٥- خطبة له ﵊:
"إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أصدق الحديث وأبلغه أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسو عليه قلوبكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، اتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله". "إعجاز القرآن ص١٠٠".
يؤكد الرسول ﷺ في خطبته صلة المؤمن بالقرآن الكريم وحفظه والمحافظة عليه، والعمل به، والاهتداء بخلقه، وبذلك تقترن هذه المعاني الخلقية جميعها بكتاب الله، ويتحلى بها من زينه الله في قلبه، وردده في حديثه، وأكثر من ذكره، وشغل به نفسه بعيدًا عن ترهات الناس وثرثرة ألسنتهم، فكتاب الله إذن ينبوع القيم ودستور الفضائل، تنبعث منه التقوى في القلوب، تعلق بمحبة الله، وترتبط بكل المحبين لله، وتكون النتيجة المنطقية لهذا محبة الإنسان لأخيه الإنسان، فتصلح بذلك حياة المجتمع.
стр. 37
٦- خطبته في حجة الوداع:
"الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح١ بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم حرام عليكم، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدا به ربا عمى العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن
стр. 38
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب١، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود٢، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد، فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه٣ قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، أيها الناس: إنما النسيء٤ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما، ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله
стр. 39
السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب١ الذي يبن جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!.
أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أُذِنَ لكم أنت تعضلوهن٢ وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوانٍ٣ لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد!.
أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! فلا ترجعنَّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض؛ فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!.
أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! قالوا نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب.
стр. 40
أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة الله.
"البيان والتبيين ٢: ١٥، العقد الفريد ٢: ١٣، إعجاز القرآن ١١١، شرح ابن أبي الحديد ١: ٤١، تاريخ الطبري ٣: ١٦٨، الكامل لابن الأثير ٢: ١٤٦، سيرة ابن هشام ٢: ٣٩٠".
وواضح أن الرسول ﷺ يلم بالحمد لله والشهادة؛ لينتقل إلى شرح الآية الكريمة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، ويصوغها بأسلوبه؛ ذلك أن الحسب والنسب الجاهليين ومظهر القوة الذى ارتدت إليه القيم الجاهلية لم يعد أساس الرفعة أو الوضاعة، وإنما يرجع الأمر كله إلى تقوى الله، باعتباره دعامة الفضيلة وميزان التفاضل بين الناس. وفي كل ذلك تكمن الثورة الروحية الكبرى التي جاء بها الإسلام، فانتظمت علاقة الإنسان بالله في صورة التقوى، وبصورة التقوى نفسها تنتظم أيضا علاقة الإنسان بأخيه الإنسان على نحو فريد. وعلى ضوء هذا تتعدد صور التقوى ممثلة في مختلف الأعمال الصالحة.
ثم انتقل الرسول ﷺ ليبين طائفة من التشريعات الإسلامية التي أقامها الدين الحنيف حدودا بين حياة العرب في الجاهلية وحياتهم في الإسلام، فقد كانوا مفككين متنافرين يتحاربون دائما؛ طلبا للأخذ بالثأر ونهبا للأموال.
وجمعهم الإسلام تحت لوائه في جماعة كبرى متآخية متناصرة لا يبغي بعضهما على بعضه، ولكي يقضي على كل سبب للحرب بينهم رد دم القتيل إلى الدولة فهي التي تعاقب عليه، ولكي يستأصل هذا الداء دعا إلى التنازل
стр. 41
عن حق الأخذ بالثأر القديم، وحزم النهب والسلب تحريما قاطعا مشدد فيه العقوبة.
والرسول ﷺ يبين في الخطبة أوامر الإسلام ونواهيه بإعلان أن دماء المسلمين وأموالهم حرام، وأن كل من كانت عنده أمانة أن يردها على صاحبها، وأن على كل مسلم أن يرعى أخاه في ماله، فلا يأخذ منه شيئا إلا بالحق، ومن ثَمَّ حرم الربا، وبدأ بعشيرته وتاجرها الموسر العباس عبد المطلب فأسقط عن رقاب المدينين له رباه. وعلى نحو ما أسقط الربا أسقط دماء الجاهلية، فليس لمسلم أن يثأر لقتيل له، وبدأ بعشيرته فأسقط دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ولم يُبقِ من مآثر الجاهلية شيئا سوى خدمة الكعبة وسقاية الحجيج، وأوجب في قتل العمد القود، ولكن الدولة هي التي تقوم به، وبذلك قضى الإسلام على حروبهم الداخلية، وقد جعل في القتل شبه العمد مائة بعير؛ كل ذلك ليحفظ للجماعة وحدتها ويسود بين أفرادها السلام والوئام.
ويحذر الرسول ﷺ من الشيطان وغواياته، محرما للتلاعب بالأشهر الحرم، واضعا تقويما قمريا يتآلف من أثني عشر شهرا، منها أربعة حرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ويرفع من شأن المرأة ومعني علاقاتها بزوجها، فيجعل لها حقوقا وعليها واجبات، وفي الطرفين جميعا يحفظ لها كرامتها كما يحفظ لزوجها نفس الكرامة، داعيا إلى التعاطف بينهما والتراحم والتعامل برفق وإحسان.
ويعود إلى العلاقة بين الفرد وجماعته الكبرى من الأمة، فيقرر أن المؤمنين إخوة، لكل منهم على صاحبه ما للأخ على أخيه من التآزر والتعاون والتحاب، فلا بطش ولا ظلم ولا نهب، ولا حرب ولا سفك للدماء. وإنه لعهد
стр. 42
من نقضه عاد كافرًا آثما قلبه. لقد انتهى عهد الحياة القبلية وكل ما اتصل بها من تنابذ وتفاخر، فالناس جميعا لآدم، ولا عربي عدناني ولا عربي قحطاني، بل لا عربي ولا أعجمي، فقد وضعت موازين جديدة لحياة العرب، فلم يعد التفاضل بالنسب والحسب، إنما أصبح بالتقوى فهي معيار التفاضل، ويلفت الرسول سامعيه إلى ما قرره القرآن الميراث وأنصبته، وأن للمورث أن يوصي بالثلث من ماله، ويرسي قاعدة مهمة في شرعية الأبناء، وخاصة هؤلاء الذين تلدهم العواهر، فينسبهم إلى أصحاب الفراش، وكانوا ينسبونهم إلى غير آبائهم، وقد لا ينسبوهم أبدا، فحرم ذلك تحريما باتًّا، وبذلك قضى عليه نبالة النسب من جهة الخئولة قضاء مبرما.
وعلى هذا النحو كان الرسول صلوات الله عليه يبين في خَطابته حدود الحياة الإسلامية وما ينبغي أن يأخذ به المسلم نفسه في علاقاته الكبرى مع أفراد أمته وعلاقاته الصغرى مع أسرته. فإن ترك ذلك فإلي وعظ المسلمين وما ينبغي أن يأخذوا أنفسهم به، في سلوكهم حتى تزكو نفوسهم، وفي عبادتهم لربهم وتقواه حق التقوى حتى لا يزيغوا ولا ينحرفوا عن المحجة، بل يتدرجون في مراقي الكمال الإنساني.
وهذه الخطبة وسابقتها تصوران في دقة حسن منطق الرسول في خطابته، وأنه لم يكن يستعين فيها بسجع ولا بلفظ غريب، فقد كان يكره اللونين جميعا من الكلام لما يدلان عليه من التكلف، وقد برأه الله منه؛ إذ يقول في كتابه العزيز: قل يا محمد: "ما أنا من المتكلفين". والذي لا شك فيه أنه كان يبلغ بعفوه وقوى فطرته ما تنقطع دونه رقاب البلغاء، وقد وصف الجاحظ بلاغته في خطابته أدق وصف، فقال إنه: جانب أصحاب التقعيب١،
стр. 43
واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، لم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالترفيق، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقسم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة ... ولم يسمع الناس بكلام قد أعم نفعا ولا أقصد لفظا ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى، من كلامه ﷺ ونضيف إلى الجاحظ أنه ﵇ هو الذي فتق معاني هذه الخطابة الدينية التي لم يعرفها العرب قبله، فهو الذي رسمها، وفجر ينابيعها بحيث أصبحت مادة للخطباء من بعده، وكأنما احتشد الكلم بأزمته إليه؛ ليختار منه أفصحه وأسلسه وأبينه في الدلالة، يسعفه في ذلك ذوق مرهف وحسن دقيق نتبينهما فيما روي عنه من قوله: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي" كراهية أن يضيف المسلم الطاهر إلى نفسه الخبث، مما يدل على أنه لم يكن ينطق إلا باللفظ المختار البريء من كل ما يستكره، اللفظ الذي يحبب إلى النفوس؛ لحلاوته وعذوبته وصفائه ونقائه.
стр. 44
٧- خطبته يوم فتح مكة:
وقف على باب الكعبة ثم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصره عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة١ أو دم أو مال يدعى، فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت٢، وساقية الحاج، ألا وقتل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا، فيهما الدية مغلظة، منها أربعون خلف٣ في بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها٤ بالآباء، الناس من آدم، وآدم خلق من تراب، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ... الآية [الحجرات] "يا معشر قريش "أو يأهل مكة" ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا. خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
"تاريخ الطبري ٣: ١٢، وإعجاز القرآن ص ١١٢، والكامل لابن الأثير ٢: ١٢١ وسيرة ابن هشام ٢: ٢٧٣".
في هذه الخطبة يؤكد الرسول ﷺ إسقاط الإسلام لقيم الجاهلية التي تتنافى مع المبدأ الأساسي فيه، وهو مبدأ الأخوة، فقد حرم الله التفاخر بالمآثر والتعظم بالآباء والأخذ بالثأر، وأحل محل ذلك كله أخوة طيبة ومساواة كاملة بين الناس، فالناس جميعا من آدم متساوون في الخلق مرتبطون بالأخوة، ولم يكن يخفى على كفار قريش خلق محمد الأمين وروح الأخوة النقية التي تحلى بها، وبالرغم من كل ما فعلوه من قبل لم يتوقعوا منه نعمة أو عقابا وقد مكنه الله منهم، وإن كانوا هم الذي رفضوا أخوته، ولم يستجيبوا لهذه الروح، فأذوه، وأخرجوه من داره، وأهدروا دمه، ولكن شيئا من هذه النقمة لم يقع، فقد ضرب الرسول الكريم مثلا رائعا عبرت عنه أروع كلمات العفو عند المقدرة في قوله: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، ولم يكن هذا ليكون إلا من أخ كريم وابن أخ كريم كرَّس حياته من أجل سنة ينطبق منها الفعل على القول، وما كان له ليحيد عن ذلك في كل موقف من مواقفه وتحت كل الظروف.
стр. 45
٨- خطبة له يوم أحد:
قام ﵊ فخطب الناس فقال:
"أيها الناس أوصيكم بما أوصاني الله في كتابه، من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم اليوم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه، ثم وطَّن نفسه على الصبر واليقين، والجد والنشاط؛ فإن جهاد العدو شديد كربه، قليل من يصبر عليه إلا من عزم له على رشده، إن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه، فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتسموا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به؛ فإني حريص على رشدكم. إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف، وهو ما لا يحبه الله، ولا يعطي عليه النصر.
أيها الناس، إنه قذف في قلبى أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر له ذنبه، ومن صلى على محمد وملائكته عشرا، ومن أحسن وقع أجره على الله في عاجل دنياه، أو في آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا١، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه، والله غني حميد.
стр. 46
ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه، وإنه قد نفث الروح الأمين في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربكم؛ فإنه لا يُقدَر على ما عنده إلا بطاعته، قد بين لكم الحلال والحرام، غير أن بينها شبهًا من الأمر لم يعملها كثير من الناس إلا من عصم، فمن تركها حفظ عرضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه، وليس ملك إلا وله حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعي إليه سائر جسده، والسلام عليكم". "شرح بن الحديد ٣٢: ٣٦٥".
стр. 47
٩- خطبته بالخيف:
وخطب بالخيف من منى فقال:
"نضر١ الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل٢ عليهن قلب المؤمن: إخلاص العلم لله، والنصيحة لأولى الأمر، ولزوم الجماعة، إن دعوتهم تكون من ورائه، ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له".
"إعجاز القرآن ص١١٢".
стр. 48
١٠- خطبة له ﵊:
من خطبه أيضا أنه خطب بعد العصر فقال:
"ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، ألا لا يمنعن رجلا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه. ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى".
"إعجاز القرآن ص١١٣".
стр. 49
١١- خطبة له ﵊:
ألا١ أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتؤجروا وتنصروا. واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة، في مقامي هذا، في عامي هذا، في شهري هذا، إلى يوم القيامة، حياتي ومن بعد موتي، فمن تركها وله إمام فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا بر له، ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرًا، ألا ولا يوم فاجر مؤمنا، إلا أنه يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطة".
"إعجاز القرآن ص١١٠"
стр. 50
١٢- خطبة له ﵊:
"أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب، وكأن الذي نشيع من الأموات سفر، عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثم، ونأكل من تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، ونسينا كل واعظة، وأمنا كل جائحة١، طوبى٢ لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، طوبى لمن أنفق مالا اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالط أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن زكت وحسنت خليقته، وطابت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة".
"صبح الأعشى ١: ٢١٣".
стр. 51
١٣- خطبته في الاستسقاء:
روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ وآله- في عام جدب، فقال: أتيناك يا رسول الله، ولم يبق لنا صبيٌّ يرتضع، ولا شارف١ تجتر، ثم أنشده:
أتيناك والعذراء يدمي لبانها٢ ... وقد شغلت أم الرضيع عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع حتى ما يمرُّ ولا يحلي٣
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العاميّ والعلهز الفسلِ٤
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرُّسْلِ؟
стр. 52
فقام النبي ﷺ يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا ١، سحا سجالا ٢، غدقا ٣، طبقا ٤، ديما دررا ٥، تحيي به الأرض، وتنبت به الزرع، وتدر به الضرع، واجعله سقيا نافعة، عاجلا غير رائب" ٦.
فو الله ما رد الرسول الله ﷺ وآله يديه إلى نحره, حتى ألقت السماء أرواقها٧، وجاء الناس يضجون: الغرق الغرق يا رسول الله، فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانجاب٨ السحاب عن المدينة، حتى استصدار حولها كالإكليل، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه٩.
"شرح ابن أبي الحديد م٣ ص ٣١٦".
стр. 53
١٤- خطبته في مرض موته:
عن الفضل بن عباس قال: جاءني جاءني رسول الله ﷺ ، فخرجت إليه فوجدته موعوكا قد صبّ رأسه، فقال: خذ بيدي يا فضل، فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال: ناد في الناس، فاجتمعوا إليه، فقال:
"أما بعد: أيها الناس فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خفوق١ من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهري فليستقدَّ٢ منه، ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضي فليستقدَّ منه.
стр. 54
تعليق على خطب النبي ﷺ :
١- كان ﷺ يقول في حمده لله والثناء عليه:
"إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
٣- كان ﷺ يقتبس من القرآن الكريم في خطبة فيقول:
﴿وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ١.
ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
٤- وكان ﷺ يعظ في خطبه ويحذر بالقرآن وخصوصا سورة "ق" لما حوته من ذكر البعث والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة.
٥- وكان ﷺ يخطب في الجمعة، قائما، ثم يقعد قعدة لا يتكلم ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى.
٦- وكانت خطبته ﷺ مقتصدة قصيرة.
٧- وكان ﷺ إذا دعا في خطبته لم يرفع يديه.
٨- وكان ﷺ إذا دعا في خطبته لا يخص نفسه بالدعاء.
стр. 55
٩- وكان المؤذن لا يؤذن إلا بعد جلوس النبي ﷺ على المنبر.
١٠- وكان ﷺ إذا سمع النداء وهو جالس على المنبر يردد ما يقوله المؤذن.
١١- وكان ﷺ إذا انتهى المؤذن من النداء استقبل الناس بوجهه ليخطبهم، واستقبله الناس ليسمعوه.
стр. 56
من خطب أبي بكر رضى الله عنه
مدخل
...
من خطب أبي بكر رضى الله عنه:
كان أبو بكر ﵁ أول من أسلم من الرجال، وكان أحب رفيق إلى الرسول ﷺ وقد نوه القرآن بذكره١ حيث قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ٢، وقال في مصاحبته رسول الله ﷺ في الغار: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ٣، وكان النبي ﷺ استشاره، وعمر ﵄ في أسرى قريش، فأشار أبو بكر بالمنِّ عليهم، وإطلاقهم، وأشار عمر بعرضهم على السيف واستصفاء أموالهم، فقال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي٤ أيدني بكما، أما أحدكما فسهل رحيم رفيق مثله كمثل إبراهيم ﵇ إذ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥، وكمثل عيسى ﵇ إذ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٦، وأما الآخر فصلب في دين الله، قوي شديد مثله كمثل نوح ﵇ إذا قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ
стр. 57
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ١، وموسى ﵇ إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ٢.
وأبو بكر -رضى الله عنه- خير من يمثل المسلم بأخلاقه وفضائله وحميته للدين وتأثره بهدي القرآن الكريم وبالرسول ﷺ تأثرا استحوذ على كل نفسه، فإذا لسانه يتدفق تدفق السيل، بما استشعر من معاني الإسلام وقيمه الروحية، وقد أثرت عنه خطب كثيرة، تدل دلالة واضحة على شدة شكيمته في الدين ويقظته وصدق حسه، وأنه حقا كان أجدر أصحاب رسول الله ﷺ بخلافته.
стр. 58
١- خطبته بعد وفاة الرسول ﷺ :
لما قبض الله نبيه صلوات الله عليه لم يجسر أحد من المسلمين على نعيه واضطرب الناس وماجوا، وقالوا وقال معهم عمر بن الخطاب ﵁: إن رسول الله لم يمت. أقبل الصديق فكشف عن وجه النبي ﷺ فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وطبت ميتا. وخرج من عنده فبدر الصحابة بخطبته المشهورة بعد أن حمد الله، وأثنى عليه:
"أيها الناس إن من كان يعبد محمدًا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت، والله قد نعاه الله إلى نفسه في أيام حياته فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ١، ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٢ و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٣، ثم قال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٤ إلا أن محمدا قد مضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فدبروا، وانظروا، وهاتوا آراءكم"، فبكي الناس، ونادوه من كل جانب، نصبح وننظر من ذلك إن شاء الله٥.
стр. 59
٢- خطبته في سقيفة بني ساعدة:
انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى.. وهنا تميد الأرض تحت أقدام القوم في المدينة من هول الصدمة.. ويقف المهاجرون والأنصار أمام امتحان الأخوة في مدرسة الأخلاق، ويلتف الأنصار حول سعد بن عبادة في السقيفة، فيتحدث سعد إليهم مبينا سابقتهم في الدين، وتحليهم بالفضيلة والكرامة والإعزاز للرسول ﷺ والمنع لأصحابه، ثم لقد رضي عنهم الرسول الكريم ونصر الله بهم دينه، فليستبدوا إذن بهذا الأمر دون الناس؛ لأنه لهم١، وقد أوصى الرسول المهاجرين بهم خيرًا قبل وفاته٢.
ولكن أبا بكر يتدارك الأمر، فيقف خطيبا من القوم، يردهم إلى معنى الأخوة الذي ضربوه من قبل للناس مثلا، ويؤكد لهم عزيز مكانتهم في الإسلام، ولكنه يذكرهم بمكانة المهاجرين، فهم أسبق إلى الإسلام منهم، يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
стр. 60
" ... نحن المهاجرون، أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس أحسابا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب وأمهم رحما برسول الله ﷺ أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفئ، وأنصارنا على العدو، أويتم ونصرتم وآسيتم، فجزلكم الله خيرا. نحن الأمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم محقوقون ألا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم"١.
فأبو بكر هنا يشير إلى هذه المعاني التي تعددت في حياة القوم؛ لتبرز معنى الأخوة، فالمناصرة والإيواء والمواساة. كل ذلك يجزيهم الله عنه خيرا؛ لأن الله أمر به، وهم أطاعوا واستجابوا لأخلاق الدين ... ولكن الأخوة ينبغي أن تبقى وأن تستمر، بقاء الإيمان بالدين واستمراره، والتآلف بين القلوب نعمة من نعم الله ينبغي المحافظة عليها. والإخوان بعد هذا ينبغي أن يذكروا فضل المهاجرون وسبقهم في الدين، ومكانة قريش في العرب.
وبذلك اتفقت الكلمة ونزلت الرحمة، وتمت له البيعة.
стр. 61
٣- خطبته بعد بيعة السقيفة:
قال الصِّدِّيق ﵁ بعد حمد الله والثناء عليه:
أما بعد- أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعيوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه١ -إن شاء الله- والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه -إن شاء الله- لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله؛ فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطعيوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".
هذه الخطبة تشتمل على دستور الخليفة يرسم بها سياسة، فبدأ بمقدمة تتناول الحمد لله والثناء عليه بما يستحق من صفات التعظيم، ثم انتقل إلى الموضوع قائلا في تواضع: لقد اختارني المسلمون خليفة؛ لأتولي شئونكم وليس هذا لأني أفضل منكم بل أنا شخص عادي مثلكم وهذا يدل على براعته في استمالة النفوس وتهيئة القلوب علما بأن اختياره مبني على صفات ومقومات لم تكتمل في غيره، ثم أعلن دستور الخلافة قائلا: فإن أحسنت في رعاية أموركم فساعدوني بالعمل والتأييد وإن بعدت عن الصواب فوجهوني إلى الحق وأصلحوا ما أعوج من عملي، ولا مجاملة في تطبيق الشريعة فالكل سواء أمام العدالة، لا يضار الضعيف بل هو قوي حتى يأخذ حقه، ولا يخشى القوي، بل هو ضعيف حتى يؤخذ الحق منه، وكل ذلك بإرادة الله تعالى. ثم دعا إلى الجهاد في سبيل الله، وترك الفاحشة. وختم خطبته بالتركيز على مبدأ الطاعة للخليفة، طالما كان مطيعا لله ورسوله فإذا عصاهما فلا طاعة له على أحد.
стр. 62
خطب عمر بن الخطاب ﵁
خطبته بعد توليه الخلافة
...
خطب عمر بن الخطاب ﵁:
لقد كان عمر بن الخطاب نفاذ بصيرة وصدق عزم وبلاغة لسان، كما كان صفي رسول الله. وقد أعز الله به الإسلام في مكة حين أعلن ولاءه لرسوله، وما زال منقطعا إليه والرسول ﷺ يقربه منه ويتخذه موضع مشورته، حتى توفي وخلفه أبو بكر، فكان له نعم المعين، ولما أسندت إليه مقاليد الخلافة نهض بها في رجاحة عقل وقوة نفس، فقد كان الفاروق مهيب الجانب يرهبه المسلمون، ولم تكن رهبة العنف والظلم والقسوة، وإنما هي رهبة من الانحراف عن الصواب، فهي ليست رهبة مصحوبة بالرعب من الحاكم، وإنما هي الرهبة التي تخلق الأمن وتنشر الطمأنينة. فما كان عمر ﵁ ليرضى أن يخرج من الرعية عن الطريق القويم وهذا ما نلاحظه في خطبه.
١- خطبته بعد توليه الخلافة:
إن الله قد ولاني أمركم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم، وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده، كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمرني به. وإني أمرؤ مسلم وعبد ضعيف، إلا ما أعان الله ، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله، إنما العظمة لله ، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري، فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق، فليؤذنِّي، فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراقكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلى، فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب
стр. 63
إليَّ صلاحُكم، عزيز عليَّ عَنَتُكم، وأنتم أناسٌ عامتكم حضر في بلاد الله، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع، إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما يحضرني بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله١.
كانت قوة عمر ممنوحة من الله، لذلك لم تكن لتغير القوة من خلقه شيئًا، فهو امرؤ مسلم وعبد ضعيف، إن بدرت منه قوة فهي من تأييد الله، وأما العظمة فهي لله وحده، ثم إن الحق قد بين الله حدوده، وأما عمر فسيأخذ الناس بهذه الحدود، وما على الناس إلا أن يلتزموا بها، ومن هنا نرى حرص عمر على صلاح رعيته أشد الحرص، وتمسكه بالعدل أشد التمسك، ونراه صارمًا ليس بينه وبين أحد هوادة، يعالج أمور رعاياه كلها بنفسه لا يَكِلُ شيئا منها إن بعد عنه إلا إلى من عرف فيه الأمانة والنصح، وتتضح هنا معني الحق التي بلورتها سيرة عمر وأخلاقه على نحو فريد، فعمر رجل من الناس قريب منهم يستمع إلى حاجاتهم، ويعينهم على أمورهم، ليس بينهم وبينه حجاب، لم يغير الحكم من خلقه شيئا، يعطي الحق من نفسه قبل أن يأمر الناس أن يعطوا الحق من أنفسهم.
стр. 64
٢- خطبته في منهجه:
أيها الناس، لوددت أن أنجو كفاف لا لي ولا علي، وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيرا أو كثيرا أن أعمل بالحق فيكم إن شاء الله، وألا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله، ولا يعمل إليه نفسه، ولم ينصب إليه يوما، وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، وتقليل في رفق خير من كثير في عنف١.
لم يعرف التاريخ أعدل من عمر في إعطاء الحقوق وتصريف الأموال وتقسيم الأرزاق فالخروج عن ذلك معصية لله، ومعصية الله تسقط حقه في طاعة الناس له، فالحق عند الفاروق بيِّن لا شبهة فيه، وهو يخشى الله في الناس ولا يخشى الناس في الله.
стр. 65
٣- خطبته في الدعاء:
يا أيها الناس، إني داعٍ فأمِّنُوا، اللهم إني غليظ فلَيِّنِّي لأهل طاعتك، بموافقة الحق؛ ابتغاء وجهك والدار الآخرة، وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك، وأهل النفاق، من غير ظلم مني، ولا اعتداء عليهم. اللهم إني شحيح، فسخِّنِي في نوائب المعروف، قصدًا من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمحة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، اللهم ارزقني حفض الجناح، ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان، فألهمني ذكرك على كل حال، وذكر الموت في كل حين، اللهم إني ضعيف عن العمل بطاعتك، فارزقني النشاط فيها، والقوة عليها، بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك، اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى، وذكر المقام بين يديك، والحياء منك، وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفس، وإصلاح الساعات، والحذر من الشبهات اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك والفهم له، والمعرفة بمعانيه، والنظر في عجبائبه، والعمل بذلك ما يقيت، إنك على كل شيء قدير١.
стр. 66
هذه الخطبة تبرز جانب الحق في عمر بن الخطاب ﵁ وهي صورة صادقة تنطبق على أخلاقه وسلوكه في حكمه، ولعل أهم ما يلفت النظر في هذا الدعاء استهلاله بمعنى الحق وهو البرز الأول في دستور حكمه، ويرتبط بهذا معنى العدل؛ إذ يدعو الخليفة الله أن يعينه على التزامه به حتى مع الأعداء وأهل النفاق، فإن هؤلاء يستحقون الشدة، ولكن هذه الشدة في غير ظلم أو تعسف. وهنا تظهر الإنسانية في صورتها المثلى التي تكمن في روح الإسلام وتنطلق بها ألسنة أعلامه.
وأما البند الثالث: الذي يقيد به الخليفة نفسه فهو روح العدل ولكن طبيعة العدل تقتضي أن يعاقب المسيء على إساءاته ويجب ألا يسوى بينه وبين من أحسن عملا.
ونحن نرى أن معنى الحق لم يحرص عليه على هذا النحو حاكم من حكام المسلمين كما حرص عليه عمر ﵁ ولم ينطبق الفعل على القول، وينفذ العدل المطلق كما نفذ في خلافته.
стр. 67
خطبة لعمر بن الخطاب:
"إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول؛ ليحيي به القلوب؛ فإن القلوب ميتة في صورها حتى يحييها الله، من علم شيئا فلينتفع به، وإن للعدل أماراتٌ وتباشيرُ، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين، وأما التباشير فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابًا، ويسر لكل باب مفتاحًا، فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، وتأدية الحق إلى كل أحد له حق. ولا تصانع في ذلك أحدًا، واكتف بما يكفيك من الكفاف، فإن من يكفه الكفاف لم يغنه شيء، إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه، فأتوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها آخذ له الحق غير متعتع"١.
نلاحظ أن عمر ﵁ يؤكد على معنى الحق، وينطبق فعله على قوله، ويتحدث عن عدله المطلق الذي أدى إلى عدم الشكوي؛ لأنه بين الله وبينهم، وأن الله قد ألزمه رفع الدعاء عنه.
стр. 68
خطبة لعمر يبين فيها وجوب شكر الله:
"واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتموا نعمة الله عليكم، في مجالسكم مثنى وفرادى؛ فإن الله قال لموسى: ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ ، وقال لمحمد ﷺ : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ .
"فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شبعة من الحق، تؤمنون بها، وتستريحون إليها، مع المعرفة بالله ودينه، وترجون بها الخير فيما بعد الموت؛ لكان ذلك، ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة، وأثبتهم بالله جهالة، فلو كان هذا الذي انتشلكم منه لم يكن معه حظ في دنياكم، غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب، وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره، فالله قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة، ومن شاء أن يجمع له ذلك منكم. فأذكركم الله الحائل بين قلوبكم إلا ما عرفتم حق الله فعملتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفا لها ولانتقالها، ووجلا منها ومن تحويلها؛ فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كفرانها، وإن الشكر أمنُّ للغير، ونماء للنعمة، واستيجاب للزيادة، هذا لله علي من أمركم ونهيكم واجب".١
يبين عمر ﵁ أن شكر الناس لله على نعمه التي لا تحصى لا يستطاع إلا بعون من الله ورحمته ولطفه، ويحث الناس على شكر الله على نعمه التي أعمها عليهم، كما بين لهم المعاني الخلقية التي يشتمل عليها مفهوم شكر الله، ويذكرهم بما يضمن لهم السعادة في الدنيا والآخرة، فإن استمرار هذه السعادة موقوف على عرفان المعروف والشكر عليه، ثم لا شيء يسلب النعمة سوى إغفال الشكر لله عليها. وهو يمزج بين الموعظة وما يكمن فيها من إيمان نقي وبين الحجج العقلية؛ ليصل إلى صلاح أمر الناس صلاحا قائما على إدراك فضل الله، والوعي الكامل بنعمة ثم الشكر ودوام الحمد؛ ليرتبط الإنسان بربه.
стр. 69
خطب عثمان ﵁
خطبته بعد بيعته
...
خطب عثمان ﵁:
كان بيان عثمان ﵁ الخطابي أقل مما شهدناه عند أبي بكر وعمر ﵄ ولم يؤثر عنه فكر يشرح نظام الحكم وآداب الرعية بالشكل الذي رأيناه عند أبي بكر وعمر ﵄.
١- خطبته بعد بيعته:
أما بعد، فإني قد حملت وقد قبلت، ألا وإني متبع ولست بمبتدع، ألا وإن لكم عليَّ بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ثلاثًا: اتِّبَاع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسنتهم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم. ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها؛ فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها١.
رغم قصر الخطبة إلا أنها تشرح شيئا من نظام الحكم الذي سار عليه في خلافته، وهي تبين حق الرعية في صورة موعظة دينية، وتحذر من الاغترار بالدنيا، وعثمان ﵁ متبع وليس بمبتدع، ولكن الاتباع هنا ليس معناه الجمود؛ لأن الدولة قد اتسعت رقعتها، والدين أعز الله كلمته، والناس دخلوا فيه أفواجا، وعلى الخليفة أن يجتهد وأن يبتكر، ولكن اجتهاده أو ابتكاره لا يخرج عن سنة أهل الخير، وهذا ما بينه عثمان -أيضا- في خطبته الموجزة التي تدل على المعني خير ما تكون الدلالة.
стр. 70
خطبة لعثمان بن عفان "﵁" يحذر الناس من خداع الدنيا:
إنكم في دار قعلة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صبحتم أو أمسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا؛ فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذي أثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم! ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة؛ فإن الله قد ضرب لها مثلا، وللذي هو خير، فقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ."١ [الكهف] .
يرى عثمان ﵁ أن منطلق الآداب هو إدراك حقيقة الدنيا فلا يغتر بها الإنسان، ومن تغره الدنيا عليه أن يعتبر بمن سبقه ممن حرصوا على الدنيا فيما أصبحوا، فقد أصبحوا هشيما تذوره الرياح، وما دامت الباقيات الصالحات عند الله، فليقم الناس حياتهم على الصلاح والتقوى.
стр. 71
خطبة لعلي كرم الله وجهه:
أما بعد، فإن لي عليكم حقا، وإن لكم علي حقا، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صبحتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيما لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء للبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا انتزهتم عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون"١.
انصب كلام الإمام علي على آداب الرعية، فقد جعل علي -كرم الله وجهه- حق الرعية عليه النصيحة لهم وتأديبهم وتعليمهم، وهكذا انصهرت حقوق الرعية وواجباتها حتى كادت الحقوق والواجبات لا تشتمل إلا على الآداب والأخلاق التي ينبغي على الرعية أن تتحلى بها فيما بينها وبين أنفسها، وفي طاعتها واستجابتها لراعيها.
стр. 72
خطبة لعمر بن عبد العزيز ﵁:
"أيها الناس إنكم لم تُخلَقوا عبثًا ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادًا يحكم الله فيه بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض واعملوا أن الأمان غدًا لمن خاف ربه وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباقٍ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفكم من بعدكم الباقون حتى تردوا إلى خير الوارثين؟ ثم أنتم في كل تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله ثم تغيبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسر ولا ممهد، قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب. غنيًّا عما ترك، فقيرا إلى ما قدم، وايم الله إني لا أقول لكم هذه المقالة ما أعلم أحدًا منكم من الذنوب مما عندي- فأستغفر الله لي ولكم".
نلاحظ في هذه الخطبة -على قصرها- اشتمالها على مقدمة تشد الانتباه إلى موضوعها بما فيها من تذكير قوي بحقيقة خلق الإنسان، فالناس لم تخلق عبثًا، ولهم موعد سوف يُحاسَبون فيه على كل ما جنته أيديهم ثم يأتي عرض الفكرة وتوضيحها، فالمعاد وهو يوم الحساب يكون بعده جنة ونار، فأما من يعصي ربه فقد حرم الجنة، وأما من خاف ربه ففي رحمة الله، ويستعين الخليفة في تذكير الناس ووعظهم بتجارب الحياة المحسوسة فيقول لهم إن الموت يتخطف أحبابنا من حولنا، فماذا يكون مصيرهم؟ حفرة من الأرض يلقون فيها وقد انقطع ما بينهم وبين كل من في الدنيا وما فيها من أسباب.. ولم يبقَ لهم إلا العمل الصالح ينجيهم من العذاب.
стр. 73
ثم تأتي الخاتمة التي هي بمثابة الغاية التي توخاها الخليفة من خطبته، وتتركز في أن ينظر كل إنسان إلى ذنوبه فيستغفر ربه ويتعظ بما حوله فلا يقع في معصية بعدها١.
وإذا دققت النظر في خصائص أسلوب هذه الخطبة وجدت فيه مصداق تعريف الخطبة بأنها مخاطبة الجمهور، فالخطيب يتوجيه إلى الجمهور وبالحديث من أولها إلى نهايتها، ثم هو يختار ألفاظا مألوفة واضحة قوية الدلالة على معناها ذات إيقاع نابع من الإحساس العاطفي، وتحس جمال هذا الإيقاع وقوته في التأثير من نظمه هذه الألفاظ في عبارات قصيرة متوازنة ويعتمد الأسلوب في جمال إيقاعه وفي دقته البلاغية على التقديم والتأخير أحيانا كما في قوله: "إن لكم معادا"، و"سيخلفكم من بعدكم الباقون". أو على الترادف المعنوي حينا آخر كما في قوله: "لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى"، و"فخاب وخسر"، و"باع قليلا بكثير وفانيا بباقٍ"، و"قد قضى نحبه وبلغ أجله"، أو على السجع المعنوي غير المتكلف في مثل قوله: "غير موسد ولا ممهد". مجردا من كل شيء في دنياه.
وتظهر شخصية الخطيب واضحة قوية في خطبته وقد تآلفت كل هذه العناصر الأسلوبية في وجدانه بعمق إيمانه بموضوعه وإحساسه به، فاستطاع أن ينفذ إلى أسماع جمهوره وقلوبهم -وخاصة أنه لم يجرد نفسه من الذنوب التي يصم بها- وأن يتغلغل إلى عقولهم بكفره المرتب المعتمد على التجارب والمشاهد الحسية المشتركة فبلغ بذلك غاية من التأثير والإقناع.
стр. 74
خطب لعمر عبد العزيز:
١- من وصل أخاه بنصحيته له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه، فاتقوا الله؛ فإنها نصيحة لكم في دينكم، فاقبلوها، وموعظة منحية في العواقب، فالزموها١.
٢- "أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي، وتظهر عورتي، وتبدو مسكنتي، في يوم يبدو فيه الغني والفقير، والموازين منصوبة، فلقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال لذابت، أو الأرض لانفطرت. أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة، وأنكم صائرون إلى إحداهما"٢.
٣- "ما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سيزول! وإنما الشيء من أصله؛ فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله! إنما الناس في الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، فأين المهرب مما هو كائن"٣.
٤- "إن الدنيا ليست بدار قرار، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عما قليل يخرب، وكم مقيم مغتبط عما
стр. 75
قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة، بأحسن ما يحضركم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. إنما الدنيا كفيء ظلال قلص فذهب، بينا ابن آدم في الدنيا منافس، وبها قرير عين؛ إذ دعاه الله بقدره، ورماه بيوم حتفه، فسلبه آثاره ودياره ودنياه، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه. إن الدنيا لا تَسُرُّ بقدر ما تضُرُّ، إنها تسرُّ قليلا، وتجرُّ حزنا طويلا"١.
٥- "أيها الناس، لا تستضغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين، وقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
٦- "أيها الناس، من ألم بذنب، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد ليستغفر وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك الإصرار عليها"٣.