أن المتبادر منه هو الثناء العظيم والمدح البليغ لهذه البلاد، لأنه لا شك
أن مرادهم بالعدل الذي ليس بمضمون فيها هو التحاكم إلى الطاغوت كما
أوضحوا ذلك بقولهم: على نحو ما هو معهود في جميع العالم، لأن
المعهود في جميع العالم لا يخرج حرف واحد منه البتة عن حكم
الطاغوت، وذلك الذي سموه عدلاً ونفوا ضمانه في هذه البلاد الذي هو
التحاكم إلى الطاغوت هو عين الكفر وأعظم أنواع الظلم والجور والحيف.
والحقائق لا تتغير بتغيير العناوين.
والسعودية وكل مسلم قد أمرهم ربهم في كتابه بالكفر بما سماه أولئك
عدلاً لما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ
يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ . وقد جعل الله تعالى
الكفر به شرطاً في الاستمساك بالعروة الوثقى، قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ومفهومه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو
كذلك فأي تشويه للسمعة في كون الكفر والجور والحيف الذي عبروا عنه
باسم العدل ليس مضموناً في المحاكم السعودية أعاذها الله من ذلك
العدل، فنفيه عنها في الحقيقة مدح وثناء.
وهو في الواقع حلقة من السلسلة المشهورة عند الأوربيين ومن سار
في ركابهم من الطعن في هذه البلاد بسبب بقائها وحدها معلنة التمسك
بنور السماء، كالرجعية والتأخر والجمود والوحشية وكبت الحرية ونحو ذلك.
ولا شك أن من هذا النوع قول هؤلاء المتحاكمين إلى محاكم باريس
(إن العدل غير مضمون في المحاكم السعودية) ومن المعلوم أنه ليس
стр. 37
مرادهم بالعدل معناه الحقيقي ولا مجرد التدوين، لأنهم لا يرون في شرع
الإسلام إنصافاً أصلاً ولو كانوا يرونه فيه لاتبعوه، ولما سموا إقامة الحدود
وحشية ولا سموا المنع من الفوضى الخلقية والعمالية والإباحية على ضوء
الدين السماوي كبت حرية كما هو واضح، ولا يعقل كون التدوين وحده
عدلاً بقطع النظر عن ما هو مدون كما لا يخفى، وبالجملة فإن العدل
المذكور إنما لم يكن مضموناً في محاكم هذه البلاد، لأن الكفر به من
أصول دينها.
ومما يوضح أنهم ليس مرادهم بالعدل مجرد التدوين إيضاحاً لا لبس
فيه أن كل إنسان يعتقد نظاماً من الأنظمة جوراً وظلماً لا يقتنع بمجرد حسن
عبارات ذلك النظام وإيضاحها وسهولة منهجها وحسن ترتيبها وهذا
ضروري، ولا شك معه أن العبرة بنفس المدون لا ينضبط، وحسن التدوين
وعلى كل حال فمما لا مجال للشك فيه أن هؤلاء الذين فروا من المحاكم
الإسلامية بدعوى أن العدل ليس مضموناً فيها، وذهبوا يطلبون العدل
المضمون في محاكم باريس أنهم لا يريدون إلا النظام الوضعي الذي هو
زبالات أذهان الكفرة، وقد أوضحوا ذلك غاية الإيضاح في قولهم: على
نحو ما هو معهود في جميع العالم.
ولهذا لم نفهم وجه كون كلامهم هذا تشويهاً لسمعة الإسلام أو
المسلمين حتى يكون ذلك داعياً إلى معالجته بالتدوين، ورضي الله عن
حسان بن ثابت في الرد على ذم الكفار للمسلمين:
ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني عن ظهر غيب لئيم
ومما لا مجال للشك فيه أيضاً أن الذين يعلنون التحاكم إلى وحي الله
стр. 38
الذي أنزله على رسوله متسببون بذلك في توجيه أنواع الشتائم وفنون الأذى
من كل من يتحاكمون إلى الطاغوت وهم سكان المعمورة في جميع
نواحيها إلا من شاء الله، فهم جديرون جداً بالاستعداد الكامل للصبر
الجميل الذي لا تزعزعه عواصف الباطل ولهم بذلك أعظم الأجر عند الله
وأحسن الأسوة في رسول الله ﷺ وأصحابه في صبرهم على أذى المشركين
واليهود كما قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ...
وإن كان أولئك الباريزيون قالوا إن محاكم فرنسا أعدل من محاكم
المسلمين، فللمسلمين أسوة حسنة في النبي ﷺ وأصحابه حين قال اليهود
إن كفار مكة المكرمة أهدى منهم سبيلاً وأنزل الله في ذلك قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ .
والواقع يشهد بكذب دعوى هؤلاء المتحاكمين إلى محاكم باريس كما
يشهد به جميع من لم يكتم الحق في جميع نواحي المعمورة، لأن بلاد
هذه المحاكم التي نفوا ضمان العدل عنها يوجد فيها من العدالة والطمأنينة
الكاملة على حفظ الأنفس والعقول والأنساب والأموال والأعراض ما لا
يوجد معشار عشره في باريس ولا في غيرها، وفي كل موسم حج تأتي وفود
الحجيج من جميع أقطار الدنيا، وكثرة أعدادهم الهائلة لا يخفى، فيسعهم
جميعاً العدل والإنصاف والرخاء والطمأنينة، وحفظ جميع ما يهمهم، وذلك
كلّه بفضل الله ثم بعدالة هذا النظام السماوي الذي تسير عليه هذه البلاد
التي زعم الباريزيون أن العدل أقرب في محاكم باريس منه في محاكمها.
انتهى.
стр. 39
وقال الأستاذ علاَّل الفاسي، في معرض بيانه أن خوف المسلمين من
انتقاد الأجانب والمثقفين - في تحكيم الشريعة - وهمٌ موروث. قال (١) :
(وهي هزة يجب أن لا نفزع منها، بل يجب أن نعتبرها بمثابة خفقة
القلب التي تحصل لمن يخرج وحده في الظلام أحياناً؛ عبارة عن ضعف
الأعصاب وعدم الإرادة، سرعان ما تزول إذا تذكر الخائف أن الليل والنهار
سيان بالنسبة لحركة الإنسان وسكونه، وأنه ليس هنالك كما يعلم هو يقيناً
طارئ ولا تشكل من الكائنات، إن هي إلا أوهام وخزعبلات، وكما
يشتد عزم ذلك الخائف. فيتحدى أوهامه، كذلك يجب أن يشتد عزم
الذين يضعفون خوف الاتهام بالرجعية، فيعلمون أن ذلك مجرد خزعبلات
موروثة عن الاستعمار ومن إيحاء رجاله) . انتهى.
جـ - أما الفقرة الثالثة التي مفادها عدم بلوغ كثير من القضاة رتبة
الاجتهاد ولو في مذهب إمامه فيقال ليعلم أولاً أن مذهب الجمهور منهم
مالك والشافعي وأحمد والظاهرية وبعض الحنفية هو شرطية توفر الاجتهاد
فيمن يولى للقضاء (٢) وذلك بأن يكون عارفاً بالأصول التي ترجع الأحكام
إليها لا أن يكون عالماً حكم كل قضية بعينها. انتهى. ثم أن أهل العلم
قدروا حالة ضعف ذلك مثلاً فقرروا أن ما يشترط في القاضي من الاجتهاد
والعدالة يجب تولية من وجدت فيه دون سواه.
وهكذا يولي الأمثل فالأمثل ومن توفرت فيه الشروط على من دونه ولم
يذكروا اللجوء إلى الإلزام برأي أو مذهب معين لا يجوز تعديه ولو كان
стр. 40
ذلك في صالح البشر في أي زمان أو مكان وهو الأمر المهم الذي يتعلق
بتحكيم الشريعة في دماء الناس وأموالهم لبيَّنه الله سبحانه المحيط علمه
بكل شيء. بل من رأفته قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وأمثالها كثير من الآيات، قال شيخ
الإسلام ابن تيميه ﵀ (١) : وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة يجب
فعله بحسب الإمكان، بل وسائر العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك،
فكل ذلك واجب مع القدرة فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفساً إلا
وسعها إلى آخر كلامه ﵀.
ثم إنه من واقع هذه البلاد إنه يتخرج في كل عام عدد غير قليل من
كليات العلوم الشرعية التي فيها تدرس جملة العلوم الشرعية من الكتاب
والسنة وعلومهما والفقه وأصوله مما لو طبق على ما ذكره الأئمة في شرطية
الاجتهاد وبيانه لوجد ذلك مطابقاً أو مقارباً. وإنه وإن أصاب البعض قصور
علمي فهو نتيجة للعجز البشري وما يكون في البعض فلا يسري حكمه
على الكل. والعجز البشري أمر ملازم في غالب الناس معهود في تعلم
سائر العلوم الإسلامية سوء كان الدارسون مسلمين أم غير مسلمين، وهذا
مما يدل على أن كمال القوى والقدر لا يتصف بها إلا واهبها سبحانه،
لكن الذي ينبغي بل يتحتم هو حسن الاختيار والاجتهاد فيه وتولية الاختيار
إلى أهله المدركين الناصحين لله ورسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وهكذا يكون علاج ذلك عن طريق السنة واقتفاء الأثر والترسم لما كان عليه
الصدر الأول والتابعون لهم بإحسان، ثم يقال على سبيل التنزل: إذا جاز
هذا في حق من ذكرت حاله فما العمل في من هو أهل للاجتهاد، فهل
стр. 41
يلزم الجميع أم يجري التمييز بين من يلزم من غيره أم ماذا؟ .. ثم إن
تطبيق الحكم الشرعي على الكثير الأغلب من الخصومات والقضايا يعد من
أوائل المعلومات الشرعية بوجود نص قطعي على أنه متى وردت مشكلة
قضائية وجب بذل الوسع والطاقة من البحث والاستشارة متحرياً الصواب ثم
يكون إجراء الحكومة. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ ذلك فقال (١) :
(ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان
هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب أو تكافؤ
الأدلة عنده أو غير ذلك فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه هذا أقوى
الأقوال، وقد قيل ليس له التقليد بكل حال، وقيل له التقليد بكل حال
والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره) انتهى.
د - وأما أن في الإلزام بمذهب معين دفعاً للحكم بالتشهي: فيقال إن
من شرط تولية القاضي للقضاء العدالة عند جماهير العلماء، بل حكى
اتفاق الأئمة عليه شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ (٢) قال: وسئل بعض
العلماء إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل فأيهما
يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد قدم الدين،
وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم. وأكثر
العلماء يقدمون الدين، فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي أن
يكون عدلاً أهلاً للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم وذكره) . انتهى.
ومن المعلوم أن حكم القاضي في قضية هو في تلك فلا يعم حكمه
فيها جميع العالمين. ومن المعلوم أن حكم الحاكم ينفذ ظاهراً لا باطناً،
стр. 42
لأن القاضي عرضة للخطأ وهو مأجور على كلا الحالين، وهذا سيد الأولين
والآخرين يقول إنكم تختصمون إلي ... الحديث، فالقاضي إذا حكم في
خصومة لديه بحكم اجتهادي على أحد القولين أو الأقوال. وفي قضية
أخرى حكم بالقول الثاني فيها مُبيناً وجه عدوله عن القول الأول، فلا ينبغي
علينا التثريب عليه، فإن حكمه الأول هو لتلك القضية فلا يسري على
غيرها وحكمه في كلا القضيتين نافذ ظاهراً والله أعلم.
قال الموفق ﵀ (١) : (وروى أن عمر حكم في المشركة بإسقاط
الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم بعد وقال تلك على ما قضينا، وهذه على
ما نقضي وقضى بالجد بقضايا مختلفة ولم يرد الأولى، ولأنه يؤدي إلى نقض
الحكم بمثله، وهذا يؤدي إلى ألا يثبت الحكم أصلاً، لأن الحكم الثاني
يخالف الذي قبله والثالث يخالف الثاني فلا يثبت حكمه) . انتهى.
وقال البيهقي في سننه (٢) باب من اجتهد من الحكام ثم تغير اجتهاده
أو اجتهاد غيره فيما يسوغ فيه الاجتهاد ولم يرد ما قضى به، وذكر آثاراً منها
أثر عمر المتقدم ذكره.
هذا ما ينبغي أمام من صار فيه شيء من ذلك على فرض وقوعه، فإنه
ظاهراً مجتهد في عين ذلك الحكم متحر للحق والله تعالى يتولى بواطن
الأمور، والكل مؤمن حق الإيمان بالمراحل الإنسانية وما فيها من الوعد لمن
أطاع والوعيد لمن عصى وحكم بالهوى، وفي الحديث الصحيح عن بريدة
﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد
في الجنة " وفيه " رجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في
стр. 43
النار ". الحديث رواه الأربعة والحاكم وصححه. ونحن نضرع إلى الله أن
يوجد بين علماء المسلمين من هذه حاله وصفته قال شيخ الإسلام ابن
تيميه ﵀ (١) : (فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب
اجتهادهم اجتهاداً أو تقليداً - قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم لا
يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطئوا خطأً مجمعاً
عليه، وإذا قالوا إنا قلنا الحق واستدلوا بالأدلة الشرعية لم يكن لأحد من
الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون
قولهم.. كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد أنه
يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكماً فإن هذا
ينقلب فقد يصير الآخر حاكماً فيحكم بأن قوله هو الصواب إلى آخر كلامه
رحمه الله تعالى.
هـ - أما وجود قضيتين متماثلتين واختلاف حكمهما فيقال إنه يكون
هناك قضيتان متماثلتان ظاهراً لا عند قاضيين فحسب، بل عند قاضٍ واحد
فيختلف الحكم فيهما اختلافاً جوهرياً عكسياً فيبدوا لمن هو بعيد عن
مجرى تلك الحكومتين أن هذا من الظلم لكن من تذوق القضاء وتروى
بمعرفة ملابسات الخصومات وما يحيط بها أبدى التوقف عند ذلك. إذ لا
تكون القضيتان متماثلتين من كل وجه، بل يكون توفر في هذه من الوجوه
والدلائل ما يقضي بأن يكون حكمها على خلاف تلك القضية التي يظن
مشابهتها بها من كل وجه. وخلاصة ما يظن منه وجود تضارب في القضاء
هو منحصر في واحد من الوجوه الأربعة التالية:
١- قضيتان مماثلتان في الظاهر لكن أحاط بكل واحدة منهما ما
стр. 44
يوجب أن يكون الحكم على خلاف الظاهر فاختلفتا حكماً فهذا عين
العدل.
٢- قضيتان متماثلتان من كل وجه عند قاضي واحد فقضى فيهما بآن
واحد بحكمين مختلفين فهذا ممتنع شرعاً وواقعاً. ولو فرض وقوعه فالعدالة
تأخذ مجراها في الحاكم وحكمه.
٣- قضيتان متماثلتان عند قاضي واحد وقضى فيهما بزمنين بحكمين
مختلفين عن اجتهاد ونظر أوضحه في حكمه وبرهن عليه حيث اقتضى فيه
الرجوع عن رأيه الأول إلى الرأي المقابل، فهذا سائغ شرعاً كما وقع في
ذلك عدة قضايا لعمر وغيره من الصحابة ﵃ فلا تثريب إذاً.
٤- قضيتان متماثلتان من كل وجه فقضى بهما قاضيان في بلدين مع
الاختلاف في الحكم، فهذا لا مانع منه ما دام أن كل واحد أخذ برأي
مأثور مجتهداً فيه متحرياً الحق، وهذا هو الذي منع الإمام مالك من العمل
على خلافه وقال في مقاله ابن كثير وهذا من تمام علمه واتصافه
بالإنصاف (١) .
١- أما أن يقع تجاذب بين القاضي وهيئة تمييز الأحكام: فيقال إن
التجاذب في ذلك غالباً ما يكون في فهم واقع القضية، فهذا الأخذ والرد
فيما لم يمحص حتى يجري تمحيصه وتصحيح المفاهيم فيه وهذا النوع
هو الأغلب الأكثر ولا سلطان للبحث فيه هنا. وأما الاختلاف في الفهم
للرأي المختار فقهاً في تطبيقه على قضية ما فإن ذلك الحكم أمام جهة
النقض والإبرام على أنواع.
стр. 45
منها: أن يكون الحكم على وفق نص قطعي الثبوت والدلالة فهذا لا
يجوز نقضه بحال.
منها: أن يكون الحكم على خلاف ذلك فهذا يجب نقضه ولا يجوز
إبرامه بحال.
ومنها: أن يكون الحكم مسرحاً للاجتهاد فهذا لا يجوز نقضه إذ يؤدي
نقضه إلى الدور والاضطراب وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد منهم
الخطيب في الفقه والمتفقه (١) والآمدي في الأحكام (٢) ، والقرافي في
الإحكام (٣) ، قال الآمدي المسألة الثامنة: اتفقوا على أن حكم الحاكم لا
يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية لمصلحة الحكم، فإنه لو جاز نقض
حكمه إما بتغير اجتهاده أو بحكم حاكم آخر لأمكن نقض الحكم بالنقض،
ونقض النقض إلى غير نهاية، ويلزم من ذلك اضطراب الأحكام وعدم
الوقوف بحكم الحاكم وهو خلاف المصلحة التي نصب الحاكم لها إلى
آخر كلامه ﵀. وقال الخطيب: ولأن في نقض الحكم فساداً لكونه
ذريعة إلى تسليط الحكام بعضهم على بعض فلا يشاء حاكم يكون في
قلبه على حاكم شيء إلا تعقب حكمه بنقض فلا يستقر حكمه، ولا يصح
لأحد ملك، وفي ذلك فساد عظيم. انتهى. والله أعلم.
стр. 46
المطْلَبُ الثَّالث
في أدلة المنع من الإلزام
مع بيان المضار المترتبة على القول بالإلزام
والكلام في هذا المطلب يترتب في فصلين
стр. 47
الفصل الأول
في أدلة المنع من الإلزام
وهي من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الجوامع باختبار
النتيجة وغيرها من القواعد المألوفة، والأصول المعروفة. ومنها ما يلي:
أولاً: أن الله أمر عند التحاكم أن يحكم بالقسط فقال
لنبيه ﷺ (١) : ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ
فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
المُقْسِطِينَ﴾ .
والقسط: العدل، والمقسطون: العادلون، فإذا كان القول الملزم به
قد ظهر للقاضي من وجهه الأدلة الشرعية، أن الصحيح مقابل ذلك القول
الملزم به: صار القسط والعدل في أن يحكم وفق معتقده لا بما أُلزم به
ولكل مجتهد أجر اجتهاده.
ثانياً: إن الله سبحانه بين المرجع عند التنازع وهو الرد إلى الله تعالى
وإلى رسوله ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) .
стр. 48
فالرد إلى الله: هو الرد إلى كتاب الله سبحانه، والرد إلى رسوله ﷺ :
هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد مماته.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى على هذه الآية (١) : (والله
سبحانه قد أمر في كتابه عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، ولم يأمر عند
التنازع إلى شيء معين أصلاً) . انتهى.
وقال تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) : (فمنعنا سبحانه من الرد
إلى غيره وغير رسوله، وهذا يبطل التقليد، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ... ﴾ .
وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ .
ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلاً بعينه مختاراً على كلام الله وكلام رسوله
وكلام سائر الأمة - يقدمه على ذلك كله.) انتهى.
وقال البيهقي رحمه الله تعالى في سننه (٣) : (باب ما يقضي به القاضي
ويفتي به المفتي فإنه غير جائز له أن يقلد أحداً من أهل دهره، ولا أن
يحكم أو يفتي بالاستحسان) . ثم ساق ﵀ الآية المتقدمة وقال:
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: فإن تنازعتم في شيء - والله أعلم -
هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم، فردوه إلى الله والرسول؛ يعني والله
أعلم: إلى ما قاله الله والرسول. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ
سُدًى﴾ وقال الشافعي: فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علموا: أن
стр. 49
السُّدى الذي لا يؤمر ولا ينهى. ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به فقد أجاز
لنفسه أن يكون من معاني السدى) . انتهى.
وقال ابن حبان رحمه الله تعالى (١) : (الواجب على كل من ركب فيه
العلم: أن يرعى أوقاته على حفظ السنن رجاء اللحوق بمن دعا لهم النبي
ﷺ ، إذ الله جل وعلا أمر باتباع سنته وعند التنازع الرجوع إلى ملته حيث
قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . ثم نفى الإيمان
عمن لم يحكمه فيما شجر بينهم فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ولم يقل حتى يحكموا فلاناً وفلاناً فيما شجر بينهم. ولا
قال: حرجاً مما قال فلانٌ وفلان.
فالحكم بين الله وبين خلقه: رسول الله ﷺ فقط. فلا يجب
لمن أشعر الإيمان قَلْبَه أن يُقصر في حفظ السنن بما قدر عليه حتى يكون
رجوعه عند التنازع إلى قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
ﷺ فجعلنا الله منهم بمنه) . انتهى.
وينتظم ما ذكره هؤلاء الأجلة من العلماء ما بسطه ابن القيم في تفسير
هذه الآية إذ يقول (٢) : وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا
تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ فأمر باتباع المنزل منه خاصة:
واعْلَم أن من اتبع غيره فقد اتبع من دونه أولياء.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
стр. 50
بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . فأمر تعالى بطاعته وطاعة
رسوله، وأعاد الفعل إعلاماً بأن طاعة الرسول تجب استقلالاً من غير
عَرْضِ ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجَبَتْ طاعته مطلقاً، سواء كان
ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتابَ ومثلَه معه، ولم
يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً، بل حذف الفعل وجعل طاعتَهم في ضمن
طاعة الرسول، إيذاناً بأنهم إنما يُطاعون تبعاً لطاعة الرسول، فَمَنْ أمرَ
منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومَنْ أمرَ بخلاف ما جاء به الرسول فلا
سَمْع له ولا طاعة كما صح عنه ﷺ أنه قال: " لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية
الخالق ". وقال: " إنما الطاعة في المعروف " وقال في ولاة الأمر: " مَنْ
أمركم منهم بمعصية الله فلا سَمْعَ له ولا طاعة " وقد أخبر ﷺ عن الذين
أرادوا دخولَ النار لما أمرهم أميرُهم بدخولها: " إنهم لو دَخلوا لما خَرَجوا
منها " مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم، وظناً أن ذلك واجب
عليهم، ولكن لما قَصَّروا في الاجتهاد وبادَرُوا إلى طاعة مَنْ أمَرَ بمعصية
الله وحَمَلوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يُرِدْه الآمر ﷺ وما قد علم من بينه
إرادةُ خلافِهِ، فقصَّروا في الاجتهاد وأقْدَمُوا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها
من غير تثبُّت وتبيُّن هل فلا طاعة لله ورسوله أم لا، فما الظن بمنْ أطاع
غيرَه في صريح مخالفة ما بَعَث الله به رسولَه؟ ثم أمر تعالى برد ما تنازع
فيه المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خير لهم
في العاجل وأحسن تأويلاً في العاقبة.
وفد تضمن هذا أموراً: منها أن أهلَ الإيمان قد يتنازعون في بعض
الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من
مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيماناً، ولكن بحمد
الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال،
стр. 51
بل كلهم على إثبات ما نطق الكتابُ والسنة كلمةً واحدة، من أولهم إلى
آخرهم، لم يَسُوموها تأويلاً، ولم يُحَرِّفوها عن مواضعها تبديلاً، ولم يبدوا
لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، ولم يَدْفَعُوا في صدورها
وأعجازها، ولهم يقل أحد منهم يجب صرْفها عن حقائقها وحملها على
مجازها، بل تَلَقَّوها بالقَبُول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا
الأمر فيها كلها أمراً واحداً، وأجرَوْها على سَنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل
أهل الأهواء والبدَع حيث جعلوها عِضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من
غير فُرْقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به
وأثبتوه.
والمقصود أن أهل الإِيمان لا يُخْرِجُهم تنازعُهم في بعض مسائل
الأحكام عن حقيقة الإيمان إذا رَدُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما
شرطه الله عليهم بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ولا رَيْب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه.
ومنها: أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعم
كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دِقّّه وجِلِّه، جَلِيَه وخَفِيه، ولو
لم يكن في كتاب الله ورسوله بيانُ حكم ما تَنَازعوا فيه لم يأمر بالردّ إليه،
إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى مَنْ لا يوجَد عنده فَصْلُ
النزاع.
ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه،
والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
ومنها: أنه جعل هذا الرد من موجِبَاتِ الإيمان ولوازمه، فإذا انْتَفى هذا
стр. 52
الرد انتفى الإيمان، ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم
بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، كل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم
أخبرهم أن هذا الرد خيرٌ لهم، وأن عاقبته أحْسنُ عاقبة، ثم أخبر سبحانه
أن مَنْ تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسولُ ﷺ فقد حكَّم الطاغوتَ
وتحاكم إليه، والطاغوت: كُلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع
أو مُطَاعٍ، فطاغوتُ كل قوم مَنْ يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه
من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون
أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتَها وتأملت أحوالَ الناس معها
رأيت أكثرهم (عَدَلُوا) من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى
الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله
إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريقَ الناجينَ الفائزين من
هذه الأمة - وهم الصحابة ومن تبعهم - ولا قَصدُوا قَصْدَهم، بل خالفوهم
في الطريق والقصد معاً.
ثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم تَعَالوا إلى ما أنزل الله
وإلى الرسول أعْرَضوا عن ذلك، ولم يستجيبوا للداعي، ورَضُوا بحكم
غيره، ثم توعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم
وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسولُ وتحكيم غيره
والتحاكم إليه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل ما
يرضي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله من يروم التوفيق بين ما جاء به
الرسول وبين ما خالفه، ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق،
والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه
من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي، فمحض الإِيمان في هذه الحرب
стр. 53
لا في التوفيق، وبالله التوفيق.
ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحَكِّمُوا
رسولَه في كل ما شَجَر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم
بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحَرَجُ والضّيق عن قضائه
وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليماً، وينقادوا
انقياداً.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار
بعد قضائه وقضاء رسوله، ومَنْ تخير بعد ذلك فقد ضَلَّ ضلالاً مبيناً.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى
يأمر، ولا تُفتُوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه
ويُمْضِيه، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: لا
تقولوا خِلافَ الكتاب والسنة، وروى العوفي عنه قال: نُهُوا أن يتكلموا بين
يدي كلامه.
والقول الجامع في معنى الآية لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول
رسول الله ﷺ أو يفعل.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ
وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فإذا كان رَفْعُ أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم
فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به
стр. 54
ورفعها عليه؟ أليس هذا أولى أن يكون مُحْبِطاً لأعمالهم؟ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ
عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم
لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه إلا باستئذانه فأولى أن يكون من لوازمه أن
لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه. اهـ.
فترتب من هذا الدليل أن الرد إلى قول مقنن أو مذهب معين ملزم به
هو رد إلى اجتهاد غير معصوم وبالتالي فلا يكون رداً محققاً إلى كتاب الله
تعالى وسنة رسوله ﷺ فكيف يتأتى الإلزام به؟ .
ثالثاً: إن مبنى الشهادتين على تجريد الإخلاص لله تعالى وتجريد
المتابعة لرسوله ﷺ وفي التقنين المُلْزم: توهين لتجريد توحيد الاتباع
وخدش لحماه، إذ أن حكم القاضي على خلاف ما يعتقده تقديم لقول
غير المعصوم على ما يعتقده عن المعصوم، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) ، ويقول سبحانه ﴿يَوْمَ لَا
يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢) . والقلب الذي يعقد
حكماً على غير مراد الله ومراد رسوله ﷺ ليس بقلب سليم فهو على خطر عظيم
إذا قدم على الله تعالى وهو كذلك.
وفي ضوء هاتين الآيتين يوضح ابن القيم رحمه الله تعالى هذا المعنى
فيقول (٣) :
стр. 55
.. وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر
الجامع: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل
شبهة تعارض خبره فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله.
فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله، في خوفه ورجائه، والتوكل عليه،
والإنابة إليه، والذل وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل
طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده.
فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه
ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة، ومحبة، وتوكلاً، وإنابة،
واخباتاً وخشية، ورجاء، وخلص عمله لله. فإن أحب أحب في الله، وإن
أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله.
ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله
ﷺ ، فيعقد قلبه معه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده، دون
كل أحد في الأقوال والأعمال، من أقوال القلب: وهي العقائد، وأقوال
اللسان: وهي الخبر عما في القلب. وأعمال القلب: وهي الإرادة والمحبة
والكراهة وتوابعها. وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم في ذلك كله دِقِّه
وجلِّه: هو ما جاء به الرسول ﷺ ، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا
عمل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ ، أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر. قال بعض
السلف: ما من فعلة - وإن صغرت - إلا ينشر لها ديوانان: لِمَ؟ وكيف؟
أي: لم فعلت؟ ... وكيف فعلت؟ .
فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من
حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو
стр. 56
خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل. أم
الباعث على الفعل: القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب
، وابتغاء الوسيلة إليه.
ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك،
أم فعلته لحظك وهواك؟
والثاني: سؤال عن متابعة الرسول ﵊ في ذلك
التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي، أم
كان عملاً لم أشرعه ولم أرضه؟ .
فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه
لا يقبل عملاً إلا بهما.
فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص. وطريق
التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة
تعارض الإخلاص، وهوىً يعارض الاتباع. فهذا حقيقة سلامة القلب الذي
ضمنت له النجاة والسعادة. انتهى.
رابعاً: أن الله قد قطع الخيرة في أمره وأمر رسوله ﷺ
فقال تعالى (١) : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ
يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .
وعليه فإن التقنين الملزم به وهو من اجتهاد غير معصوم - فيه قطع
للخيرة فيه. وهذا إلحاق مقدوح فيه بالقادح المسمى بفساد الاعتبار وهو
стр. 57
الإلحاق مع الفارق - فبطل الإلزام إذاً لوجود الخيرة فيه.
وقد كشف عن هذا العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في
تفسيره لهذه الآية فقال (١) : (فقطع التخيير بعد أمره وأمر
رسوله ﷺ ، فليس لمؤمن أن يختار شيئاً بعد أمره ﷺ ، بل إذا أمر فأمره
حتم، وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره. وكان ذلك الغير من أهل
العلم به وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع لا واجب
الاتباع. فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له
اتباعه، ولو ترك الأخذ بقول غيره، لم يكن عاصياً لله ورسوله، فأين هذا
ممن يجب على جميع المكلفين اتباعه ويحرم عليهم مخالفته، ويجب
عليهم ترك كل قول لقوله، فلا حكم لأحد معه ولا قول لأحد معه كما لا
تشريع لأحد معه، وكل من سواه فإنما يجب اتباعه على قوله: هذا أمر بما
أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان مبلغاً محصناً ومخبراً لا منشئاً ومؤسساً،
فمن أنشأ أقوالاً وأسس قواعد بحسب فهمه وتأويله، لم يجب على الأمة
اتباعها ولا التحاكم إليها حتى تعرض على ما جاء به، فإن طابقته ووافقته
وشهد لها بالصحة قبلت حينئذٍ، وإن خالفته وجب ردها واطراحها. وإن لم
يتبين فيها أحد الأمرين جعلت موقوفة. وكان أحسن أحوالها: أن يجوز
الحكم والاقتداء بها وتركه، وأما أنه يجب ويتعين فكلاَّ ولمَّا) .
خامساً: ما رواه الأربعة والحاكم من حديث بريدة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : " القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة.
وفيه: رجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار "
الحديث.
стр. 58
ففيه بيان الوعيد للقاضي إذا حكم على خلاف ما يعتقده حقاً لأنه
عمل محرم. ولا خلاف في تحريمه عند أهل العلم. قال شيخ الإسلام
ابن تيميه رحمه الله تعالى: (ويجب على القاضي أن يعمل بموجب اعتقاده
فيما له وعليه إجماعاً) انتهى.
وعلى هذا فالحاكم إذا استبان له رجحان مقابل قول ملزم به فحكم
به على خلاف معتقده دخل في الوعيد. والله أعلم.
وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى (١) : (قال الشافعي: وإذا قاس من
له القياس واختلفوا وسع كلاً أن يقول بمبلغ اجتهاده فلم يسعه اتباع غيره
فيما أداه إليه اجتهاده) . انتهى.
سادساً: أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن، وسأله كيف يقضي
قال: بكتاب الله، قال له رسول الله ﷺ : " فإن لم يكن في كتاب الله "
قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: " فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ "
قال: اجتهد رأيي ولا آلوا، قال: فضرب رسول الله ﷺ وقال: " الحمد لله
الذي وفق رسولَ رسولِ الله إلى ما يرضي رسول الله ".
فلم يرد رسولُ الله ﷺ معاذاً عن طريق الاجتهاد، بل أقره على سلوك
طريق الاجتهاد. والاجتهاد يكون بالمقايسة الجليه، والرجوع إلى القواعد
الشرعية، وهذا النوع الذي مناط الخلاف فيه: هو الاجتهاد الذي تقدم
حكاية الإجماع فيه أنه لا يجوز نقضه بحال ويأتي أيضا حكاية الإجماع
في منع الإلزام به. ماذا كان الأمر كذلك فإن الإلزام بمذهب معين فيه رد
لشيء معين سوى الكتاب والسنة، والرسول ﷺ أيد معاذاً بالرجوع إلى
стр. 59
الاجتهاد بعدهما والتباين في هذا من الظهور بمكان، قال الخطابي في
شرح السنن (١) : (وفيه دليل على أنه ليس للحاكم أن يقلد غيره فيما يريد
أن يحكم به وإن كان المقلد أعلم منه وأفقه حتى يجتهد فيما يسعه منه،
فإن وافق رأيه واجتهاده أمضاه وألا توقف عنه لأن التقليد خارج عن هذه
الأقسام المذكورة في الحديث) . انتهى.
سابعاً: إن هذا الحجر والإلزام بقول مقنن أو رأي معين لم يسبق
الحمل عليه في صدر الإسلام ولا في القرون المفضلة، فلا يعلم من
هدي الصحابة رضوان الله عليهم مع مشاركتهم في العلم والمشاورة مع
بعضهم لبعض إلزام واحد منهم للآخر بقوله، بل المعروف المعهود بالنقل
عنهم خلافه. قال أبو عمر بن عبد البر في جامعه (٢) وعن عمر رضي الله
عنه أنه لقي رجلاً فقال ما صنعت، فقال قضى عليّ وزيد بكذا فقال: لو
كنت أنا لقضيت بكذا قال: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك
إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله ﷺ لفعلت ولكني أردك إلى رأي
والرأي مشترك، قال ابن عبد البر فلم ينقض ما قال علي وزيد وهذا كثير
لا يحصى. انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ (٣) : (وعمر بن الخطاب رضي
الله عنه قد قال النبي ﷺ : " إنه قد كان قبلكم في الأمم محدثون فإن يكن
أحد في أمتي فعمر " وروى أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه وقال: " لو
لم أبعث فيكم لبعث عمر " ومع هذا فما كان يلزم أحداً بقوله ولا يحكم
стр. 60
في الأمور العامة، بل كان يشاور الصحابة ويراجع، فتارة يقول قولاً فترده
عليه امرأة فيرجع إليها وذكر القصة. ثم قال وكان في مسائل النزاع مثل
مسائل الفرائض والطلاق يرى رأياً ويرى علي بن أبي طاب رأياً ويرى
عبد الله بن مسعود رأياً ويرى زيد بن ثابت رأياً، فلم يلزم أحداً أن يأخذ
بقوله، بل كان منهم يفتي بقوله وعمر ﵁ أمام الأمة كلها
وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم، فكيف يكون واحد من الحكام خيراً من عمر) .
انتهى.
وقال ابن القيم في الإعلام (١) في معرض رده على المقلدة، وأيضاً فإنا
نعلم أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلاً منهم يقلده في
جميع أقواله فلم يسقط منها شيئاً وأسقط أقوال غيره، فلم يأخذ منها شيئاً،
ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي التابعين
إلخ ... وقال أيضاً (٢) .
وأما هدي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن منهم شخص
واحد يقلد رجلاً واحداً في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة
بحيث لا يرد من أقواله شيئاً ولا يقبل من أقوالهم شيئاً وهذا من أعظم البدع
إلخ ... .
وقال أيضا (٣) : (ومن المعلوم بالضرورة أن الصحابة لم يكونوا يعرضون
ما يسمعون من رسول الله ﷺ على أقوال علمائهم، بل لم يكن لعلمائهم
стр. 61
قول غير قوله ولم يكن أحد منهم يتوقف في قبول ما سمعه منه على موافقة
موافق أو رأي ذي رأي أصلاً، وكان هذا هو الواجب الذي لا يتم الإيمان
ألا به وهو بعينه الواجب علينا وعلى سائر المكلفين إلى يوم القيامة. ومعلوم
أن هذا الواجب لم ينسخ بعد موته، ولا هو مختص بالصحابة فمن خرج
عن ذلك فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله) . انتهى.
وقال أيضاً في معرض رده على المقلدة (١) : (وأيضاً فإنا نعلم أنه لم
يكن في عصر الصحابة ﵃ رجل واحد اتخذ رجلاً منهم يقلده
في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئاً، وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها
شيئاً. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي
التابعين، فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون
الفضيلة على لسان رسول الله ﷺ ، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن
الرابع المذموم على لسان رسول الله ﷺ ، فالمقلدون لمتبوعهم في جميع
ما قالوا يبيحون به الفروج والدماء والأموال، ويحرمونها ولا يدرون إذ ذلك
صواب أم خطأ - على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله موقف شديد يعلم
فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء) .
وقد أفاض ابن القيم رحمه الله تعالى في الرد على المقلدة من واحد
وثمانين وجهاً في نحو تسعين صحيفة من كتاب: " إعلام الموقعين " (٢) .
وهي بجملتها تنسحب على مطلب إقامة الأدلة على المنع من إلزام
القاضي بمذهب معين أو قول مقنن. ومما قاله في ذلك ﵀
стр. 62
تعالى (١) : (هل تقول إذا أفتيت أو حكمت بقول من قلدته: إن هذا هو
دين الله الذي أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وشرعه لعباده ولا دين له سواه؟
أو تقول: إن دين الله الذي شرعه لعباده خلافه؟ .
أو تقول: لا أدري؟ .
ولا بدَّ لك من قول من هذه الأقوال، ولا سبيل لك إلى الأول قطعاً،
فإن دين الله الذي لا دين له سواه لا تسوغ مخالفته، وأقل درجات مخالِفه
أن يكون من الآثمين. والثاني لا تدعيه، فليس لك ملجأ إلا الثالث فيالله
العجب! كيف تستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتحلل وتحرم بأمر
أحسن أحواله وأفضلها: لا أدري؟
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم (٢) .
اهـ.
ثامناً: إنه وقعت نازلة في خلافة معاوية ﵁ فكتب بها
معاوية ﵁ إلى عامله أسيد بن حضير، فمانعه أسيد فيها ووقف
كل عند ما علمه.
وذلك فيما رواه النسائي (٣) ، والحاكم (٤) ، وأحمد (٥) ، بأسانيدهم عن
ابن جريج قال: (ولقد أخبرني عكرمة بن خالد أن أسيد بن حضير
стр. 63
الأنصاري - ثم أحد بني حارثة - أخبره أنه كان عاملاً على اليمامة، وأن
مروان كتب إليه، إن معاوية كتب إليه: أنه أيما رجل سرق منه سرقة فهو
أحق بها حيث وجدها، ثم كتب بذلك مروان إليَّ. وكتبت إلى مروان أن
النبي ﷺ قضى بأنه إذا كان الذي ابتاعها (يعني السرقة) من الذي سرقها
غير متهم، يخير سيدها، فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنها، وإن شاء
اتبع سارقه. ثم قضى بذلك أبو بكر وعمر وعثمان. فبعث مروان بكتابي
إلى معاوية، وكتب معاوية إلى مروان: إنك لست أنت ولا أسيد تقضيان
عليّ ولكن أقضي فيما وليت عليكما، فأنفذ لما أمرتك به. فبعث مروان
بكتاب معاوية، فقلت: لا أقضي به ما وليت أي - بما قال معاوية)
انتهى (١) .
تاسعاً: وكما أن هذا هو هَدي السلف وعمل القرون المفضلة من
عدم إلزام الناس بقول واحد وحملهم عليه، فقد صرح بحكاية الإجماع
عليه غير واحد منهم شيخ الإسلام ابن تيميه في مواضع: كما في مجموع
الفتاوى ٣٥ / ٣٥٧، ٣٦٠، ٣٦٥، ٣٧٢، ٣٧٣، وجلد
٢٧ / ٢٩٦ - ٢٩٧. وجلد ٣٠ / ٧٩.
وتلميذه العلامة ابن القيم في " إعلام الموقعين ٢ / ٢١٧ ".
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما سئل عمن ولي أمراً من أمور
المسلمين ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس؟ .
فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ
فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا
стр. 64
ما هو في معنى ذلك.. إلخ) (١) .
وقال أيضاً (٢) : (ولي الأمر إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين
الناس به، وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا، وما يقول هذا،
حتى يعرف الحق حكم به، وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين
على ما هم عليه كل يعبد الله حسب اجتهاده، وليس له أن يلزم أحداً
بقبول قول غيره وأن كان حاكماً.
وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع
بأسهم بينهم.. وهذا من أعظم أسباب تغير الدول، كما قد جرى مثل هذا
مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا. ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما
أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب من خذله الله
وأهانه.. إلخ) .
وقال أيضاً رحمه الله تعالى (٣) : (الأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم
فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا
شيخ ولا ملك، وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة لا يحكمون
في الأمور الكلية، وإذا حكموا بالمعينات فعليهم أن يحكموا بما في كتاب
الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله ﷺ فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم
رأيه) . انتهى.
وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في معرض نعيه على من قدم
стр. 65
أقوال المتأخرين على أقوال الصحابة ﵃، وألزم بها (١) .
لا يدري ما عذره غداً عند الله إذا سَوَّى بين أقوال أولئك وفتاويهم
وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها؟
فكيف إذا عيَّن الأخذ بها حكماً وإفتاء، وضع الأخذ بقول الصحابة،
واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة
ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام؟
تالله لقد أخذ بالمثل المشهور: " رمتني بدائها وانْسَلَّت " وسمى ورثة
الرسول باسمه هو، وكساهم أثوابه، ورماهم بدائه، وكثير من هؤلاء يصرخ
ويصيح ويقول ويعلن: أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه
ديننا، ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من
الصحابة.
هذا كلامٌ من أَخَذَ به وتقلَّده ولاه الله ما تولَّى. ويجزيه عليه يوم القيامة
الجزاء الأوفى. والذي ندين الله به ضد هذا القول والرد عليه ... ) (٢) .
عاشراً: لا خلاف في أنه لا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن
يحكم بمذهب معين قال ابن قدامة رحمه الله تعالى (٣) :
(فصل: ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه
وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافاً لأن الله تعالى قال: ﴿فَاحْكُمْ
стр. 66
بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ﴾ . والحق لا يتعين في مذهب، وقد يظهر له الحق في
غير ذلك المذهب، فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد
التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع) . انتهى.
وحكى الخلاف بنحوه الماوردي الشافعي في " الأحكام السلطانية " (١)
والقاضي أبو يعلى الحنبلي في " الأحكام السلطانية " (٢) وقال:
(ويجوز لمن يعتقد مذهب أحمد أن يقلد القضاء من يعتقد مذهب
الشافعي لأن للقاضي أن يجتهد رأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد (*) في
النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه) . انتهى.
ومعنى هذا أن من وُلِّي على أن لا يحكم إلا بقول مقنن فإنه لا يجوز
له تنفيذ هذا الشرط سواء بسواء، بل ذهب المحققون من أهل العلم إلى
بطلان شرط الواقف إذا شرط وقفه على من أخذ بقول فقيه معين وفي بيان
بطلان شرط الوقف وتولية القاضي على هذا الشرط يقول ابن القيم رحمه
الله تعالى (٣) :
(ومن هذا أن يشترط أنه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه،
من طلب النصوص ومعرفتها، والتفقه في متونها، والتمسك بها إلى الأخذ
بقول فقيه معين يترك لقوله قول من سواه، بل يترك النصوص لقوله، فهذا
شرط من أبطل الشروط.
وقد صرح أصحاب الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى بأن الإمام إذا
стр. 67
شرط على القاضي أن لا يقضي إلا بمذهب معين بطل الشرط ولم يجز
له التزامه. وفي بطلان التولية قولان مبنيان على بطلان العقود بالشروط
الفاسدة.
وطَرْدُ هذا أن المفتي متى شرط عليه ألا يفتي إلا بمذهب معين بطل
الشرط.
وطرده أيضاً أن الواقف متى شرط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل
إلا بمذهب معين بحيث يهجر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفتاوي الصحابة
ومذاهب العلماء، لم يصح هذا الشرط قطعاً. ولا يجب التزامه. بل ولا
يسوغ) .
وقال أيضاً في " جلاء الأفهام " (١) :
(روى أبو داود في مراسيله عن النبي ﷺ أنه رأى بيد بعض أصحابه
قطعة من التوراة فقال: " كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتاباً غير كتابهم أنزل
على غير نبيهم) . فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا
أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي ﷺ فكيف بمن
أخذه عن عقل فلان وفلان. وقدمه على كلام الله ورسوله؟) .
وقال رحمه الله تعالى في معرض بيان الفروق الشرعية من كتابه
الروح (٢) :
стр. 68
والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع والحكم المؤول الذي غايته
أن يكون جائز الاتباع أن الحكم المنزل هو الذي أنزله الله على رسوله
وحكم به بين عباده وهو حكمه الذي لا حكم له سواه.
وأما الحكم المؤول فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب
اتباعها ولا يكفر ولا يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هذا حكم
الله ورسوله، بل قالوا اجتهدنا برأينا فمن شاء قبله ومن شاء لم يقبله، ولم
يلزموا به الأمة قال أبو حنيفة هذا رأيي فمن جاءني بخير منه قبلناه. ولو
كان هو عين حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه،
وكذلك مالك استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ، فمنعه
من ذلك، وأنه قد تفرق أصحاب رسول الله ﷺ في البلاد وصار عند كل
قوم علم غير ما عند الآخرين، وهذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده
ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه، وهذا الإمام أحمد ينكر على
من كتب فتاواه ودونها ويقول لا تقلدني ولا تقلد فلاناً ولا فلاناً وخذ من
حيث أخذوا ولو علموا ﵃ أن أقوالهم يجب اتباعها لحرموا على
أصحابهم مخالفتهم ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء، ولما
كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه فيروى عنه في المسألة القولان
والثلاثة وأكثر من ذلك فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتباعه،
والحكم المنزل لا يحل لمسلم أن يخالفه ولا يخرج عنه.
وأما الحكم المبدل وهو الحكم بغير ما أنزل الله فلا يحل تنفيذه ولا
العمل به ولا يسوغ اتباعه وصاحبه بين الكفر والفسوق والظلم.
والمقصود التنبيه على بعض أحوال النفس المطمئنة واللوامة والأمارة
وما تشترك فيه النفوس الثلاثة وما يتميز به بعضها من بعض وأفعال كل
стр. 69
واحدة منها واختلافها ومقاصدها ونياتها وفي ذلك تنبيه على ما وراءه، وهي
نفس واحدة تكون أمارة تارة ولوامة أخرى ومطمئنة أخرى، وأكثر الناس
الغالب عليهم الأمارة، وأما المطمئنة فهي أقل النفوس البشرية عدداً
وأعظمها عند الله قدراً وهي التي يقال لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً
مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ .
والله المسؤول المرجو الإجابة أن يجعل نفوسنا مطمئنة
إليه عاكفة بهمتها عليه راهبة منه راغبة فيما لديه وأن يعيذنا من شرور أنفسنا
وسيئات أعمالنا وأن لا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان
أمره فرطاً ولا يجعلنا من الأخسرين أعمالاً: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء
وهو حسبنا ونعم الوكيل. انتهى.
الحادي عشر: وهو أن التقنين أو المذهب الملزم به سواء كان بعمل
واحد أو باختيار جماعة، لا بد أن يقع فيه خطأ، إذ العصمة لا تتحقق
إلا للأنبياء فالإلزام بها إلزام بما يعتقد أنه بمجموعة ليس صواباً بل لا بد
فيه من وقوع خطأ. وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون
على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ فليس له أن يدعها لقول أحد
سواه.
وحصر ذلك بالدليل الأصولي العظيم: وهو دليل السبر والتقسيم أن
يقال: إنه بالتقسيم لهذا تبين انحصاره في ثلاثة أوجه، وتبين بسبر أوصافه
أن اثنين منها سلبيان وواحد إيجابي ولا بد فيقال:
١- إن أحكام التقنين الملزم به كلها صواب لا خطأ فيها.
٢- إن أحكام التقنين الملزم به كلها خطأ لا صواب فيها.
стр. 70
٣- إن أحكام التقنين الملزم به كلها فيها خطأ وصواب.
أما الأول فمتعذر لأنه تأليف عالم أو علماء والعالم قد يزل ولا بد إذ
ليس بمعصوم ومن ليس بمعصوم لا يلزم قبول كل ما يقوله. هذا
بالإجماع.
وأما الثاني: فلا يصح فهذان وجهان سلبيان.
وأما الثالث: فهو الإيجابي، وهل هما متساويان أم أحدهما مغالب
للآخر كل ذلك محتمل وقد علم أن العصمة غير متحققة لانقطاعها مع
عالم النبوة والأنبياء، وما كتب الله العصمة لكتاب سوى كتابه ﴿وَلَوْ كَانَ
مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فلا بد إذاً من وجود خطأ في
الأحكام الاجتهادية الملزم بها بالخطأ خلاف الحق وما هو خلاف الحق
لا يجوز قبوله ومالا يجوز قبوله حرم الأخذ به وما حرم الأخذ به فيحرم
الإلزام به من باب أولى فوجب منع فرضه إذاً. والله أعلم. قال ابن القيم
رحمه الله تعالى في أعلام الموقعين (١) بعد نقول كثيرة نقلها عن ابن عبد
البر قلت: والمصنفون في السنة قد جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان
زلة العالم ليبينوا فساد التقليد وأن العالم قد يزل إذ ليس بمعصوم فلا يجوز
قبول كل ما يقول وينزل قوله منزلة قول المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم
على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله. وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم
فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه وليس لهم تمييز بين
ذلك. فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد، فيحللون ما حرَّم الله، ويحرمون ما
أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك. وإذا كانت
стр. 71
العصمة منتفية عمن قلدوه فالخطأ واقع فيه ولا بد - ثم ذكر حديثين عند
البيهقي - منها حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
" أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا
تقطع أعناقكم " قال: ومن المعلوم أن الخوف في زلة العالم تقليده، إذ لولا
التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره، فإذا عرف أنها زلة لم يجز له
أن يتبعها باتفاق المسلمين.. ثم قال:
قال أبو عمر: وإذا ثبت أن العالم يزل ويخطىء، لم يجز لأحد أن
يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه) . انتهى باختصار والله أعلم.
ومن أدلة المنع ما يأتي في الفصل بعده:
стр. 72
الفصل الثاني
في معرفة ما يترتب على الإلزام
الثاني عشر: ثم يقال إن من القواعد الشرعية المطبق عليها عند علماء
الإسلام أن سد الذرائع الموصلة إلى المحرم واجب محتم. قال الناظم:
سد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم
وإنه بدراسة التقنين المُلزم في ماضيه، وبالنظر يوماً يترتب عليه في
المستقبل يظهر أن هناك أشياء تترتب على الإلزام بقول مقنن أو مذهب
معين البعض منها مغالب لكل مصلحة ذكرت مترتبة على التقنين الملزم
به فكيف بها جميعها، وذلك لتسلط هذه المخاطر على روح الشريعة
وجوهرها قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميه رحمه الله تعالى (١) :
إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات يجب ترجيح
الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح
والمفاسد ويجب احتمال أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما، وذلك بميزان
الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد
برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل من تعوز النصوص من يكون خبيراً بها
ولدلالتها على الأحكام. انتهى.
ومن المضار المترتبة على التقنين الملزم به ما يلي:
стр. 73
١- بدراسة حال التقنين الملزم به في الزمن القريب فإنه لم يثبت على
وتيرة واحدة، بل صار يدخله التغيير والتبديل والمد حيناً والجزر أحياناً حتى
صار الحال إلى ما صار إليه، وهذه فلكة المغزل ومحور المسألة.
٢- العمل به على خلاف الإجماع فقد حكى الشافعي ﵀ قال:
أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ فليس له أن يدعها
لقول أحد سواه. انتهى.
فمن استبان له صحة حديث قيل بتضعيفه، أو عكسه، أو استنباط
حكم فقهي من كتاب أو سنة، فإنه لا يستطيع الحكم به إذا خالف القول
الملزم به، ففي هذا الإلزام إضعاف لحرمة الإجماع، ووقوع فيما انعقد
عليه المنع (١) ؟
٣- إن في هذا الإلزام إعمالاً لأحد القولين أو أحد الأقوال، وحضراً
لما سواها من الأقوال. والإجماع محكي على المنع من ذلك كما حكاه
الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه " الفقيه والمتفقه " (٢) . إذاً ففي
هذا خرق لهذا الإجماع.
٤- إذا رأى القاضي أن حكم المسألة مثلاً - وهو كذا كالشفعة رآها
على الفور لعموم قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار "، ثم صار في التقنين
الملزم به: أن الشفعة على التراخي، لأنه لم يثبت حديث يفيد فوريتها،
أو كان بالعكس. والقاضي لم يتبين له بدليل يجب الرجوع إليه ما يثنيه
عن رأيه، ومعلوم أن خلاف الصواب هو الخطأ، والحق في واحد من
الأقوال، فإن عدل عن رأيه لا لمرجع ولكن لأنه ملزم به صار حاكماً بغير
стр. 74
ما يراه صواباً. وبالتالي يكون الحكم بما لا يعتقده ديناً ولا شرعاً. وإن
لم يعدل عن رأيه فماذا يكون؟
ومنه الوجه الآتي
٥- إن هذا مطرد في فروع الشريعة وجزئياتها في حق كل من اعترض
له شيء من ذلك، وفروعه لا تحصى كثرة. ومنه على سبيل المثال لا
الحصر: الشهادة على العقود، قال ابن تيميه رحمه الله تعالى (١) : (الشهادة
على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها حرام، وأما الشهادة في العقود
المختلف فيها التي يسوغ فيها الخلاف فيجوز لمن اعتقد حلها) .
ومنها دعاوي العقود كالأنكحة والبيوع وغيرها، فلا بد من ذكر شروط
العقد المدعى به، وذلك من أجل الاختلاف فيها. وبمعرفة الحال يعرف
القاضي كيف يحكم: إذ أن العقد ربما كان صحيحاً عند غيره باطلاً
عنده، والقضاء على خلاف معتقده ممتنع شرعاً، وقد نص العلماء رحمهم
الله على ذلك في أحكام تحرير الدعوى من كتاب القضاء. والله أعلم.
٦- إن من تبين له الحق في أحد القولين أو الأقوال ثم تعداه إلى غيره
لا لمرجح، فهو ظالم لنفسه ولمن تعدى إليه حكمه. قال ابن تيميه رحمه
الله تعالى (٢) :
(والظالم يكون ظالماً بترك ما تبين له من الحق، واتباع ما تبين له أنه
باطل، والكلام بلا علم. فإذا ظهر له الحق فعدل عنه كان ظالماً، وذلك
مثل الألد في الخصام) . انتهى.
стр. 75
ومعلوم أن حال المُلْزَم لا تخرج عن ذلك والله أعلم. ويزيد هذا
وضوحاً ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الفائدة الخامسة عشرة من
الفوائد والإرشادات للمفتي إذ يقول (١) :
(ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي
السائل بمذهبه الذي يقلده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة
أرجح من مذهبه وأصح دليلاً، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما
يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائناً لله ولرسوله وللسائل
وغاشاً له، والله لا يهدي كيد الخائنين، وحرم الجنة على من لقيه وهو
غاشٌ للإسلام وأهله، والدين النصيحة والغش مضاد للدين كمضادة
الكذب للصدق، والباطل للحق. وكثيراً ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف
المذهب فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب الراجح
ونرجحه، ونقول: هذا هو الصواب. وهو أولى أن يؤخذ به وبالله التوفيق) .
انتهى.
٧- وفي حديث الصحيفة عند البخاري أن رجلاً قال لعلي رضي الله
عنه: هل ترك لكم نبيكم شيئاً غير القرآن، قال: " لا، إلا ما في هذه
الصحيفة أو فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه " فكان في هذا الإلزام منع
لتجدد الفهم والاستنباط من كتاب الله، وأن من استبان له حكم من كتاب
الله فليس له حق التعويل عليه إذا خالف القول الملزم به.
٨- إن الحوادث متكاثرة والوقائع متجددة، فإذا وقع شيء من ذلك
لدى قاضٍ ما فإذا؟ هل يكون إرجاء الحكم حتى يلقن الحكم من لجنة