المقدمة:
الحمد لله الذي أتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ المبعوث رحمة للعالمين ... وبعد
ما أشد احتياجنا في هذا الزمن الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة إلى كوادر دعوية تصطفي اصطفاء يقوم على الصحة الجسمية والنفسية والخلقية، والاجتماعية، والعلمية، ولمن يريد أن يكون داعية يجب أن يسكن رسولنا الكريم ضميره، ويتبعه في عمله وتفكيره، والخطباء في حقيقة أمرهم دعاة وعليهم أن يعرفوا أن علو الكعب في الخلق، والطهر القلبي والنفسي، ورقة الذوق في الكلمة والنظرة، وخفض الصوت وإشراق الوجه بالابتسامة لغة عالمية تفتح بها الصدور المغلقة، والنفوس الحرجة؛ ذلك لأن الخلق الزكي لغة إنسانية عالمية تعجب وتقنع.
وهذا الكتاب عن الخطابة الإسلامية تكلمنا فيه عن الخطابة وتعريفها، وعناصرها، وطريقة الإقناع الخطابي، والصفات التى يجب أن يتصف بها الخطيب، كما تكلمنا عن تشعب خطب الوعظ الديني، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى نماذج مختلفة من الخطب في العصور المختلفة.
وهذا الكتاب لا يصنع خطيبا ولكنه مرشد لمن عنده استعداد للخطابة، ينهل من الخطب التى ذكرناها فصاحة اللفظ وبلاغة العبارة وعلى الله قصد السبيل.
стр. 2
الكوادر الدعوية:
الكوادر الدعوية ينبغى أن تُصطفى اصطفاء يقوم على الصحة الجسمية والنفسية، والعقلية، والخلقية، والاجتماعية، والعلمية، وفقْد واحدة من هذه الست يؤدي إلى تعويق في أداء الدعوة. فكلها يكمل بعضها بعضا، وتمثل شخصية الداعية السوي، وهؤلاء الدعاة يسيرون على خطا الأنبياء في هدايتهم لأقوامهم، والرسل والأنبياء اختيروا اختيارًا للقيام بواجب الرسالة.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١، والذين أورثوا الكتاب اصطفاهم الله من عباده؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٢، وعلى مدار التاريخ لم يبزر في مجال الدعوة إلا أصحاب المواهب العالية والإقبال الكبير على الله، وأصحاب الغيرة والنخوة. هؤلاء الذين تتجمع في تربيتهم وتكوينهم عوامل الأسرة بموروثها الديني، وحسها التربوي العالى، والجو الثقافي المحيط، والأساتذة بما يزرعونه من غيرة في الحفاظ على الدين.
التربية الخلقية:
ويأتى على رأس تربية الكوادر الدعوية: التربية الخلقية؛ لأن الدين نور يستضيء به رجل، فيشرق في قلبه، ويرى الناس هذا النور في قوله وعمله، فينجذبون إليه. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا
стр. 3
مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقد وصف الله لنا سيد الدعاة محمدًا ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢، ووصفته السيدة عائشة ﵂ حين سئلت عن خلقه ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن".
يقول ابن كثير: "ومعنى هذا: أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له، وخلقا تطبعه، وترك طبعه الجبليّ، فمهما أمَرَه القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم: من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لى: أفّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته، وكان ﷺ أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
هذا هو المثل الأعلى لمن يريد أن يكون داعية, إنه يجب أن يسكن رسولنا الكريم ضمائرنا ونتبعه في عملنا وتفكيرنا، وإلا عدَّ من لم يكن هكذا مدعيا لا داعية، إن علو الكعب في الخلق، والطهر القلبى والنفسي، ورقة الذوق في الكلمة والنظرة وخفض الصوت وإشراق الوجه بالابتسامة لغة
стр. 4
عالمية تفتح بها الصدور المغلقة، والنفوس الحرجة، ويستل بها من القلوب سخائمها؛ ذلك "لأن الخلق الزاكى لغة إنسانية عالمية تعجب وتقنع، وبهذه اللغة تفاهم الصحابة والتابعون مع الشعوب التى عرفوها، فدخل الناس في دين الله أفواجا، أي إن القدوة ليست دورا تمثيليا يؤدي إلى الخداع، واجتذاب المشاهدين، كلا. كلا. فحبل الكذب قصير. والقدوة الحسنة -فردية أو جماعية- تفرض احترام العقيدة والحفاوة بها. وهذه القدوة هي الحلاوة في الثمرة الناضجة، أو الرائحة الزكية في الزهرة العطرة، وهي نضج الكمال الذاتى الحق، وقد شاء الله أن يؤتى السلف الصالح أنصبة جزلة من هذا الحسن الذاتى: ففتحت لهم المدن العظام أبوابها، وألقت إليهم الجماهير بقيادها، وعالمية الإسلام تفرض على أتباعه أن يقدموا من سلوكهم الخاص والعام نماذج جديرة بالإكبار، أو على الأقل هي جديرة بدفع الناس للسؤال عن حقيقة الإسلام لمن لم يعرفوا هذه الحقيقة، وما أكثرهم في أرض الله١.
التثقيف إجمالا:
يجب على كل سالكي طريق الدعوة أن يتثقفوا عن طريق قراءة المتون المحيطة بمواد الشريعة الإسلامية، كما عليهم أن يتزودوا بالكتب النافعة حول الدعوة وأصولها والتفسير والحديث. وفي العلوم اللغوية يزودون ببعض كتب النحو والصرف والبلاغة والأدب وإعجاز القرآن.
стр. 5
علم الخطابة:
الخطابة علم له أصول وقوانين، من سار في طريقها عد خطيبا، وهو يعنى بدراسة طرق التأثير، ووسائل الإقناع، وصفات الخطيب، وما ينبغى أن يتجه إليه من المعاني في الموضوعات المختلفة، وما يجب أن تكون عليه ألفاظ الخطبة، وأسالبيها، وترتيبها. هذا العلم ينير الطريق، ولا يحمل على السلوك؛ فهو يرشد الدارس إلى دراسة مناهج، ومسالك، ولا يحمل على السير فيها.
علاقة الخطابة بالمنطق:
إذا كان علم المنطق يبحث عن القوانين التى تعصم الذهن عن الخطأ، فإنه يبحث أيضا عن أهواء النفس، وخواطرها وأسباب الغلط، وتسلسل الخواطر، وكل هذه الأمور تساعد الخطيب على أداء مهمته في التأثير والإقناع.
علاقة الخطابة بعلم النفس:
لا يصل الخطيب إلى إقناع السامعين إلا إذا استطاع أن يثير حماستهم، ويخاطب إحساسهم، ولا يمكن إلا إذا كان عليما بما يثير شوقهم، ويسترعي انتباههم، وذلك لا يكون إلا بعلم النفس، ومن هنا كان علم الخطابة له صلة بعلم النفس.
علاقة الخطابة بعلم الاجتماع:
يجب على الخطيب أن يكون ملما بسياسة الناس، وما يجب لكل طبقة من المعاملة، وما يلزم لكل نوع من الناس من خطاب، وعليه أن يكون عليما بروح الجماعة دارسا لأخلاقها فاهما لما يسيطر عليها، ولذا كان علم الخطابة صلته قوية بعلم الاجتماع.
стр. 6
الخطابة:
تعريفها:
من فنون النثر الأدبي فنٌّ لساني يلقى على جمهور السامعين، وهذا الفن النثري هو الخطابة، وللخطابة مجالاتها التي لا يمكن لأي فن أدبي آخر أن يغني عنها بحكم طبيعتها التي تلازمها على مدى العصور.
أنواعها:
تتعدد أنواع الخطابة بحسب مجالاتها المختلفة ولكن ما يهمنا الخطابة الدينية وهي التي تلقى في المساجد في صلاة الجمعة والعيدين، وفي المناسبات الدينية المختلفة للوعظ والإرشاد والحث على الاستمساك بالفضائل الإسلامية.
طرق تحصيلها:
لا شك أن الخطابة منصب خطير، لا يصل إليها طالبها بيسر، بل يحتاج طالبها إلى زاد عظيم، وصبر ومعاناة، واحتمال للمشاق؛ ليصل إلى تلك العناية السامية وطرق تحصيلها ما يأتي:-
١- فطرة تلائم الخطابة:
يستحب أن يكون الخطيب فصيحا طلق اللسان، ثابت الجنان، ذكي القلب، وأن تكون مخارج الحروف عنده صحيحة.
٢- دراسة أصول الخطابة:
لا شك أن هذه الأصول لا تكفي وحدها، بل لا بد أن يكون معها استعداد كامن، ومران شديد على الخطابة.
стр. 7
٣-قراءة كلام البلغاء:
ودراسته دراسة متعرف لمناص التأثير، وأسرار البلاغة، ومتذوق لما فيها من جمال الأسلوب وحسن التعبير، وجودة التفكير.
٤- الإطلاع على كثير من العلوم التى تتصل بالجماعات:
كالاقتصاد والشرع، والأخلاق، والاجتماع، وعلم النفس، والمعتقدات.
٥- الثروة الكثيرة من الألفاظ والأساليب:
الخطابة تحتاج إلى أن يعبر عن المعنى الواحد بعدة عبارات، وأساليب متغايرة.
٦- ضبط النفس واحتمال المكاره:
يستحب للخطيب أن يتذرع بالصبر، وضبط النفس، والسيطرة على أعصابه ومشاعره، كما عليه أن يقضي على كل مظاهر الاضطراب والانفعال والوجل؛ لأن ظاهرة الاضطراب والوجل تورث في الخطيب الحيرة، والحيرة تسبب له التلعثم والارتباك.
٧- الارتياض والممارسة:
رياضة النفس على الخطابة تكون بالارتياض على الفكرة والارتياض على الأسلوب والارتياض على الإلقاء، أما الارتباط على الفكرة فهو تعويد النفس على ضبط الأفكار، ووزن الآراء وتضنيف العناصر، وعقد الصلة بينهما وبين ما يجري في المجتمع من قضايا ومشكلات، وتعويد النفس على الاتصال بفئات البشر، والاندماج معها، والتعرف على أحوالها، أما الارتياض على الأسلوب فهو المران على التحدث ببليغ المقال، وفصيح
стр. 8
الكلام. وهذا لا يتأتى إلا بحفظ آيات من القرآن والأحاديث النبوية، وعبارات البلغاء قديما وحديثا، كما يجب على الخطيب مطالعة الكتب الفكرية والأدبية فهي عامل آخر لارتقاء أسلوبه، وجودة تعبيره، أما الارتياض على الإلقاء فيبدأ بتعويد اللسان عند النطق على إخراج الحروف من مخارجها، ثم قراءة كل ما يستحسنه بصوت مرتفع، ولهجة متزنة، مصورا بصوته معاني ما يقرأ بتغيير النبرات، وبرفع الصوت وخفضه، ثم بإلقاء الموضوع بينه وبين نفسه متصورا أنه أمام جمهور، ثم بإلقاء الموضوع أمام من يثق بهم من إخوانه، ثم بإلقاء الموضوع في محيط لا يعرفه فيه أحد غير هياب ولا وجل.
стр. 9
الآداب الخطابية:
يجب على الخطيب أن يتحلى بآداب عند إلقاء الخطبة، ومن هذه الآداب ما يتعلق بحاله هو عند إلقاء الخطبة، ومنها ما يتعلق بالسامعين.
الآداب الخاصة بالخطيب:
١- سداد الرأي: ويكون بدراسته دراسة تامة للموضوع الذي يخطب فيه.
٢- صدق اللهجة: وهو أن يظهر الخطيب مخلصا فيما يدعو إليه، وحريصا على الحقيقة، فإنه إن ظهر كذلك وثق الناس به، وصدقوه فيما يدعو إليه، وأحسوا بأنه شريف تجب إجابته؛ لشرفه وشرف ما يدعو إليه، ومن أجل أن يكون الإخلاص باديا، يجب أن يكون من حاله ما يطابق مقاله، فلا يتجافي عمله عن قوله، بل يكون أكثر الناس أخذا بقوله.
٣- التودد من السامعين: ويكون بالتواضع لهم، وأن يكون ممن يألفون، ويؤلفون؛ فلا يكون جافيًا خشنًا قاسيًا.
آداب الخطيب مع السامعين:
ينبغى على الخطيب الاتصال بنفوس من يخاطبهم، والقرب من قلوبهم، والناس مختلفون، عادات وأخلاقا ومهنة ومرتبة، ولكل طائفة من الناس أحوال، تقتضي نوعا من الخطاب، لا تقتضيه أحوال الجماعة الأخرى؛ وعلى الخطيب أن يلبس لكل حال لبوسها، ويعالج كل طائفة بأنجع دواء له؛ ليستقيم له الطريق، ويصل إلى غرضه.
صفات الخطيب:
١- الاستعانة بالله: الخطيب الناجح هو الذي يحرص على الاستعانة بالله في كل الظروف والأحوال فهو يستعين بالله في الإعداد، وحسن الأداء، وجمال الإلقاء.
стр. 10
٣- الإخلاص: الإخلاص هو روح الأعمال وسر قبولها وبه يجمع الله القلوب، فالإخلاص عامل هام في النجاح والتأثير وينبغى على الخطيب أن يحذر من أمراض القلوب، وأن يبتعد عن الغرور والرياء وحب الظهور.
٣- القدوة الحسنة: ينبغي على الخطيب أن يكون قدوة حسنة، وأن يكون سلوكه قويما، وأن يعمل بما يقول، وأن يكون إماما فيما يدعو إليه.
٤- الشجاعة: لا بد أن يكون الخطيب شجاعا لا يخاف إلا الله وهو صاحب رسالة، ولذلك فالشجاعة ضرورية كذلك لتبليغ الحق المبين، وتجلية حقائق الإسلام، وعلاجه للمشكلات بكل وضوح وصراحة، ومحاربة الظلم، وفضح الباطل، وإقرار العدل.
٥- الموهبة: إن نجاح الخطيب في مهمته فيه جانب يكتسبه عن طريق كتب فنون الخطابة وآدابها، والاستماع إلى الخطباء، والاستفادة منهم.
وجانب الموهبة التى يمنحها الله للإنسان وذلك بحب الخطابة، والميل إليها والانسجام معها.
٦- قوة الملاحظة: يجب أن تكون نظرات الخطيب إلى سامعيه نظرات فاحصة كاشفة؛ يقرأ من الوجوه خطرات القلوب، ومن اللمحات ما تكنه نفوسهم نحو قوله؛ ليجدد من نشاطهم، ويذهب بفتورهم ولتتصل روحه بأرواحهم، ونفسه بنفوسهم.
٧- حضور البديهة: لتسعفه بالعلاج المطلوب إن وجد من القوم إعراضا، والدواء الشافى إن وجد منهم اعتراضا، وقد يلقي الخطيب خطبته فيعقب بعض السامعين معترضا، أو طالبا الإجابة عن مسألة، فإذا لم تكن البديهة حاضرة يجيب الخطيب إجابة سهلة موثقة وإلا ضاعت الخطبة، وآثارها.
стр. 11
٨-طلاقة اللسان: تعد طلاقة اللسان من ألزم صفات الخطيب، وأشدها أثرا في انتصاره في ميادين القول.
٩- رباطة الجاش: يجب أن يقف الخطيب مطمئن النفس، هادئ البال، قوى الجنان، غير هياب ولا وجل، وغير مضطرب ولا منفعل.
١٠- القدرة على مراعاة مقتضى الحال: يجب على الخطيب أن يكون قادرا على إدراك وضع الجماعة، وما تتطلبه من تذكير وإصلاح، وما يصلح لها من أساليب ملائمة، ومن توجيهات مناسبة يراعي فيها المصلحة واقتضاء الحال.
١١- قوة العاطفة: يجب على الخطيب أن يمتلىء حماسة فيما يدعو إليه، واعتقادا بصدقه؛ لأن ما يخرج من القلب يدخل القلب فلا بد أن تكون حماسة الخطيب أقوى من حماسة سامعيه؛ ليفيض عليهم، ويروي غلتهم، وإلا أحسوا بفتور نفسه، فضاع أثر قوله.
١٢- النفوذ وقوة الشخصية: الخطيب الناجح هو الذي يتمتع بقوة الشخصية، وإشراقة الروح، وسداد الرأي، وسعة العلم، وتأثير نصائحه ومواعظه.
١٣- حسن الهيئة: يجب على الخطيب أن يراعي الهيئة الحسنة في زيه، ويهتم بكل ما يجعل هيئته حسنة، وأن تتزن حركاته، وعليه أن يبتعد عن الحركات سواء باليد أو الرأس أو غير ذلك، التي تجعل منه ممثلا رخيصا ومثارا للضحك والتندر.
стр. 12
زاد الخطيب:
إن الخطيب الناجح لا بد أن يتزود بزاد يتناسب مع مهنته، وأهم ما يتزود به الخطيب ما يلي:-
١- القرآن الكريم: ينبغى على الخطيب أن يكون وثيق الصلة بالقرآن، كثير التلاوة له، متقنًا تجويده، مجتهدًا في حفظه.
٢- الحديث الشريف: على الخطيب أن يكون جليس كتب الحديث الشريف وأن يطلع على أكبر قدر من أبواب الحديث، كما عليه أن يحفظ قدرا كبيرا من الحديث يمكنه من الاستشهاد بسنة سيد الخلق في شتى المناسبات، ومختلف المجالات.
٣- السيرة والتاريخ: ينبغى على الخطيب أن يهتم بقصص الأنبياء، ويدرس سيرة الرسول ﷺ دراسة خاصة من زوايا متعددة، ومراجع متنوعة.
٤- الأحكام الفقهية: ينبغى على الخطيب أن يكون ملما بكثير من الأحكام الفقهية؛ ليقدم للناس الحلول العملية من الأحكام الإسلامية.
٥- الحكم والأمثال: من أعظم الأساليب المؤثرة الحكم والأمثال، فهي كلمات مختصرة، تجمع خلاصة معانٍ، وحصاد تجارب لها أبعادها في النفس. والخطيب الموفق هو الذي يحرص على حفظ أكبر قدر من الحكم والأمثال ليستشهد بها في مواضعها.
٦- السياسة والتيارات الفكرية: يجب على الخطيب أن يطلع على أحداث الناس وقضايا الساعة، ويقدم للناس فهم الإسلام في شتى ميادين الحياة.
стр. 13
التنسيق:
هو تنظيم أجزاء الخطبة، وإحكام تركيبها، وربط بعضها ببعض، ووضع أدلتها في شكل منتج؛ فالتنسيق هو بناء الخطبة، ونظام عقدها، وللخطبة ثلاث مراحل:
١- المقدمة.
٢- الإثبات.
٣- الخاتمة.
أولا: المقدمة
هي ما يجعلها الخطيب صدر خطبته؛ ليثير الفكر إليها، وليعطى السامعين صورة إجمالية لها، وليحصر لهم معانيه وأفكاره في نطاق لا يعدوه، ولا يتجاوزه وتشتمل المقدمة على ما يأتى:-
أ- حسن الافتتاح:
بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ إلخ. كما يجب أن يعنى الخطيب بافتتاح خطبته حتى يهيئ الأسماع لتتقبله بقبول حسن، ويشترط أن تحتوي المقدمة على حمد الله والثناء عليه وتوحيده وتنزيهه، وكذا ذكر الشهادتين؛ وللخطباء مذاهب شتى في افتتاحهم، وسنذكر بعضها على سبيل المثال، لا الحصر:
١- فمن الخطباء من يفتتح خطبته بما يشير إلى موضوعها، ويلوح بالقصد منها.
٢- ومن الخطباء من يبتدئ خطبته بحكمة أو مثل سائر، أو بعض أقوال المتقدمين، أو آية قرآنية، أو حديث شريف يناسب المقام، ويكون حجة في الاستدلال، كخطيب يبتدئ خطبته في تعاون الجماعة في إصلاح حالها، وتقويم الفاسد من أمرها بتلاوة قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّة
стр. 14
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
٣- ومن الخطباء من يفتتح خطبته بإحياء آراء قديمة للجماعة، يبنى عليها ما يدعوهم إليه من جديد، كما فعل الرسول ﷺ عندما أنذر عشيرته الأقربين؛ إذ سألهم عن صدق صدقه حديثه فقال ﷺ : "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيَّ؟ فقالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا"، فألقى ﵊ خطبته.
٤- يستحسن أن تبدأ الخطبة بحمد الله، وببعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة التى تناسب المقام الديني الذي يتكلم فيه، ويجب أن يكون الافتتاح قصيرا موجزا، موافقا للموضوع.
ب- المقصد:
أن يذكر الخطيب في صدر كلامه الموضوع الذي سيتناوله إجمالا، من غير تفصيل؛ ليهيئ الأذهان لتلقيه، ولا بد عند ذكر المقصد من ملاحظة ثلاثة أمور:
أحدها: أن يذكره في قضية عامة، لا يبنيها على مقدمات، فإذا كان يريد أن يخطب جمعا يحثهم على إحياء القرآن الكريم بحفظه والعمل به، يقول مثلا: في القرآن نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهكذا نرى الموضوع قد ذكر في قضية عامة.
وثانيها: أن يكون واضحا في الدلالة على الموضوع.
وثالثها: أن يلقَى في جملة تثير خيال النفس، وتهزها، فتنشط إلى سماع ما يقال، وتهتز أوتار القلب بكل ما يجيء به الخطيب من معانٍ وعبارات جيدة محكمة.
стр. 15
جـ- تقسيم الخطاب:
إذا كانت الخطبة واسعة الأطراف، مترامية النواحى، كثيرة الشعب، كان عمل الخطيب أن يجمع أشتاتها، ويضبط أجزاءها، ويقسمها تقسيما جامعا لأطرافها وحواشيها.
ثانيا: الإثبات
هو موضوع الخطبة وغرضها، وهو الذي يستغرق معظم وقتها، وأفكارها، فينبغي على الخطيب مراعاة ما يلي:-
أ- أن تكون الأفكار منظمة، ومسلسلة، ومترابطة ووافية.
ب- أن يحسن الاستشهاد على كل فكرة في موضعها.
جـ- أن يتجنب الاستطراد الذي يخرجه عن الموضوع إلى موضوع آخر فآخر.
د- أن يحرص على ربط الموضوع بالواقع ودنيا الناس وآثاره في الحياة التي نعيشها.
ثالثا: الخاتمة
وهى آخر ما يلقى في ذهن المستمع، وآخر ما يتعلق بباله، وللخواتيم أهميتها العظمى في تحقيق أهداف الخطبة لذلك ينبغي على الخطيب أن يراعي ما يلي:-
١- أن تتضمن تلخيصا للموضوع يكون جامعا مركزا يجمع أطرافه التى استغرقت معظم الوقت ليضعها أمام المستمع في كلمات مختصرة.
٢- أن تشتمل على النتائج التى يريد الخطيب استخلاصها والتوصل إليها.
стр. 16
٣- أن تشتمل على توصيات، ودعوة للعمل، والسير نحو خطوة جديدة إلى الأمام.
٤- الدعاء يستحب أن يكون مرتبطا بموضوع الخطبة ومعانيها.
التعبير:
١- يجب على الخطيب أن يعطي المعنى حقه واللفظ حقه، وأن يعتني بهما، وعليه أن يعرف أن تحسين اللفظ يجب أن يكون بجوار إحكام المعنى، وأنه لا غنى له عن المعنى المحكم؛ لأنه عمود الكلام والمقصد الاسمى، ولا عن اللفظ؛ لأنه بهاء القول وزينته، وعليه ألا يتكلف في اختيار اللفظ بل يجب أن يكون كلامه منسجما، متآخي النبرات، لا تنبو ألفاظه، ولا تتجافى عباراته، ولا يلجا في أسلوبه إلى العامية.
٢- إن لكلمات الخطيب أثرا في أذن السامع، ولجرسها وقع في نفسه؛ فالسامع للخطيب يذوق، ويسمع ويفهم ويلاحظ النطق، ولذلك يجب أن تكون ألفاظ الخطبة سهلة النطق، لا يتعثر اللسان في إبرازها، ولا تتزاحم حروفها، وأن تكون ذات رنين خاص يهز أوتار النفس ويثير الشعور، ويجب أن تكون مقاطع الخطبة ذات وقع مؤثر، يلذ السمع، ويجمل الكلام.
الألفاظ:
نريد بالألفاظ الكلمات المفردة، وأهم خصائص مفردات الخطابة هي:-
١- أن يكون اللفظ واضحا مكشوفا وقريبا معروفا، من السهل إدراك معناه، والوصول إلى مرماه، لا يبعد عن مألوف السامعين.
٢- ألا تكون الألفاظ مبتذلة أو عامية.
стр. 17
٣- أن تكون في الخطبة ألفاظ مناسبة مثيرة لخيال الجماعة، ملائمة لما يريد، فإذا كان يخطب جماعة في الحث على أداء فريضة الحج، ذكر الحرم الشريف، ومقام إبراهيم، وزمزم، وإذا كان يخطب في الحث على الصوم ذكر قرب الصائم من ربه، والتجرد من ملاذ الحياة، ومشارفة نفس الصائم للمعانى القدسية.
الأسلوب:
١- التصرف في فنون القول، بأن تتعاقب على معنى ضروب مختلفة من التعابير، من تقرير، إلى تعجب، إلى تهكم، إلى نفي؛ لكي يكسب كلامه حدة، ولئلا يذهب نشاط السامعين، ويعتريهم السأم والملال.
٢- حسن التآلف بين الكلمات، وتآخي النغم، بحيث تتحدر الكلمات على اللسان في يسر وسهولة، ويحسن وقعها في الأسماع، فلا تكون منها نابية عن أخواتها، أو ساكنة في غير مستقرها، فتكون قلقة في النطق، وثقيلة على السمع.
المقاطع:
يجب أن يختار الخطيب المقاطع التى يقف عليها، بحيث يكون وقوفه عند نهاية جزء تام من المعنى الذي يريده، وبأن يكون المقطع ذا رنين قوي، يملأ النفس، ويوجهها نحو الغرض الذى يريده الخطيب.
طرق تحضير الخطبة:
١- من الخطباء من يكتفي في تحضيره بدراسة الموضوع دراسة تامة، ثم يجمع عناصره في خاطره، وترتيبها بينه وبين نفسه، ويستحضر الألفاظ اللائقة بالمقام، والعبارات الجديرة بالموضوع، وهذه الطريقة لا يتبعها إلا المتمرن على المواقف الخطابية الذى اندرج في سلك الخطباء.
стр. 18
٢- ومن الخطباء من يدرس الموضوع ويهيىء معانى الخطبة، ويرتبها ترتيبا محكما، ثم يكتب عناصرها وأجزاءها في مذكرة يستصحبها عند الخطبة؛ لتكون مرجعا له وضابطا، وليحفظ المعانى والأفكار من أن تضيع بضلال الذاكرة.
٣- ومن الخطباء من يطَّلِع على الموضوع، ويدرسه بعناية، ثم يتكلم فيه بينه وبين نفسه بصوت مرتفع في غرفة قد انفرد فيها، أو في مكان خلوي، أو يتكلم على بعض الناس.
٤- ومن الخطباء من يكتب الخطبة، ويتحرى في الكتابة أبلغ الاساليب التى توصله إلى غايته، وتؤدي به إلى ما يريده، ويحكم معانيها، ويحملها كل ما يبغي من وسائل التأثير، وطرق الإقناع التى يصوبها نحو هدفه، ويرمي بها إلى غرضه، وبعد الكتابة يقرأ ما كتب مرارا وينقحه في كل مرة. وبهذه القراءة التى يتحرى بها جودة الإلقاء وحسن النطق، تعلق معانى الخطبة مرتبة الترتيب التام بذاكرته، ويحفظ كثيرا من ألفاظها وعباراتها.
٥- ومن الخطباء من يكتبون خطبهم، ويحسنون تحبيرها، ثم يحفظونها حفظا تاما، ومنهم من يتحلل أحيانا مما حفظ، إن وجد المقام يدفعه إلى غيره.
والطريقة المثلى لطالب الخطابة:
أن يبتدئ بكتابة الخطبة وحفظها وإلقائها كما حفظ ثم يأخذ بنفسه بالتغيير شيئا فشيئا فيما حفظ حتى إذا شب في الخطابة، وتقدم في المران عليها، كتب الخطبة وعني بأن تعلق كل معانيها بقلبه، وأكثر ألفاظها بذاكرته ثم يتقدم لإلقائها وقد تحصن بذلك التحضير، فإذا صارت له الخطابة ملكة،
стр. 19
وعد في صفوف الخطباء، اكتفى بدراسة الموضوع دراسة وافية، ثم كتب العناصر، أو لم يكتبها إن أسعفته ذاكرة قوية، أو كانت الخطبة قصيرة، لا عناصر لها، وألقى الخطبة مكتفيا بذلك التحضير الذى يقل أنواعه كلفة؛ ولا يكتفي به إلا أعظم الخطباء قدرة.
الارتجال:
لا يعد الخطيب خطيبا إلا إذا كان قادرا على الارتحال، وقد يخطب فيعترض عليه بعض الناس في خطبته، فإن لم تكن له بديهة حاضرة ترد الاعتراض وتقرعه بالحجة القوية، ذهبت الخطبة وآثارها.
النطق:
النطق الحسن هو الدعامة الأولى للإلقاء الجيد، وإذا اعترى النطق ما يفسده ضاع الإلقاء فضاعت معه الخطبة وأثرها.
العناصر التي يحتاج إليها النطق الجيد:
١- تجويد النطق:
بأن يخرج الحروف من مخارجها الصحيحة في يسر ورفق وسهولة.
٢- مجانبة اللحن وتحري عدم الوقوع فيه:
يجب أن يعنى الخطيب بتصحيح الكلام الذي ينطق به، وملاحظته في مفرداته وعباراته فيلاحظ بنية الكلمات ملاحظة تامة، وما توجيه قواعد النحو في آخر الكلمات؛ فإن ذلك يفسد المعنى، وقد يقلبه.
٣- تصوير النطق للمعاني تصويرًا صادقًا:
بأن يعطي كل كلمة وكل عبارة حقها، ويظهرها بشكل تتميز به عن سواها، فالجملة المؤكدة ينطقها بشكل يدل على التوكيد في النغم كما دل، والجمل الاستفهامية ينطق بها بشكل يتبين منه الاستفهام والمراد منه عن طريق النطق، كما دل عليه بالأداة الدالة على الاستفهام.
стр. 20
٤- التمهل في الإلقاء:
وهو إلزام الأمور للخطيب، فالتمهل يجعل الصوت يسري إلى السامعين جميعًا بأيسر مجهود متناسب مع المكان والعدد، بينما الإسراع يجعل الكلمات تحتاج إلى مجهود صوتي أكبر؛ ليصل الكلام إلى الآذان.
الصوت:
يستحب للخطيب أن يروض نفسه على تصوير المعاني، وأن يجعل من نغمات صوته، وارتفاعه وانخفاضه دلالات أخرى فوق دلالة الألفاظ، وليعمل على أن يكون صوته ناقلا صادق النقل لمشاعر نفسه، وليمرنه التمرين الكافي على أن يكون حاكيا صادق الحكاية لمعاني الوجدان، وخواطر الجنان، وليعلم أن لا شيء كالصوت يعطي الألفاظ قوة حياة، وأنه إذا أحسن استخدامه خلق به جوًّا عاطفيا يظل السامعين، وبه يستولي عليهم.
الإشارات:
إن الإشارات هي المخاطبة الصامتة، أو هي لغة التفاهم العامة، وهي في كثير من الأحيان صوت الشعور، وعبارة الوجدان، فالغاضب يعبس وجهه، ويقبض أصابعه، والإشارات بعضها شعوري اندفاعي لا يكون بالإرادة بل بدافع الإحساس الوقتي للخطيب الذي يثيره موقفه الخطابي، وبعضها إرادي قصدي يعمد إليه الخطيب للتأثير.
وسواء أكانت الإشارات إرادية أم شعورية، فهي ذات أثر في تأكيد الكلام في نفس السامع وتقويته.
стр. 21
فنون الخطابة الإسلامية:
خطب الوعظ الديني
تمهيد:
الوعظ الديني هو الأمر بالمعروف في الدين والنهي عن المنكر فيه، وقد أجمعت عليه الشرائع، وهو القطب الأعظم في الدين، والأدلة على لزوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المذكر كثيرة في الشريعة الإسلامية؛ حتى لقد عُدَّتْ -بحق- شريعة التواصي بالحق، والتناهي عن المنكر؛ فقد قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر] ، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران] . وقال جل شأنه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
أقسام الوعظ:
تتشعب الخطابة الوعظية إلى أربع شعب وهي:
أ- خطب الدعوة إلى الإسلام أو الدفاع عنه:
يجب على من يتصدى لهذا النوع من الوعظ أن يكون مرنا على الجدل، قوى الحجة، ناهض الدليل، خبيرا بشئون الجماعات ملما بالملل والنحل والعقائد القديمة والحديثة؛ ليستطيع الموازنة بين صحيح العقائد وسقيمها، وحقها وأكلمها، فإذا دعا أو جادل كان على بينة من أمره، وعند دعاية قوم إلى الإسلام يبين لهم من مبادئه ما يكون أحب لقلوبهم، والإسلام غني بالمبادئ التى تألفها الجماعات وتحبها؛ إذ هو دين الفطرة التي فطر
стр. 22
الناس عليها، ففيه مبادئ الحرية، وفيه مبادئ الشورى، وفيه مبادئ المساواة، وفيه مبادئ التعاون، وفيه مبادئ السلام، وفيه مبادئ الرحمة والعطف الإنساني، وكل جماعة ترضى ذلك وتألفه، فليقتبس الداعي إلى الإسلام قبسة من ذلك النور يتخذ منها مصباح دعوته؛ ليستضيء به في دياجير الضلال.
وإذا آنس الداعي ممن يدعوهم إلفا ورغبة في التعرف بعد ذلك، بين لهم حقائق الإسلام كما بينها النبي ﷺ ، وعرفهم أسرارها وحكمها وصلاحها، وتاريخ الذين أقاموها. وإذا اعترض معترض على الإسلام فهاجمه في إحدى شرائعه أو مبادئه، وأراد الواعظ أن يرد عليه اعتصم بالمنطق في أشكاله وأقيسته فإنها هي التي تبين ما في الكلام من باطل.
وعليه أن يوازن بين الإسلام وبين غيره من العقائد وخصوصا عقيدة الشخص الذي يدعوه أو يناقشه، وليكن ذكر الواعظ لما يعتقد غيره من غير سب، ولا لعن، حتى لا يحنق خصمه، فيندفع في الطعن في الإسلام، وتنتقل المجادلة من مناقشة عقلية إلى سب للعقائد ومعتنقيها، وليعتبر بقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، وبقوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
وفي هذه الخطب الجدلية التي تشتمل على دعوى إلى الهداية المحمدية يتحرى الخطيب أن يتكلم بلغة من يدعمهم؛ ليستطيع أن يضع أفكاره في الألفاظ التى تدل عليها دلالة محكمة من غير احتمال لغيرها؛ ولتكن عباراته واضحة القصد بينة المقصد؛ لا التباس ولا غموض ولا إبهام، ولتكن بأسلوب رائق جذاب، وألفاظ تثير الخيال وتجتذب النفس.
ب- خطب التعليم الديني للعامة:
هذا النوع من الخطب دروس دينية يلقيها الواعظ على العامة، يعرفهم فيها أصول دينهم والأحكام الشرعية العملية التي يدعو إليها،
стр. 23
والفضائل الخلقية التي يحث عليها، ويجعلها أساسا لقيام الجماعة الإسلامية الفاضلة، وهذه الدروس إما بيان العقائد، وإما بيان الأحكام والفضائل، وعليه في بيان العقائد وإثباتها أن يبتعد كل الابتعاد عن الشروح الفلسفية، وأن يبتعد عن مواضع الخلاف ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وليعول كل التعويل على الكتاب؛ فليبين لهم أوصاف الله كما ذكرها القرآن الكريم لا يتعداه، ولا يتجاوزه، وليذكر أوصاف النبيين كما وصفهم الله الأنبياء.
وإذا كان الواعظ يعلِّم الناس أحكام دينهم وفضائله، فعليه أن يعمد إلى توضيح ذلك كل التوضيح. وفي هذه الخطب التعليمية يتحرى الخطيب أن تكون عباراته واضحة الصور في أذهان الناس من غير أي تنميق أو تحسين، فمقصده الأول أن تنتقل معانيه إلى أخيلتهم، فيتصوروها كما تصورها هو، وإن اضطر في سبيل ذلك إلى أن يكون درسه كله بالعامية فليفعل؛ لأن الغرض من هذا النوع من الخطب التفهيم لا التأثير، وتوضيح الفكرة لا تزيينها وإن كان أولى أن يعود نفسه على النطق باللغة العربية.
جـ- خطب تثبيت الإيمان وتقويته:
يتجه الخطيب إلى هذا النوع من الخطب؛ ليقوِّي اليقين في قلوب المؤمنين، ويثب دعائم الإيمان في قلوب المهتدين، ويلقي في نفوسهم الحماسة لدينهم. وليجعل الخطيب قوام خطبته الأمور الآتية:
١- فضائل الإسلام:
فيبين لهم فضائله. وكيف كان طريق المجد والعلو في الدنيا والآخرة، ويبين لهم أنه عصمة للجماعات، وحفاظ لوحدتها، وأنه مربي الوجدان، وموقظ الضمائر، وأنه العاطف على المسكين وابن السبيل، والداعي إلى
стр. 24
الإخاء والحرية والمساواة، وأنه المشتمل على الشرائع التي تكون ممن يأخذون بها جماعة فاضلة، أسست على تقوى من الله ورضوان.
٢- الكتاب:
فيشرح بعض آيات الكتاب الحكيم المبينة حقيقة الإيمان الذاكرة أوصاف المؤمنين، وما يكون لهم يوم القيامة من منزلة، وما لهم في الدنيا من مكانة. فالقرآن بما حفَّ من جلال، وبما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة، وبما له من حلاوة، وما عليه من طلاوة يهز الإحساس، ويقوي الإيمان وفيه هدى للمتقين.
وفي هذه الخطب تُختار الألفاظ القوية الرنانة التى تثير في النفس المعاني القدسية الروحية، وتذهب بها في مجال المعنويات، وتحلق بها في سماء الحقيقة.
د- خطب الإصلاح ومحاربة المنكرات:
يتجه الواعظ في هذه الخطب إلى إصلاح العيوب الشائعة الضارة بالمجتمع، الهادمة لبناء الأخلاق فيه، فقوام هذه الخطب محاربة المنكرات، ومنع الفواحش من أن تشيع في الذين آمنوا، ولكي يصل الخطيب إلى هدفه لا بد أن يجعل الخطبة متصدية لعيب واحد، وليبدأ الواعظ في خطبته بأكثر المعاصي خطرا، وأشدها هدما للدين، وفي وعظ الناس بالنهي عن المنكر يبين لهم الخطيب مضار المنكر التي تنزل بمرتكبه، الحائقة به، ثم يبين لهم مضاره بالمجتمع، ويستشهد بآيات القرآن الكريم وما فيه من دلالة على قبح ذلك المنكر، والآيات الواردة في الترهيب منه، والترغيب في نقيضه، وبمثل ذلك يستعين بحديث رسول الله ﷺ وبالمأثور رغبة، ويبين هديه ﵊ وفي هذه الخطب ينوع الخطيب عباراته، فتارة يختار الألفاظ القوية
стр. 25
التي تهز الحس حسًا عنيفًا إن أراد تحذيرهم بالترهيب من سوء العاقبة، وتارة يختار الألفاظ السهلة اللينة الرقيقة إن أراد اجتذابهم إلى اليسير فيما فيه حسن المآل.
стр. 26
الخطابة في صدر الإسلام:
إن الإسلام نهضة عامة شاملة، لم يعهد لها من قبل في العالم مثيل، وكانت الخطابة عماد هذه النهضة وأداة فعالة من أدواتها، وكانت هذه النهضة دينية في روحها وأساسها، والدين فيض من النور الإلهي والرحمة الربانية، يمتد من السماء إلى الأرض، يضيء ظلماتها، ويبدد غياهب الجهالة فيها، ويؤدي رسالته الأولى في إصلاح المجتمع البشري، وتحقيق أسباب السعادة له في حياته، وليس الإسلام دين جمود، فيقف عند المطالب الأخروية، بل جاوزها إلى تحقيق المصالح الدنيوية فكان لا بد له من أن يتعرض لكل ما به صلاح أمور البشرية، في العقيدة والتشريع والمعاملات والحكم والسياسة والاجتماع والأخلاق والفكر، ولم يدع مجتمعا إلا حض عليه، وأقام من شأنه، وطلب فيه من القول ما هو ضروري له، كخطبة الجمعة والعيدين وموقف عرفات وغيرها، ولذلك كان صاحب هذه الدعوة يمثل الإمام الهادي، والفيلسوف المشرع، والحاكم العادل، والزعيم السياسي، والقائد الحربي، والمصلح الاجتماعي، والرائد الفكري، وكذلك كان خلفاؤه من بعده.
وقد جالت خطابة هذا العصر في هذه الميادين جميعا، وإن كانت وجهتها الرئيسية وجهة دينية، وكان غرضها الأساس إقامة عمود الدين، ورفع منار الإسلام، فكانت هناك خطب دينية، شملت العقائد والدعوة إلى الإسلام، والتشريع بما فيه من تبين الحدود وإقامة معالم الحلال والحرام، والوعظ والإرشاد بما فيه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وحث على مكارم الأخلاق، وتبشير وإنذار
стр. 27
الطابع العام للخطابة في صدر الإسلام:
١- ظهور الطابع الديني: من دعوة إلى الإسلام، ودفاع عنه، وبيان للعقائد، كوجود الله ووحدانيته وقدرته وخلقه الكائنات، والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وسائر الغيبيات، وسن الشرائع والأحكام المفيدة للناس، المنظمة للحياة الشخصية وللمعاملات بين الناس، المبينة للفرائض، الموضحة للحلال والحرام، ووعظ للعامة، وحث لهم على التزام حدود الشرع الحنيف، وقصص فيه عبرة وزجر.
٢- اختيار خطب ذات أهداف إنسانية عامة، وغايات كريمة سامية، من تحرير النفوس والعقول والأرواح من قيود الشرك والضلالة، وإخراجها من ظلمات الوثنية والجهالة.
٣- اتساع مجال الخطابة الاجتماعية، فقد أخذت دائرتها تتسع، وتتجه في نواحي الحياة العامة وجهات مختلفة نافعة، وتعرضت من التعاليم والآداب والشئون العامة إلى ما لا غنى عنه للناس في مجتمع يتحضر.
٤- اتساع دائرة الخطابة، والخروج بها إلى مجال التعبير عن الأغراض السامية والفكر الراقي، في الكون وقيامه، والوجود ونظامه، والمجتمع وعوامل بقائه وارتقائه، وما ينبغي أن يقوم عليه من أسباب، ويسوده من آداب، والبعد بها عن الإسفاف بالانحصار في مطالب العيش الرخيصة، فكان انقلابا كبيرا أن ترتفع الخطابة لتعبر عن الحياة الإنسانية في صراعها الأدبي والعقلي والعاطفي المحتدم حول المبادئ والمعتقدات والآراء، ولا تسف لتصور الحياة الحيوانية، في صراعها الدموي حول لقمة العيش وتنازع البقاء، وإن تسعى سعيها؛ ليقوم الحق والخير والبر والفضيلة مقام الباطل والشر والإثم والرذيلة.
стр. 28
خطابة الرسول ﷺ :
إن محمدا ﷺ قبل كل شيء جاء؛ ليبلغ رسالات ربه، فمهمته الأولى هي الرسالة والتبليغ، وما هذه المهام الكثيرة التي تولاها إلا فروع لتلك المهمة الكبرى، ومعينة عليها، نبتت على حواشيها، ونشأت في خدمتها، والرسالة والتبليغ لا يتم إلا ببلاغة وبيان؛ لأن البلاغ والتبليغ إيصال الكلام للسامعين على أحسن صورة، وبما به يكون الإفهام وإلإقناع، فلكل كلام وزن، وكل قول بمقدار، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١، وقال سبحانه عن نبيه داود: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ٢، ولهذا قال موسى لربه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ٣، فإذا كانت الفصاحة والبلاغة مطلوبة في دعوة موسى وغيره من الأنبياء، فرسالة محمد ﷺ أولى وأوجب، ودعوته أعم وأرحب، وقومه فرسان البيان، وأئمة القول.
لهذا كان من أبرز صفات الرسول ﷺ وأجلى آيات عظمته البلاغة البليغة، وأنه في الذروة العليا من البيان وفصاحة اللسان، وأن التبليغ البليغ كان السمة المشتركة بين أفانين قوله كله، وما كان لنا أن نقول في هذا المقام بعد أن قال تعالى عنه ما قال، وقال هو عن نفسه: "أعطيت جوامع الكلم" نشأ الرسول ﷺ نشأة قرشية بدوية خالصة، واسترضع من بني سعد بن بكر، فاجتمعت له فصاحة اللسان واللغة، واللهجة الجميلة الوقع، يستريح لها
стр. 29
السمع، والمنطق العذب المفصل، تجد النفوس حلاوته. كما اجتمعت له القدرة على تأليف القلوب، وتحصيل الثقة، إلى قوة الإيمان بدعوته، وغيرته البالغة عليها، وحرصه الشديد على نجاحها، فاجتمع له بذلك كل أسباب البلاغ للرسول، والنجاح للخطيب، وثقة القوم بصدق الداعي أو الخطيب أساس إجابته، وشرط لنجاح دعوته، وقد كان رسول الله ﷺ في قومه مثلا للأمانة والصدق، حتى لقبوه فيما بينهم "الصادق الأمين".
هذه هي الخطوط الأساسية العريضة البارزة التي تشير إلى شخصية الرسول ﷺ وتومئ إلى نزعاته، وقد بقي أن تصل بينها وبين خطابته، وتنظر آثارها فيها.
стр. 30
من خطب الرسول ﷺ :
١- خطبته في عشيرته:
عندما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١ أتى رسول الله ﷺ الصفا، فصعد عليه، ثم نادى الناس، فاجتمعوا عليه، فقال: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا نعم؛ ما جربنا عليك كذبا، قال: إني نذير لكم بيد يدي عذاب شديد".٢
فما سمعنا بمثل هذا الإيجاز، ولا بمثل هذا الإعجاز، لقد جعل من خطبته قضية منطقية، ألزمهم بها الحجة، وانقطع بها ما كان يمكن أن يقوم من جدل.
فهذا قول المبلِّغ، الذي يحرص على ألا يقيم بينه وبين غايته حواجز من التكلف والصنعة، والغموض، وسبيل الرسول الذي يريد أن يصل إلى قلوب سامعيه، من أقرب سبيل، ويبلغ رسالته كأحسن ما يكون التبليغ.
هذا قول رجل يتذرع بما عرف قومه من صدقه وأمانته للتأثير فيهم، وترغيبهم في دعوته، وحملهم على موافقته.
стр. 31
٢- أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه:
حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"إن الرائد١ لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا"٢.
تعليق:
إن الدين الإسلامي قد احتضن المثل والفضائل كلها وعانق حياة الناس من جميع أطرافها بحيث أصبح الدين والخلق توأمين لا ينفصلان، وإذا كان الدين والخلق على هذا النحو توأمين، فإن التقوى هي العروة الوثقى التي تربط بينهما، وهي الروح التي فيها يشتركان وإذا كان هذا هو جوهر الدين الجديد فإن من الطبيعي أن يؤكد الرسول ﵊ على هذه المعاني التي تجمع بين الدين والأخلاق. وأن يقرن هذا بأوائل خطبته التي أكد فيها صدق رسالته ووثوق مصدرها ووجود الله ، وحقائق الموت والبعث والثواب والعقاب، ولذلك جاءت هذه الخطبة معبرة عن هذه المعاني، وعن معني الإيمان به رسولا وبرسالته من الله، فكان ذلك نقطة البدء ومنطلقا لكل القيم والمثل في دعوته الجديدة، ولذلك تتفق معاني هذه الخطبة مع معاني السور المكية.
وقد استخدم الرسول ﷺ ألفاظا جزلة، وعبارات قوية، رائعة التقسيم، تسمع فيها صوت البشير النذير، يؤكد قوله بألوان من التأكيد، وصور أخاذة، متنوعة، متتابعة، وتآلف بين اللفظ والمعنى، في إيجاز هو الإعجاز، مع الوضوح والسلاسة، والعذوبة والطبيعة في اتخاذ الحلية اللفظية، فأنت تتأثر
стр. 32
بها، ولا تكاد تلحظها؛ لأنها الحلية التي تليق بالإنسان العظيم، فالجمل متساوية، والمقابلة فيها متعددة، ولكنها غير مصنوعة ولا متعمدة، وفيها السجع والازدواج اقتضاهما المقام، فازدان بهما الكلام، ثم هو يتكئ في استمالتهم إلى أسباب من المودة والثقة، قامت من قبل بينه وبينهم، وألوان من التحبب العاطفي أثرت عنه، يفتح بها مغاليق قلوبهم.
فهذه الصفات الكلامية ليست إلا للملامح البارزة في شخصية الرسول، القادر على تبليغ رسالته، قوية واضحة مؤثرة طبيعية، في إطار من الرفق بقومه، والمودة لهم، والثقة التى وجبت بينهم، وقد قدم لهذه الخطبة الوجيزة بكلمات كأحسن ما تكون المقدمات، صلة بالموضوع، وضمانا لقبوله، وإن شئت فقل: إنه وضع أساس الاقتناع بدعوته تلك الكلمات القلائل.
ولن تجد قولا كهذا يدل على قائله، وينتسب إلى صاحبه، ولو أنك عرضته على عالم باللسان العربي، وبشيء من تاريخ الرسول ﷺ فسألته: من تظن قائل هذا؟ لأجابك دون تردد: هذا دون ريب قول خاتم المرسلين.
وعلى يدي هذه المواهب النبوية، وباهر الآيات الكتابية تخرج البلغاء، وعنهما أخذت القوانين والأصول البيانية والبلاغية، وفي مثل هذه الخطبة القصيرة تتمثل بعض الأسس الخطابية الهامة التي ينادي بها المحدثون، ويذكرون غناءها في عالم الخطابة، وأثرها في نجاحها، "ويدخل في نطاق العلاقة بين الخطيب ومستمعيه مدى حكمته في كيف يتسلل إلى العواطف والدوافع التي لها أكبر الأثر فيهم؛ فيصل بذلك إلى نطاق أفكارهم، وأن يقدر مستوياتهم وذكاءهم، وأن يضرب على الوتر الحساس، الذي يمس ما يتعاطفون به، ويستجيبون له".
стр. 33
٣- خطبته في أول جمعة جمعها بالمدينة:
"الحمد الله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد١، ومن يعصمها فقد غوى وفرط، وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله؛ فإنه خير ما أوصى به المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرا، وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده لا خلف لذلك؛ فإنه يقول : ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية؛ فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله يُوقي مَقْتَه، ويوفي عقوبته، ويوقي سخطه، وإن تقوى الله يبيض الوجوه، ويرضى الرب، ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة،
стр. 34
ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، وأعملوا لما بعد اليوم؛ فإن من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، والله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم"١.
والخطبة موعظة رائعة، يستهلها الرسول الكريم بتقرير وحدانية الله وأنه أتم نعمته على الناس بإرساله كي يخرجهم مما هم فيه من غواية وضلالة ويدخلوا في رعايته الإلهية، فلا يعملوا عملا بدونه. ليتركوا إذن الوراثة الضالة والوسط المشفى على الهلاك، ويجتمعوا على هدى الله وتقواه، وليستشعروه في السر والعلانية؛ فإنه يعلم خائنة الأعين وما يستكن في الصدور، وليقدموا من خشيته وطاعته ما يكفرون به عن سيئاتهم وتبيض به وجوههم يوم الحساب حتى يدخلوا في جناته. إنه يوم ما بعده مستعتب، فإما الجنة وشفيعها العمل الصالح، وإما النار وبئس القرار. ويدفعهم دفعا إلى الجهاد في سبيل الله ونشر دعوة الحق والخير، فقد اجتباهم واختارهم؛ ليضطلعوا بأمانة الرسالة المحمدية، ولينشروها في أطراف الأرص، والرسول في كل ذلك يستوحي القرآن وآياته، وهي تقف منارات في موعظته، يستمد من إشعاعاتها ما يضيء به كلامه، بل إن وراء هذه المنارات منارات أخرى من هدي القرآن، بحيث نستطيع أن نرد كل موعظته إلى ينابيع الضوء التي تفجرت منها؛ إذ كانت تسيل في نفسه، بل كانت تشع بمعانى نورها، كما يشع نور الشمس في السماء.
стр. 35
٤- خطبة له ﵊:
"أيها الناس إن لكم معالم١ فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن العبد بين مخافتين، أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل فيه، وأجل باقٍ لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، فوالذي نفس محمد بيده: ما بعد الموت من مستعتب٢، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
"تهذيب الكامل ١: ٥، إعجاز القرآن ١١٠، البيان والتبين ١: ١٦٥، عيون الأخبار م٢، ص٢١٣، وغرر الخصائص الواضحة ١٥٠".
يبين الرسول ﷺ معالم الدين وحدوده، وهي أيضا معالم الأخلاق وحدود الآداب، وعلى ضوئها تمضي معاملات العبد المؤمن، والله يقضي في كل ذلك ويحكم، والجنة والنار مرة أخرى هما النهاية التي ينتهي بها هذا الطريق بما فيه من معالم.
стр. 36
٥- خطبة له ﵊:
"إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أصدق الحديث وأبلغه أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسو عليه قلوبكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، اتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله". "إعجاز القرآن ص١٠٠".
يؤكد الرسول ﷺ في خطبته صلة المؤمن بالقرآن الكريم وحفظه والمحافظة عليه، والعمل به، والاهتداء بخلقه، وبذلك تقترن هذه المعاني الخلقية جميعها بكتاب الله، ويتحلى بها من زينه الله في قلبه، وردده في حديثه، وأكثر من ذكره، وشغل به نفسه بعيدًا عن ترهات الناس وثرثرة ألسنتهم، فكتاب الله إذن ينبوع القيم ودستور الفضائل، تنبعث منه التقوى في القلوب، تعلق بمحبة الله، وترتبط بكل المحبين لله، وتكون النتيجة المنطقية لهذا محبة الإنسان لأخيه الإنسان، فتصلح بذلك حياة المجتمع.
стр. 37
٦- خطبته في حجة الوداع:
"الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح١ بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم حرام عليكم، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدا به ربا عمى العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن
стр. 38
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب١، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود٢، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد، فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه٣ قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، أيها الناس: إنما النسيء٤ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما، ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله
стр. 39
السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب١ الذي يبن جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!.
أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أُذِنَ لكم أنت تعضلوهن٢ وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوانٍ٣ لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد!.
أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! فلا ترجعنَّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض؛ فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!.
أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! قالوا نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب.
стр. 40
أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة الله.
"البيان والتبيين ٢: ١٥، العقد الفريد ٢: ١٣، إعجاز القرآن ١١١، شرح ابن أبي الحديد ١: ٤١، تاريخ الطبري ٣: ١٦٨، الكامل لابن الأثير ٢: ١٤٦، سيرة ابن هشام ٢: ٣٩٠".
وواضح أن الرسول ﷺ يلم بالحمد لله والشهادة؛ لينتقل إلى شرح الآية الكريمة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، ويصوغها بأسلوبه؛ ذلك أن الحسب والنسب الجاهليين ومظهر القوة الذى ارتدت إليه القيم الجاهلية لم يعد أساس الرفعة أو الوضاعة، وإنما يرجع الأمر كله إلى تقوى الله، باعتباره دعامة الفضيلة وميزان التفاضل بين الناس. وفي كل ذلك تكمن الثورة الروحية الكبرى التي جاء بها الإسلام، فانتظمت علاقة الإنسان بالله في صورة التقوى، وبصورة التقوى نفسها تنتظم أيضا علاقة الإنسان بأخيه الإنسان على نحو فريد. وعلى ضوء هذا تتعدد صور التقوى ممثلة في مختلف الأعمال الصالحة.
ثم انتقل الرسول ﷺ ليبين طائفة من التشريعات الإسلامية التي أقامها الدين الحنيف حدودا بين حياة العرب في الجاهلية وحياتهم في الإسلام، فقد كانوا مفككين متنافرين يتحاربون دائما؛ طلبا للأخذ بالثأر ونهبا للأموال.
وجمعهم الإسلام تحت لوائه في جماعة كبرى متآخية متناصرة لا يبغي بعضهما على بعضه، ولكي يقضي على كل سبب للحرب بينهم رد دم القتيل إلى الدولة فهي التي تعاقب عليه، ولكي يستأصل هذا الداء دعا إلى التنازل