العصمة منتفية عمن قلدوه فالخطأ واقع فيه ولا بد - ثم ذكر حديثين عند
البيهقي - منها حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
" أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا
تقطع أعناقكم " قال: ومن المعلوم أن الخوف في زلة العالم تقليده، إذ لولا
التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره، فإذا عرف أنها زلة لم يجز له
أن يتبعها باتفاق المسلمين.. ثم قال:
قال أبو عمر: وإذا ثبت أن العالم يزل ويخطىء، لم يجز لأحد أن
يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه) . انتهى باختصار والله أعلم.
ومن أدلة المنع ما يأتي في الفصل بعده:
стр. 72
الفصل الثاني
في معرفة ما يترتب على الإلزام
الثاني عشر: ثم يقال إن من القواعد الشرعية المطبق عليها عند علماء
الإسلام أن سد الذرائع الموصلة إلى المحرم واجب محتم. قال الناظم:
سد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم
وإنه بدراسة التقنين المُلزم في ماضيه، وبالنظر يوماً يترتب عليه في
المستقبل يظهر أن هناك أشياء تترتب على الإلزام بقول مقنن أو مذهب
معين البعض منها مغالب لكل مصلحة ذكرت مترتبة على التقنين الملزم
به فكيف بها جميعها، وذلك لتسلط هذه المخاطر على روح الشريعة
وجوهرها قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميه رحمه الله تعالى (١) :
إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات يجب ترجيح
الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح
والمفاسد ويجب احتمال أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما، وذلك بميزان
الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد
برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل من تعوز النصوص من يكون خبيراً بها
ولدلالتها على الأحكام. انتهى.
ومن المضار المترتبة على التقنين الملزم به ما يلي:
стр. 73
١- بدراسة حال التقنين الملزم به في الزمن القريب فإنه لم يثبت على
وتيرة واحدة، بل صار يدخله التغيير والتبديل والمد حيناً والجزر أحياناً حتى
صار الحال إلى ما صار إليه، وهذه فلكة المغزل ومحور المسألة.
٢- العمل به على خلاف الإجماع فقد حكى الشافعي ﵀ قال:
أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ فليس له أن يدعها
لقول أحد سواه. انتهى.
فمن استبان له صحة حديث قيل بتضعيفه، أو عكسه، أو استنباط
حكم فقهي من كتاب أو سنة، فإنه لا يستطيع الحكم به إذا خالف القول
الملزم به، ففي هذا الإلزام إضعاف لحرمة الإجماع، ووقوع فيما انعقد
عليه المنع (١) ؟
٣- إن في هذا الإلزام إعمالاً لأحد القولين أو أحد الأقوال، وحضراً
لما سواها من الأقوال. والإجماع محكي على المنع من ذلك كما حكاه
الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه " الفقيه والمتفقه " (٢) . إذاً ففي
هذا خرق لهذا الإجماع.
٤- إذا رأى القاضي أن حكم المسألة مثلاً - وهو كذا كالشفعة رآها
على الفور لعموم قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار "، ثم صار في التقنين
الملزم به: أن الشفعة على التراخي، لأنه لم يثبت حديث يفيد فوريتها،
أو كان بالعكس. والقاضي لم يتبين له بدليل يجب الرجوع إليه ما يثنيه
عن رأيه، ومعلوم أن خلاف الصواب هو الخطأ، والحق في واحد من
الأقوال، فإن عدل عن رأيه لا لمرجع ولكن لأنه ملزم به صار حاكماً بغير
стр. 74
ما يراه صواباً. وبالتالي يكون الحكم بما لا يعتقده ديناً ولا شرعاً. وإن
لم يعدل عن رأيه فماذا يكون؟
ومنه الوجه الآتي
٥- إن هذا مطرد في فروع الشريعة وجزئياتها في حق كل من اعترض
له شيء من ذلك، وفروعه لا تحصى كثرة. ومنه على سبيل المثال لا
الحصر: الشهادة على العقود، قال ابن تيميه رحمه الله تعالى (١) : (الشهادة
على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها حرام، وأما الشهادة في العقود
المختلف فيها التي يسوغ فيها الخلاف فيجوز لمن اعتقد حلها) .
ومنها دعاوي العقود كالأنكحة والبيوع وغيرها، فلا بد من ذكر شروط
العقد المدعى به، وذلك من أجل الاختلاف فيها. وبمعرفة الحال يعرف
القاضي كيف يحكم: إذ أن العقد ربما كان صحيحاً عند غيره باطلاً
عنده، والقضاء على خلاف معتقده ممتنع شرعاً، وقد نص العلماء رحمهم
الله على ذلك في أحكام تحرير الدعوى من كتاب القضاء. والله أعلم.
٦- إن من تبين له الحق في أحد القولين أو الأقوال ثم تعداه إلى غيره
لا لمرجح، فهو ظالم لنفسه ولمن تعدى إليه حكمه. قال ابن تيميه رحمه
الله تعالى (٢) :
(والظالم يكون ظالماً بترك ما تبين له من الحق، واتباع ما تبين له أنه
باطل، والكلام بلا علم. فإذا ظهر له الحق فعدل عنه كان ظالماً، وذلك
مثل الألد في الخصام) . انتهى.
стр. 75
ومعلوم أن حال المُلْزَم لا تخرج عن ذلك والله أعلم. ويزيد هذا
وضوحاً ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الفائدة الخامسة عشرة من
الفوائد والإرشادات للمفتي إذ يقول (١) :
(ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي
السائل بمذهبه الذي يقلده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة
أرجح من مذهبه وأصح دليلاً، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما
يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائناً لله ولرسوله وللسائل
وغاشاً له، والله لا يهدي كيد الخائنين، وحرم الجنة على من لقيه وهو
غاشٌ للإسلام وأهله، والدين النصيحة والغش مضاد للدين كمضادة
الكذب للصدق، والباطل للحق. وكثيراً ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف
المذهب فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب الراجح
ونرجحه، ونقول: هذا هو الصواب. وهو أولى أن يؤخذ به وبالله التوفيق) .
انتهى.
٧- وفي حديث الصحيفة عند البخاري أن رجلاً قال لعلي رضي الله
عنه: هل ترك لكم نبيكم شيئاً غير القرآن، قال: " لا، إلا ما في هذه
الصحيفة أو فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه " فكان في هذا الإلزام منع
لتجدد الفهم والاستنباط من كتاب الله، وأن من استبان له حكم من كتاب
الله فليس له حق التعويل عليه إذا خالف القول الملزم به.
٨- إن الحوادث متكاثرة والوقائع متجددة، فإذا وقع شيء من ذلك
لدى قاضٍ ما فإذا؟ هل يكون إرجاء الحكم حتى يلقن الحكم من لجنة
стр. 76
الاختيار أم ماذا؟ . أم يسير على هدي الشريعة ودلها فيعمل رأيه في
استظهار الحكم.
٩- إن القاضي واحد من اثنين، مجتهد أو مقلد (والإجتهاد قابل
للتجزيء والانقسام فيكون الرجل مجتهداً في مسألة أو صنف من العلم
دون غيره) . كما قرره شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى (١) .
فالمجتهد لا يمكن قبوله للإلزام بما يخالف اجتهاده للنص والإجماع
على منعه من الإلزام. والمقلد لا يعتقد إلا تقليد إمامه الذي قلده وأخذ
بمذهبه. وهو من أئمة القرون المفضلة والمُقَنَّنة ليست كذلك فلا يمكن
أخذه بها. إذاً فإن المآل هو التخلي من المؤهلين للقضاء عن ولايتهم
القضاء والله المستعان.
١٠- إن في التقنين الملزم به حجراً على الأحكام الاجتهادية، إذ يمنع
مثلاً تغير الفتوى بتغير الزمان. ومن المعلوم أن من قواعد الشريعة: تغير
الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال (٢) . ومنه الوجه بعده:
١١- إن من الأمور القضائية ما لا يحصى كثرة يرجع فيها القضاء إلى
قاعدة الشريعة: في تحكيم العرف والعادة - للبلد التي فيها التقاضي.
وبهذا قال العلماء: إنه لا يجوز للقاضي إجراء الخصومات فيما سيبله
كذلك إلا بعد معرفة عادات الناس وأعرافهم. ومن المعلوم أيضاً أن العرف
في بلد لا يكون مطرداً في بلد آخر بل قد يختلف ذلك باختلاف البلدان،
стр. 77
فهذا أمر إذاً لا يمكن تقنين جزئياته والإلزام بها. ثم العرف أيضاً قد يتغير
من زمان لآخر، لهذا فقد نص العلماء رحمهم الله تعالى على أن المسائل
التي حصل فيها الكلام في مدوناتهم بناءً على العرف، أن الأصل فيها
بناؤها على العرف، والتفصيل بناءً على عرف زمانهم آنذاك، فيتغير ذلك
بتغيره، كما في أحكام إحياء الموات وغيره. وقد فصل أحكام العرف:
ابن عابدين في رسالته: " نشر العَرف في بناء بعض الأحكام والتصرفات
على العُرْف " (١) .
والنتيجة، أن هذا مما لا يمكن تقنينه إلزاماً به بحال. وتقنينه بإرجاع
كل قاض إلى عرف بلده تحصيل حاصل. إذاً فماذا صنع التقنين الملزم
به في جل مادة مواده؟ .
يقول الأستاذ علال الفاسي في كتابه " دفاع عن الشريعة " (٢) : (فإذا
اعتبرنا هذا الرأي الذي ساد في المذاهب الفقهية من علم وتقنية القانون
الإيجابي، عرفنا سلامة الطرق الإسلامية التي اتبعت في الصدر الأول:
وهي التدوين مع عدم اعتباره كقانون إيجابي، بل اعتبار مصادر التشريع
التي استمد منها على أنها مجموعة مصادر ومبادئ أساسية ينكشف منها
المجهول.. عن طريق الاجتهاد الذي ظل مفتوحاً أمام المفتي والقاضي.
هذا الاجتهاد الذي يعتبر العرف، والظروف الاجتماعية، وتقلبات الحياة
الإنسانية، ويراعى مصالح الفرد والجماعة) . انتهى.
١٢- إنه في البلدان التي يحكم فيها بالقوانين الوضعية والتي قيل فيها
стр. 78
إنها ذات مواد يمكن الرجوع إليها بسهولة ويسر. لم تزل المواد التفسيرية
ترد من حين لآخر على تلك المواد المؤصّلة، وذلك للخلاف القائم بين
مفاهيم الحكام في تفسير النصوص وفي تطبيقها على القواعد العملية وعلى
القضايا التي ترد إليهم إلى غير ذلك من أسباب ورود المواد التفسيرية وهو
من لوازم العجز البشري الملازم لطبيعة الإنسان، وهذا شيء بحكم
المستفيض المشهور. وأخباره مدونة في كثير من كتب الصعيدين الشرقي
والغربي، إذاً فالقانون في المواد لم يخلص الناس قضاة ومتقاضين من
ورطة الخلاف، وإمكان إيراد عدة مفاهيم على نص واحد يمكن الحكم
في كل مرة بمفهوم منها.
ونتيجة لهذا (فالفرنسيون ومن حذا حذوهم تركوا للمحاكم حق
الاجتهاد في تفسير النصوص وفي تطبيقها على القواعد العملية وعلى
القضايا التي تعرض عليهم) (١) :
فما دام أن هذه الحقيقة المرة ماثلة أمامنا، فكيف نلجأ إليها، وبالتالي
نستثمر مساوئها. فاللهم إنا نضرع إليك من أصابع التصنع.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه تعالى (٢) : (من خرج عن الطريق
النبوي الشرعي المحمدي الذي عليه الكتاب والسنة احتاج أن يضع نظاماً
آخر متناقضاً يرده العقل والدين. ولكن من كان مجتهداً في طاعة الله
ورسوله، فإن الله يثيبه على اجتهاده، ويغفر له خطأه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ . انتهى مختصراً.
стр. 79
١٣- إن مسائل الخلاف الفرعية لا يجوز إجماعاً أن يثرب فيها أحد
على أحد إذا أخذ بأحد القولين أو الأجيال مجتهداً متحرياً الحق. ومعنى
هذا الإلزام أن من حكم بقول سوى الملزم به فهو مخطئ غير مأجور ولا
يحسب حكمه نافذاً.
١٤- إنه ليس هناك شخص ولا أشخاص يجب اتباعهم بعينهم في كل ما
قالوا سوى نبينا ورسولنا خاتمة المعصومين محمد ﷺ وفي هذا الإلزام جعل
شخص آخر مماثل له ﷺ والتفريق بين اتباع المعصوم وغير المعصوم
واجب.
١٥- إن من شرط تولية القضاء الاجتهاد والتقنين الملزم به فيه منع
للاجتهاد بالقول أو بقوة القول، بل يصبح القاضي أشبه بالآلة.
١٦- إن القاضي الذي توجد فيه روح الاجتهاد ولو في مسألة تعرض
له في الإلزام تقييد لروحه وإذابة لعلومه. وبالتالي فيه قضاء على العلم
وخدمة العلم وإحيائه. ومن المعلوم صحة التجزئة في الاجتهاد لدى
المحققين من أهل العلم.
١٧- إن القاضي الذي توجد فيه روح البحث والتحري للحق والاجتهاد
في تطبيق حكم شرعي يراه راجحاً على قضية ما، في الإلزام غض بعلمه
وقسر لفهمه وبالتالي قضاء على علومه وعلمه.
١٨- إن الشكوى من قلة المجتهدين، لكن في هذا الإلزام قضاء على
هذه القلة لقطع طريق العلم والحرمان من استقلال النظر.
١٩- إن في هذا الإلزام هجراً للمكتبة الإسلامية وتضييعاً لجهود
علمائها ورجالها وسداً لطرق الدلائل والاستنباط لكن عدم الإلزام يقضي
стр. 80
على تلك الأشياء في مخدعها.
٢٠- قالوا من الممكن أن الانحباس داخل جدار الإلزام يورث
خلافات خارجية إذ أن هذا الملزم به لا يكون نافذاً ولا جارياً إلى على
رقعة الولاية فإذا أحدثت عقود في ديار الإسلام الأخرى على وفق اجتهاد
أو مذهب على خلاف ما صار به الإلزام فما العمل وما الحل؟ .
إن هذا الإلزام لن يقتصر على القضاة فحسب، بل سينفذ إلى المفتين
والمدرسين ومعاهد التعليم إذ لو كانت الفتوى على خلاف ذلك لحصل
التباين وما على معاهد التعليم إلا فهم مواد التقنين الملزم به، وبدراسة
الخلاف وأدلته ودعم لروح الاجتهاد وترويض للنفس عليه وهذا مع الإلزام
برأي معين لا حاجة إليه.
٢٢- إن القانون المصنوع المختلق الموضوع يتكون من صورة وحقيقة
فصورته على هيئة مواد وذات أرقام وتغيرها بالمادة الأخرى وغير ذلك من
عبارات اصطبغ بها وهي وإن كانت في أصلها معلومة.. إلا أنها أصبحت
عند الإطلاق تنصرف إلى ذلك انصرافاً أولياً كانصراف كلمة (قانون) إلى
تلك الأحكام الوضعية وإن كانت من قبل موجودة لدى بعض الفلاسفة كابن
سيناء ولدى بعض فقهاء الإسلام كابن جزي. قالوا فكما أن الإلزام بأحكام
مناطها الاجتهاد ممتنع بعامة وجوه الأدلة. فإنا كذلك نمانع في الأصل من
هذه التسمية (تقنين) وعلى هذه الهيئة والشكل، لأنه يخشى من وجود
الصورة والشكل أن ينفخ فيه روح أصله في الأجيال المتعاقبة وإن كان ذلك
في حكم المستحيل إن شاء الله، إلا أنه يجب أخذ الحيطة والحذر، حتى
نمشي عليها بيضاء نقية ونتركها لمن بعدنا كذلك إن شاء الله.
стр. 81
قال ابن تيميه رحمه الله تعالى (١) (ولا يحل امتحان الناس بأسماء
ليست بالكتاب والسنة، فإن هذا خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، وهو
محدث للفتن والتفريق بين الأمة ... ) .
وقد بسط ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك في آداب المفتي من كتابه
" إعلام الموقعين " (٢) فقال:
الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يأتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه
يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب،
متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك،
وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون
ذلك غاية التحري، حتى خلفت من بعدهم خُلُوف رَغِبوا عن النصوص،
واشتقوا لهم ألفاظاً غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص،
ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل
وحسن البيان، فتولد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الألفاظ
الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله،
فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد
والاضطراب، ولما كانت هي عصمة عهدة الصحابة وأصولهم التي إليها
يرجعون كانت علومهم أصح من علوم مَنْ بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا
فيه أقل من خطأ مَنْ بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى مَنْ بعدهم كذلك،
وهلم جرا، ولما استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبِدَع
стр. 82
كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض،
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سُئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا،
قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل [رسول] الله كذا، ولا يعدلون عن ذلك
ما وجدوا إليه سبيلاً قط، فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور،
فلما طال العهد وبَعُد الناس من نور النبوة صار هذا عيباً عند المتأخرين
أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال الله، وقال رسول الله.
أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيدُ اليقينَ
في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام الله ورسوله فيها الحشوية
والمجسِّمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض
المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن الله ولا عن رسول الله ﷺ ولا عن
الإمام الذي زعموا أنهم قلدوه بينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به
وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك
المصنف، وأجلهم عند نفسه وزعيمُهم عند بني جنسه مَنْ يستحضر لفظ
الكتاب، ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه، فالحلال ما أحله ذلك الكتاب،
والحرام ما حرَّمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما
صححه. هذا، وأنَّى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان، فقد دفعنا إلى أمر تضج
منه الحقوق إلى الله ضجيجاً، وتعج منه الفروج والأموال والدماء إلى ربها
عجيجاً، تبدل فيه (١) الأحكام، ويقلب فيه الحلال بالحرام، ويجعل
المعروف فيه أعلى مراتب المنكرات، والذي لم يشرعه الله ورسوله من
أفضل القربات، الحقُّ فيه غريبٌ، وأغرب منه من يعرفه، وأغرب منهما
من يدعو إليه وينصح به نفسه والناس، قد فلق بهم فالق الإصباح صُبْحَه
стр. 83
عن غياهب الظلمات وأبان طريقه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات،
وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه مع ما عليه أكثر الخلق
من البِدَع المضلات، رفع له علم الهداية فشمر إليه، ووضح له الصراط
المستقيم فقام واستقام عليه، وطوبى له من وحيد على كثرة السكان،
غريب على كثرة الجيران، بين أقوام رؤيتهم قذَى العيون، وشَجَى
الحلوق، وكرب النفوس، وحُمَّى الأرواح وغم الصدور، ومرض القلوب،
وإن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبته منهم فأين الثريّا من
يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رَضُوا
بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم
لكن بالدعاوي الباطلة وشقائق الهذيان، ولا والله ما ابتلت من وَشَلِهِ
أقدامُهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت
بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهوى والحق من وجوه الدفاتر إذ بُلّتْ بمداده
أقلامهم، أنْفَقُوا في غير نفائس الأنفاس، وأتعبوا أنفسهم وحيروا من خلفهم
من الناس، ضيعوا الأصول، فحرموا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة،
فوقعوا في مَهَامه الحيرة وبيداء الضلالة.
والمقصود أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتم
بيان وأحسن تفسير، ومَنْ رام إدراك الهدى ودين الحق من غير مِشْكَاتها فهو
عليه عسير غير يسير ". انتهى.
هذا من حيث المحذور من تشابك المعاني، أما من حيث وضعها
اللغوي فهي مشتقة من " القانون " وهو كلمة دخيلة كما في كتب اللغة من
القاموس والمحيط وغيرهما.
ولهذا فإن بعض من جهدوا في بحث هذه النازلة وسموها بلفظ
стр. 84
" التدوين " أو " تدوين الأحكام الشرعية " بدلاً من " التقنين ". وفيها يقول
بعض المعاصرين في محاضرة له بذلك (١) :
التدوين: كلمة سأستعملها بمعنى صياغة الأحكام الشرعية في عبارات
إلزامية لأجل تنفيذها والعمل بموجبها، وقد استعمل بعض الزملاء في
الأقطار العربية الأخرى كلمة " التقنين " بدلاً منها، ولكن فضلت عليها
الكلمة العربية " التدوين " من فِعل: دون، تدويناً، ومدونة، لأن التقنين
مشتق من القانون، وهو كلمة دخيلة كما تعلمون، أخذها العرب عن طريق
السريانية من كلمة " كانون " اليونانية. انتهى.
وقال أيضاً: في أوائل كتابه " فلسفة التشريع ".
" إن كلمة " القانون " يونانية الأصل، دخلت إلى العربية عن طريق
السريانية وكان استعمالها في الأصل بمعنى " المسطرة "، ثم صار بمعنى
" القاعدة " وهي اليوم تستعمل في اللغات الأوروبية بمعنى " الشريعة
الكنسية ".. انتهى.
فصارت النتيجة أن التقنين الملزم كما هو ممتنع شرعاً فتسميته " تقنيناً "
مرفوضة لغة وإنما هو تأليف أو تصنيف أو نحوهما من الألفاظ والإطلاقات
الأصيلة المعهودة والله المستعان.
ويتعلق بهذه وبعامة موضوع البحث كلام عظيم لشيخنا محمد الأمين
﵀ وذكره في جوابه على المذكرة الإيضاحية أذكره هنا بنصه قال
رحمه الله تعالى: (ومن المهمات التي من أجلها أردنا بيان المصالح
стр. 85
والمفاسد في المذكرة أن المصلحة أو المفسدة إذا عين أصلها وبينت
مرتبتها أمكن البحث فيها بتفصيل واضح يتضح معه الحق فتمكن المناقشة
نفسها هل هي مصلحة أو مفسدة أو ليست بمصلحة ولا مفسدة، وبيان
مرتبتها ونوعها يمكن الترجيح بينهما وبين ما عارضها من المفاسد أو
المصالح، فلو شخصت المفسدة الناشئة عن اختلاف أحكام القضاة في
المسألة الواحدة بين هل هي من جنس الضروريات أو الحاجيات وإن قيل
أنها من جنس الضروريات بين النوع الذي ترجع إليه من الضروريات هل
هو ديني أو نفسي أو عقلي أو نسبي أو مالي أو عرضي، وإن قيل إنها من
جنس الحاجيات بينت الحاجة الداعية إليها بياناً واضحاً لكان ذلك معيناً
على إعطاء البحث حقه من النظر والإمعان، لأن دفع مفسدة ذلك الخلاف
بالتدوين قد يقال: إنه مستلزم مفسدة أعظم من مفسدة اختلاف القضاة في
المسألة الواحدة ولو كانت من أوكد الضروريات، ولا خلاف بين العلماء
في تخفيف الشر بارتكاب أخف الضررين فالمخالف قد يقول:
إن هذا التدوين الذي يريدون به درء مفسدة اختلاف القضاة يستلزم
مفسدة أعظم من ذلك، لأنه خطوة إيجابية إلى الانتقال عن النظام الشرعي
إلى النظام الوضعي وإيضاح ذلك أن النظام الوضعي تتركب حقيقته من
شيئين: أحدها: صورته التي هي شكله وهيئته في ترتيب مواده والحرص
على تقريب معانيها وضبطها بالأرقام، والثانية: حقيقة روحه التي هي
مشابكة لذلك الهيكل والصورة كمشابكة الروح للبدن، وتلك الروح هي
حكم الطاغوت فصار التدوين مشتملاً على أحدهما والواحد نصف الاثنين
ومما يظن ظناً قوياً ويخشى خشية شديدة أن وضع شكل وصورة النظام
الوضعي بالتدوين وضع حجر أساس لنفتح روح هذا الهيكل الأصلية فيه،
ولا شك أن الظروف الراهنة ومخايل الظروف المستقبلة تؤكد أن تيارات
стр. 86
الإلحاد الجارفة في أقطار المعمورة الناظرة إلى الإسلام بعين الحط
والإزدراء يغلب على الظن ويخاف خوفاً شديداً أنها بقوة مغناطيسها الجذابة
التي جذبت غير هذه البلاد من الأقطار من نظامها الإسلامي التي توارثته
عشرات القرون إلى النظام الوضعي الذي شرعه الشيطان على ألسنة أوليائه
ستجذب هذه البلاد يوماً ما إلى ما جذبت إليه غيرها من الأقطار التي فيها
مئات العلماء كمصر لضعف الوازع الديني في الأغلبية الساحقة من شباب
المسلمين وكون الثقافة المعاصرة من أعظم الأسباب للانتقال إلى القوانين
الوضعية فجميع الملابسات العالمية معينة على الشر المحذور إلا ما شاء
الله ولا سيما إن كنت هيئة كبار العلماء قد يقال أنها ابتدأت وضع الحجر
الأساسي لذلك بالرضا بالانتقال عما توارثته الأمة جيلاً بعد جيل إلى وضع
نظام شرعي ديني في مسلاخ نظام وضعي بشري شيطاني وليس هذا من
الأمور الدنيوية البحتة التي تؤخذ عن الكفار لأنه أمر قد يقال: إنه ذريعة
إلى أعظم فساد ديني مع أن اختلاف بعض القضاة في بعض المسائل
المتماثلة أمر موجود من عهد الصحابة إلى اليوم ولم يستلزم مفسدة عظيمة،
والقضاة المختلفون في المسألة الواحدة في هذه البلاد يلزم رفع اختلافهم
إلى هيئة تمييز من أمثل من يوثق بعلمه وعدالته وربما رفع بعد ذلك إلى
هيئة قضائية عليا، فالمفاسد اللازمة له في النظر الصادق قد تكون أقل شيئاً
مما يقال، وقد يقول المخالف أيضاً:
إن التدوين المذكور سن به فاعلوه التغيير لمن يأتي بعدهم لأنهم
بتدوينهم ألفوا أقوال أهل العلم المخالفة لما دونوا وذلك يدعو لصرف النظر
عن أصولها ومداركها الشرعية، فالذين يأتون بعدهم يوشك أن يقولوا:
هؤلاء الذين دونوا تركوا أقوالاً قالها من هو أعلم منهم وأقدم زماناً، وسنفعل
معهم مثل ما فعلوا مع غيرهم فسيكون ذلك طريقاً إلى التغيير والتعديل،
стр. 87
ويوشك أن ينهي ذلك إلى التبديل الكلي - نرجو الله أن لا يقدر ذلك -
والأمتان اللتان دونتا بعض الأحكام الشرعية أعني الأتراك والمصريين انتهى
أمرهما إلى التبديل الكلي، فهذه المفاسد التي قد يقول المخالف أنها
يخشى أن تنشأ من التدوين هي أعظم المفاسد لأن فيها القضاء على أصل
الدين ومثل هذا لا يصح أن يعارض شيء من المفاسد الأخرى أو
المصالح.. انتهى.
стр. 88
خلاصَة البَحْث
وهي فيما يأتي:
أولاً: الممانعة من تسمية هذا المشروع " تقنيناً " لما تقدم.
ثانياً: الممانعة من ترتيبه على هيئة تحاكي القوانين الغربية في
صياغتها إذ ينبغي لأهل الإسلام - دين العزة والأصالة - دفع عار
الاستجداء. والاستغناء بما عندهم من أصالة في الشكل والمنهج
والمضمون ففيه الغنى إضافة إلى أن لفظ " مادة " لهذا المعنى لا يساعد
عليه الوضع اللغوي فليعلم.
ثالثاً: إن إلزام القاضي بقول مقنن، أو مذهب معين ممتنع شرعاً
وواقعاً. فموقعه من أحكام التكليف حسب الدلائل والوجوه الشرعية أنه:
محرم شرعاً لا يجوز الإلزام به، ولا الالتزام به.
رابعاً: إن تقريب الفقه الإسلامي للقضاة وغيرهم من أهل الإسلام على
وجه يسهل الوقوف على أحكامه ودقائقه، ليس محلاً للتجاذب في هذه
النازلة.
وإن من رد العجز على الصدر: أن ألمح مرة أخرى إلى خلاصة هذا
المبحث فأقول، إن هذه النازلة:
١- تسميتها " تقنيناً ".
стр. 89
٢- صناعتها على صفة تحاكي القوانين الموضوعة المختلقة
المصنوعة.
٣- إصابة شاكلة كل داهي: الإلزام.
إن هذه النازلة بهذا الشكل: مولود غريب ليس من أحشاء الأمة
الإسلامية، غريب في لغتها، غريب في سيرها وأصالة منهجها، غريب في
دينها ومعتقدها، فهو أجنبي عنها ومجلوب إليها فغريب جداً أن تحتضنه
الأمة الإسلامية بمجرد فكرة الله أعلم بدوافعها وإنه يتعين على أهل
الإسلام أن يحذروا من الانهزام ومعلوم أن من كان على الحق فهو أمة
قوية لا تهزم وإن كان وحده.
هذا: ولعمري فقد نزع المانعون من الإلزام بمنزع صحيح مؤيد
بالدليل الصريح والنظر الرجيح. والله أعلم.
وأخيراً أختم هذه الرسالة بما لهج ابن القيم رحمه الله تعالى بذكره
في كتابه " أعلام الموقعين " (١) مما كان معاذ بن جبل ﵁ كثيراً
ما يقوله في خطبته كل يوم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢) :
وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول في خطبته كل يوم، قلما
يخطئه أن يقول ذلك: الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن ورائكم فتناً
يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة
والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فما
стр. 90
أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة
ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم
بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء
به، فإن على الحق نوراً. قالوا: كيف زيغة الحكيم؟ قال: هي كلمة
تروعكم وتنكرونها، وتقولون ما هذه فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه، فإنه
يوشك أن يفيء ويراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة
فمن ابتغاهما وجدهما) . انتهى.
وهنا ينتهي ما أردت تحريره في فقه هذه النازلة إلى أهل الإسلام والله
تعالى خليفتي عليهم والسلام.
стр. 91
" ٢ "
المواضعة في الاصطلاح على خلاف الشريعة
وأفصح اللغى (دراسة ونقد)
стр. 92
المواضعة في الاصطلاح
على خلاف الشريعة وأفصح اللغى
الحمد لله الذي فتق لسان العرب بأفصح لسان، وأبلغ بيان وبه أنزل
سبحانه القرآن واصطفى رسوله محمداً ﷺ من خيار مضر بن نزار بن معد
ابن عدنان.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان
إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن قضية المواضعة في الاصطلاح للأمور الشرعية كانت جارية على
السنن الأقوم من هدي الشريعة، وما زالت كذلك على تعاقب القرون، إلا
أنه بقدر ما يصيب الأمة من ضعَةٍ وتحولٍ في حياتها، لقاء التيارات،
والتموجات الفكرية التي تحل في الديار الإسلامية، يحصل قطار جديد من
البلايا والأزمات الشديدة من الانهزام والضياع في جملة من الفتن أنى وليت
وجهك. وكان من ولائدها في هذا المجال غلالة من العدوان على هذه
المصطلحات ولو أن تبلها ببلالها، سواء من قبل أصالة اللفظ المصطلح
عليه لغة، أم من قبل استبداله باصطلاح آخر وافد لوفادته وهكذا، لكنها
تلاقي الدفع في نحورها وأعجازها من أهل العلم فتنطفي جذوتها، وتعود
مردودةً على مختلقها، بضاعة مزجاةً ما لها في معاجم المسلمين من قرار.
وفي العصور الحاضرة التي اختلت فيها مقاييس الحياة في جل الديار
стр. 93
الإسلامية، مُني المسلمون بعدة ويلات وفتن تتوالى من خلال ديارهم
عاملة عملها في قوالب متعددة، فغاب الحكم بالإسلام عن سلطان
الحاكمية في جل دياره وأقصى القضاء الشرعي عن كراسي القضاء في جل
أحكامه.
ونفذ الاستعمار الفكري في تعليم أولاد المسلمين وبَسَطَت عوامل
الانحلال والتفسخ جرانها في ديار الإسلام نافذة إلى أفئدة الأمة على
مسارب التبعية الماسخة للأمم الكافرة.
وهكذا في جملة من الفتن الكاسرة في مجالات متكاثرة من حياة
الأمة، وما فيه قوامها.
وما زالت تتوالى مراغمتها على كل غريب عنها في دينها وأخلاقها
ومسالكها، تمزيقاً للباس التقوى في شكله وحقيقته، فالله طليب الفَعَلةِ
لذلك وهو حسيبهم.
وكان من سوالب هذه البدوات الآثمة والحملات المسعورة غياب
طائفة كبيرة من لغة الشريعة المسطرة في معلمة (١) فقهها، فحلت
стр. 94
مصطلحات أجنبية عن دينها ولغتها في جوانب الحكم، والقضاء،
والتعليم، ولغة الحياة العامة والسلوك. وغيرها متابعة بذلك سنة الإبعاد عن
كتب الشريعة وفقهها بتحنيط لغتها، وبذلك يستحكم الانفصام بين المسلم
وتراثه، ليكون رسماً لا معنى له، وصورة لا حقيقة له.
وبهذا تجسدت أمام المصلحين: نازلة المواضعات الأثيمة على
خلاف اللغة والشريعة، فصارت لكثرتها وشيوعها في مجالات: الحكم،
والقضاء، والتعليم، والعلوم، والفنون كافة: تُمثل لباساً فضفاضاً نسجته
أيدي العِداء فألبسته أمة الإسلام والعرب العرباء.
فكيف لا تستحي أمة تركض لبناء مجدها وهي مصرة على الحنث
العظيم إذ ترفل بلباس عدوها، متقمصة له في غاية ميادين حياتها راكبة
أثباج لجج هائجة من الفتن. ألم يعلموا أن بناء الذات قبل بناء الذوات
وأن التزام الداعية إلى ما يثني عقيدته عليه أساس متين للدعوة إليه. وإلا
فماذا؟
والله يعلم ماذا يلحق بالمسلم الناصح من عميق الآلام عندما يسود
شيء من هذا القتام، لكن هذا الاعتلاج لا يكفي بل لا بد من البيان
عماذا يراد بنا ونحن نيام، من تجليل الأمة بهذا الرداء الأجنبي عنها
стр. 95
القاضي على إجلال شريعة ربها وخالقها.
وقد قام علماء اللغة العربية في ذلك مقاماً حميداً شكر الله سعيهم
فبذلوا جهوداً مكثفة في القديم والحديث، فأنشؤا سدوداً منيعة وحصوناً
حصينة للغة القرآن عن عوادي الهجنة والدخيل، إذ أقاموا المجامع وهي
كثر، وألفوا كتب الملاحن وهي أكثر. ودب يراعهم في الكفاح وسالت له
سوابق أقلامهم، وانتشرت سوابح أفكارهم في نفي الدخيل، ونفض
المقرف والهجين، وهكذا تجديداً لمعجزة حماية التنزيل. والتي تجلت
متكاملة بجهود علماء الشريعة المشرفة في ذلك، فلهم القِدح المعلى،
والمكان الأسنى فضموا إلى كفاح أولئك: فائق العناية في الاصطلاح
الشرعي ومتانة التقعيد، والتأصيل، وعدم السماح لأي مصطلح دخيل
بالدخول في اصطلاح التشريع، وإن كان في بعض المتأخرين من
المعاصرين من خفض لها الجناح، ونفخ في بوقها وأناخ والله يغفر لنا
ولهم.
وإنه إلى ساعتي هذه لا أعلم كتاباً ألف في كشف هذه المداخلة،
وصد تلك المحاولة في هذه النازلة من وجهة الشريعة الخالدة، فقيدت من
ذلك نتفاً لكني لم أقف عليها إلا بعد أن سلكت إليها طرائق قدداً، من
كتب الشريعة واللُّغى (١) . متجنباً تشقيق العبارة، وتكلف الكَلِم، وناسب
إذاً أن يكون اسم البحث في هذه النازلة: نازلة المواضعة في الاصطلاح
стр. 96
على خلاف الشريعة وأفصح اللّغى. وقد أدرتها على مباحث توقفك رؤسها
على ما وراءها وهي كالآتي:
المبحث الأول: في مصادر الأسباب الإِسلامية والمصطلحات
العلمية.
المبحث الثاني: في ألقاب هذا الفن.
المبحث الثالث: في حقيقة الاصطلاح: لغة واصطلاحاً.
المبحث الرابع: في العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي.
المبحث الخامس: في أن المواضعات سنة لأهل كل فن.
المبحث السادس: في الاجتهاد اللغوي.
المبحث السابع: في تاريخ الأسباب الإسلامية والمصطلحات
الشرعية.
المبحث الثامن: في أنواع المصطلحات.
المبحث التاسع: في طرق المواضعة.
المبحث العاشر: في ضوابط المواضعة على الاصطلاح.
المبحث الحادي عشر: في فوائد الاصطلاح العلمي.
المبحث الثاني عشر: في اختلاف أهل الاصطلاح فيه وأسبابه.
المبحث الثالث عشر: في كشف ضراوة المخالفين بتغييرهم
لمصطلحات الشريعة.
المبحث الرابع عشر: في العدوان على مصطلحات الشريعة.
المبحث الخامس عشر: في ضرورة توحيد المصطلحات.
المبحث السادس عشر: في تقسيم التشريع إلى أصول وفروع.
المبحث السابع عشر: في ذكر أمثلة لتغيير المصطلحات.
стр. 97
ولا أدعي أني أخذت بمجامع هذه النازلة، وأنلت قارئها من مباحثها
الطريفة والتالدة، فإنها واسعة المجال، متعددة الأغراض، مترامية
الأطراف، لكني عنيت الاقتصاد، وتباعدت عن جلب الغدد (١) ، والحديث
стр. 98
المعاد. والحر تكفيه الإشارة وإليه يساق الكلام. واللهُ المستعان.
وكتب
بكر بن عبد الله أبو زيد
стр. 99
المبحث الأول
في مصادر الأسباب الإسلامية والمصطلحات العلمية
تم الوقوف على أسماء جملة مباركة من المؤلفات والبحوث في لغة
التشريع الواردة بنص من كتاب أو سنة أو في المواضعات الشرعية من
علمائها، فقهية كانت أو غيرها. وسواء في محيط جمع مفرداتها وشرحها
على اختلاف المذاهب الفقهية، ولعدد من العلوم كالطب والفلسفة
والتصوف والكيمياء ونحوها. أم في دائرة دراسات عن الأسباب الإسلامية
والمواضعات العلمية، في نشأتها، وقواعدها، وتوحيدها.. .
ولعل أقدم كتاب عني بشرح لغة التشريع وإعطاء دراسة عنها هو:
كتاب الزينة، لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي، المتوفى سنة ٣٢٢ هـ.
وهو أحسن كتاب وقفت عليه في هذا الصدد.
وإن في فواتح كتب أصول الفقه كالإحكام لابن حزم والإحكام
للآمدي. وفي كتب غريب الكتاب والسنة وفي كتب اللغة: مباحث مهمة
في هذا، لا سيما كتب الاشتقاق كالاشتقاق لابن دريد المتوفى سنة
٣٢١ هـ. والاشتقاق والتعريب لعبد القادر المغربي، وهما مطبوعان. وكتب
التعريب مثل كتاب: التقريب لأصول التعريب للشيخ طاهر الجزائري
وغيره، وفي مجلة (الأصالة) الجزائرية في عدديها ١٧، ١٨ لعام
١٣٩٤ هـ، وقد خصصا لهذا الغرض.
стр. 100
ولكن الشأن هنا في هذا المبحث أن أجمع لطالب العلم المؤلفات
المفردة والمباحث المدونة في خصوص لغة التشريع والأسباب الإسلامية،
وما يدور في محيط الاصطلاح ولعلوم أخرى. ومن جلها جعلت مادة كتابي
هذا، فإلى سياق ما تم الوقوف عليه منها:
١- الحدود: لجابر بن حيان م سنة ٢٠٠ هـ، رسالة تقع في سبع
عشرة صحيفة، عرض فيها لبعض المصطلحات الطبية، والكيماوية.
٢- الزينة: لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي م سنة ٣٢٢ هـ.
طبع باسم: كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية. تحقيق: حسين
ابن فضل الله الهمداني، في القاهرة عام ١٩٥٧ م. وطبع منه جزئين في
مجلد محتواهما (٣٤٥) صفحة، شرح فيه نحواً من أربعمائة لفظ. وفي
آخره قال: يتلوه الجز الثالث، وهذا ما لم أره. وفي كتاب: حركة
التصحيح اللغوي في العصر الحديث، لمحمد ضاري حمادي قال ص:
٢٨٠ عن هذا الكتاب: (وهو كتاب ضخم منه نسخة كاملة في مكتبة
المتحف العراقي برقم ١٧٨. وقد أصدر: حسين بن فيض الله الهمداني،
جزأين مطبوعين منه عام ١٣٧٦ هـ. يمثلان القسم الأول من الكتاب) اهـ.
ويذكر مقدم هذا الكتاب الأستاذ إبراهيم أنيس في تقديمه له: إن هذا
هو أول كتاب في العربية يعالج دلالة اللفظ وتطورها، ويسوق النصوص
والشواهد الصحيحة التي تؤيد ما يقول، ويرتبها بعض الأحيان ترتيباً تاريخياً
يتبين للقارئ منه. والله أعلم وقد ذكر مؤلفه ص / ٥٨ سبب تسميته له
بكتاب الزينة فقال: وسميناه " كتاب الزينة " إذ كان من يعرف ذلك يتزين
به في المحافل، ويكون منقبة له عند أهل المعرفة. اهـ.
стр. 101
٣- كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق: للفارابي م سنة ٣٣٩ هـ.
تحقيق محسن مهدي. دار الشروق - بيروت عام ١٩٦٨ م.
٤- الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي: لأبي منصور الأزهري م سنة
٣٧٠ هـ. من مخطوطات دار الكتب بمصر برقم ٣٥١ / لغة.
٥- مفاتيح العلوم: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب
الخوارزمي م سنة ٣٨٧ هـ. طبع مراراً. وهو يلي كتاب: الزينة في
الأهمية.
٦- الصاحبي: للعلامة المحدث اللغوي ابن فارس م سنة ٣٩٥ هـ.
طبع بتحقيق: أحمد صقر، طبع الحلبي بالقاهرة. وفيه باب في الأسباب
الإسلامية ص: ٨٦ - ٨٧ وهذا الباب من أهم ما وقفت عليه في هذا.
٧- بحر الجواهر: ذكره التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون
١ / ١، ولم ينسبه.
٨- حدود الأمراض في الطب: ذكره التهانوي كذلك.
٩- الحدود في الأصول: لسليمان بن خلف الباجي المالكي م سنة
٤٧٤ هـ. وكتابه هذا في حدود ألفاظ أصول الفقه.
١٠- السامي في الأسامي: للميداني. م سنة ٥٣١ هـ.
١١- طَلِبَةُ الطَّلَبة: لعمر بن محمد النسفي الحنفي م سنة ٥٣٨ هـ.
وهو في مصطلحات الفقه الحنفي. ومنه نسخة بدار الكتب المصرية برقم
٤٩٦ / لغة. وهو مطبوع.
١٢- بيان كشف الألفاظ: لأبي حامد بدر الدين محمود بن زيد
اللامشي الحنفي، نشر في مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي.
إصدار جامعة أم القرى. العدد الأول عام ١٣٩٨ هـ. ص (٢٤٥ - ٢٦٧) ،
стр. 102
تحقيق: محمد حسن مصطفى شلبي. وقد ذكر مؤلفها (١٢٨) لفظاً، وذكر
المحقق أنها فصل من كتابه: أصول الفقه.
١٣- المغرب في ترتيب المعرب: للمطرزي الحنفي م سنة ٦١٠ هـ.
مطبوع.
١٤- غاية المرام في علم الكلام: للآمدي م سنة ٦٣١ هـ. فيه مباحث
اصطلاحية في مواضع منه.
١٥- النظم المستعذب في شرح غريب المهذب: لمحمد بن أحمد
ابن بطال الركبي م سنة ٦٣٣ هـ. طبع في مجلدين. بمصر عام ١٣٧٩ هـ.
١٦- مصطلحات الصوفية: لابن عربي الحاتمي م سنة ٦٣٨ هـ. طبع
في آخر كتاب: التعريفات للجرجاني.
ومثل هذا ألا يُفرح به، وإنما أذكره ونحوه استطراداً.
١٧- تهذيب الأسماء واللغات: للنووي الشافعي رحمه الله تعالى م
سنة ٦٧٦ هـ مطبوع.
١٨- المطلع على أبواب المقنع: لمحمد بن أبي الفتح البعلي
الحنبلي. م سنة ٧٠٩ هـ. طبع مراراً.
١٩- شرح اصطلاحات القوم: للقاشاني. م سنة ٧٣٠ هـ. طبع
بتحقيق محمد كمال إبراهيم جعفر. نشر مركز تحقيق التراث بمصر. ويقع
في (١٦٨) صفحة وعقده في (٢٧) باباً.
٢٠- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: لأحمد بن محمد
المقري الفيومي. م سنة ٧٧٠ هـ، طبع عام ١٣٩٨ هـ. في بيروت.
٢١- إعلام الموقعين ١ / ٤٣، ٩٠، ١٠٧: لابن قيم الجوزية. م سنة
٧٥١ هـ.
стр. 103
٢٢- مدارج السالكين: لابن قيم الجوزية، م سنة ٧٥١ هـ،
١ / ١٣٩، (٢ / ٤٩، ٧٨، ٩٩، ١٥١، ١٧٣، ٣٠٦) .
٢٣- الصواعق المرسلة: ١ / ٢٨٤، ٢ / ٥١٠ - ٥١٥: لابن قيم الجوزية.
م سنة ٧٥١ هـ.
٢٤- إغاثة اللهفان: لابن قيم الجوزية. م سنة ٧٥١ هـ.
(١ / ٣١ - ٣٢) .
٢٥- الحدود: لابن عرفة المالكي. م سنة ٨٠٣ هـ وشرحه للرصاع
التونسي. مطبوع. في شرح مصطلحات المذهب المالكي.
٢٦- كتاب شرح غريب ألفاظ المدونة: تأليف: الجُبِّي. لم تعرف
ترجمته. تحقيق: محمد محفوظ. نشر: دار الغرب الإسلامية عام
١٤٠٢ هـ.
٢٧- غرر المقالة في شرح غريب الرسالة: المغراوي، مخطوط. كما
في: ثبت مراجع تحقيق كتاب الجبِّي المذكور قبله. ص ١٤٠ منه.
٢٨- التعريفات: للجرجاني. م سنة ٨١٦ هـ. مطبوع.
٢٩- المزهر في علوم اللغة للسيوطي م سنة ٩١١ هـ: ١ / ٢٩٤ - ٣٠٣.
نقل فيه كلام ابن فارس في الصاحبي.
٣٠- أنيس الفقهاء. لقاسم بن عبد الله القونوي الحنفي. ت سنة
٩٧٨ هـ. مطبوع.
٣١- تحرير التنبيه. للنووي. ت سنة ٦٧٦ هـ. طبع.
٣٢- القاموس الفقهي. سعدي أبو جيب. مطبوع.
٣٣- مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية. للقاري. طبع. إذ جعل في
стр. 104
خاتمة كل باب تفسير مصطلحات ذلك الباب.
٣٤- الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة: لأبي زكريا الأنصاري. م
سنة ٩٢٦ هـ وقد نشر محققاً في مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي.
إصدار: جامعة أم القرى، العدد الخامس عام ١٤٠٢ هـ - ١٤٠٣ هـ،
ص / ٥٦٥ ص ٥٧٩.
٣٥- التوقيف على مهمات التعاريف: للمناوي. م سنة ١٠٣١ هـ،
مخطوط بدار الكتب المصرية برقم ٧٦ / لغة. ثم طبع عام ١٤١٠ هـ.
٣٦- الكليات: لأبي البقاء الكفوي. م سنة ١٠٩٤ هـ طبع في
مجلد. ثم طبع في ستة مجلدات بدمشق عام ١٩٨١ م، وهو من المهمات
في هذا الغرض.
٣٧- كشاف اصطلاحات الفنون: للتهانوي. م سنة ١١٥٨ هـ، وقد
طبع كاملاً في ستة مجلدات عام ١٢٧٨. ثم صدر في بيروت. نشر مكتبة
خياط، بلا تاريخ.
٣٨- جامع العلوم الملقب: بدستور العلماء في اصطلاحات العلوم
والفنون: لعبد رب النبي بن عبد رب الرسول الهندي. طبع حيدر أباد عام
١٣٢٩ هـ - ١٣٣١ هـ.
٣٩- السلطة العلمية: لأحمد زكي باشا. م سنة ١٣٥٣ هـ. وانظر
عنه: مجلة مجمع اللغة بمصر ١١ / ١٤٥.
٤٠- المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث:
للأمير مصطفى الشهابي، طبع بالقاهرة عام ١٩٥٥ م. وانظر عنه: مجلة
المجمع العلمي بدمشق عام ١٩٣٢ م.
стр. 105
٤١- تاريخ آداب العرب: لمصطفى صادق الرافعي. في الباب الأول
١ / ٢١١ - ٢١٢، الألفاظ الإسلامية.
٤٢- مفردات فلسفية: لمحمد يوسف موسى في مجلة لواء الإسلام
(الأزهر) جلد ١ / ص / ٢٣، ٢٢٣، ٣٢١، ٧٠٩، ٧٨٥، وجلد ٩ / ٩٠٠.
٤٣- الإسلام بين العلماء والحكام: للمقتول ظلماً الشيخ عبد العزيز
البدري رحمه الله تعالى. ص ٦١ - ٦٤.
٤٤- حكم الإسلام في الإشتراكية: له أيضاً، ص ١٢٢ - ١٤٩، نشر
المكتبة العلمية بالمدينة النبوية.
٤٥- منهاج الإسلام في الحكم: لمحمد أسد، ص ٤٢ - ٥٦ بعنوان:
المصطلحات والسوابق التاريخية.
٤٦- اصطلاحات كتاب العصر: مقال في مجلة المنار ١ / ١٤ - ١٩.
٤٧- لغة القانون: لعدنان الخطيب. نشر: حلقة الدراسات العلمية
بدمشق. وانظر عن: مجلة الأزهر ٢٤ / ١١٦.
٤٨- معجم أسماء العلوم والفنون والمذاهب والتنظيم: لعبد العزيز بن
عبد الله المغربي.
٤٩- نحو وعي لغوي: لمازن المبارك. ص ١٠٨ - ١٢٤.
٥٠- المصطلحات العلمية قبل النهضة الحديثة: لضاحي عبد الباقي.
طبع عام ١٩٧٩ م.
٥١- مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق: وفيها بحوث في
стр. 106
الاصطلاح منها ما يلي:
أ - القضاء، والزكاة، والحج: ألفاظ عربية: لأحمد رضا. جلد ٢ عام
١٩٢٢ م.
ب - اللغة العلمية: محمد جميل الخاني، جلد ٤ عام ١٩٢٤ م.
ج - الأوضاع الجديدة والاصطلاحات الفنية: عز الدين التنوخي، جلد
١٣ عام ١٩٣٦ م.
د - أسماء لمسميات حديثة: أحمد رضا، جلد ١٦ عام ١٩٤١ م.
هـ - تعريب الاصطلاحات العلمية: جميل صليبا، جلد ٢٨ عام
١٩٥٣ م.
٥٢- مجلة مجمع اللغة العربية بمصر:
أ - الاصطلاحات الفقهية: عبد الوهاب خلاف ٧ / ٢٣٥ - ٢٤١.
ب - نشأة المصطلحات الفلسفية في الإسلام: إبراهيم بيومي مدكور
٧ / ٢٦١ - ٢٦٨.
ب - توحيد المصطلحات: محمد رضا الشبيبي ٨ / ١٣١ - ١٣٥.
د - القواعد العامة لوضع المصطلحات العلمية: محمد كامل حسين.
١١ / ١٣٧ - ١٤٢.
هـ - مدى حق العلماء في التصرف في اللغة: إبراهيم بيومي مدكور
١١ / ١٤٣ - ١٥١.
стр. 107
و - توحيد المصطلحات العلمية في البلاد العربية: للأمير مصطفى
الشهابي ١١ / ١٥٧ - ١٦٤.
ز - في المصطلحات الإسلامية: محمد يوسف موسى
١١ / ٢٠٩ - ٢٢٠.
ح - اللغة والعلوم: محمد كامل حسين ١٢ / ١٧ - ٣٠.
ط - ملاحظات على وضع المصطلحات العلمية: للأمير مصطفى
الشهابي ١٢ / ٣١ - ٣٦.
ي - العلم: دلالة اللفظ في اصطلاح الفلاسفة الإسلاميين وأقسام العلم
عندهم: مصطفى نظيف ١٣ / ١٩ - ٢٩.
ك - مصطلحات العلوم في اللغة العربية، ودور المجمع فيها: عبد الفتاح
الصعيدي ١٣ / ٢٠٩ - ٢١٨.
ل - مشكلة المصطلحات العلمية، والطريقة العلمية لحلها: عبد الحليم
منتصر ١٣ / ٢٠٣ - ٢٠٧.
م - تراثنا القديم من المصطلحات. مظانه، ومصادره: محمد رضا
الشبيبي ١٤ / ٥٣ - ٧٣.
ن - قضية اللغة في علم القانون: صبحي المحمصاني ١٩ / ٦٥ - ٦٩.
س - لغة العلم: إبراهيم مدكور ٢٠ / ٥ - ٨.
ع - أثر المغرب في العلم واللغة: عبد الله كنون ٢١ / ٢١ - ٢٩.
ف - لغة العلم في الإسلام: إبراهيم مدكور ٢٩ / ٧ - ١٣، ٣٠ / ١٦ - ٢٠.
стр. 108
المبحث الثاني
في ألقاب هذا الفن
عُني العلماء بموضوع معاني الألفاظ، ومن مبلغ عنايتهم به نرى
المؤلفين منهم في " أحوال العلوم " يشيرون إليه في مباحث اللغة وعلومها
كما فعل صاحب " مفتاح السعادة " إذ أشار إلى بعض الكتب المؤلفة في
الاصطلاح في مبحث العلوم التي تتعلق بالألفاظ فقال في ١ / ١٢٥: (ومما
يختص بلغة الفقهيات. فذكر كتابين هما: المغرب، وطَلِبة الطلبة) .
ونتيجة أيضاً لهذه المواطآت الاصطلاحية، يرى الناظر في كتب الفنون
عامة قولهم: تعريف هذا اللفظ: لغة وشرعاً أو: لغة واصطلاحاً.
ولهذا يقول ابن فارس ﵀ في كتابه: الصاحبي ص / ٨٦: (لكل
لفظ اسمان: لغوي، وصناعي، ويقصد بالصناعي الاصطلاحي) .
وهذه المواطآت أو المواضعات الصناعية، اكتسبت بعد اسم " علم
المصطلحات " لكثرتها وشيوعها، في كل علم وفن وبالتتبع حصل عدد من
ألقاب هذا الفن على ما يلي:
١- الحدود.
٢- التعريفات.
٣- الاصطلاح أو المصطلحات.
стр. 109
٤- لغة العلم. ويقولون لكل علم لغته: أي مصطلحاته.
٥- لغة الفهم، ويقولون: اللغة لغتان: لغة التفاهم وهي اللغة العامة.
ولغة الفهم: وهي لغة العلم.
٦- السلطة العلمية.
٧- علم الدلالة.
٨- الأسباب الإسلامية، كما ذكره ابن فارس في: الصاحبي، فعقد
باباً باسم: " باب في الأسباب الإسلامية ". وعنه السيوطي في: المزهر.
وهذا في خصوص الألفاظ التوقيفية: أي التي ورد النص الشرعي بها.
٩- الشرعيات. كثيراً ما ترى لدى علماء الشريعة في تعريف ألفاظها
قولهم: وهو " شرعاً " أي في معناه الشرعي وهو إخراج للشيء عن المعنى
اللغوي إلى الحقيقة الشرعية، وهي ما تلقى معناها عن الشارع، وإن لم
يتلق عن الشارع: سمي اصطلاحاً، وعرفاً. وقد غلط جمع من المتأخرين
في عدم الاعتداد بهذا التفريق.
والذي يتعين هو: التزامه فيما ورد به النص من كتاب أو سنة فيقال
فيه: تعريفه " شرعاً " ولا يقال: " اصطلاحاً "، لأن الاصطلاح والمواضعة
عليه إنما تكون من جماعة، فالقول مثلاً في لفظ الصلاة تعريفها
اصطلاحاً: هو كذا وكذا. اطلاق فاسد لغة وشرعاً. وإنما يقال: " تعريفها
شرعاً ". والله أعلم.
١٠- الأسماء الشرعية.
١١- المصطلحات الإسلامية.
١٢- الألفاظ الإسلامية. ويسمى هذا الفن في لغة الفرنجة " سيما
стр. 110
سيولوجيا " أو " سيمانتكس ".
وسيما: بمعنى الإشارة والرمز، كما في مقدمة: محقق الزينة ص
١٥.