Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَصُورَتُهَا: إِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِاسْمِ جِنْسٍ، كَتَخْصِيصِ الرِّبَوِيَّاتِ السِّتَّةِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، أَوِ اسْمِ عَلَمٍ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ عَالِمٌ.
قُلْتُ: فَجَعَلَ اسْمَ الْجِنْسِ وَالْعَلَمِ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ التِّبْرِيزِيُّ: وَاللَّقَبُ كَالْأَعْلَامِ، وَجَعَلَهَا الْأَصْلَ، وَأَلْحَقَ بِهَا أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ. قَالَ: وَغَيْرُهُ - يَعْنِي غَيْرَ التَّبْرِيزِيِّ، - أَطْلَقَ فِي الْجَمِيعِ.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ أَطْلَقَ مَفْهُومَ اللَّقَبِ عَلَى مَفْهُومِ الْجِنْسِ وَالْعَلَمِ.
قَوْلُهُ: «مُشْتَقًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ» ، يَعْنِي الِاسْمَ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، سَوَاءً كَانَ مُشْتَقًّا، نَحْوَ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَإِنَّ الطَّعَامَ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّعْمِ، «أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ» ، كَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الرِّبَوِيَّةِ ; فَإِنَّ مَفْهُومَهُ حُجَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الدَّقَّاقِ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمَنَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ، جَرَيَانَ الرِّبَا فِي غَيْرِهَا» . هَذَا حُجَّةٌ لِمُنْكِرِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّهُ يَلِي ذِكْرَهُمْ، أَيْ: وَأَنْكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَإِلَّا لَمَنَعَ، إِلَى آخِرِهِ.
تَقْرِيرُهُ: لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً، لَمَنَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي
стр. 1297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ، مِنْ أَنْ يَجْرِيَ الرِّبَا فِي غَيْرِهَا ; لِأَنَّ مُعْتَمَدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَا سَبَقَ مِنْ طَلَبِ فَائِدَةِ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ، وَالْأَعْيَانُ السِّتَّةُ قَدْ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهَا ; فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الرِّبَا فِي غَيْرِهَا، لَكِنَّهُ بَاطِلٌ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ فِي كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ عِلَّتُهَا، عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا، كَالذُّرَةِ، وَالسِّمْسِمِ، وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْمَكِيلَاتِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَطْعُومَاتِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَزَّالِيَّ جَعَلَ مَفْهُومَ اللَّقَبِ أَوَّلَ مَرَاتِبِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، قَالَ: وَهُوَ أَبْعَدُهَا، وَقَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ كُلُّ مُحَصِّلٍ، كَتَخْصِيصِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فِي الرِّبَا، ثُمَّ قَالَ: الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ: الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ الدَّالُّ عَلَى جِنْسٍ، نَحْوَ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ» . قَالَ: فَيَظْهَرُ إِلْحَاقُهُ بِاللَّقَبِ ; لِأَنَّ الطَّعَامَ لَقَبٌ لِجِنْسِهِ، أَيْ: بِالنَّظَرِ إِلَى جِنْسِهِ، كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِمَّا يُتَطَعَّمُ، كَالْغَنَمِ وَالْمَاشِيَةِ ; فَلَا يُدْرَكُ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ. وَبَيْنَ قَوْلِهِ: «فِي الْمَاشِيَةِ الزَّكَاةُ» . وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَقَّةً مِنَ الْمَشْيِ مَثَلًا.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مُنْكِرُو مَفْهُومِ اللَّقَبِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَبَطَلَ الْقِيَاسُ مُطْلَقًا، أَوْ غَالِبًا، أَوْ كَثِيرًا، إِذْ هُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ ; فَلَوْ صَحَّ مَفْهُومُ اللَّقَبِ ; لَكَانَ النَّصُّ عَلَى الْأَصْلِ مُفِيدًا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ ; فَلَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ الْقِيَاسِيُّ.
стр. 1298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي الْأَحْكَامِ، الْأَرْجَحُ فَالْأَرْجَحُ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُفِيدَ الْقِيَاسُ مِنَ الظَّنِّ أَرْجَحَ مِمَّا يُفِيدُهُ الْمَفْهُومُ ; فَيُقَدَّمُ، كَمَا يُقَدَّمُ خَبَرُ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَكَمَا فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَالْعِلَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً، لَكَانَ الْقَائِلُ: عِيسَى رَسُولُ اللَّهِ، كَافِرًا، لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الرِّسَالَةِ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ إِنْ تَنَبَّهَ لِمَفْهُومِ لَفْظِهِ هَذَا، وَأَرَادَهُ، حُكِمَ بِكُفْرِهِ، لَكِنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ لَا يَتَنَبَّهُ لِفَحْوَى خِطَابِهِ، خُصُوصًا هَذَا الْمَفْهُومَ ; فَإِنَّهُ وَإِنِ احْتُجَّ بِهِ، لَكِنَّهُ مِنْ أَضْعَفِ الْمَفْهُومَاتِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ ; فَقَدْ لَا يُرِيدُهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً، لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: زَيْدٌ يَأْكُلُ. نَافِيًا لِلْأَكْلِ عَنْ غَيْرِ زَيْدٍ.
وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ، أَوْ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ.
أَمَّا مُعْتَمَدُ الْقَائِلِينَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ; فَهُوَ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمَنْطُوقَ بِهِ لَوْ شَارَكَ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ، لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ، فَإِنْ بَيَّنَ الْخَصْمُ لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةً غَيْرَ اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ. قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ اخْتِصَاصُهُ بِالْحُكْمِ مِنْ جُمْلَةِ فَائِدَتِهِ تَكْثِيرًا لَهَا، كَمَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ.
نَعَمْ، هَذَا الْمَفْهُومُ ضَعِيفٌ جِدًّا ; فَلِذَلِكَ أَلْغَاهُ الْخَصْمُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَسَبَبُ ضَعْفِهِ أَنَّ الصِّفَةَ وَالشَّرْطَ، وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ فِي
стр. 1299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَانْتِفَاءُ الْعِلَّةِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ فِيهِ، بِخِلَافِ اللَّقَبِ ; فَإِنَّهُ لِجُمُودِهِ، ضَعُفَ ظُهُورُ التَّعْلِيلِ فِيهِ، لَكِنَّ ضَعْفَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْغَايَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّ ضَعْفَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، أَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ ; فَقَوِيٌّ يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ.
قُلْتُ: الْأَشْبَهُ الَّذِي تَسْكُنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَأَنَّهُ فِي الْمَفْهُومَاتِ كَالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْمَنْطُوقَاتِ، وَالْقِيَاسِ الشَّبَهِيِّ فِي الْأَقْيِسَةِ.
فَائِدَةٌ: اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ مَا ظَهَرَ سَبَبُ تَخْصِيصِهِ لِلْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، كَوُقُوعِهِ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ، أَوْ خُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَكَمَا قِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ; فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ لُحُومِ الْإِبِلِ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، إِذِ النَّوَاقِضُ كَثِيرَةٌ، وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ السَّائِلَ هُوَ الَّذِي ذَكَّرَ الْمُتَكَلِّمَ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ، لِسُؤَالِهِ عَنْهُ ; فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَصَوَّرَ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ، وَقَصَدَهُ بِنَفْيِ الْحُكْمِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْخَارِجُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ الْمُقَيَّدُ بِهَا غَالِبَةً عَلَى الْمَوْصُوفِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾ [النِّسَاءِ: ٣٥] ، إِذْ خَوْفُ الشِّقَاقِ غَالِبُ حَالِ الْخَلْعِ، وَقَوْلِهِ : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٣] ، إِذِ الْغَالِبُ كَوْنُ الرَّبِيبَةِ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ تَبَعًا لِأُمِّهَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣١] ، أَيْ: فَقْرٍ وَإِقْتَارٍ، إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ إِنَّمَا يَكُونُ لِضَرُورَةٍ،
стр. 1300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَضَرُورَةِ الْفَقْرِ وَقِلَّةِ الْمَعَاشِ، وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي الْمَوْءُودَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْلَادِ، يَقْتُلُونَهُمْ خَوْفَ الْعَارِ وَالْحَاجَةِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ مُنْكِرُو مَفْهُومِ اللَّقَبِ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ ﵇: صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ: ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ ﵇: فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ جِنْسُ الْحَجَرِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ وَالْحَجَرَ غَالِبَانِ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَالِاسْتِنْجَاءِ، وَالِاسْتِجْمَارِ. أَمَّا فَهْمُ عَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا دُونُ الثَّلَاثَةِ ; فَهُوَ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْعَدَدِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ عَلَى مَنِ اشْتَرَطَ السَّوْمَ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، إِذِ الْغَالِبُ عَلَى أَغْنَامِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا السَّوْمُ ; فَلَا مَفْهُومَ لَهُ.
وَوَجْهُ كَوْنِ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ الْغَالِبَةِ لَا مَفْهُومَ لَهُ: بِأَنَّ الصِّفَةَ إِذَا غَلَبَتْ
стр. 1301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى الْمَوْصُوفِ، لَزِمَتْهَا فِي الذِّهْنِ ; فَكَانَ اسْتِحْضَارُ الْمُتَكَلِّمِ لَهَا لِغَلَبَتِهَا، لَا لِقَصْدِ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِهَا، وَإِذَا لَمْ تَغْلِبِ الصِّفَةُ عَلَى مَوْصُوفِهَا، ظَهَرَ أَنَّ اسْتِحْضَارَ الْمُتَكَلِّمِ الْحُكْمَ بِهَا، لَا لِغَلَبَتِهَا وَلُزُومِهَا لِلْحَقِيقَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَا. وَعَارَضَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا التَّوْجِيهَ بِعَكْسِهِ، وَهُوَ أَنَّ الصِّفَةَ إِذَا غَلَبَتْ، كَانَ ثُبُوتُهَا لِلْحَقِيقَةِ مَعْلُومًا بِالْغَلَبَةِ، وَعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ ; فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَعْرِيفِ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ، وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ ذِكْرَ الْمُتَكَلِّمِ لَهَا تَقْيِيدٌ لِلْحُكْمِ بِهَا، بِخِلَافِ الصِّفَةِ غَيْرِ الْغَالِبَةِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا لَمْ يُفِدْ ثُبُوتُهَا لِلْحَقِيقَةِ، أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذِكْرَ الْمُتَكَلِّمِ لَهَا تَعْرِيفًا لِلسَّامِعِ بِثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ، لَا لِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِهَا، وَهِيَ مُعَارَضَةٌ جَيِّدَةٌ، وَجَوَابُهَا مَا سَبَقَ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْهَا.
خَاتِمَةٌ: ذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ الْمُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ:
أَحَدُهَا: اقْتِرَانُ الِاسْمِ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ الْخَاصَّةِ، نَحْوَ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، نَحْوَ: إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ ; فَأَكْرِمُوهُ.
الثَّالِثُ: مَفْهُومُ الْغَايَةِ، نَحْوَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] .
стр. 1302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرَّابِعُ: مَفْهُومُ إِنَّمَا، نَحْوَ: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
الْخَامِسُ: مَفْهُومُ التَّخْصِيصِ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي تَطْرَأُ وَتَزُولُ، نَحْوَ: فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ.
السَّادِسُ: مَفْهُومُ اللَّقَبِ، كَتَخْصِيصِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا.
السَّابِعُ: مَفْهُومُ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُشْتَقِّ، كَقَوْلِهِ: لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لِكَوْنِ الطَّعَامِ لَقَبًا لِجِنْسٍ.
الثَّامِنُ: مَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٣٥، مُحَمَّدٍ: ١٩] ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زَيْدٌ.
التَّاسِعُ: مَفْهُومُ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ خَاصٍّ، كَتَخْصِيصِ حَدِّ الْقَذْفِ بِثَمَانِينَ.
الْعَاشِرُ: مَفْهُومُ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، نَحْوَ: الْعَالِمُ زَيْدٌ.
قَالَ: وَمُسْتَنَدُ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ: إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ إِلَى فَائِدَةِ تَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ.
وَذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ أَيْضًا عَشَرَةً:
أَحَدُهَا: مَفْهُومُ الْعِلَّةِ، نَحْوَ: مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.
وَمَفْهُومُ الصِّفَةِ، نَحْوَ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعِلَّةَ
стр. 1303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْأَوَّلِ عَيْنُ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْإِسْكَارُ، وَفِي الثَّانِي السَّوْمُ لَيْسَ عِلَّةً، بَلْ مُكَمِّلٌ لِلْعِلَّةِ وَهِيَ الْغِنَى.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ، نَحْوَ: مَنْ تَطَهَّرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ.
وَمَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْغَايَةِ، وَالْحَصْرِ، وَأَمْثِلَتُهَا ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ سَبَقَتْ.
وَمَفْهُومُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، نَحْوَ: سَافَرْتُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَجَلَسْتُ أَمَامَ زَيْدٍ.
وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ. وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ، نَحْوَ: «فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» . وَهُوَ أَضْعَفُهَا، وَبَيْنَ الْقَوْلَيْنِ تَفَاوُتٌ لَا يَخْفَى، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُمَا تَدْرِيبًا لِلنَّاظِرِ بِتَغَايُرِ الْعِبَارَاتِ، وَاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ، وَضَرْبِ الْأَمْثِلَةِ، وَلِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي الْفَهْمِ.
قُلْتُ: الضَّابِطُ فِي بَابِ الْمَفْهُومِ: أَنَّهُ مَتَى أَفَادَ ظَنًّا عُرِفَ مِنْ تَصَرُّفِ الشَّرْعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى مِثْلِهِ، خَالِيًا عَنْ مُعَارِضٍ، كَانَ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَالظُّنُونُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِ، وَمَنْ تَدَرَّبَ بِالنَّظَرِ فِي اللُّغَةِ، وَعَرَفَ مَوَاقِعَ الْأَلْفَاظِ، وَمَقَاصِدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، سَهُلَ عِنْدَهُ إِدْرَاكُ ذَلِكَ التَّفَاوُتِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1304
الْإِجْمَاعُ
لُغَةً: الْعَزْمُ وَالِاتِّفَاقُ.
وَاصْطِلَاحًا اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ جَوَازَهُ عَقْلًا، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ فَإِنْكَارُهُ عِنَادٌ، ثُمَّ الْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُهُ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَعَ وُجُودِ الْعَقْلِ، وَنَصْبِ الْأَدِلَّةِ، وَوَعِيدِ الشَّرْعِ الْبَاعِثِ عَلَى الْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ كَيْفَ يَمْتَنِعُ! وَاخْتِلَافُ الْقَرَائِحِ عَقْلِيٌّ بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي الشَّهْوَانِيَّةِ، إِذْ هُوَ طَبَعِيٌّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَلِيٌّ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يُحْكَمُ بِتَصَوُّرِ وَجُودِهِ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ عِنْدَ قِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
ــ
الْقَوْلُ فِي «الْإِجْمَاعِ» وَهُوَ «لُغَةً» أَيْ: فِي اللُّغَةِ «الْعَزْمُ وَالِاتِّفَاقُ» أَيْ: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَجْمَعْتُ الْأَمْرَ، وَعَلَى الْأَمْرِ، إِذَا عَزَمْتَ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ مُجْمَعٌ. قُلْتُ: وَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لِتَعَدِّيهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ فِيمَا حَكَاهُ.
قُلْتُ: وَكَمَا تَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، تَعَدَّى بِالتَّضْعِيفِ، فَيُقَالُ: أَجْمَعَ وَجَمَّعَ، وَفِي الْحَدِيثِ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَيْ: يَعْزِمْ عَلَيْهِ.
стр. 1305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجُوزُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ: أَجْمَعَ، يُجْمِعُ، وَبِالتَّشْدِيدِ مِنْ: جَمَّعَ يُجَمِّعُ. وَيُقَالُ:
أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا، أَيِ: اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «وَاصْطِلَاحًا» أَيْ: وَالْإِجْمَاعُ فِي الِاصْطِلَاحِ، أَيِ: اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ: «اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ» .
فَقَوْلُنَا: «مُجْتَهِدِي» : احْتِرَازٌ مِنِ اتِّفَاقِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُعَدُّ إِجْمَاعًا.
وَقَوْلُنَا: «مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ» : عَامٌّ فِي الْمُجْتَهِدِينَ كُلِّهِمْ، فَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنِ اتِّفَاقِ بَعْضِهِمْ فَقَطْ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُنَا: «مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» : احْتِرَازٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ غَيْرِهَا، كَاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى أَحْكَامِ دِينِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْنَا.
وَقَوْلُنَا: «عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ» أَيْ: يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لِذَاتِهِ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا، احْتِرَازٌ مِنِ اتِّفَاقِ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ عَلَى أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، كَالْمَصْلَحَةِ فِي إِقَامَةِ مَتْجَرٍ، أَوْ حِرْفَةٍ، أَوْ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ، لَكِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لِذَاتِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةٍ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوِ اللُّغَةِ، أَوِ الْحِسَابِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا، أَوِ اصْطِلَاحِيًّا، وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا فِي الْحَقِيقَةِ، لِتَعَلُّقِهِ بِالشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ بِوَاسِطَةٍ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْإِجْمَاعُ فِي الشَّرْعِ: اتِّفَاقُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَلْخِيصُ هَذَا.
стр. 1306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ اتِّفَاقُ جُمْلَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَصْرٍ مَا عَلَى حُكْمِ وَاقِعَةٍ مِنَ الْوَقَائِعِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ.
قَالَ: وَنَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ الِاشْتِرَاكَ، إِمَّا فِي الْقَوْلِ، أَوِ الْفِعْلِ، أَوِ الِاعْتِقَادِ. وَبِأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ: الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَبِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ: الشَّرْعِيَّاتِ، وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَالْعُرْفِيَّاتِ.
قَوْلُهُ: «وَأَنْكَرَ قَوْمٌ جَوَازَهُ» أَيْ: جَوَازَ الْإِجْمَاعِ مِنْ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمٍ «عَقْلًا» أَيْ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى حُكْمِ وَاقِعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَقَلِّينَ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» أَيْ: جَوَازُ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى حُكْمٍ مَا «ضَرُورِيٌّ» أَيْ: مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْكَارُهُ» أَيْ: حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ جَوَازَ وُجُودِ الْإِجْمَاعِ ضَرُورِيٌّ، فَإِنْكَارُ جَوَازِهِ «عِنَادٌ» لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي الضَّرُورِيَّاتِ عِنَادٌ.
نَعَمْ. هَؤُلَاءِ اسْتَبْعَدُوا وُقُوعَهُ مَعَ كَثْرَةِ الْعِبَادِ وَتَبَاعُدِ الْبِلَادِ وَاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ، فَظَنُّوا الِاسْتِبْعَادَ اسْتِحَالَةً.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُهُ» هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ وَقَعَ، وَالْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ، أَيْ: يَدُلُّ عَلَيْهِ
стр. 1307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالِالْتِزَامِ، لِأَنَّ الْجَوَازَ لِلْوُقُوعِ، وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ، أَمَّا وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ «فَكَالْإِجْمَاعِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ» الْخَمْسِ، وَهِيَ الشَّهَادَتَانِ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْحَجُّ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ، وَوَاجِبَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَأَحْكَامٍ أَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، وَفِيهَا لَا يَخْتَلِفُونَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِالتَّوَاتُرِ، لَا بِالْإِجْمَاعِ.
قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا ثَابِتٌ، لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَأَمَّا التَّوَاتُرُ فِيهَا، فَهُوَ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ، أَوْ أَنَّهَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ مَعًا، أَوْ مُرَتَّبًا، لَمَّا تَوَاتَرَتْ أُجْمِعَ عَلَيْهَا، أَوْ لَمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهَا، تَوَاتَرَتْ، وَكَيْفَمَا كَانَ، فَالْإِجْمَاعُ فِيهَا ثَابِتٌ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.
وَأَمَّا أَنَّ الْوُقُوعَ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ، فَلِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا هُوَ جَائِزُ الْوُقُوعِ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ مَعَ وُجُودِ الْعَقْلِ، وَنَصْبِ الْأَدِلَّةِ، وَوَعِيدِ الشَّرْعِ الْبَاعِثِ عَلَى الْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ كَيْفَ يَمْتَنِعُ! هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَوَازِهِ، عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ وَالتَّسْهِيلِ لَهُ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَاهُنَا أُمُورًا لَا يَمْتَنِعُ مَعَهَا وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ:
أَحَدُهَا: وُجُودُ الْعَقْلِ فِي الْمُجْتَهِدِينَ.
стр. 1308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالثَّانِي: نَصْبُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ عَلَى الْأَحْكَامِ.
وَالثَّالِثُ: وَعِيدُ الشَّرْعِ الْبَاعِثُ عَلَى الْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَالنَّظَرِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ، كَقَوْلِهِ : انْظُرُوا ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٧ و١٨٥] ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ بِالنَّظَرِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي النَّظَرِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَالْعَقْلُ يَضْطَرُّ صَاحِبَهُ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِ الِاجْتِهَادِ إِلَى النَّظَرِ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى دَرْكِ الْحَقِّ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إِدْرَاكُهُ، خُصُوصًا مَعَ قِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الرَّابِعُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ مُجْتَهِدِي كُلِّ عَصْرٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ قَلِيلٌ جِدًّا، بِحَيْثُ إِنَّ الْإِقْلِيمَ الْعَظِيمَ، الطَّوِيلَ الْعَرِيضَ، لَا يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَعَ تَحَقُّقِ هَذِهِ الْأُمُورِ، لَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ:» وَاخْتِلَافُ الْقَرَائِحِ عَقْلِيٌّ بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي الشَّهْوَانِيَّةِ، إِذْ هُوَ طَبَعِيٌّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَلِيٌّ «.
هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَمَشْهُورٍ لِمُنْكِرِي جَوَازِ الْإِجْمَاعِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ اتِّفَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ لَوْ جَازَ وُقُوعُهُ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، أَوْ قَطْعِيٍّ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، إِذْ يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَذْهَانِ وَالْقَرَائِحِ اجْتِمَاعُ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ عَلَى مُوجِبِ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، كَمَا يَسْتَحِيلُ عَادَةً اتِّفَاقُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ الشَّهَوَاتِ وَالدَّوَاعِي عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ اتِّفَاقُهُمْ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ يُبْطِلُ فَائِدَةَ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْقَاطِعَ
стр. 1309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَتَوَفَّرُ دَوَاعِي نَقْلِهِ، فَيَسْتَحِيلُ خَفَاؤُهُ عَادَةً، فَيَجِبُ ظُهُورُهُ، وَمَعَ ظُهُورِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْقَاطِعِ، وَإِذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَاطِعِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَانَ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةٍ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّهُ يَجُوزُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَنْ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وَعَنْ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمْ.
أَمَّا انْعِقَادُهُ عَنِ الظَّنِّيِّ فَجَائِزٌ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ كَمَا سَبَقَ.
قَوْلُكُمْ: يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى مُوجِبِهِ عَادَةً، كَمَا يَسْتَحِيلُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَذْهَانِ وَالْقَرَائِحِ فِي النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ عَقْلِيٌّ، أَيْ: مُسْتَنَدُهُ الْعَقْلُ وَالْعَقْلُ مَعَ نَصْبِ الْأَدِلَّةِ، وَبَاعِثِ الْوَعِيدِ عَلَى النَّظَرِ يُرْشِدُ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي نَفْسِهِ، لَا يَخْتَلِفُ، فَيَصِحُّ وُقُوعُ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي الشَّهْوَانِيَّةِ» يَعْنِي شَهَوَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَإِنَّهُ «طَبَعِيٌّ» أَيْ: مُسْتَنَدُهُ الطَّبْعُ، وَالطِّبَاعُ تَخْتَلِفُ بِحَقَائِقِهَا وَأَعْرَاضِهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا فِي أُصُولِ الْعَالَمِ، وَمَا رُكِّبَ مِنْهُ.
أَمَّا أُصُولُ الْعَالَمِ أَعْنِي عَالَمَ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ، وَهِيَ الْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعُ فَاخْتِلَافُ طِبَاعِهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا مَحْسُوسٌ، إِذِ الْأَرْضُ طَبْعُهَا الْهُبُوطُ التَّامُّ، وَالنَّارُ طَبْعُهَا الصُّعُودُ التَّامُّ، وَالْمَاءُ طَبْعُهُ الْهُبُوطُ الْقَاصِرُ، وَالْهَوَاءُ طَبْعُهُ الصُّعُودُ الْقَاصِرُ، وَالنَّارُ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالْهَوَاءُ حَارٌّ رَطْبٌ، وَالْمَاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَالْأَرْضُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ.
وَأَمَّا مَا تَرَكَّبَ مِنْ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ مِنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتِلَافِ
стр. 1310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طِبَاعِهِ وَأَمْزِجَتِهِ ظَاهِرٌ، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ ذَلِكَ تَخْتَلِفُ شَهَوَاتُهُمْ، فَمِنْهُمُ الْمَحْرُورُ الَّذِي يُؤْثِرُ تَنَاوُلَ الْمُبَرِّدَاتِ، وَالْمَقْرُورُ الَّذِي يُؤْثِرُ تَنَاوُلَ الْمُسَخِّنَاتِ وَذُو الْمِزَاجِ الْيَابِسِ الَّذِي يُؤْثِرُ الْمُرَطِّبَاتِ، وَذُو الْمِزَاجِ الرَّطْبِ الَّذِي يُؤْثِرُ تَنَاوُلَ الْمُجَفِّفَاتِ، لِأَنَّ الضِّدَّ مِنْ ذَلِكَ يُقْمَعُ بِضِدِّهِ، وَتَقْتَضِي الطَّبِيعَةُ تَعْدِيلَ الْمِزَاجِ بِتَنَاوُلِهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَتْلِ الْقَاتِلِ وَالْمُرْتَدِّ، وَحَدِّ الزَّانِي، وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَنَحْوِهَا، لِأَنَّا لَمَّا عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ مِنْ حِكْمَةِ الشَّرْعِ، التَّشَوُّفَ إِلَى حِفْظِ النُّفُوسِ، وَالْأَدْيَانِ، وَالْأَنْسَابِ، وَالْعُقُولِ، وَوَرَدَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِعُقُوبَاتِ أَهْلِ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُنَاسِبًا فِي النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ، لَا جَرَمَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عُقُوبَاتِ هَؤُلَاءِ، وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَجُزِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الِاغْتِذَاءِ بِالْبِطِّيخِ أَوِ الْبَاذِنْجَانِ أَوِ السَّمَكِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ هُنَاكَ أَمْزِجَةً لَا تُوَافِقُ هَذِهِ الْمَآكِلَ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا أَصْحَابُهَا.
وَسِرُّ الْفَرْقِ: أَنَّ الْعَقْلَ أَمْرٌ مُخْتَارٌ، يَدُورُ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ مَا دَارَ، بِخِلَافِ الطَّبْعِ، فَإِنَّهُ مَجْبُورٌ بِقُدْرَةِ الْجَبَّارِ، عَلَى مَا سُخِّرَ لَهُ بِطَرِيقِ الِاضْطِرَارِ، فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لِذَوِي الْأَبْصَارِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَلِيٌّ» .
وَأَمَّا انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْقَاطِعِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ الْإِجْمَاعِ،
стр. 1311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنَّهُ كَافٍ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: إِنَّمَا يُحْكَمُ بِتَصَوُّرِ وُجُودِهِ» يَعْنِي وُجُودَ الْإِجْمَاعِ «عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ ﵃ عِنْدَ قِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ» يَعْنِي الْإِمْكَانَ الْمَوْقُوفَ عَلَى آرَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْعَادٍ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَنَحْوِهِ، وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ تَوَسَّطَ بَيْنَ إِحَالَةِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ، وَتَجْوِيزِهِ عَلَى اسْتِبْعَادٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ دَلِيلُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيُّ كَمَا مَرَّ، فَانْتَفَتِ الِاسْتِحَالَةُ، وَقَامَ دَلِيلٌ بَعْدَ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ مُطْلَقًا فِي كُلِّ عَصْرٍ، إِذْ مِنَ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا انْتِشَارُ الْحَادِثَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْبِلَادِ الْوَاسِعَةِ، وَبُلُوغُهَا إِلَى الْأَطْرَافِ الشَّاسِعَةِ، لِيَقِفَ عَلَيْهَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ، ثُمَّ يَذْكُرُ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا عَلَيْهِ فِي حُكْمِهَا يَعْتَمِدُ، وَإِلَيْهِ يَسْتَنِدُ ثُمَّ يُطْبِقُونَ فِيهَا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَادَةَ عَلَى هَذَا لَا تُسَاعِدُ، فَلِذَلِكَ ذَهَبَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى مَا ذَهَبَ، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ لِنِعْمَ الْمَذْهَبُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحَوَادِثِ تَقَعُ فِي أَقَاصِي الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ، وَلَا يَعْلَمُ بِوُقُوعِهَا مَنْ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَمَا وَالَاهُمَا، فَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ الْكُلِّيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ بِإِجْمَاعٍ جُزْئِيٍّ، وَهُوَ إِجْمَاعُ مُجْتَهِدِي الْإِقْلِيمِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ.
стр. 1312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً، فَمُتَعَذِّرٌ فِي مِثْلِهَا، إِذِ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا فَرْعُ الْعِلْمِ بِهَا، وَالتَّصْدِيقُ مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ، فَمَنْ لَا يَعْلَمُ مَحَلَّ الْحُكْمِ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ؟ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1313
وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ خِلَافًا لِلنَّظَّامِ فِي آخَرِينَ.
لَنَا: وَجْهَانِ.
الْأَوَّلُ: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُوجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِهِمْ، وَهُوَ دَوْرِيٌّ ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أَيْ: عُدُولًا ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وَالْعَدْلُ لَا سِيَّمَا بِتَعْدِيلِ الْمَعْصُومِ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا حَقٌّ، فَالْإِجْمَاعُ حَقٌّ.
الثَّانِي: مَا تَوَاتَرَ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ مِنْ نَحْوِ: «أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ» ، «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» حَتَّى صَارَ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَجُودِ حَاتِمٍ.
وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهَا ظَوَاهِرُ، وَعَلَى الثَّانِي مَنْعُ التَّوَاتُرِ بِدَعْوَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا شُبِّهَ بِهِ، ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِعُمُومِهِ وَهُوَ ظَنِّيٌّ إِذْ يَحْتَمِلُ: لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالِةِ الْكُفْرِ، وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَاطِعِ إِجْمَاعًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا لَتَعَارَضَ الْإِجْمَاعَانِ، أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى تَقْدِيمِهِ، وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا يُقَدَّمَ عَلَى الْقَاطِعِ غَيْرُهُ، وَلِلنَّظَّامِ مَنْعُ الْأُولَى.
ــ
قَوْلُهُ: «وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، خِلَافًا لِلنَّظَّامِ فِي آخَرِينَ» يَعْنِي: الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلنَّظَّامِ بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ وَالشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ، قَالُوا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
قَالَ النَّظَّامُ: الْإِجْمَاعُ كُلُّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ، وَنُسِبَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ شَنَاعَةَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
стр. 1314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «لَنَا» أَيْ: عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ «وَجْهَانِ» أَيْ: طَرِيقَانِ أَوْ مَسْلَكَانِ: «الْأَوَّلُ» : مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَوَعَّدَ بِالنَّارِ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ «يُوجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِهِمْ» وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرٍ، كَانَ سَبِيلًا لَهُمْ، فَيَكُونُ اتِّبَاعُهُ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ دَوْرِيٌّ» أَيِ: الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ، عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ دَوْرِيٌّ، أَيْ: يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ، لِأَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ لَيْسَتْ قَاطِعَةً فِي الدِّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَلَالَتُهَا ظَاهِرَةٌ، لَكِنَّ الظَّوَاهِرَ إِنَّمَا ثَبَتَ كَوْنُهَا حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِالظَّوَاهِرِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
قُلْتُ: يُمْكِنُ مَنْعُ لُزُومِ الدَّوْرِ هَاهُنَا بِأَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّوَاهِرَ إِنَّمَا كَانَتْ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ بِالْوَضْعِ وَالْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُ الظَّوَاهِرَ فِي كَلَامِهَا، وَتَتَفَاهَمُ بِهَا مَقَاصِدَهَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِجْمَاعٌ، ثُمَّ وَرَدَتْ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ، فَسَلَكْنَا فِي الِاحْتِجَاجِ بِظَوَاهِرِهَا نَهْجَهُمْ فِي ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ الْمَذْكُورُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣]
стр. 1315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«أَيْ: عُدُولًا» خِيَارًا، كَذَلِكَ قَالَ أَئِمَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ:
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَسَطُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: أَعْدَلُهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أَيْ: عَدْلًا، وَيُقَالُ أَيْضًا: شَيْءٌ وَسَطٌ، أَيْ: بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قَالَ: عُدُولًا.
قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: قِيلَ لِلْعَدْلِ: وَسَطٌ، لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي أَخْلَاقِهِ.
وَقِيلَ: شُبِّهَ بِوَسَطِ الشَّيْءِ، لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ مِمَّا يَلْحَقُ الْأَطْرَافَ مِنَ الْآفَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَطِ الْعُدُولُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] أَيْ: لِتَشْهَدُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْأُمَمِ أَنَّ أَنْبِيَاءَهُمْ بَلَّغُوهُمْ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْحِيدِ وَأَحْكَامِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، خُصُوصًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، عَلَى ذَلِكَ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ: وَهُوَ الْعَدْلُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَسَطَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْعَدْلُ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَصْفَهُمْ بِالْعَدَالَةِ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الْمَدْحُ إِذَا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ يَكُونُ صَوَابًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَصْفَ بِالْعَدَالَةِ، إِمَّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ
стр. 1316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِمَجْمُوعِهِمْ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ قَطْعًا، لِوُجُودِ آحَادِ الْفُسَّاقِ فِيهِمْ كَثِيرًا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الْوَصْفَ بِالْعَدَالَةِ لِمَجْمُوعِهِمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَصَوَابٌ، لِأَنَّ قَائِلَ غَيْرِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ يَكُونُ كَاذِبًا، وَالْكَاذِبُ لَا يَكُونُ عَدْلًا.
وَيَرِدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الصَّوَابَ وَالْحَقَّ؛ تَارَةً يَكُونُ عَنْ إِخْبَارٍ، فَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُ وُجُودُهُ فِي الْأُمَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْعَدَالَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ جُعِلُوا وَسَطًا لِيَشْهَدُوا عَلَى النَّاسِ، وَالشَّهَادَةُ إِخْبَارٌ، وَتَارَةً يَكُونُ الصَّوَابُ وَالْحَقُّ عَنْ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ مِنَ الْوَصْفِ بِالْعَدَالَةِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الصَّوَابِ النَّظَرِيِّ، لَا فِي الصَّوَابِ الْإِخْبَارِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠] ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ هَذَا مَدْحٌ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الْمَدْحُ إِذَا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ، وَالصَّوَابُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ، مِنْ أَنَّ الصَّوَابَ النَّظَرِيَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاللَّامُ فِيهِمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالْعُمُومِ، أَيْ: يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفُوتَهُمْ حَقٌّ وَلَا صَوَابٌ، لَا يَأْمُرُونَ بِهِ، وَلَا يَفُوتَهُمْ بَاطِلٌ وَلَا خَطَأٌ، لَا يَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا اتَّفَقُوا
стр. 1317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ، وَتَآمَرُوا بِهِ حَقٌّ وَصَوَابٌ، وَكُلَّ مَا اتَّفَقُوا عَلَى نَفْيِهِ، وَتَنَاهَوْا عَنْهُ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ مِنْ لَوَازِمِ إِجْمَاعِهِمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَيَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (تَأْمُرُونَ) وَ (تَنْهَوْنَ) مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، فَيَصْدُقُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ اللَّامَ فِي الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ، أَوْ لِبَعْضِ الْجِنْسِ، لِاسْتِحَالَةِ نَهْيِهِمْ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ فِي الْوُجُودِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: «وَالْعَدْلُ» إِلَى آخِرِهِ هَذَا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْأُمَّةَ عُدُولٌ، وَ «الْعَدْلُ» لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا حَقٌّ فَالْإِجْمَاعُ حَقٌّ «لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْهُمْ» لَا سِيَّمَا «إِذَا كَانَ الْعَدْلُ عَدْلًا» بِتَعْدِيلِ الْمَعْصُومِ «فَيَكُونُ الْحَقُّ لَازِمًا لَهُ، لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَصَرُّفِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ النَّظَرِيَّ لَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً عَنِ الْعَدْلِ، بَلِ الْحَقُّ الْإِخْبَارِيُّ هُوَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَدَالَةِ.
الثَّانِي: مِنَ الْمَسْلَكَيْنِ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ:» مَا تَوَاتَرَ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ مِنْ نَحْوِ: أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ إِلَى آخِرِهِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ صَادِرٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَالْأُمَّةُ مَعْصُومَةٌ وَالْمَعْصُومُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا الصَّوَابُ.
стр. 1318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ صَادِرٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، فَلِمَا سَبَقَ فِي حَدِّهِ، وَلِأَنَّ الْفَرْضَ ذَلِكَ، وَنَعْنِي بِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ مَجْمُوعَ مُجْتَهِدِيهَا، لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، إِذْ إِلَيْهِمْ إِبْرَامُ أُمُورِهِمْ وَنَقْضُهَا، وَحَلُّهَا وَعَقْدُهَا، وَسَيَأْتِي الدَّلِيلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ شَاحَّ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ؛ الْتَزَمْنَا قَوْلَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي اعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ الْخَصْمَ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
وَأَمَّا أَنَّ الْأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ، فَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ النَّبَوِيَّةَ فِي عِصْمَتِهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا، وَاشْتِرَاكِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ نَفْيُ الْخَطَأِ عَنْهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ : أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الضَّلَالَةِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِالَّذِي يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ وَفِي لَفْظٍ: «عَلَى الْخَطَأِ» وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ، فَأَعْطَانِيهَا، أَيْ: أَعْطَانِي تِلْكَ الْخَصْلَةَ الْمَطْلُوبَةَ. مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ. يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَا
стр. 1319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُبَالِي بِشُذُوذِ مَنْ شَذَّ، مَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ،
стр. 1320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُ اللَّهِ، مَنْ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ، شَذَّ فِي النَّارِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ، تَنَاقَلَهَا الْأَئِمَّةُ، وَتَدَاوَلُوهَا، مُتَلَقِّينَ لَهَا بِالْقَبُولِ، غَيْرَ مُنْكِرِينَ لِشَيْءٍ مِنْهَا، حَتَّى صَارَتْ لِتَوَاتُرِهَا الْمَعْنَوِيِّ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عِصْمَةَ الْأُمَّةِ مِنَ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْمَعْصُومَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا الصَّوَابُ، فَلِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْمَعْصُومِ وَمَفْهُومُهُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الصَّادِرَ عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ صَوَابٌ، وَالصَّوَابُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ حُجَّةً.
قَوْلُهُ: «وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمَسْلَكَيْنِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِمَا عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَاتِ الثَّلَاثِ، فَيَرِدُ عَلَيْهِ «أَنَّهَا ظَوَاهِرُ» لَا قَوَاطِعُ فِي الدِّلَالَةِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْإِجْمَاعُ الْقَاطِعُ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَصْلُحُ
стр. 1321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسْتَنَدًا لِلْقَوِيِّ، وَهَذَا عَيْنُ السُّؤَالِ الدَّوْرِيِّ الَّذِي سَبَقَ إِيرَادُهُ وَجَوَابُهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَنْعُ تَوَاتُرِهَا التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ بِدَعْوَى الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا شُبِّهَتْ بِهِ، مِنْ شَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا عَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا الْأَخْبَارَ الْمُدَّعَى أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، وَالْأَخْبَارَ الدَّالَّةَ عَلَى شَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁ وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَجَدْنَاهَا يَعْنِي الْعُقُولَ لَا تُصَدِّقُ بِالْأَوَّلِ كَتَصْدِيقِهَا بِالثَّانِي، بَلْ تَصْدِيقُهَا بِالثَّانِي أَقْوَى بِكَثِيرٍ جِدًّا، وَلَوْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً، لَسَاوَتْ أَخْبَارَ عَلِيٍّ وَحَاتِمٍ فِي قُوَّةِ التَّصْدِيقِ بِهَا، لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ كَمَا سَبَقَ، وَالْإِدْرَاكُ الْعِلْمِيُّ لَا يَتَفَاوَتُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَقْلَ جَازِمٌ بِوُجُودِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِصْرَ، وَبَغْدَادَ، وَالْبَصْرَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُتَوَاتِرَةِ جَزْمًا مُتَسَاوِيًا، لِتَوَاتُرِهَا، بِخِلَافِ الْبَصْرَةِ وَضَيْعَةٍ مِنْ ضِيَاعِ الْعِرَاقِ، يُقَالُ لَهَا: صَرْصَرَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الضِّيَاعِ، فَإِنَّ الْجَزْمَ بِهِمَا غَيْرُ مُتَسَاوٍ، لِعَدَمِ تَسَاوِيهِمَا فِي التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ صَرْصَرَا، لَمْ يَقَعِ الْجَزْمُ بِهَا إِلَّا عِنْدَ مَنْ عَايَنَهَا، أَوْ قَرُبَ مِنْهَا، فَتَوَاتَرَتْ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الْبَصْرَةِ; فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ بِهَا مَنْ قَرُبَ وَمَنْ بَعُدَ، فَإِنْ وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ تَفَاوُتًا بَيْنَ التَّصْدِيقِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ; وَأَنَّهُ بِمَكَّةَ أَشَدُّ تَصْدِيقًا; فَلَيْسَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَقِيقَةِ الْجَزْمِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى طُرُقِ الْإِخْبَارِ بِمَكَّةَ، فِي كُلِّ عَامٍ، عَلَى لِسَانِ
стр. 1322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ يَقْصِدُهَا مِنْ وُفُودِ الْحَاجِّ; أَمَّا الْجَزْمُ، فَحَقِيقَتُهُ لَا تَتَغَيَّرُ، وَلَا تَتَفَاوَتُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، وَوَجَدْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ أَخْبَارِ عَلِيٍّ وَحَاتِمٍ، وَالْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي عِصْمَةِ الْأُمَّةِ ; دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً، لِأَنَّ أَخْبَارَ عَلِيٍّ وَحَاتِمٍ مُتَوَاتِرَةٌ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ دُونَهَا فِي جَزْمِ الْعَقْلِ بِمُوجِبِهَا، وَمَا دُونَ الْمُتَوَاتِرِ لَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمَذْكُورَةَ مُتَوَاتِرَةٌ، لَكِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعُمُومِهَا وَهُوَ يَعْنِي الْعُمُومَ ظَنِّيٌّ لَا قَاطِعٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةِ الْكُفْرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِصْمَتُهَا مِنَ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ أَخَصُّ مِنَ الْخَطَأِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْأَخَصِّ انْتِفَاءُ الْأَعَمِّ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا اتَّجَهَ حَمْلُ الضَّلَالَةِ عَلَى الْكُفْرِ، حُمِلَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ وَجُعِلَ الْكُفْرُ مُبَيِّنًا لَهُ. وَقَوْلُهُ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ حَدِيثٌ لَيْسَ فِي دَوَاوِينِ السُّنَّةِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُرْوَى. وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْجَمَاعَةِ، لَا لِأَنَّ الصَّوَابَ الِاجْتِهَادِيَّ لَازِمٌ لَهَا، بَلْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ فِي نَفْسِ عَدُوِّ الْإِسْلَامِ، وَأَجْدَرُ بِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَالِاحْتِرَازِ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ الْقَاصِيَةَ شَبَّهَ الشَّيْطَانَ بِالذِّئْبِ، وَالْمُنْفَرِدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِالشَّاةِ الْمُتَخَلِّفَةِ عَنْ
стр. 1323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَمَاعَةِ الْغَنَمِ، فَيَحْكُمُ الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ حُكْمَ الذِّئْبِ عَلَى الْقَاصِيَةِ.
وَلِهَذَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا مَخَافَتِي مِنَ الْوَسْوَاسِ، لَسَكَنْتُ بِلَادًا لَا أَنِيسَ بِهَا، وَهَلْ يُهْلِكُ النَّاسَ إِلَّا النَّاسُ. وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَدِلَالَتِهَا عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِمَا يُنَاقِضُهَا، مِمَّا حَالُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ مِثْلُ حَالِهَا، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَتَفَرَّقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أُمَّتَهُ تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَالْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ لَوْ دَلَّتْ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، لَكَانَتْ إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى عِصْمَةِ جَمِيعِهَا، أَوْ عَلَى عِصْمَةِ بَعْضِهَا.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ دَلَّ عَلَى خَطَأِ أَكْثَرِهَا، وَهُوَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ مِنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فِي النَّارِ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ لَا يَكُونُ مَعْصُومًا، بَلْ لَا يَكُونُ صَالِحًا، فَضْلًا عَنْ مَعْصُومٍ.
стр. 1324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ مُجْتَهِدِي ذَلِكَ الْبَعْضِ لَيْسُوا جَمِيعَ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ ; بَلْ هُمْ مُجْتَهِدُو جُزْءٍ قَلِيلٍ مِنَ الْأُمَّةِ، إِذْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنَ الثِّنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فِيهَا مُجْتَهِدُونَ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ مِنَ الْأُمَّةِ. وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَقْدِيرُ أَحَادِيثِكُمْ: لَا يَجْتَمِعُ مُجْتَهِدُو فِرْقَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ، وَهُوَ خَبْطٌ عَظِيمٌ، وَصَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ أَكْثَرِ مَضْمُونِهِ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمَسْلَكَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَنْهَضَانِ بِالدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ.
قَوْلُهُ: «وَالْأَجْوَدُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَاطِعِ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: وَالْأَجْوَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ هَذَا الْمَسْلَكُ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُقَدَّمٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ، مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقَاطِعِ غَيْرُهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً قَاطِعَةً «لَتَعَارَضَ الْإِجْمَاعَانِ أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى» تَقْدِيمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ «وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا يُقَدَّمَ عَلَى الْقَاطِعِ غَيْرُهُ» وَتَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ مُحَالٌ.
قَوْلُهُ: «وَلِلنَّظَّامِ مَنْعُ الْأُولَى» أَيْ: مَنْعُ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: الْإِجْمَاعُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّصِّ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ هُوَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ، إِذِ النِّزَاعُ مَعَهُ. وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ تَفْسِيرِهِ الْإِجْمَاعَ بِكُلِّ قَوْلٍ
стр. 1325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَامَتْ حُجَّتُهُ، فَإِذَا قَامَتْ حُجَّةُ النَّصِّ، كَانَ مُقَدَّمًا عِنْدَهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقِيِّ، إِذْ لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَهُ.
وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَاطِعِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ، ثُمَّ اسْتِحَالَةُ تَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَيَكُونُ دَوْرًا وَمُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ.
стр. 1326
وَقِيلَ: لَمْ يَظْهَرْ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى خَالَفَ النَّظَّامُ، وَالْإِجْمَاعُ قَبْلَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِإِجْمَاعٍ سُكُوتِيٍّ ضَعِيفٍ عَلَى قَطْعِيَّةِ الْإِجْمَاعِ.
وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ مُقَدَّمًا عَلَى بَاقِي الْأَدِلَّةِ، لَا بِمَعْنَى الْجَازِمِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِلَّا لَمَا اخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: لَمْ يَظْهَرْ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ، حَتَّى خَالَفَ النَّظَّامُ، وَالْإِجْمَاعُ قَبْلَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ» .
هَذَا دَلِيلٌ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ، عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ النَّظَّامِ فِي نَفْيِ ذَلِكَ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَمْ يَزَالُوا يَتَمَسَّكُونَ عَلَى صِحَّةِ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يُظْهِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ خِلَافًا فِي التَّمَسُّكِ بِهِ، حَتَّى ظَهَرَ النَّظَّامُ فَخَالَفَ فِيهِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَةِ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَكَرِّرَةِ، مَعَ اخْتِلَافِ فِطَرِهِمْ، وَتَفَاوُتِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، عَلَى التَّمَسُّكِ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ،
стр. 1327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَذَلِكَ قَاطِعٌ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ، بِأَنَّهُمْ ظَفِرُوا بِقَاطِعٍ، دَلَّ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ النَّظَّامِ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ خِلَافُهُ مُعْتَبَرًا، لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقَاطِعِ.
قَوْلُهُ: «إِلَّا أَنَّهُ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَمْشِيَةٌ لِمَذْهَبِ النَّظَّامِ بِتَوْهِينِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ، مِنَ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ مُتَّجِهٌ بِالْجُمْلَةِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ «إِلَّا أَنَّهُ تَمَسُّكٌ بِإِجْمَاعٍ سُكُوتِيٍّ ضَعِيفٍ عَلَى قَطْعِيَّةِ الْإِجْمَاعِ» أَيْ: عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: مَا زَالُوا يَتَمَسَّكُونَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يُظْهِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ خِلَافًا ; هُوَ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ، وَهَلْ ذَلِكَ إِلَّا إِثْبَاتُ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ، كَمَا سَبَقَ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ بِالظَّوَاهِرِ.
وَاحْتَجَّ الْآمِدِيُّ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ: بِأَنَّ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى حُكْمٍ، وَجَزَمُوا بِهِ، وَبَلَغَ عَدَدُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، اسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يَتَنَبَّهَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْخَطَأِ فِيمَا حَكَمُوا بِهِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ بِحُكْمِ الْعَادَةِ عَلَى إِصَابَتِهِمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
стр. 1328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ تَخْتَصُّ بِمَا إِذَا بَلَغَ الْمُجْمِعُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَقَصُوا عَنْهُ.
قُلْتُ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ السَّابِقَةُ فِي قَوْلِنَا: وَقِيلَ: لَمْ يَظْهَرْ خِلَافٌ حَتَّى خَالَفَ النَّظَّامُ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ بُلُوغِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، بَلِ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ عَادَةً إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَمْرٍ، قَضَتِ الْعَادَةُ بِصَوَابِهِمْ فِيهِ. أَمَّا اشْتِرَاطُ التَّوَاتُرِ، فَغَيْرُ مُتَّجِهٍ، لِأَنَّ عَدَدَهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِعَدَدِ التَّوَاتُرِ الْعَدَدُ الَّذِي إِذَا أَخْبَرَ، حَصَّلَ خَبَرُهُ الْعِلْمَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، عِنْدَ إِخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ، لَا بِطَرِيقِ التَّوَلُّدِ عَنِ الْإِخْبَارِ.
وَحِينَئِذٍ لَا يُعْلَمُ الْعَدَدُ الَّذِي لَوْ أَخْبَرَ، لَأَفَادَ خَبَرُهُ الْعِلْمَ مَا هُوَ.
قَوْلُهُ: «وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً» إِلَى آخِرِهِ.
لَمَّا سَبَقَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَكَانَ الْقَاطِعُ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، كَقَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَتَارَةً يُطْلَقُ عَلَى مَا يَجِبُ امْتِثَالُ مُوجِبِهُ قَطْعًا، وَلَا يَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ شَرْعًا ; أَحْبَبْتُ أَنْ أُبَيِّنَ مَا الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إِجْمَالٍ وَاحْتِمَالٍ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً: أَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ «بِهِ مُقَدَّمًا عَلَى بَاقِي الْأَدِلَّةِ» : الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، فَيُقَدَّمُ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَمِيعِهَا بِحَيْثُ إِذَا
стр. 1329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَدَلَّ نَصُّ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْقِيَاسِ، أَوْ جَمِيعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ دُونَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بَاقِي الْأَدِلَّةِ، لِدِلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَصٍّ قَاطِعٍ نَاسِخٍ لِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ، أَوْ مُعَارِضٍ لَهَا رَاجِحٍ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً الْقَطْعَ الْعَقْلِيَّ، وَهُوَ الْجَزْمُ «الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَطْعِيًّا بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، لِأَنَّ الْقَوَاطِعَ الْعَقْلِيَّةَ لَا يُخْتَلَفُ فِيهَا، وَلَا فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ أَحْكَامَهَا الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعًا، كَمَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، أَوْ بِنَفْيِ الصَّانِعِ، أَوْ تَوْحِيدِهِ، أَوْ قُدْرَتِهِ، أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ بِنَفْيِ النُّبُوَّاتِ، وَدِلَالَةِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنْ سَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ الْحُكْمِ الْجَمَاعِيِّ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ قَاطِعًا، هُوَ الْقَطْعُ الشَّرْعِيُّ لَا الْعَقْلِيُّ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1330
ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ قَوْلُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، لَا الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ قَطْعًا، وَكَذَا الْعَامِّيُّ الْمُكَلَّفُ عَلَى الْأَكْثَرِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ لِتَنَاوُلِ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَهُ، وَجَوَازِ أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ.
لَنَا: غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ لَا يُعْتَبَرُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا خَالَفَ فَاعْتِبَارُ الْقَوْلَيْنِ وَإِلْغَاؤُهُمَا وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِ بَاطِلٌ، فَتَعَيَّنَ الرَّابِعُ، وَخُصَّ مِنَ الْأُمَّةِ بِدَلِيلٍ كَالصَّبِيِّ، وَيُعْتَبَرُ فِي إِجْمَاعِ كُلِّ فَنٍّ قَوْلُ أَهْلِهِ، إِذْ غَيْرُهُمْ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ عَامَّةٌ.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ فِيهِ» أَيْ: فِي الْإِجْمَاعِ «مَسَائِلُ» يَعْنِي أَنَّ مَا مَضَى مِنَ الْكَلَامِ فِي حَدِّهِ وَجَوَازِهِ، وَكَوْنِهِ حُجَّةً، هُوَ كَالْكُلِّيَّاتِ لِبَابِ الْإِجْمَاعِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كَالْجُزْئِيَّاتِ لَهُ:
الْمَسْأَلَةُ «الْأُولَى: الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ قَوْلُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، لَا الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ قَطْعًا، وَكَذَا الْعَامِّيُّ الْمُكَلَّفُ عَلَى الْأَكْثَرِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ» .
اعْلَمْ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ، فَمُوَافَقَتُهُ فِي الْإِجْمَاعِ مُعْتَبَرَةٌ قَطْعًا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ إِمَّا غَيْرُ مُكَلَّفٍ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَلَا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَتُهُ قَطْعًا، أَوْ يَكُونُ مُكَلَّفًا كَالْعَامَّةِ، وَيُلْحَقُ بِهِمْ طَلَبَةُ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا رُتْبَةَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الِاجْتِهَادِيِّ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَالْفُقَهَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ: أَعْتَبِرُ
стр. 1331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُوَافَقَةَ الْعَامِّيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ.
قَوْلُهُ: «لِتَنَاوُلِ الْأُمَّةِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْقَاضِي عَلَى اعْتِبَارِ الْعَامِّيِّ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِلدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ، وَإِيجَابِهِ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا سَبَقَ، وَلَفْظُ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ يَتَنَاوَلُ الْعَامِّيَّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: «أَنَّ الْعِصْمَةَ» جَازَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً لِلْمُجْتَهِدِينَ خَاصَّةً، كَمَا يَقُولُ الْخَصْمُ، وَجَازَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً «لِلْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ» وَالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّ الْأَخْذَ بِهَذَا أَحْوَطُ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَانَ وَاجِبًا. وَتَخْصِيصُ هَذَا الدَّلِيلِ بِالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إِجْمَاعًا لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالْعَامَّةِ، لِقِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّكْلِيفُ فِي الْعَامِّيِّ الْمُكَلَّفِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
وَالثَّانِي: الْعَامِّيُّ إِذَا فَهِمَ الْحُكْمَ وَدَلِيلَهُ قَدْ يَفْهَمُهُ، وَقَدْ يَخْطُرُ لَهُ رَأْيٌ أَوْ مَشُورَةٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ.
فَإِنْ قِيلَ: التَّكْلِيفُ الْمُجَرَّدُ عَنْ أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ، فَلَا يَكُونُ فَارِقًا بَيْنَ الْعَامِّيِّ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
قُلْنَا: بَلْ يَتَّجِهُ كَوْنُهُ فَارِقًا بَيْنَهُمَا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ عِصْمَةُ الْأُمَّةِ فَائِضَةً
стр. 1332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُنْصَبَّةً عَلَيْهَا مِنَ الْعِصْمَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَيُصِيبُ الْعَامِّيُّ الْمُكَلَّفُ مِنْهَا بِقِسْطِهِ، لِتَأَهُّلِهِ لِلْعِبَادَاتِ فِي الْحَالِ، إِذِ الْعِبَادَةُ وَأَهْلِيَّتُهَا بَرَكَةٌ وَتَأْثِيرٌ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَالِ كَالْبَهِيمَةِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ حُجَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامِّيِّ، وَهِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَ الْعَامِّيَّ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَامِّيًّا، وَمَا لَيْسَ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ، يَكُونُ جَهْلًا وَخَطَأً، لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ الْقَوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالْجَهْلُ وَالْخَطَأُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا خَالَفَ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ بِالنَّفْيِ، وَقَالُوا بِالْإِثْبَاتِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ قَوْلَاهُمَا، فَيَجْتَمِعَ النَّقِيضَانِ، أَوْ يُلْغَى قَوْلَاهُمَا فَيَرْتَفِعَ النَّقِيضَانِ، وَتَخْلُوَ الْوَاقِعَةُ عَنْ حُكْمٍ، أَوْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْعَامِّيِّ، فَيُفْضِيَ إِلَى تَقْدِيمِ مَا لَا مُسْتَنَدَ لَهُ عَلَى مَا لَهُ مُسْتَنَدٌ، وَالْكُلُّ «بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ الرَّابِعُ» وَهُوَ تَقْدِيمُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْعَامِّيَّ وَافَقَ الْمُجْتَهِدَ فِي الرَّأْيِ، كَانَ التَّأْثِيرُ لِرَأْيِ الْمُجْتَهِدِ دُونَ رَأْيِ الْعَامِّيِّ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا خَالَفَ، لَمْ يُعْتَبَرْ بِهِ.
قَوْلُهُ: «وَخُصَّ مِنَ الْأُمَّةِ بِدَلِيلٍ كَالصَّبِيِّ» . هَذَا جَوَابٌ عَنِ احْتِجَاجِ
стр. 1333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَاضِي بِتَنَاوُلِ لَفْظِ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَهُ، وَهُوَ عُمُومُ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ السَّمْعِيِّ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْعَامِّيَّ خُصَّ مِنْ عُمُومِ الْأُمَّةِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، كَمَا خُصَّ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِدَلِيلٍ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا عَدَمُ أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالتَّكْلِيفِ، وَالْفَهْمُ بِالتَّفْهِيمِ لَا أَثَرَ لَهُ.
أَمَّا التَّكْلِيفُ، فَلَوِ اعْتُبِرَ فِي الْعَامِّيِّ، لَاعْتُبِرَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا بِالْقُوَّةِ، إِذْ هُمَا أَهْلٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي الْعَامِّيِّ بِالْفِعْلِ، إِذْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ إِلْزَامُ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ. وَانْصِبَابُ الْعِصْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى الْأُمَّةِ يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِلْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ فِي الِاعْتِبَارِ.
وَأَمَّا فَهْمُ الْعَامِّيِّ بِالتَّفْهِيمِ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُ، إِذِ الْمُعْتَبَرُ مَنْ يَفْهَمُ بِقُوَّتِهِ لِيُفِيدَ وَيُنَبِّهَ النَّاسَ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ، لَا مَنْ يَكُونُ كَلًّا عَلَى الْعُلَمَاءِ يَقُولُ:
افْهَمُوا وَفَهِّمُونِي. وَأَيْضًا مَا أَقْبَحَ وَأَسْمَجَ أَنْ يُقَالَ فِي مَحْفِلِ الْإِجْمَاعِ وَالِاجْتِهَادِ: انْتَظِرُوا الْإِمَامَ الْفَاضِلَ الْمُجْتَهِدَ فُلَانًا، وَالْفَلَّاحَ أَوِ الْمُكَارِيَ فُلَانًا، أَوِ الْمُقَامِرَ فُلَانًا، وَبِمِثْلِ هَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: فُلَانٌ الْعَامِّيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْتَبَرَ الِاسْتِدْلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَكُونَ مِنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ كَالْعَامِّيِّ شَرْطًا فِي الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَنَدُ
стр. 1334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ، إِذْ يَبْعُدُ مِنْ حِكْمَةِ الشَّرْعِ أَنْ يَجْعَلَ نُفُوذَ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ مَوْقُوفًا عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ، مَعَ قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٣] ، إِذْ كَيْفَ يَأْمُرُهُمْ بِسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ كَالْأُمَرَاءِ عَلَيْهِمْ، لَا يَنْفُذُ قَوْلُهُمْ إِلَّا بِمُوَافَقَتِهِمْ ; هَذَا بِعِيدٌ جِدًّا، مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ، مُنَافِرٌ لَهَا، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِصْمَةُ لِلْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ. ضَعِيفٌ جِدًّا، إِذْ لَا يُفْهَمُ مِنْ عِصْمَةِ جَاهِلٍ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَأَيْضًا اعْتِبَارُ قَوْلِ الْعَامَّةِ فِي الْإِجْمَاعِ يَعُودُ بِبُطْلَانِ الْإِجْمَاعِ، لِكَثْرَةِ الْعَامَّةِ، وَتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّهُمْ لِقِلَّتِهِمْ لَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْعَوَّامُّ فِي الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ، كَتَحْرِيمِ الطَّلَاقِ، وَالرِّبَا، وَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، دُونَ الْإِجْمَاعِ الْخَاصِّ الْحَاصِلِ فِي دَقَائِقِ الْفِقْهِ.
قُلْتُ أَنَا: هَذَا أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ اعْتِبَارَ قَوْلِهِمْ مَعَ أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْعَامَّ يَحْتَاجُ إِلَى أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ، وَالْعَامِّيُّ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ فَإِنْ أُحِيلَ اعْتِبَارُ قَوْلِهِ فِي الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ عَلَى الْعِصْمَةِ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ; كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ; وَجَبَ طَرْدُ ذَلِكَ، حَتَّى فِي دَقَائِقِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا، إِذْ ذَلِكَ يَكُونُ اعْتِمَادًا عَلَى تَأْيِيدٍ إِلَهِيٍّ، عَلَى نَحْوِ التَّأْيِيدِ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: وَ «يُعْتَبَرُ فِي إِجْمَاعِ كُلِّ فَنٍّ قَوْلُ أَهْلِهِ» كَالْفَقِيهِ فِي الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَالنَّحْوِيِّ فِي النَّحْوِ، وَالطَّبِيبِ فِي الطِّبِّ «إِذْ غَيْرُهُمْ» أَيْ: غَيْرُ أَهْلِ ذَلِكَ الْفَنِّ «بِالْإِضَافَةِ» إِلَى ذَلِكَ الْفَنِّ «عَامَّةٌ» .
وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَفْظٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَامَّةِ، وَالْعَامَّةُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُمُومِ، وَهُوَ الْكَثْرَةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ بِكُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْلَمُهُ بِكَثِيرٍ، فَهُمْ عَامَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَالْفَقِيهُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، أَوِ الْأُصُولَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النُّحَاةِ وَالْأُصُولِيِّينَ، كَالْفَلَّاحِ وَالْمُكَارِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفُقَهَاءِ، فَإِنِ اتَّفَقَ مَنْ يَعْرِفُ فُنُونًا، كَالْفِقْهِ، وَالْأُصُولِ، وَالْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِهَا، اعْتُبِرَ قَوْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْهَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ الْفَنِّ، لَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْإِجْمَاعِ فِي فَنٍّ إِجْمَاعُ أَهْلِ سَائِرِ الْفُنُونِ، لِأَنَّ أَسْوَأَ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَكُونُوا كَالْعَامَّةِ وَهُوَ يَعْتَبِرُ قَوْلَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →