← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنْتُمْ سُكَارَى - أَيْ أَدْعُوكُمْ وَأُخَاطِبُكُمْ وَأَنْتُمْ سُكَارَى - لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ خِلَافُ ذَلِكَ ظَاهِرَ الْكَلَامِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ خِلَافَ صَرِيحِهِ وَنَصِّهِ الْقَاطِعِ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَنْبَغِي أَنَّ يُسَمَّى هَذَا الْوَجْهُ تَأْوِيلًا، بَلْ هُوَ مَنْعٌ. وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ لِلسُّكَارَى، بَلْ لِلصُّحَاةِ، بِأَنْ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ سُكَارَى، وَفِي حَالِ السُّكْرِ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْخِطَابُ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ خِطَابٌ لِلسُّكَارَى، فَالْمُرَادُ مِنْهُمْ «مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَبَادِي النَّشَاطِ وَالطَّرَبِ، وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ» ، وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الثَّانِي «جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ» . أَيْ: يَجِبُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعًا، أَيْ: لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي أَشْعَرَتْ بِخِطَابِ السَّكْرَانِ، وَعَدَمِ الْفَهْمِ، الَّذِي دَلَّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ خِطَابِهِ، وَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ وَحَمْلُهَا عَلَى مَا يُوَافِقُهُ مُتَعَيِّنًا لِتَعَذُّرِ الْعَكْسِ، إِذِ الْقَاطِعُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي جَوَابِ الْآيَةِ، كَانَ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَتِ الْخَمْرُ مُبَاحَةً، أَمَّا الْآنَ، فَقَدْ حُرِّمَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسُّكْرُ مِنْهَا وَمَبَادِيهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا مَعَ وُضُوحِهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ النَّشْأَةِ، حَيْثُ يَرَى النَّاسَ يَتَأَوَّلُونَهَا عَلَى مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ مَبَادِي النَّشَاطِ وَالطَّرَبِ، فَيَظُنُّ ذَلِكَ مُبَاحًا أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَ أَنَّ دَاوُدَ الظَّاهِرِيَّ يَقُولُ بِطَهَارَتِهَا، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُتَكَلِّمِينَ

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَرَى إِبَاحَتَهَا، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ «مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ» ، فَتَقْوَى الشُّبْهَةُ فِي نَفْسِهِ. وَالنَّشَاطُ: خِفَّةٌ فِي الْبَدَنِ تَكُونُ عِنْدَ سُرُورِ النَّفْسِ وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ. وَالطَّرَبُ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ خِفَّةٌ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ، لِشِدَّةِ حُزْنٍ أَوْ سُرُورٍ. قُلْتُ: وَهُوَ فِي عُرْفِ الْعَامَّةِ مُخْتَصٌّ بِمَا كَانَ عَنْ سُرُورٍ، وَهُوَ مِمَّا حَرَّفُوهُ، وَكَانَ عَامًّا فَخَصُّوهُ، كَالْمَأْتَمِ: هُوَ اسْمٌ لِجَمْعِ النِّسَاءِ، فِي فَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ، فَخَصُّوهُ بِالْحُزْنِ.

стр. 143

الثَّالِثَةُ: الْمُكْرَهُ، قِيلَ: إِنْ بَلَغَ بِهِ الْإِكْرَاهُ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ مُكَلَّفٌ مُطْلَقًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا: عَاقِلٌ قَادِرٌ يَفْهَمُ، فَكُلِّفَ كَغَيْرِهِ. وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، أَوِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى، قِيلَ: أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ. ثُمَّ إِنْ قَصَدَ التَّقِيَّةِ كَانَ عَاصِيًا، وَإِلَّا كَانَ مُطِيعًا. ــ قَوْلُهُ: «الثَّالِثَةُ» ، أَيِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ «الْمُكْرَهِ، قِيلَ: إِنْ بَلَغَ بِهِ الْإِكْرَاهُ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ مُكَلَّفٌ مُطْلَقًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ» . قُلْتُ: حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ مُكَلَّفًا مُطْلَقًا. الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ مُطْلَقًا. الثَّالِثُ: إِنْ بَلَغَ بِهِ الْإِكْرَاهُ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ التَّرْكُ، كَمَنْ أُلْقِيَ مِنْ شَاهِقٍ عَلَى إِنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، أَوْ مَالٍ فَأَتْلَفَهُ، أَوْ صَائِمٌ أُلْقِيَ مَكْتُوفًا فِي الْمَاءِ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ وَنَحْوُهُ لَمْ يُكَلَّفْ، وَإِلَّا كُلِّفَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي «الْوَاضِحِ» عَنْ بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ، وَقَدْ بَعُدَ عَهْدِي بِهِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. وَالْإِلْجَاءُ إِلَى الشَّيْءِ: الِاضْطِرَارُ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا قُلْتُ: «الْمُكْرَهُ، قِيلَ: إِنْ بَلَغَ بِهِ» إِلَى آخِرِهِ، لِأَنِّي أَخْتَارُ عَدَمَ تَكْلِيفِهِ مُطْلَقًا، كَمَا ذَكَرْتُ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا حَكَيْتُ فِي أَوَّلِهَا مَا عَلِمْتُهُ قِيلَ فِيهَا.

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «لَنَا» هَذَا شُرُوعٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى لِسَانِ أَصْحَابِنَا، أَيْ: لَنَا، أَنَّ الْمُكْرَهَ «عَاقِلٌ قَادِرٌ يَفْهَمُ، فَكُلِّفَ، كَغَيْرِهِ» أَيْ: كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ، وَحَاصِلُهُ، أَنَّهُ قِيَاسٌ لِلْمُكْرَهِ عَلَى الْمُخْتَارِ، بِجَامِعِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ. قَوْلُهُ: «وَإِذَا أُكْرِهَ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ ثَانٍ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ «عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، أَوِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى، قِيلَ» يَعْنِي: فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَغَيْرِهِ: قَدْ «أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ» فَيُسَمَّى مَا أَدَّاهُ مُكْرَهًا تَكْلِيفًا. قَوْلُهُ: ثُمَّ إِنْ قَصَدَ التَّقِيَّةَ إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بِمَثَابَةِ تَحْقِيقِ الدَّلِيلِ، وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ بِوُقُوعِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى قَوْلِنَا: أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ، حَصَلَ لَنَا الْمَقْصُودُ مِنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا. أَمَّا كَوْنُهُ مُطِيعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ غَيْرَ مُطِيعٍ، فَذَاكَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا ظَاهِرًا. أَمَّا كَوْنُهُ مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا، فَنَقُولُ: إِنْ قَصَدَ التَّقِيَّةَ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، يَعْنِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ أَوْ صَلَّى اتِّقَاءً لِلْقَتْلِ، لَا انْقِيَادًا بِالْبَاطِنِ لِأَمْرِ الشَّرْعِ، كَانَ عَاصِيًا فِي الْبَاطِنِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ تَقِيَّةً، بَلْ إِيمَانًا وَانْقِيَادًا صَحِيحًا خَالِصًا، كَانَ مُطِيعًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

стр. 145

قَالُوا: الْإِكْرَاهُ يُرَجِّحُ فِعْلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرُهُ فَهُوَ كَالْآلَةِ، فَالْفِعْلُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُكْرَهِ. وَتَرْجِيحُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ بَقَاءَ نَفْسِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْإِكْرَاهِ، فَلِذَلِكَ يُقْتَلُ. ــ قَوْلُهُ: «قَالُوا» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ مِنْ مَنْعِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ «الْإِكْرَاهَ يُرَجِّحُ فِعْلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ» وَإِذَا رَجَّحَ مِنْهُ فِعْلَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، صَارَ وَاجِبًا، «لَا يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ كَالْآلَةِ» ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ، وَالْفِعْلُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَإِذَا كَانَ الْمُكْرَهُ - بِفَتْحِهَا - كَالْآلَةِ، لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُهُ، كَمَا لَا تُكَلَّفُ الْآلَاتُ. قُلْتُ: هَذَا تَقْرِيرٌ ظَاهِرٌ، لَكِنَّ قَوْلَهُمْ: صَارَ الْفِعْلُ مِنْهُ وَاجِبًا، لَا يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرُهُ: إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُلْجَأُ إِلَى الْفِعْلِ، كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ، فَهُوَ وَاضِحٌ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ، كَالْمُكْرَهِ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُوبُ الْفِعْلِ عَقْلًا، لِجَوَازِ أَنْ يَحْتَمِلَ الضَّرْبَ وَالْحَبْسَ وَلَا يَفْعَلَ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ شَرْعًا، بِمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ رَفَعَ الضِّرَارَ، وَأَقَامَ الْأَعْذَارَ، حَيْثُ قَالَ : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] ، فَأَجَازَ الْإِقْدَامَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمَّارٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: «وَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» .

стр. 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْمُكْرَهِ، دَفْعُ ضَرَرِ الضَّرْبِ وَنَحْوِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِإِجَابَةِ الْمُكْرِهِ لَهُ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، فَإِذَا سَلَكَ طَرِيقَ الرُّخْصَةِ وَالْجَوَازِ الْمَذْكُورِ، صَارَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَاجِبًا، أَيْ: رَاجِحَ الْوُقُوعِ شَرْعًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ الرُّخْصَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا بِالْإِجَابَةِ، فَصَارَتْ مِمَّا لَا تَتِمُّ الرُّخْصَةُ إِلَّا بِهِ، فَكَانَتْ - أَعْنِي الْإِجَابَةَ - رُخْصَةً رَاجِحَةَ الْوُقُوعِ شَرْعًا، لِتَوَقُّفِ حُصُولِ الرُّخْصَةِ الْمَقْصُودَةِ - وَهِيَ دَفْعُ الضَّرَرِ - عَلَيْهَا. فَهَذَا تَحْقِيقٌ لَا يُغْفَلُ عَنْهُ. قَوْلُهُ: «وَتَرْجِيحُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ بَقَاءَ نَفْسِهِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَرَدٌّ عَلَى دَلِيلِ الْمَانِعِينَ لِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ. وَتَقْرِيرُ السُّؤَالِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُكْرَهُ مُكَلَّفًا، لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْقَتْلِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَلَمَا أَثِمَ بِفِعْلِهِ، وَلَمَا وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ بِهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَكِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْكُ، وَيَأْثَمُ بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا.

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ تَرْجِيحَهُ بَقَاءُ نَفْسِهِ، يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْإِكْرَاهِ، فَلَا يَكُونُ مُكْرَهًا، وَبَيَانُهُ: أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ بِهِ الْإِكْرَاهُ الْقَتْلُ، بِأَنْ يُقَالَ لِزَيْدٍ مَثَلًا: إِنْ قَتَلْتَ عَمْرًا وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، فَيَقَعُ التَّعَارُضُ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ فَيَسْلَمَ، أَوْ يَمْتَنِعَ فَيُقْتَلُ، فَقَدْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَفْوِيتِ نَفْسِهِ وَنَفْسِ غَيْرِهِ، وَهُمَا سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَدْلِ الشَّرْعِ، فَإِذَا أَقْدَمَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَقَدْ رَجَّحَ بَقَاءَ نَفْسِهِ عَلَى فَوَاتِهَا وَبَقَاءَ نَفْسِ غَيْرِهِ، فَصَارَ مُخْتَارًا، وَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْإِكْرَاهِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ زَيْنَبَ، فَطَلَّقَ عَمْرَةَ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِدَرَاهِمَ، فَأَقَرَّ بِدَنَانِيرَ، أَوْ بِالْعَكْسِ فِيهِمَا، فَإِنَّ طَلَاقَهُ وَإِقْرَارَهُ يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ فِي صُورَةِ الْقَتْلِ أَوْلَى بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْإِكْرَاهِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ رُجْحَانِ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ عَلَى الْأَمْوَالِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ بِهَذَا أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ، يَخْرُجُ بِهِ حَدُّ الْإِكْرَاهِ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ يَصِيرُ عِنْدَ الْقَتْلِ مُخْتَارًا لَا مُكْرَهًا، فَلِذَلِكَ يُقْتَلُ.

стр. 148

وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ، مَنْ رَآهَا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، إِذْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ وَاجِبَةٌ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالتَّكْلِيفُ بِإِيجَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْهَا وَتَركِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَهَذَا أَبْلَغُ. وَمَنْ لَا، فَلَا. وَالْعَدْلُ الشَّرْعِيُّ الظَّاهِرُ، يَقْتَضِي عَدَمَ تَكْلِيفِهِ. ــ قَوْلُهُ: «وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ» . هَذَا مَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ اسْتَخْرَجْتُهُ أَنَا بِالنَّظَرِ، وَهُوَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، يُنَاسِبُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ، «فَمَنْ رَآهَا خَلْقَ اللَّهِ » اتَّجَهَ لَهُ أَنْ يَقُولَ «بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ» لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ الْمَخْلُوقَةِ لِلَّهِ عَلَى وَفْقِ إِرَادَتِهِ، كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِ «رَدِّ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَفْعَالَ تَصِيرُ بِخَلْقِ اللَّهِ لَهَا وَاجِبَةً، صَارَ التَّكْلِيفُ بِهَا مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، سَوَاءً كَانَ التَّكْلِيفُ بِإِيجَادِ مَأْمُورٍ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، أَوْ بِتَرْكِ مَنْهِيٍّ، كَالزِّنَى وَالرِّبَا، لِأَنَّ مَا اسْتَقَلَّتْ قُدْرَةُ الْبَارِئِ ﷻ بِخَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ، كَانَ تَأْثِيرُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ، وَإِيجَادًا لِلْمَوْجُودِ، وَخَلْقًا لِلْمَخْلُوقِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ سَائِرَ التَّكْلِيفِ الْإِنْسَانِيِّ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ، فَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الْمُكْرَهِ: إِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فِي سَائِرِ التَّكَالِيفِ، فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، فَلْيَصِحَّ هَاهُنَا أَيْضًا، لِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ جَمِيعًا

стр. 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ . قَوْلُهُ: «وَهَذَا أَبْلَغُ» يَعْنِي: أَنَّ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ أَنَّ أَفْعَالَهُ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لَهُ، أَبْلَغُ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ عَقْلًا بِاحْتِمَالِ أَلَمِ الْإِكْرَاهِ، وَقَدْ شُوهِدَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدَّرَهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: «وَمَنْ لَا، فَلَا» ، أَيْ: وَمَنْ لَا يَرَى أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ ، لَمْ يَرَ تَكْلِيفَ الْمُكْرَهِ، لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ، لَا لِلَّهِ ، تَحْقِيقًا لِعَدْلِهِ، إِذْ لَوْ خَلَقَهَا، ثُمَّ عَاقَبَ عَلَيْهَا، كَانَ ذَلِكَ جَوْرًا، وَحِينَئِذٍ لَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِهِمْ تَقْرِيرُ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ كُلَّهُ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ، فَيَلْحَقُ بِهِ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى. وَذَكَرَ الْكِنَانِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ مَأْخَذًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ فِي التَّخْوِيفِ وَالْإِكْرَاهِ مَا يَتَضَمَّنُ ضَرُورِيَّةَ الْفِعْلِ لِدَاعٍ، أَيْ: مَا يَقْتَضِي اضْطِرَارَ الْمُكْرَهِ إِلَى الْفِعْلِ لِدَاعِي الطَّبْعِ، أَمْ لَا؟ قُلْتُ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ وُقُوعُهُ شَرْعًا. قَوْلُهُ: «وَالْعَدْلُ الشَّرْعِيُّ الظَّاهِرُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَكْلِيفِهِ» يَعْنِي تَكْلِيفَ الْمُكْرَهِ مُطْلَقًا، أَمَّا الَّذِي بَلَغَ إِلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْمُكْرَهُ بِمُطْلَقِ الْإِكْرَاهِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا عُرِّفَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ فَلِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ وَاجِبٌ مِنْهُ شَرْعًا، فَفِي الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهِ إِضْرَارٌ بِهِ، وَتَضْيِيقٌ لِمَا وَسَّعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ

стр. 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَيُرْوَى: عُفِيَ لِأُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «وَالْعَدْلُ الشَّرْعِيُّ الظَّاهِرُ» إِشَارَةٌ إِلَى سِرِّ الْقَدَرِ وَنُكْتَتِهِ الَّتِي تَاهَتْ فِيهَا الْعُقُولُ، وَتَقْرِيرُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ تَصَرُّفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَكْوِينِيٌّ بِحُكْمِ إِيجَادِهِ وَاخْتِرَاعِهِ لَهُمْ، فَبِذَلِكَ التَّصَرُّفِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَغَيْرِهِ، وَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٣] ، وَهُوَ عَدْلٌ بَاطِنٌ، لِمَا سَنُقَرِّرُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالتَّصَرُّفُ الثَّانِي: تَكْلِيفِيٌّ بِحُكْمِ اسْتِدْعَائِهِ مِنْهُمُ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمَعَاصِي. فَفِي هَذَا التَّصَرُّفِ، سَلَكَ مَعَهُمْ مَسْلَكَ أَهْلِ الْعَدْلِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ مُحَالًا فِي الظَّاهِرِ، بَلْ أَزَاحَ جَمِيعَ عِلَلِهِمْ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا الْمَحْرَمُ، فَلَا يُوجَبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، وَالرَّجُلُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَحْمَلٌ يَسْوي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الْحَجِّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّخْفِيفَاتِ، وَلَمْ يُوجَدْ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَلَا الْأُصُولِ إِلَّا مَسْأَلَةَ خَلْقِ الْأَفْعَالِ، وَهِيَ مِنَ التَّصَرُّفِ الْأَوَّلِ، لَا مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ. وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الظَّاهِرُ، فَمُقْتَضَاهُ: أَنْ لَا يُكَلَّفَ الْمُكْرَهُ، لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْفِعْلِ غَيْرُهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] . الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ تَقْرِيرِ نُكْتَةِ الْقَدَرِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِمَا كَانَ،

стр. 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمَا يَكُونُ، وَبِمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، فَاللَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْخَلْقَ مُسْتَقِلِّينَ بِأَفْعَالِهِمْ خَلْقًا وَإِيجَادًا، لَكَانُوا كَمَا هُمُ الْآنَ، طَائِعٌ وَعَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ. فَعَلِمَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَكُونُ كَافِرًا، وَأَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اسْتِقْلَالِهِمْ بِأَفْعَالِهِمْ، وَإِجْبَارِهِمْ عَلَيْهَا بِسِرِّ الْقَدَرِ سَوَاءٌ، رَجَّحَ جَانِبَ ضَبْطِ الْوُجُودِ، وَتَعْمِيمِ الْمَوْجُودَاتِ بِالْإِسْنَادِ إِلَى خَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَلَعَلَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٣] ، إِلَى هَذَا، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ هَذَا الْكَلَامَ وَغَيْرَهُ فِي كِتَابِ «رَدِّ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» . وَحَاصِلُ هَذَا: أَنَّ سِرَّ اللَّهِ لِخَلْقِهِ، بِسِرِّ الْقَدَرِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ عَدْلٌ بَاطِنٌ، وَإِزَاحَتُهُ لِعِلَلِهِمْ فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ ظَاهِرًا عَدْلٌ ظَاهِرٌ، فَالْوَاجِبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْعَدْلِ الظَّاهِرِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُكْرَهُ مُكَلَّفًا. أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْأَفْعَالِ، إِذَا كَانَتِ التَّكَالِيفُ بِأَسْرِهَا غَيْرَ مَقْدُورَةٍ، فَلْيَكُنِ الْمُكْرَهُ مُكَلَّفًا، لِأَنَّ غَايَةَ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِغَيْرِ مَقْدُورٍ، فَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ اللَّهَ ، إِنْ كَلَّفَ خَلْقَهُ بِمَا لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُمْ، فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى تَصَرُّفِهِ الْكَوْنِيِّ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ خَاصٌّ بِهِ، لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ حَتَّى يَلْحَقَ الْمُكْرَهُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ - أَعْنِي مَسْأَلَةَ تَكْلِيفِ النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ - أَصْلٌ لِأَحْكَامِ

стр. 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَفْعَالِهِمَا، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ، فَمَنْ قَالَ بِتَكْلِيفِهِمَا، رَتَّبَ عَلَى أَفْعَالِهِمَا أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ الْخِطَابِيِّ، فَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِالْكَلَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُنَافِيَاتِهَا، نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ وَالْإِحْرَامَ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ كَذَلِكَ، وَيَلْزَمُ الْحِنْثُ فِي الْأَيْمَانِ، وَالطَّلَاقُ مَعَ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِتَكْلِيفِهِمَا، مِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ أَصْلَهُ، وَأَلْغَى أَفْعَالَهُمَا، فَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهَا تَكْلِيفًا، لَا أَقُولُ عَدْلِيًّا، إِذْ قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا. أَعْنِي: بَيْنَ التَّكْلِيفِ وَالْعَدْلِ فِيمَا سَبَقَ. فَلَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، ضَمِنَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَ عَلَى أَفْعَالِهِمَا أَحْكَامَ الْوَضْعِ وَالْأَخْبَارِ، وَجَعَلَهَا مِنْ بَابِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ، فَكَلَامُهُمَا فِي الصَّلَاةِ سَبَبُ بُطْلَانِهَا. وَوَطْؤُهُمَا فِي الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ سَبَبُ بُطْلَانِهِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِهِ، وَالْحِنْثُ مِنْهُمَا، سَبَبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَوُجُوبِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: وَإِضَافَةُ الطَّلَاقِ إِلَى مَحَلِّهِ سَبَبٌ لِوُقُوعِهِ، كَقَوْلِ الْمُكْرَهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، يَقَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا أُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَى، فَزَنَتْ، لَمْ تُحَدَّ، وَإِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ، لَمْ يُحَدَّ أَيْضًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا بِجَامِعِ الْإِكْرَاهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُحَدُّ، فَرْقًا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّجُلَ فَاعِلٌ، وَالْمَرْأَةُ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ، وَبِأَنَّهُ لَوْلَا الدَّاعِي الِاخْتِيَارِيُّ لَمَا انْتَشَرَتْ آلَتُهُ لِلْفِعْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النُّورِ: ٢] فَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِمَا، وَبَدَأَ

стр. 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِذِكْرِهَا، فَحَظُّهَا مِنَ الزِّنَى أَوْفَرُ، وَلِهَذَا أَخَّرَهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٨] ، لِمَا كَانَ حَظُّ الرَّجُلِ مِنَ السَّرِقَةِ أَوْفَرُ. وَأَمَّا انْتِشَارُ الْآلَةِ، فَإِنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ الْإِكْرَاهِ، وَهُوَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ، وَلَيْسَ حَدُّ الزَّانِي الْمُخْتَارِ عَلَى انْتِشَارِ آلَتِهِ، بَلْ عَلَى إِقْدَامِهِ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى الزِّنَى. فَلَعَلَّ هَذَا لَوْ لَمْ يُكْرَهْ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى الزِّنَى. وَالْمُخْتَارُ فِيهِمَا، أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَى أَفْعَالِهِمَا حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا، إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ، فَيَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ حِينَئِذٍ وَضْعِيًّا سَبَبِيًّا. أَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْإِكْرَاهِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَلَانِ جَمِيعًا، الْمُكْرَهُ الْحَامِلُ لِتَسَبُّبِهِ، وَالْقَاتِلُ لِمُبَاشَرَتِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْقَاتِلَ مُلْجَأٌ، وَالْحَامِلَ مُتَسَبِّبٌ غَيْرُ مُبَاشِرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ الْحَامِلِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ فَعَلَهُ بِالْإِكْرَاهِ بِوَاسِطَةِ الْقَاتِلِ، وَالْقَاتِلُ كَالْآلَةِ. وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ: يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ لِمُبَاشَرَتِهِ دُونَ الْحَامِلِ، فَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ اجْتِمَاعِ السَّبَبِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ أَيْضًا مُوَافِقٌ لِمَسْأَلَةِ الْأَصْلِ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 154

الرَّابِعَةُ: الْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِي: لَا يُخَاطَبُونَ مِنْهَا بِغَيْرِ النَّوَاهِي، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ عَدَمُ تَكْلِيفِهِمْ مُطْلَقًا. وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ، لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ عِنْدَنَا، دُونَهُمْ. ــ قَوْلُهُ: «الرَّابِعَةُ» أَيِ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ، «الْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي» أَيِ: الْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدَنَا «لَا يُخَاطَبُونَ مِنْهَا بِغَيْرِ النَّوَاهِي، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ» يَعْنِي أَكْثَرَهُمْ كَمَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، «وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ» يَعْنِي: أَصْحَابَ الرَّأْيِ «عَدَمُ تَكْلِيفِهِمْ مُطْلَقًا» يَعْنِي: بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي. قَالَ الْآمِدِيُّ: تَكْلِيفُهُمْ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَوَاقِعٌ شَرْعًا، خِلَافًا لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي خِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ خِطَابُهُمْ بِهَا، خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ. قُلْتُ: وَالْحَاصِلُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ، ثَلَاثَةٌ، ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ النَّوَاهِي وَالْأَوَامِرِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .

стр. 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَثَمَّ قَوْلٌ رَابِعٌ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَغَيْرِهِ، فَيُخَاطَبُ الْمُرْتَدُّ دُونَ الْأَصْلِيِّ. قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ، وَهُوَ مُؤَاخَذَتُهُ بِسَابِقَةِ الْتِزَامِهِ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي الرِّدَّةِ مِنَ الْعِبَادَاتِ. عُدْنَا إِلَى تَوْجِيهِ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» . قَوْلُهُ: «وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكَلُّفِ عِنْدَنَا دُونَهُمْ» . هَذَا، مَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ مُخْتَصَرٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُوَ أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ - وَهُوَ الْإِيمَانُ هَاهُنَا - لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ عِنْدَنَا، فَلَا يَتَوَقَّفُ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ شَرْطًا، فَيُكَلَّفُونَ بِالْفُرُوعِ، بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ مَوْجُودًا حَالَ تَكْلِيفِهِمْ، وَإِنَّمَا الْإِيمَانُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ أَدَاءِ الْفُرُوعِ مِنْهُمْ، لَا فِي حِصَّةِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ الْإِيمَانُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْفُرُوعِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِ تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى شَرْطِهِ، وَبَيَانُ عَدَمِ تَوَقُّفِهِ، يَظْهَرُ بِمَا يَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 156

لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ، كَأَمْرِ الْمُحَدِّثِ بِالصَّلَاةِ، بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ. وَمَنْعُ الْأَصْلِ، يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عُمْرَهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ وَالنَّصُّ، نَحْوَ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ . ــ قَوْلُهُ: «لَنَا الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ» إِلَى آخِرِهِ. يَعْنِي أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ، إِمَّا فِي جَوَازِهَا عَقْلًا، أَوْ فِي وُقُوعِهَا شَرْعًا. أَمَّا الْجَوَازُ عَقْلًا، فَمَقْطُوعٌ بِهِ، إِذْ لَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُقَالَ: أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا، بِشَرْطِ أَنْ تُقَدِّمُوا الشَّهَادَتَيْنِ، كَمَا أَنَّ الْمُحَدِّثَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: «وَمَنْعُ الْأَصْلِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: مَنْعُ أَنَّ الْمُحْدِثَ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ، «يَسْتَلْزِمُ أَنَّ» الْمُحْدِثَ «لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عُمْرَهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ» لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مَأْمُورًا بِغَيْرِهِ، ثُمَّ إِذَا فَعَلَهُ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ «وَالْإِجْمَاعُ خِلَافُهُ» أَيْ: خِلَافُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ، بَلْ يُعَاقَبُ عَلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ طُولَ عُمْرِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهَا. وَفَرَّعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ عَلَى هَذَا الْإِلْزَامِ، أَنَّ الْمُحْدِثَ لَوْ تَوَضَّأَ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ، يَلْزَمُ أَنْ لَا يُعَاقَبَ إِلَّا عَلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، لِاشْتِرَاطِ تَقْدِيمِهَا، وَهُوَ إِلْزَامٌ غَيْرُ جَيِّدٍ، لِأَنَّ التَّكْبِيرَةَ جُزْءُ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَةً مُسْتَقِلَّةً مُنْفَرِدَةً عَنْهَا، كَالْوُضُوءِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُنْزِلُوا أَجْزَاءَهَا مَنْزِلَةَ الْحَقَائِقِ الْمُسْتَقِلَّةِ، مُؤَاخَذَةً بِمَا اقْتَضَاهُ لَفْظُ الْخَصْمِ مِنَ

стр. 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اشْتِرَاطِ التَّقْدِيمِ، وَجُزْءُ الشَّيْءِ يَتَقَدَّمُهُ، وَيَتَوَقَّفُ الشَّيْءُ عَلَيْهِ. وَبِالْجُمْلَةِ: هَذَا تَدْقِيقٌ، لَيْسَ وَرَاءَهُ تَحْقِيقٌ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ إِعْنَاتِ الْخَصْمِ. وَقَوْلِي: «وَمَنْعُ الْأَصْلِ» أَيْ: مَنْعُ حُكْمِ الْمُحْدِثِ الْمَذْكُورِ، يَسْتَلْزِمُ مَا قَرَّرْنَاهُ، لِأَنَّا جَعَلْنَا حُكْمَ الْمُحْدِثِ - وَهُوَ تَكْلِيفُهُ بِالصَّلَاةِ - بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ، أَصْلًا لِحُكْمِ الْكَافِرِ - وَهُوَ تَكْلِيفُهُ بِالْفُرُوعِ - بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ. قَالَ الْكِنَانِيُّ فِي «مَطَالِعِ الْأَحْكَامِ» : مَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَرْتِيبِ الثَّوَانِي عَلَى الْأَوَائِلِ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُمْكِنَةً. قُلْتُ: مَعْنَاهُ، أَنَّ تَرْتِيبَ التَّكْلِيفِ عَلَى اشْتِرَاطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ، هُوَ تَرْتِيبُ أَمْرٍ ثَانٍ عَلَى وُجُودِ أَمْرٍ أَوَّلٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، وَلَا مُوجِبًا لِلِامْتِنَاعِ، كَالْآحَادِ الْمُتَرَتِّبَةِ فِي مَرَاتِبِ الْعَدَدِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُتَرَتِّبُ الْوُجُودِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثُ عَلَى الثَّانِي، وَهَلُمَّ جَرَّا. قَالَ أَيْضًا: وَإِذَا ثَبَتَ مُعَاقَبَتُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ إِجْمَاعًا فَلْتَصِحَّ مُعَاقَبَتُهُمْ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، إِذَا مَضَى مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ، يَعْنِي إِذَا مَضَى مِنْ وَقْتِ التَّكْلِيفِ بِبَلَاغِ الْخِطَابِ مَا يَسَعُ فِعْلَ الْإِيمَانِ، بِأَنْ يَقُولَ الْكَافِرُ: آمَنْتُ، أَوْ يَأْتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَالنَّصُّ» إِلَى آخِرِهِ. هُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْقَطْعُ، فِي قَوْلِهِ: «لَنَا، الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ» أَيْ: لَنَا الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ وَالنَّصُّ عَلَى الْوُقُوعِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْجَوَازِ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] ، وَقَوْلِهِ

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١] . وَسَائِرُ الْخِطَابِ الْوَارِدِ بِلَفْظِ النَّاسِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ، بَلْ هُوَ فِي الْأَصْلِ لِلْكُفَّارِ، لِأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا قَبْلَ وُرُودِ الْخِطَابِ، فَلَمَّا وَرَدَ لَمْ يَرِدْ إِلَّا عَلَى كَافِرٍ، فَهَدَى اللَّهُ لِاتِّبَاعِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ. وَالْحِجُّ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَالْعِبَادَةُ فِي الثَّانِيَةِ تَعُمُّ جَمِيعَ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ التَّذَلُّلُ، وَفِي الشَّرْعِ التَّذَلُّلُ بِمُتَابَعَةِ مَرْسُومِ الشَّرْعِ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ.

стр. 159

قَالُوا: وَجُوبُهَا مَعَ اسْتِحَالَةِ فِعْلِهَا فِي الْكُفْرِ، وَانْتِفَاءُ قَضَائِهَا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُفِيدٍ. قُلْنَا: الْوُجُوبُ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ، كَمَا سَبَقَ. وَالْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، أَوْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنِ انْتَفَى بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، نَحْوَ: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» . وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ، عِقَابُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ النَّصُّ، نَحْوَ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ . وَالتَّكْلِيفُ بِالْمَنَاهِي، يَسْتَدْعِي نِيَّةَ التَّرْكِ تَقَرُّبًا. وَلَا نِيَّةَ لِكَافِرٍ. ــ قَوْلُهُ: «قَالُوا: وَجُوبُهَا مَعَ اسْتِحَالَةِ فِعْلِهَا فِي الْكُفْرِ، وَانْتِفَاءِ قَضَائِهَا فِي الْإِسْلَامِ، غَيْرُ مُفِيدٍ» . هَذَا دَلِيلُ الْمَانِعِينَ مِنْ تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ التَّكْلِيفَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُفِيدًا، إِذْ هُوَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ عَبَثٌ مُحَالٌ عَلَى الشَّرْعِ. وَالْفَائِدَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ صِحَّةُ فِعْلِهَا حَالَ الْكُفْرِ، أَوْ وُجُوبُ قَضَائِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ عِبَادَةٌ فَرْعِيَّةٌ حَالَ كُفْرِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَيَنْتَفِي التَّكْلِيفُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ السُّؤَالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ دَلِيلُهُمْ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ وُجُوبَهَا حَالَ الْكُفْرِ، إِنَّمَا هُوَ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ - وَهُوَ الْإِيمَانُ - كَمَا سَبَقَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يَرِدُ قَوْلُهُمْ: إِنَّ وُجُوبَهَا حَالَ الْكُفْرِ مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْمُحَالَ إِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ أَوْجَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وَنَحْنُ إِنَّمَا نُوجِبُهَا بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ قَضَائِهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَنَقُولُ: قَضَاءُ الْعِبَادَاتِ اخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ هُوَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، أَوْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؟ يَعْنِي:

стр. 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْخِطَابَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ أَصْلُ التَّكْلِيفِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، سَقَطَ السُّؤَالُ، لِأَنَّا نَقُولُ: قَضَاءُ الْعِبَادَاتِ، إِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لِانْتِفَاءِ وُرُودِ الْأَمْرِ الْجَدِيدِ بِهَا، لَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ حَالَ الْكُفْرِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْقَضَاءَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ، قُلْنَا: هُمْ مَأْمُورُونَ بِهَا حَالَ الْكُفْرِ، لَكِنْ سَقَطَ قَضَاؤُهَا عَنْهُمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَجَدِّدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: الْإِسْلَامُ - يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالْحَجُّ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا أَيْ: يَقْطَعُ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْكُفْرِ، حَتَّى كَأَنَّ الْكَافِرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَصْلًا، وَلَحَظَ الشَّارِعُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً عَامَّةً، وَهُوَ تَيْسِيرُ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ، وَتَكْثِيرُهُ مِنْهُمْ، إِذْ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ فِي الْكُفْرِ، لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ صَلَوَاتِهَا، وَسَائِرِ عِبَادَاتِهَا، لَجَبُنَ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، سَهُلَ عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ. أَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، فَلَا يُسْقِطُهَا الْإِسْلَامُ، تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ الْعَامِّ بَيْنَ الْعَالَمِ. قَوْلُهُ: «وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ عِقَابُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْآخِرَةِ» هَذَا مِنْ تَمَامِ

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْجَوَابِ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ بِالْفُرُوعِ غَيْرُ مُفِيدٍ، بَلْ فَائِدَتُهُ عِقَابُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ بِالتَّخْلِيدِ، وَعَلَى تَرْكِ فُرُوعِهِ بِالتَّضْعِيفِ، وَهُوَ زِيَادَةُ كَمِّيَّةِ الْعَذَابِ أَضْعَافًا يَسْتَحِقُّونَهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ صَرَّحَ النَّصُّ بِذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦ - ٧] ، وَقَوْلُهُ حِكَايَةً عَنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٤٠ - ٤٥]- وَهَذِهِ كُلُّهَا فُرُوعٌ - ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٤٦] ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي بِتَرْكِهِ وَالْجَزْمِ بِضِدِّهِ يَكُونُ الْإِيمَانُ. وَقَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٦٨ - ٦٩] . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ النُّصُوصِ، أَنَّهُ رَتَّبَ الْوَعِيدَ فِيهَا عَلَى مَجْمُوعِ تَرْكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَكَانَتِ الْفُرُوعُ جُزْءًا مِنْ سَبَبِ الْوَعِيدِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَا، فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْتَقِلُّ بِالْوَعِيدِ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ هُوَ الْكُفْرُ وَحْدَهُ، بِدَلِيلِ اسْتِقْلَالِهِ بِالتَّخْلِيدِ. فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ اسْتِقْلَالَهُ بِالْوَعِيدِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، بَلِ الْوَعِيدُ عَلَى الْمَجْمُوعِ، لِأَنَّ الْفُرُوعَ فِي النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ، مَعْطُوفَةٌ بِالْوَاوِ وَهِيَ لِلْجَمْعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَجْمُوعُ الْإِشْرَاكِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ. وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا اسْتِقْلَالَ الْكُفْرِ بِالتَّخْلِيدِ، وَإِنْ كُنَّا نُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، لِأَنَّكُمْ لَوْ فَرَضْتُمْ كَافِرًا أَتَى فِي حَالِ كُفْرِهِ بِجَمِيعِ الْفُرُوعِ [لَمْ يُقْبَلْ] مِنْهُ مَعَ كُفْرِهِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ بِهَا بِشَرْطِ

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنْ يُوقِعَهَا مُسْلِمًا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْكُفْرَ وَإِنِ اسْتَقَلَّ بِالتَّخْلِيدِ، لَكِنْ يُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِ الْفُرُوعِ بِالْمُضَاعَفَةِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي الْإِشْرَاكَ وَالْقَتْلَ وَالزِّنَى ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ، يَعْنِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُعَذَّبُ ضِعْفًا مِنَ الْعَذَابِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ، أَعْنِي عِقَابَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْفُرُوعِ فِي الْآخِرَةِ، بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ يُعَيِّنُهَا، أَيْ: لَا فَائِدَةَ لِتَكْلِيفِهِمْ إِلَّا ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ هُنَا فَوَائِدَ: مِنْهَا: تَيْسِيرُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا رُبَّمَا سَهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، دُونَ فِعْلِ أَصْلِهَا وَهُوَ الْإِيمَانُ، لِأَنَّ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا حَسَنٌ عَقْلًا، تَمِيلُ الطِّبَاعُ إِلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَنْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لِلَّهِ إِلَّا الشَّهَادَتَانِ. مِثْلُ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ جُودِهِ، وَمَحَبَّتِهِ لِلْعَدْلِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْإِيمَانِ بِالْمَعَادِ، وَبَعْضُ مَنْ أَدْرَكَ الدَّعْوَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، أَجَابَ إِلَى جَمِيعِ مَا وَرَدَتْ بِهِ، وَامْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِرْغَامِ الْأُنُوفِ، فَإِذَا عَلِمَ الْكَافِرُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا، وَفَعَلَهَا بِنِيَّةِ الطَّاعَةِ، وَالْإِجَابَةِ لِدَاعِي الشَّرْعِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ - فَرُبَّمَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْهُدَى بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الْمَعْرُوفِ وَالْبِرِّ. وَيُرْوَى فِي الْحَدِيثِ، أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُخْتَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، فَيُنَاسِبُ أَنْ يُخْتَمَ لِلْكَافِرِ بِالْإِيمَانِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ.

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهَا: التَّرْغِيبُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْفُرُوعِ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ الْوُجُوبُ وَالْحَظْرُ، وَقَدْ أَتَى مِنْهَا بِكَبَائِرَ، كَالْقَتْلِ وَالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَأَنَّ إِثْمَ ذَلِكَ لَاحِقٌ لَهُ، ثُمَّ عَرَفَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، رُبَّمَا اسْتَشْعَرَ الْخَوْفَ مِنْ عَاقِبَةِ مَا فَعَلَ مِنْهَا، فَدَعَاهُ ذَلِكَ إِلَى الْإِسْلَامِ الْهَادِمِ لَهَا. وَمِنْهَا: الْحُكْمُ بِتَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِ بِفِعْلِ بَعْضِ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكِ بَعْضِ الشُّرُورِ، إِذَا عَرَفَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا، وَفَعَلَهَا جَازَ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ فِيهَا مُتَفَاوِتُونَ فِي الْمَنَازِلِ وَالدِّرَكَاتِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مُتَفَاوِتُونَ فِيهَا فِي الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» . ذَكَرَ هَذِهِ الْفَوَائِدَ الثَّلَاثَ الْقَرَافِيُّ فِي «شَرْحِ التَّنْقِيحِ» وَأَحَالَ بِفَوَائِدَ أُخَرَ عَلَى شَرْحِهِ لِـ «الْمَحْصُولِ» . وَمِنَ الْمَآخِذِ السَّمْعِيَّةِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا النَّاسَ عَامَّةً إِلَى قَبُولِ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ. قَوْلُهُ: «وَالتَّكْلِيفُ بِالْمَنَاهِي، يَسْتَدْعِي نِيَّةَ التَّرْكِ تَقَرُّبًا، وَلَا نِيَّةَ لِكَافِرٍ» . هَذَا تَقْرِيرٌ لِضَعْفِ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُكَلَّفُونَ بِمَنَاهِي الشَّرْعِ الْفَرْعِيَّةِ، كَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ، دُونَ مَأْمُورَاتِهِ، كَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى قَوْلِهِمْ: هُوَ أَنَّ مَقْصُودَ الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِإِيجَادِهَا، وَمَا

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ، كَإِغْنَاءِ الْفُقَرَاءِ بِالزَّكَاةِ، وَنَحْوِهِ. وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ ، لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ تَصْدِيقِ الْمُخْبِرِ عَنْهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْإِيمَانُ. فَمَقْصُودُ الْأَوَامِرِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَ الْكَافِرِ قَبْلَ الْإِيمَانِ، بِخِلَافِ الْمَنَاهِي، فَإِنَّ مَقْصُودَهَا إِعْدَامُ مَفْسَدَتِهَا الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا، كَمَفْسَدَةِ الْقَتْلِ وَالزِّنَى وَالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَتَرْكُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ وَبَرَاءَةُ تَارِكِهَا مِنْ عُهْدَتِهَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقٍ وَلَا إِيمَانٍ، وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ فِيهِ سِيَّانِ. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ نَقُولَ: قَوْلُكُمُ: التَّقَرُّبُ بِالْمَأْمُورَاتِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ، لَكِنْ لَيْسَ كَلَامُنَا فِي الصِّحَّةِ، إِنَّمَا هُوَ فِي التَّكْلِيفِ بِهَا حَالَ الْكُفْرِ، بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الْإِسْلَامِ عَلَى فِعْلِهَا، وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُ ذَلِكَ وَفَوَائِدُهُ. أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الْكَافِرَ يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِتَرْكِهِ، فَيَصِحُّ تَكْلِيفُهُ بِهِ، بِخِلَافِ الْمَأْمُورَاتِ. قُلْنَا: هَذَا مَوْضِعُ تَحْقِيقٍ وَتَفْصِيلٍ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرْعِ مُثَابٌ وَمُعَاقَبٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ وَمَنْهِيٌّ، فَثَوَابُهُ يَحْصُلُ تَارَةً عَنْ فِعْلِ مَأْمُورٍ، كَالصَّلَاةِ، وَتَارَةً عَنْ تَرْكِ مَحْظُورٍ، كَالزِّنَى وَالرِّبَا، وَعِقَابُهُ يَحْصُلُ، تَارَةً عَنْ فِعْلِ مَحْظُورٍ، كَالزِّنَى، وَتَارَةً عَنْ تَرْكِ مَأْمُورٍ، كَالصَّلَاةِ، وَمَدَارُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ، لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، فَفَاعِلُ الْمَأْمُورِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ

стр. 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّوَابَ الشَّرْعِيَّ إِلَّا بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ، وَتَارِكُ الْمَحْظُورِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ الشَّرْعِيَّ، وَهُوَ ثَوَابُ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَخَافَهُ، وَآثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَتَرَكَ شَهَوَاتِهِ لِرِضَاهُ، إِلَّا بِنِيَّةِ ذَلِكَ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ مِنْ آثَارِ التَّكْلِيفِ، وَكَلَامُنَا فِيهِ. أَمَّا بَرَاءَةُ الْعُهْدَةِ مِنْ مَفْسَدَةِ الْمَنْهِيِّ بِتَرْكِهِ، فَذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْعَدْلِ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكُفَّارُ، وَالْعُقَلَاءُ وَغَيْرُهُمْ، حَتَّى إِنَّ الْمَجْنُونَ لَوْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَى، وَجَبَ مَهْرُهَا فِي مَالِهِ، وَلَوْ هَمَّ بِهَا، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا، خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْغَرَامَةِ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَقَّعَةً بِفِعْلِهِ لَوْ فَعَلَ، وَلَمْ يَجِبْ فِي مَالِهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ الْعَاقِلُ الْمُسْلِمُ، لَوْ فَعَلَ هَذَا بِعَيْنِهِ، لَلَزِمَهُ الْمَهْرُ مِنْ حَيْثُ الْعَدْلِ، وَالْإِثْمُ مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفِ، وَلَوْ كَفَّ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ هَمَّ بِهَا نَاوِيًا التَّقَرُّبَ، لَبَرِئَ مِنْ عُهْدَةِ الْمَهْرِ، مِنْ حَيْثُ الْعَدْلِ، وَمِنْ عُهْدَةِ الْحَدِّ، مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفِ، وَلَحَصَلَ لَهُ أَجْرُ الْكَفِّ، وَثَوَابُ الْمُتَّقِينَ، مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٠ - ٤١] ، وَلَوْ كَفَّ عَنْهَا غَيْرَ نَاوٍ لِلْقُرْبَةِ، بَرِئَ مِنْ عُهْدَةِ الْمَهْرِ، مِنْ حَيْثُ الْعَدْلِ الثَّابِتِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَبَرِئَ مِنْ عُهْدَةِ الْحَدِّ، مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفِ بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ الثَّابِتِ بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، ثُمَّ نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ كَفُّهُ خَوْفًا مِنْ مَخْلُوقٍ، فَهُوَ جُبْنٌ لَا تَقْوَى، وَإِنْ كَانَ إِيثَارًا لِطَهَارَةِ الْعِرْضِ، وَالشَّجَاعَةِ عَلَى ضَبْطِ النَّفْسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَافَاهُ أَصْحَابُ الْهِمَمِ وَالنُّفُوسِ الْفَاضِلَةِ الْأَبِيَّةِ، فَهَذَا مَحْمُودٌ عَلَى عَفَافِهِ الْعُرْفِيِّ، وَبِالضَّرُورَةِ لَا يُسَاوِي مَنْ كَانَ كَفُّهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَغْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ.

стр. 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، قُلْنَا: قَوْلُكُمْ: الْكَافِرُ يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الْمَنْهِيِّ بِتَرْكِهِ، فَيَصِحُّ تَكْلِيفُهُ. إِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ الْعَدْلِ، كَالْغَرَامَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْمَنَاهِي، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ، بَلْ مِنْ بَابِ الْعَدْلِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ أَذًى يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْجُبْنِ أَوِ الْعَفَافِ الْعُرْفِيِّ. وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْمُتَّقِينَ، وَمَنْ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ، وَلَا نِيَّةَ لِكَافِرٍ، بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ الشَّرْعِيُّ، فَهَذَا تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: «وَالتَّكْلِيفُ بِالْمَنَاهِي يَسْتَدْعِي نِيَّةَ التَّرْكِ تَقَرُّبًا، وَلَا نِيَّةَ لِكَافِرٍ» . فُرُوعٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْجِهَادَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ ، فَقِيلَ: لَمْ يُكَلَّفُ بِهِ الْكُفَّارُ بِالْأَصَالَةِ، لِعَدَمِ حُصُولِ مَصْلَحَتِهِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ حَيْثُ أَمَرَ بِالْجِهَادِ لَمْ يُعَيِّنِ الْكُفَّارَ، وَلَمْ يَذْكُرْ صِيغَةً يَنْدَرِجُونَ فِيهَا، بَلْ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٣] ، اللَّهُمَّ إِلَّا عُمُومَاتٍ بَعِيدَةً، نَحْوَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الْحَجِّ: ١] ، وَمِنَ التَّقْوَى فِعْلُ الْمَأْمُورِ، وَمِنَ الْمَأْمُورِ الْجِهَادٌ، فَتَتَنَاوَلُهُمْ هَذِهِ الْعُمُومَاتُ عَلَى بُعْدِهَا، وَهُوَ أَصَحُّ طَرْدًا لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ فِي جَمِيعِ الْفُرُوعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَأَمَّا عَدَمُ حُصُولِ مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ مِنْهُمْ، فَهُوَ مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ لَا تَحْصُلُ

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِفِعْلِهَا حَالَ الْكُفْرِ، وَلَكِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْفُرُوعِ، بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ. الْفَرْعُ الثَّانِي: وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي سَنَتِنَا هَذِهِ - وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مُنْشِئِهَا - فِي أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الدِّينِ أَمْ لَا؟ وَاسْتُفْتِيَ فِيهَا شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ بِالْقَاهِرَةِ - أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَجَابَ فِيهَا بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَا بِالْجُمْلَةِ، لَكِنْ لَا عَلَى حَدِّ تَكْلِيفِ الْإِنْسِ بِهَا، لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْإِنْسِ بِالْحَدِّ فَبِالضَّرُورَةِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي بَعْضِ التَّكَالِيفِ. قُلْتُ: مِثَالُهُ، أَنَّ الْجِنَّ قَدْ أُعْطِيَ بَعْضُهُمْ قُوَّةَ الطَّيَرَانَ فِي الْهَوَاءِ، فَهَذَا يُخَاطَبُ بِقَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِلْحَجِّ طَائِرًا. وَالْإِنْسَانُ لِعَدَمِ تِلْكَ الْقُوَّةِ فِيهِ، لَا يُخَاطَبُ بِذَلِكَ، فَهَذَا فِي طَرَفِ زِيَادَةِ تَكْلِيفِهِمْ عَلَى تَكْلِيفِ الْإِنْسِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ نَقْصِ تَكْلِيفِهِمْ عَنْ تَكْلِيفِ الْإِنْسِ، فَكُلُّ تَكْلِيفٍ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ طَبِيعَةِ الْإِنْسِ، يَنْتَفِي فِي حَقِّ الْجِنِّ، لِعَدَمِ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ فِيهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَكْلِيفِ الْجِنِّ بِالْفُرُوعِ، الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ - النَّبِيَّ ﷺ أُرْسِلَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَجَمِيعُ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى الْجِنْسَيْنِ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ

стр. 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، نَحْوُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٧] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] . وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الدَّلِيلُ، عَلَى أَنَّ كُفَّارَ الْإِنْسِ مُخَاطَبُونَ بِهَا، وَكَذَلِكَ كُفَّارُ الْجِنِّ، لِتَوَجُّهِ الْقُرْآنِ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ إِلَى مُؤْمِنِي الْجِنْسَيْنِ وَكُفَّارِهِمْ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: ذَكَرَ الزَّنْجَانِيُّ فِي كِتَابِ «تَخْرِيجِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ» أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ. فَإِنْ قُلْنَا: هُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَا، لَمْ يَمْلِكُوهَا، لِأَنَّ مِنَ الْفُرُوعِ تَحْرِيمَ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ بِالْقَهْرِ، وَالْمَأْخُوذُ بِسَبَبٍ حَرَامٍ لَا يُمْلَكُ، وَهُمْ قَدْ أَخَذُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ، وَتَحْرِيمُهُ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِمْ، فَلَا يَمْلِكُونَهَا بِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ، مَلَكُوا الْأَمْوَالَ بِالْقَهْرِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّهِمْ، فَيَكُونُ أَخْذُهُمْ لَهَا مُبَاحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا، وَهُوَ يُنَافِي أَصْلَهُ فِي أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْفُرُوعِ، لَكِنَّ مَأْخَذَهُ فِي مِلْكِهِمْ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُعَوَّضُونَ عَنْ أَمْوَالِهِمُ الْأَجْرَ، فَلَوْ بَقِيَتْ عَلَى مِلْكِهِمْ، لَاجْتَمَعَ لَهُمُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَقْلًا، وَغَيْرُ مَعْهُودٍ شَرْعًا. قُلْتُ: وَهُوَ تَقْرِيرٌ لَطِيفٌ حَسَنٌ، غَيْرَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى مُصِيبَتِهِ فِي مَالِهِ الْمَغْصُوبِ، مَعَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ إِلَّا الْكُفْرُ وَالْإِسْلَامُ وَدَارَاهُمَا، وَلَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْأَجْرَ لَيْسَ عِوَضًا

стр. 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَالِيًّا، وَامْتِنَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوِّضِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَالِيَّاتِ، فَتَخْرِيجُ مِلْكِ الْكُفَّارِ لِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ جَيِّدٌ. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَمْلِكُونَهَا، فَكَانَ قَوْلُهُ أَحْرَى عَلَى أُصُولِ أَحْمَدَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا -.

стр. 170

وَأَمَّا الثَّانِي، وَهِيَ شُرُوطُ الْمُكَلَّفِ بِهِ. فَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْحَقِيقَةِ لِلْمُكَلَّفِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إِلَيْهِ. مَعْلُومًا كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ. مَعْدُومًا، إِذْ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ مُحَالٌ. وَفِي انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ خِلَافٌ، الْأَصَحُّ يَنْقَطِعُ، خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيِّ. وَأَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، إِذِ الْمُكَلَّفُ بِهِ مُسْتَدْعًى حُصُولُهُ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ تَصَوُّرَ وُقُوعِهِ، وَالْمُحَالُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، فَلَا يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ، فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالِ. أَمَّا التَّفْصِيلُ: فَالْمُحَالُ ضَرْبَانِ، مُحَالٌ لِنَفْسِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَلِغَيْرِهِ، كَإِيمَانٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ. فَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالثَّانِي، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى امْتِنَاعِهِ بِالْأَوَّلِ، لِمَا سَبَقَ، وَخَالَفَ قَوْمٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ. ــ قَوْلُهُ: «وَأَمَّا الثَّانِي» أَيْ: وَأَمَّا الْبَعْضُ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ، «وَهِيَ شُرُوطُ الْمُكَلَّفِ بِهِ» ، وَهُوَ الْفِعْلُ «فَأَنْ» أَيْ: فَمِنْهَا: أَنْ «يَكُونَ مَعْلُومَ الْحَقِيقَةِ لِلْمُكَلَّفِ وَإِلَّا» أَيْ: لَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُكَلَّفُ حَقِيقَةَ مَا كُلِّفَ بِهِ «لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إِلَيْهِ» حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إِلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وَجُودُهُ مِنْهُ، لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْقَصْدِ إِلَى الْفِعْلِ مِنْ لَوَازِمِ إِيجَادِهِ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ، انْتَفَى الْمَلْزُومُ وَهُوَ الْإِيجَادُ. مِثَالُهُ: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالصَّلَاةِ، يَجِبُ أَوَّلًا أَنْ يَعْلَمَ حَقِيقَتَهَا، وَأَنَّهَا جُمْلَةُ أَفْعَالٍ، مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَجُلُوسٍ، يَتَخَلَّلُهَا أَذْكَارٌ مَخْصُوصَةٌ، مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ، مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ، حَتَّى يَصِحَّ قَصْدُهُ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَيَشْرَعَ فِيهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ، لَمْ يَدْرِ فِي أَيِّ فِعْلٍ يَشْرَعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَفْعَالِ، فَيَكُونُ تَكْلِيفُهُ بِفِعْلِ مَا لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ.

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «مَعْلُومًا كَوْنُهُ مَأْمُورًا» ، أَيْ: وَمِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، أَنْ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ «بِهِ، وَإِلَّا» أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، «لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ» بِفِعْلِهِ، إِذِ الطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَالِامْتِثَالُ: هُوَ جَعْلُ الْأَمْرِ مِثَالًا يُتَّبَعُ مُقْتَضَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْأَمْرَ لَمْ يُتَصَوَّرْ مُوَافَقَتُهُ لَهُ، وَلَا نَصْبُهُ مِثَالًا يَعْتَمِدُهُ، فَيَكُونُ أَيْضًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا مَثَلًا: يَجِبُ كَذَا، أَوْ لَا يَجِبُ كَذَا، وَإِلَّا كَانَ كَذَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ كَذَا، تَقْدِيرُهُ: يَجِبُ كَذَا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ كَذَا، كَانَ كَذَا، فَهِيَ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، أَصْلُهَا (إِنْ) الشَّرْطِيَّةُ، وَبَعْدَهَا (لَا) النَّافِيَةُ مَفْصُولَةً مِنْهَا، هَكَذَا: يَجِبُ كَذَا، وَإِنْ لَا يَجِبُ كَذَا كَانَ كَذَا أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَا، أَيْ: وَإِنِ انْتَفَى وُجُوبُ كَذَا، كَانَ كَذَا، لَكِنْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَصَلُوا (لَا) بِإِنْ، وَأَدْغَمُوا نُونَ (إِنِ) الشُّرْطِيَّةَ فِي لَامِ (لَا) النَّافِيَةِ، فَصَارَتْ هَكَذَا: وَإِلَّا يَكُنْ كَذَا، كَانَ كَذَا، ثُمَّ حَذَفُوا الشَّرْطَ، لِظُهُورِهِ مِمَّا فِي سِيَاقِهِ، فَقَالُوا: يَجِبُ كَذَا، وَإِلَّا كَانَ كَذَا. وَهَذِهِ الصِّيَغُ فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يُوسُفَ: ٣٣] ، ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٩] ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] ، فَقَوْلُنَا هَاهُنَا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَعْلُومًا لِلْمُكَلَّفِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إِلَيْهِ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْحَقِيقَةِ لِلْمُكَلَّفِ، لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ، وَبَقِيَ جَوَابُهُ يَلِي الشَّرْطَ،

стр. 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَقِيلَ: وَإِلَّا لَمْ يَتَوَجَّهْ، وَهَذَا مِنَ التَّرْكِيبَاتِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ بِالْعَادَةِ، وَلَا يَتَنَبَّهُ لِوَجْهِ تَرْكِيبِهَا كُلُّ أَحَدٍ. قَوْلُهُ: «مَعْدُومًا» أَيْ: وَمِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا، كَصَلَاةِ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ «إِذْ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ مُحَالٌ» كَمَا يُقَالُ لِمَنْ بَنَى حَائِطًا أَوْ كَتَبَ كِتَابًا: ابْنِهِ، أَوِ اكْتُبْهُ بِعَيْنِهِ، مَعَ بَقَائِهِ مَبْنِيًّا مَكْتُوبًا مَرَّةً أُخْرَى. وَإِنَّمَا قُلْنَا: «إِذْ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ مُحَالٌ» ، لِأَنَّ الْإِيجَادَ هُوَ تَأْثِيرُ الْقُدْرَةِ فِي إِخْرَاجِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، فَلَوْ أُوجِدَ مَرَّةً ثَانِيَةً، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا، لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْإِخْرَاجِ مِنَ الْعَدَمِ، مَوْجُودًا بِالْإِيجَادِ الْأَوَّلِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعْدُومًا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ. قَوْلُهُ: «وَفِي انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ خِلَافٌ، الْأَصَحُّ يَنْقَطِعُ، خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيِّ» . لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الرَّوْضَةِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، ذَكَرَهَا الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا، وَهِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ فِيهَا الْخِلَافُ، وَهُوَ شَأْنُ مَا كَانَ وَاسِطَةً بَيْنَ طَرَفَيْنِ غَالِبًا. وَبَيَانُهُ، أَنَّ الْفِعْلَ يَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِ الزَّمَانِ مَاضٍ وَحَالٌ وَمُسْتَقْبَلٌ، وَلَهُ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ، قَبْلُ وَبَعْدُ وَحَالٌ، وَهُوَ الْوَاسِطَةُ. فَالتَّكْلِيفُ إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ، كَالْحَرَكَةِ قَبْلَ التَّحَرُّكِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، إِلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ بَعْدَ حُدُوثِهِ، كَالْحَرَكَةِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا بِانْقِضَاءِ التَّحَرُّكِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ اتِّفَاقًا، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَالَ حُدُوثِهِ، كَالْحَرَكَةِ فِي أَوَّلِ زَمَانِ التَّحَرُّكِ، فَهُوَ جَائِزٌ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَنَا: أَنَّهُ مَقْدُورٌ، وَكُلُّ مَقْدُورٍ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ. أَمَّا أَنَّهُ مَقْدُورٌ فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَقْدُورٍ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ، فَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إِيجَادُهُ، وَالتَّكْلِيفُ إِنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ. قُلْتُ: هَذَا الْمَقَامُ فِيهِ تَحْقِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إِذَا فَسَّرْنَا حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ بِأَنَّهُ أَوَّلُ زَمَنِ وُجُودِهِ، صَحَّ التَّكْلِيفُ بِهِ وَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ تَكْلِيفًا بِإِتْمَامِهِ وَإِيجَادَ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِحَالِ حُدُوثِهِ زَمَنُ وُجُودِهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا، بَلْ يَصِحُّ فِي أَوَّلِ زَمَنِ وُجُودِهِ أَنْ يُكَلَّفَ بِإِتْمَامِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ آخِرِ زَمَنِ وُجُودِهِ يَكُونُ قَدْ وُجِدَ وَانْقَضَى، فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ إِيجَادِ الْمَوْجُودِ. وَهَذَا الْبَحْثُ يَنْزِعُ إِلَى مَسْأَلَةِ الْحَرَكَةِ وَأَنَّهَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ أَوَّلًا، وَمَوْضِعُ ذَلِكَ غَيْرُ هَاهُنَا. وَكَأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ مَنْ أَجَازَ التَّكْلِيفَ عَلَّقَهُ بِأَوَّلِ زَمَنِ الْحُدُوثِ، وَمَنْ مَنَعَهُ عَلَّقَهُ بِآخِرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَأَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا» أَيْ: وَمِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا «إِذِ الْمُكَلَّفُ بِهِ مُسْتَدْعًى حُصُولُهُ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: يُشْتَرَطُ إِمْكَانُ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، لِأَنَّ حُصُولَهُ مُسْتَدْعًى، أَيْ: مَطْلُوبٌ لِلشَّرْعِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرَ الْوُقُوعِ، فَالْمُكَلَّفُ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرَ الْوُقُوعِ، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ مُمْكِنًا، لَكِنَّ الْمُحَالَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَمَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، لَا يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ.

стр. 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَّا أَنَّ الْمُحَالَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، فَلِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا أَنَّ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، لَا يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ، فَلِأَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْحُصُولِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِفَائِدَةٍ، وَحُصُولُ الْفَائِدَةِ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، لَا يُعْقَلُ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُحَالَ لَا يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ، فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ لِعَدَمِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ. قَوْلُهُ: «هَذَا مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالِ» أَيْ: هَذَا تَقْرِيرُ اشْتِرَاطِ إِمْكَانِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَفِيهِ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلِ كَلَامٌ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الشَّرْطِ، هُوَ الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهَا تَكْلِيفُ الْمُحَالِ. وَطَرِيقُ التَّفْصِيلِ فِيهَا أَنَّ الْمُحَالَ ضَرْبَانِ: " مُحَالٌ لِنَفْسِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ " كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، " وَلِغَيْرِهِ " أَيِ: الضَّرْبُ الثَّانِي " مُحَالٌ لِغَيْرِهِ " كَإِيمَانِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، كَفِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْكُفَّارِ، إِيمَانُهُمْ مُمْتَنِعٌ لَا لِذَاتِهِ، أَيْ: لَا لِكَوْنِهِ إِيمَانًا، إِذْ لَوِ امْتَنَعَ إِيمَانُهُمْ لِكَوْنِهِ إِيمَانًا، لَمَا وُجِدَ الْإِيمَانُ مِنْ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ إِيمَانُهُمْ لِغَيْرِهِ، أَيْ: لِعِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ تَعَلُّقُ عِلْمِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَخِلَافُ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَاتِهِ مُحَالٌ لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، فَإِنَّهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ جَمْعًا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، فَعِلَّةُ امْتِنَاعِهِ ذَاتُهُ، لَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْهُ، فَهَذَا

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَحْقِيقُ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ نَحْوُ هَذَا فِي الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ. قَوْلُهُ: " فَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالثَّانِي " يَعْنِي: الْمُحَالَ لِغَيْرِهِ، " وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى امْتِنَاعِهِ بِالْأَوَّلِ " يَعْنِي الْمُحَالَ لِذَاتِهِ " لِمَا سَبَقَ "، يَعْنِي فِي التَّقْرِيرِ الْإِجْمَالِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، فَلَا يُسْتَدْعَى حُصُولُهُ. قَوْلُهُ: " وَخَالَفَ قَوْمٌ "، أَيْ: فِي هَذَا الضَّرْبِ، وَهُوَ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ، فَقَالُوا: يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ، " وَهُوَ أَظْهَرُ " يَعْنِي فِي النَّظَرِ، لِمَا يُتَقَرَّرُ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُحَالَ لِغَيْرِهِ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ إِجْمَاعًا، وَفِي الْمُحَالِ لِذَاتِهِ، قَوْلَانِ لِلنَّاسِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ جَوَازُ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: امْتِنَاعُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ وَأَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ بِالْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الثَّنَوِيَّةِ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ الْأَوَّلِ، وَجَوَازُ الثَّانِي. قُلْتُ: فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ قِسْمَيِ الْمُمْتَنِعِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ الْعِلْمِ. وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ دَاخِلٌ فِي الْخِلَافِ، لِأَنَّهُ اخْتَارَ فِي كُلِّ قِسْمٍ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ، فَهُوَ كَالْخِلَافِ الَّذِي لَا يَرْفَعُ الْإِجْمَاعَ. وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي كِتَابِ " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ " أَنَّ الْمُحَالَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُحَالٌ مُطْلَقٌ: وَهُوَ كُلُّ مَا أَوْجَبَ عَلَى ذَاتِ الْبَارِئِ تَغَيُّرًا أَوْ نَقْصًا، فَهُوَ مُحَالٌ

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِعَيْنِهِ. وَمُحَالٌ فِيمَا بَيَّنَّا فِي بَيِّنَةِ الْعَقْلِ، كَكَوْنِ الْمَرْءُ قَائِمًا قَاعِدًا، وَنَحْوِهِ مِنَ اجْتِمَاعِ الْأَضْدَادِ وَالنَّقَائِضِ. وَمُحَالٌ فِي الْوُجُودِ، كَانْقِلَابِ الْجَمَادِ حَيَوَانًا، وَانْقِلَابِ نَوْعٍ مِنَ الْحَيَوَانِ نَوْعًا مِنْهُ آخَرَ، كَانْقِلَابِ الْفَرَسِ جَمَلًا أَوْ ثَوْرًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَمُحَالٌ بِالْإِضَافَةِ، كَنَبَاتِ اللِّحْيَةِ لِابْنِ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِحْبَالِهِ النِّسَاءَ، وَكَلَامِ الْأَبْلَهِ الْغَبِيِّ فِي دَقَائِقِ الْمَنْطِقِ، وَصَنْعَةِ الشِّعْرِ الْبَدِيعِ، فَهَذَا مُحَالٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الصَّبِيِّ وَالْأَبْلَهِ، أَمَّا إِلَى الرَّجُلِ الْبَالِغِ وَالذَّكِيِّ الْفَاضِلِ، فَهُوَ مُمْكِنٌ قَرِيبٌ. وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ، أَنَّ الْبَارِئَ ﷻ قَادِرٌ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ مِنَ الْمُحَالِ جَمِيعِهَا، خَلَا الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لِاسْتِحَالَتِهِ لِعَيْنِهِ، وَعَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ الْمَقْدُورِ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ لَيْسَ بِسُؤَالٍ أَصْلًا، حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٤] . وَذَكَرَ الْكِنَانِيُّ فِي " مَطَالِعِ الشَّرِيعَةِ " أَنَّ امْتِنَاعَ الْعَقْلِ قَدْ يَكُونُ لِعَيْنِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِ الْقَادِرِينَ، كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَطَيَرَانِ الْآدَمِيِّ وَفَقْدِ الْآلَةِ فِي تَكْلِيفِ الْأَعْمَى نَقْطَ الْمُصْحَفِ، وَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ فِي تَكْلِيفِ الْقَائِمِ الْقُعُودَ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ تَقَدُّمَ الْقُدْرَةِ عَلَى

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ فَهْمِ الْخِطَابِ، كَالْمَيِّتِ. وَقَدِ اضْطَرَبَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ، فِي جَوَازِ أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي هَذَا النَّوْعِ الْأَخِيرِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِعَقْدِ الْبَابِ، هَذَا لَفْظُهُ. وَذَكَرَ مَأْخَذَ الْخِلَافِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 178

لَنَا، إِنْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ ، وَقَدْ صَحَّ ثَمَّ، فَلْيَصِحَّ هُنَا. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ، فَلِأَنَّ الْمُحَالَ، مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ. أَمَّا الْأُولَى فَظَاهِرَةٌ، إِذِ اشْتِقَاقُ الْمُحَالِ مِنَ الْحُؤُولِ عَنْ جِهَةِ إِمْكَانِ الْوُجُودِ. أَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِأَنَّ خِلَافَ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، وَبِهِ احْتَجَّ آدَمُ عَلَى مُوسَى، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَإِلَّا انْقَلَبَ الْعِلْمُ الْأَزَلِيُّ جَهْلًا. . وَقَدْ جَازَ التَّكْلِيفُ بِهِ إِجْمَاعًا، فَلْيَجُزْ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، بِجَامِعِ الِاسْتِحَالَةِ، وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ بِالْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ، لِانْتِسَاخِهِ بِالِاسْتِحَالَةِ بِالْغَيْرِ الْعَرَضِيَّةِ. وَأَيْضًا فَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِهِ، إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُودِهِ، فَيَجِبُ. أَوْ لَا، فَيَمْتَنِعُ، وَالتَّكْلِيفُ بِهِمَا مُحَالٌ. ــ قَوْلُهُ: «لَنَا، إِنْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، وَقَدْ صَحَّ ثَمَّ، فَلْيَصِحَّ هُنَا» . هَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي تَقْرِيرِ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ، عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ أَنَّ الْمُحَالَ لِذَاتِهِ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ. وَتَقْرِيرُهُ: إِنْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، كَإِيمَانِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَقَدْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْلِيفِ كُلِّ كَافِرٍ بِالْإِيمَانِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، هَذَا تَقْرِيرُ نَظْمِ الدَّلِيلِ. قَوْلُهُ: «أَمَّا الْمُلَازَمَةُ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَقْرِيرُ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ، وَالْمُلَازَمَةُ، هِيَ كَوْنُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مُلَازِمًا لِلْآخَرِ، لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ، لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ مَلْزُومٍ لَا لَازِمَ لَهُ. وَهُوَ كَقَوْلِنَا: إِنْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا، فَهُوَ

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَيَوَانٌ، لَكِنَّهُ إِنْسَانٌ، فَهُوَ حَيَوَانٌ، فَالْإِنْسَانُ مَلْزُومٌ لِلْحَيَوَانِ، وَالْحَيَوَانُ لَازِمٌ لِلْإِنْسَانِ فَلَا جَرَمَ لَمَّا وُجِدَ الْإِنْسَانُ الَّذِي هُوَ الْمَلْزُومُ، لَزِمَ وُجُودُ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ اللَّازِمُ، عُدْنَا إِلَى تَقْرِيرِ عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» . فَقَوْلُنَا: إِنَّ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، هَذَا هُوَ الْمُلَازَمَةُ الَّتِي نُرِيدُ تَقْرِيرَهَا. وَتَكْلِيفُ الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ مَلْزُومٌ لِتَكْلِيفِ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ. وَمَقْصُودُنَا، أَنَّ الْأَوَّلَ مَلْزُومٌ لِلثَّانِي، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، لَزِمَ مِنْ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صِحَّةَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلْزُومٌ لِلثَّانِي، كَمَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْإِنْسَانِ وُجُودُ الْحَيَوَانِ، لِأَنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْحَيَوَانِ. وَوَجْهُ تَقْرِيرِ الْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ، هُوَ: أَنَّ «الْمُحَالَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ» أَيْ: عَدَمُ تَصَوُّرِ الْوُقُوعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَهُمَا الْمُحَالُ لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ: أَيْ: كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ، كَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ. وَنَعْنِي بِعَدَمِ تَصَوُّرِ وُقُوعِهِ، أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا وُقُوعَهُ، لَزِمَ مِنْهُ مُحَالٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: «أَمَّا الْأُولَى فَظَاهِرَةٌ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي تَقْرِيرِ الْمُلَازَمَةِ مُرَكَّبٌ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ قَضِيَّةٌ جُعِلَتْ جُزْءَ قِيَاسٍ، وَهُوَ الدَّلِيلُ، وَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الدَّلِيلُ مُقَدِّمَتَانِ:

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَالْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي هَذَا الدَّلِيلِ قَوْلُنَا: الْمُحَالُ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ. وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُنَا: وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، فَنَحْتَاجُ أَنْ نَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، لِتَكُونَ الدَّعْوَى الَّتِي أَقَمْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ لَازِمَةٌ عَنْهُ، صَحِيحَةً، وَهِيَ أَنَّ الْمُحَالَ لِذَاتِهِ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ. وَتَقْرِيرُ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى: وَهِيَ قَوْلُنَا: الْمُحَالُ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، «إِذِ اشْتِقَاقُ الْمُحَالِ مِنَ الْحُؤُولِ عَنْ جِهَةِ إِمْكَانِ الْوُجُودِ» وَهَذَا تَقْرِيرٌ اشْتِقَاقِيٌّ لُغَوِيٌّ، يُقَالُ: حَالَ الشَّيْءُ يَحُولُ حَوْلًا وَحُؤُولًا، إِذَا تَغَيَّرَ وَانْقَلَبَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَأَصْلُ مَادَّةِ «ح ول» يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التَّغَيُّرِ وَالِانْتِقَالِ وَالتَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ أَوْ مَكَانٍ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَرْضٌ وَقَوْسٌ مُسْتَحِيلَةٌ، أَيْ: لَيْسَتْ بِمُسْتَوِيَةٍ، لِأَنَّهَا اسْتَحَالَتْ عَنْ الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْعِوَجِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الِاشْتِقَاقِ، أَنَّ أَرْكَانَهُ مُشْتَقٌّ، وَمُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَمَادَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَهِيَ الْحُرُوفُ الْأُصُولُ فِيهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرٍ مَا، بِحَرْفٍ أَوْ بِحَرَكَةٍ أَوْ بِهِمَا، بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ بِهِمَا، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوَاضِعِهِ، فَمَتَى وُجِدَ ذَلِكَ، صَحَّ الِاشْتِقَاقُ، وَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ هَهُنَا، فَالْمُشْتَقُّ هُوَ الْمُحَالُ، وَالْمُشْتَقُّ مِنْهُ هُوَ الْحَوَلُ وَالتَّحَوُّلُ،
следующие страницы →