← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٣] ، مَعَ أَنَّهُ

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَخْصُوصٌ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ إِذَا كُنَّ مِلْكَ يَمِينٍ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُنَّ، وَكَاحْتِجَاجِ فَاطِمَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مِيرَاثِهَا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ، مَعَ كَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ،

стр. 1053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَاحْتِجَاجِ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَلْدِ الزَّانِيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النُّورِ: ٢] مَعَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمُكْرَهَةِ وَالْمَجْنُونِ وَالْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الزِّنَى إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ احْتِجَاجَاتِهِمْ بِهِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ ; فَمَنْ خَالَفَ بَعْدَهُ ; فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: اسْتِصْحَابُ حَالِ كَوْنِ الْعَامِّ حُجَّةً قَبْلَ التَّخْصِيصِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْعَامَّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْ ذَلِكَ الْحَالِ. قُلْتُ: غَيْرَ أَنَّ هَذَا احْتِجَاجٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ وَفِيهِ مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «قَالُوا» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَكُونُ حُجَّةً.

стр. 1054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ ; فَيَكُونُ مَجَازًا: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ كَانَ مَوْضُوعًا لِلِاسْتِغْرَاقِ، كَالْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا خُصَّ مِنْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، صَارَ مُسْتَعْمَلًا فِي بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ ; لِأَنَّهُ وُضِعَ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ، وَبَعْضُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِمَا سَبَقَ فِي حَدِّ الْمَجَازِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى مَجَازًا ; فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَأَقَلِّ الْجَمْعِ وَمَا بَيْنَهُمَا ; فَيَكُونُ مُجْمَلًا، وَلَا مُخَصِّصَ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ بِأَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ ; فَالتَّخْصِيصُ بِأَحَدِهِمَا تَحَكُّمٌ غَيْرُ جَائِزٍ. وَمِثَالُ هَذَا بِطْرِيقِ التَّصْوِيرِ: لَوْ قَالَ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ، وَفَرَضْنَا أَنَّهُمْ عِشْرُونَ ; فَهَذَا هُوَ مَدْلُولُ الْعَامِّ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَا تُكْرِمُ زَيْدًا، بَقِيَ اللَّفْظُ الَّذِي كَانَ مَوْضُوعًا لِعِشْرِينَ مُسْتَعْمَلًا فِي تِسْعَةَ عَشَرَ، وَهِيَ غَيْرُ الْعِشْرِينَ ; فَيَكُونُ مَجَازًا، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التِسْعَةَ عَشَرَ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ زَيْدٍ الْمَخْصُوصِ، أَوْ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ مِنْهُمْ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، أَوْ عَلَى مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالتِّسْعَةَ عَشَرَ، كَالْأَرْبَعَةِ وَالْخَمْسَةِ إِلَى الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ ; فَيَكُونَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْمَقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ تَحَكُّمًا. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَا مَجَازَ، إِذِ الْعَامُّ فِي تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ مُطَابِقَةٍ لِأَفْرَادِ مَدْلُولِهِ فَسَقَطَ مِنْهَا بِالتَّخْصِيصِ طِبْقُ مَا خُصِّصَ مِنَ الْمَعْنَى ; فَالْبَاقِي مِنْهَا وَمِنَ الْمَدْلُولِ مُتَطَابِقَانِ تَقْدِيرًا ; فَلَا اسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ ; فَلَا مَجَازَ» .

стр. 1055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا الْجَوَابُ: أَنَا أُجِيبُ بِهِ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ، وَعِبَارَةُ «الْمُخْتَصَرِ» وَافِيَةٌ بِهِ، لَكِنْ رُبَّمَا تَوَقَّفَ تَصَوُّرُهُ عَلَى بَعْضِ النَّاظِرِينَ ; فَيَحْتَاجُ وُضُوحُهَا إِلَى بَسْطٍ وَكَشْفٍ. وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَجَازٌ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَوْضُوعِهِ أَوَّلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، لَكِنَّهُ فِي تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُطَابِقَةٍ لِأَفْرَادِ مَدْلُولِهِ فِي الْعَدَدِ. مِثَالُهُ: إِذَا قَالَ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ، وَفَرَضْنَا أَنَّ جِنْسَ الرِّجَالِ عِشْرُونَ ; فَلَفْظُ الرِّجَالِ فِي تَقْدِيرِ عِشْرِينَ لَفْظًا يَدُلُّ كُلُّ لَفْظٍ مِنْهَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْعِشْرِينَ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا وَبَكْرًا وَخَالِدًا وَجَعْفَرًا وَبِشْرًا. . . كَذَلِكَ حَتَّى سَمَّى الْعِشْرِينَ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَا تُكْرِمُ زَيْدًا، صَارَ زَيْدٌ مَخْصُوصًا مِنَ الْعِشْرِينَ، وَسَقَطَ لَفْظُ اسْمِهِ الْمُطَابِقُ لِمُسَمَّاهُ تَقْدِيرًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: فَسَقَطَ مِنْهَا بِالتَّخْصِيصِ، أَيْ: مِنَ الْأَلْفَاظِ التَّقْدِيرِيَّةِ طِبْقُ مَا خُصَّ مِنَ الْمَعْنَى، وَهُوَ لَفْظُ زَيْدٍ الْمُطَابِقُ لِمَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ; فَيَبْقَى مَعْنَاهُ تِسْعَةَ عَشَرَ شَخْصًا مِنَ الرِّجَالِ، وَتِسْعَةَ عَشَرَ لَفْظًا تَقْدِيرِيَّةٌ، هِيَ أَسْمَاؤُهُمْ، وَتِسْعَةَ عَشَرَ اسْمًا تُطَابِقُ فِي الْعَدَدِ تِسْعَةَ عَشَرَ شَخْصًا مُسَمًّى. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: فَالْبَاقِي مِنْهَا، أَيْ: مِنَ الْأَلْفَاظِ التَّقْدِيرِيَّةِ، وَمِنَ الْمَدْلُولِ وَهِيَ الْأَشْخَاصُ، مُتَطَابِقَانِ تَقْدِيرًا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَفْظَ الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مُطَابِقٌ لِمَدْلُولِهِ فِي التَّقْدِيرِ ; فَهُوَ

стр. 1056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ تَقْدِيرًا ; فَلَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَغَيْرِ الْمَوْضُوعِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَيَنْتَفِي الْإِجْمَالُ الْمَذْكُورُ ; فَلَا يَكُونُ حَمْلُهُ عَلَى الْبَاقِي بَعْدَ صُورَةِ التَّخْصِيصِ تَحَكُّمًا بَلْ وَاجِبًا بِحُكْمِ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ الثَّابِتِ تَقْدِيرًا، وَصَارَ قَوْلُهُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ التِسْعَةَ عَشَرَ فُلَانًا وَفُلَانًا. . . حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى أَسْمَائِهِمْ. فَهَذَا غَايَةُ الْإِفْصَاحِ عَنْ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ بِمُوجِبِ عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» . قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْبَحْثُ لَفْظِيٌّ لُغَوِيٌّ» ، هَذَا سُؤَالٌ مِنَ الْخَصْمِ عَلَى تَقْرِيرِنَا الْمَذْكُورِ لِجَوَابِ دَعْوَاهُمُ الْمَجَازَ فِي الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَفْظِيٌّ لُغَوِيٌّ أَيْ هُوَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَاسْتِفَادَتُهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَمَا قَرَّرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّ الْعَامَّ فِي تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ مُطَابِقَةٍ لِأَفْرَادِ مَدْلُولِهِ هُوَ تَقْدِيرٌ عَقْلِيٌّ ; فَمَا أَجَبْتُمْ عَنْ دَعْوَانَا الْمَجَازَ مِنْ حَيْثُ يَنْبَغِي الْجَوَابُ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ جَوَابُكُمْ وَتَقْرِيرُكُمُ الْمَذْكُورُ مُتَنَاقِضًا، وَيَبْقَى دَلِيلُنَا عَلَى أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَجَازٌ سَالِمًا عَمَّا يُبْطِلُهُ ; فَثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِجْمَالِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.

стр. 1057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْعَامِّ الْمَذْكُورِ لَفْظِيٌّ لُغَوِيٌّ، بَلْ هُوَ حُكْمِيٌّ عَقْلِيٌّ، أَيِ: النَّظَرُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ النِّزَاعَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَهُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعَامِّ لَا لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِهِ، وَيُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِالْعَقْلِ بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَاتٍ لُغَوِيَّةٍ، أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، «وَإِلَّا» أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَحْثُ هَاهُنَا حُكْمًا عَقْلِيًّا، بَلْ لَفْظِيًّا لُغَوِيًّا كَمَا زَعَمْتُمْ ; «فَعَمَّنْ نُقِلَ مِنَ الْعَرَبِ» أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَجَازٌ كَمَا زَعَمْتُمْ، أَوْ فِي أَيِّ دَوَاوِينِ اللُّغَةِ هُوَ؟ فَإِنَّ مَنْ يَدَّعِي فِي اللُّغَةِ شَيْئًا لَا بُدَّ أَنْ يَنْقِلَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ يَعْزُوَهُ إِلَى دَوَاوِينِهِمْ، وَمَا لَا يَتَلَقَّى عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَدَوَاوِينِهَا لَا يَكُونُ مِنْهَا فِي شَيْءٍ. نَعَمْ، الْكَلَامُ يَشْتَمِلُ عَلَى لَفْظٍ وَمَعْنًى ; فَحَظُّ اللُّغَوِيِّ النَّظَرُ فِي أَلْفَاظِهِ بِبَيَانِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، كَقَوْلِهِ: الْعُمُومُ: الشُّمُولُ، وَالْعَامُّ: الشَّامِلُ، وَالتَّخْصِيصُ: تَمْيِيزُ شَيْءٍ عَمَّا شَارَكَهُ بِحُكْمٍ، وَحَظُّ النَّحْوِيِّ بَيَانُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْحَرَكَاتِ اللَّاحِقَةِ لِآخِرِهِ إِعْرَابًا أَوْ بِنَاءً، وَحَظُّ التَّصْرِيفِيِّ بَيَانُ وَزْنِهِ، وَصَحِيحِهِ مِنْ مُعْتَلِّهِ، وَأَصْلِهِ مِنْ زَائِدِهِ أَوْ بَدَلِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ. أَمَّا كَوْنُ الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةً أَوْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، أَوْ حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا ; فَهَذَا لَيْسَ حَظَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، بَلْ حَظُّ الْأُصُولِيِّ، وَالْأُصُولِيُّ مَوْضُوعُ عَمَلِهِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي الْأَلْفَاظِ بِطَرِيقِ الْعَرَضِ فِي مَبَادِئِ الْأُصُولِ، كَمَا سَبَقَ فِي اللُّغَاتِ ; فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْبَحْثَ فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ حُكْمِيٌّ عَقْلِيٌّ، وَأَنَّ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي جَوَابِ دَعْوَاكُمْ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَجَازٌ صَحِيحٌ.

стр. 1058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ دَعْوَاكُمُ الْمَجَازَ مَجَازٌ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: تَسْمِيَتُكُمُ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَجَازًا هُوَ مُجَازٌ أَيْضًا، لِكَوْنِكُمْ رَأَيْتُمُوهُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَجَازِ، أَيْ: إِنَّمَا يُطْلَقُ الْمَجَازُ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي الْمُفْرَدَاتِ الشَّخْصِيَّةِ، كَالْأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَالْبَحْرِ عَلَى الرَّجُلِ الْجَوَّادِ، وَفِي الْمُرَكَّبَاتِ الْإِسْنَادِيَّةِ خِلَافٌ سَبَقَ، نَحْوَ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٢] ، وَأَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ، وَقَدْ يُعَارِضُونَ هَذَا بِمَا قَرَّرُوا بِهِ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَجَازٌ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ «حَقِيقَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، مَجَازٌ بِكُلِّ حَالٍ عِنْدَ قَوْمٍ. وَقِيلَ: إِنْ خُصَّ» بِدَلِيلٍ «مُنْفَصِلٍ» ، كَانَ مَجَازًا، وَإِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ، كَانَ حَقِيقَةً ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُتَّصِلَ مَعَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ; فَهُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ، إِذَا قَالَ: رَأَيْتُ الرِّجَالَ إِلَّا زَيْدًا هُوَ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ. هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَأَصْلِهِ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَقْوَالًا: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ مَجَازٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْغَزَّالِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 1059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ جَمْعًا ; فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا ; فَهُوَ مَجَازٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ عَنْ أَقَلِّ الْجَمْعِ. وَرَابِعُهَا: إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ مِنْ شَرْطٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ ; فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ; فَهُوَ مَجَازٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ. وَخَامِسُهَا: إِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ شَرْطًا أَوْ تَقْيِيدًا بِصِفَةٍ ; فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ حَتَّى فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَسَادِسُهَا: إِنْ كَانَتِ الْقَرِينَةُ الْمُخَصِّصَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا ; فَهُوَ مَجَازٌ، وَإِلَّا فَهُوَ حَقِيقَةٌ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَسَابِعُهَا: إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ ; فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي، وَإِنَّ خُصَّ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ; فَهُوَ مَجَازٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَثَامِنُهَا: أَنَّهُ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي تَنَاوُلِ الْبَاقِي، مَجَازًا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَفْقَهُ الْمَذَاهِبِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّا إِذَا قُلْنَا: أَكْرِمِ الرِّجَالَ إِلَّا زَيْدًا ; فَلَفْظُ الرِّجَالِ يَتَنَاوَلُ مَنْ عَدَا زَيْدًا مِنْهُمْ بِالْوَضْعِ، كَمَا كَانَ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ ; فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي التَّنَاوُلِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا اقْتِصَارُ لَفْظِ الرِّجَالِ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى مَنْ سِوَى زَيْدٍ ; فَهُوَ مُجَازٌ ; لِأَنَّ حَقَّهُ بِالْوَضْعِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى زَيْدٍ أَيْضًا، فَلَمَّا خَرَجَ زَيْدٌ بِالتَّخْصِيصِ، صَارَ اقْتِصَارًا بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى خِلَافِ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَضْعِ ; فَسَبَبُ التَّجَوُّزِ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا عَدَا صُورَةِ التَّخْصِيصِ، لَا مِنْ حَيْثُ تَنَاوُلِهِ لَهُ فَهُوَ إِذَنْ حَقِيقَةٌ مِنْ وَجْهٍ، مَجَازٌ مِنْ وَجْهٍ.

стр. 1060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - قَوْلُهُ: «لَنَا مَا سَبَقَ» ، أَيْ: لَنَا عَلَى أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حَقِيقَةٌ ; مَا سَبَقَ فِي تَقْرِيرِ كَوْنِهِ حُجَّةً مِنْ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ فِي تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُطَابِقَةٍ لِأَفْرَادِ مَدْلُولِهِ ; فَيَسْقُطُ مِنْهَا بِالتَّخْصِيصِ طِبْقَ مَا خُصَّ مِنَ الْمَدْلُولِ ; فَيَبْقَى الْبَاقِي مِنْهَا وَمِنَ الْمَدْلُولِ مُتَطَابِقًا مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ تَقْدِيرًا، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ وَتَصْوِيرُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1061

السَّادِسَةُ: الْخِطَابُ الْعَامُّ يَتَنَاوَلُ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي الْأَمْرِ، إِذِ الْإِنْسَانُ لَا يَسْتَدْعِي مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَسْتَعْلِي عَلَيْهَا. وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا. بِدَلِيلِ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] . لَنَا: الْمُتَّبَعُ عُمُومُ اللَّفْظِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُهُ، وَلَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: مَنْ رَأَيْتَ أَوْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا ; فَرَآهُ فَأَعْطَاهُ، عُدَّ مُمْتَثِلًا، وَإِلَّا عُدَّ عَاصِيًا. أَمَّا مَعَ الْقَرِينَةِ نَحْوَ: فَأَهِنْهُ، أَوْ فَاضْرِبْهُ ; فَلَا ; لِأَنَّهَا مُخَصِّصٌ. وَيَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِ الْعَامِّ وَالْعَمَلُ بِهِ فِي الْحَالِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي. وَالثَّانِي حَتَّى يَبْحَثَ ; فَلَا يَجِدُ مُخَصِّصًا اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا كَالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ إِنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى طَرِيقِ تَعْلِيمِ الْحُكْمِ فَكَذَلِكَ، وَمِنْ غَيْرِهِ فَلَا. ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ حُصُولُ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ بِأَنْ لَا مُخَصِّصَ. أَوْ تَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ بِعَدَمِهِ، فِيهِ خِلَافٌ. لَنَا: وَجَبَ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ فِي الزَّمَانِ حَتَّى يَظْهَرَ النَّاسِخُ ; فَكَذَا فِي الْأَعْيَانِ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُخَصِّصُ. وَلِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ فِي الْعَامِّ عَدَمُ الْمُخَصِّصِ، لَاعْتُبِرَ فِي الْحَقِيقَةِ عَدَمُ الْمَجَازِ، بِجَامِعِ الِاحْتِمَالِ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُخَصِّصِ ; فَيُسْتَصْحَبُ. قَالُوا: شَرْطُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ عَدَمُ الْمُخَصِّصِ، وَشَرْطُ الْعِلْمِ بِالْعَدَمِ الطَّلَبُ، وَلِأَنَّ وُجُودَهُ مُحْتَمَلٌ ; فَالْعَمَلُ بِالْعُمُومِ إِذَنْ خَطَأٌ. قُلْنَا: عَدَمُهُ مَعْلُومٌ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَمِثْلُهُ فِي التَّيَمُّمِ مُلْتَزَمٌ، وَظَنُّ صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ مَعَ احْتِمَالِ الْمُخَصِّصِ كَافٍ، وَهُوَ حَاصِلٌ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ إِلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ جَائِزٌ، وَقِيلَ: حَتَّى يَبْقَى أَقَلُّ الْجَمْعِ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1062

لَنَا: التَّخْصِيصُ تَابِعٌ لِلْمُخَصِّصِ. وَالْعَامُّ مُتَنَاوِلٌ لِلْوَاحِدِ. قَالُوا: لَيْسَ بِعَامٍّ. قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ. ــ الْمَسْأَلَةُ «السَّادِسَةُ: الْخِطَابُ الْعَامُّ يَتَنَاوَلُ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي الْأَمْرِ» ، أَيِ: الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامٍ عَامِّ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ كَلَامِهِ مُطْلَقًا فِي الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ. قَالُوا: وَمِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ. وَقَالَ: لَنْ

стр. 1063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ. وَقَوْلُهُ ﵇: صَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ. وَفَصَّلَ أَبُو الْخَطَّابِ ; فَقَالَ: إِنْ كَانَ كَلَامُهُ أَمْرًا، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا، دَخَلَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ ; فَلَوْ دَخَلَ الْمُتَكَلِّمُ تَحْتَ مَا يَأْمُرُ بِهِ غَيْرَهُ، لَكَانَ مُسْتَدْعِيًا مِنْ نَفْسِهِ،

стр. 1064

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمُسْتَعْلِيًا عَلَيْهَا، وَهُوَ مُحَالٌ، «وَمَنَعَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا» ، أَيْ: مَنَعُوا دُخُولَ الْمُتَكَلِّمِ تَحْتَ عُمُومِ كَلَامِهِ مُطْلَقًا فِي الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ ; فَصَارَتِ الْمَذَاهِبُ ثَلَاثَةً: يَدْخُلُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، لَا يَدْخُلُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَقَلِّينَ، الثَّالِثُ تَفْصِيلُ أَبِي الْخَطَّابِ، يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الْخَبَرِ وَنَحْوِهِ دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. احْتَجَّ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] ، وَلَوْ تَنَاوُلَ الْمُتَكَلِّمَ عُمُومُ كَلَامِهِ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَصِفَاتُهُ مَخْلُوقًا لِنَفْسِهِ لِتَنَاوُلِ عُمُومِ لَفْظِ الشَّيْءِ لَهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ. وَلَنَا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَّبَعَ عُمُومُ لَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ يَتَنَاوَلُهُ كَغَيْرِهِ. وَأَمَّا اللَّهُ وَصِفَاتُهُ ; فَعُمُومُ قَوْلِهِ : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَتَنَاوَلُهُ وَضْعًا، وَيَقْتَضِي دُخُولَهُ تَحْتَهُ لُغَةً، لَكِنَّهُ خَصَّ مِنَ الْعُمُومِ عَقْلًا لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِغُلَامِهِ: مَنْ رَأَيْتَ ; فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، أَوْ مَنْ دَخَلَ دَارِي ; فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا ; فَرَأَى الْغُلَامُ سَيِّدَهُ، أَوْ دَخَلَ السَّيِّدُ دَارَ نَفْسِهِ ; فَأَعْطَاهُ الْغُلَامُ دِرْهَمًا، عُدَّ مُمْتَثِلًا «وَإِلَّا» أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ عُدَّ عَاصِيًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ كَلَامِهِ. قَوْلُهُ: «أَمَّا مَعَ الْقَرِينَةِ، نَحْوَ: فَأَهِنْهُ، أَوْ فَاضْرِبْهُ ; فَلَا ; لِأَنَّهَا مُخَصِّصٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ وَإِنْ دَخَلَ تَحْتَ عُمُومِ كَلَامِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمْ،

стр. 1065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَكِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا قَالَ لِغُلَامِهِ: مَنْ رَأَيْتَ ; فَأَهِنْهُ أَوْ فَاضْرِبْهُ ; فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ كَلَامِهِ حَتَّى لَوْ رَأَى الْغُلَامُ سَيِّدَهُ ; فَأَهَانَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، لَكَانَ عَاصِيًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ يَدْخُلُ تَحْتَ خِطَابِهِ فِي صُورَةٍ دُونَ صُورَةٍ ; لَمْ يَصِحَّ قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقًا. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَنَحْوِهَا إِنَّمَا خَرَجَ عَنْ عُمُومِ كَلَامِهِ لِلْقَرِينَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَأْمُرُ بِإِهَانَةِ نَفْسِهِ، وَالْقَرِينَةُ تُخَصِّصُ، وَبِمِثْلِ هَذَا يُجَابُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ فَرْقِهِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ إِنْ سُلِّمَ لَهُ الْفَرْقُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَدْخُلِ الْمُتَكَلِّمُ تَحْتَ عُمُومِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لِاسْتِحَالَةِ تَحَقُّقِ الْأَمْرِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، لِمَا ذَكَرْتَ مِنْ تَعَذُّرِ اسْتِدْعَائِهِ مِنْهَا، وَاسْتِعْلَائِهِ عَلَيْهَا، لَا لِأَنَّ كَلَامَهُ مُطْلَقًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ، وَصَارَ اسْتِحَالَةُ تَحَقُّقِ الْأَمْرِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ قَرِينَةً مُخَصِّصَةً لِلْأَمْرِ عَنْ تَنَاوُلِهِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ ; فَافْهَمْ هَذَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ، ﷺ ، نَحْوُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ» وَ «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» يَتَنَاوَلُهُ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ: إِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْخِطَابِ أَمْرٌ بِالتَّبْلِيغِ، نَحْوُ: قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَمْ يَتَنَاوَلْهُ، وَإِلَّا تَنَاوَلَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقًا لِعُمُومِ الصِّيغَةِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ فَهِمُوا تَنَاوَلَ الْخِطَابِ الْعَامِّ لَهُ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ

стр. 1066

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِلَى الْعُمْرَةِ ; فَتَوَقَّفُوا، وَقَالُوا: أَمَرَتْنَا بِالْفَسْخِ، وَلَمْ تَفْسَخْ. وَخِطَابُ الشَّرْعِ الْوَارِدُ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ عَامٌّ لِلْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ خِلَافًا لِأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ; احْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ أَهْلًا لِلْخِطَابِ ; فَلَا يَكُونُ الْخِطَابُ مُتَنَاوِلًا لَهُ. وَلَنَا الْإِجْمَاعُ عَلَى تَنَاوُلِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا الْمَعْدُومُ ; فَيَصِحُّ تَوَجُّهُ الْخِطَابِ إِلَيْهِ بِشَرْطِ وُجُودِهِ ; فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَيَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِ الْعَامِّ وَالْعَمَلُ بِهِ» ، أَيْ: إِذَا وَرَدَ اللَّفْظُ، وَجَبَ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ عَامًّا «فِي الْحَالِ» ، وَأَنْ يُعْمَلَ بِهِ «فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي» ، وَالْقَوْلُ «الثَّانِي» : لَا يَجِبُ ذَلِكَ «حَتَّى يَبْحَثَ ; فَلَا يَجِدُ مُخَصِّصًا، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: كَالْأَوَّلِ» أَيْ: يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ فِي الْحَالِ. وَالْقَوْلُ «الثَّانِي» : فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ «الْعَامَّ إِنْ سُمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى طَرِيقِ تَعْلِيمِ الْحُكْمِ فَكَذَلِكَ» ، أَيْ: يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ سُمِعَ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ، ﷺ ، لَمْ يَجِبِ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ حَتَّى يُبْحَثَ عَنِ الْمُخَصِّصِ، ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِتَوَقُّفِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ عَلَى الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ حُصُولَ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ بِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ، وَهُوَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. وَاكْتَفَى بَعْضُهُمْ بِحُصُولِ الظَّنِّ الْغَالِبِ بِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمُ: ابْنُ سُرَيْجٍ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَّالِيُّ. قُلْتُ: هَذَا نَقْلُ «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ الَّذِي فِي «الرَّوْضَةِ» ، غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّمَا حَكَى الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فَقَطْ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ

стр. 1067

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَأَنَا ذَكَرْتُ مَعَ ذَلِكَ وُجُوبَ الْعَمَلِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِقَادِ عُمُومِهِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ ; فَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ جَزْمًا، وَبِظُهُورِ الْمُخَصِّصِ يَزُولُ ذَلِكَ الْجَزْمُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: يَمْتَنِعُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ إِلَّا بَعْدَ الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، ثُمَّ ضَعَّفَ الْقَوْلَيْنِ. أَمَّا قَوْلُ الصَّيْرَفِيِّ ; فَلِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِاعْتِقَادِ عُمُومِهِ جَزْمًا عُمُومَ اللَّفْظِ لُغَةً ; فَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَزُولُ بِظُهُورِ الْمُخَصِّصِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ اعْتِقَادَ إِرَادَةِ الْعُمُومِ بِاللَّفْظِ ; فَهُوَ خَطَأٌ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ إِرَادَةِ الْخُصُوصِ بِهِ قَائِمٌ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ; فَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْعُمُومَاتِ، إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَى الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ ; لِأَنَّ مَدْرَكَهُ الْبَحْثُ النَّظَرِيُّ، وَهُوَ إِنَّمَا يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ. قُلْتُ: أَنَا وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ مَعَ إِيجَابِ بَعْضِهِمِ اعْتِقَادَ وُجُوبِهِ مُشْكِلٌ جِدًّا، إِذْ لَا يَظْهَرُ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ إِلَّا الْعَمَلُ بِهِ فِعْلًا أَوْ كَفًّا ; فَلَوْ قِيلَ لَنَا: قَاتِلُوا الْكُفَّارَ، أَوِ اقْتُلُوهُمْ، وَاعْتَقَدْنَا عُمُومَهُ، وَجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ حَتَّى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمُخَصِّصُ لَهُمْ. وَلَوْ قَالَ الشَّارِعُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ، وَاعْتَقَدْنَا عُمُومَهُ، وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَكُفَّ عَنْ كُلِّ مَيْتَةٍ حَتَّى السَّمَكِ وَالْجَرَادِ حَتَّى يُوجَدَ الْمُخَصِّصُ لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ هَكَذَا، لَمْ يَكُنْ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ.

стр. 1068

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عُدْنَا إِلَى الْكَلَامِ عَلَى مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» . قَوْلُهُ: «لَنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ، وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّسْخَ تَخْصِيصٌ فِي الْأَزْمَانِ كَمَا أَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ تَخْصِيصٌ فِي الْأَعْيَانِ، ثُمَّ إِنَّ اعْتِقَادَ عُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْأَزْمَانِ وَاجِبٌ حَتَّى يَظْهَرَ النَّاسِخُ ; فَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ فِي الْأَعْيَانِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا حَتَّى يَظْهَرَ الْمُخَصِّصُ، فَإِذَا قِيلَ لَنَا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ; فَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي دَوَامَ التَّحْرِيمِ فِي جَمِيعِ زَمَنِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ الْعُمُومُ الزَّمَانِيُّ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ يُرْفَعُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ بِالنَّسْخِ، وَيَقْتَضِي أَيْضًا تَعَلُّقَ التَّحْرِيمِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَيْتَةِ، وَهُوَ الْعُمُومُ الْعَيْنِيُّ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ بَعْضِ الْأَعْيَانِ كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، ثُمَّ إِنَّا فِي الْأَوَّلِ لَمْ نَقُلْ: إِنَّا لَا نَعْتَقِدُ دَوَامَ هَذَا التَّحْرِيمِ فِي كُلِّ زَمَانٍ لِاحْتِمَالِ ارْتِفَاعِهِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ بِالنَّسْخِ ; فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا نَقُولُ: إِنَّا لَا نَعْتَقِدُ تَعَلُّقَ التَّحْرِيمِ بِكُلِّ مَيْتَةٍ لِاحْتِمَالِ ارْتِفَاعِهِ عَنْ بَعْضِ أَفْرَادِهَا بِالتَّخْصِيصِ، وَلَا نَعْنِي بِاعْتِقَادِ الْعُمُومِ إِلَّا هَذَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوِ اعْتُبِرَ فِي وُجُوبِ اعْتِقَادِ كَوْنِ اللَّفْظِ عَامًّا عَدَمُ الْمُخَصِّصِ ; لَاعْتُبِرَ فِي وُجُوبِ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً عَدَمُ الْمَجَازِ بِجَامِعِ

стр. 1069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الِاحْتِمَالِ فِيهِمَا، إِذِ اللَّفْظُ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَقِيقَةَ، كَمَا أَنَّ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْخُصُوصِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ، وَالظَّاهِرُ فِيهِ الْعُمُومَ، لَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يُشْتَرَطُ فِي اعْتِقَادِ حَقِيقَتِهِ عَدَمُ الْمَجَازِ، كَذَلِكَ الْعَامُّ لَا يُشْتَرَطُ فِي اعْتِقَادِ عُمُومِهِ عَدَمُ الْمُخَصِّصِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الظَّاهِرَ الْعُمُومُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُخَصِّصِ ; فَيُسْتَصْحَبُ حَالُهُ فِي الْعَدَمِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، فَإِنْ ظَهَرَ مُخَصِّصٌ، كَانَ بُطْلَانُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنِ الْعِبَادِ كَسَائِرِ خَطَّأِ الْحُكَّامِ وَالْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْخَصْمِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ اعْتِقَادِ التَّعْمِيمِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَتَقْرِيرُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ «شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ عَدَمُ الْمُخَصِّصِ» ; لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ ; فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ مَعَهُ، وَ «شَرْطُ الْعِلْمِ بِالْعَدَمِ الطَّلَبُ» ، كَمَا قُلْنَا فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُطْلَبَ الْمُخَصِّصُ ; فَلَا يُوجَدُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ، لَمْ يَجُزِ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ اعْتِقَادَ الْعُمُومِ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِمُوجِبِهِ ; لِأَنَّهُ فَائِدَتُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ وُجُودَ الْمُخَصِّصِ مُحْتَمَلٌ قَطْعًا ; فَالْعَمَلُ بِالْعُمُومِ مَعَ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ يَكُونُ خَطَأً.

стр. 1070

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «قُلْنَا: عَدَمُهُ» ، أَيْ: عَدَمُ الْمُخَصِّصِ «مَعْلُومٌ بِالِاسْتِصْحَابِ» الْمَذْكُورِ ; فَيَحْصُلُ شَرْطُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ «وَمِثْلُهُ فِي التَّيَمُّمِ مُلْتَزَمٌ» ، أَيْ: نَلْتَزِمُ فِي عَدَمِ الْمَاءِ لِإِبَاحَةِ التَّيَمُّمِ مَا الْتَزَمْنَاهُ هَاهُنَا، وَهُوَ أَنَّا لَا نُوجِبُ طَلَبَ الْمَاءِ، وَلَا نَشْتَرِطُهُ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ، بَلْ نَكْتَفِي فِي عَدَمِهِ بِاسْتِصْحَابِ حَالِ فَقْدِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الْأَمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَمَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَعَدَمُ الْوِجْدَانِ مُتَحَقِّقٌ بِمُجَرَّدِ الْفَقْدِ بِدُونِ الطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ : ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٣] ، وَقَوْلِهِ : ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٨] ، أَيْ: فَقَدُوا هُنَالِكَ الْمَصْرِفَ وَالْمَوْئِلَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا ذَلِكَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَلَا أَنَّ الطَّلَبَ شَرْطٌ فِي عَدَمِ وِجْدَانِهِمْ لَهُ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْوِجْدَانِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةٌ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ لَيْسَ شَرْطًا لِعَدَمِ الْوِجْدَانِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَا غَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: نَكْتَفِي فِي عَدَمِ الْمَاءِ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ بِاسْتِصْحَابِ حَالِ فَقْدِهِ، وَفِي عَدَمِ الْمُخَصِّصِ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِ الْعَامِّ وَالْعَمَلِ بِهِ بِاسْتِصْحَابِ حَالِ فَقْدِهِ. قَوْلُهُمْ: وُجُودُ الْمُخَصِّصِ مُحْتَمَلٌ قَطْعًا. قُلْنَا: نَعَمْ. قَوْلُهُمْ: فَالْعَمَلُ بِالْعُمُومِ مَعَ احْتِمَالِ الْمُخَصِّصِ يَكُونُ خَطَأً. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ خَطَأً لَوْ كَانَ شَرْطُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ الْقِطْعُ بِانْتِفَاءِ

стр. 1071

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُخَصِّصِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ، بَلْ «ظَنُّ صِحَّةِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ مَعَ احْتِمَالِ الْمُخَصِّصِ كَافٍ، وَهُوَ حَاصِلٌ» . قُلْتُ: الْمُخْتَارُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِهَا وَهُوَ أَنَّ اعْتِقَادَ عُمُومِ الْعَامِّ وَالْعَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ بِمُجَرَّدِ وُرُودِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ إِلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ جَائِزٌ، وَقِيلَ: حَتَّى يَبْقَى أَقَلُّ الْجَمْعِ» . اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ ; فَقِيلَ: يَجُوزُ إِلَى الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْ أَقَلِّ الْجَمْعِ. وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَالْقَفَّالِ، وَالْغَزَّالِيِّ، وَحَكَى الْآمِدِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّ فِي «مَنْ» خَاصَّةً يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إِلَى الْوَاحِدِ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ ثَلَاثَةٍ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَبْقَى بَعْدَ التَّخْصِيصِ فِي جَمِيعِ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ عَدَدٌ يَقْرُبُ مِنَ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْدُودًا، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ عِنْدَنَا إِلَى الْوَاحِدِ، وَهُوَ إِطْلَاقُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَحَكَى الْإِمَامُ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِي مَنْ وَمَا وَنَحْوِهِمَا. قَالَ، يَعْنِي الْإِمَامَ: وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَجِبُ أَنْ يَبْقَى أَقَلُّ الْجَمْعِ فِي الْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: لَا بُدَّ مِنَ الْكَثْرَةِ فِي الْكُلِّ إِلَّا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ الْوَاحِدُ الْمُعَظَّمُ فِي نَفْسِهِ، يَعْنِي فَلَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْكَثْرَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْأَصْلِ وَاحِدٌ،

стр. 1072

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَقَوْلِهِ : ﴿أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] . قُلْتُ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ حَتَّى لَا يَبْقَى مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِ إِلَّا مُشْرِكٌ وَاحِدٌ، أَوْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْقَى ثَلَاثَةٌ أَوْ مَا يُقَارِبُ الْمُشْرِكِينَ الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵇: وَمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ ; فَاقْتُلُوهُ. عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: «لَنَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ جَوَازُ التَّخْصِيصِ إِلَى الْوَاحِدِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ «التَّخْصِيصَ تَابِعٌ لِلْمُخَصِّصِ، وَالْعَامَّ مُتَنَاوِلٌ لِلْوَاحِدِ» ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ التَّخْصِيصِ إِلَيْهِ. أَمَّا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَابِعٌ لِلْمُخَصِّصِ ; فَلِأَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ الْمُخَصِّصُ اقْتَضَى رَفْعَ مَا يُطَابِقُهُ مِنَ الْعَامِّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِنَ الْعُمُومِ ; فَيَخْرُجُ عَنِ الْإِرَادَةِ بِهِ. وَأَمَّا أَنَّ الْعَامَّ مُتَنَاوِلٌ لِلْوَاحِدِ ; فَظَاهِرٌ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَيَانِهِ لُغَةً وَحَدُّهُ اصْطِلَاحًا، وَهُوَ الشُّمُولُ وَالِاسْتِغْرَاقُ. وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ التَّخْصِيصِ إِلَى الْوَاحِدِ ; فَلِأَنَّهُ كُلَّمَا وَرَدَ التَّخْصِيصُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ، اقْتَضَى أَنَّ ذَلِكَ الْفَرْدَ غَيْرُ مُرَادٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يَبْقَى مِنَ الْعَامِّ، أَوْ نَقُولُ: التَّخْصِيصُ بَيَانُ أَنَّ بَعْضَ

стр. 1073

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْعَامِّ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْحُكْمِ، وَالْبَعْضُ الْمَخْصُوصُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ الْعُمُومِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ نِصْفَهُ ; فَمَا عَدَا الْوَاحِدِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَعْضِ ; فَيَجُوزُ بَيَانُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. قَوْلُهُ: قَالُوا: لَيْسَ بِعَامٍّ، أَيْ: قَالَ الْمَانِعُونَ لِلتَّخْصِيصِ إِلَى الْوَاحِدِ: إِنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِعَامٍّ ; فَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إِلَيْهِ. «قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ» أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ عَامًّا، بَلْ هُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ الْعَامَّ هُوَ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ، فَإِذَا خُصَّ بِفَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَغْرِقًا ; فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ عَامًّا، وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِجَمْعٍ أَوْ لَيْسَ بِكَثِيرٍ بِنَاءً عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَبْقَى الْكَثْرَةُ عَلَى رَأْيِ أَبِي الْحُسَيْنِ، أَوْ أَقَلُّ الْجَمْعِ عَلَى رَأْيِ الْغَزَّالِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ عَمَلًا بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1074

الْخَاصُّ الْخَاصُّ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ. وَالتَّخْصِيصُ: بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ. أَوْ بَيَانُ أَنَّ بَعْضَ مَدْلُولِ اللَّفْظِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِدَلِيلِ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢] ، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٥] . وَالْمُخَصِّصُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْخَاصِّ، وَمُوجِدُهُ. وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ مَجَازٌ. وَالْمُخَصِّصَاتُ تِسْعَةٌ: الْأَوَّلُ: الْحِسُّ كَخُرُوجِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ حِسًّا. الثَّانِي: الْعَقْلُ، وَبِهِ خُصَّ مَنْ لَا يَفْهَمُ مِنْ عُمُومِ النَّصِّ نَحْوُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] . وَوُجُوبُ تَأَخُّرِ الْمُخَصِّصِ، وَصِحَّةُ تَنَاوُلِ الْعَامِّ مَحَلَّ التَّخْصِيصِ مَمْنُوعٌ. الثَّالِثُ: الْإِجْمَاعُ لِقَطْعِيَّتِهِ، وَاحْتِمَالِ الْعَامِّ وَهُوَ دَلِيلُ نَصٍّ مُخَصِّصٍ. ــ قَوْلُهُ: «الْخَاصُّ» . أَيْ: هَذَا بَيَانُ أَحْكَامِ الْخَاصِّ وَالتَّخْصِيصِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِمَا، وَالْخَاصُّ: هُوَ «اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ» لِأَنَّهُ مُقَابِلُ الْعَامِّ، وَالْعَامُّ يَدُلُّ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ; فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَا ذَكَرْنَاهُ ; فَالْعَامُّ، كَالرِّجَالِ. وَالْخَاصُّ، كَزَيْدٍ، وَعَمْرٍو، وَهَذَا الرَّجُلِ. قَوْلُهُ: «وَالتَّخْصِيصُ: بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ، أَوْ بَيَانُ أَنَّ بَعْضَ مَدْلُولِ اللَّفْظِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْحُكْمِ» ، هَذَانِ تَعْرِيفَانِ لِلتَّخْصِيصِ مُتَسَاوِيَانِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾

стр. 1075

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْمَائِدَةِ: ٥] ، مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢١] ; فَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ مَا عَدَا الْكِتَابِيَّاتِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَ مَدْلُولِ الْمُشْرِكَاتِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالتَّحْرِيمِ، وَهُنَّ الْكِتَابِيَّاتُ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي التَّخْصِيصَ، جَائِزٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَعْلَمُ اخْتِلَافًا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ. قُلْتُ: لِأَنَّهُ بَيَانٌ كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِّهِ، وَالْبَيَانُ لَا خِلَافَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرِ فِي بَيَانِهِ، بِخِلَافِ النَّسْخِ ; فَإِنَّهُ رَفْعٌ وَإِبْطَالٌ ; فَاتَّجَهَتِ الشُّبْهَةُ فِي وُقُوعِهِ. قَوْلُهُ: «بِدَلِيلِ» ، أَيِ: التَّخْصِيصُ جَائِزٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠١] ، ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٢] ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، إِذْ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً. وَقَوْلِهِ فِي صِفَةِ الرِّيحِ الَّتِي أَهْلَكَتْ عَادًا: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٥] ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ لَمْ تُدَمِّرْهَا، كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. قُلْتُ: هَذِهِ الْآيَةُ يَحْتَجُّ بِهَا الْأُصُولِيُّونَ عَلَى إِطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُقَيَّدَةً بِمَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤١، ٤٢] ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مُقَيَّدٌ بِمَا أَتَتْ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّدْمِيرُ مَخْتَصًّا

стр. 1076

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِذَلِكَ ; فَتَكُونُ الْآيَةُ خَاصَّةً أُرِيدَ بِهَا الْخَاصُّ ; فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا عَلَى مَا يَذْكُرُونَ. قَوْلُهُ «وَالْمُخَصِّصُ: هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْخَاصِّ وَمُوجِدُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ مَجَازٌ» . يَعْنِي أَنَّ الْمُخَصِّصَ يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا ; فَالْمُخَصِّصُ حَقِيقَةً هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْخَاصِّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ إِذَا صَدَرَ ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَوُجِدَ مِنْهُمَا، وَالْمُخَصِّصُ مَجَازًا هُوَ ذَلِكَ الْكَلَامُ الْخَاصُّ الْمُبَيِّنُ لِلْمُرَادِ بِالْعَامِّ ; فَاللَّهُ هُوَ الْمُخَصِّصُ بِالْحَقِيقَةِ، لِنِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ مِنْ عُمُومِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ، وَقَوْلُهُ : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥] ، يُسَمَّى مُخَصِّصًا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مَجَازًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِعْلٌ، وَالْمُخَصِّصُ اسْمُ فَاعِلٍ، وَالْفِعْلُ إِنَّمَا يَصْدُرُ حَقِيقَةً عَنْ فَاعِلٍ حَقِيقِيٍّ، أَمَّا إِسْنَادُهُ إِلَى الْكَلَامِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ بِفَاعِلٍ حَقِيقِيٍّ ; فَهُوَ مَجَازٌ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ النَّاسِخَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ، وَإِطْلَاقُ النَّاسِخِ عَلَى بَعْضِ النُّصُوصِ مَجَازٌ. قَوْلُهُ: «وَ الْمُخَصِّصَاتُ» ، أَيْ: وَالْأَدِلَّةُ الْمُخَصِّصَاتُ، يَعْنِي أَدِلَّةَ التَّخْصِيصِ «تِسْعَةٌ» : - «الْحِسُّ» ، أَيْ: أَحَدُهَا الْحِسُّ، «كَخُرُوجِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ» قَوْلِهِ عَزَّ

стр. 1077

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجُلَّ فِي صِفَةِ الرِّيحِ الْعَقِيمِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٥] ; فَإِنَّنَا عَلِمْنَا بِالْحِسِّ أَنَّهَا لَمْ تُدَمِّرِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ ; فَكَانَ الْحِسُّ مُخَصِّصًا لِذَلِكَ. قُلْتُ: وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَظَرٌ كَمَا سَبَقَ فِي صَدْرِ الْبَابِ. «الثَّانِي» : مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ: الْعَقْلُ، وَبِهِ خُصَّ مَنْ لَا يَفْهَمُ مِنْ عُمُومِ النَّصِّ، نَحْوَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانِ: ٩٧] ، وَنَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١] ، فَإِنَّ هَذَا الْخِطَابَ يَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ مَنْ لَا يَفْهَمُ مِنَ النَّاسِ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لَكِنَّهُ خَرَجَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ; فَكَانَ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ بِهِ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ الْمُخَصِّصِ لَهُ مَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ. قَوْلُهُ: «وَوُجُوبُ تَأَخُّرِ الْمُخَصِّصِ وَصِحَّةِ تَنَاوُلِ الْعَامِّ مَحَلَّ التَّخْصِيصِ مَمْنُوعٌ» هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ، أُورِدَا عَلَى كَوْنِ الْعَقْلِ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِّهِ ; فَالْمُخَصِّصُ مُبَيِّنٌ وَالْمُبَيِّنُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمُبَيِّنِ، وَالْعَقْلُ سَابِقٌ فِي الْوُجُودِ عَلَى أَدِلَّةِ السَّمْعِ ; فَلَا يَكُونُ مُبَيِّنًا لَهَا ; فَلَا يَكُونُ الْعَقْلُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ، كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُقَدَّمِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ.

стр. 1078

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ مَحَلَّ التَّخْصِيصِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَصِحَّ تَنَاوُلُ الْعَامِّ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدِ الْمُخَصِّصُ، وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ، لَكِنْ مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَقْلًا، لَا يَصِحُّ تَنَاوُلُ اللَّفْظِ لَهُ لُغَةً وَلَا إِرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ. وَحِينَئِذٍ لَا عُمُومَ فِي اللَّفْظِ ; فَلَا تَخْصِيصَ. وَمِثَالُهُ أَنَّ ذَاتَ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ لَا يَصِحُّ خَلْقُهَا عَقْلًا ; فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠١] مُتَنَاوِلًا لَهَا لُغَةً ; فَلَا يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ عَامًّا ; فَلَا يَكُونُ الْعَقْلُ مُخَصِّصًا لَهُ. هَذَا تَقْرِيرُ السُّؤَالَيْنِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا بِالْمَنْعِ: أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ ; فَبِأَنَّ حَقَّ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، وَالْعَقْلُ إِنَّمَا سَبَقَ أَدِلَّةَ السَّمْعِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا. أَمَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لَهَا ; فَلَا نُسَلِّمُ. وَتَحْقِيقُ هَذَا، أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ مَوْجُودٌ دَائِمُ الْوُجُودِ ; فَالْمَوْجُودُ مِنْهُ بَعْدَ وُرُودِ أَدِلَّةِ السَّمْعِ هُوَ اللَّاحِقُ لَهَا بِالتَّخْصِيصِ وَالْبَيَانِ، أَمَّا السَّابِقُ عَلَيْهَا ; فَلَا، وَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْأَمْرِ إِلَى أَنَّهُ مُخَصِّصٌ مِنْ جِهَةِ مَا تَأَخَّرَ مِنْ وُجُودِهِ عَنْ أَدِلَّةِ السَّمْعِ، لَا مِنْ جِهَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ عَلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْنَا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُقَدَّمُ. لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ بِوُجُودِهِ وَبَيَانِهِ، وَالْعَقْلُ إِنَّمَا تَقَدَّمَ أَدِلَّةَ السَّمْعِ بِوُجُودِهِ، وَتَأَخَّرَ بِبَيَانِهِ. ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُقَدَّمِ وَالْعَقْلِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُقَدَّمَ لَا يُعَدُّ كَلَامًا وَلَا النَّاطِقَ بِهِ مُتَكَلِّمًا، كَمَنْ قَالَ: إِلَّا زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَامَ

стр. 1079

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقَوْمُ، بِخِلَافِ دَلِيلِ الْعَقْلِ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ الْبَارِئِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ قَبْلَ دَلِيلِ السَّمْعِ وَبَعْدَهُ، وَالْمُسْتَعْمِلُ لَهُ يُعَدُّ مُسْتَدِلًّا فِي الْحَالَيْنِ. وَأَمَّا امْتِنَاعُ النَّسْخِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ; فَلِأَنَّ النَّسْخَ إِمَّا رَفْعُ الْحُكْمِ، أَوْ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ، وَلَا قُوَّةَ لِلْعَقْلِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الشَّرْعِ، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ ; فَإِنَّهُ بَيَانٌ، وَالْعَقْلُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِلَفْظِهِ. وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي. فَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَحَلَّ التَّخْصِيصِ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ تَنَاوُلُ الْعَامِّ لَهُ. قَوْلُهُ: لَوْ لَمْ يَرِدِ الْمُخَصِّصُ. وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ. قُلْنَا: هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، بَلْ إِنَّمَا يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا يَصِحُّ تَنَاوُلُهُ لَهُ. أَمَّا مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ عَقْلًا ; فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ النَّافِي لِلصِّحَّةِ، وَعُدْنَا إِلَى رَأْسِ الْمَسْأَلَةِ. ثُمَّ قَوْلُهُ: مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَقْلًا لَا يَصِحُّ تَنَاوُلُ اللَّفْظِ لَهُ لُغَةً. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ إِرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْصُومِ لَهُ. وَحِينَئِذٍ لَا يَمْتَنِعُ أَنَّ مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَقْلًا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ لُغَةً، وَيُبَيِّنُ الْعَقْلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِلْمُتَكَلِّمِ الْمَعْصُومِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا هَذَا بِالْمُتَكَلِّمِ الْمَعْصُومِ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِ الْعَامِّ مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ، لَكِنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنَ الْكَذِبِ، وَبَابُ الْكَذِبِ مَفْتُوحٌ لِمَنْ أَرَادَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثُ: مِنْ مُخَصِّصَاتِ «الْعُمُومِ الْإِجْمَاعُ، لِقَطْعِيَّتِهِ، وَاحْتِمَالِ الْعَامِّ» ، أَيْ: لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ شَرْعِيٌّ، وَالْعَامُّ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ

стр. 1080

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ لَا بِطْرِيقِ الْقَطْعِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الْقَاطِعُ وَالظَّاهِرُ كَانَ الْقَاطِعُ مُتَقَدِّمًا. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي الْإِجْمَاعَ، «دَلِيلُ نَصٍّ مُخَصِّصٍ» ، أَيْ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُخَصِّصَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ نَصٍّ مُخَصِّصٍ، كَمَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى النَّاسِخِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا يُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِجْمَاعِ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ ; فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مُسْتَنَدِهِ، وَالتَّخْصِيصُ وَالنَّسْخُ مُضَافٌ إِلَى ذَلِكَ الْمُسْتَنَدِ، فَإِذَا رَأَيْنَا الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدًا عَلَى الْعَمَلِ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْعَامِّ بِخِلَافِ مُقْتَضَى الْعُمُومِ، عَلِمْنَا أَنَّ هُنَاكَ نَصًّا عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ. مِثَالُهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَامَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْعِوَضِ الْمَعْلُومِ، ثُمَّ رَأَيْنَا النَّاسَ مُجْمِعِينِ عَلَى دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ وَرُكُوبِ السُّفُنِ بِغَيْرِ تَعْيِينِ عِوَضٍ ; فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ دَلِيلٍ مُخَصِّصٍ لِهَذِهِ الصُّورَةِ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْثَالِهَا، وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الِاسْتِحْسَانِ.

стр. 1081

الرَّابِعُ: النَّصُّ: كَتَخْصِيصِ «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ،» لِعُمُومِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٨] ، «وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» . لِعُمُومِ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ،» وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ كِتَابًا، أَوْ سُنَّةً، مُتَقَدِّمًا، أَوْ مُتَأَخِّرًا، لِقُوَّةِ الْخَاصِّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ يُقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرُ، خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ، وَلِأَنَّ الْعَامَّ كَآحَادِ صُوَرٍ خَاصَّةٍ ; فَجَائِزٌ أَنْ يُرْفَعَ الْخَاصُّ. وَلَنَا: أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَمَلًا بِكِلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ ; فَكَانَ أَوْلَى، فَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا. وَمُتَعَارِضَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِاحْتِمَالِ تَأَخُّرِ الْعَامِّ وَنَسْخِهِ الْخَاصَّ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يُخَصُّ عُمُومُ السَّنَةِ بِالْكِتَابِ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَوْلًا لَنَا ; لِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لَهُ ; فَلَوْ خَصَّهَا لَبَيَّنَهَا ; فَيَتَنَاقَضُ. وَلَنَا: أَنَّ مَا بَيَّنَتْهُ مِنْهُ لَا يُبَيِّنُهَا وَبِالْعَكْسِ، أَوْ يُبَيِّنُ كُلٌّ مِنْهَا الْآخَرَ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ ; فَلَا تَنَاقُضَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يُخَصُّ عُمُومُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِضَعْفِهِ عَنْهُ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ: يُخَصَّصُ الْمُخَصِّصُ دُونَ غَيْرِهِ. بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُخَصَّصَ مَجَازٌ ; فَيَضْعُفُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ، إِذِ الْكِتَابُ قَطْعِيُّ السَّنَدِ، وَالْخَبَرُ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ فَيَتَعَادَلَانِ. لَنَا: إِرَادَةُ الْخَاصِّ أَغْلَبُ مِنْ إِرَادَةِ عُمُومِ الْعَامِّ ; فَقُدِّمَ لِذَلِكَ، وَأَيْضًا تَخْصِيصُ الصَّحَابَةِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٤] ، بِـ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وَآيَةَ الْمِيرَاثِ بِـ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ. وَالْكَافِرُ الْمُسْلِمَ. وَلَا إِرْثَ لِقَاتِلٍ، وَنَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، وَعُمُومَ الْوَصِيَّةِ بِـ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. وَ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، بِـ «حَتَّى يَذُوقَ عَسِيلَتَكِ» . مُتَسَارِعِينَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ تَارِيخٍ. وَدَعْوَى الْوَاقِفِيَّةِ التَّعَادُلَ مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا. وَإِلَّا لَتَوَقَّفَ الصَّحَابَةُ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1082

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ " الرَّابِعُ ": مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ: " النَّصُّ " الْخَاصُّ، " كَتَخْصِيصِ " قَوْلِهِ ﵇: لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٨] ، فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي عُمُومَ الْقَطْعِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ; فَخَصَّ بِالْحَدِيثِ مَا دُونَ رُبُعِ دِينَارٍ ; فَلَا قَطْعَ فِيهِ، وَكَتَخْصِيصِ قَوْلِهِ ﵇: لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْعُشْرِ فِي قَلِيلِ مَا سُقِيَ بِالسَّمَاءِ وَكَثِيرِهِ ; فَخُصَّ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْهُ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ; فَلَا زَكَاةَ فِيهَا. وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً، وَسَوَاءٌ كَانَ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، فَإِنَّ الْخَاصَّ يَخُصُّهُ، لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ " لِقُوَّةِ الْخَاصِّ "، أَيْ: لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَدْلُولِهِ ; فَإِنَّهَا قَاطِعَةٌ، وَدَلَالَةُ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ ظَاهِرَةٌ، وَالْقَاطِعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ. مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ: كُلَّمَا سَرَقَ السَّارِقُ ; فَاقْطَعُوهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْآيَةِ ; فَدَلَالَتُهُ عَلَى قَطْعِ مَنْ سَرَقَ دُونَ رُبُعِ دِينَارٍ ظَاهِرَةٌ، وَدَلَالَةُ قَوْلِهِ ﵇: لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ. عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ فِيمَا دُونَهُ قَاطِعَةٌ ; فَيُقَدَّمُ، " وَهُوَ "

стр. 1083

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَعْنِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَقَدِّمَةٌ وَمُتَأَخِّرَةٌ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَيْهِ هُوَ " قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرُ "، مِنَ النَّصَّيْنِ " خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ "، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ ﷺ ، أَيْ: بِالْآخَرِ فَالْآخَرِ، وَهُوَ عَامٌ فِي تَقْدِيمِ الْمُتَأَخِّرِ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا ; لِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ الشَّرْعِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ إِنْ كَانَ هُوَ الْخَاصَّ ; فَهُوَ الْمُقَدَّمُ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَامَّ ; فَهُوَ كَآحَادِ صُوَرٍ خَاصَّةٍ ; فَجَازَ أَنْ يُرْفَعَ الْخَاصُّ. وَتَحْقِيقُ هَذَا بِنَحْوِ مَا سَبَقَ فِي أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حَقِيقَةٌ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ كَأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا لَوْ نُصَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِلَفْظٍ ; فَالْحُكْمُ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَصِحُّ أَنْ يَرْفَعَ الْحُكْمَ الْمُنَافِيَ لَهُ فِي مُسَمًّى خَاصٍّ ثَبَتَ قَبْلَهُ. مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ: أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَ: لَا تُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا ; فَكَأَنَّهُ

стр. 1084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَالَ: لَا تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا وَلَا فُلَانًا وَلَا زَيْدًا ; فَكَانَ هَذَا النَّهْيُ عَنْ إِعْطَاءِ زَيْدٍ رَافِعًا لِلْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ بِإِعْطَائِهِ. قَوْلُهُ: " وَلَنَا أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَمَلًا بِكِلَيْهِمَا، بِخِلَافِ الْعَكْسِ "، أَيْ: لَنَا عَلَى تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَمَلًا بِكِلَا الدَّلِيلَيْنِ: الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فِيمَا عَدَا صُورَةِ التَّخْصِيصِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْعَامِّ إِلْغَاءٌ لِلْعَمَلِ بِالْخَاصِّ، وَالنُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا مَا أَمْكَنَ ; فَيَكُونُ الْعَمَلُ بِكِلَا النَّصَّيْنِ بِتَقْدِيمِ الْخَاصِّ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ الْخَاصِّ بِتَقْدِيمِ الْعَامِّ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَ: لَا تُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا، فَإِذَا عَمِلَ بِهَذَا الْعُمُومِ وَحْدَهُ، وَمَنَعَ زَيْدًا، كَانَ مُلْغِيًا لِلنَّصِّ الْخَاصِّ فِي إِعْطَاءِ زَيْدٍ، وَإِذَا أَعْطَى زَيْدًا، وَمَنَعَ مَنْ سِوَاهُ، كَانَ عَامِلًا بِالنَّصِّ الْخَاصِّ فِي إِعْطَاءِ زَيْدٍ، وَبِالْعَامِّ فِي مَنْعِ غَيْرِهِ ; فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ أَحَدِ النَّصَّيْنِ. وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْخَصْمُ، أَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ ; فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّسْخِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَشَرْطُ النَّسْخِ التَّعَارُضُ وَعَدَمُ إِمْكَانِ الْجَمْعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هَاهُنَا. وَأَمَّا قَوْلُهُمُ: الْعَامُّ كَآحَادِ صُوَرٍ خَاصَّةٍ ; فَجَازَ أَنْ يَرْفَعَ الْخَاصَّ. قُلْنَا: الْجَوَازُ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، وَالْأَوْلَى فِي الشَّرْعِيَّاتِ مُتَعَيِّنٌ ; لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ، وَبَيَانُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ; مَا سَبَقَ فِي دَلِيلِنَا.

стр. 1085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ نَسْخٌ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ تَخْصِيصٌ. وَإِذَا تَعَارَضَ النَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ، كَانَ التَّخْصِيصُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ وَتَقْرِيرٌ، وَالنَّسْخُ إِبْطَالٌ وَتَعْطِيلٌ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، إِذِ الْأَصْلُ دَوَامُ الْحُكْمِ وَاسْتِمْرَارُهُ، وَالْبَيَانُ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ فِي كَلَامِ الْحَكِيمِ إِذِ الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ بَيِّنًا، لَكِنَّ الْبَيَانَ قَدْ يُقَارِنُ الْخِطَابَ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ مَثَارَ الْخِلَافِ أَنَّ الْعَامَّ هَلْ يُدَلُّ عَلَى أَفْرَادِهِ بِالنُّصُوصِيَّةِ أَوْ بِالظُّهُورِ؟ . فَإِنْ قِيلَ: بِالنُّصُوصِيَّةِ ; فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَطِبْقِهِ مِنَ الْعَامِّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَقْطُوعٌ بِإِرَادَةِ حُكْمِهِ فِيهِ ; فَيَرْفَعُ الثَّانِي الْأَوَّلَ. وَإِنْ قُلْنَا: بِالظُّهُورِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; فَالْخَاصُّ قَاطِعٌ فِي الدَّلَالَةِ ; فَيُقَدَّمُ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: " فَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ ; فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا "، أَيْ: يُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي جَهَالَةِ التَّارِيخِ أَنْ يُقَدَّرَ تَأَخُّرُ الْعَامِّ، وَنَحْنُ لَوْ تَحَقَّقْنَا تَأَخُّرَهُ، قَدَّمْنَا الْخَاصَّ عَلَيْهِ ; فَلَا فَرْقَ عَلَى قَوْلِنَا بَيْنَ تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ، وَجَهَالَةِ التَّارِيخِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَتَعَارَضَانِ، وَهُوَ قِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالتَّعَارُضُ بَيْنَ الْخَاصِّ وَمَا قَابَلَهُ مِنَ الْعَامِّ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا ; فَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مُتَقَدِّمًا ; فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِالْخَاصِّ وَلَا مُرَجِّحَ ; فَيَجِبُ الْوَقْفُ لِئَلَّا يَكُونَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا تَحَكُّمًا.

стр. 1086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِمَنْعِ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ، بَلِ الْمُرَجِّحُ مَوْجُودٌ، وَهُوَ مَا سَبَقَ مِنْ تَرْجِيحِ التَّخْصِيصِ عَلَى النَّسْخِ إِذَا تَعَارَضَا. قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يُخَصُّ عُمُومُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ "، هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ قَبْلُ: " وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً "، أَيْ: فَإِنَّهُ يُخَصُّ بِالْخَاصِّ، كِتَابًا كَانَ الْخَاصُّ أَوْ سُنَّةً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. " وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَوْلًا "، أَيْ: رِوَايَةً " لَنَا " وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] ; فَلَوْ خَصَّصَهَا الْكِتَابُ، لَبَيَّنَهَا ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، إِذْ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَيِّنًا لِلْآخَرِ وَتَابِعًا لَهُ ; لِأَنَّ الْمُبَيِّنَ تَابِعٌ لِلْمُبِيَّنِ، بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّيْئَيْنِ تَابِعًا لِلْآخَرِ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ: " وَلَنَا أَنَّ مَا بَيَّنَتْهُ مِنْهُ لَا يُبَيِّنُهَا وَبِالْعَكْسِ "، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى صِحَّةِ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّوْرَ وَالتَّنَاقُضَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ لَوْ بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ مَا بَيَّنَهُ الْآخَرُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِنَ الْكِتَابِ لَا يُبَيِّنُهُ الْكِتَابُ مِنَ السُّنَّةِ، وَمَا يُبَيِّنُهُ الْكِتَابُ مِنَ السُّنَّةِ لَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِنَ الْكِتَابِ ; فَلَا دَوْرَ وَلَا تَنَاقُضَ. وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ فِي النَّسْخِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَبْيِينَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ ; فَيَكُونُ ذَلِكَ

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ ; فَلَا تَنَاقُضَ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْ يُشْبِهُهُ. قَوْلُهُ: " وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يُخَصُّ عُمُومُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِضَعْفِهِ "، أَيْ: لِضَعْفِ الْخَبَرِ عَنِ الْكِتَابِ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: " يُخَصِّصُ الْمُخَصَّصَ دُونَ غَيْرِهِ "، أَيْ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَخُصُّ الْعَامَّ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا كَانَ مَخْصُوصًا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَخُصُّ الْعَامَّ غَيْرَ الْمَخْصُوصِ. قُلْتُ: هَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ عِيسَى: إِنِ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ يَبْقَى مَجَازًا ; فَيَضْعُفُ ; فَيَقْوَى خَبَرُ الْوَاحِدِ عَلَى تَخْصِيصِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَوْلُ عِيسَى هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْتُ ; فَفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَافُتِ ; لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَا يَبْقَى حُجَّةً عِنْدَهُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهِ فَائِدَةٌ، إِذْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بَيَانُ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا حُكْمُ الْعُمُومِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّ الْعُمُومَ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ أَوْ لَهُ حُكْمٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ ; فَيَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ ; فَهَذَا وَجْهُ التَّهَافُتِ فِي قَوْلِهِ: الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ لَا يَبْقَى حُجَّةً مَعَ قَوْلِهِ: يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، يَعْنِي قَوْلَ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. " وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ "، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْوَاقِفِيَّةِ، فِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ " الْكِتَابَ قَطْعِيُّ السَّنَدِ " لِتَوَاتُرِهِ، ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ ظَاهِرَةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ " قَطْعِيُّ

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدَّلَالَةِ " لِخُصُوصِهِ وَنُصُوصِيَّتِهِ فِي مَدْلُولِهِ، ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ ; لِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ كَمَا سَبَقَ ; فَيَتَعَادَلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ رَاجِحًا مِنْ وَجْهٍ، مَرْجُوحًا مِنْ وَجْهٍ. مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٦٨] ، مَعَ نَهْيِهِ ﵇ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ; فَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ عِنْدَنَا عَلَى مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْآيَةِ وَيَتَعَادَلَانِ عِنْدَ الْوَاقِفِيَّةِ. " لَنَا " عَلَى تَقْدِيمِ الْخَاصِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ " إِرَادَةَ الْخَاصِّ أَغْلَبُ مِنْ إِرَادَةِ عُمُومِ الْعَامِّ "، أَيْ: إِذَا وَرَدَ عَامٌّ وَخَاصٌّ ; فَالظَّاهِرُ الْغَالِبُ أَنَّ حُكْمَ الْخَاصِّ مُرَادٌ بِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَامِّ مَا عَدَا الْحُكْمَ الْخَاصَّ. مِثَالُهُ: إِنَّ إِرَادَةَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ". أَظْهَرُ مِنْ إِرَادَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، يُوَرَثُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ، وَإِذَا كَانَتْ إِرَادَةُ الْخَاصِّ أَظْهَرَ وَأَغْلَبَ، قُدِّمَ لِذَلِكَ، أَيْ: لِظُهُورِهِ وَغَلَبَتِهِ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِطَرِيقٍ آخَرَ.

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ وَبَادَرُوا إِلَيْهِ بِفِقْهِهِمْ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا: تَخْصِيصُ قَوْلِهِ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٤] ، بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا "، وَالْآيَةُ بِلَفْظِهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا تَخْصِيصُ آيَةِ الْمِيرَاثِ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ، بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ". وَالْآيَةُ بِلَفْظِهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِتَوَارُثِهِمَا وَالِدًا وَمَوْلُودًا، وَكَذَلِكَ خَصَّتْ فِي الْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا إِرْثَ لِقَاتِلٍ ". وَفِي وَلَدِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَقَارِبِهِ بِقَوْلِهِ ﵇: " نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ". وَمِنْهَا: تَخْصِيصُ عُمُومِ الْوَصِيَّةِ فِي قَوْلِهِ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٠] ، بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ". وَالْآيَةُ بِلَفْظِهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِلْوَصِيَّةِ لَهُ. وَمِنْهَا تَخْصِيصُ قَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾

стр. 1090

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، بِقَوْلِهِ ﵇ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ: " لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقُ عُسَيْلَتَكِ ". وَإِذَا ثَبَتَ تَخْصِيصُ الصَّحَابَةِ عُمُومَ الْكِتَابِ بِخُصُوصِ السُّنَّةِ مُتَسَارِعِينَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ تَارِيخٍ، وَلَا سُؤَالٍ عَنِ الْعَامِّ: هَلْ خُصَّ أَمْ لَا، وَلَا تَوَقَّفَ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ وُجُوبِهِ ; لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْوَاجِبِ، وَذَرِيعَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ. وَأَمَّا الْوَاقِفِيَّةُ ; فَدَعْوَاهُمُ التَّعَادُلُ بَيْنَ عَامِّ الْكِتَابِ وَخَاصِّ السُّنَّةِ مَمْنُوعَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى التَّخْصِيصِ وَمُبَادَرَتِهِمْ إِلَيْهِ، " وَإِلَّا " أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا، " لَتَوَقَّفَ الصَّحَابَةُ " كَمَا تَوَقَّفْتُمْ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا: مِنْ غَيْرِ تَارِيخٍ يُعْرَضُ بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ التَّارِيخَ إِذَا جُهِلَ، يُقَدَّمُ الْخَاصُّ عِنْدَنَا، وَيَتَعَارَضَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَيْ: فَلَوْ صَحَّ هَذَا، لَاسْتَفْصَلَ الصَّحَابَةُ فِي تَخْصِيصِهِمْ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَاحْتَاجُوا لِذَلِكَ إِلَى طَلَبِ التَّارِيخِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ مَعَ كَثْرَةِ مَجَارِي اجْتِهَادَاتِهِمْ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ وَغَيْرِهِ ; فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْعَامِّ وَتَأَخُّرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﵇: " حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ". فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ النِّكَاحَ عَامٌّ فِي الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ حَتَّى يَكُونَ ذَوْقُ
следующие страницы →