← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى جِهَةِ ابْتِدَاءِ شَرْعِ هَذَا الْحُكْمِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُكُمْ: الْفِقْهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ، إِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ بَعْضَ الْأَحْكَامِ، دَخَلَ الْمُقَلِّدُ فِي الْفِقْهِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُقَلِّدِينَ يَعْلَمُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، فَيَكُونُ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ غَيْرَ مَانِعٍ، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الْعِلْمَ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ، لَمْ يَكُنِ الْحَدُّ جَامِعَهَا، بَلْ لَمْ يُوجَدْ فِقْهٌ وَلَا فَقِيهٌ، إِذْ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ لَا يُحِيطُ بِهَا بَشَرٌ، لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ وَغَيْرَهُمْ سُئِلُوا عَنْ بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَقَالُوا: لَا نَدْرِي، كَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ حُكْمًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقَالَ فِي الْبَاقِي: لَا أَدْرِي. وَحُكِيَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: جُنَّةُ الْعَالِمِ لَا أَدْرِي، فَإِذَا أَخْطَأَهَا، أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ. وَالْجُنَّةُ: بِضَمِّ الْجِيمِ السُّتْرَةُ، وَقَوْلُ: لَا أَدْرِي فِي كَلَامِ أَحْمَدَ كَثِيرٌ جِدًّا. قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ» ، هَذَا شُرُوعٌ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا أَوَّلٍ فَأَوَّلٍ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُورِدُونَ الْأَسْئِلَةَ ثُمَّ يُورِدُونَ أَجْوِبَتَهَا مُرَتَّبَةً عَلَيْهَا، وَطَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ يَذْكُرُونَ جَوَابَ كُلِّ سُؤَالٍ عَقِيبَهُ، وَهَذِهِ أَيْسَرُ عَلَى الْفَهْمِ، وَفِي كِلَا الطَّرِيقَيْنِ حِكْمَةٌ، وَأَنَا سَلَكْتُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ غَالِبًا الطَّرِيقَةَ الْأُولَى، لِأَنَّهَا أَعْوَنُ عَلَى التَّحْقِيقِ وَالِاخْتِصَارِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَقَدْ أُجِيبَ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ، فَيَخْرُجُ عَنِ التَّعْرِيفِ بِالْعِلْمِ، بِأَنَّ الْحُكْمَ مَعْلُومٌ وَالظَّنَّ فِي طَرِيقِهِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْفَقِيهَ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَا، عَلِمَ قَطْعًا بِحُصُولِ ذَلِكَ الظَّنِّ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ وِجْدَانِيٌّ، كَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ، يَقْطَعُ الْإِنْسَانُ بِوُجُودِ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ، وَعَلِمَ قَطْعًا بِوُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الظَّنِّ، بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْ أَنَّ الظَّنَّ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، أَيْ: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفُتْيَا إِذَا سُئِلَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ. وَدَلِيلُ أَنَّ الظَّنَّ يُوجِبُ الْعَمَلَ: الْإِجْمَاعُ، وَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَحْكَامِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الظُّنُونِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَإِنَّمَا يُفِيدُ ذَلِكَ الظَّنَّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ. وَمِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، أَنَّ غَالِبَ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ، لَبَطَلَتْ أَكْثَرُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، أَوْ لَزِمَ الْمُكَلَّفُ أَنْ لَا يَعْمَلَ إِلَّا بِالْقَطْعِ، مَعَ أَنَّ دَلِيلَ الشَّرْعِ لَا يُفِيدُهُ، وَهُوَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَائِزًا، لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْفُرُوعِ. وَهَذَا هُوَ جَوَابُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ فِي «الْمَحْصُولِ» ، وَلَفْظُهُ: فَإِنْ قُلْتَ: الْفِقْهُ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ، فَكَيْفَ جَعَلْتَهُ عِلْمًا؟ قُلْتُ: الْمُجْتَهِدُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مُشَارَكَةُ صُورَةٍ لِصُورَةٍ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، قَطَعَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ ظَنُّهُ، فَالْحُكْمُ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وَالظَّنُّ وَقَعَ فِي طَرِيقِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِثَالُهُ، قَوْلُنَا: الْخَمْرُ مُحَرَّمٌ بِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ، وَهِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ، وَالنَّبِيذُ يُشَارِكُ الْخَمْرَ فِي الْعِلَّةِ، فَغَلَبَ بِذَلِكَ عَلَى ظَنِّنَا تَحْرِيمُ النَّبِيذِ، وَعَلِمْنَا بِالْإِجْمَاعِ وُجُوبَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَاجْتِنَابِهِ، بِمُقْتَضَى هَذَا الظَّنِّ، فَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ، هُوَ وُجُوبُ اجْتِنَابِهَا، وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الظَّنُّ فِي طَرِيقِ التَّوَصُّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْوُجُوبِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: النَّبِيذُ يُشَارِكُ الْخَمْرَ فِي الْإِسْكَارِ، الَّذِي هُوَ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَهُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ، وَإِذَا شَارَكَهُ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهِ. فَهَذَا قِيَاسٌ تَوَصَّلْنَا بِهِ إِلَى حُصُولِ الظَّنِّ بِتَحْرِيمِ النَّبِيذِ، وَهُوَ قِيَاسٌ ظَنِّيٌّ، فَلَمَّا حَصَلَ لَنَا الظَّنُّ مِنَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ، حَكَمْنَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ ظَنِّيٌّ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، فَالْإِجْمَاعُ الْقَاطِعُ أَوْجَبَ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ الْحَاصِلِ عَنِ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ طَرِيقٌ إِلَى الْعِلْمِ بِالْوُجُوبِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّيْقَلِ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ: الظُّنُونُ لَيْسَتْ فِقْهًا، وَإِنَّمَا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ قِيَامِ الظُّنُونِ. وَقَدْ أَكْثَرْتُ فِي هَذَا الْمَكَانِ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْتَشْكِلُ فَهْمُهُ، فَقَصَدْتُ بِالْإِكْثَارِ فِيهِ

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِيضَاحَهُ. قَوْلُهُ: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي» . إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ صُورَةُ مُنَاقَشَةٍ عَلَى حَدِّ الْفِقْهِ الْمَذْكُورِ، وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنَّ تَقْدِيرَ لَفْظِ الْحَدِّ هَكَذَا: الْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوِ الْعِلْمُ بِحُصُولِ الظَّنِّ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْأَحْكَامِ، أَوِ الْعِلْمُ بِحُصُولِ ظَنِّ الْأَحْكَامِ إِلَى آخِرِهِ، أَيْ إِلَى آخِرِ الْحَدِّ، يَعْنِي الْعِلْمَ بِحُصُولِ ظَنِّ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي جَوَابِنَا عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِنَا: الْفِقْهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ، أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا حُكْمٌ، عَلِمْنَا بِالْإِجْمَاعِ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ، فَصَارَ بِالضَّرُورَةِ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي الْحَدِّ: أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْحَاصِلَةِ عَنِ الطُّرُقِ الظَّنِّيَّةِ، وَفِيهِ تَعَسُّفٌ لَا يَلِيقُ بِالتَّعْرِيفَاتِ - وَالتَّعَسُّفُ وَالْعَسْفُ وَالِاعْتِسَافُ: الْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ - وَوَجْهُ التَّعَسُّفِ فِي ذَلِكَ كَثْرَةُ الْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ فِي الْحَدِّ، وَالْحَذْفُ يَقْتَضِي إِبْهَامَ الْمَعْنَى وَخَفَاءَهُ، وَالْحَدُّ يَقْتَضِي كَشْفَهُ وَإِظْهَارَهُ، فَيَتَنَافَيَانِ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الظَّنُّ مَجَازًا» . هَذَا صُورَةُ اعْتِذَارٍ عَنِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَتَمْشِيَةٍ لَهُ، وَدَفْعٍ لِلسُّؤَالِ الْأَوَّلِ عَنْهُ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِنَا: هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ، الْفِقْهُ هُوَ ظَنُّ الْأَحْكَامِ،

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلَا يَرِدُ قَوْلُهُمُ: الْفِقْهُ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ، فَكَيْفَ يُسَمُّونَهُ عِلْمًا؟ لِأَنَّ مُرَادَنَا بِالْعِلْمِ الظَّنُّ مَجَازًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ قَدْرًا مُشْتَرَكًا، وَهُوَ الرُّجْحَانُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ حُكْمٌ جَازِمٌ، وَالظَّنَّ حُكْمٌ رَاجِحٌ غَيْرُ جَازِمٍ، وَهَذَا الرُّجْحَانُ الْمُشْتَرَكُ صَحَّحَ إِطْلَاقَ الْعِلْمِ وَإِرَادَةَ الظَّنِّ مَجَازًا، وَهُوَ الْعَلَاقَةُ الْمُجَوِّزَةُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّغَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: «وَهُوَ أَيْضًا لَا يَلِيقُ» لِأَنَّ الْحُدُودَ يَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ فِيهَا الْإِبْهَامُ وَمَظِنَّتُهُ، كَاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ وَالْمَجَازِ وَالْغَرِيبِ، خُصُوصًا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَجَازُ وَاضِحًا، وَهُوَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مُرَادَكُمْ بِالْعِلْمِ هَاهُنَا الظَّنُّ، حَتَّى فَسَّرْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَقُلْتُمْ: أَرَدْنَا بِهِ الظَّنَّ، وَإِنَّمَا فَسَّرْتُمُوهُ بِذَلِكَ فِرَارًا مِنَ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا مَحْذُورٌ لَفْظِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا فُسِّرَ الْعِلْمُ بِالظَّنِّ، وَصِيغَةُ الْحَدِّ بِحَالِهَا، صَارَ التَّقْدِيرُ: الْفِقْهُ، هُوَ الظَّنُّ بِالْأَحْكَامِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ قَبِيحَةٌ، لِأَنَّ ظَنَنْتَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، نَحْوُ ظَنَنْتُ الْأَمْرَ، وَلَا يُقَالُ ظَنَنْتُ بِالْأَمْرِ، بِخِلَافِ عَلِمْتُ، لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِحَرْفِ الْجَرِّ، نَحْوُ عَلِمْتُ الشَّيْءَ وَعَلِمْتُ بِالشَّيْءِ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَالَ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَجُزِ الظَّنُّ بِالْأَحْكَامِ، وَإِنْ غُيِّرَتْ صِيغَةُ الْحَدِّ فَقِيلَ: الْفِقْهُ، ظَنُّ الْأَحْكَامِ، أَفْضَى إِلَى التَّجَوُّزِ فِيهَا وَإِسْقَاطِ بَعْضِ حُرُوفِهَا، وَفِيهِ خَبْطٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْأَحْكَامُ الْمَعْلُومَةُ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَظْنُونَةً. تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْقَائِلِ: هَذَا لَا يَلِيقُ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَائِقٍ، مَعْنَاهُ: لَا يُمَاسُّ وَلَا يُلَاصَقُ وَلَا يَعْلُقُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَا لَاقَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ زَوْجِهَا، أَيْ: مَا أُلْصِقَتْ بِقَلْبِهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَلِيقُ بِكَ، أَيْ لَا يعْلَقُ بِكَ، وَفُلَانٌ مَا يَلِيقُ دِرْهَمًا مِنْ جُودِهِ، أَيْ مَا يُمْسِكُهُ، وَلَاقَ بِهِ فُلَانٌ: لَاذَ بِهِ.

стр. 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَالْمَادَّةُ رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ الِاصْطِلَاحِيِّ، إِذْ مَعْنَى لَا يَلِيقُ: لَا يُنَاسِبُ. وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ بِجَوَابٍ الْتَزَمَ فِيهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ مَعْلُومَةٌ - وَظَاهِرُهُ الْغَلَطُ أَوِ الْمُغَالَطَةُ - وَقَرَّرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ فَهُوَ مَعْلُومٌ، فَكُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مَعْلُومٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ، فَقَدْ صَارَتِ الْأَحْكَامُ فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَ الظُّنُونِ، فَكُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ مَعْلُومٌ، فَبِنَاءً عَلَى عِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَ: كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٌ بِمُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ بِمُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ، فَكُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مَعْلُومٌ. وَفَرْضُ الْكَلَامِ فِي حُكْمٍ بِتَقْرِيرٍ يَطَّرِدُ فِي كُلِّ حُكْمٍ، وَهُوَ أَنَّ وُجُوبَ التَّدْلِيكِ فِي الطَّهَارَاتِ مَظْنُونٌ لِمَالِكٍ قَطْعًا عَمَلًا بِالْوِجْدَانِ، وَكُلُّ مَا ظَنَّهُ مَالِكٌ، فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ قَطْعًا عَمَلًا بِالْإِجْمَاعِ، فَوَجَبَ أَنَّ التَّدْلِيكَ حُكْمُ اللَّهِ قَطْعًا. وَأَمَّا أَنَّ مَا ثَبَتَ بِمُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ مَعْلُومٌ، فَهُوَ ظَاهِرٌ.

стр. 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَوَجْهُ الْخَلَلِ فِي هَذَا التَّقْرِيرِ، أَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُكْمٌ، فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ. قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ نَحْنُ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِقْهٌ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِقْهُ مُجْتَهِدٍ خَاصٍّ، إِذْ ذَلِكَ يَصِيرُ إِثْبَاتًا لِلْمَطْلُوبِ الْعَامِّ بِالتَّقْرِيرِ الْخَاصِّ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ. ثُمَّ قَوْلُهُ: فَقَدْ صَارَتِ الْأَحْكَامُ فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ. إِنْ أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ عُمُومَهُ، فَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَ مُجْتَهِدٍ خَاصٍّ، وَهُوَ مَنْ حَصَلَ لَهُ ظَنُّ تِلْكَ الْأَحْكَامِ، رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ تَقْرِيرِ الدَّعْوَى الْعَامَّةِ بِالطَّرِيقَةِ الْخَاصَّةِ. وَأَمَّا بَيَانُ الْخَلَلِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، فَبِنَحْوِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: وُجُوبُ التَّدْلِيكِ مَظْنُونٌ لِمَالِكٍ، فَيَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ قَطْعًا. إِنْ أَرَادَ بِهِ حُكْمَ اللَّهِ قَطْعًا فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْأَئِمَّةِ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّ مَالِكٍ، فَصَحِيحٌ، لَكِنْ نَحْنُ كَلَامُنَا فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ الْمُطْلَقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي الشَّرِيعَةِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِفَرْضِ الْكَلَامِ فِي فِقْهِ مَالِكٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخُصُوصِهِ. ثُمَّ لَوْ قَالَ الشَّفَعَوِيُّ: عَدَمُ وُجُوبِ التَّدْلِيكِ مَظْنُونٌ لِلشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِالْوِجْدَانِ، فَيَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ قَطْعًا فِي حَقِّهِ، عَمَلًا بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْقَطْعِ فِيمَا قَرَّرَهُ الْقَطْعُ الْعَامُّ، تَنَاقَصَتِ الْقَطْعِيَّاتُ، لِأَنَّ هَذَا يَقْطَعُ بِالْوُجُوبِ، وَهَذَا بِعَدَمِهِ، وَذَلِكَ

стр. 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُحَالٌ. وَإِنْ أَرَادَ الْقَطْعَ الْخَاصَّ فِي حَقِّ كُلِّ إِمَامٍ بِحَسَبِ مُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، رَجَعْنَا إِلَى تَقْرِيرِ الدَّعْوَى الْعَامَّةِ بِالطَّرِيقَةِ الْخَاصَّةِ. فَهُوَ كَمَنْ يَقُولُ: كُلُّ حَيَوَانٍ ضَحَّاكٍ، فَإِذَا أُبْطِلَ عَلَيْهِ بِأَكْثَرِ الْحَيَوَانَاتِ، قَالَ: أَنَا أَرَدْتُ كُلَّ حَيَوَانٍ نَاطِقٍ ضَحَّاكٍ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْأَمْرِ إِلَى تَخْصِيصِ الدَّعْوَى، وَهُوَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ. نَعَمْ لَوْ قَالَ: فِقْهُ مَالِكٍ مَعْلُومٌ، أَوِ الْأَحْكَامُ عِنْدَ مَالِكٍ مَعْلُومَةٌ، ثُمَّ سَلَكَ فِي تَقْرِيرِهِ الطَّرِيقَةَ الْمَذْكُورَةَ، لَاسْتَقَامَ لَهُ، لِأَنَّهُ تَقْرِيرُ خَاصٍّ بِخَاصٍّ. أَمَّا مَا ذَكَرَهُ تَقْرِيرًا، لِكَوْنِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ الْمُطْلَقِ مَعْلُومَةً، فَتَقْرِيرُهُ فِي فَرْضِهِ الْخَاصِّ، وُجُوبُ التَّدْلِيكِ عِنْدَ مَالِكٍ مَعْلُومٌ قَطْعًا، فَيَكُونُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ كَمَا تَرَاهُ. قَوْلُهُ: «وَعَنِ الثَّالِثِ» ، أَيْ: وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ، وَهُوَ قَوْلُكُمْ: إِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْفِقْهَ الْعِلْمُ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ، دَخَلَ فِيهِ الْمُقَلِّدُ، وَإِنْ أُرِيدَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ، لَمْ يُوجَدْ فِقْهٌ وَلَا فَقِيهٌ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ لَنَا الْتِزَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ، فَإِنِ الْتَزَمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَالْمُرَادُ الْعِلْمُ بِهَا بِأَدِلَّتِهَا وَأَمَارَاتِهَا وَوَجْهِ اسْتِفَادَتِهَا مِنْهَا، وَالْمُقَلِّدُ لَا يَعْلَمُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ كَذَلِكَ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ، فَيَكُونُ مَانِعًا. وَإِنِ الْتَزَمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ، فَالْمُرَادُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِهَا بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ،

стр. 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ تَهَيُّؤُهُ، يَعْنِي تَهَيُّؤَ الْمُجْتَهِدِ لِلْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ لِأَهْلِيَّتِهِ لِلِاجْتِهَادِ، لِمَا عِنْدَهُ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ بِمَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ، وَوُجُوهِ دَلَالَتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ اقْتِبَاسِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، وَذَلِكَ هُوَ أَصُولُ الْفِقْهِ. وَحَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ، أَنَّهُ لَيْسَ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِالْفِعْلِ، أَعْنِي يَسْتَحْضِرُهَا فِي الْحَالِ، بَلْ بَعْضُهَا بِالْفِعْلِ وَالِاسْتِحْضَارِ، وَبَعْضُهَا بِالْقُوَّةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَتُهَا بِعَرْضِهَا عَلَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ الَّتِي قَدِ اسْتَعَدَّ بِمَعْرِفَتِهَا لِذَلِكَ، وَهُوَ الْقُوَّةُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الْفِعْلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا الْعِلْمُ بِجَمِيعِهَا بِالْفِعْلِ، فَلَا يَضُرُّ قَوْلُ الْأَئِمَّةَ: لَا نَدْرِي فِي جَوَابِ مَا سُئِلُوا عَنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ قَرِيبًا، أَيْ: عَلَى قُرْبٍ مِنَ الزَّمَانِ. بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ حُكْمٍ لَا يَسْتَحْضِرُهُ قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا، وَهَذَا شَرْحُ قَوْلِهِ: «وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ إِلَى آخِرِهِ» ، وَرَجَعَ حَاصِلُهُ إِلَى الْأَحْكَامِ بِأَدِلَّتِهَا أَوْ أَمَارَاتِهَا، أَوْ إِلَى تَخْصِيصِ الْعِلْمِ بِمَا كَانَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ. قُلْتُ: فَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: عَنْ أَدِلَّتِهَا «التَّفْصِيلِيَّةِ لَا فَائِدَةَ لَهُ» لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ لَمْ أُجِبْ عَنْهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لِي عَنْهُ حِينَ الِاخْتِصَارِ جَوَابٌ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ الْآنَ: أَنَّهُ إِنَّمَا ذُكِرَ عَلَى جِهَةِ التَّبْيِينِ لَا عَلَى جِهَةِ التَّقْيِيدِ، أَيْ: لَمْ تُقَيَّدِ الْأَدِلَّةُ بِالتَّفْصِيلِيَّةِ، اعْتِقَادًا بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلُومِ تَكُونُ أَدِلَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ غَيْرَ

стр. 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَفْصِيلِيَّةٍ، بَلْ أَرَدْنَا تَبْيِينَ أَنَّ أَدِلَّةَ هَذَا الْعِلْمِ تَفْصِيلِيَّةٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ التَّفْصِيلِ عَنْ أَدِلَّةِ غَيْرِهِ وَلَا إِثْبَاتُهُ. قَوْلُهُ: «وَلَوْ قِيلَ: ظَنُّ جُمْلَةٍ» أَيْ: لَوْ قِيلَ: الْفِقْهُ: «ظَنُّ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ، بِاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ أَدِلَّةٍ تَفْصِيلِيَّةٍ، لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ» يَعْنِي مَقْصُودَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ، أَوْ مَقْصُودَ حَدِّ الْفِقْهِ، إِذْ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا، «وَخَفَّ الْإِشْكَالُ» ، لِأَنَّ الْإِشْكَالَ الَّذِي وَرَدَ عَلَى لَفْظِ الْعِلْمِ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ لَا يَرِدُ هَاهُنَا. وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ الْوَارِدُ عَلَى لَفْظِ «الْأَحْكَامِ» ، هَلِ الْمُرَادُ بَعْضُهَا أَوْ جَمِيعُهَا؟ وَلَا يَرِدُ أَيْضًا، لِقَوْلِنَا: «ظَنُّ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ» ، وَقُلْتُ: خَفَّ الْإِشْكَالُ، وَلَمْ أَقُلْ: زَالَ الْإِشْكَالُ، لِأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ شَأْنَ الْحَدِّ التَّحْقِيقُ. وَقَوْلُنَا: «ظَنُّ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ» لَيْسَ تَحْقِيقًا، بَلِ الْجُمْلَةُ مَجْهُولَةُ الْكَمِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَيَّدَهَا الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» بِقَوْلِهِ: الْعِلْمُ بِجُمْلَةٍ غَالِبَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَفِيهِ أَيْضًا إِجْمَالٌ، لِأَنَّ غَلَبَةَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لَا يُعْلَمُ حَدُّهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: ظَنُّ جُمْلَةٍ غَالِبًا عُرْفًا، وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنِ الشِّرِمْسَاحِيِّ - وَأَظُنُّ أَنِّي رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِهِ - أَنَّهُ رَامَ التَّخَلُّصَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ: ظَنُّ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، يَخْرُجُ بِهَا عَنْ عِدَادِ الْعَامَّةِ فِي الْعُرْفِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ.

стр. 116

وَأَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالُوا: الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ لِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. وَقِيلَ: النَّاسُ، لِيَدْخُلَ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ. وَلَا يَرِدُ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ، لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِفِعْلِهَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَالِكِهَا، لَا إِلَيْهَا نَفْسِهَا. ــ قَوْلُهُ: «وَأَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالُوا: الْفِقْهُ، مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ لِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ» وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْغَزَالِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ بِالْإِحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ لِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. وَلَفْظُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي «الرَّوْضَةِ» : الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ، وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَلَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَحْقِيقَ الْمُتَأَخِّرِينَ، بَلْ أَرَادُوا الْإِشَارَةَ إِلَى حَقِيقَةِ الْفِقْهِ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: النَّاسُ» أَيْ: وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ لِأَفْعَالِ النَّاسِ «لِيَدْخُلَ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ» ، كَالْمَجْنُونِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، كَضَمَانِ إِتْلَافَاتِهِمَا وَغَرَامَاتِهِمَا، إِذْ هُمَا مِنَ النَّاسِ فَيَتَنَاوَلُهُمَا هَذَا التَّعْرِيفُ، وَلَيْسَا مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فَيَخْرُجَانِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. لَكِنَّ هَذَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا حَاوَلْنَا إِدْخَالَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمَا فِي حَدِّ الْفِقْهِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِأَفْعَالِهِمَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ فَيَكُونَانِ مُكَلَّفَيْنِ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ تَعَلُّقَ الضَّمَانِ بِأَفْعَالِهِمَا، إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى وَلِيِّهِمَا، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الدَّابَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَالِكِهَا، وَلَيْسَتْ مُكَلَّفَةً، أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْحُكْمِ

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالسَّبَبِ، كَمَا سَنُقَرِّرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَلَا يَرِدُ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ» أَيْ: لَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِنَا: «الثَّابِتَةُ لِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ أَوِ النَّاسِ» مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ، كَضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ زَرْعٍ وَغَيْرِهِ، نَقْضًا، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِفِعْلِهَا، وَلَيْسَتْ مُكَلَّفَةً، وَلَا مِنَ النَّاسِ «لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِفِعْلِهَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَالِكِهَا لَا إِلَيْهَا نَفْسِهَا» فَكَأَنَّهَا كَالْآلَةِ لَهُ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ بِوَاسِطَةِ فِعْلِهَا، وَيَرْجِعُ إِلَى رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ. وَقَالَ فِي «الْمَحْصُولِ» : الْفِقْهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَى أَعْيَانِهَا بِحَيْثُ لَا نَعْلَمُ كَوْنَهَا مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، وَالسُّؤَالُ عَلَى لَفْظِ الْعِلْمِ قَدْ سَبَقَ وَجَوَابُهُ. وَالْعَمَلِيَّةِ: احْتِرَازٌ عَنِ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ حُجَّةً، فَإِنَّهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْفِقْهِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَمَلِيَّةً، أَيْ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِهَا عِلْمًا بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ. وَالْمُسْتَدِلُّ عَلَى أَعْيَانِهَا: احْتِرَازٌ مِنْ عِلْمِ الْمُقَلِّدِ لِأَنَّهُ عَنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ، كَمَا سَبَقَ. خَاتِمَةٌ لِهَذَا الْفَصْلِ: كُنْتُ قَدْ وَعَدْتُ بِذِكْرِ الْعِلْمِ، لِوُقُوعِهِ فِي حَدِّ الْفِقْهِ، وَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الظَّنُّ وَالْمَعْرِفَةُ أَيْضًا، لِوُقُوعِهِمَا فِي الْحُدُودِ، فَلْنَذْكُرْ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا يَلِيقُ ذِكْرُهُ هَاهُنَا. فَنَقُولُ: أَمَّا الْعِلْمُ فَالْكَلَامُ فِي حَدِّهِ وَأَقْسَامِهِ وَمَدَارِكِهِ، أَمَّا حَدُّهُ، فَقَدْ كَثُرَ لَهَجُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ بِقَوْلِهِمْ: مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي «الْعُدَّةِ» وَقَالَ: لَوِ اقْتَصَرْنَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْلُومِ لَكَفَى، لَأَنَّ مَعْرِفَتَهُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَةً لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ، وَلَمْ نَقُلِ: الشَّيْءَ، لِأَنَّ الْمَعْلُومَ

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَعَمُّ، لِتَنَاوُلِهِ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ أَيْضًا، أَيْ: يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ، وَالشَّيْءُ خَاصٌّ بِالْمَوْجُودِ، فَلَيْسَ الْمَعْدُومُ شَيْئًا عَلَى رَأْيِنَا. وَأُبْطِلُ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مُرَادِفَةٌ لِلْعِلْمِ، يُقَالُ: عَلِمْتُ الشَّيْءَ وَعَرَفْتُهُ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلِهَذَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٠] ، أَيْ: لَا تَعْرِفُونَهُمْ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِمُرَادِفِهِ لَا يَصِحُّ، إِذْ هُوَ تَعْرِيفٌ لَهُ بِنَفْسِهِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعْرِيفٌ دَوْرِيٌّ، لِأَنَّ لَفْظَ الْمَعْلُومِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ فِي مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ، وَهُوَ دَوْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعِلْمُ مَا أَوْجَبَ لِمَنْ قَامَ بِهِ كَوْنَهُ عَالِمًا. وَهُوَ دَوْرِيٌّ أَيْضًا، لِأَنَّ الْعَالِمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: الْعِلْمُ: مَا أَوْجَبَ لِمَنْ قَامَ بِهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِلْمُ. وَحُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْعِلْمُ: هُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: مَعَ سُكُونِ النَّفْسِ إِلَى مُعْتَقَدِهِ. وَهُوَ بَاطِلٌ، بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يُسَمَّى اعْتِقَادًا، وَبِاعْتِقَادِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الشَّيْءَ وَيَسْكُنُونَ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَجَهْلًا، وَبِأَنَّ الشَّيْءَ يَخُصُّ الْمَوْجُودَ عِنْدَنَا وَالْمَعْدُومَ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدُّ، فَيَكُونُ غَيْرَ جَامِعٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي «الْوَاضِحِ» : الْعِلْمُ وِجْدَانُ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ لِلْأُمُورِ بِحَقَائِقِهَا. وَفِيهِ مِنَ الْخَلَلِ، أَنَّ لَفْظَ «وِجْدَانُ» مُشْتَرِكٌ أَوْ مُتَرَدِّدٌ، غَيْرَ أَنَّ قَرِينَةَ التَّعْرِيفِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِدْرَاكُ، فَيَقْرُبُ الْأَمْرُ. وَفِيهِ أَنَّ عِلْمَ الْبَارِئِ يَخْرُجُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ نَفْسًا نَاطِقَةً، فَلَوْ قَالَ: وِجْدَانُ النَّفْسِ لِلْأُمُورِ بِحَقَائِقِهَا، لَأَمْكَنَ دُخُولُ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ،

стр. 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٦] اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَقِيلٍ عَرَّفَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْعِلْمَ الْمُحْدَثَ، وَقَدْ بَعُدَ عَهْدِي بِكَلَامِهِ. وَقَدِ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي حَدِّ الْعِلْمِ عِبَارَاتٍ. فَمِنْهُمُ ابْنُ الصَّيْقَلِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: الْعِلْمُ هُوَ الْقَضَاءُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَا، مَعَ الْقَضَاءِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا كَذَا قَضَاءً لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ، وَالْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ عِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْطِقِيِّينَ. فَقَوْلُهُ: الْقَضَاءُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَا، جِنْسُ الْحَدِّ، وَقَوْلُهُ: مَعَ الْقَضَاءِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا كَذَا، فَصْلٌ يَخْرُجُ بِهِ الظَّنُّ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ كَذَا، لَكِنْ مَعَ إِمْكَانِ أَلَّا يَكُونَ، وَقَوْلُهُ: لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ، يَفْصِلُهُ عَنِ اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ الْمُصَمِّمِ عَلَى اعْتِقَادِهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ زَوَالُهُ بِالتَّشْكِيكِ أَوْ بِتَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ، وَقَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ كَذَلِكَ، يَفْصِلُهُ عَنِ الْجَهْلِ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ. وَمِنْهُمْ سَيْفُ الدِّينِ الْآمِدِيُّ، قَالَ: الْعِلْمُ، عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ يَحْصُلُ بِهَا لِنَفْسِ الْمُتَّصِفِ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ حَقَائِقِ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ تَمْيِيزًا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ احْتِمَالُ مُقَابِلِهِ. وَمِنْهُمُ ابْنُ الْحَاجِبِ، اخْتَصَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْعِلْمُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ. فَقَوْلُهُ: صِفَةُ، جِنْسٌ لِلْحَدِّ، يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ، كَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَقَوْلُهُ: تُوجِبُ تَمْيِيزًا، أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ إِلَّا الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ، لَكِنْ بَقِيَ الْحَدُّ مُتَنَاوِلًا لِلظَّنِّ وَالشَّكِّ وَالْوَهْمِ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا صِفَاتٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا، فَبِقَوْلِهِ: لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، خَرَجَ ذَلِكَ، وَبَقِيَ الْحَدُّ مُسْتَقِلًّا بِصِفَةِ الْعِلْمِ.

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالَّذِي فُهِمَ مِنْ كَلَامِ فَخْرِ الدِّينِ فِي أَثْنَاءِ تَقْسِيمِ ذِكْرِهِ: أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْحُكْمُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِمُوجَبٍ. فَالْحُكْمُ، هُوَ إِسْنَادُ الذِّهْنِ أَمْرًا إِلَى آخَرَ بِإِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ، كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ مُحْدَثٌ أَوْ لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَالْجَازِمُ: الْقَاطِعُ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ الظَّنُّ وَالشَّكُّ وَالْوَهْمُ، وَالْمُطَابِقُ: الْمُوَافِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ: وَالْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ كَذَلِكَ، وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْجَازِمُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، وَلَيْسَ فِيهَا، وَقَوْلُهُ: لِمُوجَبٍ، أَيْ: لِمُدْرَكٍ، اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إِلَيْهِ مِنْ عَقْلٍ أَوْ حِسٍّ أَوْ مَا تَرَكَّبَ مِنْهُمَا، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنِ اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ الْمُطَابِقِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ جَازِمٌ مُطَابِقٌ وَلَيْسَ بِعِلْمٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمُوجِبٍ. هَذَا مَا اتَّفَقَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِيهِ لِلنَّاسِ غَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وَأَمَّا أَقْسَامُ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ الزَّمَانِ إِلَى قَدِيمٍ، وَهُوَ مَا لَا أَوَّلَ لَهُ، وَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ ، وَهُوَ عِلْمٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِعَرَضٍ وَلَا ضَرُورِيٍّ، يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَإِلَى مُحْدَثٍ، وَهُوَ مَالَهُ أَوَّلٌ، وَهُوَ عِلْمُ مَنْ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى. وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى تَصَوُّرٍ، وَهُوَ إِدْرَاكُ الْحَقَائِقِ مُجَرَّدَةً عَنِ الْأَحْكَامِ، وَقِيلَ: حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ. وَإِلَى تَصْدِيقٍ، وَهُوَ نِسْبَةٌ حُكْمِيَّةٌ بَيْنَ الْحَقَائِقِ بِالْإِيجَابِ أَوِ السَّلْبِ، وَقِيلَ: إِسْنَادُ أَمْرٍ إِلَى آخَرَ إِيجَابًا أَوْ سَلْبًا، كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ حَسَنٌ، أَوْ لَيْسَ بِقَبِيحٍ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ، إِمَّا بَدَهِيٌّ غَنِيٌّ عَنِ الْكَسْبِ، كَتَصَوُّرِنَا مَعْنَى

стр. 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّارِ، وَأَنَّهَا حَارَّةٌ، وَمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَأَنَّهُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَإِمَّا كَسْبِيٌّ، كَتَصَوُّرِنَا مَعْنَى الْمَلَكِ، وَأَنَّهُ مِنْ نُورٍ، وَمَعْنَى الْجِنِّيِّ، وَأَنَّهُ مِنْ نَارٍ. وَأَمَّا مَدَارِكُ الْعِلْمِ، وَهِيَ الطُّرُقُ الَّتِي يُدْرَكُ بِهَا، فَهِيَ عَلَى تَعَدُّدِهَا، إِمَّا حِسٌّ أَوْ عَقْلٌ أَوْ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا. وَالْحِسُّ: إِمَّا بَاطِنٌ، وَهُوَ الْوِجْدَانُ، كَمَا يَجِدُهُ الْحَيُّ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَوَارِضِ النَّفْسِ، وَإِمَّا ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ: السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ. وَالْعَقْلُ: غَرِيزَةٌ طَبَعِيَّةٌ يُدْرَكُ بِهَا الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةُ، وَقِيلَ: عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَهِيَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ، وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ، وَقِيلَ: جَوْهَرٌ بَسِيطٌ يُدْرِكُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَطَلْتُ الْقَوْلَ فِيهِ لَفْظًا وَمَعْنًى فِي كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» وَهَلْ مَحَلُّهُ الرَّأْسُ أَوِ الْقَلْبُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلنَّاسِ، وَرِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ فِي الرَّأْسِ، وَهَلْ يَخْتَلِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالْكَمَالِ وَالنَّقْصِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: نَعَمْ، لِأَنَّ كَمَالَ الشَّيْءِ وَنَقْصَهُ يُعْرَفُ بِكَمَالِ آثَارِهِ وَأَفْعَالِهِ وَنَقْصِهَا، وَنَحْنُ نُشَاهِدُ قَطْعًا تَفَاوُتَ آثَارِ الْعُقُولِ فِي الْآرَاءِ وَالْحِكَمِ وَالْحِيَلِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ الْعُقُولِ نَفْسِهَا، وَأَجْمَعَ الْعُقَلَاءُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ أَقَلُّ عَقْلًا مِنْ فُلَانٍ، أَوْ أَكْمَلُ عَقْلًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَحَكَوْا عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ خِلَافَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْعَقْلَ حُجَّةٌ عَامَّةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهَا النَّاسُ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَوْ تَفَاوَتَتِ الْعُقُولُ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ السَّفْسَطَةُ، إِذْ كَانَ يَتَّسِعُ لِبَعْضِ النَّاسِ إِذَا أُلْزِمَ أَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، أَوِ اسْتِحَالَةِ

стр. 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ، أَنْ يَقُولَ: أَنْتُمْ تُدْرِكُونَ ذَلِكَ وَأَنَا لَا أُدْرِكُهُ، وَلَمَّا رَأَيْنَا الْحُجَّةَ تَقُومُ مُطْلَقًا عَلَى عُمُومِ النَّاسِ، عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَى هَذِهِ الْقَضَايَا، عَلِمْنَا اسْتِوَاءَ النَّاسِ فِي الْعُقُولِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُجَّةَ قَوِيَّةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ مَوْرِدُهُ وَاحِدًا، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: طَبْعِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَفَاوَتُ فِي الْعُقَلَاءِ، وَكَسْبِيٌّ تَجْرِيبِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي يَتَفَاوَتُونَ فِيهِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ الْعَقْلَ الطَّبِيعِيَّ يَتَنَاهَى إِلَى سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَالتَّجْرِيبِيَّ لَا يَتَنَاهَى إِلَّا بِالْمَوْتِ. ثُمَّ الْعَقْلُ، تَارَةً يُصَدِّقُ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ طَرَفَيْ قَضِيَّتِهِ، كَقَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَهِيَ الْبَدِيهِيَّاتُ وَالضَّرُورِيَّاتُ، وَتَارَةً يَحْتَاجُ فِي التَّصْدِيقِ إِلَى وَاسِطَةِ النَّظَرِ، كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ مُحْدَثٌ، فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْوَاسِطَةِ، فَنَقُولُ: الْعَالَمُ مُؤَلَّفٌ، وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ، وَهِيَ النَّظَرِيَّاتُ، وَيَنْتَهِي إِلَى الضَّرُورِيَّاتِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِأَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ، وَصَدَّقَ بِأَنَّهُ مُؤَلَّفٌ، لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَهُ مُشَاهَدٌ، وَصَدَّقَ بِأَنَّ الْمُؤَلَّفَ مُحْدَثٌ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَيْضًا، إِذِ

стр. 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُحْدَثُ مَا لَهُ أَوَّلٌ، وَالْمُؤَلَّفُ مِنْ ضَرُورَتِهِ التَّأْلِيفُ، وَقَبْلَ تَأْلِيفِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤَلَّفًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ لَهُ أَوَّلٌ، فَيَكُونُ مُحْدَثًا. وَالْمُرَكَّبُ مِنَ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ، كَالْمُتَوَاتِرَاتِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ حِسِّ السَّمْعِ وَالْعِلْمِ بِالْعَقْلِ أَنَّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ عَادَةً، وَكَالتَّجْرِيبِيَّاتِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَالْعِلْمُ بِالْعَقْلِ أَنَّ الِاتِّفَاقَ لَا يَكُونُ مُطَّرِدًا وَلَا أَكْثَرِيًّا، وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الْقَضَايَا وَأَنْوَاعِهَا مَوْضِعُهُ كُتُبُ الْمَنْطِقِ. وَأَمَّا الظَّنُّ، فَهُوَ رُجْحَانُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: هُوَ الْحُكْمُ الرَّاجِحُ غَيْرُ الْجَازِمِ، وَسَنُدْرِجُهُ فِي تَقْسِيمٍ حَاصِرٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ، بَلْ وَبَعْضِ الْأُصُولِيَّةِ، كَقَوْلِنَا: الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ قَائِلَ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ بِهِ، بَلْ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ. وَأَمَّا الْمَعْرِفَةُ، فَقِيلَ: هِيَ الْعِلْمُ، لِمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ تَعْرِيفِ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَسْتَدْعِي سَابِقَةَ جَهْلٍ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ، وَلِهَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَارِئِ ﷻ ، فَلَا يُقَالُ: عَرَفَ اللَّهُ كَذَا، فَهُوَ عَارِفٌ، بِخِلَافِ عَلِمَ فَهُوَ عَالِمٌ، وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: غَيْرُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: حُكْمُ الْعَقْلِ بِأَمْرٍ عَلَى أَمْرٍ، إِمَّا جَازِمٌ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ، وَالْجَازِمُ إِمَّا غَيْرُ مُطَابِقٍ، وَهُوَ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ، أَوْ مُطَابِقٌ، وَهُوَ إِمَّا لِغَيْرِ مُوجِبٍ، وَهُوَ التَّقْلِيدُ، كَاعْتِقَادِ الْعَوَامِّ،

стр. 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَوْ لِمُوجِبٍ، وَهُوَ إِمَّا عَقْلٌ وَحْدَهُ أَوْ حِسٌّ أَوْ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا، فَالْعَقْلِيُّ إِنِ اسْتَغْنَى عَنِ الْكَسْبِ، فَهُوَ الْبَدِيهِيُّ، وَإِلَّا فَهُوَ النَّظَرِيُّ. وَالْحِسِّيُّ وَحْدَهُ: هُوَ الْمَحْسُوسَاتُ الْخَمْسُ، وَالْوِجْدَانِيَّاتُ مِنْهَا كَمَا سَبَقَ، أَوْ مُلْحَقَةٌ بِهَا لِاشْتِبَاهِهِمَا، إِذْ يُقَالُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَحْسَسْتُ بِكَذَا، وَأَنَا أُحِسُّ بِكَذَا. وَالْمُرَكَّبُ مِنَ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ: هُوَ الْقَضَايَا الْمُتَوَاتِرَاتُ وَالتَّجْرِيبِيَّاتُ وَالْحَدْسِيَّاتُ. وَأَمَّا الْحُكْمُ غَيْرُ الْجَازِمِ، فَإِنِ اسْتَوَى طَرَفَاهُ، أَيْ: تَرَدَّدَ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فَهُوَ شَكٌّ، وَإِلَّا، فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ ذِكْرُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ الْحُكْمُ الْجَازِمُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ، وَالْجَهْلُ الْبَسِيطُ هُوَ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ. فَإِذَا قِيلَ لِلْفَقِيهِ أَوْ غَيْرِهِ مَثَلًا: هَلْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ، كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا بَسِيطًا. وَلَوْ قَالَ: لَا يَجُوزُ، كَانَ جَهْلًا مُرَكَّبًا، لِأَنَّهُ تَرَكَّبَ مِنْ عَدَمِ الْفُتْيَا بِالْحُكْمِ الصَّحِيحِ، وَمِنَ الْفُتْيَا بِالْحُكْمِ الْبَاطِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 125

الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّكْلِيفِ وَهُوَ لُغَةً: إِلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، أَيْ مَشَقَّةٌ. وَشَرْعًا: قِيلَ: الْخِطَابُ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ. إِلَّا أَنْ نَقُولَ: الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ، فَتَرِدُ عَلَيْهِ طَرْدًا وَعَكْسًا. فَهُوَ إِذَنْ إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ. وَلَهُ شُرُوطٌ، يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِالْمُكَلَّفِ، وَبَعْضُهَا بِالْمُكَلَّفِ بِهِ. ــ قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: «الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّكْلِيفِ. وَهُوَ لُغَةً» ، أَيْ: فِي اللُّغَةِ «إِلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ أَيْ: مَشَقَّةٌ» . قُلْتُ: إِلْزَامُ الشَّيْءِ وَالْإِلْزَامُ بِهِ: هُوَ تَصْيِيرُهُ لَازِمًا لِغَيْرِهِ، لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ مُطْلَقًا أَوْ وَقْتًا مَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْكُلْفَةُ مَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ نَائِبَةٍ أَوْ حَقٍّ، وَكَلَّفَهُ تَكْلِيفًا: إِذَا أَمَرَهُ بِمَا يَشُقُّ. قُلْتُ: هَذَا تَعْرِيفٌ لُغَوِيٌّ بِنَاءً عَلَى مَا اشْتُهِرَ مِنْ حَقِيقَةِ الْكُلْفَةِ، وَتَعْرِيفُهَا الصِّنَاعِيُّ قَدْ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: كَلَّفَهُ، أَيْ: أَمَرَهُ بِمَا يَشُقُّ، فَهِيَ إِذًا كَمَا قُلْنَاهُ: إِلْزَامُ مَا يَشُقُّ. وَالشِّقُّ وَالْمَشَقَّةُ وَاحِدٌ، وَهُوَ لُحُوقُ مَا يُسْتَصْعَبُ بِالنَّفْسِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ

стр. 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَعَالَى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النَّحْلِ: ٧] . وَأَنْشَدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مُسْتَشْهِدًا عَلَى التَّكْلِيفِ قَوْلَ الْخَنْسَاءِ فِي أَخِيهَا صَخْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ: يُكَلِّفُهُ الْقَوْمُ مَا نَابَهُمْ ... وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهُمْ مَوْلِدَا أَيْ: يُلْزِمُونَهُ ذَلِكَ بِحُكْمِ رِئَاسَتِهِ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا» أَيْ: وَالتَّكْلِيفُ شَرْعًا، أَيْ: فِي الشَّرْعِ، «قِيلَ: الْخِطَابُ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ» . هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا قُلْتُ فِيهِ: قِيلَ، لِمَا ذَكَرْتَهُ بَعْدُ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإِنَّهُ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ مَنْقُوضًا. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» أَيْ تَعْرِيفُ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ «صَحِيحٌ، إِلَّا أَنْ نَقُولَ: الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ، فَتَرِدُ عَلَيْهِ» يَعْنِي: تَرِدُ الْإِبَاحَةُ عَلَى تَعْرِيفِ التَّكْلِيفِ الْمَذْكُورِ «طَرْدًا وَعَكْسًا» أَيْ: مِنْ جِهَةِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ. قُلْتُ: قَدِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْإِبَاحَةِ، هَلْ هِيَ تَكْلِيفٌ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ تَكْلِيفًا، صَحَّ تَعْرِيفُ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ، فَيَكُونُ كُلُّ تَكْلِيفٍ خِطَابًا بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، وَكُلُّ خِطَابٍ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ تَكْلِيفًا. وَإِنْ قُلْنَا: الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ، انْتَقَضَ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ بِهَا مِنْ جِهَةِ الطَّرْدِ، وَهُوَ وُجُودُ الْحَدِّ بِدُونِ الْمَحْدُودِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّمَا وُجِدَ الْخِطَابُ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، وُجِدَ التَّكْلِيفُ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣١] ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٣] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢] ، وَنَحْوُهُ مِنَ

стр. 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُبَاحَاتِ، خِطَابٌ بِأَمْرٍ، وَلَيْسَ تَكْلِيفًا. وَكَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْعَكْسِ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْمَحْدُودِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّمَا انْتَفَى الْخِطَابُ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، انْتَفَى التَّكْلِيفُ، لِأَنَّ الْخِطَابَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ قَدْ يَنْتَفِي، وَيَكُونُ التَّكْلِيفُ مَوْجُودًا فِي الْمُبَاحَاتِ، إِذْ حَقِيقَةُ الْإِبَاحَةِ، التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ، نَحْوَ إِنْ شِئْتَ فَافْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ لَا تَفْعَلْ. وَحَقِيقَةُ التَّخْيِيرِ، غَيْرُ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. فَإِذَا قُلْنَا: الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ، فَقَدْ صَحَّ وُجُودُ التَّكْلِيفِ مَعَ انْتِفَاءِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. تَنْبِيهٌ: اطِّرَادُ الْحَدِّ، كَوْنُهُ جَامِعًا لِأَجْزَاءِ الْمَحْدُودِ، وَانْعِكَاسُهُ، كَوْنُهُ مَانِعًا. فَمَعْنَى كَوْنِهِ مُطَّرِدًا مُنْعَكِسًا، هُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ جَامِعًا مَانِعًا. فَإِذَا قُلْنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، هُوَ مُطَّرِدٌ، لِأَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ، وُجِدَ الْإِنْسَانُ، وَمُنْعَكِسٌ، لِأَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ، انْتَفَى الْإِنْسَانُ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: هُوَ جَامِعٌ، لِأَنَّهُ جَمَعَ أَجْزَاءَ نَوْعِ الْإِنْسَانِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ مَانِعٌ، لِأَنَّهُ مَنَعَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ. وَالِاطِّرَادُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّرْدِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: طَرَدْتُ الْإِبِلَ طَرْدًا وَطَرَدًا، أَيْ: ضَمَمْتُهَا مِنْ نَوَاحِيهَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: اطَّرَدَ الْأَمْرُ، أَيِ: اسْتَقَامَ، وَاطَّرَدَ الشَّيْءُ: تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي اطِّرَادِ الْحَدِّ، لِأَنَّهُ يَضُمُّ أَجْزَاءَ الْمَحْدُودِ وَيَجْمَعُهَا، وَيَتْبَعُ الْمَحْدُودَ، بِحَيْثُ يُوجَدُ حَيْثُ وُجِدَ، وَيَسْتَقِيمُ بِذَلِكَ وَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الِانْعِكَاسُ: فَهُوَ انْفِعَالٌ مِنَ الْعَكْسِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ رَدُّكَ آخِرَ الشَّيْءِ إِلَى أَوَّلِهِ، وَالْعَكْسُ فِي الِاصْطِلَاحِ، أَعَمُّ مِنْ هَذَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَنَا: إِذَا وُجِدَ وُجِدَ. قُلْتُ: وَإِذَا انْتَفَى، فِيهِ مَعْنَى الْعَكْسِ، لِأَنَّ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، وَالْإِثْبَاتَ

стр. 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالنَّفْيَ مُتَقَابِلَانِ تَقَابُلَ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «فَهُوَ إِذًا» أَيْ: فَالتَّكْلِيفُ إِذًا «إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ» ، أَيْ حَيْثُ قُلْنَا: الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ، وَوَرَدَتْ نَقْضًا عَلَى حَدِّ التَّكْلِيفِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ. فَحَدُّهُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَنْتَقِضُ بِالْإِبَاحَةِ، هُوَ قَوْلُنَا: إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْإِبَاحَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنْ شِئْتَ افْعَلْ وَإِنْ شِئْتَ لَا تَفْعَلْ، لِأَنَّهَا خِطَابُ الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ خِطَابُ الشَّرْعِ. فَالتَّكْلِيفُ: إِلْزَامُ مُقْتَضَى هَذَا الْخِطَابِ، وَهُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: الْوُجُوبُ، وَالنَّدْبُ الْحَاصِلَيْنِ عَنِ الْأَمْرِ، وَالْحَظْرُ وَالْكَرَاهَةُ الْحَاصِلَيْنِ عَنِ النَّهْيِ، وَالْإِبَاحَةُ الْحَاصِلَةُ عَنِ التَّخْيِيرِ، كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ لَا يَلْزَمُ، قُلْنَا: يَأْتِي جَوَابُ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَلَهُ شُرُوطٌ» أَيْ: لِلتَّكْلِيفِ شُرُوطٌ «يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِالْمُكَلَّفِ» وَهُوَ الْعَاقِلُ الْمُخَاطَبُ، «وَبَعْضُهَا بِالْمُكَلَّفِ بِهِ» وَهُوَ الْفِعْلُ الْمُسْتَدْعَى بِالْخِطَابِ.

стр. 129

أَمَّا الْأَوَّلُ، فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: مِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ: الْعَقْلُ، وَفَهْمُ الْخِطَابِ. فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، لِعَدَمِ الْمُصَحِّحِ لِلِامْتِثَالِ مِنْهُمَا، وَهُوَ قَصْدُ الطَّاعَةِ. وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَاتِ فِي مَالَيْهِمَا، غَيْرُ وَارِدٍ، إِذْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ، كَوُجُوبِ الضَّمَانِ بِبَعْضِ أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ. ــ قَوْلُهُ: «أَمَّا الْأَوَّلُ» يَعْنِي الْمُتَعَلِّقَ مِنَ الشُّرُوطِ بِالْمُكَلَّفِ «فَفِيهِ مَسَائِلُ» : «الْأُولَى: مِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ الْعَقْلُ وَفَهْمُ الْخِطَابِ» ، أَيْ: يَكُونُ عَاقِلًا يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَقْلِ فَهْمُ الْخِطَابِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ، كَالصَّبِيِّ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْعُقَلَاءِ مُطْلَقًا، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَهُمَا لَا يَفْهَمَانِ. قَوْلُهُ: «فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ» هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ، فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ، لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ، وَلَا مَجْنُونٍ، لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لِعَدَمِ الْمُصَحِّحِ لِلِامْتِثَالِ مِنْهُمَا، وَهُوَ قَصْدُ الطَّاعَةِ» . أَيْ: إِنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ: الِامْتِثَالُ، وَهُوَ قَصْدُ الطَّاعَةِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيِّ تَحْقِيقًا لِامْتِحَانِ الْمُكَلَّفِ، كَمَا قَالَ : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُودٍ: ٧] . وَشَرْطُ كَوْنِ الِامْتِثَالِ طَاعَةً، قَصْدُهَا لِلَّهِ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَهَذَا الْقَصْدُ، هُوَ الْمُصَحِّحُ لِكَوْنِ الِامْتِثَالِ طَاعَةً، وَهُوَ

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَفْقُودٌ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَفْهَمَانِ، وَمَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ، لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ قَصْدُ مُقْتَضَاهُ. قَوْلُهُ: «وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَاتِ فِي مَالِهِمَا، غَيْرُ وَارِدٍ، إِذْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ، كَوُجُوبِ الضَّمَانِ بِبَعْضِ أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ» . هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ، إِذَا كَانَا غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ فَلِمَ أَوْجَبْتُمُ الزَّكَاةَ، وَغَرَامَةَ مَا أَتْلَفَاهُ فِي مَالِهِمَا؟ وَالزَّكَاةُ وَالْغَرَامَاتُ إِنَّمَا ثَبَتَا بِخِطَابِ الشَّرْعِ، وَقَدْ ثَبَتَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا مُخَاطَبَيْنِ. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَاتِ فِي مَالِهِمَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ الْخِطَابِيِّ لَهُمَا، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا، كَمَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ إِذَا أَتْلَفَتْ زَرْعًا بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الضَّمَانِ بِأَفْعَالِ الْبَهَائِمِ، ضَمِنَ صَاحِبُهَا، مَعَ أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً، وَلَا مُكَلَّفَةً بِالْإِجْمَاعِ. وَمَعْنَى رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ: أَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ أَسْبَابًا تَقْتَضِي أَحْكَامًا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ فِي خَلْقِهِ، وَلِمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِمْ تَفَضُّلًا مِنْهُ، لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَكْلِيفٌ وَلَا عِلْمٌ، حَتَّى كَأَنَّ الشَّرْعَ قَالَ: إِذَا وَقَعَ الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ فِي الْوُجُودِ، فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْتُ بِكَذَا، كَالْمَوْتِ مَثَلًا، إِذْ هُوَ سَبَبُ انْتِقَالِ مَالِ الْمَيِّتِ إِلَى وَارِثِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَاقِلًا أَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ، عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ، مُخْتَارًا أَوْ غَيْرَ مُخْتَارٍ، فَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَيْهِ قَهْرًا حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، لَهُ عِتْقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ يَعْتَقِدُ حَيَاتَهُ، فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَيْعِ مَيِّتًا، صَحَّ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ حَوَلَانُ الْحَوْلِ عَلَى

стр. 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللُّقَطَةِ إِذَا عُرِّفَتْ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا قَهْرًا، وَتَنَصُّفُ الْمَهْرِ بَعْدَ قَبْضِ الزَّوْجَةِ لَهُ، سَبَبٌ لِمِلْكِ الزَّوْجِ لِنِصْفِهِ قَهْرًا، كَالْإِرْثِ، إِذْ لَوْ كَانَ الصَّدَاقُ بَاقِيًا نَصَّفْتَهُ عَلَى خِلَافٍ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. وَشِرَاءُ الْمُضَارِبِ زَوْجَةَ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ، سَبَبٌ لِفَسْخِ النِّكَاحِ وَالْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ. وَإِحْبَالُ الْأَمَةِ سَبَبٌ لِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَجْنُونًا. وَإِعْسَارُ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ، سَبَبٌ لِفَسْخِ النِّكَاحِ، حَيْثُ يُقَالُ بِهِ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا. وَهُوَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، الْآتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ مَالُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَضَعَهُ الشَّرْعُ سَبَبًا لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ، وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ الْوَلِيُّ. وَكَذَلِكَ إِتْلَافَاتُهُمَا سَبَبٌ لِتَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِمَالِهِمَا، وَإِتْلَافُ الْبَهِيمَةِ لِمَا أَتْلَفَتْهُ سَبَبٌ لِضَمَانِ مَالِكِهَا، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ. تَنْبِيهٌ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، هُوَ تَرَدُّدُ الزَّكَاةِ بَيْنَ كَوْنِهَا عِبَادَةً، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا، كَالصَّلَاةِ، أَوْ مُؤْنَةً مَالِيَّةً، فَتَجِبُ فِي مَالِهِمَا، كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهَا الشَّائِبَتَيْنِ، أَمَّا شَائِبَةُ الْعِبَادَةِ، فَبِدَلِيلِ أَنَّ النِّيَّةَ تَجِبُ فِيهَا،

стр. 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَتَّى لَوْ أُخْرِجَتْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ، لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ، وَإِذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ قَهْرًا مِنَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا، أَجْزَأَتْ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا ثَانِيًا، لَا بِمَعْنَى بَرَاءَةِ عُهْدَتِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا شَائِبَةُ النَّفَقَةِ الْمَالِيَّةِ، فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَصْرِفَهَا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَصْنَافِ، فَكَأَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ نَفَقَةَ الْفُقَرَاءِ بِقَرَابَةِ الْإِسْلَامِ، فَلِلَّهِ فِي الزَّكَاةِ حِكْمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: فِي مَصْدَرِهَا، وَهُمُ الْأَغْنِيَاءُ، بِالِابْتِلَاءِ بِبَذْلِ الْمَالِ الْمَحْبُوبِ فِي طَاعَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ. وَالثَّانِيَةُ: فِي مَوْرِدِهَا، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ، بِإِقَامَةِ أَوَدِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْأَغْنِيَاءِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: الْفُقَرَاءُ عِيَالُ الْأَغْنِيَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ كِفَايَتَهُمْ فِي مَالِ الْأَغْنِيَاءِ، لَكِنَّ الْأَغْنِيَاءَ ضَيَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ، إِمَّا بِمَنْعِ مَا يَجِبُ، أَوْ بِأَخْذِ مَا لَا يُسْتَحَقُّ. وَإِذَا ثَبَتَ تَرَدُّدُ الزَّكَاةِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالنَّفَقَةِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ غَلَّبَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَغَيْرُهُ غَلَّبَ مَعْنَى النَّفَقَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، لِأَنَّا نَقُولُ: بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِي نَظَرِ

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّارِعِ فِيهَا الْعِبَادَةَ، يَتَضَرَّرُ الصَّبِيُّ بِإِيجَابِهَا فِي مَالِهِ، إِذْ يُوجِبُ فِي مَالِهِ مَالٌ لَا يَلْزَمُهُ. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهَا النَّفَقَةَ، يَتَضَرَّرُ الْفُقَرَاءُ بِمَنْعِهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَإِذَا تَعَارَضَ الضَّرَرُ، فَمُرَاعَاةُ جَانِبِ الْفُقَرَاءِ أَوْلَى، لِأَنَّ مَا يَأْخُذُونَهُ جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنَ الْمَالِ، وَالْبَاقِي أَكْثَرُ، وَقَدْ رَاعَى الْعُلَمَاءُ جَانِبَهُمْ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ بَابِ الزَّكَاةِ، كَضَمِّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ مِنَ الْمَالِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وَفِي الْإِخْرَاجِ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَفِي تَقْوِيمِ الْعُرُوضِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لَهُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا وُجُوبُ الضَّمَانِ بِإِتْلَافِهِمَا، وَإِتْلَافِ كُلِّ مُخْطِئٍ، وَإِتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلْأَمْوَالِ، فَأَصْلُهُ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالتَّكْلِيفِ وَالْعَدْلِ، وَبَابُهُمَا مُخْتَلِفٌ، كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» . وَمِنَ الْعَدْلِ، أَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ الْمَالِيَّةُ هَدْرًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لِمَا عُلِمَ مِنْ وَضْعِ أَمْرِهِمْ عَلَى الْفَقْرِ، وَالْحَاجَةِ إِلَى قِوَامِ الْمَعَاشِ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ سَبَبًا لِاسْتِدْرَاكِ الضَّرَرِ الْمَالِيِّ، وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ. فَإِنْ قِيلَ: الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ، أَنَّ الْعُقُوبَاتِ لَا تُنَاسِبُ إِلَّا مَنْ قَصَدَ انْتِهَاكَ الْمَحَارِمِ، وَالْمُخْطِئُ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَنْتَهِكْ حُرْمَةً حَتَّى يُعَاقَبَ عَلَيْهَا بِالْغَرَامَةِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ، لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ زَاجِرٌ، وَالضَّمَانُ جَابِرٌ، وَلِهَذَا لَمْ تَتَدَاخَلْ، بِخِلَافِ بَعْضِ الزَّوَاجِرِ، كَالْحُدُودِ، فَإِنَّهَا تَتَدَاخَلُ، فَعَلَى هَذَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ، زَاجِرٌ تَرَتَّبَ عَلَى خِطَابٍ تَكْلِيفِيٍّ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ فِي

стр. 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْخَطَأِ، جَابِرٌ تَرَتَّبَ عَلَى خِطَابٍ وَضْعِيٍّ سَبَبِيٍّ، وَكَذَلِكَ الْحَدُّ عَلَى الزِّنَى بِالْمُكْرَهَةِ، زَاجِرٌ، وَوُجُوبُ الْمَهْرِ لَهَا وَلِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ جَابِرٌ، وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ. الثَّانِي: لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الضَّمَانَ عُقُوبَةٌ، وَأَنَّ عَدَمَ انْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ يَقْتَضِي دَفْعَهَا، غَيْرَ أَنَّ هَذَا يُعَارِضُهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ مِنْ تَضَرُّرِ الْإِنْسَانِ، لِفَوَاتِ عَيْنِ مَالِهِ، فَرَجَّحَ الشَّارِعُ هَذَا الْمُعَارِضَ، وَتَرَكَ لَهُ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي بَابِ الْعُقُوبَاتِ، وَجَعَلَهُ عَدْلًا عَامًّا بَيْنَ الْخَلْقِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ تَارَةً يَكُونُ مُتْلِفًا، فَيَضْمَنُ، وَتَارَةً يَكُونُ مُتْلَفًا لَهُ، فَيَأْخُذُ، وَتَارَةً تُتْلِفُ دَابَّتُهُ مَالَ غَيْرِهِ فَيَضْمَنُ لَهُ، وَتَارَةً تُتْلِفُ دَابَّةُ غَيْرِهِ مَالَهُ فَيُضْمَنُهُ، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ حُقُوقِ النَّاسِ، لِمُرَاعَاةِ قَاعِدَةٍ مُنَاسِبَةٍ لَا يَضُرُّ انْخِرَامُهَا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ.

стр. 135

وَفِي تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ ، قَوْلَانِ: الْإِثْبَاتُ، لِفَهْمِهِ الْخِطَابَ. وَالْأَظْهَرُ النَّفْيُ، إِذْ أَوَّلُ وَقْتٍ يَفْهَمُ فِيهِ الْخِطَابَ، غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَنُصِبَ لَهُ عَلَمٌ ظَاهِرٌ يُكَلَّفُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْبُلُوغُ. وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِ، وَصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ وَعِتْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَطَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ وَنَحْوِهَا، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. ــ قَوْلُهُ: «وَفِي تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ، قَوْلَانِ» عَنْ أَحْمَدَ: «الْإِثْبَاتُ» أَيْ: أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، إِثْبَاتُ تَكْلِيفِهِ، لِأَنَّهُ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُمَيِّزًا، لِأَنَّهُ يُمَيِّزُ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، خَيْرًا وَشَرًّا، وَجَيِّدًا وَرَدِيئًا. وَالتَّمْيِيزُ: التَّخْلِيصُ وَالتَّفْصِيلُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي «اللُّمَعِ» : التَّمْيِيزُ: تَخْلِيصُ الْأَجْنَاسِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَيُقَالُ: مَيَّزْتُ هَذَا مِنْ هَذَا، أَيْ: أَفْرَزْتُهُ عَنْهُ، وَفَصَلْتُهُ مِنْهُ، فَإِذَا فَهِمَ الْمُمَيِّزُ الْخِطَابَ، كَانَ مُكَلَّفًا، كَالْبَالِغِ. «وَالْأَظْهَرُ» يَعْنِي مِنَ الْقَوْلَيْنِ، «النَّفْيُ» يَعْنِي: نَفْيَ تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ، «إِذْ أَوَّلُ وَقْتٍ يَفْهَمُ فِيهِ الْخِطَابَ، غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَنُصِبَ لَهُ عَلَمٌ ظَاهِرٌ يُكَلَّفُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْبُلُوغُ» . قُلْتُ: هَذَا تَوْجِيهٌ ظَاهِرٌ، وَأَزِيدُهُ كَشْفًا بِأَنْ نَقُولَ: الْعَقْلُ قُوَّةٌ غَرِيزِيَّةٌ، يُدْرَكُ بِهَا الْكُلِّيَّاتُ وَغَيْرُهَا، وَهُوَ يُوجَدُ بِوُجُودِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ يَتَزَايَدُ بِتَزَايُدِ الْبَدَنِ تَزَايُدًا تَدْرِيجِيًّا خَفِيًّا عَنِ الْحِسِّ، كَتَزَايُدِ الْأَجْسَامِ النَّبَاتِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ فِي النَّمَاءِ، وَضَوْءُ الصُّبْحِ، وَظِلُّ الشَّمْسِ، وَنَحْوُهَا مِنَ الْمُتَزَايِدَاتِ الْخَفِيَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى أَوَّلِ

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقْتٍ يُفْهَمُ فِيهِ الْخِطَابُ، فَجَعَلَ الشَّرْعُ بُلُوغَهُ عَلَمًا ظَاهِرًا عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّكْلِيفِ، وَضَابِطًا لَهُ. وَعَلَامَاتُ الْبُلُوغِ: الِاحْتِلَامُ، أَوِ الْإِنْبَاتُ، أَوِ اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَمَا ذُكِرَ فِي الْفِقْهِ، يَعْنِي مِنْ أَحْكَامِهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. قَوْلُهُ: «وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِ، وَصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ وَعِتْقِهِ، وَتَدْبِيرِهِ وَطَلَاقِهِ، وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ، وَنَحْوِهَا» يَعْنِي: مِنْ أَحْكَامِهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا «مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ» ، أَيْ: عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ، أَوْ لَا. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ عَلَى تَفَاصِيلَ ذُكِرَتْ فِي الْفِقْهِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ، أَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، فَقَدْ تَبِعَتِ الْفُرُوعُ أَصْلَهَا وَلَا كَلَامَ، وَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ مِنْهَا، مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ، كَمَا سَبَقَ فِي الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَةِ فِي مَالِهِ.

стр. 137

الثَّانِيَةُ: لَا تَكْلِيفَ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، لِعَدَمِ الْفَهْمِ. وَمَا ثَبَتَ مِنْ أَحْكَامِهِمْ، كَغَرَامَةٍ، وَنُفُوذِ طَلَاقٍ، فَسَبَبِيٌّ، كَمَا سَبَقَ. فَأَمَّا ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ، إِمَّا عَلَى مَعْنَى: لَا تَسْكَرُوا ثُمَّ تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ، أَوْ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَبَادِي النَّشَاطِ وَالطَّرَبِ وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. ــ تَكْلِيفُ النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ: قَوْلُهُ: «الثَّانِيَةُ» ، أَيِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ، «لَا تَكْلِيفَ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، لِعَدَمِ الْفَهْمِ» يَعْنِي: لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِلْخِطَابِ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِجَامِعِ عَدَمِ الْفَهْمِ، وَإِنِ افْتَرَقُوا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، مِثْلُ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ، لَا يَسْتَدْرِكَانِ مَا تَرَكَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، فَإِنَّهُمْ يَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ مِنْهَا، لَسَبْقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ. تَنْبِيهٌ: عَدَمُ الْفَهْمِ فِي هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ مُخْتَلِفٌ، فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، لَا يُدْرِكَانِ مَعْنَى كَلَامِ الشَّرْعِ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَبِالْأَصَالَةِ، لِأَنَّ عَقْلَهُ الَّذِي يَفْهَمُ ذَلِكَ بِهِ لَمْ يَكْمُلْ بِحَيْثُ يَقْوَى عَلَى الْإِدْرَاكِ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ، فَبِعَارِضٍ قَوِيٍّ قَهْرِيٍّ، وَهُوَ الْجُنُونُ، وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ، عَدَمُ فَهْمِهِ لِعَارِضٍ، لَكِنَّهُ اخْتِيَارِيٌّ، فَلِذَلِكَ اخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، هَلْ هُوَ كَالصَّاحِي أَوْ كَالْمَجْنُونِ؟ وَالنَّائِمُ، عَدَمُ فَهْمِهِ لِعَارِضٍ طَبِيعِيٍّ، وَهُوَ النَّوْمُ، أَمَّا النَّاسِي، فَيُخَالِفُ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ فِي السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ، أَمَّا السَّبَبُ، فَلِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ فَهْمِهِ عَارِضٌ ضَرُورِيٌّ خَفِيفٌ أَخَفُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ، لِأَنَّهُ يُذَكَّرُ بِكَلِمَةٍ، فَيَذَّكَّرُ، بِخِلَافِ النَّائِمِ وَالسَّكْرَانِ. وَأَمَّا فِي الْمُسَبَّبِ - وَهُوَ عَدَمُ الْفَهْمِ -

стр. 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي غَيْرِهِ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ، بِحَيْثُ لَوْ خُوطِبَ أَحَدُهُمْ بِخِطَابِ الشَّرْعِ لَمْ يَفْهَمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي النَّاسِي، انْقِطَاعُ اتِّصَالِ ذِكْرِهِ لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ، بِحَيْثُ لَوْ سَهَا عَنِ الصَّلَاةِ، فَقِيلَ لَهُ: صَلِّ، أَوْ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَنَحْوُهُ، سَمِعَ وَفَهِمَ وَتَذَكَّرَ، وَهَذَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمُسْقِطَاتِ لِلتَّكْلِيفِ، وَهُوَ الْكَافِي مِنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ شَرْطَ تَوْجِيهِ التَّكْلِيفِ، ذِكْرُ الْإِنْسَانِ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا. وَشَرْطُ الشَّيْءِ، يَجِبُ دَوَامُهُ وَاتِّصَالُهُ، كَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ، فَمَتَى انْقَطَعَ اتِّصَالُهُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، زَالَ التَّكْلِيفُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، كَمَا لَوِ انْقَطَعَتْ نِيَّةُ الْوُضُوءِ أَوِ الصَّلَاةِ أَوِ الصَّوْمِ فِي أَثْنَائِهَا، أَوْ زَالَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّهْنِ فِي وَقْتٍ مَا، زَالَ لُزُومُهُ الَّذِي الْقَبْضُ شَرْطٌ لَهُ. فَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: هَؤُلَاءِ لَا يُكَلَّفُونَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ، فَهُوَ مُلَاحَظَةٌ لِأَمْرٍ تَقْدِيرِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ خِطَابَ الشَّارِعِ فِي تَقْدِيرِ التَّجَدُّدِ عِنْدَ بُلُوغِ كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَعِنْدَ تَكْلِيفِهِ بِكُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، لِأَنَّ أَسْبَابَ الْأَحْكَامِ الْمُتَكَرِّرَةِ هِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْخِطَابِ بِمُسَبَّبَاتِهَا، عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ، وَسَنُقَرِّرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَالْمُكَلَّفُ كُلَّ يَوْمٍ، هُوَ مُخَاطَبٌ فِي التَّقْدِيرِ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ. عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا بِخِطَابٍ مُقَدَّرٍ مُتَجَدِّدٍ، وَالْأُمُورُ التَّقْدِيرِيَّةُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، قَالُوا: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَفْهَمُونَ الْخِطَابَ، أَيْ: لَوْ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ الْمُقَدَّرَ خُوطِبُوا بِهِ الْآنَ تَحْقِيقًا، لَمْ يَفْهَمُوهُ، إِلَّا النَّاسِيَ بِوَاسِطَةِ التَّذَكُّرِ كَمَا بَيَّنَّاهُ. قَوْلُهُ: «وَمَا ثَبَتَ مِنْ أَحْكَامِهِمْ» يَعْنِي: أَحْكَامَ النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ، «كَغَرَامَةٍ، وَنُفُوذِ طَلَاقٍ، فَسَبَبِيٌّ» .

стр. 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مُكَلَّفِينَ، لَمَا ثَبَتَتْ أَحْكَامُهُمْ، كَالْغَرَامَاتِ عَنِ الْجِنَايَاتِ، كَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى مَالٍ فَيُتْلِفُهُ، أَوْ إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ، وَنُفُوذُ الطَّلَاقِ، وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ فِي حَقِّهِمْ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ، بَلْ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ، «كَمَا سَبَقَ» فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: الْغَرَامَةُ لَازِمَةٌ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فِيمَا جَنَوْهُ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَفِيمَا يُوجِبُهَا، كَقَتْلِ الْخَطَأِ، تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ كَمَا سَبَقَ. أَمَّا الطَّلَاقُ، فَلَا يَقَعُ مِنَ النَّائِمِ، لِأَنَّ شَرْطَهُ قَصْدُ الْإِيقَاعِ، وَلَا قَصْدَ لِلنَّائِمِ، بَلْ كَلَامُهُ فِي مَنَامِهِ، كَكَلَامِ الْمُبَرْسَمِ فِي بِرْسَامِهِ. أَمَّا النَّاسِي وَالسَّكْرَانُ، فَفِي طَلَاقِهِمَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي النَّاسِي قَوْلَانِ، وَفِي السَّكْرَانِ أَقْوَالٌ، ثَالِثُهَا الْوَقْفُ، وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِيهِمَا، الْوُقُوعُ، وَالْأَشْبَهُ عَدَمُهُ، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ، وَلَا عِبَادَةَ لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ. فَإِنْ جَعَلُوا الْوُقُوعَ فِيهِمَا سَبَبًا، عَارَضَهُمْ فِي النَّاسِي قَوْلُهُ ﵇: عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَفِي السَّكْرَانِ - حَيْثُ قَالُوا: يَقَعُ طَلَاقُهُ عُقُوبَةً لَهُ، لِأَنَّهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ حَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ - أَنَّهُمْ قَدْ عَاقَبُوهُ بِإِيجَابِ الْحَدِّ فِي الدُّنْيَا، وَجَعْلِهِ مِنْ

стр. 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَهْلِ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْجِنَايَةُ شَرْعًا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عُقُوبَتَانِ. وَقَوْلُنَا: مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، احْتِرَازٌ مِنْ قَتْلِ الْمُحْرِمِ صَيْدًا مَمْلُوكًا، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، لِحَقِّ اللَّهِ ، وَالْقِيمَةُ لِحَقِّ الْمَالِكِ، فَهُمَا جِهَتَانِ. قَوْلُهُ: «فَأَمَّا ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ » [النِّسَاءِ: ٤٣] ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: إِنَّ قَوْلَكُمْ: إِنَّ السَّكْرَانَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] وَهُوَ خِطَابٌ لِلسُّكَارَى، وَلَا يُخَاطِبُ الشَّارِعُ إِلَّا مُكَلَّفًا، فَالسَّكْرَانُ مُكَلَّفٌ، وَجَوَابُهُ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، تَأْوِيلُهَا وَاجِبٌ، وَلَهَا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: «لَا تَسْكَرُوا ثُمَّ تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ» ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] ، أَيِ: اسْتَمِرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَوْتُ، وَقَوْلُنَا: لَا تَقْرَبِ التَّهَجُّدَ وَأَنْتَ شَبْعَانُ، أَيِ: اسْتَمِرَّ عَلَى خِفَّةِ الْبَدَنِ، حَتَّى تَقُومَ لِلتَّهَجُّدِ، فَكَذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ: اسْتَمِرُّوا عَلَى الصَّحْوِ حَتَّى تَدْخُلُوا الصَّلَاةَ، وَتَفْرَغُوا مِنْهَا، وَلَا تَدْخُلُوهَا سُكَارَى، فَتَضْطَرِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاتُكُمْ. وَحَاصِلُ هَذَا، أَنَّهُمْ خُوطِبُوا فِي حَالِ الصَّحْوِ، بِأَنْ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ سُكَارَى، لَا أَنَّهُمْ خُوطِبُوا حَالَ السُّكْرِ، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْآيَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَنْتُمْ سُكَارَى، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَيْ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَقْرَبُوا، فَالسُّكْرُ مُتَعَلِّقٌ بِقُرْبَانِ الصَّلَاةِ، لَا بِخِطَابِ اللَّهِ لِلْمُصَلِّينَ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنْتُمْ سُكَارَى - أَيْ أَدْعُوكُمْ وَأُخَاطِبُكُمْ وَأَنْتُمْ سُكَارَى - لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ خِلَافُ ذَلِكَ ظَاهِرَ الْكَلَامِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ خِلَافَ صَرِيحِهِ وَنَصِّهِ الْقَاطِعِ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَنْبَغِي أَنَّ يُسَمَّى هَذَا الْوَجْهُ تَأْوِيلًا، بَلْ هُوَ مَنْعٌ. وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ لِلسُّكَارَى، بَلْ لِلصُّحَاةِ، بِأَنْ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ سُكَارَى، وَفِي حَالِ السُّكْرِ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْخِطَابُ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ خِطَابٌ لِلسُّكَارَى، فَالْمُرَادُ مِنْهُمْ «مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَبَادِي النَّشَاطِ وَالطَّرَبِ، وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ» ، وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الثَّانِي «جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ» . أَيْ: يَجِبُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعًا، أَيْ: لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي أَشْعَرَتْ بِخِطَابِ السَّكْرَانِ، وَعَدَمِ الْفَهْمِ، الَّذِي دَلَّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ خِطَابِهِ، وَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ وَحَمْلُهَا عَلَى مَا يُوَافِقُهُ مُتَعَيِّنًا لِتَعَذُّرِ الْعَكْسِ، إِذِ الْقَاطِعُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي جَوَابِ الْآيَةِ، كَانَ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَتِ الْخَمْرُ مُبَاحَةً، أَمَّا الْآنَ، فَقَدْ حُرِّمَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسُّكْرُ مِنْهَا وَمَبَادِيهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا مَعَ وُضُوحِهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ النَّشْأَةِ، حَيْثُ يَرَى النَّاسَ يَتَأَوَّلُونَهَا عَلَى مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ مَبَادِي النَّشَاطِ وَالطَّرَبِ، فَيَظُنُّ ذَلِكَ مُبَاحًا أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَ أَنَّ دَاوُدَ الظَّاهِرِيَّ يَقُولُ بِطَهَارَتِهَا، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُتَكَلِّمِينَ

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَرَى إِبَاحَتَهَا، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ «مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ» ، فَتَقْوَى الشُّبْهَةُ فِي نَفْسِهِ. وَالنَّشَاطُ: خِفَّةٌ فِي الْبَدَنِ تَكُونُ عِنْدَ سُرُورِ النَّفْسِ وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ. وَالطَّرَبُ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ خِفَّةٌ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ، لِشِدَّةِ حُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ. قُلْتُ: وَهُوَ فِي عُرْفِ الْعَامَّةِ مُخْتَصٌّ بِمَا كَانَ عَنْ سُرُورٍ، وَهُوَ مِمَّا حَرَّفُوهُ، وَكَانَ عَامًّا فَخَصُّوهُ، كَالْمَأْتَمِ: هُوَ اسْمٌ لِجَمْعِ النِّسَاءِ، فِي فَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ، فَخَصُّوهُ بِالْحُزْنِ.

стр. 143

الثَّالِثَةُ: الْمُكْرَهُ، قِيلَ: إِنْ بَلَغَ بِهِ الْإِكْرَاهُ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ مُكَلَّفٌ مُطْلَقًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا: عَاقِلٌ قَادِرٌ يَفْهَمُ، فَكُلِّفَ كَغَيْرِهِ. وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، أَوِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى، قِيلَ: أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ. ثُمَّ إِنْ قَصَدَ التَّقِيَّةِ كَانَ عَاصِيًا، وَإِلَّا كَانَ مُطِيعًا. ــ قَوْلُهُ: «الثَّالِثَةُ» ، أَيِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ «الْمُكْرَهِ، قِيلَ: إِنْ بَلَغَ بِهِ الْإِكْرَاهُ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ مُكَلَّفٌ مُطْلَقًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ» . قُلْتُ: حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ مُكَلَّفًا مُطْلَقًا. الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ مُطْلَقًا. الثَّالِثُ: إِنْ بَلَغَ بِهِ الْإِكْرَاهُ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ التَّرْكُ، كَمَنْ أُلْقِيَ مِنْ شَاهِقٍ عَلَى إِنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، أَوْ مَالٍ فَأَتْلَفَهُ، أَوْ صَائِمٌ أُلْقِيَ مَكْتُوفًا فِي الْمَاءِ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ وَنَحْوُهُ لَمْ يُكَلَّفْ، وَإِلَّا كُلِّفَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي «الْوَاضِحِ» عَنْ بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ، وَقَدْ بَعُدَ عَهْدِي بِهِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. وَالْإِلْجَاءُ إِلَى الشَّيْءِ: الِاضْطِرَارُ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا قُلْتُ: «الْمُكْرَهُ، قِيلَ: إِنْ بَلَغَ بِهِ» إِلَى آخِرِهِ، لِأَنِّي أَخْتَارُ عَدَمَ تَكْلِيفِهِ مُطْلَقًا، كَمَا ذَكَرْتُ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا حَكَيْتُ فِي أَوَّلِهَا مَا عَلِمْتُهُ قِيلَ فِيهَا.

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «لَنَا» هَذَا شُرُوعٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى لِسَانِ أَصْحَابِنَا، أَيْ: لَنَا، أَنَّ الْمُكْرَهَ «عَاقِلٌ قَادِرٌ يَفْهَمُ، فَكُلِّفَ، كَغَيْرِهِ» أَيْ: كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ، وَحَاصِلُهُ، أَنَّهُ قِيَاسٌ لِلْمُكْرَهِ عَلَى الْمُخْتَارِ، بِجَامِعِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ. قَوْلُهُ: «وَإِذَا أُكْرِهَ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ ثَانٍ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ «عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، أَوِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى، قِيلَ» يَعْنِي: فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَغَيْرِهِ: قَدْ «أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ» فَيُسَمَّى مَا أَدَّاهُ مُكْرَهًا تَكْلِيفًا. قَوْلُهُ: ثُمَّ إِنْ قَصَدَ التَّقِيَّةَ إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بِمَثَابَةِ تَحْقِيقِ الدَّلِيلِ، وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ بِوُقُوعِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى قَوْلِنَا: أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ، حَصَلَ لَنَا الْمَقْصُودُ مِنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا. أَمَّا كَوْنُهُ مُطِيعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ غَيْرَ مُطِيعٍ، فَذَاكَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا ظَاهِرًا. أَمَّا كَوْنُهُ مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا، فَنَقُولُ: إِنْ قَصَدَ التَّقِيَّةَ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، يَعْنِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ أَوْ صَلَّى اتِّقَاءً لِلْقَتْلِ، لَا انْقِيَادًا بِالْبَاطِنِ لِأَمْرِ الشَّرْعِ، كَانَ عَاصِيًا فِي الْبَاطِنِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ تَقِيَّةً، بَلْ إِيمَانًا وَانْقِيَادًا صَحِيحًا خَالِصًا، كَانَ مُطِيعًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

стр. 145

قَالُوا: الْإِكْرَاهُ يُرَجِّحُ فِعْلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرُهُ فَهُوَ كَالْآلَةِ، فَالْفِعْلُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُكْرَهِ. وَتَرْجِيحُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ بَقَاءَ نَفْسِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْإِكْرَاهِ، فَلِذَلِكَ يُقْتَلُ. ــ قَوْلُهُ: «قَالُوا» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ مِنْ مَنْعِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ «الْإِكْرَاهَ يُرَجِّحُ فِعْلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ» وَإِذَا رَجَّحَ مِنْهُ فِعْلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، صَارَ وَاجِبًا، «لَا يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ كَالْآلَةِ» ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ، وَالْفِعْلُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَإِذَا كَانَ الْمُكْرَهُ - بِفَتْحِهَا - كَالْآلَةِ، لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُهُ، كَمَا لَا تُكَلَّفُ الْآلَاتُ. قُلْتُ: هَذَا تَقْرِيرٌ ظَاهِرٌ، لَكِنَّ قَوْلَهُمْ: صَارَ الْفِعْلُ مِنْهُ وَاجِبًا، لَا يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرُهُ: إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُلْجَأُ إِلَى الْفِعْلِ، كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ، فَهُوَ وَاضِحٌ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ، كَالْمُكْرَهِ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُوبُ الْفِعْلِ عَقْلًا، لِجَوَازِ أَنْ يَحْتَمِلَ الضَّرْبَ وَالْحَبْسَ وَلَا يَفْعَلَ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ شَرْعًا، بِمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ رَفَعَ الضِّرَارَ، وَأَقَامَ الْأَعْذَارَ، حَيْثُ قَالَ : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] ، فَأَجَازَ الْإِقْدَامَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمَّارٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: «وَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» .
следующие страницы →