← Общие книги

Общие книги · id 10779

الخطابة الإسلامية

عبد العاطي محمد شلبي

Полный текст (114 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

خطبة لعلي كرم الله وجهه: أما بعد، فإن لي عليكم حقا، وإن لكم علي حقا، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صبحتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيما لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء للبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا انتزهتم عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون"١. انصب كلام الإمام علي على آداب الرعية، فقد جعل علي -كرم الله وجهه- حق الرعية عليه النصيحة لهم وتأديبهم وتعليمهم، وهكذا انصهرت حقوق الرعية وواجباتها حتى كادت الحقوق والواجبات لا تشتمل إلا على الآداب والأخلاق التي ينبغي على الرعية أن تتحلى بها فيما بينها وبين أنفسها، وفي طاعتها واستجابتها لراعيها.

стр. 72

خطبة لعمر بن عبد العزيز ﵁: "أيها الناس إنكم لم تُخلَقوا عبثًا ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادًا يحكم الله فيه بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض واعملوا أن الأمان غدًا لمن خاف ربه وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباقٍ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفكم من بعدكم الباقون حتى تردوا إلى خير الوارثين؟ ثم أنتم في كل تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله ثم تغيبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسر ولا ممهد، قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب. غنيًّا عما ترك، فقيرا إلى ما قدم، وايم الله إني لا أقول لكم هذه المقالة ما أعلم أحدًا منكم من الذنوب مما عندي- فأستغفر الله لي ولكم". نلاحظ في هذه الخطبة -على قصرها- اشتمالها على مقدمة تشد الانتباه إلى موضوعها بما فيها من تذكير قوي بحقيقة خلق الإنسان، فالناس لم تخلق عبثًا، ولهم موعد سوف يُحاسَبون فيه على كل ما جنته أيديهم ثم يأتي عرض الفكرة وتوضيحها، فالمعاد وهو يوم الحساب يكون بعده جنة ونار، فأما من يعصي ربه فقد حرم الجنة، وأما من خاف ربه ففي رحمة الله، ويستعين الخليفة في تذكير الناس ووعظهم بتجارب الحياة المحسوسة فيقول لهم إن الموت يتخطف أحبابنا من حولنا، فماذا يكون مصيرهم؟ حفرة من الأرض يلقون فيها وقد انقطع ما بينهم وبين كل من في الدنيا وما فيها من أسباب.. ولم يبقَ لهم إلا العمل الصالح ينجيهم من العذاب.

стр. 73

ثم تأتي الخاتمة التي هي بمثابة الغاية التي توخاها الخليفة من خطبته، وتتركز في أن ينظر كل إنسان إلى ذنوبه فيستغفر ربه ويتعظ بما حوله فلا يقع في معصية بعدها١. وإذا دققت النظر في خصائص أسلوب هذه الخطبة وجدت فيه مصداق تعريف الخطبة بأنها مخاطبة الجمهور، فالخطيب يتوجيه إلى الجمهور وبالحديث من أولها إلى نهايتها، ثم هو يختار ألفاظا مألوفة واضحة قوية الدلالة على معناها ذات إيقاع نابع من الإحساس العاطفي، وتحس جمال هذا الإيقاع وقوته في التأثير من نظمه هذه الألفاظ في عبارات قصيرة متوازنة ويعتمد الأسلوب في جمال إيقاعه وفي دقته البلاغية على التقديم والتأخير أحيانا كما في قوله: "إن لكم معادا"، و"سيخلفكم من بعدكم الباقون". أو على الترادف المعنوي حينا آخر كما في قوله: "لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى"، و"فخاب وخسر"، و"باع قليلا بكثير وفانيا بباقٍ"، و"قد قضى نحبه وبلغ أجله"، أو على السجع المعنوي غير المتكلف في مثل قوله: "غير موسد ولا ممهد". مجردا من كل شيء في دنياه. وتظهر شخصية الخطيب واضحة قوية في خطبته وقد تآلفت كل هذه العناصر الأسلوبية في وجدانه بعمق إيمانه بموضوعه وإحساسه به، فاستطاع أن ينفذ إلى أسماع جمهوره وقلوبهم -وخاصة أنه لم يجرد نفسه من الذنوب التي يصم بها- وأن يتغلغل إلى عقولهم بكفره المرتب المعتمد على التجارب والمشاهد الحسية المشتركة فبلغ بذلك غاية من التأثير والإقناع.

стр. 74

خطب لعمر عبد العزيز: ١- من وصل أخاه بنصحيته له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه، فاتقوا الله؛ فإنها نصيحة لكم في دينكم، فاقبلوها، وموعظة منحية في العواقب، فالزموها١. ٢- "أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي، وتظهر عورتي، وتبدو مسكنتي، في يوم يبدو فيه الغني والفقير، والموازين منصوبة، فلقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال لذابت، أو الأرض لانفطرت. أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة، وأنكم صائرون إلى إحداهما"٢. ٣- "ما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سيزول! وإنما الشيء من أصله؛ فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله! إنما الناس في الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، فأين المهرب مما هو كائن"٣. ٤- "إن الدنيا ليست بدار قرار، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عما قليل يخرب، وكم مقيم مغتبط عما

стр. 75

قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة، بأحسن ما يحضركم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. إنما الدنيا كفيء ظلال قلص فذهب، بينا ابن آدم في الدنيا منافس، وبها قرير عين؛ إذ دعاه الله بقدره، ورماه بيوم حتفه، فسلبه آثاره ودياره ودنياه، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه. إن الدنيا لا تَسُرُّ بقدر ما تضُرُّ، إنها تسرُّ قليلا، وتجرُّ حزنا طويلا"١. ٥- "أيها الناس، لا تستضغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين، وقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. ٦- "أيها الناس، من ألم بذنب، فليستغفر الله وليتب، فإن عاد ليستغفر وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك الإصرار عليها"٣.

стр. 76

خطبة للمأمون: "أوصيكم عباد الله بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجز لوعده، والخوف لوعيده؛ فإنه لا يسمل إلا من اتقاه ورجاه وعمل له وأرضاه، فاتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم، وترحلوا فقد جد بكم، واستعدو للموت فقد أظلكم، وكونوا قوما صيح بهم، فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فإن الله لم يخلقكم عبثًا، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة الواحدة، لجديرة بقصر المدة، وإن غائبا يحدوه الجديدان: الليل والنهار لحريٌّ بسرعة الأوبة، وإن قادما يحل بالفوز أو بالشقوة لمستحق أفضل العدة، فاتقى عبدٌ ربَّهُ، ونصح نفسه، وقدم توبته، وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية؛ ليركبها، ويمنيه التوبة؛ ليسوفها، حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤديه أيامه إلى شقوة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصر به عن طاعته غفلة، ولا تحل به بعد الموت فزعة، إنه سميع الدعاء، وبيده الخير، وإنه فعال لما يريد".

стр. 77

خطب من العصر الحديث خطبة الجمعة: أسلوب الدعوة إلى الله ... خطب من العصر الحديث: لفضيلة الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرباصي خطبة الجمعة: أسلوب الدعوة إلى الله ١ الحمد لله وهب أصفياءه الحكمة، وكتب على نفسه الرحمة: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢، أشهد أن إله إلا الله، وهو وحده العليم بالسرائر، المطلع على خفيات الضمائر: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٣ وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، منحة الرحمن، وصفوة الإنسان، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ ٤، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٥. يا أتباع محمد ﷺ : لعل أهل صفة من صفات رسول الله أنه داعية إلى الله، ولذلك خاطبه ربه في محكم تنزيله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ٦.

стр. 78

هو يشهد بالحق ويحث عليه، وهو يبشر بالخير ويحبب فيه، وهو يحذر من الشر ويباعد عنه. وهو حين يدعو إلى الله بإذن الله، ينير الطريق ويضيء المسالك، ويفتح أمام المهتدين المحسنين أبواب الفضل الإلهي الكبير: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. ومعنى هذا أن الدعوة إلى الله ليست لعبة يتلهى بها الغر والجاهل، وليست أمرا يحسنه القاصر والغافل، وليست شهوة يندفع إليها كل من عرف قشورًا من الدين، أو أراد تظاهرًا بين الناس، وإنما الدعوة إلى الله كالحرم الرباني الزكي، يدخله من تطهر وتدثر بالعقل والعلم والإخلاص والاعتدال على الصراط المستقيم بلا انحراف ولا اعتساف ولا إسراف، ولذلك وكَّل الله ﵎ هذه المهمة الجليلة في نطاقها العام إلى أنبيائه ورسله ومن ورثَتِهم والأخيار من أتباعهم الراسخين في العلم، البصراء بالحق، الخبراء بطرق الهداية في حذق ورفق، ولذلك قال الله -تعالى- لحبيبه٢ ومصطفاه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. ولجلال الدعوة إلى الله ودقتها رسم الرحمن الرحيم لرسوله الكريم أصولها وقواعدها حتى تكون هديا ونورًا، وخيرًا وبرًّا، تجمع ولا تفرق، وتوحد ولا تمزق، وتبني ولا تهدم، وتعمر ولا تحطم، فقال له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيل

стр. 79

رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١. وفي هذا النص الإلهي المجيد حدَّد الخالق سبحانه ثلاثة وسائل للدعوة؛ هي الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن؛ وكأنه أراد أن يكون كل منها لمستوى من المستويات، أو لحالة من الحالات، فالحكمة هي القول العلمي الدقيق البليغ، المشتمل على الحجة المقنعة والبرهان الساطع والدليل الواضح، وكأنه وسيلة الإقناع بالحكمة تناسب الذين يطيقونها ذهنيًّا وفكريًّا من المتعلمين والمثقفين، والموعظة الحسنة هي الكلام الرقيق اللطيف، الذي يقوي حوافز الخير وعواطف البر ومشاعر الإنسانية الرفيعة التي تعمر دنياها بالمحبة والمودة وحسن المعاملة، وكأن هذه الوسيلة تناسب جمهور الناس الذين إذا جاءتهم الموعظة الحسنة اللينة أحيت مَوَات قلوبهم، وذكرتهم بربهم، وحملتهم برقة ولطف على سواء السبيل، ثم تأتي المجادلة بالتي هي أحسن، وهي المحاورة الهادئة الرزينة التي تصور أحسن الطرق للمناقشة، بلا عنف ولا تعنت ولا شطط، وهذه الوسيلة تكون مع المخالف في الاتجاه أو الاعتقاد، وهكذا أراد الله ﷻ بمن يصلح للدعوة ويقتدر عليها أن يعرف حدودها وقيودها، وأن يلتزم وسائلها الرشيدة من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فلا ينحرف عنها ولا يجور فيها، ولا يجاوزها إلى ادعاء ما ليس له من جموح أو تطاول، بل هو يبين ويوضح ويدلل بأرق الوسائل وألطف الأساليب، دون لَجاجة أو مهاترة أو عدوان، والله بعد ذلك هو المتصرف في عباده، المسئول عن

стр. 80

هدايتهم، العليم بالطوايا والنوايا، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ ١، وهو وحده صاحب الحق في محاسبة الخلق على أعمالهم يوم لقائه، وهو وحده مالك الثواب والعقاب، ولذلك قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢. وإذا كان الله ﷻ قد حدد وسائل الدعوة هنا بهذه الأمور التي جعلها بعيدة عن معاني الإكراه والإرغام والعدوان، فقد ذكر لنا في موطن آخر صورة من صور التطبيق للدعوة المسالمة، فإذا هذه الصورة تبدو وفيها اللين والرفق والرحمة، وذلك حينما أرسل الله موسى، وهارون إلى فرعون وقال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ٣. وهكذا بدأت المحاورة مع فرعون -وهو فرعون وكفى- بالقول الهادي اللين: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ، واختتمت بالسلام والأمان: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ، ولقد روى التاريخ أن جاهلًا يدَّعي العلم أراد أن يتظاهر بالدعوة؛ ليرضي غروره أو يستر نقصه، فقال لأحد الحاكمين: أيها الأمير، إني سأسمعك كلاما شديدا فاحتمله مني، فأجابه قائلا: لن أحتمله منك فلا تقله، فقال الدعي في باب الدعوة: ولم؟ فأجابه: لأن الله تعالى أرسل من هو

стр. 81

خير منك إلى من هو أسوأ مني، ومع ذلك أمره باللين والتلطف، لقد بعث الله موسى وهارون وهما خير منك بلا نزاع، إلى فرعون وهو أسوأ مني بلا جدال، ومع ذلك أمرهما بقوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ . ومن بعد موسى وهارون وغيرهما يقبل شيخ الأنبياء وإمام المرسلين محمد ﷺ فإذا هو القدوة الطيبة والأسوة الحسنة في هذا الباب، فهو الذي قال: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا، ولا تعسروا"١، وحينما طلب منه بعض أصحابه أن يلعن المشركين أبي وقال: "إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت هاديا ورحمة" ٢، ولما طلب منه أن يدعو على المشركين؛ ليهكوا أبي وقال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا" ٣، وترجم القرآن عن هذه المثالية الرائعة في لين الدعوة ورحمة الداعية فقال للرسول ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٤. وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٥. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦.

стр. 82

يا أتباع محمد ﷺ : يقول سيد الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه: "أحب الدين إلى الله الحنفية السمحة" ١، أي الشريعة المعتدلة السهلة الميسورة، وعماد هذا الدين الكريم هو الطهارة والصفاء، والمحبة والإخاء، والتناصح بالرفق والرحمة، والدعوة إلى الخير بالحكمة: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢. وسبحان من لو شاء لهدى الناس جميعا إلى سواء السبيل واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون.

стр. 83

خطبة الجمعة: ففروا إلى الله ١ لفضيلة الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرباصي لك الحمد أيها العليم الذي لا يجهل، الحليم الذي لا يعجل، الكريم الذي لا يبخل، سبحانك، أنت المنيع الذي لا يرام، المجير الذي لا يضام، وأنت أرحم الراحمين، نشهد أن لا إله إلا أنت، خضعت لك قلوب العارفين، وذلت لهيبتك رقاب الجبارين، فتبارك الله رب العالمين، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدًا عبدُك ورسولُك، الذي استعاذ بك من العين التي لا تدمع، والقلب الذي لا يخشع، والعلم الذي لا ينفع، فكان سيد المرسلين وإمام المتقين، فصلواتك اللهم وسلامك عليه، وعلى آله وأغصان دوحته، وأصحابه وجنود دعوته. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ٢. يا أتباع محمد ﵇.. من عيوب المسلمين المعاصرين الذين قل اعتزازهم بدينهم، وضعف يقينهم بربهم، وخدعتهم بوارق من مدنية غيرهم، أنهم لا يتقون ولا يؤمنون إلا إذا جاءتهم الشواهد من الخارج، ووردت إليهم البراهين على صحة الدين

стр. 84

من المثقفين المدنيين، أو الناهلين من حضارة الأوربيين، فلو سمعوا من الواعظ الديني مائة خطبة يذكرهم فيها بالله، ويدعوهم خلالها إلى حماه، لما اتعظوا بها، ولا استجابوا لها، ولكنهم لو جاءتهم الموعظة من رجل مدني، أو من جو أوربي، لسارعوا إليها مصدقين معجبين، ومع ما في هذا من مخالفة لقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] ١. فنحن نريد أتباعا للحكمة في الدعوة، واحتيالا في التحذير من الضلالة، أن تأتيهم بالشواهد التي يريدون. هذا رجل شرقي عظيم، له من بيته وعمره وثقافته ما يجعله خبيرا بالمشكلات دارسا للحضارات، يرحل إلى أوربا ويقضي في أرجائها شهورًا، ثم يعود فيقول لنا في وضوح وتأكيد: إن أبناء الحضارة الحديثة قد آمنوا أخيرًا، وبعد طول المطاف بأنه لا سلام إلا بالله، ولا سعادة إلا بالرجوع إلى الله، ولا استقرار إلا بالثقة في دين الله؛ لأن الرجوع إلي الله واليقين به والاحتماء بلوائه هو الذي سيقضي على الحروب المهلكة والشيوعية البشعة، وسيزيل الفقر الشائع والمرض الذائع من بين الأحياء، ومعنى هذا أن عمالقة البشر في العالم الحديث، الذي هتكوا أسرار الطبيعة، واستخدموا كل شيء تحت أيديهم، واستمتعوا بكل لذة تريدها الأجساد، لم ينعموا بذلك ولم يسعدوا، فرجعوا نادمين، وعادوا إلى ربهم تائبين، وقرعوا بابه هاتفين: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢. وهذا كاتب معاصر يزور في الأيام الأخيرة "باريس" مدينة النور والفجور، وموطن المواخير والخمور ومصدر كل لذة، ومثيرة كل شهوة،

стр. 85

وصاحبة التاريخ الطويل الثقيل في العبث والمجون، فإذا بالكاتب يراها كما وصفها وقد صحت من غفوتها، وأفاقت من غمرتها، وتابت وأنابت، فصار فيها من يعنى بأمر الأخلاق، ومن يذكر بجلال البارئ الخلاق؛ لأنهم عرفوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأعطتهم المحن المتلاحقة والنكبات المتلاصقة دروسا لا تُنسى تعلموا منها أن الاعتماد على قوة الأرض، والاغترار بسلطان الإنسان، باطل وزور، وأن الخير كل الخير في الإيمان بالله الذي إليه تصير الأمور!.. وهذا سباح مصري عالمي، وهو ضابط رياضي مثقف، درس ورحل، واختلط بهؤلاء وأولئك، وخالط المدنية الحديثة والحضارة الغربية المعاصرة، ولم ينشأ في رحاب ديني أو وسط "سني"، وقد أراد أن يكسب لأمته فخرا يرفع رأسها بين الأمم في ميدان الرياضة التي يدعو إليها الإسلام، ويحرض عليها؛ لتكون إعدادا للجندية المجاهدة في سبيل الله، فعبر بحر "المانش" الرهيب الصاخب من الشاطئ الإنجليزي إلى الشاطئ الفرنسي، وتعرض لأهوال البحر ومخاوف الغرق، وطغيان الأمواج وتأثير الأملاح، وذبذبات المد والجزر، وبرودة الجو ووحوش الماء، وكان كلما خارت منه القوى، وأحدق به الخطر، وداعبه اليأس والقنوط، لا يلجأ إلى قوارب النجاة ولا يستعين بمن خلفه من مراقبين، ولا يعلن فشله وإفلاسه، بل كان يلجأ إلى سلاح أقوى وأعلى، ويستمد العون والمدد من مصدر أغنى وأسمى، كان يستلهم النصرة والتأييد من ربه العزيز المجيد، فكان كما أذاعت الأنباء يتلو القرآن الكريم وسط الأمواج بصوت مسموع، ويناجي ربه بدعاء مرفوع، وكان كما يقول كلما تلا آية أو ردد دعوة، ازداد قوة وامتلأ همة، وأيقن أنه سيصل وسينتصر بفضل الله، وقد كان، فوصل، وانتصر، وقرر أن الفضل في الانتصار يرجع إلى عون العزيز القهار، وكذلك تكون قوة الإيمان بالله في

стр. 86

الإنسان، تقرب له البعيد، وتيسر له العسير، ولا عجب فقد وصل سببه برب الأسباب، وألقى عبئه على أقدس جناب: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ١. أليس في هذه الأدلة والشواهد ما يكفي المُعرِض عن الله، أو البعيد عن حماه؛ لكي يرجع ويرتدع، ويتوب ويثوب ويشاهد نور ربه في كل مكان، ويراقب جلاله في كل زمان، ويطيل التفكير فيما أراده "المسلم" الحكيم حين قال: الحق ليس بمحجوب عنك، إنما المحجوب أنت عن النظر إليه؛ إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، وهو القاهر فوق عباده، بل ويهتف من الأعماق كما هتف الواصل الأول يناجي ربه قائلا: ذكرتك لا أني نستك لمحة ... وأيسر ما في الذكر ذكر لساني يا أتباع محمد ﵇.. حقيقة إن الفكرة الإسلامية قد حوربت بأيدي أعدائها، بل وتطاول على جلالها بعض الطاغين الذين يعدون أنفسهم من المسلمين، فهتكوا حرمة القرآن، ونكلوا بأشبال الإيمان، وتجرءوا على حمى الرحمن، وهتكوا حرمات كانت بالأمس عزيزة مصونة، وارتكبوا في تنكيلهم بالمجاهدين في سبيل الله الناشئين في طاعة الله، مآتم ومظالم تضج من هولها أرجاء السماء، وقد زلزل كثير من الناس أمام هذا التنكيل الطاغي زلزالا شديدًا، وظنوا بالله الظنونا، ولكن الثابتين على العهد، الصادقين في الوعد، يؤمنون بأن الإسلام

стр. 87

يقوي على المحن، ويشتد رغم طغيان الزمن، ولولا شهداء سقطوا في سبيل الله، ودماء زكية طاهرة سالت دفاعا عن كلمة الله، وغزوات ابتلى فيها صبر المسلمين أشد الابتداء، وأعداء من المشركين واليهود والنصارى والمنافقين والمخادعين، يتربصون بالمسلمين الدوائر، لولا هذه الظروف كلها لما ظهر نور الإسلام ساطعا وأضاء من خلال الظلمات: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٢. واستعذبوا في سبيله العناء والبلاء، فإن الله لا يضع أجر العاملين: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ٣. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٤. كان ﵊ يدعو فيقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم أعوذ بعزتك. لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" ٥.

стр. 88

خطبة الجمعة: بين محمد ﷺ وأصحابه ١ لفضيلة الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرباصي إعداد الشيخ/ علي حامد عبد الرحيم حينما ندرس شخصية محمد -صلوات الله عليه- من جوانبها المختلفة، نعلم أن المثل الأعلى الذي يتجلى لكل طامح إلى المفاخر، أو طامع في معالي الأمور، وما نريد حين نجلي ملامح هذه العظمة المحمدية أن نضيف إلى صاحبها شرفًا جديدًا، فليس بعد تكريم الله تكريم، ولكنها أنفسنا نحن التي نبحث لها عن الخير، ونطلب لها المزيد من التربية والتهذيب، وليس كالقدوة الحسنة في الإغراء على التشبه والمضاء.. وما نريد أن نغلو في شأن رسولنا كما غلا سوانا، فإننا لنعلم أولا أن الله أعلى وأكبر، وأن محمدًا بَشَر، قيل له من قبل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ [الزمر: ٣٠] . وقيل عنه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . ولو أن هذه العظمة اقتصرت على شخص صاحبها، فلم يستفض نورها هنا وهناك، ولم تلق ظلالها الطيبة على هذا وذلك، لما شغلت التاريخ

стр. 89

بهذه الصورة، ولما بقيت لها هذه الروعة الدائمة وذلك البهاء الموصول، ولقال القائل: وما نفع كنز عظيم لا ينال الناس منه خيرًا؟ وما قيمة محيط واسع لا يجد الراغبون إليه سبيلا؟ ... ولكن محمدًا ﷺ هو الذي هتف: "ما استحق الحياة من عاش لنفسه فقط"، ولذلك كانت عظمته لغيره قبل أن تكون لنفسه، وكأنما خلق الله رسوله على عينه، وجمع له أطراف المحامد والمكارم؛ ليظهر فيه سر النبوة وسمو الرسالة، ثم أتاح لصفيه [وخليله] ١ بعد ذلك أن يفيض من هذا النبع الذي لا يغيض، على من حوله ومن يأخذون عنه، والرسول حينئذ لا يستطيع أن يخلق من هؤلاء الأتباع صورًا مطابقة كل المطابقة لشخصه وذاته، وإلا لصار هؤلاء الأتباع رسلا مثله؛ فليس له إلا أن يهيئ لكل واحد منهم ما يناسبه ويلائمه، فيغترف من حوض الرسول ﷺ ما استطاع، ومن هنا رأينا العظمة المتجمعة في شخص محمد -صلوات الله عليه- تتفرق في أشخاص أصحابه، وفي خلفائه الراشدين- رضوان الله عليهم أجمعين- بوجه خاص؛ فهذا أبو بكر مثلا يرث عن رسوله نور اليقين والإيمان، ويقوي عنده هذا النور حتى يسطع فيبهر. وهذا عمر يرث عن رسوله حسن التدبير وعمق التفكير وصواب النظر وأصالة الرأي، حتى ليقول فيه المصطفى: "إن الله قد جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٢، وحتى يستطيع عمر إبان خلافته أن يسوس دولة ما ساسها قيصر من قبل أو شاه، وأن يجتهد في أمور الدين والدنيا، فيهديه ربه إلى فض مشكلات وحل معضلات ما كان يقتدر عليها لولا أنه تخرج من مدرسة النبوة التي تفيض بالهدى والرشاد.

стр. 90

وهذا عثمان يرث عن رسوله رقة الطباع ودماثة الأخلاق وشدة الحياء، حتى يستحيي من نفسه وهو منفرد متجرد لاغتساله، وحتى يقول فيه الرسول ﷺ : "أصدق أمتى حياءً عثمان" ١، وإنه ليدخل على الرسول فيستحيي الرسول منه، فتسأله عائشة عن سبب ذلك، فيقول: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ " ٢. وهذا عليٌّ يرث عن رسوله زهده وتقشفه، حتى تهون في نظره أعراض الحياة وأغراض العيش ولذائذ الدنيا فيصرخ في وجه الدنيا قائلا: "يا دنيا غرى غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوقت؟ هيهات، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيهن، آه من طول الطريق، وقلة الزاد ووحشة السفر". وهنا ناحية أخرى.. أن القائد يجب ألا ينفرد بالسلطان والمجد، وألا يستأثر بالرأي يستحوذ عليه، أو الثناء يستبد به، وكم من أناس هيأت لهم الأقدار أن يبلغوا مناصب القيادة والرياسة، فخيل إليهم أنهم قد صاورا في الكون آلهة، وما من إله إلا إله واحد، فلا يقضى أمر إلا بكلمتهم، ولا يوجَّه مدحٌ إلا إلي ذاتهم، ولا يسبح مسبح إلا بحمدهم وشكرانهم، وإن قلوبهم الحاقدة الحاسدة لتتميز من الغيظ وتتقطع من الغل إذا رأوا شخصا غيرهم فعل مكرمة أو استحق تمجيدا، أو بدأ نجمه في الظهور والسطوع، وإنهم ليبذلون كل شيء لكي يقضوا على كل نابغ أو ناهض؛ ليضمنوا البقاء لأنفسهم، وليرضوا شهوة الأنانية المتعمقة في جذور طباعهم، وأف لزمان تفنى الجماعة فيه؛ ليعيش القائد، وتذل الأمة؛ ليعز فرد على أنقاض أبنائها! وعلى العكس من ذلك كان رسول الإسلام ﵊.

стр. 91

لقد بعث محمد عظمته في صحابته، وشاركهم فيما منحه الله من صفات وبركات، فحفظ للصغير حقه قبل الكبير، وشاور قومه في الجليل والقليل، وأعطى كلا منهم نصيبه في التحية والإكرام، وأظهر تقدير كل عامل، وأعلن شكران كل فاضل، وما من مكرمة جرت على يد صحابي إلا فرح لها الرسول، كأنها جرت على يديه، وهكذا يكون القائد الرحيب الأفق المتفتح النقي الضمير الطاهر الشعور. وها هو ذا يمجد أصحابه عامة فيقول: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" ١. نستفيد من هذا أن الأمة يجب أن تهتدي بهدي قائدها وراعيها، حتى تتجلى مواهبه في أفرادها ونواحيها، فيصبح كل إنسان عظيما في ناحية أو عدة نواحٍ، فتكثر الأيدي القوية العاملة؛ وأن القائد يجب ألا يكون أنانيا يستحوذ على الفضل والخير كله، بل يقدر العاملين، ويهيئ فرص النبوغ للنابغين، حتى تتبارى الكفايات وتظهر العبقريات ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المصطففين: ٢٦] . وليس بعد أمة محمد أمة؛ لأنها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٠] . وليس مثل محمد قائد أو زعيم؛ لأنه رحمة الله للعالمين، فلم يبق إلا المسير، فمتى يكون؟

стр. 92

خطبة الجمعة: تمييع الشباب ١ لفضيلة الأستاذ الدكتور: أحمد الشرباصي إعداد الشيخ: علي حامد عبد الرحيم الحمد لله ، دعا إلى القوة وحذر من الضعف: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.. وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، خير من جمع بين قوة الحس وطهارة النفس، فكان إمام المصلحين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آل الطاهرين، وأصحابه القانتين، وأتباعه المجاهدين: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤. يا أتباع محمد ﵊.. لا يمكن لأمة أن تحيا كريمة عالية، دون أخلاق فاضلة سامية، ومكارم الأخلاق هي عماد الأفراد والشعوب، ولذلك كان من الأهداف الأساسية للنبوات والرسالات دعم هذه الأخلاق، حتى قال محمد سيد الخلق:

стр. 93

"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ١. وفي ظلال الأخلاق الفاضلة تندفع الأفراد والجماعات إلى حياة متماسكة، فيها صحة أبدان وقوة عقول وعلو هِمَم، وفيها اعتزاز بالفضيلة وحرص عليها، وحمل على الرذيلة ونفور منها؛ وقد ابتلينا بمجموعة من الشباب كأن الشيطان الرجيم قد استقرهم حسا ونفسا، فهو يبثهم بين الناس؛ كي يحققوا ما يبغي لهم من خسار وبوار؛ هذه المجموعة تتمثل في أولئك الرقعاء المائعين أشباه الرجال الذين يتحلون بالمظاهر التي لا تليق بالرجال، فهم يلبسون الثياب الملونة والسراويل الضيقة، ويضعون السلاسل الذهبية حول أعناقهم، والأساور في أيديهم، ويتسكعون في الشوارع، يعبثون ويفجرون ويعتدون على النساء والفتيات، ويرددون أقذر الألفاظ، ويمشون مترنحين كأنهم خارجون سكارى من ماخور أو حانة خمور.. ومن المضحك المبكي أن هؤلاء الشبان يصفون الذين ينصحونهم أو يدعونهم إلى الرجولية والحياة المتماسكة بأنهم من أنصار القديم ... ورحمة الله ورضوانه على كثير مما فقدنا من هذا القديم، فأين عفة هذا القديم؟ وأين جهاد هذا القديم؟ وأين تماسك الأسرة في القديم؟ وأين صيانة الأعراض في القديم؟ وأين نشأة التدين والإيمان والقوة التي كانت في القديم؟.. سلاما سلاما على كثير من ذلك القديم، وسبحان من يحيى العظام وهي رميم.. الحق أننا خسرنا الكثير حين أعلنَّا الحرب على هذا القديم دون أن نفرق فيه بين فاسد وسليم، وبين ما يصح أن يترك وما يجب أن يصان، وفي حربنا القديم تركنا ذخائر نفائس.. تركنا الفضيلة؛ لأنها شيء قديم، ونسينا معنى الشرف؛ لأنه شيء قديم، وهزئنا بالقيم الفاضلة، والمبادئ الأخلاقية؛ لأنها شيء قديم، وأصبحت الفضولية الوصولية والإباحية من القيم الجديدة في العالم الجديد..

стр. 94

وهذا مثل من أمثلة هذه القيم، وهو مثل مخجل -إن كان قد بقي في الدنيا من يخجل- فقد سئل أحد هؤلاء الشباب المائعين حين تعرض لبعض الفتيات بما لا يليق أترضى أن يرتكب شاب مثل هذه الوقاحة مع أختك؟ فأجاب: أختي حرة تفعل ما تشاء!.. وهذا مبلغ الغيرة على الحرمات والأعراض إن كان قد بقي مكان للغيرة بين أشباه الرجال.. ومن الواجب هنا أن ننص على أمر له أهميته وقيمته، وهو أن هؤلاء الشبان المتميعين قد اشترك في إفسادهم أمران: سوء تربيتهم وإعدادهم من جهة وانتشار التبرج الفاجر بين النساء من جهة أخرى، وليس من السهل على الشاب أن يرى أمامه لحوم النساء عارية فاتنة صارخة، ثم يستمسك بعفته وفضليته، فإذا كنا نريد الاستقامة في الإصلاح، فلنؤدب هؤلاء الشباب أولا، ولنعلِّم العفة والوقار للنساء والبنات ثانيا، وإلا فلا فائدة من البكاء والعويل على الأخلاق والفضيلة، وهؤلاء الرقعاء يقولون: إننا نعاكس الفتاة التي تكشف عن مفاتن جسمها؛ لأن الكشف عن هذه المفاتن دعوة صريحة ونداء سافر.. وعلى الرغم مما في هذا من مغالطة أو احتيال للتسويغ يجب على من يريدون الإصلاح أن يعلموا أن انحراف الشبان ذو صلة وثيقة بانحراف النساء، ورحم الله الرافعي إذ يقول: "إنه لو عرضت عليه قضية امرأة متبرجة عاكسها شاب في الطريق لعاقب هذه المرأة عقوبتين: إحداهما بأنها اعتدت على عفة الشاب، والثانية: بأنها خرقاء كشف اللحم للهر". إن هؤلاء الشبان لم يتربوا في البيت تربية صالحة، ولم يجدوا في المدرسة التوجيه الروحي الصادق، ولم يجدوا المرأة في الشارع على ما ينبغي من التصون أو الوقار، ووجدوا في المسارح والسينمات والشواطئ والنوادي والمجتمعات الأخرى عوامل الفتنة وجواذب الشر، فسقطوا وتحللوا ورتعوا وكونوا لنا هذا الجيش من المائعين والمتحللين الذين لا يكتفون بفساد

стр. 95

نفوسهم بل ينشرون الفساد بين غيرهم كما ينتشر الوباء الخبيث؛ فما نفع هؤلاء لأمتهم وما جدواها منهم، وهي معرضة لوقوفها موقف الزحف العام في بعض الأحيان، كي تدفع عدوانا، أو تسترد أوطانا، ماذا يكون موقف المائعين الخانعين الذي يبثون الضعف والهوان؟.. هل يثبتون في معركة، أو يجيدون حمل سلاح.. إنهم سيكونون معاول الهدم ودعاة الهزيمة بين العصبة النافرة للجهاد والنضال، فإما أن نحسن تربيتهم، وإما أن نبعدهم عن مجموعة الأمة التى نرجيها ليوم نغسل فيه العار؛ لنعيش عيشة الأحرار.. إننا نريد مثلا أن نخرج اليهود من فلسطين؛ لنردها على أهلها الشرعيين، وأن نحرر بقية أوطاننا من أعدائنا، فهل تحرر أرض فلسطين وغيرها بالأجسام الرخوة والملابس الحريرية والسلاسل الذهبية والمشية المتخاذلة والأخلاق المنحلة والحياة المتحللة؟.. إن فتيات اليهود قد حملن السلاح في معركة اغتصاب فلسطين، وحاربن وتعرضن لمتاعب ومشاق، فهل عجز شبابنا عن أن يكونوا مثل فتيات اليهود في الشعور بالتبعة والنهوض بالواجب؟. لقد ذل من بالت عليه الثعالب!. من واجبنا أن ننقل الشباب إلى حياة القوة والفروسية التي يريدها لهم الإسلام، فإن القرآن الكريم يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ١. والرسول ﷺ يقول: "المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف" ٢ وقد حث الإسلام أبناءه على ألوان الرياضة والفروسية والفتوة

стр. 96

حتى يكونوا فرسانًا في مختلف الميادين، وإن كانوا رهبانا لربهم في المحاريب، وحتى يحققوا الصورة الرائعة للأمة التي يذكرها القرآن بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ١. ورضوان الله على الإمام علي يوم طالب ابنه بأن يكون في الميدان صورة للشاب المسلم القوي الفتى فقال له: "يا بني تزول الجبال ولا تزلّ، عض على ناجذك، أعر الله جمجمتك، تد "ثَبِّتْ" في الأرض قدمك. ارم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك، وأعلم أن النصر من عند الله سبحانه". وهل يطيق ذلك إلا فتى تربى تربية مؤمنة تجعله عليما بالفروسية، خبيرا بالفتوة، صبورا عند اللقاء، مقداما في حومة الهيجاء؟!.. يا أتباع محمد ﵊.. إن أولادكم أمانات من الله في أيديكم، فأحسنوا صيانة هذه الأمانات ورعايتها، وبدلا من أن جعلوهم يتخذون قدوتهم من مخانيث الغرب وممثلي المسرح والسينما، اجعلوا قدوتهم من أمثال عمرو، وعلي، وأبو عبيدة، وخالد، وأسامة، والمثني، وطارق، وعمر بن عبد العزيز فأولئك أعلام الإسلام الذين زانوا الدنيا وسموا لقيمة الحياة، وإنما يصلح أمر هذه الأمة بما صلح به أولها من الإيمان بالله والاعتزاز به، والتطهر في هذه الحياة، وسبحان من لو شاء لهدانا جميعا إلى سواء السبيل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُون﴾ ٢.

стр. 97

مكانة السنة: لفضيلة الأستاذ الدكتور/ أحمد الشرباصي الحمد لله ، هدى إلى معالم الطريق، ويسر أسباب التوفيق ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. أشهد أن لا إله إلا الله، هو أعلم حيث يجعل رسالته ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ ٢. وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، جعله ربه سبب النعمة ومفتاح الرحمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ٣. فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وشيعته، وأصحابه وكتيبته، والقائمين بأمر دعوته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤. يا أتباع محمد ﵊! ... من الدسائس الخفية التى تسعى في الظلام لهدم الإسلام أن فئة من الناس أخذت تهون من شأن السنة النبوية، ومن مكانة سيد البشرية ﵊ فهم يقولون: إنه بشر، وإنه يخطئ ويصيب، وإن أقواله من اجتهاده وعمل عقله فلا يعول

стр. 98

عليها، وهذا زعم باطل؛ فلا بد لها من مبين ومفسر، فكان هذا هو من اصطفاه الله لرسائله، وصنعه على عينه، وحمله تبعة أمانته، وهو الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١، وقال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢. ومن هنا أصبح قول الرسول وعمله جزءًا من الدين وتشريع؛ لأنه المُبلِّغ من الله، والأمين على الوحي، والمطبِّق الأول للأحكام والتعاليم، وهو الذى فسر وأحال النصوص إلى أعمال وتطبيقات، وقد قال: "خذوا عنى مناسككم" ٣، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلى" ٤ وصرح كتاب الله العلي الأعلى بأن الرسول معصوم أمين ومتلقٍّ عن الله كل ما يقوله في الدين أو يعمله فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٥. وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٦. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ٧.

стр. 99

وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١. وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢. السنة جزء من الوحى الإلهى: وترجم الرسول نفسه عن أن سنته جزء من الوحى الإلهي، فقال: "إني أوتيت الكتاب ومثله معه" ٣، وقال: "والذى نفسى بيده ما خرج منه إلا الحق" ٤. والأمة المؤمنة كلها من عهد رسوله تدرك أن السنة النبوية إنما اعتمدت على الوحى واستمدت منه، وكان المؤمنون الأولون يجمعون على أن هذه حقيقةث بديهية لا تقبل الجدل أو الارتياب، وهؤلاء مثلهم الخلفاء الراشدون -رضوان الله عليهم أجمعين- وهم خيار الناس في المجتمع المسلم، كانت لهم آراؤهم وشخصياتهم، ولكنهم أمام سنة الرسول يخضعون ويسلمون؛ لأنها هدى النبي الأمين المتلقى عن الله رب العالمين، ولقد حدث أن بعض الخلفاء رأى بعض المسلمين يقول قولا ام يسمعه الخليفة من قبل، فقام يعرضه ويناهضه، ولكنه حينما علم أن هذا من قول الرسول المعصوم المؤيد بالوحي رجع وخضع، ولو رجعنا إلى أئمة الفقهاء لوجدناهم يجمعون على أن سنة الرسول جزء من الوحى.

стр. 100

السنة بين الأعلام والأقزام: وقد اتسع نطاق الفقه الإسلامى، ونشأت فيه من مذاهب ومدارس تقول بالقياس والرأي والاجتهاد، ومع هذا ظل أهلوها يخضعون لسلطان الحديث النبوى، فإذا قعَّدوا قاعدة، أو رأوا رأيا، أو استنبطوا حكما، ثم بلغهم حديثٌ ثابتٌ عن الرسول يخالف ما ذهبوا إليه رجعوا عن رأيهم، وخضعوا لما أتاهم من هدى الرسول، وهذا هو الإمام أبو حنيفة الذى يعتبر أكثر الأئمة أخذا بطريقة القياس والرأي كان يلغي رأيه أمام الحديث الثابت، وهذا هو الإمام الشافعى يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبى"، فإذا كان الأئمة الأعلام قد خضعوا وخشعوا أمام نور النبوة وجلال الرسالة، وحفظوا للسنة المحمدية جلالها ووقارها، فكيف استباح الصغار الأقزام أن يتطاولوا فيحرضوان على تركها أو الاستخفاف بها؟ ألا ساء ما يصنعون!. والواقع أن وظيفة السنة ترينا بوضوح أنها جزء من الوحي، وأنها المصدر الثانى الأساسي من مصادر التشريع الإسلامي بعد كتاب الله تعالى؛ لأنها فسرت وأبانت، وشرحت وحددت وخصصت العام، وأوضحت المبهم، فالقرآن مثلا قد ذكر العبادات بأسمائها أو بملامح عامة لها، ولم يذكر صفاتها ولا كيفياتها، ولم يتعرض لما فيها من تفاصيل وأجزاء، فقال القرآن مثلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ١، ولكن كيف نقيمها؟ جاءت السنة فذكرت لنا هيئة الصلاة وحددت مواقيتها، وبينت عددها، وما فيها من قيام وركوع وسجود وقعود وتشهد وسلام، وقال القرآن: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢.

стр. 101

وجاءت السنة فتكفلت ببيان مقاديرها وطريقة جمعها والأنواع التى تؤخذ فيها. وقال القرآن: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ ١، ولكن كيف نصوم؟ ومتى نفطر؟ وما أنواع المفطرات؟ وما آداب الصيام؟ بكل ذلك جاءت السنة شارحة موضحة. وقال القرآن: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٢، ولكن الرسول جاء فأوضح لنا أحكام الحج وأعماله من إحرام وطواف وسعى ووقوف بعرفة وذبح ورمى للجمار، وقال لنا بعد بيان ذلك: "خذوا عنى مناسككم" أي حجوا كما رأيتموني أحج، أفلا تكون سنة الرسول مع هذا جزءا من الوحى، وجانبا من جوانب الدين؟! والسنة توضح من القرآن ما يحتاج إلى توضيح، فقد قال القرآن مثلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٣، فقال رجل عندما سمع الآية: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ويقع في ظلم "يقصد ألوان الظلم الكثيرة اليسيرة"، فقال له النبى: ليس ذاكم وإنما الشرك٤، فهل فسر محمد هذا من عنده أو هو تعليم الله العليم الخبير؟ " والقرآن يقول في المحرمات: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٥.

стр. 102

فتأتى السنة النبوية، وتضيف إلى ذلك أنه يحرم أن يجمع الإنسان في الزواج بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها، أفيقول الرسول هذا برأيه أم يتلقاه عن الله رب العالمين؟ وهناك كثير من ألوان الطعام المحرمة التى يذكرها القرآن، وتكفلت السنة بذكرها، فصار حكمها واجب الالتزام لأنها أبانت جوانب من الحلال والحرام. اجتهاد الرسول ﷺ : قد يقال إن الرسول له اجتهاد، وهذا صحيح، فالرسول كان يجتهد فيمالم ينزل فيه حكم، وفي حادثة تعرض لأول مرة، وقد وجهه الله ذلك؛ ليدرب أمته على التماس وجوه الحق إذا لم يكن هناك نص، فتقوى العقول وتظهر الهمم، وقد حدث في بعض الأحيان القليلة أن اجتهد الرسول، ثم جاء القرآن الحكيم بحكم آخر؛ وذلك ليبين للناس أن الله وحده هو صاحب الأمر الأول والآخير، قال تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ ١. ولذلك جاء في القرآن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢. فالرسول بشر، وليس بإله ولا معبود، ولكنه مع هذا مؤيد بالوحي، معصوم بقدرة الله وتوجيهه، أمين في وحيه والتبليغ عن ربه، فإذا قال هؤلاء أو حكم حكما، أو منع شيئا، لم يكن ذلك اختراعا منه ولا ابتداعا من نفسه، بل هو جزء من وحي ربه يتمم به دعوة القرآن، ويوضح عن طريقه شريعة الإسلام، فوجب على كل مسلم أن يتلقى بالرضى والقبول والتسليم كل ما ثبت وصح من السنة النبوية وإلا كان غير خاضع للإسلام.

стр. 103

يا أتباع محمد ﵊ احذروا أن يغركم بسنة رسولكم الغرور، ولا تلقوا بالا إلى أولئك الآثمين الذين يهونون من جلال السنة وآثار النبوة، فهم في الواقع يهونون من شأن الملة والشريعة، ومن واجب المجتمع أن يعجل بإنشاء دار الحديث التى تعنى بكل ما يتعلق به، وأن تتسع الدراسات المتعلقة بعلوم الحديث في الجامع الأزهر الشريف، وأن تهتم كل المجالات الإسلامية بهذه الدراسات، ومن واجباتنا أن تقبل على سنة الرسول فنتعرف إليه ونتدارسها، ونغترف منها، ونربط بها ناشئتنا وأسرنا، حتى تكون لنا من وراء كتاب ربنا هدْيا ونبراسًا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ١. وسبحان من لو شاء لهدى الناس جميعا إلى سواء السبيل، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُون﴾ ٢.

стр. 104

عوامل مساعدة للخطيب ١: في التحاميد المقتسبة من القرآن: الحمد لله ذى الأسماء الحسنى والمثل الأعلى٢ لا يؤوده حفظ٣ كبير ولا يعزب عنه علم صغير٤ [يعلم] ٥ خائنة الأعين وما تخفى الصدور، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٦. الحمد لله خلق الأشياء كلها على غير مثال وأنشأها على غير حدود ودبر الأمور بلا مشير، وقضى في الدهور بلا ظهير، و [أمسك] ٧ السماء بقدرته٨، وبناها بإرادته وأسكنها ملائكته الذين اصطفاهم لمجاورته وجبلهم على طاعته٩، ونزههم عن معصيته، وجعلهم سكان سماواته، وحملة

стр. 105

عرشه، ورسله إلى أنبيائه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ١، وبسط [الأرض] ٢ لكافة خلقه، وقسم بينهم الأرزاق وقدر لهم الأقوات. فهم في قبضته يتقلبون، وعلى أقضيته يجرون حتى يرث الأرض ومن عليها "وهو خير الوارثين"٣. الحمد لله الذي خلق السماء بأيده فرفعها٤، ودحا الأرض بقدرته٥ فبسطها، وبث فيها من كل دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير٦. الحمد لله الذي قدر فسوى، وخلق فهدى، ولم يترك خلقه سدى٧، ولكنه امتحنهم وابتلاهم، وأمرهم ودعاهم لما يحييهم، وندبهم إلى ما ينجيهم، فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٨. الحمد لله المعز المذل، المرشد المبطل الذي يزهق الباطل بنعمائه٩، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِه﴾ ١٠ ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ ١١.

стр. 106

الحمد لله السابغ عطاؤه، النافذ قضاؤه، الذى ينتقم من الظالمين١ ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٢. فى التقوى: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٣. وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين﴾ ٥. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون﴾ ٦. وقال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٧. وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٨.

стр. 107

وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ١. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ٢. في الصبر: وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْر﴾ ٣، ﴿اصْبِرُوا﴾ ٤، ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٥، ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ ٦. وقال: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ ٧. وقال: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾ ٨. وقال: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ٩. في الشكر: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ١٠.

стр. 108

﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ ١. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ ٢. ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٣. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ٤. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ٥. ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٦. في العفو: قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٧، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٨. وقال: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ٩.

стр. 109

في صلة الرحم: قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ١. وقد ذم قاطع الرحم فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ ٣. في بر الوالدين: قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ ٤. وقال عز ذكره: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ٥ فأمر بشكر الوالدين بعد شكره. في الإنفاق والجود: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٦.

стр. 110

وقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٢، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ٤. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ٥، ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُم﴾ ، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٦. في ذكر المروءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٧. في حسن القول للناس: قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ٨. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٩.
следующие страницы →