← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10776

فقه النوازل

بكر أبو زيد

Полный текст (480 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[فقه النوازل]ـ المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: ١٤٢٩هـ) الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى - ١٤١٦ هـ، ١٩٩٦ م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

هذا المجلد يحتوي على خمس رسائل في دراسة النوازل الآتية: ١- التقنين والإلزام. ٢- المواضعة في الاصطلاح. ٣- خطاب الضمان البنكي. ٤- جهاز الإنعاش وعلامة الوفاة. ٥ - طرق الإنجاب في الطب الحديث - طفل الأنابيب.

стр. 3

" ١ " التقنين والإلزام عرض ومناقشة

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فلما كانت نازلة إلزام القضاة بقولٍ مقنن أو مذهب معين من النوازل* التي تستدعي بحثاً وتوجب اهتماماً؛ لأسباب متكاثرة يجمعها أمران: أولهما: لأنه على القضاء تدور المحافظة على حقوق العباد، ورعاية حرماتهم، ورد الظلامات بينهم، وعمران مدنيتهم؛ متى ما سار التقاضي على وحي السماء، وهدي الشريعة الغراء، الكامن في الوحيين الشريفين: كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . إذْ أن حياة الأمة مرتبطة ثباتاً ونمواً وارتقاءاً، بقدر ما تحييه من العمل بالوحيين الشريفين. ويكون نقصها واختلال موازين الحياة فيها بقدر الفوت من ذلك. ثانيهما: ولأن فلكة التقاضي وفصل الخصام بعد فهم الواقع للخصومات، واستقطاب النظر فيها هو فهم الواجب في الواقع، وهو كامن في تطبيق أحكام الشريعة المطهرة على ذلكم الواقع في كل قضية بعينها.

стр. 5

وهذا من معاقد الإسلام؛ والحاكم بنقيضه أي على خلاف ما أنزل الرحمن موصوف بالفسق، والظلم، والكفران فلا تستقر لعبدٍ إذاً قدم في الإسلام إلا إذا عقد قلبه على تحكيم شرع الله ودينه في كل شئونه وعلاقاته. وما أحسن ما قاله الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في فاتحة كتابه " الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة " إذ يقول: (١) (واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه على أن الدين كله لله، وأن الهدى هدى الله وأن الحق دائر مع الرسول وجوداً وعدماً، وأنه لا مطاع سواه، ولا متبوع غيره، وأن كلام غيره يعرض على كلامه؛ فإن وافقه قبلناه، لا لأنه قاله. بل لأنه أخبر به عن الله ورسوله، وإن خالفه رددناه، ولا يعرض كلامه ﷺ على آراء القياسيين، ولا على عقول الفلاسفة والمتكلمين، ولا أذواق المتزهدين، بل تعرض هذه كلها على ما جاء به، عرض الدراهم المجهولة على أخبر الناقدين، فما حكم بصحته فهو منها المقبول، وما حكم برده فهو المردود) . فلما كانت هذه النازلة من الأهمية بهذه المنزلة لهجت ألسنة العلماء في بحثها، وتناولتها أقلام الكاتبين بين القبول والرد؛ باحثين: هل يجوز الإلزام بمذهب معين أو قول مقنن لمن يتولى القضاء الشرعي، أو بلسان العصر: لمن يتولى منصب الحاكمية؟؟ . وقد تكاثرت البحوث فيها تبعاً واستقلالاً، وقوةً وضعفاً. غير أنه قد صار من الضغث على إبالة؛ أن بعض الأبحاث المعاصرة في هذه النازلة إضافة إلى ضعف مادتها، أجرى عرض الخلاف على وجه ليس محلاً للخلاف: بمعنى هل يجوز التقنين أو لا يجوز؟ .

стр. 6

وهذا خطأ صرف، وعدم وقوف على حقائق مسائل العلم، ومواطن الخلاف. فإن التقنين حقيقته تأليف، والغلط وقع في النزوع عن مصطلحات الشريعة، إذ أطلق هذا اللفظ عليه، فصار من آثاره السالبة مع ذلك إبعاد الأفهام عن المعهود من الحقائق والمضامين في علوم الشريعة وأحكامها. ومهما كانت التسمية تقنيناً، أو تدويناً، أو تأليفاً، فإن هذا عَرْضٌ مغلوط، ودائرة الخلاف إنما هي منحصرة في الإلزام جوازاً أو منعاً. لهذا فقد رأيت بحثها وتقرير ما توصلت إليه فيها لتكون على طرف الثمام أمام أهل الإسلام مشاركة مني في النصيحة لله ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين، وعامتهم. وقد أجريت الكلام فيما حررته مرتباً له في مطالب ثلاثة: المطلب الأول: وفيه عرض لتاريخ نشوء هذه الفكرة؛ وهي حمل القضاة على مذهب معين. المطلب الثاني: في بيان أوجه القول بها مع بيان المصالح المترتبة عليها، ثم إتباعها بمناقشتها. المطلب الثالث: في بيان وجوه المنع منها مع بيان المضار المترتبة على القول بها. ولعل في ترتيب القول في هذه النازلة على هذا النمط والسياق تقريباً للأفهام، ومزيداً من الوقوف بوضوح على القول الحق فيها. وهذه هي الطريقة التي سلكها شيخا الإسلام ابن تيميه وابن القيم رحمهما الله تعالى وأرشدا إليها، وبها أخذ أنصار الكتاب والسنة

стр. 7

المستضيؤون بنورهما إلى يومنا هذا. ومنه قول ابن تيميه في ذلك ما يلي (١) : (يجب أن يكون الخطاب في المسائل المشكلة بطريق ذكر كل قول، ومعارضة الآخر له، حتى يتبين الحق بطريقه لمن يريد الله هدايته، فإن الكلام بالتدريج مقاماً بعد مقام هو الذي يحصل به المقصود، وإلا فإذا هجم على القلب الجزم بمقالات لم تحكم أدلتها وطرقها، والجواب عما يعارضها كان إلى دفعها والتكذيب بها أقرب منه إلى التصديق بها) . ويتحدث ابن القيم رحمه الله تعالى بإنعام الله عليه في هذه الطريقة فيقول (٢) : " ... ونحن نذكر مأخذ هذه الأقوال وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دل عليه الكتاب والسنة، على طريقتنا التي منَّ الله بها وهو مرجو الإعانة والتوفيق ". وأسأل الله تعالى التوفيق والإعانة والسداد. آمين. المؤلف بكر بن عبد الله أبو زيد تحريراً في مدينة النبي ﷺ عام ١٣٩٢ هـ، وأنا بها مجاور ثم تم تبييضه في مدينة الرياض عام ١٤٠١ هـ. وأنا بها نزيل.

стр. 8

إيقاظ وإنه قبل الأخذ بهذا تنبغي الإشارة مقدماً إلى محل التجاذب في بيان من هو القاضي الذي يُلْزَم وما هي الأحكام التي يُلْزَم بها. وذلك ونظيره منحصر في الأقسام الآتية: ١- إن الحكم الثابت بنص قطعي الثبوت والدلالة من كتاب أو سنة أو إجماع؛ هو ملزم بنفسه ولا يحتاج إلى أمر خارج عنه. ٢- إن القاضي المجتهد الذي توفرت فيه أدوات الاجتهاد ليس محل خلاف في أنه لا يجوز إلزامه في التقليد لأحكام مناطها الاجتهاد (لأن التقليد لا يصح للمجتهد فيما يرى خلافه بإجماع) كما حكاه ابن فرحون (١) . ٣- إذاً فإن محل التجاذب في الإلزام بالأحكام المقننة هي الأحكام الاجتهادية التي تجاذبتها الأدلة الشرعية أو الإرجاع إلى قاعدة من القواعد المرعية. ٤- وإن محل التجاذب في الشخص المُلْزَم: هو القاضي المقلِّد الذي لم تتوفر فيه أدوات الاجتهاد.

стр. 9

المطْلَبُ الأول: عَرْضُ تاريخِ نُشُوء هذِه الفِكْرَة

стр. 10

المطْلَبُ الأوّل: عرَضُ تاريخِ نُشُوء هذه الفكرة وهي جمع القضاة على مذهب معين ومراحل العرض لتاريخ هذه الفكرة في هذا المطلب حسب الاستقراء والتتبع على ما يلي: ١- يرى بعض الباحثين أن مُبدي فكرة جمع الإمام الناس على رأي واحد في القضاء.. هو ابن المقفع. وابن المقفع: هو عبد الله بن المقفع الأديب المشهور. ترجمه جماعةٌ منهم: الحافظان؛ ابن كثير في تاريخه (١) ، وابن حجر في: " اللسان " (٢) . ولم يذكرا في ترجمته ما يوحي بعدالته. بل قال ابن حجر: ونقل عن ابن مهدي أنه قال ... (ما رأيت كتاباً في زندقة إلا هو أصله) أي: ابن المقفع. وقال ابن حجر أيضاً (٣) : في ترجمة صالح بن عبد القدوس صاحب الفلسفة والزندقة كما وصفه الحافظ ابن حجر بذلك: ... وقال الشريف أبو القاسم المراغي في كتاب " غريب الفوائد " كان كحماد الراوية وعَدَّ جماعةً

стр. 11

منهم: ابن المقفع.. قال: (مشهورين بالزندقة والتهاون بأمر الدين) . انتهى. ثم قال الحافظ: (قلت وليس لهؤلاء رواية فيما أعلم) . وفكرته هذه هي في كلامه الذي وجهه إلى أمير المؤمنين المدوَّنِ في رسالته المعروفة باسم: " رسالة الصحابة " (١) . وهذه الرسالة بطولها في كتاب: " جمهرة رسائل العرب " (٢) نقلاً منه لها عن كتاب " المنظوم والمنثور " لابن طيفور. وفيها ابتداءً من ص / ٣٦ قول ابن المقفع: (ومما ينظر أمير المؤمنين من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار، والنواحي: اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمراً عظيماً في الدماء والفروج والأموال؛ فيستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة.. إلى أن قال: فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسنن المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك، وأمضى في كل قضية أمره الذي يلهمه الله ويعزم عليه، ويَنْهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتاباً جامعاً عزماً؛ لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلفة الصوابَ بالخطأ: حكماً واحداً وصواباً. ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لإجماع الأمر برأي أمير

стр. 12

المؤمنين، وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر آخر الدهر إن شاء الله) . انتهى. ٢- كما يروى في ذلك ما كان من الحوار، بين أبي جعفر المنصور المتوفى سنة ١٥٨ هـ وبين الإمام مالك بن أنس المتوفى سنة ١٧٩ هـ. كما ذكرها مسندة الحافظان: ابن عساكر (١) ، وابن عبد البر (٢) . وأسانيدها لا تخلوا من مقال؛ ففي بعضها الواقدي صاحب المغازي محمد بن عمر بن واقد الأسلمي وهو متروك الحديث (٣) ، حتى مال ابن جرير إلى كون القصة وقعت بين المهدي والإمام مالك لا مع أبي جعفر. ولما أراد أبو جعفر حمل الناس على رأي واحد قال له مالك كما في رواية ابن عساكر: (لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات وأخذ كل قوم منهم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به، من اختلاف الناس وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعني على ذلك لأمرت به) . انتهى. وفي الرواية الثانية من طريق خالد بن نزار أن مالكاً قال: ( ... فقلت يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلدان واتبعهم الناس فرأى كل فريق أن أتبع متبعاً) . انتهى.

стр. 13

وفي رواية ابن عبد البر أن مالكاً قال: (.. يا أمير المؤمنين قد رسخ في قلوب أهل كل بلد ما اعتقدوه وعملوا به، ورد العامة عن مثل هذا عسير) . انتهى. وفي اختصار علوم الحديث لابن كثير (١) ، قال: (وقد طلب المنصور الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه، واتصافه بالإنصاف. وقال: إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها) . انتهى. ٣- ثم إنه نحواً من ذلك ما وقع بين المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور المتوفى سنة ١٦٩ هـ وبين مالك ﵀. كما رواها الحافظ ابن عساكر في " كشف المغطا " (٢) والحافظ ابن عبد البر في " الانتقاء " (٣) . ٤- ويروى أيضاً أن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور المتوفى سنة ١٩٣ هـ وقع له مع الإمام مالك مثل ما وقع لأبيه وجده مع مالك رحمه الله تعالى كما رواها أبو نعيم في " الحلية " (٤) وفيها: (قال مالك شاورني هارون الرشيد في ثلاث - ذكرها - ومنها: في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، وفي أن ينقض منبر النبي ﷺ ويجعله من جوهر وفضة.. فقال مالك: أما تعليق الموطأ في

стр. 14

الكعبة، فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في الآفاق وكل عند نفسه مصيب..) إلخ. وفي إسنادها عند أبو نعيم: المقدام بن داود بن عيسى بن تليد الرعيني، أبو عمر البصري، قال فيه النسائي: ليس بثقة (١) . لكن قال الشوكاني في " القول المفيد " (٢) : وقد تواترت الرواية عن الإمام مالك أن الرشيد قال له: (إنه يريد أن يحمل الناس على مذهبه، فنهاه عن ذلك. وهذا موجود في كل كتاب فيه ترجمة الإمام مالك، ولا يخلوا من ذلك إلا نادراً) . انتهى. وممن أشار إلى وقوع هذه القصة لمالك مع الرشيد: ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابيه: " إعلام الموقعين " (٣) ، و " الروح " (٤) . ٥- ثم يرى بعض الباحثين المعاصرين (٥) ، أن هذه الفكرة بقيت معطلة بعيدة عن التنفيذ حتى اتجهت الحكومة العثمانية في أواخر القرن الثالث عشر الهجري قبل انقراضها بإخراج قانون للمعاملات يتلائم وروح العصر، مقيداً بالمذهب الحنفي دون التقيد بالرأي الراجح من المذهب الحنفي، فصدرت بذلك " مجلة الأحكام العدلية " متضمنةً جملةً من أحكام: البيوع، والدعاوى، والقضاء ... (وكان تاريخ صدور هذه المجلة في عام ١٨٦٩ م) (٦) .

стр. 15

ثم ظهر بعد ذلك قانون مستمد من المذهب الحنفي وغيره من مسائل النكاح والفُرَق. ثم إن الخديوي إسماعيل رفض الأخذ بها على ما أشار به عليه مستشاره الفرنسي.. (وفعلاً فقد تطلع الخديوي إلى القوانين الغربية، ولما حدث هذا بدأ الإستياء على رجال الدين (١) ، وظهر أثره في نفوس طوائف الشعب، فقام الفقيه: قدري باشا بعمل مجموعة من القوانين من المذهب الحنفي، ولكن هذه القوانين لم يقدر لها أن تصبغ بصبغة رسمية) (٢) . ٦- ثم إنه في هذا القرن اتجهت بعض الحكومات التي تحكم الأنظمة الوضعية إلى وضع قانون للأحوال الشخصية (٣) ، مستمد من المذاهب الأربعة وبعضها مستمد من المذهب الحنفي، ولم تثبت تلك على الوتيرة المختارة، بل بين كل حين وآخر يصدر لها مذكرة تفسيرية وأخرى إلغائية واستبدالها برأي آخر وهكذا. ٧- والخلاصة من هذا العرض وغيره للمراحل التي مرت بها هذه الفكرة هي ما يلي:

стр. 16

أ - إن هذه الفكرة لم تكن معهودة في صدر الخلافة الإسلامية حتى عام ١٤٤ هـ. ب - إن مبدى هذه الفكرة بعد هو عبد الله بن المقفع أحد الكتاب الأدباء على ما تقدم بيانه وبيان حاله. جـ - إن ثلاثة من خلفاء بني العباس وهم: أبو جعفر المنصور، وابنه المهدي، وحفيده هارون الرشيد، طلب كل واحد منهم - على ما يروى - من الإمام مالك تنفيذ هذه الفكرة فمانع إمامُ دار الهجرة كلَّ واحد منهم في تنفيذها بحمل الناس عليها. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (فكان هذا من تمام علمه واتصافه بالإنصاف) (١) . د - إنه لا يعرف للإمام مالك رحمه الله تعالى منازع في عصره من العلماء في رده ما دعاه إليه الخليفة. هـ - إنه بدليل الاستقراء والتتبع، لا يعرف لهذه المسألة بين العلماء والولاة ذكر ولا أثر منذ ذلك التاريخ حتى أواخر القرن الثالث عشر، وإلا فمتعصبة المذاهب منتشرون من بعد انقراض القرون المفضلة على ما في القول المفيد للشوكاني (٢) . غير أن برهان الدين بن فرحون المالكي المتوفى سنة ٧٩٩ هـ قال في: " تبصرة الحكام " (٣) :

стр. 17

(وقال أبو بكر الطرطوشي: أخبرني القاضي أبو الوليد الباجي، أن الولاة كانوا بقرطبة إذا ولوا رجلاً شرطوا عليه في سجله ألا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده. قال الشيخ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم. يُريد لأن الحق ليس في شيء معين، وإنما قال الشيخ أبو بكر هذا لوجود المجتهدين وأهل النظر في قضاة ذلك الزمان - وعد جماعة منهم - ثم قال: وهذا الذي ذكره الباجي ورد نحوه عن سحنون وذلك أنه ولى رجلاً القضاء، وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق، فشرط عليه سحنون ألا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك. قال ابن راشد: وهذا يؤيد ما ذكره الباجي ويؤيد ما قاله الشيخ أبو بكر. فكيف يقول ذلك، والمالكية إذا تحاكموا فإنما يأتون ليحكم بينهم بمذهب مالك) . انتهى. إيقاظ: وأمام التعصب المذهبي، أخذ العلماء بتفنيد ذلك في تضاعيف مؤلفاتهم، وفي مؤلفات مستقلة، منهم: ابن عبد البر في " جامعه " والشاطبي في " الاعتصام " وابن القيم في " الإعلام " وشيخه في مواضع من كتبه. وأبو شامة في كتابه " المؤمل في الرد إلى الأمر الأول " والشوكاني في " القول المفيد " وشيخنا محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن " والفلاني في " إيقاظ همم أولي الأبصار " وغيرها كثير. وإن هذه المؤلفات وما جرى مجراها هي في الجملة تفيد منع حمل الناس على مذهب معين أو قول مقنن. والله أعلم. و إنه لما صار التقنين في المجلة المذكورة صار دركةً أولى لحلول القانون الفرنسي.

стр. 18

ز - إنه لما صار تقنين الأحوال الشخصية - على حد اصطلاحهم - في أوائل هذا القرن، لم يستقر على ما حصل عليه الاتفاق. ح - إن موحد الجزيرة العربية بعد فرقتها إمام المسلمين الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ﵀ عرض أمر تلك الفكرة شورى على علماء المملكة منذ نصف قرن تقريباً، فاجتمع رأيه مع العلماء على ردها رحمة الله تعالى عليهم أجمعين (١) .

стр. 19

المطْلَبُ الثاني: في بَيَان أوجُه القول بالإلزام مَع بيَان المصالح المترتّبة عَليْه ثمَّ اتباعِها بمُناقشتها وإيضاح المطلب في فصولٍ ثلاثة

стр. 20

الفصل الأول في أوجه القول بالإلزام وجه القائلون بالإلزام قولهم به بطائفة من الأدلة أهمها ما يلي: ١- استدلوا بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) الآية. قالوا: فإن ولي الأمر إذا أمر بما ليس فيه معصية، ولا يتعارض مع أحكام الشريعة، وجبت طاعته لهذه الآية، والإلزام بالتقنين ليس فيه معصية لا ظاهراً ولا ضمناً، ولا يتعارض مع الشريعة بوجه وهو مصلحة رآها الوالي فيجب الالتزام بما ألزم به. ٢- والتقنين قد وجد ما يدل له من فعل السلف؛ حيث جمع عثمان ﵁ الناس على مصحف واحد، وقراءة واحدة، وأحرق ما عداه من المصاحف، وفيها القراءات الشاذة والمتواترة. وذلك سداً منه لباب الخلاف فكذلك هنا. ٣- قالوا: الأصل في الشريعة كما ذكره علماء الأصول: أن تكون معلومة أو في حكم المعلومة، لتكون ملزمة، أي فينبغي أن يكون ما هنا كذلك.

стр. 21

٤- ثم إن التقنين يكون باختيار جماعة من علماء العصر والإجماع ينعقد بقول الأكثر من أهل العصر في قول الجمهور والمخالفة شذوذ فهي مطروحة. إذاً فينبغي الإلزام به. ٥- قالوا: ومع هذا فليس هناك دليل يقضي برده، فهو من المصالح المرسلة. وقد رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. ومنها ما يأتي في الفصل بعده:

стр. 22

الفصل الثاني فيما يترتب على الإلزام من مصَالح ويندفع به من مفاسد ٦- وإنه يترتب على الإلزام بالأحكام المقننة مصالح ويندفع مفاسد والشريعة مبنية على جلب المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها ومن ترتبات هذا الفصل ما يلي: أ - بالتقنين الملزم به تكون الأحكام الواجبة التطبيق محددة مبينةً معروفةً للقاضي والمتقاضي. وذلك أدعى إلى تحقيق العدالة والتيسير على الناس، وأكفل لتحقيق المساواة بينهم، وطمأنة نفوسهم بالنسبة للقضاة، فلم يكن بدٌّ من وضع الأحكام الشرعية القضائية على هذا المنوال. ب - إن عدم التدوين كان سبباً لتهرب بعض المدعين من المحاكم الشرعية إلى محاكم فرنسا، وأن أولئك المدعين قالوا: " إن العدل غير مضمون في تحكيم الشريعة الإسلامية ". ففي هذا تشويه لسمعة البلاد التي تحكم الشريعة، فيتعين إذاً التدوين الملزم لدفع هذه المفسدة. إذ المدعين لعدم ضمان العدل في المحاكم الشرعية عللوا ذلك بعدم وجود نصوص مدونة ومعروفة مسبقاً لدى الأطراف ليلتزموا بها على نحو ما هو معهود في جميع قوانين العالم.

стр. 23

جـ - إن استباط الأحكام الفقهية لتطبيق الحكم منها على واقع القضية يحتاج إلى مهارة علمية، وملكة قوية، ودراية تامة بالكتب ومنزلتها وتمييز قوي الروايات من ضعيفها، وهذه المرتبة وإن توفرت في البعض إلا أنه يقصر عن بلوغها الأكثر. د - ثم من المعلوم أن أكثر الفقهيات فيها خلاف لا بين المذاهب الدائرة فحسب، بل خلاف حتى في المذهب نفسه، فيكون هناك مجال للحكم في قضية على أحد القولين أو الأقوال، والحكم بقضية أخرى على القول الثاني أو أحد الأقوال، ومعنى هذا أن الحكم قد يكون بالتشهي وفي الإلزام بأحكام معينة دفع لذلك. هـ - إنَّهُ يكون قضيتان متماثلتان هذه عند قاضي بلد، والثانية عند قاضي بلد آخر، فيختلفان في الحكم فيها فينتج من هذا التباين، تظلم ووقيعة في عرض القاضي والقضاء. و إنه يقع تجاذب بين حاكم القضية ومدقق الحكم لا من حيث واقع القضية ولكن من حيث تطبيق الحكم الشرعي على واقعها. ففي هذا من الإضرار كما في سابقه. فسداً لباب التقول، وإشغال الجهات بالملاحاة والمراجعات إلى غير ذلك من دفع المفاسد وجلب المصالح يجب تقنين الأحكام والإلزام بالقضاء بها بحيث لا يجوز تخطيها ولا الحكم على خلاف موادها.

стр. 24

الفصل الثالث في مناقشة أوجه الإِلزام على لسان الممانع هذا وللمانعين من الإلزام مناقشات وإيرادات على هذه الأوجه، وتبيانها على ما يلي: أولاً: أما الاستدلال بالآية فإنه لا يتجه لما يلي: وهو أن الله سبحانه أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وحذف الفعل في طاعة أولي الأمر، لأن طاعتهم إنما تكون فيما فيه طاعة لله ولرسوله ﷺ قاله غير واحد من علماء التفسير. وكما أن مرد التنازع في الأمر هو إلى الله وإلى رسوله ﷺ كما في أخر هذه الآية، فكذلك الطاعة. وقد جاءت السنة المطهرة تحدد ذلك وتبينه من أن الطاعة لولي الأمر إنما تكون بالمعروف وفيما فيه معروف، وهو ما جاءت به الشريعة لا غير. ففي الصحيحين أنه ﷺ قال: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". وهذه الجمل الشريفة من معتقد أهل السنة والجماعة كما عقدها الطحاوي في العقيدة فقال: (١) (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وأن جاروا، ولا ندعوا عليهم

стр. 25

ولا ننزع يداً من طاعتهم. ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضةً ما لم يأمروا بمعصية. وندعو لهم بالصلاح والمعافاة) . انتهى. لهذا فإن ولي الأمر إذا أمر وألزم بما فيه طاعة لله ولرسوله ﷺ كجباية الزكوات مثلاً - وجبت طاعته ولم تجز مخالفته إذ هذا معروف تجب طاعته فيه - ولو فرض أن ثمة تنازعاً لوجب رد أمر ذلك التنازع إلى أمر الله وأمر رسوله ﷺ فما وافقهما فهو الطاعة في المعروف لا يجوز خلافه. وفي موضع بحثنا هذا لو أمر الإمام وأوجب على القضاة الحكم بأحد القولين أو الأقوال في أحكام مناطها الاجتهاد. وذلك المأمور المتأهل يعتقد ديناً وشرعاً متحرياً الصواب أن الصحيح مقابل ما أُلزِمَ به. فهل يجوز فيمن سبيله كذلك الحكم بما أُلزم به وترك ما يعتقده؟ قال محمد بني إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: (أجمع الناس على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ فليس له أن يدعها لقول غيره) . انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة بيان لهذا عند ذكر احتجاج المانعين بهذه الآية. والله أعلم. ثانياً: أما أن عثمان ﵁ جمع الناس على قراءة واحدة وأحرق باقي القراءات ... إلخ، فلا بد أولاً من تصحيح الدليل، ثم يكون الدفع، فمن المعلوم أن القرآن كان مكتوباً على عهد رسول الله ﷺ ، لكنه كان مفرقاً في العسب واللخاف. ثم إن أبا بكر ﵁ جمعه في صحف، هذا أمر مشهورة أخباره في الصحاح وغيرها.

стр. 26

وقد ذكر الطحاوي في العقيدة (١) ، أن مذهب أهل السنة عدم الجدال في القرآن وذكر الشارح من معانيه ... إنا لا نحاول في القراءة الثابتة، بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح، وذكر حديث ابن مسعود ﵁ عند البخاري في قصة رجل قرأ آية كان رسول الله ﷺ يقرأ خلافها وفيه قال ابن مسعود فأخذت بيده فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فذكرت فعرفت في وجهه الكراهية وقال: " كلاكما محسن لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا " قال الشارح: فنهى رسول الله ﷺ عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع صاحبه من الحق.. ولهذا قال حذيفة ﵁ لعثمان ﵁: أدرك هذه الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم، فجمع الناس على حرف واحد اجتماعاً سائغا وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة ولم يكن في ذلك ترك لواجب، إذ كانت قراءة القران على سبعة أحرف جائزة لا واجبة رخصةً من الله تعالى وقد جعل الاختيار إليهم في أي حرف اختاروه) . انتهى. فتبين من هذا أن عثمان رضي الله عن إنما جمع الناس على حرف واحد لا على قراءة واحدة، والإجماع منعقد على جواز الأخذ بالقراءة بكل قناعة سبعية كما هو معلوم. قال أبو شامة (٢) ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة.

стр. 27

وقال بعض المحققين: المراد بكون عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد هي وحدة جنسية لا نوعية، أي لا أنه أخذ حرفاً واحداً وترك بقية الحروف والله أعلم. وأما إحراق عثمان ﵁ بقية المصاحف فقد قال الزركشي (١) : وفي الجملة: إنه أي عثمان ﵁ إمام عدل غير معاند ولا طاعن في التنزيل، ولم يحرق إلا ما يجب إحراقه، ولهذا لم ينكر عليه أحد ذلك، بل رضوه وعدوه من مناقبه، حتى قال علي ﵁: لَوْ وَليت ما ولى عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل. انتهى. ومن هذا العرض الموجز لجمع عثمان ﵁ ... يتبين التصحيح لما عمله عثمان ﵁، أما الاستدلال به فهو قياس مع وجود عدة فوارق منها ما يلي: ١- إن هذا الجمع الذي جمعه عثمان ﵁ أجمع الصحابة ﵃ عليه فأمضوه، وأما الإلزام برأي أو مذهب معين فعامة أقوالهم وما وقع لهم من الحوادث والاختلاف فيها تفيد منع ذلك. وسيأتي بيان طرف من أقوالهم إن شاء الله تعالى في مقام أدلة المنع. ٢- إن عامة القراءات الصحيحة التي لم تنسخ لا خلاف في وجوب العمل بها كالقراءة المعتبرة في المصحف، أما التقنين أو التدوين للأحكام الملزم بها - فلا يجوز عند من ألزم بها العمل بما عدا هذا القول الملزم به، والإجماع على خلاف ذلك. قال الخطيب البغدادي (٢) :

стр. 28

(باب القول في أنه يجب اتباع ما سنه أئمة السلف من الإجماع والخلاف وأنه لا يجوز الخروج عنه.. إذا اختلف الصحابة ﵃ في مسألة على قولين، وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين أن يتفقوا على أحد القولين، فإن فعلوا ذلك لم يترك خلاف الصحابة. والدليل عليه: أن الصحابة أجمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، وعلى بطلان ما عدا ذلك، فإذا صار التابعون إلى القول بتحريم أحدهما لم يجز ذلك وكان خرقاً للإجماع) . انتهى. ٣- إن المصحف الذي جمع عثمان الناس عليه هو صواب ١٠٠% لا خطأ فيه وحق لا شك فيه فمن أنكره أو شيئاً منه فهو كافر بإجماع المسلمين، وأما الأحكام الاجتهادية الملزم بها فلا شك في وجود خطأ فيها لأنها من اجتهاد غير معصوم والخطأ فيها متحتم كما هو معلوم. ٤- إن هذا الذي جمع عثمان الناس عليه هو من جنس خصال الكفارة من أن الإنسان مخير في واحدة منها فاقتصر على قراءة بحرف واحد كمن اقتصر فيمن لزمه كفارة على خصلة واحدة منها. وهذا خلاف الإلزام هنا فهو في أحد القولين أو الأقوال في مسألة الحق فيها في أحد القولين أو الأقوال. وقد أفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر فقال (١) : (والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي ﷺ .. وما عدا ذلك من القراءات فمما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلاً عليهم فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان ﵁، وكفر بعضهم بعضاً، اختاروا

стр. 29

الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته وتركوا الباقي. قال الطبري: وصار ما اتفق عليه الصحابة من الاقتصار كمن اقتصر مما خُير فيه على خصلة واحدة.. وقد قرر ذلك الطبري وأطنب فيه وَوَهَّى من خالفه) . انتهى. ثالثاً: أما أن الأصل في الشريعة أن تكون معلومة لتكون ملزمة.. إلخ. فإن صاحب " أضواء البيان " شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى أورد ذلك في مذكرة له فقال في الجواب عنه: (هذا فيه إجمال مانع من فهم المراد منه، فيقال: ما هو المراد بهذا العلم؟ الأصل في الشريعة أن تكون معلومة به لتكون ملزمة عند علماء الأصول، فإن كان المراد به ما هو مشهور عندهم: من أن المطلوب بالتكليف قصد إيقاع الفعل المأمور به على وجه الامتثال. وأن ذلك يتوقف على العلم بما هو مكلف به، ودون العلم به لا يكون ملزماً به، لأن التكليف بالمجهول لا يصح، فهذا صحيح، ولكن لا علاقة بينه وبين موضوع البحث، لأن المكلف بالقضاء الحاكم وهو عالم أو في حكم العالم بما هو مكلف به من القضاء. وإن كان المراد أن الخصوم لا يلزمهم حكم الحاكم حتى يعلموا ما كلفهم به الحاكم بعد الحكم عليهم، فهذا صحيح أيضاً، ولكنه أجنبي من الموضوع. وإن كان المراد أن حكم الحاكم بالشريعة يشترط في إلزامه أن يكون ما يحكم به الحاكم معلوماً عند جميع الخصوم قبل التحاكم، فهذا من موضوع البحث ولكنا لم نفهم وجهه، ولم نسمع به عند أحد من أهل الأصل ولا غيرهم، ولذلك احتجنا لإيضاح المراد به، لأن اشتراط علم السواد الأعظم بتفاصيل الأحكام التي يحكم لهم وعليهم بها قبل التحاكم

стр. 30

في الإلزام بالحكم يحتاج إلى إيضاح وجهه بالدليل. وبإيضاح وجه هذا يتضح وَجْهُ أعظم الدواعي للتدوين مع العلم بأن بعض أهل العلم يمنع هذا النوع من التعليم، فلا يجيزون للقضاة الفتوى للناس في شيء من الأحكام التي من شأنها أن تعرض بين يدي الحكام لأجل التحاكم فيها معللين ذلك بأن معرفتهم لما عند الحكام قبل التحاكم عون لهم على الفجور والحيل، لأن الخصم إذا عرف ما يحكم به الحاكم للخصم وما يحكم به عليه، أعانه ذلك على التوصل إلى الحكم بالباطل والحيل، وهذا هو مذهب مالك ونقل عنه غير واحد أنه ممنوع. وقيل عنه: إنه مكروه، وسوى بعضهم بين المنع والكراهة. ولم نعلم أحداً روى عن مالك جواز هذا النوع من التعليم. ولم نعلم أحداً من أصحابه أجازه إلا ابن عبد الحكم. وحمل بعضهم قول خليل في " مختصره ": ولم يفت في خصومه على الكراهة مع اعترافه بأن ظاهر كلامه المنع. وهو الذي جزم به ابن عاصم الغرناطي في " تحفته " بقوله: ومنع الإِفتاء للحكام ... في كل ما يرجع للخصام وقال شارحه التاودي في شرحه المسمى " مجلي المعاصم لبنت فكر ابن عاصم " ما نصه: (أي منع إفتاء الحكام في كل ما من شأنه أن يرجع للخصام من أبواب المعاملات لما فيه من تعليم الخصوم وإعانتهم على الفجور لا في أبواب العبادات أو لمتفقه) . انتهى. وعبارة غيره: ولا يفتى في الخصومة، وهو لمالك وسحنون. وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به، وبه العمل. وظاهر المصنف المنع، وأنه على

стр. 31

التحريم، ويحتمل الكراهة، وعليه حملوا قول خليل: ولم يفت في خصومة. وحصل الحطاب في المسألة ثلاثة أقوال: المنع، والكراهة، والجواز ... انتهى منه. وقال التسولي في شرحه للتحفة المسمى بالبهجة، ممزوجاً في قول ابن عاصم: في كل ما يرجع للخصام ما نصه: في كل ما: أي شيء يرجع للخصام فيه بين يديه من أبواب المعاملات، لأن الخصم إذا عرف مذهبهم تحيل للوصول إليه أو الانتقال عنه. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وما ذكر بعد هذا من تفصيل فقد تبع فيه بعض المتأخرين وليس معروفاً في أصل المذهب، وإنما المعروف في مذهب مالك ما ذكرنا، وليس غرضنا مناقشة الأقوال في منع ذلك أو كراهته، أو جوازه، وإنما الغرض عندنا أن كل كلامهم على كل تقدير، مُصَرِّحٌ بأن ذلك النوع من التعليم لا مصلحة فيه البتة، فضلاً عن كون العلم بذلك قبل التحاكم شرطاً لكون الشريعة ملزمة) . انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وفي تحرير حكم إفتاء القاضي للناس يقول ابن القيم ﵀ تعالى (١) : (الفائدة السادسة والثلاثون: لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا به، ووجوبها إذا تعينت، ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور. فالقاضي مفتٍ ومثبتٌ ومنفذ لما أفتى به.

стр. 32

وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه يكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به، دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها، واحتج أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم، ولا يمكن نقضه وقت المحاكمة. قالوا: ولأنه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء فإن أصر على فتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف ما يعتقد صحته. وإن حكم بخلافها طرق الخصم إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم بخلاف ما يعتقده ويفتي به، ولهذا قال شريح: أنا أقضي لكم ولا أفتي، حكاه ابن المنذر، واختار كراهية الفتوى في مسائل الأحكام. وقال الشيخ أبو حامد الإسفرائيني: لأصحابنا في فتواه - أي القاضي - في مسائل الأحكام جوابان؛ أحدهما: أنه ليس له أن يفتي فيها، لأن لكلام الناس عليه مجالاً، ولأحد الخصمين عليه مقالاً. والثاني: له ذلك؛ لأنه أهل له) . انتهى. رابعاً: أما أن التقنين الملزم به يكون اختيار أحكامه باتفاق أكثر مجتهدي العصر فيكتسب الإجماع فيقال: إن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثرين من أهل العصر في قول جمهور أهل العلم. قال ابن قدامه رحمه الله تعالى (١) : فصل: ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور، وقال محمد بن جرير وأبو بكر الرازي وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله تعالى. ووجهه: أن مخالفة الواحد شذوذ، وقد نهى عن الشذوذ، وقال عليه

стр. 33

السلام: " عليكم بالسواد الأعظم " (١) وقال: " الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ". ولنا: أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها وليس هذا إجماع الجميع، بل هو مختلف فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ . انتهى. ويقال أيضاً: هذه مجالس أهل العلم وطلابه ينعقد الاجتماع فيها لدراسة بعض من مباحث العلم ومطالبه، ثم ينقضي الاجتماع وهم مختلفون غالباً فكيف يمكن اجتماع طائفة منهم على تدوين مئات المسائل، بل الالآف منها ويكون الرأي فيها واحداً بالإجماع منهم، وهذا متعذر بالإجماع في مجمع علمي يحمل ممثلوه الشروط والسمات التي تؤهلهم لذلك، مبعدين لعامل المجاملة وانطواء الضعيف تحت سلطان القوي والله المستعان (٢) . خامساً: أما أنه ليس للمانعين دليل يقضي برد الإلزام. فسيأتي إن شاء

стр. 34

الله تعالى في ذكر أدلة المانعين ما يفيد لهم المنع من عامة طرق الأدلة. أما حديث: ما رآه المسلمون حسناً.. الحديث. فإنه لا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ . قال العجلوني (١) : رواه أحمد في كتاب " السنة " وليس في مسنده كما وُهم. انتهى. والعجلوني رحمه الله تعالى هو الواهم فإن الحديث في مسند أحمد أيضاً (٢) . والذي عليه عامة حفاظ الأثر أن هذا الحديث إنما يصح موقوفاً من قول ابن مسعود ﵁. قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : (وهو ثابت موقوفاً على ابن مسعود ﵁ انتهى. وقال أيضاً (٤) : (إن هذا الحديث ليس من كلام رسول الله ﷺ وإنما يضيفه في كلامه من لا علم له في الحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود قوله. ذكره الإِمام أحمد وغيره، موقوفاً، ثم ذكر الحديث) . انتهى. وإذا لم يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ فلا يصح الاستدلال به مرفوعاً. والله أعلم. سادساً: لما ذكر أنه بالتقنين تتحقق مصالح وتندفع مفاسد فمناقشتها على ترتيبها المتقدم على ما يلي: أ - أما عن الأولى.. فإنه من المعلوم لدى الخاص والعام أن دين

стр. 35

الله دين الإسلام صالح لكل زمان ومكان وأنه مر على الإسلام عصور مختلفة وأطوار متباينة، منها عصور تطور واتساع حتى كانت الدولة العباسية تشمل القارات الثلاث وكانت أبواب الحكومات الفقهية كلها نافذة وأمرها راشد وهكذا في سائر عصوره وأدواره ومع ذلك فقد تحققت العدالة بتحكيم الشريعة، وانتشر اليسر وارتفع الحرج والعسر، وفي هذه الأجيال المختلفة المتعاقبة وأمام تلك الاختلافات والتطورات والزيادة والنقص لا يعرف عن واحد من الأئمة المعتبرين وجوب إلزام القضاة في أحكامهم بمذهب أو رأي معين، بل لما أدلى بها بعض الخلفاء العباسيين ولعله من تأثير بعض الأدباء فامتنع إمام دار الهجرة من الإجابة إليها وحاشاه أن يوقع الناس في ضيق على حد قولهم، وهو يجد له في الشريعة مدفعاً. وهذا التعليل هو ما أبداه ابن المقفع فلا يقال إنه احتجاج جديد أو مصلحة تجددت ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها. هذا وإن لنا من واقع غيرنا المشاهد دليلاً ونظراً وهو أن البلاد الغربية التي تسير أحكامها على أساس القانون الوضعي لم ترتفع شقة الخلاف فيها وهكذا في البلدان التي قننت فيها الأحوال الشخصية وحددت موادها وأحكامها لم يرتفع ذلك عنها وهذه مجلات المحاماة ودوائر النقض والإبرام تعاني من ذلك الشيء الكثير. فماذا صنع التقنين. إذاً فما طريق تحقيق تلك المصلحة لعل في الجواب عن الفقرة الرابعة بعدُ بياناً لهذا. ب - أما الجواب عن الفقرة (ب) فقد أورد هذا الاعتراض العلامة شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى في جوابه على المذكرة الإيضاحية في ذلك وأجاب عليه وأنا أذكر هنا كلامه بطوله لنفاسته وغزارة مادته، قال ﵀: (فإنا لم نفهم من هذا الكلام شيئاً يشوه سمعة البلاد، لأنا نرى

стр. 36

أن المتبادر منه هو الثناء العظيم والمدح البليغ لهذه البلاد، لأنه لا شك أن مرادهم بالعدل الذي ليس بمضمون فيها هو التحاكم إلى الطاغوت كما أوضحوا ذلك بقولهم: على نحو ما هو معهود في جميع العالم، لأن المعهود في جميع العالم لا يخرج حرف واحد منه البتة عن حكم الطاغوت، وذلك الذي سموه عدلاً ونفوا ضمانه في هذه البلاد الذي هو التحاكم إلى الطاغوت هو عين الكفر وأعظم أنواع الظلم والجور والحيف. والحقائق لا تتغير بتغيير العناوين. والسعودية وكل مسلم قد أمرهم ربهم في كتابه بالكفر بما سماه أولئك عدلاً لما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ . وقد جعل الله تعالى الكفر به شرطاً في الاستمساك بالعروة الوثقى، قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ومفهومه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو كذلك فأي تشويه للسمعة في كون الكفر والجور والحيف الذي عبروا عنه باسم العدل ليس مضموناً في المحاكم السعودية أعاذها الله من ذلك العدل، فنفيه عنها في الحقيقة مدح وثناء. وهو في الواقع حلقة من السلسلة المشهورة عند الأوربيين ومن سار في ركابهم من الطعن في هذه البلاد بسبب بقائها وحدها معلنة التمسك بنور السماء، كالرجعية والتأخر والجمود والوحشية وكبت الحرية ونحو ذلك. ولا شك أن من هذا النوع قول هؤلاء المتحاكمين إلى محاكم باريس (إن العدل غير مضمون في المحاكم السعودية) ومن المعلوم أنه ليس

стр. 37

مرادهم بالعدل معناه الحقيقي ولا مجرد التدوين، لأنهم لا يرون في شرع الإسلام إنصافاً أصلاً ولو كانوا يرونه فيه لاتبعوه، ولما سموا إقامة الحدود وحشية ولا سموا المنع من الفوضى الخلقية والعمالية والإباحية على ضوء الدين السماوي كبت حرية كما هو واضح، ولا يعقل كون التدوين وحده عدلاً بقطع النظر عن ما هو مدون كما لا يخفى، وبالجملة فإن العدل المذكور إنما لم يكن مضموناً في محاكم هذه البلاد، لأن الكفر به من أصول دينها. ومما يوضح أنهم ليس مرادهم بالعدل مجرد التدوين إيضاحاً لا لبس فيه أن كل إنسان يعتقد نظاماً من الأنظمة جوراً وظلماً لا يقتنع بمجرد حسن عبارات ذلك النظام وإيضاحها وسهولة منهجها وحسن ترتيبها وهذا ضروري، ولا شك معه أن العبرة بنفس المدون لا ينضبط، وحسن التدوين وعلى كل حال فمما لا مجال للشك فيه أن هؤلاء الذين فروا من المحاكم الإسلامية بدعوى أن العدل ليس مضموناً فيها، وذهبوا يطلبون العدل المضمون في محاكم باريس أنهم لا يريدون إلا النظام الوضعي الذي هو زبالات أذهان الكفرة، وقد أوضحوا ذلك غاية الإيضاح في قولهم: على نحو ما هو معهود في جميع العالم. ولهذا لم نفهم وجه كون كلامهم هذا تشويهاً لسمعة الإسلام أو المسلمين حتى يكون ذلك داعياً إلى معالجته بالتدوين، ورضي الله عن حسان بن ثابت في الرد على ذم الكفار للمسلمين: ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني عن ظهر غيب لئيم ومما لا مجال للشك فيه أيضاً أن الذين يعلنون التحاكم إلى وحي الله

стр. 38

الذي أنزله على رسوله متسببون بذلك في توجيه أنواع الشتائم وفنون الأذى من كل من يتحاكمون إلى الطاغوت وهم سكان المعمورة في جميع نواحيها إلا من شاء الله، فهم جديرون جداً بالاستعداد الكامل للصبر الجميل الذي لا تزعزعه عواصف الباطل ولهم بذلك أعظم الأجر عند الله وأحسن الأسوة في رسول الله ﷺ وأصحابه في صبرهم على أذى المشركين واليهود كما قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ... وإن كان أولئك الباريزيون قالوا إن محاكم فرنسا أعدل من محاكم المسلمين، فللمسلمين أسوة حسنة في النبي ﷺ وأصحابه حين قال اليهود إن كفار مكة المكرمة أهدى منهم سبيلاً وأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ . والواقع يشهد بكذب دعوى هؤلاء المتحاكمين إلى محاكم باريس كما يشهد به جميع من لم يكتم الحق في جميع نواحي المعمورة، لأن بلاد هذه المحاكم التي نفوا ضمان العدل عنها يوجد فيها من العدالة والطمأنينة الكاملة على حفظ الأنفس والعقول والأنساب والأموال والأعراض ما لا يوجد معشار عشره في باريس ولا في غيرها، وفي كل موسم حج تأتي وفود الحجيج من جميع أقطار الدنيا، وكثرة أعدادهم الهائلة لا يخفى، فيسعهم جميعاً العدل والإنصاف والرخاء والطمأنينة، وحفظ جميع ما يهمهم، وذلك كلّه بفضل الله ثم بعدالة هذا النظام السماوي الذي تسير عليه هذه البلاد التي زعم الباريزيون أن العدل أقرب في محاكم باريس منه في محاكمها. انتهى.

стр. 39

وقال الأستاذ علاَّل الفاسي، في معرض بيانه أن خوف المسلمين من انتقاد الأجانب والمثقفين - في تحكيم الشريعة - وهمٌ موروث. قال (١) : (وهي هزة يجب أن لا نفزع منها، بل يجب أن نعتبرها بمثابة خفقة القلب التي تحصل لمن يخرج وحده في الظلام أحياناً؛ عبارة عن ضعف الأعصاب وعدم الإرادة، سرعان ما تزول إذا تذكر الخائف أن الليل والنهار سيان بالنسبة لحركة الإنسان وسكونه، وأنه ليس هنالك كما يعلم هو يقيناً طارئ ولا تشكل من الكائنات، إن هي إلا أوهام وخزعبلات، وكما يشتد عزم ذلك الخائف. فيتحدى أوهامه، كذلك يجب أن يشتد عزم الذين يضعفون خوف الاتهام بالرجعية، فيعلمون أن ذلك مجرد خزعبلات موروثة عن الاستعمار ومن إيحاء رجاله) . انتهى. جـ - أما الفقرة الثالثة التي مفادها عدم بلوغ كثير من القضاة رتبة الاجتهاد ولو في مذهب إمامه فيقال ليعلم أولاً أن مذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد والظاهرية وبعض الحنفية هو شرطية توفر الاجتهاد فيمن يولى للقضاء (٢) وذلك بأن يكون عارفاً بالأصول التي ترجع الأحكام إليها لا أن يكون عالماً حكم كل قضية بعينها. انتهى. ثم أن أهل العلم قدروا حالة ضعف ذلك مثلاً فقرروا أن ما يشترط في القاضي من الاجتهاد والعدالة يجب تولية من وجدت فيه دون سواه. وهكذا يولي الأمثل فالأمثل ومن توفرت فيه الشروط على من دونه ولم يذكروا اللجوء إلى الإلزام برأي أو مذهب معين لا يجوز تعديه ولو كان

стр. 40

ذلك في صالح البشر في أي زمان أو مكان وهو الأمر المهم الذي يتعلق بتحكيم الشريعة في دماء الناس وأموالهم لبيَّنه الله سبحانه المحيط علمه بكل شيء. بل من رأفته قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأمثالها كثير من الآيات، قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ (١) : وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة يجب فعله بحسب الإمكان، بل وسائر العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك، فكل ذلك واجب مع القدرة فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها إلى آخر كلامه ﵀. ثم إنه من واقع هذه البلاد إنه يتخرج في كل عام عدد غير قليل من كليات العلوم الشرعية التي فيها تدرس جملة العلوم الشرعية من الكتاب والسنة وعلومهما والفقه وأصوله مما لو طبق على ما ذكره الأئمة في شرطية الاجتهاد وبيانه لوجد ذلك مطابقاً أو مقارباً. وإنه وإن أصاب البعض قصور علمي فهو نتيجة للعجز البشري وما يكون في البعض فلا يسري حكمه على الكل. والعجز البشري أمر ملازم في غالب الناس معهود في تعلم سائر العلوم الإسلامية سوء كان الدارسون مسلمين أم غير مسلمين، وهذا مما يدل على أن كمال القوى والقدر لا يتصف بها إلا واهبها سبحانه، لكن الذي ينبغي بل يتحتم هو حسن الاختيار والاجتهاد فيه وتولية الاختيار إلى أهله المدركين الناصحين لله ورسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم. وهكذا يكون علاج ذلك عن طريق السنة واقتفاء الأثر والترسم لما كان عليه الصدر الأول والتابعون لهم بإحسان، ثم يقال على سبيل التنزل: إذا جاز هذا في حق من ذكرت حاله فما العمل في من هو أهل للاجتهاد، فهل
следующие страницы →