← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[شرح مختصر الروضة]ـ المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: ٧١٦هـ) المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م عدد الأجزاء: ٣ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ يَا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَيَا مُوجِدَ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَيَا مُفِيضَ الْخَيْرِ وَالْجُودِ، عَلَى كُلِّ قَاصٍ مِنْ خَلْقِهِ وَدَانٍ. ــ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ نَجْمُ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ الطُّوفِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ: قَوْلُهُ: " اللَّهُمَّ يَا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَيَا مُوجِدَ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَيَا مُفِيضَ الْخَيْرِ وَالْجُودِ، عَلَى كُلِّ قَاصٍ مِنْ خَلْقِهِ وَدَانٍ ". الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَنَظَائِرَهَا مِنْ خُطْبَةِ الْكِتَابِ مُرَبَّعَةٌ نُونِيَّةٌ. أَعْنِي أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَرْبَعِ فِقَرٍ: ثَلَاثٌ مِنْهَا عَلَى فَاصِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالرَّابِعَةُ فَاصِلَتُهَا نُونٌ، غَيْرَ أَنَّ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ تَخْتَلِفُ حُرُوفُ فَوَاصِلِ فِقَرِهَا فِي الْخُطْبَةِ، كَالدَّالِ فِي هَذِهِ، وَالْهَاءِ وَالْمِيمِ وَالْهَمْزَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَهَا، كَقَوْلِهِ: " الْبَاهِرَةِ " وَ " النَّدَمِ " وَ " الْآلَاءِ " و" أَسْلَمَ " وَ " أَصْفِيَائِكَ " إِلَى آخَرِ الْخُطْبَةِ، وَالرَّابِعَةُ لَازِمَةٌ لِلنُّونِ لَا تَخْتَلِفُ، وَنَظِيرُ هَذِهِ

стр. 3

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْخُطْبَةِ فِي التَّرْبِيعِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ١٤] . فَالْفِقَرُ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ عَلَى الْكَافِ وَالْمِيمِ بِخِطَابِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ، وَالرَّابِعَةُ عَلَى الرَّاءِ، وَالنَّظِيرُ هَاهُنَا فِي مُطْلَقِ التَّرْبِيعِ لَا فِي عَيْنِ حُرُوفِ الْفَوَاصِلِ. وَالْفِقَرُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ فِقْرَةٍ - بِسُكُونِ الْقَافِ - وَهِيَ أَجْوَدُ بَيْتٍ فِي الْقَصِيدَةِ، شُبِّهَ بِفَقَارَةِ الظَّهْرِ، ثُمَّ سُمِّيَتِ الْقِطْعَةُ مِنَ السَّجْعِ فِقْرَةً تَشْبِيهًا بِهِ، وَالْفَاصِلَةُ فِي النَّثْرِ كَالْقَافِيَّةِ فِي الشِّعْرِ، وَقَدْ حَقَّقْتُ الْقَوْلَ فِيهَا فِي كِتَابِ " بُغْيَةِ الْوَاصِلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْفَوَاصِلِ ". الْوَجْهُ الثَّانِي: لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَلَى مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢٨] وَ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٤] لَا يَسْتَقِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ مُرَادَاتِهِ بِدُونِ إِعَانَةٍ مِنَ اللَّهِ ، وَتَوْفِيقٍ، وَعِصْمَةٍ، وَتَسْدِيدٍ. وَكَانَ دُعَاءُ اللَّهِ وَنِدَاؤُهُ فِي الْمُهِمَّاتِ وَغَيْرِهَا مَشْرُوعًا، وَافْتِتَاحُ الْأُمُورِ الَّتِي يُرَامُ الشُّرُوعُ فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَالتَّبَرُّكِ بِذِكْرِ اسْمِهِ مَنْدُوبًا، كَمَا قَالَ : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٥] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٣] فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ وَعَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ مِنْ أَعْيَانِ الْبَشَرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَكَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ. وَفِي رِوَايَةِ

стр. 4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَبِي دَاوُدَ: كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ، فَهُوَ أَجْذَمُ رَوَاهُ مِنْ وُجُوهٍ، وَفِي بَعْضِهَا: لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ: كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ حَمْدِهِ فَهُوَ أَقْطَعُ. ذَكَرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِإِسْنَادِهِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ فِي " الْإِفْصَاحِ " وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدَّمْتُ نِدَاءَ اللَّهِ وَدُعَاءَهُ بِالتَّوْفِيقِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَجَعَلْتُ ذَلِكَ تَوْطِئَةً إِلَى حَمْدِهِ وَاسْتِجْلَابِ مَا عِنْدَهُ مِنْ فَوَاضِلِ رِفْدِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْكَلَامِ عَلَى أَلْفَاظِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَعَانِيهَا، فَأَقُولُ: اللَّهُمَّ: أَصْلُهُ يَا اللَّهُ، فَحُذِفَتْ " يَا " مِنْ أَوَّلِهِ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا ... أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا

стр. 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَكَانَ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الْحَذْفِ وَالتَّعْوِيضِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا. وَالثَّانِي: طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا، كَمَا قَالُوا: أَيْشٍ هَذَا، وَأَصْلُهُ أَيُّ شَيْءٍ هَذَا فِي نَظَائِرَ لَهُ كَثِيرَةٍ. أَمَّا وَاجِبُ الْوُجُودِ: فَالْوَاجِبُ هُوَ الْمُسْتَقِرُّ الثَّابِتُ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ ذِكْرِ أَقْسَامِ الْأَحْكَامِ. وَالْوُجُودُ: هُوَ الْإِثْبَاتُ الصِّرْفُ، كَمَا أَنَّ نَقِيضَهُ - وَهُوَ الْعَدَمُ - النَّفْيُ الصِّرْفُ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ الْوُجُودَ فِي الْمَعْلُومَاتِ بَدِيهَةٌ، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ التَّعْرِيفِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَوْلُهُمْ: وَاجِبُ الْوُجُودِ عِبَارَةٌ أَحْدَثَهَا الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ وَهِيَ لَا تُعْرَفُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَلَا فِي كَلَامِ السَّلَفِ فِيمَا عَلِمْنَا، لَكِنَّ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَعْنَى وَاجِبِ الْوُجُودِ عِنْدَ أَهْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ، وَوُجُودُهُ مِنْ ذَاتِهِ لِذَاتِهِ، لَا مِنْ سَبَبٍ خَارِجٍ، وَلَا لِعِلَّةِ خَارِجَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الْحَدِيدِ: ٣] ، وَقَوْلِهِ ﵇: أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّ الشَّيْءَ أَوِ الْمَعْلُومَ إِمَّا أَنْ يَجِبَ وُجُودُهُ لِذَاتِهِ أَوْ يَمْتَنِعَ وُجُودُهُ لِذَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ لِذَاتِهِ جَائِزَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا، أَعْنِي دَوَامَهُ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، كَإِنْسَانٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، أَوْ عَدَمَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ، كَإِنْسَانٍ وُجِدَ ثُمَّ عُدِمَ. فَالْأَوَّلُ: هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ، وَهُوَ اللَّهُ وَصِفَاتُهُ الذَّاتِيَّةُ، أَيِ: الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ، كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ، وَنَحْوِهَا، لَا غَيْرَ: وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمُحَالُ الْمُمْتَنِعُ الْوُجُودِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ، أَوْ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، كَكَوْنِ الشَّيْءِ مَعْدُومًا مَوْجُودًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَجِبُ وُجُودُ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ، وَيَمْتَنِعُ وَجُودُهُ لِغَيْرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَا كَانَ لِذَاتِهِ جَائِزَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، يُسَمَّى مُمْكِنًا، كَالْعَالَمِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سَبَبٍ آخَرَ يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ إِنِ افْتَقَرَ فِي وُجُودِهِ إِلَى سَبَبٍ مُؤَثِّرٍ فِيهِ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، فَهُوَ الْمُمْكِنُ الْجَائِزُ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ، فَهُوَ الْوَاجِبُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ يَخْتَصُّ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ، لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا وُجُودَ لَهُ حَتَّى يَفْتَقِرَ إِلَى مُؤَثِّرٍ خَارِجٍ، أَوْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ. وَمَعْنَى قَوْلِنَا: وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ: أَنَّ عِلَّةَ وُجُودِهِ ذَاتُهُ أَوْ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا كَانَ الْمَوْجُودُ لِذَاتِهِ دَائِمَ الْبَقَاءِ مَا دَامَتْ ذَاتُهُ مَوْجُودَةً، بِخِلَافِ مَا عِلَّةُ وُجُودِهِ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ.

стр. 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَوْجُودُ لِذَاتِهِ لَوْ قُدِّرَ زَوَالُ عِلَّتِهِ، وَهِيَ ذَاتُهُ، لَزَالَ. قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ مَا عِلَّةُ وُجُودِهِ ذَاتُهُ لَا يُمْكِنُ زَوَالُ عِلَّتِهِ حَتَّى يَزُولَ، لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْعِلْمِ الْكَلَامِيِّ. وَقَوْلُهُ: وَيَا مُوجِدَ كُلِّ مَوْجُودٍ " يَعْنِي مِنَ الْمُمْكِنَاتِ، وَهُوَ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ، وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَهَا، وَأَفَاضَ عَلَيْهَا وُجُودَهَا بِقُدْرَتِهِ. وَقَوْلُهُ: " وَيَا مُفِيضَ الْخَيْرِ وَالْجُودِ " الْخَيْرُ: ضِدُّ الشَّرِّ، وَهُوَ مَا يُلَائِمُ الطَّبْعَ الْمُعْتَدِلَ السَّلِيمَ وَيَخْتَارُهُ الْعَاقِلُ، نَعَمْ قَدْ يَكُونُ وَجْهُ الِاخْتِيَارِ فِي الشَّيْءِ ظَاهِرًا، كَالْعَافِيَةِ الدَّائِمَةِ، وَالرِّئَاسَةِ الْعَالِيَةِ، وَالْمَآكِلِ وَالْمُشَارِبِ الْمُسْتَطَابَةِ، وَقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا كَامِنًا فِي ضِدِّهِ، حَتَّى إِذَا ظَهَرَ، لَاحَ وَجْهُ الِاخْتِيَارِ فِيهِ، كَالْأَمْرَاضِ وَالْعَاهَاتِ وَالذُّلِّ وَالْخُمُولِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الصِّحَّةِ، وَالرِّفْعَةِ فِي الْعُقْبَى، وَشُرْبِ الْأَدْوِيَةِ الْكَرِيهَةِ الْمُفْضِي إِلَى زَوَالِ الْعِلَّةِ، فَهِيَ خَيْرَاتٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا وَمَآلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شُرُورًا بِاعْتِبَارِ صُورَتِهَا وَحَالِهَا، وَأَفْعَالُ اللَّهِ فِي الْوُجُودِ كُلُّهَا حِكْمَةٌ وَخَيْرٌ، لَكِنْ مِنْهَا مَا ظَهَرَ فِيهِ وَجْهُ الِاخْتِيَارِ، كَالنَّافِعِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَمِنْهَا مَا خَفِيَ فِيهِ ذَلِكَ كَالْمُضِرِّ مِنَ السِّبَاعِ وَأَنْوَاعِ الْعَقَارِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةَ مَصَالِحِ عِبَادِهِ: إِنَّ دُخُولَ النَّارِ وَالْخُلُودَ فِيهَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْكُفَّارِ، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ. وَالْخَيْرُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ مَصْدَرُ: خَارَ يَخِيرُ خَيْرًا: إِذَا صَارَ خَيِّرًا، وَخَارَ اللَّهُ لَهُ يَخِيرُ لَهُ خَيْرًا. إِذَا اخْتَارَ لَهُ مَا يُوَافِقُهُ. وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: هُوَ ضِدُّ الشَّرِّ، وَهُوَ مَا وَافَقَ الْغَرَضَ بِوَجْهٍ مَا، وَهُوَ مِنَ

стр. 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْإِضَافِيَّاتِ، أَيْ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ خَيْرًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَالْجُودُ: مَصْدَرُ جَادَ الرَّجُلُ بِمَالِهِ يَجُودُ جُودًا: إِذَا بَذَلَهُ لَا لِعِوَضٍ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْجَوْدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَهُوَ الْمَطَرُ الْغَزِيرُ، يُقَالُ: جَادَ الْمَطَرُ يَجُودُ جَوْدًا. وَمُفِيضُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ: أَفَاضَ يُفِيضُ إِفَاضَةً، فَهُوَ مُفِيضٌ، وَحَقِيقَتُهُ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ، يُقَالُ: فَاضَ الْقَدَحُ وَالْإِنَاءُ إِذَا صَبَبْتَ فِيهِ مِنَ الْمَائِعِ حَتَّى امْتَلَأَ، وَجَعَلَ يَتَبَدَّدُ مِنْ حَافَّاتِهِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعَانِي، نَحْوَ: أَفَاضَ الْخَيْرُ وَالْعَطَاءُ، وَأَفَاضُوا فِي الْحَدِيثِ، وَأَفَاضَ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى إِلَى الْبَيْتِ لِلطَّوَافِ مَجَازٌ، وَهَذِهِ الْمَادَّةُ بِالضَّادِ، أَمَّا قَوْلُهُمْ: فَاظَتْ نَفْسُهُ فَفِيهِ مَعْنَى الْفَيْضِ إِلَّا أَنَّهُ بِالظَّاءِ، إِمَّا مُلَاحَظَةً لِمَعْنًى آخَرَ، أَوْ فَرْقًا بَيْنَ فَاضَ الْمَاءُ وَفَاظَتْ نَفْسُهُ، وَكَثِيرًا مَا يُفَرِّقُونَ بِاخْتِلَافِ الْحُرُوفِ بَيْنَ الْمَعَانِي وَالْمَدْلُولَاتِ، كَقَوْلِهِمْ: الْبَيْضُ كُلُّهُ بِالضَّادِ إِلَّا بَيْظَ النَّمْلِ بِالظَّاءِ. وَقَوْلُهُ: «عَلَى كُلِّ قَاصٍ مِنْ خَلْقِهِ وَدَانٍ» . الْقَاصِي: الْبَعِيدُ، وَالدَّانِي: الْقَرِيبُ. وَالَّذِي خَطَرَ بِبَالِي وَقْتَ إِنْشَاءِ الْخُطْبَةِ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ الْمَكَانِيُّ، وَهُوَ إِنَّمَا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَجْزَاءِ الْعَالَمِ مِنْ شَخْصٍ وَمَكَانِ صِحَّةٍ إِضَافِيَّةٍ، مَثَلًا مَنْ فِي الشَّامِ أَقْرَبُ إِلَى مَنْ بِمِصْرَ مِمَّنْ بِبَغْدَادَ وَبِلَادِ الْمَشْرِقِ، وَبِالْعَكْسِ مَنْ بِالشَّامِ أَقْرَبُ إِلَى مَنْ بِبَغْدَادَ مِمَّنْ بِمِصْرَ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، فَلَا يُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ عَلَى

стр. 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خِلَافِ الْمُشَاهَدَاتِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَالظُّهُورِ وَالْبُطُونِ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اخْتِفَائِهِ، بَاطِنٌ فِي ظُهُورِهِ، قَرِيبٌ فِي بُعْدِهِ، بَعِيدٌ فِي قُرْبِهِ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الْحَدِيدِ: ٣] . وَأَيْضًا كَمَا لَا يُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ، لَا يُقَالُ: بَعْضُهَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَنْفِي الْجِهَةَ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، أَمَّا مَنْ يُثْبِتُ الْجِهَةَ، فَقَدْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ، وَيَجُوزُ تَخْرِيجُ الْكَلَامِ عَلَى الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ. فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: مُفِيضَ الْخَيْرِ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ إِلَيْكَ، أَيْ: إِلَى رَحْمَتِكَ بِالطَّاعَةِ، وَكُلِّ بَعِيدٍ عَنْكَ بِالْمَعْصِيَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ أَسْبَغَ إِنْعَامَهُ عَلَى الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ.

стр. 10

وَيَا ذَا الْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ الْقَاهِرَةِ، وَيَا سُلْطَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَجَامِعَ الْإِنْسِ وَالْجَانِّ. ــ قَوْلُهُ: «وَيَا ذَا الْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ الْقَاهِرَةِ، وَيَا سُلْطَانَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَجَامِعَ الْإِنْسِ وَالْجَانِّ» . لَمَّا كَانَ الْمَرْغُوبُ فِيهِ إِلَى اللَّهِ هَاهُنَا هُوَ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ لِلتَّحْقِيقِ، وَالْعِصْمَةَ مِنَ الزَّلَلِ، وَالْحِرَاسَةَ مِنَ الْخَلَلِ، نَاسَبَ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ ، وَيُثْنَى عَلَيْهِ بِالْقُدْرَةِ، وَالْقُوَّةِ وَالسَّلْطَنَةِ الْعَامَّةِ، الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِهَا الْمَرْغُوبُ الْمَذْكُورُ. وَالْقُدْرَةُ: صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ يَتَحَقَّقُ بِهَا اخْتِرَاعُ الْمَوْجُودَاتِ، وَالْقَدِيمَةُ: الَّتِي لَا مَبْدَأَ لَهَا فِي الزَّمَانِ، بَلْ قَارَنَ وُجُودُهَا وُجُودَ الذَّاتِ، وَالْبَاهِرَةُ: الْغَالِبَةُ، أَيْ: غَلَبَتْ قُدْرَتُهُ كُلَّ مَقْدُورٍ حَتَّى انْقَادَ لَهَا وَهُوَ ذَلِيلٌ مَقْهُورٌ، يُقَالُ: بَهَرَ الْقَمَرُ: إِذَا أَضَاءَ وَغَلَبَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الْكَوَاكِبِ، وَبَهَرَ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا غَلَبَهُ، وَبَهَرَتْ فُلَانَةٌ النِّسَاءَ: غَلَبَتْهُنَّ حُسْنًا، وَبَهَرَهُ الْحِمْلُ: غَلَبَهُ حَتَّى تَتَابَعَ نَفَسُهُ، وَهُوَ اللَّهَثُ. وَالْقُوَّةُ: صِفَةٌ أَثْبَتَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٨] ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢٥] . وَهِيَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْأَمْرِ الْعَامِّ: مَعْنًى يَتَحَقَّقُ بِهِ قَهْرُ الْأَضْدَادِ، وَفِعْلُ مَا يُسْتَصْعَبُ فِي عُرْفِ الْمَخْلُوقِينَ، يُقَالُ: فُلَانٌ قَوِيٌّ عَلَى قَمْعِ عَدُوِّهِ، وَعَلَى رَفْعِ الْحِمْلِ الثَّقِيلِ، وَحَكَى اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ بِلْقِيسَ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ﴾

стр. 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَدِيدٍ [النَّمْلِ: ٣٣] ، وَاللَّهُ لَا يُغَالِبُهُ عَدُوٌّ أَوْ مُضَادٌّ إِلَّا قَهَرَهُ وَقَمَعَهُ، وَلَا يُرِيدُ فِعْلَ شَيْءٍ - وَإِنِ اسْتَصْعَبَهُ الْمَخْلُوقُونَ - إِلَّا هَانَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ لَا يَهُونُ وَهُوَ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، غَيْرَ أَنَّ قُوَّةَ اللَّهِ وَتَأْثِيرَهَا لَيْسَتْ كَقُوَّةِ الْمَخْلُوقِينَ وَتَأْثِيرِهَا، لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ إِنَّمَا تُؤَثِّرُ قُوَّتُهُ بِوَاسِطَةِ الْعِلَاجِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعِلَاجِ وَالْمِزَاجِ، كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: مَوْجُودٌ بِلَا مِزَاجٍ، فَعَّالٌ بِلَا عِلَاجٍ. وَالسُّلْطَانُ: الْوَالِي، وَجَمْعُهُ: سَلَاطِينُ، وَهُوَ فُعْلَانُ مِنَ السَّلَاطَةِ، وَهِيَ الْقَهْرُ، وَقَدْ سَلَّطَهُ اللَّهُ فَتَسَلَّطَ. قَوْلُهُ: «جَامِعَ الْإِنْسِ وَالْجَانِّ» مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٥] ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ نَفْسٍ، أَعَمُّ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ قَدْ صَرَّحَ بِجَمْعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣١] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الْآيَاتِ [الرَّحْمَنِ: ٣٣] .

стр. 12

تَنَزَّهْتَ فِي حِكْمَتِكَ عَنْ لُحُوقِ النَّدَمِ، وَتَفَرَّدْتَ فِي إِلَهِيَّتِكَ بِخَوَاصِّ الْقِدَمِ، وَتَعَالَيْتَ فِي أَزَلِيَّتِكَ عَنْ سَوَابِقِ الْعَدَمِ، وَتَقَدَّسْتَ عَنْ لَوَاحِقِ الْإِمْكَانِ. ــ قَوْلُهُ: «تَنَزَّهْتَ فِي حِكْمَتِكَ عَنْ لُحُوقِ النَّدَمِ، وَتَفَرَّدْتَ فِي إِلَهِيَّتِكَ بِخَوَاصِّ الْقِدَمِ، وَتَعَالَيْتَ فِي أَزَلِيَّتِكَ عَنْ سَوَابِقِ الْعَدَمِ، وَتَقَدَّسْتَ عَنْ لَوَاحِقِ الْإِمْكَانِ» . تَنَزَّهْتَ، أَيْ: تَبَاعَدْتَ عَنْ لُحُوقِ النَّدَمِ، وَمَادَّةُ ن ز هـ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْبُعْدِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الصِّحَاحِ» وَفُهِمَ مِنْ فُرُوعِ الْمَادَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا هُنَاكَ. وَالْحِكْمَةُ: مَعْنًى قَامَ بِالذَّاتِ، يَتَحَقَّقُ بِهِ وُقُوعُ الْأَفْعَالِ وَسَطًا بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، خَالِيَةً عَنِ التَّفْرِيطِ وَالتَّبْسِيطِ، آمِنَةً مِنْ لُحُوقِ الِاخْتِلَالِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ كَامِلَ الْحِكْمَةِ، لَمْ يَلْحَقْهُ فِيمَا يَفْعَلُهُ نَدَمٌ، لِأَنَّهُ مَعَ كَمَالِ حِكْمَتِهِ تَامُّ الْعِلْمِ بِمَا كَانَ وَسَيَكُونُ، فَلَا يَتَطَرَّقُ عَلَيْهِ النَّدَمُ، مَعَ كَمَالِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ، خِلَافًا لِلْيَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْبَارِئَ غَضِبَ عَلَى الْعَالَمِ فِي زَمَنِ نُوحٍ ﵇، فَأَهْلَكَهُمْ بِالطُّوفَانِ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَى إِهْلَاكِهِمْ وَبَكَى حَتَّى رَمَدَتْ عَيْنَاهُ، فَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فِي الرَّمَدِ، وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ الشَّرَّ لَمَّا كَثُرَ فِي زَمَنِ نُوحٍ ﵇ أَسِفَ الرَّبُّ وَحَزِنَ قَلْبُهُ عَلَى خَلْقِهِ لِآدَمَ فِي الْأَرْضِ، وَعَزَمَ عَلَى إِهْلَاكِ مَنْ فِيهَا مِنْ كُلِّ ذِي رُوحٍ إِلَّا نُوحًا ﵇، فَإِنَّهُ وَجَدَ رَحْمَةً بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهْلَكَ الْعَالَمَ بِالطُّوفَانِ قَالَ فِي قَلْبِهِ: لَا أَعُودُ أُبِيدُ أَهْلَ الْأَرْضِ لِمَوْضِعٍ أَنَّ ضَمِيرَ قَلْبِ الْإِنْسَانِ إِلَى الشَّرِّ مُذْ حَدَاثَتِهِ

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلَا أَعُودُ أُهْلِكُ كُلَّ حَيٍّ كَالَّذِي فَعَلْتُ وَهَذَا عَيْنُ النَّدَمِ، وَهُوَ مِنْ تَحْرِيفِ الْيَهُودِ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ. وَتَفَرَّدْتَ، أَيْ: تَوَحَّدْتَ وَاخْتَصَصْتَ، وَالْإِلَهِيَّةُ هِيَ كَوْنُهُ إِلَهًا، كَمَا أَنَّ الْعَالِمِيَّةَ وَالْقَادِرِيَّةَ عِنْدَ مُثْبِتِي الْأَحْوَالِ كَوْنُهُ عَالِمًا قَادِرًا. وَالْخَوَاصُّ: جَمْعُ خَاصَّةٍ، وَهُوَ مَعْنًى كُلِّيٌّ، يَلْزَمُ الشَّيْءَ وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، كَالضَّحِكِ لِلْإِنْسَانِ وَنَحْوِهِ، وَلِلْمَنْطِقِيِّينَ فِي تَعْرِيفِ الْخَاصَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ رُسُومٌ مَشْهُورَةٌ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَعْرِيفِ الْخَاصَّةِ أَعَمُّ مِمَّا يَذْكُرُونَهُ، لِأَنَّهُ الْمُرَادُ هَاهُنَا. وَالْقِدَمُ: يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ التَّعْرِيفُ الْعَدَمِيُّ، وَهُوَ عَدَمُ الْأَوَّلِيَّةِ أَوْ عَدَمُ السَّبْقِ بِالْعَدَمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ التَّعْرِيفُ الْوُجُودِيُّ، وَهُوَ اسْتِغْرَاقُ الْأَزْمِنَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ وَالتَّقْدِيرِيَّةِ بِالْوُجُودِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا الْأَزْمِنَةَ التَّحْقِيقِيَّةَ وَالتَّقْدِيرِيَّةَ، لِأَنَّ الزَّمَانَ عِنْدَنَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَحْقِيقِيٍّ: وَهُوَ الصَّادِرُ عَنْ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ، وَتَقْدِيرِيٍّ: وَهُوَ مَا قَبْلَ خَلْقِ الْأَفْلَاكِ، يَعْنِي أَنَّ إِيجَادَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا الْبَارِئُ كَانَ مُمْكِنًا، وَكَانَتْ حِينَئِذٍ الْأَزْمِنَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ تَصْدُرُ عَنْهَا، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلَا بُدَّ فِي الْجَوَابِ عَمَّا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا يَوْمَ

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَحَدِ الْحَدِيثَ، عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ مُخْتَصَرِ التِّرْمِذِيِّ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِنَا، أَمَّا عَلَى رَأْيِ الْفَلَاسِفَةِ فِي قِدَمِ الزَّمَانِ التَّحْقِيقِيِّ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِنَا: وَالتَّقْدِيرِيَّةِ، وَخَوَاصُّ الْقِدَمِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا، وَلَا يَكُونُ جَوْهَرًا وَلَا عَرَضًا، وَلَا يَكُونُ لَهُ بِدَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ، بَلْ هُوَ أَزَلِيٌّ سَرْمَدِيٌّ. وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ: أَنْ لَا يَكُونَ وُجُودُهُ زَائِدًا عَلَى ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ، وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ تَحْقِيقٌ وَنَظَرٌ. وَالْخَوَاصُّ: جَمْعُ خَاصَّةٍ، وَهِيَ مَا يُلَازِمُ الشَّيْءَ وَلَا يُفَارِقُهُ، وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، كَانْتِصَابِ الْقَامَةِ لِلْإِنْسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مَعْنَى الْخَاصَّةِ عَنْ قُرْبٍ. وَتَعَالَيْتَ: تَفَاعَلْتَ مِنَ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ، وَهُوَ تَعَالَى مَعْنَوِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ بِمَعْنَى الْجِهَةِ، كَمَا يُقَالُ: تَرَفَّعَ زِيدٌ عَنْ لُحُوقِ الْعَارِ وَنَحْوُهُ. وَالْأَزَلِيَّةُ: لَفْظَةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْأَزَلِ، وَهِيَ فِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ عِبَارَةٌ

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِدَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْمَسْبُوقَةِ بِالْعَدَمِ، وَيُقَابِلُونَهُ بِالْأَبَدِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّنَاهِي فِي اسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ. يَقُولُونَ مَثَلًا: ذَاتُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ الذَّاتِيَّةُ مَوْجُودَةٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَفِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ، فَمَا لَا يَزَالُ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَبَدِ أَيْضًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَزَلَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ مَفْهُومٍ لَمْ يَزَلْ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. لَا لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلُوا النَّفْيَ بِهَا بِمَعْنَى الْأَبَدِ، وَ «لَمْ» لِنَفْيِ الْمَاضِي، وَهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ النَّفْيَ بِهَا بِمَعْنَى الْأَزَلِ، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَزَلَ هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا لَمْ يَزَلْ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَزَلِ لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَا يَعْرِفُونَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَوْلِيدِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، فَكَأَنَّهُمُ اخْتَصَرُوا مَا لَمْ يَزَلْ فِي لَفْظِ الْأَزَلِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْأَزَلُ بِالتَّحْرِيكِ: الْقِدَمُ، يُقَالُ: أَزَلِيٌّ، ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَوْلُهُمْ لِلْقَدِيمِ: لَمْ يَزَلْ، ثُمَّ نُسِبَتْ إِلَى هَذَا فَلَمْ تَسْتَقِمْ إِلَّا بِاخْتِصَارٍ فَقَالُوا: يَزَلِيٌّ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِأَنَّهَا أَخَفُّ، كَمَا قَالُوا فِي الرُّمْحِ الْمَنْسُوبِ إِلَى ذِي يَزِنٍ: أَزَنِيٌّ. أَمَّا الْأَبَدُ: فَهُوَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الدَّهْرُ، وَالْجَمْعُ آبَادُ، وَالْأَبَدُ أَيْضًا: الدَّائِمُ، وَكَأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالسَّرْمَدُ: الدَّائِمُ أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ مِنَ السَّرْدِ، وَهُوَ الْمُتَابَعَةُ، فَكَأَنَّ

стр. 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السَّرْمَدَ الدَّائِمُ الْمُتَتَابِعُ وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الْقَصَصِ: ٧٢] الْآيَةَ، أَيْ دَائِمًا لَا يَتَخَلَّلُهُ لَيْلٌ. وَسَوَابِقُ الْعَدَمِ: جَمْعُ سَابِقَةٍ، أَيْ لَمْ يَتَقَدَّمْ وُجُودَكَ عَدِمَاتٌ سَابِقَةٌ، أَوْ أَزْمِنَةٌ سَابِقَةٌ، لِأَنَّ أَزَلِيَّتَكَ أَبَتْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ فِي سَابِقٍ وَلَاحِقٍ، أَوْ سَابِقَةٍ وَلَاحِقَةٍ أَبْلَغَ فِي التَّبْرِئَةِ وَالتَّنْزِيهِ فَكَانَ يُقَالُ: تَنَزَّهْتَ عَنْ سَابِقِ الْعَدَمِ، وَتَقَدَّسْتَ عَنْ لَاحِقِ الْإِمْكَانِ، أَوْ عَنْ سَابِقَةِ الْعَدَمِ، وَلَاحِقَةِ الْإِمْكَانِ، لِأَنَّ نَفْيَ الْفَرْدِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْجَمْعِ، وَنَفْيَ الْجَمْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْفَرْدِ عَلَى مَا عُرِفَ، لَكِنْ كَانَ لَفْظُ الْجَمْعِ أَوْلَى بِاعْتِدَالِ الْكَلَامِ وَاتِّزَانِهِ فَآثَرْنَاهُ، مَعَ أَنَّ الْخَطْبَ فِي هَذَا يَسِيرٌ. وَتَقَدَّسْتَ: أَيْ تَطَهَّرْتَ، وَجَمِيعُ مَادَّةِ «ق د س» أَوْ غَالِبُهَا تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ. وَلَوَاحِقُ الْإِمْكَانِ: مَا يَلْحَقُ الْمُمْكِنَ لِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، كَالْحُدُوثِ، وَالِافْتِقَارِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، وَالتَّرْكِيبِ إِنْ كَانَ جِسْمًا، وَشَغْلِ الْحَيِّزِ إِنْ كَانَ جَوْهَرًا، وَالِافْتِقَارِ إِلَى مَا يَقُومُ بِهِ، وَعَدَمِ الْتِقَاءِ زَمَانَيْنِ، أَوْ تَعَقُّبِ عَدِمِه وُجُودِهِ إِنْ كَانَ عَرَضًا، وَبِالْجُمْلَةِ أَضْدَادُ خَوَاصِّ الْقَدِيمِ السَّابِقَةِ هِيَ مِنْ لَوَاحِقِ الْمُمْكِنِ، وَالْإِمْكَانُ اسْتِوَاءُ نِسْبَةِ الْمَعْلُومِ إِلَى الْعَدَمِ وَالْوُجُودِ أَوْ قَابِلِيَّتُهُ لِلتَّأْثِيرِ عَنِ الْمُؤَثِّرِ.

стр. 17

أَحْمَدُكَ عَلَى مَا أَسَلْتَ مِنْ وَابِلِ الْآلَاءِ، وَأَزَلْتَ مِنْ وَبِيلِ اللَّأْوَاءِ، وَأَسْبَلْتَ مِنْ جَمِيلِ الْغِطَاءِ، وَأَزْلَلْتَ مِنْ كَفِيلِ الْإِحْسَانِ. ــ قَوْلُهُ: «أَحْمَدُكَ عَلَى مَا أَسَلْتَ مِنْ وَابِلِ الْآلَاءِ، وَأَزَلْتَ مِنْ وَبِيلِ اللَّأْوَاءِ، وَأَسْبَلْتَ مِنْ جَمِيلِ الْغِطَاءِ، وَأَزْلَلْتَ مِنْ كَفِيلِ الْإِحْسَانِ» . أَحْمَدُكَ، بِفَتْحِ الْمِيمِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَمْدُ نَقِيضُ الذَّمِّ، تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ حَمْدًا وَمَحْمَدَةً، فَهُوَ حَمِيدٌ وَمَحْمُودٌ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ، وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ. قُلْتُ: أَمَّا أَنَّ التَّحْمِيدَ أَبْلَغُ، فَلِأَنَّ بِنَاءَهُ - وَهُوَ التَّفْعِيلُ - يُفِيدُ التَّكْثِيرَ وَالتَّكْرَارَ، وَالْكَثِيرُ أَبْلَغُ مِنَ الْقَلِيلِ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَأَمَّا أَنَّ الْحَمْدَ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، فَلِأَنَّ الشُّكْرَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الصَّنِيعَةِ الْمُعْتَدِيَةِ إِلَى الْغَيْرِ، وَالْحَمْدُ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ، كَالشَّجَاعَةِ وَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي «شَرْحِ الْفَصِيحِ» : الشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُجَازَاةً، وَالْحَمْدُ يَكُونُ ابْتِدَاءً وَمُجَازَاةً. قُلْتُ: هُوَ مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ سِيَّانِ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِالْقَوْلِ وَالشُّكْرُ بِالْفِعْلِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَسَلْتَ: أَجْرَيْتَ إِجْرَاءً مُتَتَابِعًا بِشِدَّةٍ، وَمِنْهُ السَّيْلُ لِلْمَطَرِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَالْوَابِلُ: الْمَطَرُ الشَّدِيدُ، يُقَالُ: وَبَلَتِ السَّمَاءُ تَبِلُ، وَأَرْضٌ مَوْبُولَةٌ. وَالْآلَاءُ: النِّعَمُ،

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاحِدُهَا أَلًا بِالْفَتْحِ، وَقَدْ تُكْسَرُ، وَتُكْتَبُ بِالْيَاءِ مِثْلَ مِعًى وَأَمْعَاءٍ. وَأَزَلْتَ: مِنَ الْإِزَالَةِ، وَهِيَ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ، وَالْوَبِيلُ: فَعِيلٌ مِنَ الْوَبَالِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الثِّقَلُ وَالْوَخَامَةُ، وَمَرْتَعٌ وَبِيلٌ، أَيْ: وَخِيمٌ، وَلَعَلَّ الْوَبَالَ مِنْ هَذَا. وَاللَّأْوَاءُ: الشِّدَّةُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّأْوَاءَ لِذَاتِهَا صِفَةٌ وَخِيمَةٌ فَنَعُوذُ بِكَ مِنْهَا. وَأَسْبَلْتَ: مِنْ سَبْلِ إِزَارِهِ: إِذَا أَرْخَاهُ، وَهُوَ الْإِسْبَالُ، وَالْجَمِيلُ: الْحَسَنُ، وَأَصْلُهُ: الشَّحْمُ الْمُذَابُ، قَالُوا: وَجْهٌ جَمِيلٌ أَيْ كَأَنَّهُ لِنَضَارَتِهِ وَبَرِيقِهِ دُهِنَ بِالْجَمِيلِ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ حَسَنٍ: جَمِيلٌ، وَالْغِطَاءُ أَصْلُهُ الِارْتِفَاعُ وَغَطَا الْمَاءُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِذَا ارْتَفَعَ، [وَطَالَ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ غَطَا عَلَيْهِ] ، وَغَطَا اللَّيْلُ يَغْطُو وَيَغْطِي: إِذَا أَظْلَمَ، لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَيَعْلُو عَلَيْهَا فَيُخْفِيهَا، وَالْغِطَاءُ كَذَلِكَ يَعْلُو مِنْ تَحْتِهِ فَيُخْفِيهِ. وَأَزْلَلْتَ: أَصْلُهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَهُوَ الْمَيْلُ، يُقَالُ: زَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوُهُ إِذَا مَالَ عَنْهُ، وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٦] أَيْ أَمَالَهُمَا، فَالْمَعْنَى: أَمَلْتَ إِلَيْنَا مِنَ الْإِحْسَانِ، يُقَالُ: أَزَلَّ فُلَانٌ إِلَيَّ نِعَمَهُ، أَيْ أَمَالَهَا، وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ، فَإِنَّ النِّعَمَ فِي الْأَصْلِ كُلَّهَا لِلَّهِ ، لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئًا، وَنِسْبَتُهَا إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آحَادِ الْخَلْقِ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِذَا خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَبْدًا بِنِعْمَةٍ مَا، فَقَدْ أَمَالَهَا إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَكَفِيلُ الْإِحْسَانِ: شَامِلُهُ وَعَامُّهُ: مِنَ الْكِفْلِ، وَهُوَ كِسَاءٌ يُدَارُ حَوْلَ سَنَامِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ يُرْكَبُ، وَيَجُوزُ فِي مَعْنَى الضَّامِنِ، أَيْ: إِحْسَانُكَ إِلَيْنَا تَكْفَّلَ لَنَا بِالْكِفَايَةِ وَالْغَنَاءِ وَكُلِّ خَيْرٍ، وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ مَطْلُوبُ كُلِّ عَاقِلٍ، وَمُتَعَلَّقُ الْحَمْدِ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الْعَاقِلِ، إِمَّا دَفْعُ ضَرَرٍ وَهُوَ اللَّأْوَاءُ، أَوْ حُصُولُ نَفْعٍ وَهُوَ إِسَالَةُ الْإِحْسَانِ وَالْآلَاءِ، وَإِسْبَالُ جَمِيلِ الْغِطَاءِ.

стр. 20

حَمْدَ مَنْ آمَنَ بِكَ وَأَسْلَمَ، وَفَوَّضَ إِلَيْكَ أَمْرَهُ وَسَلَّمَ، وَانْقَادَ لِأَوَامِرِكَ وَاسْتَسْلَمَ، وَخَضَعَ لِعِزِّكَ الْقَاهِرِ وَدَانَ. ــ قَوْلُهُ: «حَمْدَ مَنْ آمَنَ بِكَ وَأَسْلَمَ، وَفَوَّضَ إِلَيْكَ أَمْرَهُ وَسَلَّمَ، وَانْقَادَ لِأَوَامِرِكَ وَاسْتَسْلَمَ، وَخَضَعَ لِعِزِّكَ الْقَاهِرِ وَدَانَ» . قَوْلُهُ: «أَحْمَدُكَ» : أَيْ: أَحْمَدُكَ حَمْدًا مِثْلَ حَمْدِ مَنْ آمَنَ بِكَ، فَحَذَفَ الْمَصْدَرَ وَصِفَتَهُ وَأَقَامَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ اخْتِصَارًا، لِأَنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ لَيْسَ حَمْدِي لِلَّهِ مَثَلًا هُوَ نَفْسَ حَمْدِ مَنْ آمَنَ غَيْرِي، بَلْ هُوَ مِثْلُهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أَعْطَى عَطَاءَ الْأَجْوَادِ، وَبَخِلَ بُخْلَ الْأَوْغَادِ، أَيْ: مِثْلُهُ، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ الْمِسْكُ مِنْهُمَا ... نَسِيمَ الصَّبَا جَاءَتْ بَرَيَّا الْقَرَنْفُلِ أَيْ تَضَوَّعَ تَضَوُّعًا مِثْلَ تَضَوُّعِ نَسِيمِ الصَّبَا، وَهُوَ أَكْثَرُ حَذْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ. وَقَوْلُهُ: «مَنْ آمَنَ بِكَ وَأَسْلَمَ» إِشَارَةٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَقَدْ نَصَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١٤] ، نَفَى الْإِيمَانَ وَأَثْبَتَ الْإِسْلَامَ، وَالْمَنْفِيُّ غَيْرُ الْمُثْبَتِ، فَالْإِيمَانُ غَيْرُ الْإِسْلَامِ، وَالْمُتَغَايِرَانِ مُفْتَرِقَانِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ جِبْرِيلَ الصَّحِيحُ حَيْثُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا الْإِيمَانُ؟ فَقَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ - أَيْ تُصَدِّقَ بِذَلِكَ - قَالَ: فَمَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ جِبْرِيلَ سَأَلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِيغَةٍ مُفْرَدَةٍ سُؤَالًا مُسْتَقِلًّا وَذَلِكَ قَاطِعٌ فِي الْفَرْقِ، كَمَا إِذَا قِيلَ: مَا الْإِنْسَانُ وَمَا الْأَسَدُ؟ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا قَطْعًا. الثَّانِي: أَنَّهُ ﷺ أَقَرَّهُ عَلَى الْفَرْقِ فِي السُّؤَالِ عَنْهُمَا، وَأَجَابَهُ عَنْهُمَا بِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَفَسَّرَ الْإِيمَانَ بِالتَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ، وَالْإِسْلَامَ بِالْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ، وَهَذَا قَاطِعٌ فِي أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا اخْتِلَافٌ كُلِّيٌّ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ أَثَرُ الْإِيمَانِ وَمُكَمِّلُهُ وَصِفَةٌ لَهُ لَا رَكْنٌ فِيهِ وَجُزْءٌ لَهُ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى اتِّحَادِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٣٥ - ٣٦] ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ آلُ لُوطٍ، فَضَعِيفٌ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْأَمْرَيْنِ تَخْصِيصًا لَهُمْ، وَمَدْحًا وَتَعْظِيمًا، أَوْ أَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَ الْفَاصِلَتَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ دَفْعًا لِلتَّكْرَارِ، كَمَا بَيَّنَاهُ فِي «بُغْيَةِ الْوَاصِلِ» .

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَفَوَّضَ إِلَيْكَ أَمْرَهُ وَسَلَّمَ» ، التَّفْوِيضُ: رَدُّ الْأَمْرِ إِلَى الْغَيْرِ لِيَنْظُرَ فِيهِ، وَقُوَّةُ اللَّفْظِ تُعْطِي التَّوْسِيعَ، كَأَنَّ مَنْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى غَيْرِهِ قَدْ جَعَلَهُ فِي سَعَةٍ مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: أَمْوَالُهُمْ بَيْنَهُمْ فَوْضَى وَفَيْضُوضَى: إِذَا كَانُوا شُرَكَاءَ فِيهَا، وَأَمْرَهُ: أَيْ شَأْنُهُ وَكُلُّ مَا يَعْنِيهِ مِنَ اسْتِجْلَابِ خَيْرٍ، أَوِ اسْتِدْفَاعِ شَرٍّ، فَهُوَ مُفَوَّضٌ فِيهِ إِلَيْكَ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ إِلَّا عَنْكَ نِعْمَةً وَبَلَاءً، وَمَنْعًا وَعَطَاءً، وَأَنَّكَ الْمُسْتَبِدُّ فِي الْخَلْقِ حُكْمًا وَقَضَاءً. وَالتَّسْلِيمُ فِي مَعْنَى التَّفْوِيضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٥] . وَقَوْلُهُ: «وَانْقَادَ لِأَوَامِرِكَ وَاسْتَسْلَمَ» الِانْقِيَادُ: هُوَ الْمُتَابَعَةُ مَعَ الْمُطَاوَعَةِ، كَالْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدَّوَابِّ إِذَا قُيِّدَ بِزِمَامِهِ، تَابَعَ مُطَاوِعًا. وَالِاسْتِسْلَامُ: تَسْلِيمُ النَّفْسِ خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ، وَلَيْسَ هَذَا فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ نِفَاقًا، لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، بِخِلَافِ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ نِفَاقًا كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ إِذَا أَسْلَمَ خَوْفًا مِنَ الْقَتْلِ، لِأَنَّ خَوْفَ الْمَخْلُوقِينَ غَيْرُ وَاجِبٍ، كَمَا قَالَ : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] فَهَذَا اسْتِسْلَامٌ لِلْكُفْرِ تَقِيَّةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا الِانْقِيَادَ لِلْأَوَامِرِ، أَيْ نَعْتَقِدُ وُجُوبَ امْتِثَالِ أَوَامِرِكَ وَنَوَاهِيكَ فِعْلًا وَكَفًّا وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَعْنَى نَحْمَدُكَ حَمْدَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ: «وَخَضَعَ لِعِزِّكَ الْقَاهِرِ وَدَانَ» الْخُضُوعُ: التَّطَامُنُ وَالتَّوَاضُعُ، وَمِنْهُ خَضَعَ النَّجْمُ: إِذَا مَالَ لِلْمَغِيبِ، وَخَضَعَ الْإِنْسَانُ خَضْعًا: أَمَالَ رَأْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَدَنَا مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَهِيَ الْإِيمَانُ

стр. 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقَلْبِيُّ حَتَّى بِالْقَدَرِ، وَالْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ مَعَ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَالْخُضُوعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١ - ٢] ، فَذَكَرَ الْإِيمَانَ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَظَائِفِ الْقَلْبِ، وَالصَّلَاةَ، وَهِيَ أَكْبَرُ وَظَائِفِ الْبَدَنِ، وَالْخُشُوعَ وَهُوَ أَكْبَرُ الْوَظَائِفِ الْمُشْتَرِكَةِ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْخُشُوعَ تَوَاضُعٌ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجُلٍ رَآهُ يُصَلِّي وَهُوَ يَعْبَثُ، فَقَالَ. لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ

стр. 24

وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِ أَصْفِيَائِكَ، وَخَاتَمِ أَنْبِيَائِكَ، وَفَاتِحِ أَوْلِيَائِكَ، مُحَمَّدٍ سَيِّدِ مُعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. ــ قَوْلُهُ: «وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِ أَصْفِيَائِكَ وَخَاتَمِ أَنْبِيَائِكَ وَفَاتِحِ أَوْلِيَائِكَ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ مُعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ» . «وَأَسْأَلُكَ» : مَعْطُوفٌ عَلَى «أَحْمَدُكَ» ، أَيْ: أَحْمَدُكَ وَأَسْأَلُكَ، وَتَقْدِيمُ الْحَمْدِ قَبْلَ السُّؤَالِ أَجْدَرُ بِالْإِجَابَةِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الْفَاتِحَةِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، قُدِّمَتِ الْعِبَادَةُ لِتَكَوُنَ وَسِيلَةً إِلَى حُصُولِ الْإِعَانَةِ، وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ : الرَّحْمَةُ، وَيَلْزَمُهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَالسَّيِّدُ: هُوَ الرَّئِيسُ الَّذِي يَسُودُ مَنْ دُونَهُ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ السِّيَادَةِ وَهِيَ التَّقَدُّمُ وَالرِّئَاسَةُ. وَالْأَصْفِيَاءُ: جَمْعُ صَفِيٍّ، وَهُوَ الصَّفْوَةُ الْمُخْتَارُ إِلَيْهِ تَشْبِيهُ مَاءٍ دُونَ الصَّافِي أَوِ الْأَصْفَى مِنَ الْمَاءِ إِلَيْهِ، فَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنَ الْخَلْقِ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ سَيِّدُ تِلْكَ الصَّفْوَةِ. وَالْأَنْبِيَاءُ جَمْعُ نَبِيءٍ، بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ، فَإِذَا هُمِزَ فَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ النَّبَأِ، وَهُوَ الْخَبَرُ، لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ ، وَإِذَا لَمْ يُهْمَزْ فَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنَ الْمَهْمُوزِ فِي

стр. 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدِ الْأَقْوَالِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ، كَمَا خَفَّفُوا الذُّرِّيَّةَ وَالْبَرِيَّةَ وَأَصْلُهُمَا الْهَمْزُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ النَّبِيِّ، وَهُوَ الطَّرِيقُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ يَهْدِي النَّاسَ إِلَى الْحَقِّ كَمَا تَهْدِيهِمُ الطَّرِيقُ إِلَى مَقَاصِدِهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ نَبَا: إِذَا ارْتَفَعَ مَكَانُهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفِيعُ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ لِمَنْ يُطَالِبُ بِهِ. وَالْأَوْلِيَاءُ: جَمْعُ وَلِيٍّ، وَهُوَ فَعِيلٌ مِنْ: وَلِيتُ الشَّيْءَ أَلِيهِ: إِذَا عُنِيتُ بِهِ وَنَظَرْتُ فِيهِ كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلَيِّهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَالْوَلِيُّ يَنْظُرُ فِي أَوَامِرَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِنْ: وَلِيتُ الشَّيْءَ، وَوَلِيَنِي الشَّيْءُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٣] ، وَقَوْلِهِ ﵇: لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ ذَوُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْلِهِ

стр. 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵊: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، كُلُّ هَذَا الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْوَاسِطَةِ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ آيِلٌ إِلَى هَذَا أَيْضًا فَهُوَ الْأَصْلُ، فَالْوَلِيُّ يَلِي رَبَّهُ وَيَلِيهِ رَبُّهُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِينَ يَصِيرُ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ الَّذِي فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ يَجْعَلُ عَبْدَهُ يَلِيهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفِيضُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَارِفِ وَاللَّطَائِفِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَمَا أَعْطَى الْخَضِرَ تِلْكَ الْعُلُومَ اللَّدُنِّيَّةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ، وَلَا مَلَكٍ مُرْسَلٍ، وَلَيْسَ هَذَا مُوجِبًا لِتَفْضِيلِ الْوَلِيِّ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ جَهَلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ مُحْتَجًّا بِقِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقَامَ الْوَلِيِّ مِنَ اللَّهِ مَقَامُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَمَقَامَ النَّبِيِّ ﵇ مَقَامُ الشَّرَفِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْقُوَّةِ وَالْعِصْمَةِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﵇ مَأْمُورًا بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزِ وَإِشَاعَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَالْوَلِيُّ مَأْمُورًا بِكِتْمَانِ الْكَرَامَةِ وَسَتْرِهَا عَنْ إِدْرَاكِ الْعِبَادِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ قَدْ يَرَى

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِسْكِينًا أَوْ يَتِيمًا، فَيَرْحَمُهُ، فَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ، أَوْ يُعْطِيهِ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا، وَلَا يَصِلُ إِنْعَامُهُ إِلَى قَائِدِ جُيُوشِهِ إِلَّا بِوَسَائِطَ، مَعَ أَنَّ الْقَائِدَ عِنْدَهُ أَعْظَمُ قَدْرًا وَأَعْلَى مَحِلًّا، وَكَمْ بَيْنَ مَنْ يُعْطِيهِ الْمَلِكُ سَيْفًا، وَيَقُولُ لَهُ: خُذْهُ فِي يَدِكَ مَشْهُورًا، وَاضْرِبْ بِهِ مَنْ عَصَاكَ فِي أَمْرٍ، وَبَيْنَ مَنْ يُعْطِيهِ سِكِّينًا وَيَقُولُ لَهُ: اجْعَلْهُ تَحْتَ ثِيَابِكَ، لِئَلَّا يَرَاكَ الْوَالِي أَوْ غَيْرُهُ، هَذَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ كَمَا خَتَمَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الْأَنْبِيَاءَ كَذَلِكَ افْتَتَحَ بِهِ الْأَوْلِيَاءَ، وَالنَّبِيُّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَلِيِّ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ أَوْصَافِهِ، وَقَدْ نَظَمَ الْمَعْنَى الشَّيْخُ يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الصَّرْصَرِيُّ حَيْثُ قَالَ: هُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَفَاتِحُ الْ ... أَوْلِيَاءِ وَشُرْبُهُمْ مِنْ شُرْبِهِ أَيْ: هُوَ مَادَّتُهُمْ وَمِنْهُ يُسْقَوْنَ. وَمُحَمَّدٌ اسْمُهُ ﷺ هُوَ مُفَعَّلٌ مِنَ الْحَمْدِ، كَمَا أَنَّ أَحْمَدَ أَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَمَعَدٌّ مَفَعْلٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَتَخْفِيفِهِمَا، أَبُو الْعَرَبِ، وَهَلْ مِيمُهُ زَائِدَةٌ أَوْ أَصْلِيَّةٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي عَدَدٍ.

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالثَّانِي: اخْتِيَارُ سِيبَوَيْهِ، لِقَوْلِهِمْ تَمَعْدَدَ. وَعَدْنَانُ: فَعْلَانُ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ، إِذَا لَزِمَهُ وَتَوَطَّنَهُ إِقَامَةً. وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. إِلَى هَاهُنَا اتَّفَقَ النَّسَّابُونَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَدْنَانَ بْنِ أُدِّ بْنِ أُدَدِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ حَمَلِ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْدَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَدْنَانَ بْنِ أُدَدٍ وَلَا يَذْكُرُ أُدًّا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: مَا وَجَدْنَا أَحَدًا يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ عَدْنَانَ، قَالَ عُرْوَةُ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ [أَبِي] حَثْمَةَ يَقُولُ: مَا وَجَدْنَا فِي عِلْمِ عَالِمٍ، وَلَا شِعْرِ شَاعِرٍ أَحَدًا يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ مُعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ [يُثْبِتُ] .

стр. 29

وَأَنْ تَرْزُقَنِي الْعِلْمَ وَتُوَفِّقَنِي لِلْعَمَلِ، وَتُبَلِّغَنِي مِنْهُمَا نِهَايَةَ السُّولِ وَغَايَةَ الْأَمَلِ، وَتَفْسَحَ لِي فِي الْمُدَّةِ وَتَنْسَأَ لِي فِي الْأَجَلِ، فِي حُسْنِ دِينٍ وَإِصْلَاحِ شَأْنٍ. ــ قَوْلُهُ: " وَأَنْ تَرْزُقَنِي الْعِلْمَ، وَتُوَفِّقَنِي لِلْعَمَلِ، وَتُبَلِّغَنِي مِنْهُمَا نِهَايَةَ السُّولِ وَغَايَةَ الْأَمَلِ، وَتَفْسَحَ لِي فِي الْمُدَّةِ، وَتَنْسَأَ لِي فِي الْأَجَلِ، فِي حُسْنِ دِينٍ وَإِصْلَاحِ شَأْنٍ ". هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْ تُصَلِّيَ، فِيمَا سَبَقَ، أَيْ: وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِ أَصْفِيَائِكَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَنِي التَّوْفِيقَ، وَهُوَ التَّيْسِيرُ لِمَا يُوَافِقُ، وَذَلِكَ بِتَحْقِيقِ الدَّوَاعِي، وَإِزَالَةِ الْعَوَائِقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ وَالتَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ بِهِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَالْمَنْهَجُ الْقَوِيمُ إِلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَالْعِلْمُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا لِأَنَّهُ يَحْرُسُ الْعَمَلَ عَنِ الْفَسَادِ وَالِاخْتِلَالِ، وَالْعَمَلُ نَتِيجَةُ الْعِلْمِ وَمَقْصُودُهُ وَثَمَرَتُهُ، وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ الْمُفْضِيَةُ إِلَى الْخُلُودِ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ، قَالَ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠ - ٣٢] فَحَقِيقَةُ الِاسْتِقَامَةِ: فِعْلُ الْمَأْمُورَاتِ، وَتَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ، فَعِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ عَقِيمٌ، وَعَمَلٌ بِلَا عِلْمٍ سَقِيمٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَلِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ كِتَابٌ سَمَّاهُ: " اقْتِضَاءُ الْعِلْمِ الْعَمَلُ " ذَكَرَ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ذَكَرْتُ جُمْلَةً صَالِحَةً مِنْهُ فِي كِتَابِ: " الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ " فَإِذَا شِئْتَ انْظُرْ هُنَاكَ.

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ مِمَّا لَا يَسْتَغْنِي الْعَاقِلُ عَنْهُمَا، لِأَنَّ الْعِلْمَ زِينَةُ النَّفْسِ وَكَمَالُهَا وَحِلْيَتُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْعَمَلَ سَبَبُ سَلَامَتِهَا فِي مَعَادِهَا، وَحُلُولِهَا بِالْمَرَاتِبِ الْفَاخِرَةِ، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُبَلِّغَهُ مِنْهُمَا نِهَايَةَ سُؤْلِهِ، وَغَايَةَ أَمَلِهِ. وَنِهَايَةُ الشَّيْءِ وَغَايَتُهُ: عِبَارَةٌ عَنْ آخِرِهِ وَمَوْضِعِ انْقِطَاعِهِ. وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ مَخْلُوقًا مُتَنَاهِيًا كَانَ أَمَلُهُ كَذَلِكَ، وَالسُّؤْلُ مَهْمُوزًا: مَا يَسْأَلُهُ الْإِنْسَانُ، وَقُرِئَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦] بِالْهَمْزِ. وَلِمَا صَحَّ وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ خَيْرِ النَّاسِ فَقَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ". وَعَنْ شَرِّ النَّاسِ، فَقَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مُتَقَرِّرًا فِي الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ ضَرُورَةً، أَوْ بِوَاسِطَةِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِمَّا أَنْ يَطُولَ عُمُرُهُ أَوْ يَقْصُرَ، وَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَسُوءَ عَمَلُهُ أَوْ يَحْسُنَ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، خَيْرُهَا مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّهَا مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ، وَبَيْنَهُمَا وَاسِطَتَانِ، خَيْرُهُمَا مَنْ قَصُرَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّهُمَا مَنْ قَصُرَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ، سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِطُولِ الْعُمُرِ مَعَ حُسْنِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الشَّأْنِ.

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمَعْنَى تَفْسَحُ: تُوَسِّعُ، وَالْفُسْحَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ: السَّعَةُ، وَمِنْهُ (تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ) [الْمُجَادَلَةِ: ١١] ، وَالْمُدَّةُ: الزَّمَنُ الْمُمْتَدُّ، وَالْمُرَادُ هَهُنَا زَمَنُ الْحَيَاةِ. وَتَنْسَأُ - بِفَتْحِ السِّينِ -: تُؤَخِّرُ، وَمِنْهُ النَّسِيئَةُ: الْبَيْعُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٦] أَيْ: نُؤَخِّرُ نَسْخَهَا فَلَا نَنْسَخُهَا، وَالْأَجَلُ: نِهَايَةُ الْمُدَّةِ، وَمِنْهُ أَجْلُ الدَّيْنِ، أَيْ آخِرُ مُدَّةِ تَأْخِيرِهِ، وَأَجَلُ الْحَيِّ كَذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٤] . وَالِدِّينُ يَشْمَلُ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ وَفُرُوعَهَا، عِلْمَهَا وَعَمَلَهَا، فَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَأْخِيرَ الْمُدَّةِ فِي حُسْنِ اعْتِقَادٍ وَعَمَلٍ. وَالشَّأْنُ: الْأَمْرُ وَالْحَالُ، وَالْمُرَادُ إِصْلَاحُ كُلِّ مَا يَعْنِيهِ.

стр. 32

وَأَنْ تُحْيِيَنِي حَيَاةً طَيِّبَةً هَنِيئَةً، وَتَقِيَنِي فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ أَعْرَاضَ السُّوءِ الرِّدِيَّةَ، وَتَعْدِلَ بِي عَنِ السُّبُلِ الْوَبِيَّةِ إِلَى الْمَرِيَّةِ، وَتَعْصِمَنِي مِنْ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ. ــ قَوْلُهُ: «وَأَنْ تُحْيِيَنِي حَيَاةً طَيِّبَةً هَنِيئَةً، وَتَقِيَنِي فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ أَعْرَاضَ السُّوءِ الرِّدِيَّةَ، وَتَعْدِلَ بِي عَنِ السُّبُلِ الْوَبِيَّةِ إِلَى الْمَرِيَّةِ، وَتَعْصِمَنِي مِنْ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ» . هَذَا أَيْضًا عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالرِّزْقِ، أَيْ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ، وَتَرْزُقَنِي، وَتُحْيِيَنِي، وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا فِيمَا بَعْدُ مَنْصُوبَةً بِتَقْدِيرِ «أَنِ» الظَّاهِرَةِ فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَهُوَ تُصَلِّي، وَلَمَّا كَانَ الْفَسْحُ فِي الْمُدَّةِ قَدْ يَكُونُ مَعَ حَيَاةٍ طَيِّبَةٍ، وَقَدْ لَا يَكُونُ، سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ حَيَاةٍ طَيِّبَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ بِهَا مَنْ أَحْسَنَ مِنْ خَلْقِهِ، حَيْثُ قَالَ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهَا الرِّزْقُ الطَّيِّبُ فِي الدُّنْيَا، وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ: أَنَّهَا الْقَنَاعَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هِيَ الْجَنَّةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ. وَقِيلَ: حَلَاوَةُ الطَّاعَةِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ: أَنَّهَا حُصُولُ السُّرُورِ، وَعَدَمُ الشُّرُورِ، أَوْ يُقَالُ: حُصُولُ الْمُلَائِمِ، وَانْدِفَاعُ الْمُنَافِي. وَالْهَنِيئَةُ: مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا هَنِيءٌ، أَيْ: لَا تَعَبَ فِيهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤] قِيلَ: سَائِغًا طَيِّبًا، وَحُكِيَ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ: الْهَنِيءُ: الَّذِي يُسَمِّنُ، وَالْمَرِيءُ: غَيْرُ الْوَبِيِّ، يُقَالُ: هَنَأَنِي الطَّعَامُ وَمَرَأَنِي بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَإِنْ أَفْرَدْتَهُ

стр. 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتَ: أَمْرَأَنِي. وَفَسَّرَهُ الْأَزْهَرِيُّ: أَنَّهُ الْهَطْمُ ذَكَرَهُ الدِّيَارِبَكْرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» . وَتَقِيَنِي: مِنَ الْوِقَايَةِ، أَيْ تَدْفَعُ عَنِّي وَتَكْفِينِي أَعْرَاضَ السُّوءِ الرَّدِيئَةَ فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ، أَيْ: مَا يَعْرِضُ فِيهِمَا مِمَّا يَسُوءُ، كَالْخَطَأِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ، وَالِانْحِرَافِ فِي مِزَاجِ الْبَدَنِ لِاعْتِرَاضِ الْعِلَلِ، لِأَنَّ الصِّحَّةَ فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ، وَهُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفَاصِيلِهَا، وَتَعْدِلَ بِي: أَيْ تَمِيلُ بِي، يُقَالُ: عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، أَيْ: مَالَ عَنِ السَّبِيلِ، أَيِ: الطُّرُقِ الْوَبِيئَةِ الَّتِي فِيهَا الْوَبَاءُ، وَهُوَ مَرَضٌ عَامٌّ، وَهُوَ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَاسْتِعْمَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَدَنِ حَقِيقَةٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الدِّينِ مَجَازٌ عَنِ الْأَذَى فِيهِ بِاخْتِلَالِ اعْتِقَادٍ أَوْ عَمَلٍ. إِلَى الْمَرِيَّةِ، أَيِ: الطُّرُقِ السَّالِمَةِ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْأَذَى الَّتِي يُسْتَمْرَى سُلُوكُهَا، أَيْ: يَكُونُ سَلِيمَ الْعَاقِبَةِ مِنَ الْأَذَى. «وَتَعْصِمَنِي مِنْ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ» : أَصْلُ الْعِصْمَةِ الْمَنْعُ، مَأْخُوذٌ مِنْ عِصَامِ الْقِرْبَةِ، وَهُوَ رِبَاطُ الْقِرْبَةِ وَسَيْرُهَا الَّذِي تُحْمَلُ بِهِ، فَهُوَ يَمْنَعُهَا مِنَ الْوُقُوعِ إِلَى الْأَرْضِ، وَأَبُو عَاصِمٍ كُنْيَةُ السَّوِيقِ، لِأَنَّهُ يُمْسِكُ الرَّمَقَ، وَيَمْنَعُ السُّقُوطَ، فَالْمُرَادُ: تَمْنَعُنِي مِنْ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ أَنْ أَقَعَ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِحَبَائِلِ الشَّيْطَانِ: جَمِيعُ الشَّهَوَاتِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تُغْرِي الْإِنْسَانَ بِمُوَاقَعَتِهَا، فَهِيَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ كَالشِّباكِ

стр. 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْفِخَاخِ وَنَحْوِهَا لِلصَّيَّادِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ، بِجَامِعٍ أَنَّ عَاقِبَةَ الْجَمِيعِ الْهَلَاكُ، هَؤُلَاءِ فِي الْآجِلِ، وَأُولَئِكَ فِي الْعَاجِلِ بِالذَّبْحِ وَأَكْلِ الصَّيَّادِ وَغَيْرِهِ لَهُمْ، فَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَصْرَ الْحَبَائِلِ فِي النِّسَاءِ، بَلْ إِنَّهُنَّ مِنَ الْحَبَائِلِ وَأَعْظَمِهَا وَأَجْدَرِهَا بِالْوُقُوعِ فِيهَا، كَقَوْلِهِ: الْحَجُّ عَرَفَةُ، أَيْ مُعْظَمُهُ، وَوَاحِدَةُ الْحَبَائِلِ: حِبَالَةٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ.

стр. 35

وَتَقْبِضَنِي عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَجْعَلَ رَحْمَتَكَ لِي مِنَ النَّارِ جُنَّةً، وَتُدْخِلَنِي بِفَضْلِكَ وَجُودِكَ الْجَنَّةَ، وَمَنِّكَ يَا مَنَّانُ. وَتُلْحِقَنِي بِالنَّبِيِّ الْأَفْضَلِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَمَّلِ الْأَكْمَلِ، الَّذِي خَتَمَ النُّبُوَّةَ وَأَكْمَلَ، وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ. ــ قَوْلُهُ: «وَتَقْبِضَنِي عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» : أَيْ عَلَى مَضْمُونِهِمَا وَمُقْتَضَاهُمَا، وَمَا أَفْصَحَا بِهِ، وَدَلَّا عَلَيْهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. قَوْلُهُ: «وَتَجْعَلَ رَحْمَتَكَ بِي مِنَ النَّارِ جُنَّةً» أَيْ سِتْرًا أَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَتَرَ شَيْئًا، فَقَدْ أَجَنَّهُ، وَهُوَ جُنَّةٌ لَهُ، بِضَمِّ الْجِيمِ، كَالدِّرْعِ وَالْجَوْشَنِ لِلْمُحَارِبِ، وَأَصْلُ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَرَاكِيبِهَا تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى السَّتْرِ، كَالْجِنِّ وَالْجُنُونِ وَالْجَنَّةِ لِلْبُسْتَانِ، وَالْمِجَنِّ لِلتُّرْسِ، وَمَعْنَى السَّتْرِ فِي جَمِيعِهَا ظَاهِرٌ. نَعَمْ، اسْتِعْمَالُ الْجَنَّةِ فِي الرَّحْمَةِ مَجَازٌ، لِأَنَّ نَفْسَ الرَّحْمَةِ لَيْسَتْ هِيَ السَّاتِرَ الْحَائِلَ دُونَ النَّارِ، بَلْ إِذَا بَاعَدَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالنَّارِ، حَتَّى لَا يَجِدَ ضَرَرَهَا، كَانَتِ الرَّحْمَةُ سَبَبًا لِزَوَالِ أَذَاهَا، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا سَاتِرٌ حَجَبَ أَذَى النَّارِ عَنِ الْوُصُولِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ إِمَّا صِفَةُ ذَاتٍ، أَوْ صِفَةُ فِعْلٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَتُهَا جُنَّةً، لِأَنَّ الصِّفَةَ الذَّاتِيَّةَ لَا تَنْتَقِلُ، وَالْفِعْلَ عَرَضٌ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ السَّتْرُ. قَوْلُهُ: «وَتُدْخِلَنِي بِفَضْلِكَ وَجُودِكَ الْجَنَّةَ» الْجُودُ قَدْ سَبَقَ مَعْنَاهُ، وَالْفَضْلُ: الْإِفْضَالُ وَالْإِحْسَانُ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِ: إِذَا أَحْسَنَ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: «وَمَنِّكَ» أَيْ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ بِفَضْلِكَ وَمَنِّكَ، وَهُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ تَمُنَّ بِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالتَّطَوُّلِ، وَأَصْلُ الْمَنِّ: تَذْكِيرُ النِّعْمَةِ وَالْجَمِيلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٤] ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي سَبَبِهِ وَمُصَحِّحِهِ، وَهُوَ النِّعْمَةُ. قَوْلُهُ: «يَا مَنَّانُ» نِدَاءٌ لِلَّهِ ، وَوَصْفٌ لَهُ بِصِفَتِهِ الْجَمِيلَةِ، وَهِيَ الْمَنُّ وَالْإِنْعَامُ، لِأَنَّ الْمَسْؤُولَ إِذَا دُعِيَ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ كَانَ أَجْدَرَ بِإِجَابَةِ السُّؤَالِ، وَالْمَنَّانُ: الْكَثِيرُ الْمَنِّ وَالْإِفْضَالِ الْمُتَكَرِّرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى صِيغَةِ فَعَّالٍ. قَوْلُهُ: «وَتُلْحِقَنِي بِالنَّبِيِّ الْأَفْضَلِ» يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَوْلُهُ: «وَالرَّسُولُ الْمُكَمَّلُ الْأَكْمَلُ» ، هَهُنَا بَحْثَانِ: أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ لَفْظِ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: دَفْعًا لِتَكْرَارِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ. الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ هُنَا مُنَاسِبٌ لِذِكْرِ التَّكْمِيلِ، لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمَ الرِّسَالَةِ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُكْمِلُ أَحَدًا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، جَعَلَ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الْقَوْمُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَصَحَّحَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ، قِيلَ: بِأَنَّ النَّبِيَّ يُوحَى إِلَيْهِ مَنَامًا، وَالرَّسُولَ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ يَقَظَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ أُوحِيَ إِلَيْهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ مَنَامًا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ رَسُولًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ الرَّسُولَ نَبِيٌّ خَاصٌّ، فَكَانَ الْوَحْيُ إِلَيْهِ مَنَامًا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ نَبِيًّا، وَيَكُونُ الْوَحْيُ قَدْ تَرَاخَى عَنْهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَسُولًا، كَمَا انْقَطَعَ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حِينَ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ وَالْإِسْكَنْدَرِ، وَعَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ: غَدًا أُخْبِرُكُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. وَقِيلَ: بِأَنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ ، وَالنَّبِيَّ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ تَكُونُ نُبُوَّتُهُ وَحْيًا يَخْتَصُّ بِهِ، وَمُنَاجَاةً بَيْنِهِ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا عَبَدَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَبَدَ بَعْضُهُمُ اللَّهَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَرَى نَفْسَهُ فَرَجَعَ يَلُومُهَا وَيَقُولُ: يَا نَفْسُ مَا أُتِيتُ إِلَّا مِنْ قِبَلِكِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: الْآنَ حَيْثُ اعْتَرَفْتَ بِالتَّقْصِيرِ أَهَّلْتُكَ لِلْوَحْيِ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الرِّسَالَةَ مَعْنًى مُتَعَدٍّ، وَالنُّبُوَّةَ تَكُونُ لَازِمَةً وَمُتَعَدِّيَةً، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» : أَنَّ النَّبِيَّ مَنْ أَتَاهُ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَعَالَى، وَالرَّسُولَ مَنْ أَتَى بِشَرْعٍ ابْتِدَاءً وَبِنَسْخِ بَعْضِ أَحْكَامِ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ، وَهَذَا نَحْوُ الَّذِي قَبْلَهُ. الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ بِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا كَامِلٌ مُكَمِّلٌ، أَوْ لَا كَامِلٌ وَلَا مُكَمِّلٌ، أَوْ كَامِلٌ غَيْرُ مُكَمِّلٍ، أَوْ مُكَمِّلٌ غَيْرُ كَامِلٍ، وَهَذَا الْقِسْمُ مُحَالٌ لَا يُتَصَوَّرُ، لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْغَيْرِ فَرْعُ كَمَالِ الذَّاتِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَصْلُ، اسْتَحَالَ وُجُودُ الْفَرْعِ، وَلِأَنَّ كَمَالَ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ مَبْدَأُ تَكْمِيلِهِ لِغَيْرِهِ، وَالْمُحْدَثُ بِدُونِ مَبْدَأٍ مُحَالٌ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ التَّعْلِيمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَطَهُورِيَّةَ الْمَاءِ بِدُونِ طَهَارَتِهِ مُحَالٌ. أَمَّا الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ، فَأَعْلَاهَا الْكَامِلُ الْمُكَمِّلُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا فِي ذَلِكَ رُتْبَةُ الْبَارِي، ﷻ ، فَإِنَّهُ الْكَامِلُ فِي ذَاتِهِ لِذَاتِهِ لَا لِمُكَمِّلِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُكَمِّلُ لِمَنْ سِوَاهُ مُطْلَقًا، لَكِنْ لِبَعْضِهِمْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْأَوْلِيَاءِ الْمُحْدَثِينَ الْمُلْهَمِينَ، وَلِبَعْضِهِمْ بِوَاسِطَةِ هَؤُلَاءِ كَتَكْمِيلِ الْأُمَمِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَبَعْضِ أَشْخَاصِ الْأُمَمِ بِبَعْضٍ كَالتِّلْمِيذِ بِالْمُعَلِّمِ، وَالْقَاضِي بِالْإِمَامِ يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ، وَالْعَدْلِ بِالْقَاضِي يَعْدِلُهُ، وَالشَّاهِدِ بِالْمُزَكِّي، وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِالْوَلِيِّ. ثُمَّ يَلِي هَذَا الْقَسَمَ فِي الرُّتْبَةِ الْكَامِلُ غَيْرُ الْمُكَمِّلِ، كَالرَّجُلِ الصَّالِحِ الْعَارِفِ بِرَبِّهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ تُعَرِّفُهُ غَيْرَهُ، وَالْعَالِمِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَتَعَبُّدَاتِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ فَضْلُ عِلْمٍ يُعَلِّمُهُ غَيْرَهُ، أَوْ لَيْسَ عِنْدَهُ قُوَّةٌ يُوصَلُ بِهَا إِلَى فَهْمِ غَيْرِهِ، فَهَذَا كَالْمَاءِ الطَّاهِرِ غَيْرِ الطَّهُورِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ كَالطَّهُورِ.

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْقِسْمُ الْآخَرُ الَّذِي لَيْسَ بِكَامِلٍ وَلَا مُكَمِّلٍ، هُوَ كَالْمَاءِ النَّجِسِ الَّذِي لَا هُوَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ سُلِبَ صِفَتَيِ الطَّهَارَةِ وَالطَّهُورِيَّةِ، فَهُوَ كَالْفَاسِقِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ عَدْلًا، وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ لِمَنْ يُرِيدُ التَّعْدِيلَ، وَكَالْكَافِرِ الشَّيْطَانِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ، وَلَا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِخَيْرٍ. إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَكَمَالُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ فِي مَرَاتِبِهِ، فَكَمَالُ الْمُحْدَثِ دُونَ كَمَالِ الْقَدِيمِ، وَكَمَالُ الْعَرَضِ دُونَ كَمَالِ الْجَوْهَرِ، وَكَمَالُ الْجَمَادِ دُونَ كَمَالِ النَّامِي، وَكَمَالُ النَّامِي دُونَ كَمَالِ الْحَسَّاسِ، وَكَمَالُ الْحَسَّاسِ - وَهُوَ الْحَيَاةُ - دُونَ كَمَالِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ يَتَفَاوَتُ الْإِنْسَانُ فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ بِحَسَبِ الْمَعَانِي وَالصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّفَاوُتِ، فَلِهَذَا قَالَ: «وَالرَّسُولِ الْمُكَمِّلِ الْأَكْمَلِ» : أَيِ الْمُكَمِّلِ لِغَيْرِهِ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ وَالدُّعَاءِ إِلَى سُبُلِ الرَّشَادِ، الْأَكْمَلِ مِنْ جَمِيعِ أَشْخَاصِ نَوْعِهِ وَغَيْرِهِ، فَالْكَامِلُ مِنْهُمْ مُشَارِكٌ لَهُ فِي مُطْلَقِ الْكَمَالِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِرُتْبَةِ الْأَكْمَلِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: «الَّذِي خَتَمَ النُّبُوَّةَ وَأَكْمَلَ» هَذَا وَصْفٌ لِلرَّسُولِ بِأَنَّهُ خَتَمَ النُّبُوَّةَ وَأَكْمَلَهَا، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إِلَيْهِ ﷺ ، كَمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا، فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ، ﷺ . قَوْلُهُ: «وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ» .

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا عَطْفٌ عَلَى النَّبِيِّ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْبَاءِ، تَقْدِيرُهُ: وَأَنْ تُلْحِقَنِي بِالنَّبِيِّ وَبِمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِمَّنْ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ.
следующие страницы →