١» وقال أبو بكر لبلال لما قتل أمية بن خلف وقد كان يسومه سوء العذاب بمكة فيخرجه إلى الرّمضاء «٢» ، فيلقى عليه الصخرة العظيمة ليفارق دين الإسلام فيعصمه الله من ذلك:
هنيئا زادك الرحمن خيرا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال
فلا نكسا وجدت ولا جبانا ... غداة تنوشك الأسل الطوال «٣»
إذا هاب الرّجال ثبتّ حتى ... تخلط أنت ما هاب الرّجال
على مضض الكلوم بمشرفىّ ... جلا أطراف متنيه الصّقال «٤»
[من كلام عمر]
وكتب عمر بن الخطاب- ﵁! - إلى ابنه عبد الله:
أما بعد؛ فإنه من اتّقي الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن أقرضه جزاه؛ فاجعل التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خلق له.
ودخل عدىّ بن حاتم على عمر، فسلّم وعمر مشغول، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا عدىّ بن حاتم؛ فقال: ما أعرفنى بك! آمنت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، وأقبلت إذ أدبروا! وقال رجل لعمر: من السيد؟ قال: الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه الحسن الخلق لمن جاوره.
وقال ﵁: ما كانت الدنيا همّ رجل قطّ إلا لزم قلبه أربع خصال:
стр. 69
فقر لا يدرك غناه، وهمّ لا ينقضى مداه، وشغل لا ينفد أولاه، وأمل لا يبلغ منتهاه.
فصول قصار من كلامه ﵁
من كتم سره كان الخيار في يده. أشقى الولاة من شقيت به رعيّته.
أعقل الناس أعذرهم للناس. ما الخمر صرفا «١» بأذهب لعقول الرجال من الطمع.
لا يكن حبّك كلفا، ولا بغضك تلفا. مرذوى القرابات أن يتزاوروا، ولا يتجاوروا. قلّما أدبر شىء فأقبل. أشكو إلى الله ضعف الأمين، وخيانة القوىّ تكثّروا من العيال فإنكم لا تدرون بمن ترزقون. لو أن الشكر والصبر بعيران ما باليت أيّهما أركب. من لا يعرف الشرّ كان أجدر أن يقع فيه.
[وصف صعصعة بن صوحان لعمر بن الخطاب]
وقال معاوية بن أبى سفيان لصعصعة بن صوحان: صف لى عمر بن الخطاب؛ فقال: كان عالما برعيّته، عادلا في قضيّته، عاريا من الكبر، قبولا للعذر، سهل الحجاب، مصون الباب، متحرّيا للصواب، رفيقا بالضعيف، غير محاب للقريب، ولا جاف للغريب.
[عمر يذكر ماضيه وحاضره]
وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ حجّ فلما كان بضجنان «٢» قال:
لا إله إلا الله العلىّ العظيم، المعطى من شاء ما شاء، كنت في هذا الوادى في مدرعة صوف أرعى إبل الخطّاب، وكان فظّا يتعبنى إذا عملت، ويضربنى إذا قصرت، وقد أمسيت الليلة ليس بينى وبين الله أحد، ثم تمثل:
لا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد»
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والجنّ والإنس فيما بينها ترد
стр. 70
أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل صوب إليها وافد يفد «١»
حوض هنالك مورود بلا كدر ... لا بدّ من ورده يوما كما وردوا
[من شعر عمر يوم فتح مكة]
وقال عمر بن الخطاب ﵁ يوم فتح مكة:
ألم تر أن الله أظهر دينه ... على كل دين قبل ذلك حائد «٢»
وأمكنه من أهل مكة بعدما ... تداعوا إلى أمر من الغيّ فاسد
غداة أجال الخيل في عرصاتها ... مسوّمة بين الزبير وخالد «٣»
فأمسى رسول الله قد عزّ نصره ... وأمسى عداه من قتيل وشارد
يريد الزبير بن العوام «٤» حوارىّ رسول الله ﷺ ، وخالد ابن الوليد سيف الله تعالى في الأرض «٥» .
[زوجة عمر ترثيه]
ولما قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قالت عاتكة بنت زيد بن عمرو ابن نفيل زوجته ترثيه:
عين جودى بعبرة ونحيب ... لا تملّى على الأمين النّجيب
فجعتنى المنون بالفارس المعلم يوم الهياج والتثويب «٦» عصمة الناس والمعين على الدّهر وغيث المحروم والمحروب «٧»
قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب «٨»
وقالت أيضا ثرثيه:
وفجّعنى فيروز لا درّ درّه ... بأبيض تال للكتاب منيب
стр. 71
رءوف على الأدنى غليظ على العدا ... أخى ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
[ترجمة عاتكة بنت زيد بن عمرو زوجة عمر]
وعاتكة هذه: هى أخت سعيد بن زيد أحد العشرة الذين شهد لهم النبى ﷺ بالجنة، وكانت تحت عبد الله بن أبى بكر، فأصابه سهم في غزوة الطائف فمات منه، فتزوّجها عمر ﵁ فقتل عنها، فتزوجها الزبير ابن العوام فقتل عنها؛ فكان علىّ ﵁ يقول: من أحبّ الشهادة الحاضرة فليتزوّج بعاتكة!
ومن كلام عثمان بن عفان ﵁:
ما يزع الله بالسّلطان، أكثر مما يزع بالقرآن «١» . سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ بيانا؛ وأنتم إلى إمام فعّال، أحوج منكم إلى إمام قوّال، قاله في أول خلافته وقد صعد المنبر وأرتج عليه «٢» .
وكتب إلى على ﵁ وهو محصور: أما بعد، فقد بلغ السّيل الزّبى، وجاوز الحزام الطّبيين «٣» ، وطمع فىّ من كان لا يدفع عنه نفسه، ولم يعجزك كلئيم، ولم يغلبك كمغلّب «٤» ؛ فأقبل إلىّ، معى كنت أو علىّ، على أىّ أمريك أحببت.
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق
وهذا البيت للممزّق العبدى، وبه سمى الممزّق، واسمه شأس، وإنما تمثل به عثمان ﵁؛ وخذّاق أهل النظر يدفعون هذا، ويستشهدون على فساده بأحاديث تناقضه ليس هذا موضعها.
стр. 72
قالوا: وكان عثمان ﵁ أتقى لله أن يسعى في أمره علىّ، وعلىّ أتقى لله أن يسعى في أمر عثمان، وهذا من قوله ﵇: أشقى الناس من قتله نبى أو قتل نبيّا.
ومن كلام عثمان ﵁ وأكرم نزله، وقد تنكر له الناس: أمر هؤلاء القوم رعاع عير، تطأطأت لهم تطأطأ الدلاء وتلددت لهم تلدد المضطر، رأيتهم ألحف إخوانا، وأوهمنى الباطل لهم شيطانا. أجررت المرسون رسنه، وأبلغت الراتع مسعاته، فتفرقوا علىّ فرقا ثلاثا، فصامت صمته أنفذ من صول غيره، وشاهد أعطانى شاهده ومنعنى غائبه، ومتهافت في فتنة زيّنت في قلبه، فأنا منهم بين ألسن لداد، وقلوب شداد، عذيرى الله منهم، ألا ينهى عالم جاهلا، ولا ينذر حليم سفيها؟ والله حسبى وحسبهم يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.
سئل الحكم بن هشام فقال: كان والله خيار الخيرة. أمير البررة، قتيل الفحرة، منصور النصرة، مخذول الخذلة، مقتول القتلة.
ونظير البيت الذى أنشده قول صخر الجعد:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... فإن منايا القوم أكرم من بعض
قال المتوكل: أتيت بأسارى، فسمعت امرأة منهم تقول:
أمير المؤمنين سما إلينا ... سموّ الليث أخرجه العريف
فإن نسلم فعون الله نرجو ... وإن نقتل فقاتلنا شريف
وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يعرف لعثمان شعر، وأنشد له بعضهم:
غنى النفس يغنى النفس حتى يكفّها ... وإن عضّها حتّى يضرّ بها الفقر
وما عسرة- فاصبر لها إن تتابعت- ... بباقية إلّا سيتبعها يسر
وقول عثمان ﵁ فيما روى: «ولم يغلبك كمغلّب» من قول امرىء القيس:
стр. 73
فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب
وقال أبو تمام وذكر الخمر:
وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت، كذلك قدرة الضّعفاء
ومن كلام علىّ بن أبى طالب ﵁
لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة لطول الأمل. ويقول فى الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطى منها لم يشبع، وإن منح لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتى.، ويبتغى الزيادة فيما بقى، ينهى ولا ينتهى، ويأمر بما لا يأتى، يحبّ الصالحين ولا يعمل أعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم؛ يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظلّ نادما، وإن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفى، ويقنط إذا ابتلى، تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن، ولا يثق من الرزق بما ضمن له، ولا يعمل من العمل بما فرض عليه، إن استغنى بطروفتن، وإن افتقر قنط وحزن، فهو من الذّنب والنعمة موقر «١» ، يبتغى الزيادة ولا يشكر، ويتكلّف من الناس ما لم يؤمر، ويضيع من نفسه ما هو أكثر، ويبالغ إذا سأل، ويقصّر إذا عمل، يخشى الموت، ولا يبادر الفوت، يستكثر من معصية غيره ما يستقلّ أكثره من نفسه؛ ويستكثر من طاعته ما يستقله من غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللّغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره، وهو يطاع ويعصى، ويستوفى ولا يوفى.
وسئل ﵁ عن مسألة فدخل مبادرا، ثم خرج في حذاء ورداء، وهو يتبسّم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك كنت إذا سئلت عن مسألة كنت فيها كالسّكة المحماة «٢» ! فقال: إنى كنت حاقنا ولا رأى لحاقن «٣» ، ثم أنشأ يقول:
стр. 74
إذا المشكلات تصدّين لى ... كشفت حقائقها بالنّظر
وإن برقت فى مخيل الصوا ... ب عمياء لا تجتليها الذكر «١»
مقنعة بأمور الغيوب ... وضعت عليها صحيح الفكر
لسانا كشقشقة الأرحبىّ ... أو كالحسام اليمانى الذّكر «٢»
وقلبا إذا استنطقته العيون ... أمرّ عليها بواهى الدرر «٣»
ولست بإمّعة في الرّجال ... أسائل عن ذا وذا ما الخبر «٤»
ولكننى ذرب الأصغرين ... أبيّن مع ما مضى ما غبر «٥»
[وصف ضرار الصدائي لمعاوية عليا]
وقال معاوية ﵁ لضرار الصّدائى: يا ضرار، صف لى عليّا، فقال:
أعفنى يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، فقال: أما إذ أذنت فلا بدّ من صفته:
كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا «٦» ، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدّمعة، طويل الفكرة، يقلب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن- مع تقريبه إيّانا، وقربه منا- لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوىّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم «٧» ، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا إليك
стр. 75
عنّى! غرّى غيرى، ألى نعرّضت، أم إلىّ تشوّفت؟ هيهات! قد باينتك ثلاثا، لا رجعة لى عليك؛ فعمرك قصير، وخطرك حقير، وخطبك يسير؛ آه من قله الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية حتى أخضلت دموعه لحيته؛ وقال: رحم الله أبا الحسن! فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها! وقال علىّ رضوان الله عليه: رحم الله عبدا سمع فوعى، ودعى إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا «١» ، وراقب ربّه، وخاف ذنبه، وقدّم خالصا، وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وكابر هواه، وكذّب مناه، وحذر أجلا، ودأب عملا، وجعل الصبر رغبة حياته، والتّقى عدّة وفاته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفى بأقلّ مما يعلم، لزم الطريقة الغرّاء، والمحجّة البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل.
[علي ع يرثي خباب ابن الأرت]
ولما رجع ﵁ من صفّين، فدخل أوائل الكوفة إذا قبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: خبّاب بن الأرتّ «٢» ، فوقف عليه، وقال:
رحم الله خبّابا! أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
[علي ع أمام القبور]
ومضى فإذا هو بقبور، فوقف عليها، وقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم- عما قليل- لاحقون؛ اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم بعفوك! طوبى
следующие страницы →