← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِمَنْعِ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ، بَلِ الْمُرَجِّحُ مَوْجُودٌ، وَهُوَ مَا سَبَقَ مِنْ تَرْجِيحِ التَّخْصِيصِ عَلَى النَّسْخِ إِذَا تَعَارَضَا. قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يُخَصُّ عُمُومُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ "، هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ قَبْلُ: " وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً "، أَيْ: فَإِنَّهُ يُخَصُّ بِالْخَاصِّ، كِتَابًا كَانَ الْخَاصُّ أَوْ سُنَّةً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. " وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ قَوْلًا "، أَيْ: رِوَايَةً " لَنَا " وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] ; فَلَوْ خَصَّصَهَا الْكِتَابُ، لَبَيَّنَهَا ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، إِذْ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَيِّنًا لِلْآخَرِ وَتَابِعًا لَهُ ; لِأَنَّ الْمُبَيِّنَ تَابِعٌ لِلْمُبِيَّنِ، بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّيْئَيْنِ تَابِعًا لِلْآخَرِ بَاطِلٌ. قَوْلُهُ: " وَلَنَا أَنَّ مَا بَيَّنَتْهُ مِنْهُ لَا يُبَيِّنُهَا وَبِالْعَكْسِ "، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَنَا عَلَى صِحَّةِ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّوْرَ وَالتَّنَاقُضَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ لَوْ بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ مَا بَيَّنَهُ الْآخَرُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِنَ الْكِتَابِ لَا يُبَيِّنُهُ الْكِتَابُ مِنَ السُّنَّةِ، وَمَا يُبَيِّنُهُ الْكِتَابُ مِنَ السُّنَّةِ لَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِنَ الْكِتَابِ ; فَلَا دَوْرَ وَلَا تَنَاقُضَ. وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ فِي النَّسْخِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَبْيِينَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ ; فَيَكُونُ ذَلِكَ

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ ; فَلَا تَنَاقُضَ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْ يُشْبِهُهُ. قَوْلُهُ: " وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يُخَصُّ عُمُومُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِضَعْفِهِ "، أَيْ: لِضَعْفِ الْخَبَرِ عَنِ الْكِتَابِ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: " يُخَصِّصُ الْمُخَصَّصَ دُونَ غَيْرِهِ "، أَيْ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يَخُصُّ الْعَامَّ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا كَانَ مَخْصُوصًا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَخُصُّ الْعَامَّ غَيْرَ الْمَخْصُوصِ. قُلْتُ: هَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ عِيسَى: إِنِ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ يَبْقَى مَجَازًا ; فَيَضْعُفُ ; فَيَقْوَى خَبَرُ الْوَاحِدِ عَلَى تَخْصِيصِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَوْلُ عِيسَى هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْتُ ; فَفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَافُتِ ; لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَا يَبْقَى حُجَّةً عِنْدَهُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهِ فَائِدَةٌ، إِذْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بَيَانُ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا حُكْمُ الْعُمُومِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّ الْعُمُومَ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ أَوْ لَهُ حُكْمٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ ; فَيَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ ; فَهَذَا وَجْهُ التَّهَافُتِ فِي قَوْلِهِ: الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ لَا يَبْقَى حُجَّةً مَعَ قَوْلِهِ: يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، يَعْنِي قَوْلَ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. " وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ "، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْوَاقِفِيَّةِ، فِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ " الْكِتَابَ قَطْعِيُّ السَّنَدِ " لِتَوَاتُرِهِ، ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ ظَاهِرَةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ " قَطْعِيُّ

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدَّلَالَةِ " لِخُصُوصِهِ وَنُصُوصِيَّتِهِ فِي مَدْلُولِهِ، ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ ; لِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ كَمَا سَبَقَ ; فَيَتَعَادَلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ رَاجِحًا مِنْ وَجْهٍ، مَرْجُوحًا مِنْ وَجْهٍ. مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٦٨] ، مَعَ نَهْيِهِ ﵇ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ; فَيُقَدَّمُ الْخَبَرُ عِنْدَنَا عَلَى مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْآيَةِ وَيَتَعَادَلَانِ عِنْدَ الْوَاقِفِيَّةِ. " لَنَا " عَلَى تَقْدِيمِ الْخَاصِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ " إِرَادَةَ الْخَاصِّ أَغْلَبُ مِنْ إِرَادَةِ عُمُومِ الْعَامِّ "، أَيْ: إِذَا وَرَدَ عَامٌّ وَخَاصٌّ ; فَالظَّاهِرُ الْغَالِبُ أَنَّ حُكْمَ الْخَاصِّ مُرَادٌ بِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَامِّ مَا عَدَا الْحُكْمَ الْخَاصَّ. مِثَالُهُ: إِنَّ إِرَادَةَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ". أَظْهَرُ مِنْ إِرَادَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، يُوَرَثُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ، وَإِذَا كَانَتْ إِرَادَةُ الْخَاصِّ أَظْهَرَ وَأَغْلَبَ، قُدِّمَ لِذَلِكَ، أَيْ: لِظُهُورِهِ وَغَلَبَتِهِ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِطَرِيقٍ آخَرَ.

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ وَبَادَرُوا إِلَيْهِ بِفِقْهِهِمْ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا: تَخْصِيصُ قَوْلِهِ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٤] ، بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا "، وَالْآيَةُ بِلَفْظِهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا تَخْصِيصُ آيَةِ الْمِيرَاثِ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ، بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ". وَالْآيَةُ بِلَفْظِهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِتَوَارُثِهِمَا وَالِدًا وَمَوْلُودًا، وَكَذَلِكَ خَصَّتْ فِي الْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا إِرْثَ لِقَاتِلٍ ". وَفِي وَلَدِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَقَارِبِهِ بِقَوْلِهِ ﵇: " نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ". وَمِنْهَا: تَخْصِيصُ عُمُومِ الْوَصِيَّةِ فِي قَوْلِهِ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٠] ، بِقَوْلِهِ ﵇: " لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ". وَالْآيَةُ بِلَفْظِهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِلْوَصِيَّةِ لَهُ. وَمِنْهَا تَخْصِيصُ قَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾

стр. 1090

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، بِقَوْلِهِ ﵇ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ: " لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقُ عُسَيْلَتَكِ ". وَإِذَا ثَبَتَ تَخْصِيصُ الصَّحَابَةِ عُمُومَ الْكِتَابِ بِخُصُوصِ السُّنَّةِ مُتَسَارِعِينَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ تَارِيخٍ، وَلَا سُؤَالٍ عَنِ الْعَامِّ: هَلْ خُصَّ أَمْ لَا، وَلَا تَوَقَّفَ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ وُجُوبِهِ ; لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْوَاجِبِ، وَذَرِيعَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ. وَأَمَّا الْوَاقِفِيَّةُ ; فَدَعْوَاهُمُ التَّعَادُلُ بَيْنَ عَامِّ الْكِتَابِ وَخَاصِّ السُّنَّةِ مَمْنُوعَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى التَّخْصِيصِ وَمُبَادَرَتِهِمْ إِلَيْهِ، " وَإِلَّا " أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا، " لَتَوَقَّفَ الصَّحَابَةُ " كَمَا تَوَقَّفْتُمْ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا: مِنْ غَيْرِ تَارِيخٍ يُعْرَضُ بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ التَّارِيخَ إِذَا جُهِلَ، يُقَدَّمُ الْخَاصُّ عِنْدَنَا، وَيَتَعَارَضَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَيْ: فَلَوْ صَحَّ هَذَا، لَاسْتَفْصَلَ الصَّحَابَةُ فِي تَخْصِيصِهِمْ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَاحْتَاجُوا لِذَلِكَ إِلَى طَلَبِ التَّارِيخِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ مَعَ كَثْرَةِ مَجَارِي اجْتِهَادَاتِهِمْ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ وَغَيْرِهِ ; فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْعَامِّ وَتَأَخُّرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﵇: " حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ". فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ النِّكَاحَ عَامٌّ فِي الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ حَتَّى يَكُونَ ذَوْقُ

стр. 1091

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْعُسَيْلَةِ تَخْصِيصًا لِأَحَدِهِمَا بِالْإِرَادَةِ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، تَرَدُّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدَ أَوِ الْوَطْءَ ; فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ، وَالْأَقْوَالُ الْمَشْهُورَةُ فِي النِّكَاحِ: هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ أَوْ فِي الْعَقْدِ، أَوْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1092

الْخَامِسُ: الْمَفْهُومُ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ كَالنَّصِّ: " كَتَخْصِيصِ: " «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» "، بِمَفْهُومِ: " «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» . . " السَّادِسُ: فِعْلُهُ ﷺ ، كَتَخْصِيصِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، بِمُبَاشَرَتِهِ الْحَائِضَ دُونَ الْفَرْجِ مُتَّزِرَةً، وَيُمْكِنُ مَنْعُهُ حَمْلًا لِلْقُرْبَانِ عَلَى نَفْسِ الْوَطْءِ كِنَايَةً. وَخَصَّصَ قَوْمٌ عُمُومَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ بِتَرْكِهِ جَلْدَ مَاعِزٍ. السَّابِعُ: تَقْرِيرُهُ ﷺ ، عَلَى خِلَافِ الْعُمُومِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَنْعِ لِأَنَّهُ كَصَرِيحِ إِذْنِهِ، إِذْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ لِعِصْمَتِهِ. الثَّامِنُ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ إِنْ جُعِلَ حُجَّةً كَالْقِيَاسِ، وَأَوْلَى. التَّاسِعُ: قِيَاسُ النَّصِّ الْخَاصِّ يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ نَصٍّ آخَرَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقْلَا وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ. احْتَجَّ الْأَوَّلُ: حُكْمُ الْقِيَاسِ حُكْمُ أَصْلِهِ ; فَخَصَّ الْعَامَّ. الثَّانِي: النَّصُّ أَصْلٌ فَلَا يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الَّذِي هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعَامَّ يُفِيدُ مِنَ الظَّنِّ أَكْثَرَ مِنَ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ مُعَاذًا قَدَّمَ السُّنَّةَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَقِيلَ: يُخَصُّ بِجَلِيِّ الْقِيَاسِ دُونَ خَفِيِّهِ لِقُوَّتِهِ، وَهُوَ أَوْلَى، ثُمَّ الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، وَقِيلَ: مَا يَظْهَرُ فِيهِ الْمَعْنَى نَحْوُ: " «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» . . " وَالْخَفِيُّ: قِيَاسُ الشَّبَهِ، وَقَالَ عِيسَى: يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ الْمَخْصُوصِ دُونَ غَيْرِهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا سَبَقَ. ــ " الْخَامِسُ ": مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ: " الْمَفْهُومُ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ كَالنَّصِّ "، وَكَمَا أَنَّ النَّصَّ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ كَذَلِكَ الْمَفْهُومُ، وَذَلِكَ " كَتَخْصِيصِ " قَوْلِهِ عَلَيْهِ

стр. 1093

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السَّلَامُ: " فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ "، بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵇: " فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ ". فَإِنَّ الْأَوَّلَ اقْتَضَى بِعُمُومِهِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَرْبَعِينَ، سَائِمَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ سَائِمَةٍ، وَالثَّانِي خَصَّ بِمَفْهُومِهِ غَيْرَ السَّائِمَةِ ; فَلَا زَكَاةَ فِيهَا. «السَّادِسُ» : مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، «كَتَخْصِيصِ» قَوْلِهِ فِي الْحَيْضِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، بِكَوْنِهِ ﵇ كَانَ يُبَاشِرُ الْحَائِضَ دُونَ الْفَرْجِ مُتَّزِرَةً، كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، ثُمَّ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. فَإِنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ عُمُومَ عَدَمِ الْقُرْبَانِ فِي الْفَرْجِ وَغَيْرِهِ، وَفِعْلُهُ ﷺ ، خَصَّ النَّهْيَ بِالْفَرْجِ، وَأَبَاحَ الْقُرْبَانَ لِمَا سِوَاهُ. قَوْلُهُ: «وَيُمْكِنُ مَنْعُهُ حَمْلًا لِلْقُرْبَانِ عَلَى نَفْسِ الْوَطْءِ كِنَايَةً» ، أَيْ: يُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنَ هَذَا الْفِعْلِ مُخَصِّصًا لِهَذِهِ الْآيَةِ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ ، عَلَى مَعْنَى: لَا تَطَئُوهُنَّ فِي الْفَرْجِ، وَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِالْقُرْبَانِ، وَهِيَ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ لَا عُمُومَ فِي الْآيَةِ ; فَلَا تَخْصِيصَ بِالْفِعْلِ، بَلْ يَكُونُ بَيَانًا مُرْسَلًا لِلْكِنَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَدَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إِرَادَةِ غَيْرِ الْوَطْءِ.

стр. 1094

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَخَصَّصَ قَوْمٌ عُمُومَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النُّورِ: ٢] » ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مِثَالٌ آخَرُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ لِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْفِعْلِ أَوْ مَا يُشْبِهُ الْفِعْلَ. وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النُّورِ: ٢] ، عَامٌّ فِي الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ، فَلَمَّا رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ ، مَاعِزًا، وَتَرَكَ جَلْدَهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ مُخْتَصٌّ بِالْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ ; فَكَانَ هَذَا تَخْصِيصًا لِلنَّصِّ الْعَامِّ بِفِعْلِهِ ﵊ أَوْ بِمَعْنَى فِعْلِهِ وَهُوَ تَرْكُ الْجَلْدِ. وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ، أَعْنِي أَنَّ الزَّانِيَ الثَّيِّبَ: هَلْ يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُجْلَدُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. «السَّابِعُ» : مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ: تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى خِلَافِهِ، أَعْنِي: عَلَى خِلَافِ الْعُمُومِ «مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَنْعِ» ، مِنْ خِلَافِهِ ; لِأَنَّ إِقْرَارَهُ كَصَرِيحِ إِذْنِهِ، إِذْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ لِعِصْمَتِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي السُّنَّةِ مِنْ أَنَّهَا قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَإِقْرَارٌ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، ثُمَّ إِذَا أَقَرَّ وَاحِدًا مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِ الْعُمُومِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ، ثَبَتَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ مَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ ذَلِكَ الْوَاحِدُ.

стр. 1095

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثَالُ ذَلِكَ تَقْدِيرًا: لَوْ وَرَدَ النَّهْيُ عَامًّا عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، ثُمَّ رَأَيْنَاهُ أَقَرَّ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا، أَوْ مِقْدَارٍ يَسِيرٍ، أَوْ عَلَى شُرْبِ النَّبِيذِ، اسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ مَا أَقَرَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا ذَكَرْنَاهُ مِثَالًا تَقْدِيرِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ شَيْءٌ. - «الثَّامِنُ» : مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ «قَوْلُ الصَّحَابِيِّ» إِذَا جُعِلَ حُجَّةً يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ ; فَإِنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ ; فَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِ أَوْلَى أَنْ يُخَصَّ بِهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «قَوْلُ الصَّحَابِيِّ إِنْ جُعِلَ حُجَّةً كَالْقِيَاسِ وَأَوْلَى» . فَإِنْ قِيلَ: الصَّحَابِيُّ يُتْرُكُ مَذْهَبُهُ لِلْعُمُومِ، كَتَرْكِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَذْهَبَهُ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْمُخَابَرَةِ ; فَغَيْرُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى بِتَرْكِ قَوْلِهِ لِلْعُمُومِ، وَإِذَا وَجَبَ تَرْكُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لِلْعُمُومِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْعُمُومُ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِهِ يُنَافِي تَرْكَهُ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ لَمْ يَتْرُكْ مَذْهَبَهُ لِلْعُمُومِ، بَلْ لِنَصٍّ عَارَضَهُ. قُلْتُ: فَيَكُونُ الْعُمُومُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ النَّصِّ ; فَأَمَّا مَنْ لَا يَرَى قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً ; فَلَا يُجِيزُ تَخْصِيصَ الْعَامِّ بِهِ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ، وَمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ. - «التَّاسِعُ» : مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ «قِيَاسُ النَّصِّ الْخَاصِّ يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ نَصٍّ آخَرَ» ; فَيُخَصُّ بِهِ «عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي» مِنْ أَصْحَابِنَا، «وَهُوَ قَوْلُ

стр. 1096

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقْلَا وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ» ، حَيْثُ قَالُوا: لَا يُخَصُّ الْعُمُومُ بِقِيَاسِ النَّصِّ الْخَاصِّ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَوَازِ كُلِّ بَيْعٍ، ثُمَّ وَرَدَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِعِلَّةِ الْكَيْلِ، وَقِيَاسُهُ تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي الْأُرْزِ ; فَهُوَ قِيَاسُ نَصٍّ خَاصٍّ يُخَصُّ بِهِ عُمُومُ إِحْلَالِ الْبَيْعِ. وَكَذَا تَحْرِيمُ النَّبِيذِ بِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ، هُوَ قِيَاسُ نَصٍّ خَاصٍّ ; فَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] الْآيَةَ. قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُ» ، أَيِ: احْتَجَّ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْقَائِلُ بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِقِيَاسِ النَّصِّ الْخَاصِّ، بِأَنَّ «حُكْمَ الْقِيَاسِ حُكْمُ أَصْلِهِ» ، الَّذِي هُوَ النَّصُّ الْخَاصُّ، وَكَمَا أَنَّ النَّصَّ الْخَاصَّ يَخُصُّ الْعُمُومَ ; فَكَذَا قِيَاسُهُ الَّذِي حُكْمُهُ حُكْمُهُ ; فَكَمَا أَنَّ النَّصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ خَصَّ عُمُومَ الْبَيْعِ ; فَكَذَا قِيَاسُ الْبُرِّ فِي الْأُرْزِ، وَكَمَا أَنَّ النَّصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ خَصَّ عُمُومَ: ﴿أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾

стр. 1097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] ; فَكَذَا قِيَاسُ الْخَمْرِ عَلَى النَّبِيذِ يَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ كَأَصْلِهِ الَّذِي هُوَ النَّصُّ. قَوْلُهُ: «الثَّانِي» ، أَيِ: احْتَجَّ الثَّانِي وَهُوَ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْعَامَّ لَا يُخَصُّ بِقِيَاسِ النَّصِّ الْخَاصِّ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّصَّ الَّذِي هُوَ الْعَامُّ أَصْلٌ، وَالْقِيَاسُ فَرْعٌ ; فَلَوْ خُصَّ الْعَامُّ بِهِ، لَقُدِّمَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَامَّ يُفِيدُ مِنَ الظَّنِّ أَكْثَرَ مِمَّا يُفِيدُهُ الْقِيَاسُ مِنْهُ، لِمَا مَرَّ فِي تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأَقَلِّ فَائِدَةً عَلَى الْأَكْثَرِ فَائِدَةً. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مُعَاذًا فِي حَدِيثِهِ الْمَشْهُورِ قَدَّمَ السُّنَّةَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ أَخَصَّ أَوْ أَعَمَّ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْعَامِّ عَلَى قِيَاسِ النَّصِّ الْخَاصِّ ; فَلَا يُخَصُّ بِهِ النَّصُّ الْعَامُّ. قُلْتُ: وَيُجَابُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ: أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ ; فَبِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيمُ الْفَرْعِ عَلَى أَصْلِهِ، وَالْقِيَاسُ هَاهُنَا لَيْسَ فَرْعًا لِلْعَامِّ، بَلْ لِلنَّصِّ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ الْعَامِّ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فَرْعُ الْأَصْلِ الْقَوِيِّ أَقْوَى مِنَ الْأَصْلِ الضَّعِيفِ. وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي ; فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَامَّ يُفِيدُ مِنَ الظَّنِّ أَكْثَرَ مِمَّا يُفِيدُهُ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّصِّ الْخَاصِّ مَعَ الْقِيَاسِ، كَحَدِيثِ نَقْضِ الْوُضُوءِ

стр. 1098

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ، وَالْكَلَامُ فِي تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ لَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ الْآنَ. وَأَمَّا عَنِ الثَّالِثِ ; فَبِأَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ إِنْ ثَبَتَ ; فَاسْتِدْلَالُكُمْ بِعُمُومِهِ ; فَهُوَ إِثْبَاتٌ لِتَقْدِيمِ الْعَامِّ بِالْعَامِّ، وَهُوَ مُدْرَكٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ مُسَاوِيًا لِلسُّنَّةِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ أَخَصَّ، كَانَ الظَّنُّ الْحَاصِلُ مِنْهُ أَغْلَبَ فَيُقَدَّمُ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْأَقْوَى مُتَعَيَّنٌ كَالْعُمُومَيْنِ أَوِ الْقِيَاسَيْنِ إِذَا تَقَابَلَا. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: يُخَصُّ» أَيْ: قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: «يُخَصُّ الْعَامُّ بِجَلِيِّ الْقِيَاسِ دُونَ خَفِيِّهِ» ، أَيْ: بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، لِقُوَّتِهِ دُونَ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ لِضَعْفِهِ، «وَهُوَ أَوْلَى» لِمَا سَبَقَ مِنْ تَقْدِيمِ أَقْوَى الظَّنَّيْنِ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْعِلَّةِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ اخْتَلَفُوا فِي الْجَلِيِّ مَا هُوَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، وَالنَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ، وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: «مَا يَظْهَرُ فِيهِ الْمَعْنَى، نَحْوُ» قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَهُوَ اضْطِرَابُ الْخَاطِرِ،

стр. 1099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَضَعْفُ إِدْرَاكِ الْحُكْمِ لِقُوَّةِ الْغَضَبِ ; فَيُلْحَقُ بِهِ مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ خَوْفٍ أَوْ أَلَمٍ وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: مَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ بِخِلَافِهِ. قُلْتُ: هَذَا دَوْرٌ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ يُنْقَضُ لِمُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، فَإِذَا عَرَّفْنَا الْجَلِيَّ بِمَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ بِخِلَافِهِ، لَزِمَ الدَّوْرُ، «وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ» وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. «وَقَالَ عِيسَى، - هُوَ ابْنُ أَبَانَ -: يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ الْمَخْصُوصُ دُونَ غَيْرِهِ» ، أَيْ: إِنَّمَا يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ دُونَ الْعَامِّ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ، «وَحُكِيَ - هَذَا - عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا سَبَقَ» مِنْ قَوْلِهِ فِي تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ يُضَعَّفُ، وَلِهَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً أَوْ حَقِيقَةً. وَحِينَئِذٍ يَقْوَى الْقِيَاسُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِخِلَافِ الْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ.

стр. 1100

خَاتِمَةٌ: إِذَا تَعَارَضَ عُمُومَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَتْنًا، قُدِّمَ أَصَحُّهُمَا سَنَدًا، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِيهِ، قُدِّمَ مَا عَضَدَهُ دَلِيلٌ خَارِجٌ، فَإِنْ فُقِدَ ; فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ؛ تَوَقَّفَ عَلَى مُرَجِّحٍ. وَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ بِتَقْدِيمِ أَخَصِّهِمَا أَوْ حَمْلِهِ عَلَى تَأْوِيلٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ، خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ نَحْوَ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا ; فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» . مَعَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» ; فَالْأَوَّلُ: خَاصٌّ فِي الْفَائِتَةِ، عَامٌّ فِي الْوَقْتِ، وَالثَّانِي: عَكْسُهُ، وَنَحْوَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، مَعَ: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» ، تَعَادُلًا وَطُلِبَ الْمُرَجِّحُ، وَيَجُوزُ تَعَارُضُ عُمُومَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ. ــ «خَاتِمَةٌ» ، أَيْ: لِبَيَانِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَهِيَ فِي تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ . قَوْلُهُ: «إِذَا تَعَارَضَ عُمُومَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: إِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ عَامَّانِ ; فَإِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ، أَوْ يَتَعَارَضَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مَا. فَإِنْ تَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي الْمَتْنِ «قُدِّمَ أَصَحُّهُمَا سَنَدًا» ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُرَجِّحٌ لَهُ ; «فَإِنِ اسْتَوَيَا فِيهِ» ، أَيْ: فِي السَّنَدِ، فَإِنْ كَانَا صَحِيحَيْنِ صِحَّةً مُتَسَاوِيَةً،

стр. 1101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «قُدِّمَ مَا عَضَدَهُ دَلِيلٌ خَارِجٌ» ، مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ; «فَإِنْ فُقِدَ» الدَّلِيلُ الْخَارِجُ، فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ ; «فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ، تَوَقَّفَ» ، التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا «عَلَى مُرَجِّحٍ» . وَإِنْ لَمْ يَتَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الطُّرُقِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَخَصَّ مِنَ الْآخَرِ ; فَيُقَدَّمُ أَخَصُّهُمَا لِمَا سَبَقَ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْأَخَصِّ، أَوْ بِأَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى تَأْوِيلٍ صَحِيحٍ يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، «فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ، خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ، تَعَادَلَا وَطُلِبَ الْمُرَجِّحُ» الْخَارِجِيُّ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، مَعَ قَوْلِهِ ﵇: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» . «فَالْأَوَّلُ خَاصٌّ فِي الْفَائِتَةِ» الْمَكْتُوبَةِ، «عَامٌّ فِي الْوَقْتِ، وَالثَّانِي عَكْسُهُ» عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ، خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، مَعَ قَوْلِهِ: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» ; فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، خَاصٌّ فِي سَبَبِ الْقَتْلِ، وَهُوَ

стр. 1102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّبْدِيلُ، وَالثَّانِي خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ، عَامٌّ فِي النَّهْيِ عَنِ الْقَتْلِ ; فَيَتَعَادَلَانِ وَيُطْلَبُ الْمُرَجِّحُ. قَوْلُهُ: «وَيَجُوزُ تَعَارُضُ عُمُومَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ» . أَمَّا تَعَارُضُ عُمُومَيْنِ مَعَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ ; فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ جَوَازِهِ وَحُكْمِهِ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ

стр. 1103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُرَجِّحُ ; فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ عَقْلًا، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ حِكْمَةً، وَهُوَ امْتِحَانُ الْمُجْتَهِدِ بِطَلَبِ دَلِيلِ التَّرْجِيحِ ; فَيُثَابُ بِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ. وَمَنَعَ جَوَازَهُ قَوْمٌ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِ الشُّبَهِ، وَهُوَ مُنَفِّرٌ لِلنَّاسِ عَنِ الطَّاعَةِ. وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ النَّسْخَ قَدْ نَفَرَ مِنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1104

الِاسْتِثْنَاءُ الِاسْتِثْنَاءُ: إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِـ «إِلَّا» أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا، وَهُوَ «غَيْرُ» ، وَ «سِوَى» ، وَ «عَدَا» ، وَ «لَيْسَ» ، وَ «لَا يَكُونُ» وَ «حَاشَا» ، وَ «خَلَا» ، وَقِيلَ: قَوْلٌ مُتَّصِلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ مَعَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْإِخْرَاجِ تَنَاقُضٌ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَالِاسْتِثْنَاءُ يَجِبُ اتِّصَالُهُ، وَيَتَطَرَّقُ إِلَى النَّصِّ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ فِيهِمَا. وَيُفَارِقُ النَّسْخَ فِي الِاتِّصَالِ، وَفِي رَفْعِ حُكْمِ بَعْضِ النَّصِّ، وَفِي مَنْعِ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى عَلَى تَعْرِيفِهِ الثَّانِي. ــ قَوْلُهُ: «الِاسْتِثْنَاءُ» ، أَيْ: هَذَا بَيَانُ حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ ; لِأَنَّهَا إِمَّا مُنْفَصِلٌ، وَهُوَ الْمُخَصَّصَاتُ التِّسْعَةُ السَّابِقَةُ، أَوْ مُتَّصِلٌ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالْغَايَةُ وَالصِّفَةُ. فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا دِرْهَمًا، أَوْ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا ; فَقَدْ تَخَصَّصَ الْعَشَرَةُ بِالدِّرْهَمِ، وَالْقَوْمُ بِزَيْدٍ. وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ قُمْتِ ; فَقَدْ خَصَّ عُمُومَ الْأَحْوَالِ بِحَالَةِ الْقِيَامِ، وَإِذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لِلْقُرَّاءِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ لِلشُّرَفَاءِ الْعُلَمَاءِ ; فَقَدْ خَصَّتْ صِفَةُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ بَعْضَ الْقُرَّاءِ وَالشُّرَفَاءِ. وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، تَخَصَّصَ زَمَنُ الْمَنْعِ بِمَا عَدَا زَمَنَ الطُّهْرِ. - قَوْلُهُ: «الِاسْتِثْنَاءُ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِـ» إِلَّا «أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا» . اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: اسْتِفْعَالٌ إِمَّا مِنَ التَّثْنِيَةِ ; لِأَنَّ

стр. 1105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُسْتَثْنَى فِي كَلَامِهِ يُثَنِّي الْجُمْلَةَ، أَيْ: يَأْتِي بِجُمْلَةٍ ثَانِيَةٍ فِي كَلَامِهِ، نَحْوَ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا ; فُهِمَ مِنْهُ قِيَامُ الْقَوْمِ، وَعَدَمُ قِيَامِ زِيدٍ ; فَهِيَ جُمْلَتَانِ، أَوْ مِنْ: ثَنَى الْفَارِسُ عِنَانَ فَرَسِهِ، إِذَا عَطَفَهُ ; لِأَنَّ الْمُسْتَثْنِي يَعْطِفُ عَلَى الْجُمْلَةِ ; فَيُخْرِجُ بَعْضَهَا عَنِ الْحُكْمِ بِالِاسْتِثْنَاءِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; فَقِيلَ: هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِـ إِلَّا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا ; فَإِخْرَاجُهُ بِـ إِلَّا، نَحْوَ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، وَإِخْرَاجُهُ بِمَا قَامَ مَقَامَهَا، وَهُوَ غَيْرُ وَسِوَى، إِلَى آخِرِهِ نَحْوَ: قَامَ الْقَوْمُ غَيْرَ زَيْدٍ وَسِوَى عَمْرٍو، وَلَيْسَ زَيْدًا، وَلَا يَكُونُ عَمْرًا، وَحَاشَى بِشْرًا، وَخَلَا بَكْرًا. وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ مَعَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ بِحَرْفِ إِلَّا أَوْ بِأَحَدِ أَخَوَاتِهَا، وَهُوَ فِي مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا. - قَوْلُهُ: «وَهَذَا» ، أَيِ: التَّعْرِيفُ بِقَوْلِهِ: «قَوْلٌ مُتَّصِلٌ» ، إِلَى آخِرِهِ هُوَ «قَوْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ التَّعْرِيفَ» يَعْنِي تَعْرِيفَ الِاسْتِثْنَاءِ «بِالْإِخْرَاجِ» ، أَيْ: بِقَوْلِنَا: هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ، «تَنَاقُضٌ» لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: تَعْرِيفُ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ الْجُمْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ دَخَلَ فِي الْجُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا، ثُمَّ

стр. 1106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُخْرِجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ ; فَيَكُونُ تَنَاقُضًا ; لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: قَامَ الْقَوْمُ، اقْتَضَى قِيَامَ زِيدٍ فِيهِمْ، فَإِذَا قَالَ: إِلَّا زَيْدًا، اقْتَضَى أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ فِيهِمْ ; فَصَارَ التَّقْدِيرُ: قَامَ زَيْدٌ، لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ، وَعَلَى هَذَا بَنَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَعَتِ الثَلَاثُ، فَإِذَا قَالَ: إِلَّا وَاحِدَةً، لَمْ يَنْفَعْهُ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا وَقَعَ، لَا يَرْتَفِعُ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ الْمَذْكُورُ فِي الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ. - قَوْلُهُ: «وَلَيْسَ بِشَيْءٍ» ، أَيْ: هَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِخْرَاجِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَرَّفُوهُ بِالْإِخْرَاجِ، قَالَ ابْنُ جِنِّي، وَحَسْبُكَ بِهِ مُقَدَّمًا فِي هَذَا الشَّأْنِ: الِاسْتِثْنَاءُ: أَنْ تُخْرِجَ شَيْئًا أَدْخَلْتَ فِيهِ غَيْرَهُ، أَوْ تُدْخِلَهُ فِيمَا أَخْرَجْتَ مِنْهُ غَيْرَهُ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى مَا قَالُوهُ، وَاعْتِقَادُ أَنْ لَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَهِيَ وَأَهْلُهَا بَرِيئُونَ مِنَ التَّنَاقُضِ فِيهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: قَامَ الْقَوْمُ ; فَقَدْ أَسْنَدَنَا الْقِيَامَ إِلَى جَمِيعِهِمْ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِيهِمْ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ زَيْدًا وَغَيْرَهُ، وَلَا مَعْنَى لِدُخُولِهِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، إِلَّا أَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ كَغَيْرِهِ، فَإِذَا قُلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ: إِلَّا زَيْدًا ; فَقَدْ أَخْرَجْنَاهُ مِنْهُمْ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِمْ، نَعَمْ، دُخُولُهُ فِيهِمْ دُخُولٌ لَفْظِيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ ; لِأَنَّ الْقَائِلَ يَقُولُ: قَامَ الْقَوْمُ، مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ مَعَهُمْ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ

стр. 1107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَيْهِ ; فَاسْتَثْنَاهُ مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانَ دُخُولُ الْمُسْتَثْنَى وَإِخْرَاجُهُ لَفْظِيًّا: لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ تَنَاقُضٌ. وَلِمَا تَخَيَّلَهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ تَعْرِيفَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِخْرَاجِ تَنَاقُضٌ، ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَدْخُلُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ دُخُولًا مُرَاعًى مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنْ وَرَدَ الْمُسْتَثْنَى، لَمْ يَسْتَقِرَّ دُخُولُهُ، وَإِلَّا اسْتَقَرَّ. مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ; فَالطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، وَالدِّرْهَمُ الْعَاشِرُ دَاخِلَانِ فِي النِّسْبَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَثْنِيَهُمَا الْمُتَكَلِّمُ ; فَيَسْتَقِرُّ دُخُولُهُمَا، فَإِنِ اسْتَثْنَاهُمَا، لَمْ يَسْتَقِرَّ دُخُولُهُمَا. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى شَيْئًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى وَخُرُوجَهُ لَفْظِيَّانِ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ لَا يَصِحُّ، يُشْكَلُ عَلَيْهِ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ، مَعَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُؤَاخَذٌ بِمُوجَبِ إِقْرَارِهِ، كَمَا أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِمُوجَبِ إِيقَاعِهِ الطَّلَاقَ، فَلَمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى لَفْظِيٌّ كَمَا قُلْنَا، لَا مَعْنَوِيٌّ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ رَفْعِ الْوَاقِعِ، بَلْ مِنْ بَابِ مَنْعِ الْوُقُوعِ فِي الْمَعْنَى، أَوْ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ الْمَحْضِ، وَبَيَانِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ. وَحِينَئِذٍ تَتَقَارَبُ الْأَقْوَالُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ تَتَّفِقُ، وَيَعُودُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَالِاسْتِثْنَاءُ يَجِبُ اتِّصَالُهُ، وَيَتَطَرَّقُ إِلَى النَّصِّ، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ، بِغَيْرِهِ فِيهِمَا» . هَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَجِبُ اتِّصَالُهُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاخَى، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ: اقْبَلُوا الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا تَقْتُلُوهُمْ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ: إِلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَدَمُ اسْتِقْلَالِ صِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِنَفْسِهَا لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ ; فَإِنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْغَايَةِ وَالصِّفَةِ وَالشَّرْطِ يَجِبُ اتِّصَالُهُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ هَذِهِ الْمُخَصَّصَاتِ بِأَنْفُسِهَا. وَإِنَّ قَوْلَنَا: «بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ» ، لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَتَطَرَّقُ إِلَى النَّصِّ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، وَلَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا

стр. 1109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَلَاثَةً، «وَلِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا» ، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي النَّصِّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْعَامِّ، وَدَلَالَتُهُ ظَنِّيَّةٌ كَمَا سَبَقَ، فَإِذَا قَالَ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُكْرِمْ زَيْدًا، كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا ; لِأَنَّ دُخُولَ زَيْدٍ فِي الرِّجَالِ بِالنَّظَرِ إِلَى إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ، وَلَوْ نَصَّ عَلَى أَسْمَاءِ الرِّجَالِ ; فَقَالَ: أَكْرِمْ عَمْرًا وَبَكْرًا وَبِشْرًا وَخَالِدًا وَجَعْفَرًا وَزَيْدًا، حَتَّى أَتَى عَلَى أَسْمَائِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُكْرِمْ زَيْدًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَخْصِيصًا بَلْ نَسْخًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ الْخَاصِّ لَيْسَ مُرَادًا مِنَ اللَّفْظِ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَتِهِ وَعَدَمِهَا وَذَلِكَ صَحِيحٌ مُفِيدٌ. أَمَّا إِذَا نَصَّ عَلَى إِرَادَةِ مَدْلُولِ لَفْظٍ كَزَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ، لَمْ يَصِحَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَاقُضِ، بَلْ يَكُونُ نَسْخًا ; لِأَنَّ التَّنَاقُضَ مِنْ لَوَازِمِهِ. قَوْلُهُ: «وَيُفَارِقُ النَّسْخَ فِي الِاتِّصَالِ، وَفِي رَفْعِ حُكْمِ بَعْضِ النَّصِّ، وَفِي مَنْعِ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى عَلَى تَعْرِيفِهِ الثَّانِي» . هَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاتِّصَالُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالنَّسْخُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ، بَلْ يُشْتَرَطُ تَرَاخِيهِ كَمَا مَرَّ. وَسَبَبُ الْفَرْقِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ النَّاسِخِ مَعَ الْمَنْسُوخِ ; فَإِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، وَيُنَافِي الْمَنْسُوخُ ; فَاتِّصَالُهُ بِهِ يَكُونُ تَهَافُتًا.

стр. 1110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَرْفَعُ حُكْمَ بَعْضِ النَّصِّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا، وَالنَّسْخُ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ عَلَى جَمِيعِ حُكْمِ النَّصِّ فَيَرْفَعُهُ ; فَيَصِحُّ أَنْ يُوجِبَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يَنْسَخُهَا بِأَنْ يَقُولَ: لَا تُصَلُّوهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: صَلُّوا أَرْبَعًا إِلَّا أَرْبَعًا أَوْ إِلَّا ثَلَاثًا كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَاهُنَا تَحْقِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُنَا: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ حُكْمَ بَعْضِ النَّصِّ تَجَوُّزٌ بِاعْتِبَارِ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا، وَإِلَّا فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي التَّحْقِيقِ بَيَانٌ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُخَصِّصَاتِ. الثَّانِي: قَوْلِي: وَالنَّسْخُ يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ حُكْمَ جَمِيعِ النَّصِّ، أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: إِنَّ النَّسْخَ يَرْفَعُ جَمِيعَ حُكْمِ النَّصِّ ; لِأَنَّ النَّسْخَ قَدْ يَرْفَعُ جَمِيعَ حُكْمِ النَّصِّ، وَقَدْ يَرْفَعُ بَعْضَهُ، كَمَا نُسِخَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ عَشْرِ، وَكَمَا إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ يَبْقَى الْجَوَازُ، وَهُوَ بَعْضُ حُكْمِ النَّصِّ. وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا إِشْكَالٌ خَطَرَ لِي عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ لِي الْجَوَابُ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا جَازَ وُرُودِ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ عَلَى بَعْضِ حُكْمِ النَّصِّ اشْتَبَهَا ; فَبِمَاذَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ، وَالتَّخْصِيصَ بَيَانٌ. قُلْنَا: صُورَتُهُمَا هَاهُنَا مُشْتَبِهَةٌ ; فَلَا يُعْرَفُ أَيُّهُمَا الرَّفْعُ مِنَ الْبَيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّسْخَ يَكُونُ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ، وَالتَّخْصِيصَ

стр. 1111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَبْلَهُ. فَإِذَا قِيلَ لَنَا: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ قِيلَ لَنَا: لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قِتَالِنَا لِلْمُشْرِكِينَ، كَانَ تَخْصِيصًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، كَانَ نَسْخًا لِبَعْضِ الْحُكْمِ. قُلْنَا: فَالنَّسْخُ قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَهُ قَبْلَ الِامْتِثَالِ، وَبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ يَعُودُ الْإِشْكَالُ ; فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ لَنَا: صُومُوا شَهْرَ الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ قَالَ لَنَا قَبْلَ دُخُولِ الْمُحَرَّمِ: لَا تَصُومُوا مِنْهُ غَيْرَ عِشْرِينَ يَوْمًا، لَمْ نَعْلَمْ هَذَا تَخْصِيصًا، أَوْ نَسْخًا لِلْبَعْضِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَانِعٌ، وَالنَّسْخَ رَافِعٌ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى تَحْتَ لَفْظِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى تَعْرِيفِهِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَفْظٌ مُتَّصِلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَالنَّسْخُ يَرْفَعُ مَا دَخَلَ تَحْتَ لَفْظِ الْمَنْسُوخِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّزَاعَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْإِخْرَاجِ وَغَيْرِهِ لَفْظِيٌّ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ مُطْلَقًا عَلَى كِلَا التَّعْرِيفَيْنِ لِلِاسْتِثْنَاءِ ; فَلَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ عَلَى تَعْرِيفِهِ الثَّانِي كَبِيرُ فَائِدَةٍ. تَنْبِيهٌ: يَشْتَمِلُ عَلَى مَا هُوَ كَالتَّكْمِلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ جَامِعًا وَفَارِقًا: أَمَّا الْجَامِعُ ; فَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ كَمَا سَبَقَ. وَالْفَارِقُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَّنَ أَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ الْخَاصِّ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا مِنْ

стр. 1112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَفْظِ الْعَامِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَنْسُوخِ، فَإِنَّ مَدْلُولَهُ كَانَ مُرَادًا بِالْحُكْمِ، ثُمَّ رُفِعَ بِالنَّسْخِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَرِدُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ، نَحْوَ: أَكْرِمْ زَيْدًا، إِذْ لَيْسَ بِعَامٍّ، وَالنَّسْخُ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَجُوزُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ الْعَامِّ شَيْءٌ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ كَمَا سَبَقَ، وَالنَّسْخُ يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ جَمِيعَ مَدْلُولِ النَّصِّ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ خِطَابِ الشَّرْعِ، كَالْإِجْمَاعِ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ كَمَا سَبَقَ، وَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِخِطَابِ الشَّرْعِ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ دَلِيلَ التَّخْصِيصِ قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمَ الْوُجُودِ عَلَى مَا يُخَصِّصُهُ، بِخِلَافِ دَلِيلِ النَّسْخِ ; فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ تَأْخِيرُهُ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى، وَيَجُوزُ نَسْخُهَا بِهَا، كَمَا ثَبَتَ مِنْ تَنَاسُخِ الشَّرَائِعِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ أَعَمُّ مِنَ النَّسْخِ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ، وَالنَّسْخَ رَفْعٌ، وَرَفْعُ الْحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ الْبَيَانَ، وَالْبَيَانُ لَا يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْحُكْمِ. وَثَامِنُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ بَيَانٌ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ، وَالنَّسْخُ يَجُوزُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ.

стр. 1113

وَيُشْتَرَطُ لِلِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ كَسَائِرِ التَّوَابِعِ، خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَجَازَهُ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ ;، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ. وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ. لَنَا: الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا إِخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ، أَوْ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَحَدُ الْجِنْسَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْآخَرَ. قَالُوا: وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ كَثِيرًا. قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَاطِعٌ، وَجَوَازُ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ عِنْدَ بَعْضِهِمِ اسْتِحْسَانٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا إِجْمَاعًا. وَفِي الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ خِلَافٌ. وَاقْتَصَرَ قَوْمٌ عَلَى الْأَقَلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا. ــ قَوْلُهُ: «وَيُشْتَرَطُ لِلِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا. وَثَانِيهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا. وَقَدْ ذَكَرْتُ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ، أَمَّا الِاتِّصَالُ ; فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ اتِّصَالًا عَادِيًا، بِحَيْثُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا بِسُكُوتٍ يُمْكِنُ

стр. 1114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّكَلُّمُ فِيهِ، «كَسَائِرِ التَّوَابِعِ» اللَّفْظِيَّةِ مِنْ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ أَوْ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالْحَالِ، وَالتَّمْيِيزِ ; فَكَمَا لَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ بِالزَّمَانِ، نَحْوُ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَلَا بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ تَقُمْ، ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ يَقُولُ: أَقُمْ، وَلَا بَيْنَ الْحَالِ وَصَاحِبِهَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: جَاءَ زَيْدٌ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَقُولُ: رَاكِبًا، وَلَا بَيْنَ الْمُمَيِّزِ وَالْمُمَيَّزِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عِنْدِي عِشْرُونَ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ: دِرْهَمًا أَوْ ثَوْبًا. كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ: إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ يَقُولُ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ سَاعَةٍ: إِلَّا دِرْهَمًا. «خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ» ، إِذْ حُكِيَ عَنْهُ جَوَازُ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْفَصِلًا، وَأَجَازَهُ «عَطَاءٌ» بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، «وَالْحَسَنُ» الْبَصْرِيُّ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ الْكَلَامِ، «وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ» ، أَيْ: إِلَى انْفِصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ، «أَحْمَدُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ» ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا حَلَفَ بِيَمِينٍ ; فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالِاسْتِثْنَاءِ كَلَامٌ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْمُبْطِلَ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْكَلَامَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَهُمَا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَخَلُّلَ السُّكُوتِ لَا يُؤَثِّرُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ. وَقَدْ نَصَّ الْخِرَقِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ عَلَى أَنَّ تَخَلُّلَ السُّكُوتِ مُبْطِلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا كَانَ يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ

стр. 1115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا أَوْ صِغَارًا ; أَوْ إِلَى شَهْرٍ، كَانَتْ عَشَرَةٌ جِيَادًا وَافِيَةً حَالَّةً. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَابِعٌ ; فَاشْتَرَطَ اتِّصَالُهُ كَسَائِرِ التَّوَابِعِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ انْفِصَالُهُ، لَمَا انْعَقَدَ لِإِمَامٍ بَيْعَةٌ، وَلَا اسْتَقَرَّ لِأَحَدٍ طَلَاقٌ، وَلَا عِتْقٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ، لِجَوَازِ أَنْ يُبَايِعَ الشَّخْصُ، أَوْ يُطَلِّقَ، أَوْ يَعْتِقَ، ثُمَّ بَعْدَ حِينٍ يَسْتَثْنِي بِذِكْرِ شَرْطٍ ; فَيَزُولُ عَنْهُ لُزُومُ الْعَقْدِ، كَمَا حُكِيَ أَنَّ وَزِيرًا لِلْمَنْصُورِ كَانَ يُبْغِضُ أَبَا حَنِيفَةَ ; فَأَرَادَ أَنْ يُغْرِيَ بِهِ الْمَنْصُورَ ; فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُخَالِفُ جَدَّكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ لَا يَصِحُّ ; فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكَ دَوْلَتَكَ، قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ ، قَالَ: لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ لَوْ صَحَّ، لَجَازَ لِكُلِّ مَنْ بَايَعَكَ عَامَ أَوَّلٍ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْآنَ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ اسْتِثْنَاءً تَنْحَلُّ بِهِ الْبَيْعَةُ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ عَلَيْكَ ; فَضَحِكَ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ لَهُ: الْزَمْ مَقَالَتَكَ. وَمِنَ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْكُوفَةَ ; فَرَأَى فِيهَا نَخْلًا كَثِيرًا ; فَقَالَ: الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي إِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا نَخْلٌ أَكْثَرُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْبَصْرَةَ رَأَى نَخْلًا أَكْثَرَ مِنَ الْكُوفَةِ ; فَقَالَ: إِلَّا الْبَصْرَةَ. وَلَوْ كَانَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا، لَمَا اتَّخَذَ النَّاسُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْمُضْحِكَاتِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِ النَّاسِ عُرْفًا وَالْفَهْمُ طَبْعًا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. - قَوْلُهُ: «وَأَنْ لَا يَكُونَ» ، أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِلِاسْتِثْنَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ «مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ»

стр. 1116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَيْثُ صَحَّحُوا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ النُّحَاةِ، وَاخْتَارَ هُوَ الْوَقْفَ عَلَى عَادَتِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ. قُلْتُ: الْقَائِلُ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، إِنْ أَرَادَ صِحَّتَهُ مَجَازًا ; فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ صِحَّتَهُ حَقِيقَةً فَمَمْنُوعٌ، وَالْحَقُّ خِلَافَهُ. «لَنَا» عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ أَنَّ «الِاسْتِثْنَاءَ إِمَّا إِخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَوْ إِخْرَاجُ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى، وَأَحَدُ الْجِنْسَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْآخَرَ» فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ عَرَّفْنَا الِاسْتِثْنَاءَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ غَيْرِ الْجِنْسِ أَيْضًا ; لِأَنَّ أَحَدَ الْجِنْسَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ لَفْظِ الْآخَرِ حَتَّى يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ إِرَادَتِهِ مِنْهُ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْقَوْمِ لَا يَتَنَاوَلِ الْحِمَارَ، وَلَا يَصِحُّ تَنَاوُلُهُ إِيَّاهُ، وَلَا إِرَادَتُهُ مِنْهُ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ عَلَى جِهَةِ الْحَقِيقَةِ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا، أَمَّا جَوَازُهُ مَجَازًا ; فَلَا نِزَاعَ فِيهِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا» أَيِ: الْمُجَوِّزُونَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ احْتَجُّوا عَلَى جَوَازِهِ بِأَنَّهُ قَدْ «وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ كَثِيرًا» ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَبَيَانُ الْوُقُوعِ قَوْلُهُ : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٢] ، وَالسَّلَامُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ اللَّغْوِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] ، وَالتِّجَارَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ ; لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ الْأَعْيَانُ، وَالتِّجَارَةُ التَّصَرُّفُ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ .)

стр. 1117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [اللَّيْلِ: ١٩، ٢٠] ، وَابْتِغَاءُ وَجْهِ رَبِّهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النِّعْمَةِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا أَوَارِيُّ [لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ] وَالْأَوَارِيُّ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الطَّوَائِلَ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَحَدٍ.

стр. 1118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَالَ الْآخَرُ: يَا لَيْتَنِي وَأَنْتِ يَا لَمِيسُ ... فِي بَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ

стр. 1119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْيَعَافِيرُ وَالْعِيسُ لَيْسَ مَنْ جِنْسِ الْأَنِيسِ ; فَبَانَ بِذَلِكَ كُلِّهِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، لِوُقُوعِهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَاللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: قُلْنَا فِي جَوَابِ هَذَا أَنَّهُ «يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ» ، وَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ «لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ» مِنْ دَلِيلِ الِامْتِنَاعِ قَاطِعٌ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مُحْتَمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ احْتِمَالِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالْقَاطِعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُحْتَمَلِ، عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ أَوْ أَكْثَرَهُ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى ; فَلِأَنَّ اللَّغْوَ وَالسَّلَامَ يَجْمَعُهُمَا جِنْسُ الْكَلَامِ ; فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا مِنَ الْجِنْسِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ; فَتَقْدِيرُهَا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمْوَالًا ذَاتَ تِجَارَةٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي تِجَارَةٍ ; فَهُوَ اسْتِثْنَاءُ مَالٍ مِنْ مَالٍ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ ; فَابْتِغَاءُ وَجْهِ رَبِّهِ مُسْتَثْنًى مِنْ جِنْسِ الْغَرَضِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ ; فَتَقْدِيرُهَا: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي إِنْفَاقِ مَالِهِ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ غَرَضٌ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ ; فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَأَمَّا الْيَعَافِيرُ وَالْعِيسُ ; فَيَحْصُلُ بِهَا الْأُنْسُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَنِيسِ إِنْ

стр. 1120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُرِيدَ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَنِيسِ مَا حَصَلَ بِهِ أُنْسٌ ; فَهُوَ جِنْسٌ عَامٌّ دَخَلَ فِيهِ الْيَعَافِيرُ وَالْعِيسُ وَغَيْرُهُمَا، وَلَا إِشْكَالَ. وَأَمَّا الْأَوَارِيُّ فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ الْأَوَاخِي مِنْ وَتِدٍ أَوْ حَبْلٍ يُدَقُّ فِي الْأَرْضِ وَتُشَدُّ إِلَيْهِ الدَّابَّةُ. قُلْتُ: فَإِذَنْ هِيَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ، وَهِيَ الدَّوَابُّ ; فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْأَنِيسِ مَجَازًا. وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يُسَمُّونَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُنْقَطِعًا، وَيُقَدِّرُونَ إِلَّا فِيهِ بِمَعْنَى لَكِنَّ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ ; لِأَنَّ لَكِنَّ مَوْضُوعَةٌ لَهُ يَسْتَدْرِكُ بِهَا الْمُتَكَلِّمُ خَلَلًا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إِلَّا يُسْتَدْرَكُ بِهَا نَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَجَوَازُ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ عِنْدَ بَعْضِهِمِ اسْتِحْسَانٌ» . هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ تَمْنَعُونَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَتُجِيزُونَ اسْتِثْنَاءَ الذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ، وَهُمَا جِنْسَانِ؟ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْخِرَقِيِّ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلَانِ لِأَحْمَدَ ﵁، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لَمْ يُرَدَّ عَلَيْنَا، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ ; فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ مُسْتَثْنًى عَنِ الدَّلِيلِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ هُمَا أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ، وَقِيَمُ

стр. 1121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُتْلَفَاتِ، وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَمَقَاصِدُهُمَا وَاحِدَةٌ ; فَيُنَزَّلَا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا نَصُّ الْخِرَقِيِّ عَلَى ذَلِكَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ; فَهَذَا وَجْهُهُ، وَقَدْ صَدَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ أَوْ وَرِقًا مَنْ عَيْنٍ ; فَنَصَّ عَلَى امْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ. وَيُفِيدُ الْخِلَافُ فِي هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ: إِلَّا شَاةً أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمُتَقَوِّمَاتِ، بَطَلَ الْإِقْرَارُ عِنْدَنَا، وَصَحَّ عِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَيَلْزَمُهُ مِائَةٌ إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ، لِاشْتِرَاكِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي جِنْسِ الْمَالِيَّةِ، وَمَا يَقَعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ جَهَالَةٍ تُزَالُ بِالْوَسَاطَةِ أَوِ الصُّلْحِ. قُلْتُ: وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ يَصِحُّ إِجْمَاعًا كَاسْتِثْنَاءِ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٍ مِنْ دَنَانِيرَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْجِنْسِ الْبَعِيدِ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَالِ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَمِنْهُ اسْتِثْنَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ حَقِيقَةً، غَيْرَ أَنَّ صِحَّتَهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ لِتَقَارُبِ مَقَاصِدِ النَّقْدَيْنِ كَمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. - قَوْلُهُ: «وَأَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا إِجْمَاعًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا فَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا نَحْوَ: لَهُ

стр. 1122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا عَشْرَةً، بَطَلَ «إِجْمَاعًا وَفِي الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ» نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا سِتَّةً، أَوْ: خَمْسَةً - «خِلَافٌ. وَاقْتَصَرَ قَوْمٌ عَلَى الْأَقَلِّ» أَيْ: عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ، نَحْوِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً، «وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا» . قَالَ صَاحِبُ «الْمُحَرَّرِ» مِنْ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ دُونَ الْأَكْثَرِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ وَالْمُطَلَّقَاتِ وَالْأَقَارِيرِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي النِّصْفِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْأَكْثَرِ أَيْضًا. قُلْتُ: الْمُصَحِّحُ لِاسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ هُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمَانِعُ مِنْهُ أَصْحَابُنَا وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي آخِرِ أَقْوَالِهِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَقَدِ اسْتَقْبَحَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْتِثْنَاءَ عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَاخْتَارَ هُوَ الْوَقْفَ. قُلْتُ: مِثَالُ اسْتِثْنَاءِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ: لَهُ سَبْعُونَ إِلَّا عَشَرَةً. - وَلْنَذْكُرْ تَوْجِيهَ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ: - أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ ; فَلِإِفْضَائِهِ إِلَى الْعَبَثِ وَكَوْنِهِ نَقْضًا كُلِّيًّا

стр. 1123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِلْكَلَامِ، وَرُجُوعًا عَنِ الْإِيجَادِ إِلَى الْإِعْدَامِ ; فَعَلَى هَذَا يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَلْزَمُ الْمُسْتَثْنَى، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً، أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا ; لَزِمَهُ عَشَرَةٌ، وَطُلِّقَتْ ثَلَاثًا. وَأَمَّا وَجْهُ الْخِلَافِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; فَمَنْ صَحَّحَهُ، احْتَجَّ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ وَ ٨٣] ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٢] ; فَاسْتَثْنَى فِي الْأُولَى الْعِبَادَ الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْغَاوِينَ مِنَ الْعِبَادِ، وَأَيُّهُمَا كَانَ الْأَكْثَرَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ. وَلِتَقْرِيرِ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنَ الْعِبَادِ، وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧] ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٣] ، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٠] . الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّامَا

стр. 1124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مِائَةٌ إِلَّا تِسْعِينَ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ; فَجَازَ فِي الْأَكْثَرِ، كَالتَّخْصِيصِ. - وَمَنْ مَنَعَ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، احْتَجَّ بِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَوْجِيهِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَإِذَا اتَّجَهَ الْخِلَافُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; كَانَ فِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ أَوْجُهٌ، وَلِأَنَّ الْأَكْثَرَ وَالنِّصْفَ وَاسِطَتَانِ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ وَالْمُسْتَغْرَقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَسَائِطَ يَتَّجِهُ فِيهَا الْخِلَافُ لِنُزُوعِهَا بِالشَّبَهِ إِلَى الْأَطْرَافِ. وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ ; احْتَجَّ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ كَسَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ خُولِفَ فِي الْأَقَلِّ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، إِذِ الْمُتَكَلِّمُ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَنْسَى ; فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْرَاكِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ السَّهْوُ وَالْغَلَطُ فِي الْأَقَلِّ غَالِبًا، إِذِ الْعَاقِلُ إِنَّمَا يَغْلَطُ فِي الْمِائَةِ بِعَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، أَمَّا غَلَطُهُ بِخَمْسِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَنَادِرٌ جِدًّا، وَمَنْ يَغْلَطُ بِذَلِكَ، لَا يَكَادُ يُعَدُّ عَاقِلًا، بَلْ هُوَ إِمَّا مَجْنُونٌ أَوْ مُغَفَّلٌ، وَإِذَا لَمْ تَدَعُ الْحَاجَةُ إِلَى مَا سِوَى الْأَقَلِّ ; وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ نَصُّوا عَلَى امْتِنَاعِ غَيْرِهِ.

стр. 1125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مِائَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ ; لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ كَلَامُهُ عِيًّا وَلُكْنَةً. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: صُمْتُ الشَّهْرَ كُلَّهُ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، وَلَا يُقَالُ صُمْتُهُ إِلَّا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: لَقِيتُ الْقَوْمَ جَمِيعًا إِلَّا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، وَلَا يُقَالُ: لَقِيتُهُمْ إِلَّا أَكْثَرَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلَا سَوَّغَهُ قِيَاسٌ، كَانَ مَرْدُودًا. أَمَّا الْوُجُوهُ الَّتِي ذُكِرَتْ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَهُوَ الْآيَتَانِ الْكَرِيمَتَانِ، عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ مِنْهَا ; فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٢] مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنَّ، أَيْ: لَكِنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ هُمْ مَعَكَ فِي جَهَنَّمَ، أَوْ هُمْ مِنْ حِزْبِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا، بِدَلِيلِ قَوْلِ إِبْلِيسَ فِي الْآخِرَةِ: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَثْنَى فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهُمُ الْأَقَلُّ، وَفِي الثَّانِيَةِ اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهُمُ الْأَقَلُّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٦] ; فَهُمْ غَيرُ غَاوِينَ، وَنِسْبَةُ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ يَسِيرَةٌ فَضْلًا عَنِ الْغَاوِينَ مِنْهُمْ.
следующие страницы →